Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
في الوجود إلا أم واحدة لكل مخلوق وأب واحد وقد ماتت أمهما! وأنه ليخشى أن يفقدا في سبيل البحث لهما عن أم ثانية - أباهما الواحد؛ يخشى أن تستأثر به زوجه فلا يكون لهما أب ولا أم!
وتعرّف إلى صديق جديد، هو زميله في الديوان، وتوثقت عُرى الودّ بينهما فاطمأن كل منهما إلى صاحبه، وتعاهدا على الوفاء فكانا روحاً في جسدين، واتحدا عاطفة وإحساساً فصارا - كالشخص وخياله - يبتسمان ويقطبان في مرآة.
وعرف (إبراهيم) من حال صاحبه ما نعرف فنصح له أن يتزوج، وعرض عليه أخته زوجاً له وأماً لولديه. . . ومضى شهران زفّت بعدهما (زينب) إلى نجيب، فرأى من أدبها وإشراق طلعتها وحسن معاملتها لولديه - ما أعاد إليه بهجة الشباب. وكأنما تناول القدر مقصاً قطع به ذلك الجزء الباقي من صور الماضي القريب ليصل عهدين كلاهما له من السرور رونق ورواء.
وعاد إليه أنسه، واطمأنت نفسه، واستروح نسيم السعادة وتفيأ ظل الاستقرار، ومضت أشهر.
وقالت له زوجه: (البيت مدرسة الفتاة، فهلا احتجزنا كريمة عن مدرستها تعرف من شئون البيت ما عرفت من فنون العلم، وتجيد في الطهي ورفو الثياب ما تجيد من القراءة ومداعبة القلم؟)
وتريث نجيب قليلاً ثم سمع لكلام زوجه، وبقيت كريمة من اليوم التالي في البيت تستمع إلى دروس جديدة من فن تدبير المنزل، وعرفت كيف تدير الملعقة في القدر، وكيف تقشر البصل وكيف تغسل الأطباق وترتبها على المائدة في نظام جميل. وكانت تفرح حين تكلفها (أمها) إعداد شئ، أو تطلب إليها مرافقة الخادم إلى السوق لقضاء حاجة، ولم يكن يسوءها شئ أكثر مما تسوءها سرعة اتساخ ملابسها الزاهية؛ لأنها كانت تغسلها بنفسها. . وخرجت الخادم مرة فلم تعد؛ لأن زينب طردتها. وقالت لزوجها:
- إن هؤلاء الخادمات لا يحسنّ القيام بشيء غير طلب الأجر، وأكثرهن لا يعرف الأمانة ولا يشكر النعمة؛ فلا تتعجل في اختيار أخرى قد تكون شراً من سابقتها، وسأبحث على مهل عن خادم أمينة لا تضايقنا ما كانت تضايقنا تلك الفتاة الملعونة. . . وأسند عمل الخادم
стр. 5742
مؤقتاً إلى كريمة، ولكن هذا التوقيت لم يكن إلى نهاية. . .! فلم تعد تلك الفتاة الناضرة التي كانت، وانطفأ بريق عينيها، وذبل خداها، وعلت وجهها غبرة من الحزن كانت تواريه عن أبيها. . . وأخذت تعود إلى رأسها الصغير ذكريات بعيدة مشرقة، تبدو خلف ضباب البعد في فتنة الخيال - ذكريات عن أم أخرى رفيقة كانت دائماً تبتسم في وجهها، وكثيراً ما كانت تحتضنها إلى صدرها وتقبلها وتعنى بنظافتها وراحتها، فتصنع لها اللعب وتشاركها اللعب بها؛ وكانت إذا جاء المساء تروح تحدثها حديثاً عذباً، وتقص عليها حكايات لا تزال تذكر بعضها، فإذا جاء وقت النوم احتوتها بين ذراعيها، ثم لا تستيقظ في الصباح إلا على نغمات من صوتها النديّ الرقيق. أين ذهبت تلك الأم فلم تعد، ومن هذه الأخرى؟ لقد كانت أمها الأولى أرحب صدراً وأوسع عطفاً وأكثر حناناً.! وابتدأت الفتاة تتبرم بما تؤديه من عمل، وابتدأت زينب تشكوها إلى أبيها. وأول مرة سمعتها كريمة من بعيد تحدث أباها عنها ذهبت إلى غرفتها وجلست تبكي، فلم يسأل عنها أحد.
ويوماً عاد صلاح من المدرسة في الصباح، فقد طرده الضابط لقذارته، وانهالت عليه (أمه) توبخهوتشتمه، وتركته منزوياً في جانب من الردهة يبكي حتى عاد أبوه في الظهر. ورفعت إليه الشكوى من (ولده) وتجاهلت أشياء واختلقت أشياء. وغضب الوالد، وهم بالولد يخيفه برفع يده، ووقفت كريمة في الطريق: (أبي، ما هذا؟ إن أخي لم يفعل ذنباً، أمي هي التي تهمله!)
وسقطت يد الرجل بجانبه، لقد رأى كريمة في صورة أخرى، لكأنه لم يسمع صوتها منذ زمن طويل. هذا الصوت الذي تحدثه به لشد ما أثار في نفسه من ألم وأعاد إلى رأسه من ذكريات. ووازن بين صورتي ابنته أمس واليوم؛ صورتها أمس في طفولتها الجميلة وهي جالسة في حجره تعبث بشاربه وتربت بيدها على خده. لقد كانت مثل زهرة تفتحت في الربيع تتألق في حسن وتفوح بعطر - وصورتها اليوم! ماذا تلبس؟ إنها ثياب الخادم المطرودة. . . وحوّل وجهه إلى ناحية أخرى فأبصر ولده متجمعاً من خوف في زاوية المكان: صلاح. ووقف الولد يرتعد، وجذبه أبوه برفق، وطأطأ رأسه في ذلة، وانحدرت من عينيه دمعة: ولدي. وتهدج صوته فأمسك عن الكلام؛ وأحست زينب عاصفة توشك أن تنقضّ فانسحبت في هدوء.
стр. 5743
لم يتحدث نجيب مع زوجه في شأن العناية بولديه، فقد عرف معنى انسحابها، وأدرك أنها فهمت ما همّ أن يفعله. . . وعادت الحياة في البيت مطمئنة هادئة، فقد غيرت زينب سياستها في معاملة الولدين، ونسي نجيب ما كان، أو كاد.
وليلةً جلسوا على المائدة للعشاء، ومد صلاح يده يتناول قطعة من الفاكهة، فانجذب إليه غطاء المائدة فتلف نظامها وسقط بعض الأطباق على ملابسه وملابس أخته في جواره، وغضب أبوه ونظر إليه نظرة، وتوقفت زينب عن الأكل لحظة تقلب بصرها في نظرات ذات معنى بين الولد وأبيه، وتألم الولد فقام عن المائدة يدعي الشبع، ثم نهضوا جميعاً. ولم يطل بهم السهر تلك الليلة فصحب الرجل زوجه إلى النوم، وترك الولدين يهيئان فراش نومهما في غرفتهما. ولما سكن الصوت قالت زينب:
- نجيب! أرأيت ما فعل صلاح؟ لقد فقدت شهوتي للطعام حين رأيتك متألماً لما فعل، ألا ترى من الخير أن يأكلا وحدهما؟
- زينب! اسكتي. ونهض الرجل إلى الفراش ولكن لم يغمض له جفن، لقد تعاورته أفكار مظلمة، وأخذ يردد النظر بين حاضره وماضيه، لقد كان للأسرة معنى يحس وحدته في قلبه فأصبح لها في مرأى عينيه معنيان؛ في زوجه وولديه. ورجع أدراج الزمن يلاحق ذكريات عزيزة كاد يطمسها البعد الطويل؛ ثم أخذته إغفاءة الفجر، وخرجت له امرأته الأولى من فكره المضطرب وقلبه المتألم - طيفاً يعاتبه؛ وتخلت عنه حجة المعتذر؛ وأغضى حياءً من عنف تأنيب تينك العينين؛ ورأى ولديه يفران في رعب وفزع إلى حيث يلتمسان الأمان في صدر أمهما. وابتسم الطيف في رثاء وألم. . . واستيقظ، فارتدى ملابسه على عجل وخرج مبكراً إلى الديوان.
ووقف إبراهيم أفندي على سر صاحبه، وآلمه من أخته أن تكون على ما وصف زوجها قسوة وغلظة، ولم يخش على عشها أن ينهدم أكثر مما يخشى على ما بينه وبين صديقه من ود أن تنفصم عروته، وينحل وثاقه، ويعبث في عقدة الإخلاص منه إصبع الشيطان أو إصبع امرأة. . . ودبرا أمراً وافترقا على ميعاد.
في عصر ذلك اليوم دعا نجيب زوجه إلى نزهة، فركبا سيارة إلى بيت أخيها حيث استودعها نجيب إلى أن يعود. وأبدى إبراهيم لمقدمها شعور مرتاح وهو يخفي الغيظ في
стр. 5744
صدره، وتعلق بها أولاد أخيها يتجاذبون ثوبها في سرور ظاهر، واستقبلتها زوجه بقبلة وداد وعناق مشتاق؛ واستدارت بهم حلقة يتناولون من كل حديث طرفاً، ويتبادلون شتى ذكريات أمس وأنباء اليوم وآمال الغد:
منذ أشهر لم تطأ زينب عتبة هذه الدار؛ منذ فارقتها إلى بيت زوجها تعترك في رأسها أحلام، وتصطرع في نفسها عواطف، وتعبث بطمأنينتها رهبة، وتتحرك في دمها غريزة امرأة، ترى ماذا تحقق من أحلامها وما أخفق وماذا تسعى إليه بعد، وأي حاليها كانت خيراً: حالها الآن وقد أصبحت ربة بيت وصاحبة أمر وسلطان، أم حالها أمس في تلك الغرفة من بيت أخيها ريانة شبعانة كاسية، ثم حسبها مما وراء ذلك من سعادة العيش أحلام لا تولد إلا في الظلام فلا تعيش تحت الشمس؟
وانتهت تأملاتها وقد زحف الظلام ولم يعد نجيب؛ ترى أي جليل من الأمر تلكأ به وهو الوفي إذا وعد! وهتف نفسها إليه، وهتف باسمه الشوق، وتحدثت إليه المنى: متى يعود.؟ ومد الليل رواقه ولم يعد، وراحت تتناهبها الأفكار، وتنوشها الهواجس، وتعبث بلبها مختلف الخواطر، وذكرت موقفها من ولديه أمس وموقفه، وخشيت أن يكون به ألم من بعض ما فعلت يريد أن يعاقبها عليه. . .
وكأن لم يكن لها عهد بالأكل على مائدة أخيها فجلست تقلب بصرها في أنواع الطعام وفي وجوه الآكلين، لا تكاد تمد يدها أو تحرك فكيها. وقاموا عن المائدة، ثم أوشك الليل أن ينتصف ولما يعد نجيب. . . وغلبها الخوف والألم، وهمت أن تكاشف أخاها بما في نفسها فلم تفعل، وطوت صدرها على هم متكبر! وقام أخوها يتثاءب فدعاها إلى النوم هناك. . . في الغرفة التي ودعتها منذ أشهر يوم صحت من أحلامها تستقبل الحياة التي طالما تمثلتها وتخيلت أيامها ولياليها في كنف الزوج العزيز. . وسلخت ليلتها لم تنم على جنب واحد، وأقبل الصباح أقبح من ليل داج مخيف. ومضى يوم ويوم وأيام وهي تصبح وتمسي على حال واحدة، وأحست أنها ضيف مملول. وشعرت بالوحشة تكتنفها، واجتمعت عليها الأفكار السود، ولم تستبن في ظلام يومها ما يضمره لها الغد، وأيقنت بما هناك. . . أترى زوجها يقدم على ذلك وهو الذي كانت تعرف من حبه إياها أنه يشق عليه أن يفارقها لحظة، فهل يطيق أن يفارقها إلى الأبد؟ ولكنها لم تحرص على هذا الحب، لقد كانت تطمع أن يكون لها
стр. 5745
وحدها قلبه، وأن تستأثر بحبه من دون ولديه، ففقدت كل شئ ولم تظفر بشئ!!
وقال لها أخوها وقد جلسوا للطعام:
- لماذا لا تأكلين يا زينب؟ لعلك تخجلين أن تجلسي معنا على المائدة، فلا حرج أن تأكلي وحدك إن كان يحلو لك ذلك؛ وتستطيعين أن تطهي طعامك بيدك إذا أحببت ألا تأكلي من طعامنا. ونظر إلى زوجه ونظرت إليه. وسكتت زينب فلم تجب، ولم تأكل أيضاً، فقد ازدحمت في عينيها الدموع. وقامت عن المائدة فلم يلح عليها أن تجلس كما يلح على زوجه وأولاده حين يفرغون قبله من الطعام. أتراها ثقلت عليهم إلى حد أن يكرهوا أن تأكل معهم من طعام واحد؟ لقد هانت عليهم من قبل، حين أذنوا للخادم أن تسافر لزيارة أمها، وتركوها وحدها تؤدي عملها، فلم يساعدها أحد أو يشكر لها يداً، أي هوان!
وخلت إلى نفسها تبكي وتدفن الزفرات في صدرها، ثم تحصي الزمن وتقدر حساب الغد. لقد طال بها الانتظار ونجيب لما يعد. . ومرت بها من الماضي صورة فذكرت. . لكم كانت قاسية جبارة في معاملة كريمة وصلاح، ما أقبح الجريمة وما أعدل الجزاء! وانحدرت على خدها عبرة الندم. لقد كانت عمياء فأبصرت، واشتملها إحساس عميق بالرثاء والعطف؛ كيف لم تدرك من قبل سوء ما كانت تصنع؟ إنه ذنب الصغيرين، ستكفّر عنه حين تعود، ولكن. . . هل تعود؟
وتركت كبرياءها في الغرفة وخرجت تحدث أخاها:
- إبراهيم، ألم يقابلك نجيب؟
- بلى.
- انه لم يحضر!
- أعرف ذلك!
- وهل تعرف السبب؟
- السبب؟!
وتركها مطأطئة الرأس تبكي في حسرة وندم ومذلة، وراح يخفي علائم الظفر تبدو في أساريره؛ لقد أفلحت الخطة ونجح العلاج.
وحين عاد في المساء كانت زينب لا تزال تبكي. لقد غلت القدر وتوشك أن تنفجر؛
стр. 5746
واقترب منها فوضع يده على كتفها؛ ورفعت إليه عينين مخضّلتين بالدموع، واندفع في غير رفق يصب عليها جام غضبه، ويوجه إليها قارص اللوم وعنيف العتاب؛ وراحت تعتذر في كبرياء جريح، وراح يحملها تبعة ما يخشاه؛ يخشى أن يفقد صديقه أكثر مما يخشى أن تفقد زوجها. . . ثم ترك القدر في غليان.
والتقى الصديقان، وقص إبراهيم على صديقه ما سمع وما رأى. . . وجلست زينب تصارع اليأس بالإيمان، وتغالب الحزن بالأمل. ومر يومان ولم يعد إبراهيم إلى التحدث معها في شأن زوجها، ولم يعد نجيب. وغلبها الهم واليأس، واستسلمت للمقادير مؤمنة بأنها إنما تلقى جزاءها العادل. وجاء يوم الجمعة ثالثاً وعاد إبراهيم من الصلاة ومعه ضيف. لقد عاد نجيب بعد طول الغياب!
وجلسوا حول المائدة يتداعون إلى شهي الطعام، ويتبادلون بين اللقيمات كلمات قصيرة عذبة. ثم انفضوا عن المائدة يسمرون، إلا نجيباً وزينب؛ لقد ظلا صامتين، ولكن ضمائرهما كانت تتناجى في حديث خافت، وخواطرهما تفترق وتتلاقى.
وفي اليوم التالي حين عادت زينب إلى عشها المهجور كانت أسعد منها يوم قدمت إلى هذا البيت أول مرة عروساً متوجة بالزهر مودعة بالزغاريد. ورأت كريمة (أمها) فأسرعت تسلم عليها في لهفة وشوق، وعلى فمها ابتسامة، وفي نظراتها بشر وفرح وترحيب. وهرول إليها صلاح يتعلق بذراعها ويجذبها إلى الخلف كأنما يخشى أن تهجره ثانية إلى غير لقاء.
لقد استوحش الطفلان لغيبة زينب، فنسيا كل ما كان من قسوتها، لأن قلوب الصغار طاهرة بريئة، لا تمسك العداوة، ولا تذكر السيئة، ودنياها يومها المتجدد. وكأنما أحس الولدان إن المصيبة إن كانت في فقد الأم، فتمامها أن يفقدا شبه الأم!.
ورأت زينب في ترحيب الصغيرين معنى لم تحسه من قبل، وتحركت فيها الأمومة، وتزاحمت في رأسها إحساسات شتى: من الندم، ومن الحب، ومن التأثر بهذا الوفاء. وطفرت من عينيها قطرتان من الدمع تلهبان خديها بأقسى مما يلذع صدرها الندم. واقتربت منها كريمة وعلى شفتيها تساؤل مشفق:
- أمي، أنت تبكين؟ لا يا أمي، لا تبكي لا تبكي. ودفنت رأسها في صدر زينب مختنقة
стр. 5747
بالعبرات. ووقف صلاح على مقربة، وقد وضع إصبعه على فيه في حيرة ودهش مما يرى. وتحرك في قلب زينب حنين الحب، فمسحت بيدها في رفق وحنان على رأس (ابنتها) وتدانى فم من وجنتين. وأقسمت، وأشهدت ربها، لتكونن من اليوم لهذه الطفولة الوفية - أمهما الثانية.
محمد سعيد العريان
стр. 5748
العدد ٦٩ - بتاريخ: ٢٩ - ١٠ - ١٩٣٤
стр. 5749
لجنة التأليف والترجمة والنشر
كيف نشأت فكرة هذه اللجنة؟
بمناسبة عيدها الفضي
بقلم الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم بالجامعة المصرية وعضو
اللجنة
لابد لمن يريد أن يفهم كيف نشأت لجنة التأليف والترجمة والنشر أن يرجع إذا أمكنه العمر، وأسعدته الذاكر، إلى حال مصر منذ عقدين، أي إلى عام ١٩١٤ حين تأسست اللجنة، لا، بل لابد له أن يرجع بذاكرته إلى عقد أو بعض عقد قبل ذلك، أيام كانت الكثرة من أعضاء اللجنة المؤسسين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة، تلك السن الحساسة التي فيها يتصل اليافع بالحياة العامة لاول مرة، يتصل بها بقلبه اكثر من عقله، ويهتز عنيفا بحوادث قلما يفقه كنه أسبابها ومراميها. ففي تلك السنوات صاح أول صائح أسمع بالاستقلال، فسمعنا صوته خافتا في حجرات الفصول الابتدائية، أو سمعناه أكثر وضوحا وأعلى نبرة في حجرات الفصول الأولى من المدارس الثانوية، ثم شاء الله أن يذهب بصاحب الصوت ويؤثره بجواره، فكانت لانتقاله من الدار إلى الدار رنة جزع دوت في مصر والصعيد، وأنتجت ذلك المشهد الخالد الذي بدأ كالبحر الزاخر عند (لازوغلي)، ثم سال في شوارع القاهرة خاشعاً صامداً إلا صوتاً يوحد الله، فبلغ الصحراء وما زال في المنبع فيض، وأبت المدارس على الطلبة الخروج، فحطمت أبواب وفتحت قسرا نوافذ، ورأينا جبار المعارف يطل على المشهد الرهيب من وراء حجاب وهو لا يكاد يصدق عينيه
ذلك هو الحدث الأول الذي فتح للعيون الصغيرة أول كوة تطل منها على شيء يسمى وطنا، وعلى ناس فيه بائسين يسموني أهلا، وهو أول صدع في القلوب الصغيرة فتح فيها مدخلا لحب الخير ورعاية الغير، وقد كنا ربينا تربية من لون العصر الذي نعيش فيه، لا تعين على الأكثر إلا حب الذات، والاستعداد للرزق عن طريق المرتبات
وجاء من بعد ذلك هذا الحدث أحداث، ونحن نتماشى معها حدثاً حدثاً، وجاءت من بعد هذا
стр. 5750
على الشرق، أو على تركيا ممثلة الشرق نوازل، ونحن نتبعها نازلة نازلة، فكانت حرب البلقان وكانت حرب الطليان، وجرت الشائعات بالمزعجات، وتجهم المستقبل، فغلت تلك القلوب الطرية الشابة، فكانت جماعات، وكانت اجتماعات، وكانت مظاهر للإخلاص لا تكون إلا في عهد النبوة، وحوادث للتجرد من منافع النفس لا تكون إلا بوحي السماء، وكانت أراء، وكانت خطط للمستقبل اتسعت لها قلوبنا الكبيرة، واتسعت لها كذلك رؤوسنا الصغيرة، وضاقت بها ممكنات الحياة، وأخذ العود اللين يشتد، والبصر القاصر يمتد، والرأي الفطير يختمر، والخيال العالي يهبط من لازورد السماء سواد الأرض، حتى جاءت الحرب العظمى، فلم يكن بد في مصر من طلب النهضة من أوثق السبل وأقربها من مظاهر المسالمة والسلام، من طريق بث العلم بكل وسائل البث، ونشر الثقافة بكل أساليب النشر، فتألفت لجنة التأليف والترجمة والشر من نفس ذلك النفر الذي كوته الحوادث، وصهرته التجارب، وميزته الآلام
(كم ربحنا من الحلبة هذا العام يا فريد؟) و (كم خسرنا في الفول يا يوسف؟) تلك كانت بضاعة اللجنة الأولى، وذلك رأس مالها الذي كان، جمعته من قروش بقدر ما سمحت به أكياسهم الخفيفة منذ عشرين عاما، ولم يكن لها مقر إلا بيوت متواضعة هي منازل أعضائها. وارتأوا تأليف الكتب المدرسية والشعبية، وفاضوا بينها، ونزلوا بحكم الحاجة إلى المال إلى أقرب الصنفين مكسبا، فبدأوا بالمدرسية، رجاء أن ينفق من أرباحها على الكتب الشعبية، فكان أول كتاب أخرجته كتاب (مبادئ الكيمياء للمدارس الثانوية)
هذه هي اللجنة إلى حين إنتاجها أول نتاج لها، وهذه إشارة خفيفة إلى تاريخ نشأتها، وفي تتبع تفصيلات هذه النشأة تتبع لبعض تفاصيل النهضة المصرية في ذلك الأوان، فليس تاريخ اللجنة تاريخ أفراد، ولو كان كذلك لهان، وإنما هو فصل موجز من تاريخ هذا البلد، وقطعة صغيرة من نهضة هذه الأمة، ومرآة يرى الرائي فيها بعض آثار ذلك الزمان.
أحمد زكي
стр. 5751
رؤيا في السماء
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قال أبو الخالد الأحوال الزاهد: لما ماتت امرأة شيخنا أبي ربيعة الفقيه الصوفي، ذهبت مع جماعة من الناس فشهدنا امرها؛ فلما فرغوا من دفنها وسوى عليها، قام شيخنا على قبرها وقال: يرحمك الله يا فلانة! الآن قد شفيت أنت ومرضت أنا، وعوفيت وابتليت، وتركتني ذاكرا وذهبت ناسيا، وكان للدنيا بك معنى، فستكون بعدك بلا معنى؛ وكانت حياتك لي نصف القوة، فعاد موتك لي نصف الضعف؛ وكنت أرى الهموم بمواساتك هموما في صورها المخففة، فستأتيني بعد اليوم في صورها المضاعفة؟ وكان وجودك معي حجابا بيني وبين مشقات كثيرة، فستخلص كل هذه المشاق إلى نفسي؛ وكانت الأيام تمر اكثر ما تمر في رقتك وحنانك، فستأتيني اكثر ما تأتي متجردة في قسوتها وغلظتها. أما أنا والله لم أرزأ منك في امرأة كالنساء، ولكني رزئت في المخلوقة الكريمة التي أحسست معها أن الخليقة كانت تتطلف بي من أجلها!
قال أبو الخالد: ثم استدمع الشيخ، فأخذت بيده ورجعنا إلى داره، وهو كان اعلم يما يعزى الناس بعضهم بعضا، واحفظ لما ورد في ذلك؛ غير أن الكلام ساعات تبطل فيها معانيه أو تضعف، إذ تكون النفس مستغرقة الهم في معنى واحد قد انحصرت فيه، إما من هول الموت، أو حب وقع فيه من الهول ظل الموت، أو رغبة وقع فيها ظل الحب، أو لجاجة وقع فيها ظل الرغبة. فكنت أحدثه واعزيه، وهو بعيد من حديثي وتعزيتي؛ حتى انتهينا إلى الدار فدخلنا وما فيها أحد؛ فنظر يمنة ويسرة، وقلب عينيه ههنا وههنا، وحوقل واسترجع، ثم قال: الآن ماتت الدار أيضا يا أبا خالد! إن البناء كأنما يحيا بروح المرأة التي تتحرك في داخله؛ وما دام هو الذي يحفظها للرجل، فهو في عين الرجل كالمطرف تلبسه فوق ثيابها من فوق جسمها: وانظر كم بين أن ترى عيناك ثوب امرأة في يد الدلال في السوق، وبين أن تراه عيناك يلبسها وتلبسه! ولكنك يا أبا خالد لا تفقه من هذا شيئا، فأنت رجل آليت لا تقرب النساء ولا يقربنك، ونجوت بنفسك منهن وانقطعت بها لله؛ وكأن كل نساء الأرض قد شاركن في ولادتك فحرمن عليك! وهذا مالا افهمه أنا إلا ألفاظا، كما لا تفهم أنت ما أجده الساعة إلا ألفاظا؛ وشتان بين قائل يتكلم من الطبع، وبين سامع يفهم
стр. 5752
بالتكلف.
فقلت له يا أبا ربيعة، وما يمنعك الآن وقد أطرحت أثقالك وانبتب أسبابك من النساء - أن تعيش خفيف الظهر، وتفرغ للنسك والعبادة، وتجعل قلبك كالسماء انقشع غيمها فسطعت فيها الشمس؛ فإنه يقال: إن المرأة ولو كانت صالحة قانتة - فهي في منزل الرجل العابد مدخل الشيطان اليه، ولو أن هذا العابد كان يسكن في حسناته لا في دار من الطوب والحجارة لكانت امرأته كوة يقتحم الشيطان منها. ولقد كان آدم في الجنة، وبينهما وبين الأرض سماوات وأفلاك، فما منع ذلك أن تتعلق روح الأرض بالشيطان، فيتعلق الشيطان بحواء، وتتعلق هي بآدم؛ ومكر الشيطان فصور لهما في صيغة مسئلة علمية، ومكرت حواء فوضعت فيها جاذبية اللحم والدم، فلم تعد مسئلة علم ومعرفة، بل مسئلة طبع ولجاجة. فأكَلا منها فَبدَتْ لهما سَوْءَاتُهُمَا. وهل اجتمع الرجل والمرأة من بعدها على الأرض إلا كانا من نصب الحياة وهمومها، وشهواتها ومطامعها، ومضارها ومعايبها - في معنى (بَدَتْ لهما سَوَْآتُهُمَا). . .؟
كلانا يا أبا ربيعة ممن لهم سير بالباطن في هذا الوجود غير السير بالظاهر، وممن لهم حركة بالفكر غير الحركة بالجسم؛ فقبيح بنا أن نتعلق أدنى متعلق بنواميس هذا الكون اللحمي الذي يسمى المرأة؛ فهو تدل وإسفاف منا. ولعلك تقول: (النسل وتكثير الآدمية.) فهذا إنما كتب على إنسان الجوارح والاعضاء، أما إنسان القلب فله معناه وحكم معناه؛ إذ يعيش بباطنه، فيعيش ظاهره في قوانين هذا الباطن، لا في قوانين ظاهر الناس. وإنه لشر كل ما نقلك إلى طبع أهل الجوارح وشهواتهم، فزين لك ما يزين لهم، وشغلك بما يشغلهم؛ فهذا عندنا - يرحمك الله - باب كأنه من أبواب المجون الذي ينقل الرجل إلى طبع الصبي.
فاطمس يا أخي على موضعها من قلبك، وألق النور على ظلها؛ فالنور في قلب العابد نور التحويل إن شاء، ونور الرؤية إن شاء، يرى به المادة كما يريد أن تكون لا كما تكون. وأنت قد كانت فيك امرأة، فحولها صلاة وأعمل بنورك عكس ما يعمل أهل الجوارح بظلامهم، فقد تكون في أحدهم الصلاة فيحولها امرأة. . .
قال أبو ربيعة: تالله أنه لرأي؛ والوحدة بعد الآن أروح لقلبي، وأجمع لهمي؛ وقد خلعني الله
стр. 5753
مما كنت فيه، وأخذ القبر امرأتي وشهواتي معا، فسأعيش ما بقي لي فيما بقي مني. وزوال شئ في النفس هو وجود شيء آخر. ولقد انتهيت بالمرأة ومعانيها وأيامها إلى القبر، فالبدء الآن من القبر ومعانيه وأيامه.
وتواثقا على أن يسيرا معا في (باطن) الوجود. . .! وأن يعيشا في عمر هو ساعة معدودة اللحظات، وحياة هي فكرة مرسومة مصورة. قال أبو خالد: ورأيت أن أبيت عنده وفاء بحق خدمته، ودفعا للوحشة أن تعاوده فتدخل على نفسه بأفكارها ووساوسها. وكان قد غمرنا تعب يومنا، وأعيا أبو ربيعة وخذلته القوة؛ فلما صلينا العشاء قلت: يا أبا ربيعة، أحب لك أن تنعس فتريح نفسك ليذهب ما بك، فإذا استجممت أيقظتك فقمنا سائر الليل.
فما هو إلا أن اضطجع حتى غلبه النعاس. وجلست أفكر في حاله وما كان عليه وما اجتهدت له من الرأي؛ وقلت في نفسي: لعلني أغريته بما لا قبل له به، وأشرت عليه بغير ما كان يحسن بمثله فأكون قد غششته. وخامرني الشك في حالي أنا أيضا، وجعلت أقابل بين الرجل متزوجا عابدا، وبين الرجل عابدا لم يتزوج؛ وأنظر في ارتياض أجدهما بنفسه وأهله وعياله، وارتياض الآخر بنفسه وحدها؛ وأخذت أذهب وأجئ من فكر إلى فكر، وقد هدأ كل شئ حولي كأن المكان قد نام، فلم ألبث حتى أخذتني عيني فنمت واستثقلت، كأنما شددت شداً بحبال من النوم لم يجئ من يقطعها.
ورأيت في نومي كأنها القيامة وقد بعث الناس وضاق بهم المحشر، وأنا في جملة الخلائق، وكأننا من الضغطة حب مبثوث بين حجري الرحى. هذا والموقف يغلي بنا غليان القدر بما فيها، وقد أشتد الكرب وجهدنا العطش، حتى ما منا ذو كبد إلا وكأن الجحيم تتنفس على كبده، فما هو العطش بل هو السعار واللهب يحتدم بهما الجوف ويتأجج.
فنحن كذلك إذا ولدان يتخللون الجمع الحاشد، عليهم مناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، يملئون هذه من هذه بسلسال برود عذب، رؤيته عطش مع العطش، حتى ليلتوي من رآه من الأم، ويتلعلع كأنما كوى به على أحشائه.
وجعل الولدان يسقون الواحد بعد الواحد ويتجاوزون من بينهما وهم كثرة من الناس، وكأنما يتخللون الجمع في البحث عن أناس بأعيانهم ينضحون غليل أكبادهم بما في تلك الأباريق من روح الجنة ومائها ونسيمها.
стр. 5754
ومر بي أحدهم، فمددت إليه يدي وقلت: (أسقني فقد يبست واحترقت من العطش!)
قال: (ومن أنت؟)
قلت: (أبو خالد الأحول الزاهد.)
قال: (آلك من أطفال المسلمين ولد افترطته صغيراً فاحتسبته عند الله؟)
قلت: (لا. . .)
قال: (ألك ولد كبر في طاعة الله؟)
قلت: (لا. .)
قال: (ألك ولد نالتك منه دعوة صالحة جزاء حقك عليه في إخراجه إلى الدنيا؟)
قلت: (لا. .)
قال: (ألك ولد من غير هؤلاء ولكنك تعبت في توميه، وقمت بحق الله فيه؟)
قلت: (يرحمك الله، إني كلما قلت (لا) أحسست (لا) هذه تمر على لساني كالمكواة الحامية. . .)
قال: (فنحن لا نسقي إلا إباءنا، تعبوا لنا في الدنيا، فاليوم نتعب لهم في الآخرة؛ وقدموا بين يديهم الطفولة، وإنما قدموا السنةً طاهرةً للدفاع عنهم في هذا الموقف الذي قامت فيه محكمة الحسنة والسيئة. وليس هنا بعد ألسنة الأنبياء أشد طلاقة من ألسنة الأطفال، فما للطفل معنى من معاني آثامكم يحتبس فيه لسانه أو يلجلج به)
قال أبو خالد: فجن جنوني، وجعلت أبحث في نفسي عن لفظة (ابن) فكأنما مسحت الكلمة من حفظي كما مسحت من وجودي؛ وذكرت صلاتي وصيامي وعبادتي، فما خطرت في قلبي حتى ضحك الوليد ضحكاً وجدت في معناه بكائي وندمي وخيبتي
وقال يا ويلك أما سمعت: (إن من الذنوب ذنوبا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام، ويكفرها الغم بالعيال.) أتعرف من أنا يا أبا خالد؟
قلت: من أنت يرحمنا الله بك؟
قال: أنا ابن ذلك الرجل الفقير المعيل، الذي قال لشيخك إبراهيم بن أدهم العابد الزاهد: (طوبى لك فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة.) فقال له إبراهيم: (لروعة تنالك بسبب العيال أفضل من جميع ما أنا فيه. . .). وقد جاهد أبي جهاد قلبه وعقله وبدنه، وحمل على نفسه
стр. 5755
من مقاساة الأهل والولد حملها الإنساني العظيم، وفكر لغير نفسه، وأغتم لغير نفسه، وعمل لغير نفسه، وآمن وصبر ووثق بولاية الله حين تزوج فقيراً، وبضمان الله حين أعقب فقيراً؛ فهو مجاهد في سبل كثيرة لا في سبيل واحدة كما يجاهد الغزاة؛ هؤلاء يستشهدون مرة واحدة، أما هو فيستشهد كل يوم مرة في همومه بنا، واليوم يرحمه الله بفضل رحمته إيانا في الدنيا. أما بلغك قول أبن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو: (أتعلمون عملا أفضل مما نحن فيه؟ قالوا: ما نعلم ذلك. قال: أنا اعلم. قالوا فما هو؟ قال: رجل متعفف على فقره ذو عائلة قد قام من الليل، فنظر إلى صبيانه نياماً متكشفين، فسترهم وغطاهم بثوبه؛ فعمله أفضل مما نحن فيه. . .)
يخلع الأب المسكين ثوبه على صبيته ليدفئهم به ويتلقى بجلده البرد في الليل. إن هذا البرد - يا أبا خالد - تحفظه له الجنة هنا في حر هذا الموقف، كأنها مؤتمنة عليه إلى أن تؤديه. وإن ذلك الدفء الذي شمل أولاًده يا أبا خالد - هو هنا يقاتل جهنم ويدفعها عن هذا الأب المسكين. قال أبو خالد: ويهم الوليد أن يمضي ويدعني، فما أملك نفسي، فأمد يدي إلى الإبريق فأنشطه من يده، فإذا هو يتحول إلى عظم ضخم قد نشب في كفي وما يليها من أسلة الذراع فغابت فيه أصابعي، فلا أصابع لي ولا كف. وأبى الإبريق أن يسقيني وصار مثله بي، وتجسدت هذه الجريمة لتشهد علي، فأخذني الهول والفزع، وجاء إبريق من الهواء، فوقع في يد الوليد، فتركني ومضى
وقلت لنفسي: ويحك يا أبا خالد ما أراك إلا محاسبا على حسناتك كما يحاسب المذنبون على سيئاتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله! وبلغتني الصيحة الرهيبة: أين أبو خالد الأحوال الزاهد العابد؟
قلت: هأنذا.
قيل: طاووس من طواويس الجنة قد حص ذيله فضاع أحسن ما فيه! أين ذيلك من أولاًدك وأين محاسنك فيهم، أخلقت لك المرأة لتتجنبها، وجعلت نسل أبويك لتتبرأ أنت من النسل؟
جئت من الحياة بأشياء ليس فيها حياة؛ فما صنعت للحياة نفسها إلا أن هربت منها وانهزمت عن ملاقتها، ثم أنت تأمل جائزة النصر على هزيمة. .!
عملت الفضيلة في نفسك ونشأتك ولكنها عقمت فلم تعمل بك. لك ألفً ألف ركعة وممثلها
стр. 5756
سجدات من النوافل، والخير منها كلها أن تكون قد خرجت من صلبك أعضاء تركع وتسجد. قتلت رجولتك، ووأدت فيها النسل، ولبثت طوال عمرك ولداً كبيراً لم تبلغ مرتبة الأب! فلئن أقمت الشريعة، لقد عطلت الحقيقة، ولئن. . . . . .
قال أبو خالد: ووقعت غنة النون الثانية في مسمعي من هول ما خفت مما بعدها كالنفخ في الصور؛ فطار نومي وقمت فزعا مشتت اللب، كمن فتح عينيه بعد غشيته فرأى نفسه في كفن قبر سد عليه. . .!
وما كدت أعي وأنظر حولي وقد برق الصبح في الدار حتى رأيت أبا ربيعة يتقلب كأنما دحرجته يد، ثم نهض مستطار القلب من فزعه وقال: أهلكتني يا أبا خالد، أهلكتني والله.
قلت ما بالك يرحمك الله!
قال. إني نمت على تلك النية التي عرفت: أن أجمع قلبي للعبادة، وأخلص من المرأة والولد، ومن المعاناة لهما في مرمة المعاش والتلفيق بين رغيف ورغيف، وأن أعفي نفسي من لأوائهم وضرائهم وبلائهم لأفرغ إلى الله وأقبل عليه وحده. وسألت الله أن يخير لي في نومي؛ فرأيت كأن السماء قد فتحت، وكأن ر جالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا، أجنحة وراء أجنحة؛ فكلما نزل واحد نظر إلي وقال لمن وراءه: هذا هو المشئوم!
فيقول الآخر: نعم هو المشئوم!
وينظر هذا الأخر إلي ثم يلتفت لمن وراءه ويقول له: هذا هو المشئوم!
فيقول الآخر: نعم هو المشئوم!
وما زالت (المشئوم، المشئوم) حتى مروا؛ لا يقولون غيرها ولا أسمع غيرها، وأنا في ذلك أخاف أن أسألهم، هيبةً من الشؤم، ورجاء أن يكون المشئوم إنساناً ورائي يبصرونه ولا أبصره. ثم مر بي آخرهم، وكان غلاماً. فقلت له: يا هذا، من هو المشئوم الذي تومئون إليه؟
قال: أنت!
فقلت: ولم ذاك؟
قال: كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله، ثم ماتت امرأتك، وتحزنت على
стр. 5757
ما فاتك من القيام بحقها فرفعنا عملك درجة أخرى؛ ثم أمرنا الليلة أن نضع عملك مع الخالفين الذين فروا وجبنوا!. . . . . .
إن سموا الرجل بنفسه عن الزوجة والولد طيران إلى الأعلى. . . ولكنه طيران على أجنحة الشياطين!
طيران الرجل إلى فوهة البركان الذي في الأعلى. .!
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 5758
الشيخ علي يوسف
للأستاذ عبد العزيز البشري
في يوم ٢٥ أكتوبر من سنة ١٩١٣والقلوب واجفة والأبصار زائغة ومصاير الأمور تتوائب للأوهام في صور مبهمة غامضة، تضطرب بين اليأس كله، وبيت الرجاء كله، والناس يتساءلون متهامسين من الخوف ومن الورع: ترى ماذا عسى أن يكون قسم مصر من هذه الحرب العامة، وماذا كتبت لها الأقدار في صفحتي الليل والنهار؟
في ذلك اليوم من تلك الأيام السوداء مات رجل ليس مثله في مصر كثير، رجل إذا أحبه ناس أشد الحب، فلأنه قوة كبيرةً في مصر. وإذا كرهه ناس أشد الكره، فلأنه قوة كبيرة في مصر، فالشيخ علي يوسف، على تفرق الأهواء فيه، كان قوة هائلة في هذه البلاد يحسب الناس جميعاً لها كل حساب
ولقد كنت من الذين أبغضوا علياً أبعد البغض، ثم كنت من الذين يحبونه أغلى الحب، ولا والله ما رأيته في حالي بغضي وحبي له إلا رجلاً عظيماً!
مات الشيخ علي يوسف في ذلك اليوم فما قامت الدنيا لموته كما كان ينبغي أن تقوم، ولا قعدت الدنيا لموته كما ينبغي أن تقعد؛ بل لقد شيع ودفن كما يشيع ويدفن أوساط الناس، وكأن الناس لم يشيعوا فيه مفخرة من مفاخر مصر، ولا أودعوا الضريح كنزاً من كنوزها الثمان!
لا أقول أنه الإهمال السئ، ولكن أقول أنه الظرف السيء، ولكن أقول أنه الظرف السيئ ولا أريد المزيد
والآن تسأل الشباب المثقفين المتعلمين عن الشيخ علي يوسف وكيف كان خطبة في البلاد من إحدى وعشرين سنة فقط؛ فترى أقلهم من لا يعرف عنه كثيراً، وترى أكثرهم م لا يعرف عنه كثيراً ولا قليلاً!
أهكذا، وبهذه السرعة السريعة، تختفي سير الرجال عندنا كما تختفي الصور إذا ساد الظلام، أو كما تختفي أشباح الرؤى ساعة الهبوب من المنام؟
وإنني لأضيف الوزر في هذا أيضاً على الظروف. والحمد لله الذي جعل لنا من هذه (الظروف) تكأة نعتمد عليها كلما غشيتنا غاشية من الإهمال، أو طاف بنا طائف من سيئ
стр. 5759
الأعمال!
ولقد قلد الشيخ علي منصب مشيخة السجادة الوفائية، فاستحق بهذا أن يسمى السيد علياً؛ وقلده الخليفة العثماني الرتبة الأولى من الصنف الثاني، فأستحق بذاك أن يدعى علي بك أو علي باشا يوسف؛ ولكنني لا أعبر عنه إلا بالشيخ علي يوسف. هذا الاسم الذي طالما رن في الآذان، وتجاوبت به الأصداء من كل مكان: الشيخ علي يوسف! الشيخ علي يوسف! وحسبه بهذا لقباً، بعد ما أعتز بنفسه حسباً، وكرم بالرسول الأعظم نسباً
كان الشيخ علي يوسف رجلاً عصامياً بأوفى معاني الكلمة. نجم في (بلصفورة) من بلاد مديرية جرجا، في أسرة إذا كرم أصلها فقد رقت حالها. ولا تنس أن المال هو كل شئ في هذا الزمان. وتعلم القراءة والكتابة في كتاب القرية، وحفظ القرآن الكريم. ثم انحدر إلى بني عدي من أعمال مديرية أسيوط. فطلب العلم هناك على الشيح حسن الهواري، ثم قدم الأزهر فطلب العلم فيه بضع سنين
وإلى هنا كانت حياة الشيخ علي حياة عادية بحتاً، فلم يزد خطبه على مجاور مغمور في ذلك الخضرم الزاخر بآلاف المجاورين.
وتستشرف نفس الفتى للأدب. والأدب في ذلك الوقت أن تقول شعراً مقفى موزوناً. فإذا أعوزك العروض، وعميت عليك أوزان الشعر، فحسبك أن يكون المصراع في طول المصراع. فإن زاد الكلم ففي تصغير الكتابة وتدقيق الحروف متسع للجميع وعلى شرط أن تتغزل. فتتغزل كلما طلبت مديحاً، وتتغزل كلما أردت رثاءً، وتتغزل كلما ابتغيت هجاء. وكانت هذه، وخاصة في البيئة الأزهرية أهم فنون الشعر إن لم تكن جميع فنون الشعر.
وعلى هذا قرض الشعر المجاور على يوسف فذهب له به بين المجاورين صيت وذكر
ولقد كان الأدب يحمد من المجاور عند أشياخه إلا أن يسرف فيه ويجرد له صدراً كبيراً من وقته، فإنهم كانوا يكرهون ذلك منه، لأنه في الواقع يشغله، بقدر ما، عن توفير الذهن على الدرس والاستذكار ويرون هذا منه آية على (عدم الفتوح) والعياذ بالله! وحسبة في العام قصيدة يمدح بها شيخة يوم يختم الكتاب، وقصيدة أو اثنتين يرثي بهما من يموت من علية العلماء
стр. 5760
وأسرف الشيخ علي في قرض الشعر، فمدح ورثى، وتغزّل (بالطبع) وهجا، حتى اتسق له من هذا النظم ما جمعه بعد في ديوان كامل، وبهذا أصبح مجاوراً ممتازاً وإن حق علية القول، وتراءى شبح الهول!
إذن أصبح مجاوراً ممتازاً بين المجاورين بالأدب، أو إن شئت قلت، لقد أدركته من الناحية الأزهرية حرفة الأدب
ولقد دعاه هذا إلى الاختلاف إلى مجالس الأدباء، ومساهرتهم ومسامرتهم والتروي عنهم، ثم إلى غشيان دور بعض العلية ممن كانوا يجلسون لأهل العلم والفضل والأدب، فيتحاضرون ويتذاكرون. وأقبل الشيخ على هذا الشأن بقدر ما أدبر عن الكد في دروس الأزهر. ثم جعل يرسل المقالات المنثورة في الصحف والمجلات التي كانت قائمة في ذلك الوقت، وكان يكتب أول الأمر على طراز الكاتبين في عصره: مقدمات طويلة تمهد بين يدي كل موضوع ولو لم تدع إليها حاجة الكلام، واحتفال للمحسنات البديعية تستكره استكراهاً، ولو استهلكت الغرض المطلوب
على أن من حسن حظ الشيخ علي أنه ابتدأ في معالجة الكتابة في الوقت الذي انبعثت فيه تلك النهضة البيانية الفاخرة، تلك النهضة التي نفخ ضرامها بالإرشاد والتنبيه السيد جمال الدين الأفغاني، وبالفعل من الإنشاء والتعليم والتأليف الشيخ حسين المرصفي، وللشيخ علي طبيعة، وفيه فطنة قوية، فجعل يدرّب قلمه ويروضه على إرسال البيان سهلاً جزلاً خالياً من الاعتساف، متطلقاً من تكاليف البديع
وفي هذا المقام يجدر بي أن أنبه إلى شيء جديد جدير بالانتباه: ذلك أن حسن البيان وجودة المقال لا ترجع في جميع الأحوال إلى تمكن الكاتب من ناصية اللغة، وتفقهه في أساليبها، وبصره بمواقع اللفظ منها، واستظهاره لصدر صالح من بلاغات بلغائها، إلى حسن ذوق ورهافة حس، بحيث يتهيأ له أن يصوغ فكرته أنور صياغة، ويصورها أبدع تصوير. بل إن ذلك ليرجع في بعض الأحوال، وهي أحوال نادرة جداً، إلى شدة نفس الكاتب وقوة روحه. فقد لا يكون الرجل وافر المحصول من متن اللغة، ولا هو على حظ كبير من استظهار عيون الكلام، ولا هو بالمعنى بتقصي منازع البلاغات، ومع هذا لقد يرتفع بالبيان إلى ما تتقطع دونه علائق الأقلام. ذلك لأن شدة نفسه، وجبروت فكرته. تأبى إلا أن تسطو
стр. 5761
بالكلام فتنتزع البيان انتزاعا. ولعل في بيان السيد جمال الدين الأفغاني، وهو غريب عن العربية، وقاسم بك أمين وهو شبه غريب عنها، أبين مثال على هذا الذي نقول. ولقد يعجب القارئ اشد العجب إذا زعمت له أن المرحوم حسين رشدي باشا، وكان رجلاً قل أن تطرد على لسانه ثلاث كلمات عربية متواليات، لقد كان أحياناً يرتفع بالعبارة إلى ما يتخاذل من دونه جهد أعيان البيان!
والآن أستطيع أن أزعم أن الشيخ علي يوسف، على أنه تعلم في الأزهر، وقرأ طرفاً من كتب الأدب، وأستظهر صدراً من مظاهر البلاغة في منظوم العربية ومنثورها - إلا أنه لم يكن مديناً في بيانه لشيء من هذا بقدر ما كان مديناً لشدة روحه وسطوة نفسه. وانك لتقرأ له المقال يخلبك ويروعك، وتشعر أن أحداً لم ينته في البيان منتهاه. ثم تقبل على صيغة تفتشها وتفرها، فلا تكاد تقع على شئ من هذا النظم الذي يتكلفه صدور الكتاب. وبهذا أنشأ الرجل لنفسه أسلوباً، أو على الصحيح لقد خط قلمه القوي نهجا من البلاغة غير ما تعاهد عليه الناس من منازع البلاغات
ولندع الآن بيان الشيخ علي وأثره، فلذلك موضع آخر من هذا الحديث. ونعود إلى تاريخ الرجل فنقول إنه ما كاد يستوي له ذلك القدر من الأدب حتى أنشأ مجلة دعاها (الآداب). وهي وإن لم تكن شيئاً يذكر بالقياس إلى المجلات التي كانت قائمة في ذلك العهد. وخاصة بعد إذ عفّى الزمن على مجلة روضة المدارس التي كان يقوم على تحريرها وإجالة الأقلام بروائع البيان فيها صدور العلماء والشعراء والكتاب
المؤيد
وإذا قلت (المؤيد) قلت شطر من تاريخ مصر محتفل بالأحداث العظام
راع أهل الرأي في مصر أن ليس لهذه الأمة، أعني للمسلمين وهم كثرتها الكثيرة. صفيحة تتحدث عنها وتدلى بحاجاتها. وتترجم عن أمانيها، وتذود عن حقوقها وكرامتها. وأن أمة ليس لها في هذا الزمان صحيفة، لهي أمة لا تحس لنفسها وجوداً. ولقد قوى الشعور بشدة الحاجة إلى صحيفة وطنية إسلامية بعد إذ صدر المقطّم صحيفة تظاهر الاحتلال الإنجليزي. وتروج للسياسة الإنجليزية في هذه البلاد، وتدفع في صدور الأماني القومية ما اعترضت تلك السياسة في يوم من الأيام. وهنا يتقدم الشيخ علي مع صاحب له يدعى
стр. 5762
الشيخ أحمد ماضي فينشئان جريدة المؤيد يومية سياسية وطنية إسلامية. ثم لا يلبث الشريكان أن يختلفا، ولا يخرج أحدهما عن الشركة إلا على مال، والمال في يد الشيخ علي أقل من القليل. وهنا تحركت أريحية بعض كبار المصريين فأدوا المال عن الشيخ إلى صاحبه. وهكذا خلص المؤيد للشيخ علي يوسف. وكان للمرحوم سعد باشا زغلول في هذا سعي مشكور
وأذكر أنه لما أتى ﵀، بمطبعة جديدة من طراز (الروتاتيف) وعقد لذلك حفلاً جامعاً في إدارة المؤيد خطب في الجمع فأتى في سيرة المؤيد على هذه الحادثة، ونوه بفضل سعد بك زغلول (المستشار بمحكمة الاستئناف) الذي أبى أن يسمع هذه الخطبة إلا واقفاً.
وجرى المؤيد طلقاً، والله يعلم كم عانى الشيخ علي في إخراجه فرداً لا مسعد له من معين أو من مال. الحق أن الرجل لقد جاهد في هذا جهاد الجبابرة، وعانى عناء لو صوره القلم على حقيقته لظنه الناس من إحدى القصص التي تمثلها أخيلة الكتاب. وهكذا لم يمض زمن طويل حتى جنى ثمرة الصبر العجيب (إنَّ الله مع الصَّابرين) صدق الله العظيم
مضى المؤيد يحرره الشيخ علي يوسف، ويرفده بالمقالات البارعة أعيان أهل الرأي والعلم والأدب في البلاد من أمثال المرحومين الشيخ محمد عبده، وسعد بك زغلول، وقاسم بك أمين، وفتحي بك زغلول، وحفني بك ناصف، وكثير غيرهم من أصحاب البيان. وكانوا يسرون أسماءهم في الأحاديث السياسية، بوجه خاص، فذلك مما لا تأذن به المناصب الحكومية بحال. وكذلك أضحى المؤيد مجالاً لأفحل الأقلام وأنضج الآراء. بل لقد أضحى المدرسة التي تخرج عليها من شهدوا الجيل الماضي من أعلام البيان ويسير المؤيد، ويذهب صيته لا في مصر ولا في العالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي كله، فلقد أصبح لسانه المعبر أفصح تعبير عن حقيقة حاله، والمترجم أنصح ترجمة عن آلامه وآماله، ومتحدث أخبار المسلمين وراويها، ومتلقي أفكارهم في قواصي الأرض وأدانيها
لا يرحل الناسُ إلا نحو حجرته … كالبيت يفضي إليه ملتقى السبُل
وحسبنا هذا القدر الآن في المؤيد وفي صاحب المؤيد. وسنعاود الحديث فيه إن شاء الله تعالى أن نوفيه بعض حقه إن لم نوفه كل حقه. رحمة الله عليه.
عبد العزيز البشري
стр. 5763
لا مؤاخذة
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
كنت أعرف رجلاً طيب القلب بلغت منه طيبه القلب مبلغاً عظيماً. فكان يحب الخير ولا يميل إلى الأذى ويعف عما في أيدي الناس، ويعطيهم مما في يديه أكثر مما كان ينبغي له، حتى أنه كان يحب أحياناً أن يولم لبعض أصدقائه وليمة فلا يجد ما يولم لهم به من المال في كفه، فيدفعه حرصه على إرضائهم إلى يؤذي نفسه في سبيل ذلك الرضا، فقد استدان مرة بضعة جنيهات من صديق له وأولم في اليوم التالي لبعض أصدقائه وليمة لذيذة، وأبى عليه كرمه أن يهمل صديقه الذي استدان منه فدعاه إلى الحضور، وكانت فكاهة الأصدقاء بنبأ الوليمة والدين الذي ركب صاحبها من ورائها سبباً في شحذ شهوة الطعام في الجمع حتى لم يبقوا على شئ من ذلك الطعام اللذيذ
غير أن هذا الرجل الطيب كان به عيب واحد لا أعرف فيه عيباً سواه، وهو أنه كان يعنى عناية عظيمة برأي الناس فيه، فلا يكاد يسمع من أحد مدحاً في نفسه حتى يثور طربه، ويهتز للمديح اهتزاز الغصن الرطب في الريح، وقد تدفعه الأريحية عند ذلك إلى الخروج عن طاقته في جزاء المادح؛ وأما إذا هو سمع أحداً يذمه ولو ذماً ضئيلاً، فإنه لا يتمالك نفسه من الغضب، وقد تكون غضباته مضرية هائجة، ولولا إنه من الثابتين المطمئنين إلى حكم القانون، لكان لا يرى شيئاً يغسل عنه معرفة معرة الذم، إلا أن يراق في سبيلها الدم. وقد عرفت أنه سمع أن بعض الناس يقعون فيه ويذمونه بأنه يأكل في بيته الثريد بأصابعه الخمس، وأنه ما يكاد يصل إلى بيته حتى ثيابه المحترمة، ويلبس لباساً ساذجاً مما يلبسه عامة الناس من طبقة الفقراء، فيضع على رأسه لبدة بيضاء من الصوف الخشن، ويلبس في رجله قبقاباً من الخشب الثقيل، ويلبس على جسمه جلباباً من القطن الرخيص، فما كاد يسمع ذلك القول حتى ثارت ثائرته، وجعل يصيح في الحاضرين بأعلى صوته واصفاً ما يلبس وما يأكل، مجتهداً أن يطلع الناس على حاله في بيته، وعلى ما هو عليه من تمتع بأقصى ما يتمتع به المتحضرون المتأنقون؛ ولعله قد لاحظ شيئاً من التردد بين سامعيه في تصديق أقواله، فجعل يزيد في التأكيد حتى بلغ الأمر منه أن جعل يقسم لهم جهد الأيمان، ولما أحس مع كل ذلك أن السامعين فيهم المعاند والمكابر، اتخذ خطه عمليه حازمه لبيان
стр. 5764
صدق قوله فقد حلف على الجميع وعزم أشد العزيمة أن يزوروه في منزله في صباح الغد ليقيموا عنده النهار أجمعه فيطلعوا على أسلوب حياته معاينة واختباراً. ثم ذهب من فوره إلى أقرب أصدقاء إليه، وأوثقهم مودة عنده وأملئهم جيباً. فاستدان منه ما يستعد به لحفلة الغد، ولم ينس أن يدعوه في المدعوين لشهود ما هو على نية إظهاره وإجلائه
ولكن لا يظنن أحد من القراء أنني أصف هذا الرجل لأنه ممن يستحق العناية الخاصة لميزة في شخصه، أو لمكانة له بين الناس. فإنما أنا أسوقه مثلا لقوم في مصر يريدون أن يقحموا البلاد في مثل ما تورط فيه صاحبنا هذا. فمثلاً قد تكرر ما قال القائلون من الدعوة لمصر في الخارج، وما صاح الصائحون من وجوب إظهار أهل الغرب على ما نحن عليه من رقي وتحضر، وهم لا يظنون على ذلك السعي بالمال مهما عظم مقداره، والحق أنني أعطف أشد العطف على وطنية هؤلاء وسلامة طويتهم. فمثلاً قد ذهب أحد المصريين إلى مؤتمر من المؤتمرات، وكان بطبيعة الحال لابساً بذلة من البذلات الرسمية الوجيهة، فمال عليه جاره وكان من ممثلي بعض دول الغرب فسأله عما هو صانع ببذلته بعد انصرافه من المؤتمر. وأغلب ظني أن ذلك الزميل الأوربي المحترم قد ظن في الممثل المصري أنه لا يكاد ينفلت من المؤتمر حتى يرمي بتلك البذلة فوق أقرب شجرة من شجر الجميز إذا بلغ الطريق المؤدية إلى عاصمة بلاده، وهو راكب جملاً قوياً يحمله في سفره، ثم يقف تحت تلك الشجرة ينتظر مرور أول وعل من وعول الجبل فيرميه بسهم من قوسه الشديدة، ويسلخ عنه جلده، وينشره في الشمس يوماً أو بعض يوم، ثم يلبسه بدل بذلته الرسمية. ثم يتابع سيره نحو العاصمة لمقابلة أولي الأمر فيها، وإبلاغهم نتيجة بحوث المؤتمر الذي كان يمثل بلاده فيه. لعل ذلك الزميل قد حسب هذا، ولا بد أن الممثل المصري قد تصور هذا الظن، ورأى فيه مساساً عظيما بكرامته وكرامة بلاده فغضب له، وجاء يشكوه لبني وطنه ليظهر لهم مقدار جهل الناس بحقيقتهم، وقد سمع هذا القول طائفة من الناس فغضبوا له غضباً شديداً، وجعلوا يطالبون بأن تبذل الحكومة من أموال الشعب بضع مئات من ألوف الجنيهات الذهبية لكي تنظم دعوة لاطلاع أهل الغرب على حقيقة أمر الشعب المصري
وأنني لا أرى مانعاً يمنع من بذل المال، ولا من القيام بدعوة في سبيل مصر، فكل شئ في خدمة مصر هين، وكل قصد الحياة هو خدمة مصر
стр. 5765
ولكني مع ذلك أحب أن تتجه الدعوة نحو قصد مخالف كل المخالفة لما يريد هؤلاء السادة أن يدعوا إليه. ولا يسعني إلا أن اعتذر لهم وللقراء عن هذه المخالفة التي قد تغضبهم متى وصفت لهم حقيقتها، ولا أجد شيئاً أقدر أن أعتذر إليهم إلا أن أقول لهم: (لا مؤاخذه)، فإن هذه الكلمة كلمة سحرية، وقد جربت أثرها في مختلف المواقف، فو الله ما خانني سحرها يوماً، ولا خذلني نصرها في ساعة من ساعات الشدة. فكم وطئت على أقدام في الترام وقت الزحام، فلما رأيت ثورة الذي وطئت قدمه أسرعت وتلفظت بذلك الطلسم، فإذا وجهه تشرق عليه ابتسامة عريضة، ويهز رأسه لي، كأنما هو يعتذر عما ظهر على وجهه من التجهم في أول الأمر. وكم أخطأت فلم ينجني من تبعة الخطأ إلا هذا اللفظ المبارك، وكم خرجت عن حدود اللياقة ونفذت إلى العفو الفسيح من مدخل هذا اللفظ البديع. فلا مؤاخذه أيها السادة إذا كنت أعتقد أن خير مصر ونفع الوطن في أن نبذل بضعة آلاف أو بضعة مئات من الآلاف من جنيهات الذهب، على أن يقوم جماعة من المخلصين لمصلحة هذه البلاد بدعوة في شعوب العالم أجمع، يعلون فيها من ذكر مصر، بأن يصفوا أهلها بالتوحش والغلظة، وينعتوهم بأقبح النعوت وأبشع الصفات - وحبذا يوم يعتقد فيه شعوب أوربا وأمريكا أن المصريين لا يلبسون إلا جلود النمور والأسود، ولا يعرفون من المساكن إلا الكهوف والأدغال، وأن لهم قسياً قوية وسهاماً مسمومة، وأنهم يقفون لأعدائهم تحت الصخور ووراء الجذوع، فيسددون إليهم سهاماً مسمية لا ينجو أحد من جراحها، وأن الذي يدخل بلادهم لا يلقى إلا مشقة، ولا يرتاح في حل ولا ترحال. وأن المصريين يأكلون لحم الحيوان بغير نضج، فإذا لم يجدوا من لحوم الحيوان شيئا اشبعوا الجوع بما يجدونه قريباً منهم من اللحم، ولو كان آدمياً؛ وأنهم حديد الأسنان، حمش السيقان، حرز العيون، قبيحوا الخلقة. أقول هذا (ولا مؤاخذه) فأت تلك الدعوى عندي آثر وأحب، وأثرها في ظني أبلغ في إجلال القوم لنا ومراعاتهم لحرمنا. فأن الناس على حضارتهم لم يزيدوا بعد على أنهم متوحشون، قد طلوا ظاهرهم بطلاء من الفضة أو الذهب، وأما باطنهم فلا يزال فيه الحيوان البري الذي يخشى القوة الوحشية خشية أعظم من تقديره لفضائل الفلسفة
وإنها لإهانة لا تعدلها إهانة أن يذهب نفر من أهل مصر ليعلفوا في ملأ الشعوب الأخرى أن شعب مصر يلبس الملابس المعتادة، لا جلود الحيوان، وأنه يأكل الخبز والطعام، لا
стр. 5766
لحوم البشر ولا المن والجراد. أما أنا فيمين الحق أنه لأحب إلي أن يذهب الناس عني قائلين إني متوحش، أو إني جاهل، أو أني غر، أو إنني من أكلة لحوم الإنسان، من أن أكلف نفسي أن أبين لهم إنني لست كما يزعمون. لا بل إنني أحسب أنه لو ظن الناس في مثل هذه الظنون لكان هذا مبعث فكاهة لنفسي أنعم بها وحدي وأنا أتأمل مقدار جهل هؤلاء الناس بي، وضلالهم في معرفة حقيقة أمري
ولعل أهل الغرب إذا فشت فيهم عقيدة أننا من لابسي الجلود وآكلي اللحوم النيئة، حملهم ذلك على بعض التحرز في معاملاتنا، وبعض الخشية من أنيابنا
ولا مؤاخذه.!. . .
محمد فريد أبو حديد
стр. 5767
بوانكاريه وبارتو
للأستاذ محمد عبد الله عنان
فقدت فرنسا في أسبوع واحد رجلين من أعظم رجالها، وسياسيين من أقدر ساستها وكاتبين من أكبر كتابها، هما مسيو لوي بارتو وزير خارجيتها، ومسيو رايمون بوانكاريه رئيس جمهوريتها الأسبق؛ فذهب مسيو بارتو ضحية بريئة في حادث مرسيليا المروع الذي اغتيل فيه الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا، وتبعه مسيو بوانكاريه إلى القبر بعد أيام قلائل. وكان السياسي العظيم مريضا منذ حين، يستشفي في الرفييرا، ولكنه عاد إلى باريس منذ أشهر ممتعاً بالصحة والنشاط، ثم توفي فجأة، بينما كان يتابع الكتابة في مذكراته؛ فذهب بموته ركن من أعظم أركان السياسة الفرنسية المعاصرة. ولا يشغل بوانكاريه وبارتو مكانتهما الممتازة في عالم السياسة فقط، ولكنهما يشغلان مكانتهما الممتازة في عالم البيان والأدب أيضاً، ولكل منهما آثار أدبية تتبوأ المقام الأول بين تراث الأدب الفرنسي المعاصر
كان رايمون بوانكاريه فرنسياً عظيماً من غلاة الوطنية الفرنسية التي تذهب إلى حد التعصب؛ وكان يمثل مدرسة سياسية خاصة شعارها القومية المغرقة في كل شئ، ووسيلتها القوة والتفوق المادي قبل كل شئ؛ وكانت سياسته قبل الحرب وفي خلالها، ثم من بعدها، تمثل دائما روح العسكرية المحافظة، وروح الاستعمار الجشع، فكان بوانكاريه من أعظم بناة العسكرية الفرنسية، وكان من أعظم بناة الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية.
وكان مولده في (بارلد يك) من أعمال اللورين في أغسطس سنة ١٨٦٠، ودرس الحقوق في باريس؛ وبدأ حياته العملية في الصحافة، فتولى حيناً تحرير القسم القضائي لجريدة (لي فولتير) ثم عين موظفاً في وزارة الزراعة، ولكن جو الوظائف الحكومية لم يرقه، فاستقال لنحو عام من تعيينه؛ وكانت أحداث السياسة وتهزه وتستغرق اهتمامه، فخاض المعركة الانتخابية ودخل البرلمان لأول مرة في سنة ١٨٨٧ نائباً عن مقاطعة الموز. ومن ذلك الحين بدأ نجمه السياسي في التألق؛ وامتهن المحاماة في باريس، فظهر فيها بمقدرته وساحر بيانه؛ وجدد انتخابه لمجلس النواب سنة ٨٩، ثم في سنة ٩٣. وفي هذا العام دخل الوزارة وزيراً للمعارف وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، ثم تولى وزارة المالية في العام التالي، ثم المعارف مرة أخرى سنة ٩٥. وأستمر في مجلس النواب حتى سنة
стр. 5768
١٩٠٣. ثم دخل مجلس الشيوخ. وتبوأ بوانكاريه مركزه في الزعامة السياسية؛ كما تبوأ مركزه في الزعامة الأدبية؛ وكان إلى جانب مقدرته السياسية كاتباً ممتازاً؛ يلفت الأنظار بروعة كتاباته السياسية والأدبية. وفي سنة ١٩٠٦ تولى وزارة المالية مرة أخرى. وفي سنة ١٩٠٩ توجت زعامته الأدبية بانتخابه عضواً في الأكاديمية الفرنسية. وفي يناير سنة ١٩١٢ ألف بوانكاريه وزارته الأولى خلفاً لوزارة كايو المستقيلة، وتولى إلى جانب الرياسة وزارة الخارجية. وهنا بدرت بوادر الأزمات الدولية التي مهدت إلى الحرب الكبرى، فأبدى بوانكاريه خلال هذه العواصف قوة ومقدرة، وظهرت قوة وسائله بالأخص في مسألة مراكش حيث استطاع أن يرغم السلطان على الاعتراف بالحماية الفرنسية، وظهرت ميول بوانكاريه العسكرية واضحة في عنايته بمسألة التسليحات، ومضاعفة قوى فرنسا البحرية. وفي سنة ١٩١٣ أنتخب بوانكاريه رئيسا للجمهورية الفرنسية خلفاً للرئيس فاليير؛ وأستدعى ارستيد بريان لرياسة الوزارة. وكانت أوربا تسير يومئذ إلى الأزمة الكبرى بخطى سريعة؛ وكان بوانكاريه يسهر على ثمار سياسته، وعلى المحالفات التي انتهت إليها. وفي يوليه سنة ١٩١٤ كان بوانكاريه إلى جانب نيقولا الثاني قيصر روسيا في بطرسبرج؛ وكانت بواعث هذه الزيارة ظاهرة واضحة، وهي تمكين التحالف الروسي الفرنسي ضد ألمانيا والنمسا والمجر، وتنظيم الخطط للمعركة القادمة
ولما عاد بوانكاريه إلى فرنسا كانت الأزمة قد وصلت ذروتها ولاح شبح الحرب جلياً في الأفق. وكتب بوانكاريه بهذه المناسبة إلى جورج الخامس ملك إنجلترا خطاباً أشتهر بقوة منطقه وبيانه. ثم كانت الحرب؛ فكان بوانكاريه رجل الموقف؛ وأبدى خلال هذه الأعوام العصيبة كثيراً من الحزم والقوة والبراعة في تدبير شؤون الحرب ومعالجة المشكلات الخطيرة التي كانت تثيرها، واستطاع أن يقف البرلمان عند حده وأن يحمي الجيش من نفوذه وأن يرد حملاته عن الحكومة، وأن يقضي على التنافس الحزبي وآثاره في سير الأمور. ولم يحجم في سنة ١٩١٧ عن استدعاء خصمه القديم جورج كليمنصو إلى تولي الحكم، فكان موفقاً في اختياره، وكان كليمنصو وزارة النصر النهائي
وهنا نقطة خطيرة يجب أن نشير إليها تلك هي موقف بوانكاريه الحقيقي إزاء الحرب الكبرى ومبلغ مسئوليته في العمل لأثارتها. وقد أثارت مسئولية الحرب منذ عقد الصلح
стр. 5769
كثيراً من البحث والجدل، وألقى عليها كثير من الضوء سواء من الوثائق الرسمية المختلفة التي نشرت، أو تصريحات أقطاب السياسية الأوربية الذين اتصلوا بمقدماتها. وقد ظهر منها جميعاً أن رايمون بوانكاريه يحمل في إثارة الحرب الكبرى أكبر التبعات وأنه كان مت العاملين لها قبل نشوبها بأعوام؛ وظهر بالأخص من الوثائق التي نشرها مسيو أزفولسكي سفير روسيا في باريس قبيل الحرب، أن بوانكاريه كان دائب العمل بالتفاهم مع القيصر على تنظيم الخطط لإذكاء الأزمة، وأن زيارته للقيصر في يوليه سنة ١٩١٤ لم تكن إلا لأحكام خطط العمل والدفاع في الحرب المنشودة. وهذه نقطة خطيرة تثقل كاهل بوانكاريه بلا ريب، ولم يوفق هو قط إلى دحضها رغم كل ما قال وكل ما كتب.
وانتهت رياسة بوانكاريه للجمهورية في سنة ١٩٢٠، وخلفه مسيو دي شانل الذي لم تطل رياسته سوى أشهر؛ وعاد إلى مجلس الشيوخ، وإلى العمل في المحاماة والصحافة، وفي يناير سنة ١٩٢٢، ألف بوانكاريه وزارته الثانية، وتولى وزارة الخارجية، وكان الجدل يشتد يومئذ بين فرنسا وألمانيا حول تنفيذ شروط معاهدة الصلح وأداء التعويضات المفروضة على ألمانيا؛ وكان بوانكاريه يرى منذ البداية أن تذل ألمانيا، وتسحق حتى النهاية، وكان من أشد خصوم الهدنة ووقف الحرب، وكان يرى مع فوش أنه يجب مطاردة الجيش الألماني حتى عاصمة بلاده، وجعل الرين حداً لألمانيا؛ فلما بدأت ألمانيا في التذمر من شروط الصلح، ومن أداء التعويضات، رأى بوانكاريه الفرصة سانحة للعمل، فقرر احتلال الروهر في أوائل سنة ١٩٢٣ تنفيذاً للعقوبات التي نصت عليها المعاهدة في حالة التخلف عن التنفيذ، وكان هذا الأجراء من أشنع الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الفرنسية؛ ولم يقف إلى جانب فرنسا فيه سوى بلجيكا؛ وانتهى إلى عكس المقصود منه إذ أثار في ألمانيا روح السخط والمقاومة، وفقدت فرنسا من جرائه كثيراً من العطف، وظهرت فيه بمظهر التحامل والتحرش؛ وفقد بوانكاريه أيضاً كثيراً من ثقة مواطنيه وتقديرهم؛ وظهر ذلك جلياً في انتخابات سنة ١٩٢٤ حيث فاز فيها خصومه ومعارضوه واضطر إلى الاستقالة؛ وتتابعت من بعده عدة وزارات ضعيفة كانت تسحقها الأزمة المالية وأزمة الفرنك بنوع خاص. ولما تفاقم خطب الفرنك وكادت فرنسا تنكب بكارثة مالية شنيعة دعي الرجل القوي (بونكاريه) إلى الحكم مرة أخرى في يوليه سنة ١٩٢٦، فلبى الدعوى؛ واستطاعت
стр. 5770
وزارته بما اتخذت من التدابير السريعة القوية أن تجتنب الكارثة وأن ترد إلى الفرنك ثباته، وأستمر بوانكاريه في الرياسة إلى سنة ١٩٢٩، ثم استقال لأسباب صحية، وتفرغ إلى كتابة مذكراته التي بدأ بإخراجها قبل ذلك بأعوام تحت عنوان (في خدمة فرنسا) وفيها يبسط مراحل حياته السياسية، وما اضطلع به من الأزمات السياسية قبل الحرب وفي أثنائها، وما بذله من جهود لإحراز النصر. وكان بوانكاريه أثناء اعتزاله الحكم يكتب في الصحف فصولاً سياسية قوية، واشتهرت منها بالأخص سلسلة مقالات يكتبها تحت عنوان (الوعاء المتكسر)، وفيها يندد دائماً بسياسة الضعف نحو ألمانيا؛ وكما أن بوانكاريه كان يعرب في سياسته عن عميق تعصبه القومي، فكذلك تطبع كتاباته مثل هذه النزعة القومية العميقة، وهو ينحو في ذلك نحو مواطنه الكاتب اللوريني الأشهر موريس باريس الذي أشتهر بعنف حملاته على ألمانيا، وتحريضه على سحق العنصر الجرماني؛ ولبوانكاريه آثار أدبية وتاريخية أخرى، وله في المحاماة مواقف مشهورة، وقد وصل أثناء العمل بها إلى أرفع ما يطمح إليه محام، وأنتخب نقيباً للمحامين، ورفع بذلك إلى صف أعلام الفصاحة القضائية، كما رفع من قبل إلى ذروة المجد السياسي.
وقد لبثت السياسة الفرنسية مشربة بروح الأثرة والقومية العميقة، الذي عمل لإذكائه رجال مثل فوش وبوانكاريه وكليمنصو؛ ثم تطورت منذ سنة ١٩٢٦، أي منذ اشتد ساعد الاشتراكيين والاشتراكيين الراديكاليين، وقويت الدعوة إلى السلام والتضامن الدولي، وتولى ارستيد بريان توجيه السياسة الخارجية الفرنسية، ولاح مدى حين أن التفاهم ممكن بين أعداء الأمس، وأن سلام العالم يمكن تحقيقه بالمواثيق والمعاهدات الصريحة، ولكن بريان توفى بعد أن ازور نجمه؛ ثم قامت الاشتراكية الوطنية في ألمانيا، وعادت موجة التطرف الهتلري توجه النذير إلى فرنسا؛ فعادت فرنسا إلى سياستها القومية المتطرفة، وظهر بوانكاريه لمواطنيه مرة أخرى بأنه في دعوته إلى هذه السياسة، أبعد نظراً من الوجهة العملية، من أولئك الذين ينشدون السلام بالتفاهم والحسنى.
وقد كان لوي بارتو من تلاميذ هذه المدرسة السياسية المغرقة في القومية، وكان مثل صديقه وزميله بوانكاريه يؤمن بسياسة القوة والتحالف العسكري. وكان مولده في بيارن من أعمال فرنسا الجنوبية سنة ١٨٦٢، ودرس الحقوق أيضاً ثم انتظم في سلك المحاماة، تلك
стр. 5771
المهنة الخلابة التي يتخرج فيها معظم الساسة الفرنسيين. ودخل بارتو مجلس النواب لأول مرة في سنة ١٨٨٩، ولم يلبث أن ظهر بقوة منطقه وبيانه. ودخل الوزارة لأول مرة سنة ١٨٩٤، إلى جانب بوانكاريه وهو يومئذ في الثانية والثلاثين من عمره. وكانت يومئذ بدعة أن يتولى الوزارة فتيان أحداث مثل بارتو وبوانكاريه. ولكن النبوغ المتفتح كان يسود كل اعتبار آخر؛ واستمر بارتو بين النيابة والمحاماة، مدى حين. وتولى الوزارة بعد ذلك مراراً، في وزارة الأشغال والداخلية. ثم وزارة الحقانية منذ سنة ١٩٠٩ في وزارة بريان، وأستمر في هذا المنصب أربعة أعوام. وفي سنة ١٩١٣ استدعي بارتو لرئاسة الوزارة، فاستمر مضطلعاً بأعبائها إلى ما قبيل الحرب الكبرى؛ واستطاع في هذه الفترة أن يحمل البرلمان على إصدار قانون الخدمة العسكرية الجديد الذي يمدها إلى ثلاثة أعوام؛ ثم تولى وزارة الأشغال مرة أخرى في سنة ١٩١٧، ثم وزارة الحقانية في وزارة بوانكاريه الثانية (سنة ١٩٢٤). وعني بارتو بدرس حركة النقابات وأصدر عنها كتاباً جامعاً بعنوان العمل النقابي ' في عالم الأدب ظهوراً قوياً، واشتهر أسلوبه التحليلي؛ وكتب تراحم نقدية بديعة لميرابو خطيب الثورة الفرنسية ولامارتين وغيرهما وهي من أقيم كتب الترجمة لفرنسية، وكتب كتاباً عن غرام فكتور هوجو ' وهو من أرق ما كتب عن هذا الشاعر؛ وكتب رسالة عن فاجنر؛ وكتب غير ذلك من الكتب والرسائل مما يضيق المقام بذكره؛ وأنتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية منذ سنة ١٩٢٤؛ وكان محاضراً ومحدثاً ساحراً، أشتهر بغزير ثقافته وقوة عارضته وتدفق بيانه.
ولما نشيت الحرب الكبرى دفع بارتو بابنه الوحيد إلى صفوف المدافع عن الوطن، فقتل في المعارك الأولى، وأصاب فؤاد الوالد الكسير جرح لم يندمل قط.
وغادر بارتو مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ في سنة ١٩٢٢ واستمر يخوض المعركة السياسية؛ ولكنه كان من فريق الساسة الهادئين الذين لا يظهرون كثيراً على مسرح المعارك الصاخبة، ثم تولى وزارة الخارجية منذ فبراير الماضي، وكانت منذ سنة ١٩٢٧ وقفاً على ارستيد بريان حتى توفي سنة ١٩٣٢؛ وتولاها من بعده بول بونكور. وكانت وفاة بريان نذيراً بتطور سياسة فرنسا الخارجية، وعودها إلى الخضوع لروح الأثرة والوطنية المغرقة؛ فلما تولاها بارتو كانت نظريات فوش وبوانكاريه قد غلبت في توجيهها
стр. 5772
مرة أخرى؛ وبارتو من أبناء هذه المدرسة كما قدمن. وجاء عنف الحركة الهتلرية في ألمانيا نذيراً جديداً لفرنسا بوجوب التحوط ومضاعفة الأهبات والمحالفات العسكرية. وقد أبدى بارتو في تنفيذ هذه السياسة نشاطاً وبراعة فائقين فطاف بالبلاد المحالفة لفرنسا مثل بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا ويوجوسلافيا ليحكم أواصر التحالف بينها وبين فرنسا، ولكي تحاط ألمانيا بسياج قوي من الأمم التي تقف وقت نشوب الحرب إلى جانب فرنسا. بيد أن أعظم ظفر استطاع بارتو أن يتوج به سياسته هو تقوية التفاهم الفرنسي الروسي واستئناف سياسة التحالف القديم بين روسيا وفرنسا، وإدخال روسيا في حظيرة عصبة الأمم وحظيرة الدول الغربية بعد أن لبثت بعيدة عنها زهاء ستة عشر عاما. وكانت هذه أول مرحلة في سياسة فرنسا الجديدة لتحقيق عزلة ألمانيا عن باقي الدول الأوربية؛ وكانت المرحلة الثانية هي توثيق أواصر التحالف بين يوجوسلافيا وفرنسا ثم حمل يوجوسلافيا على التقرب من إيطاليا، وأخيراً تحقيق التفاهم بين فرنسا وإيطاليا وتسوية المسائل المعلقة بيتهما وحملها بذلك على نبذ سياسة التفاهم مع ألمانيا بصورة نهائية. وكانت زيارة الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا تحقيقاً لهذا البرنامج. ولكن وقعت فاجعة مرسيليا التي ذهب ضحيتها الملك اسكندر ومسيو بارتو؛ ولقيت السياسة الفرنسية بذلك صدمة قوية. بيد أنها صدمة مؤقتة، والظاهر أن فرنسا ستمضي في تنفيذ برنامجها السياسي، وأن مسيو لافال وزير الخارجية الجديد، سيستأنف العمل حيث وقف مسيو بارتو؛ وسيقوم مكانه بزيارة رومه، كما كان مقرراً من قبل. ولكن الموقف ما يزال غامضاً، ولا سيما إزاء وقوعه في يوجوسلافيا عقب وفاة الملك اسكندر من الحوادث والتطورات الخطيرة
تلك سيرة الرجلين اللذين فقدتهما فرنسا في أسبوع واحد. وقد فقدت فرنسا في الأعوام الثلاثة الأخيرة جل أقطاب زعمائها القدماء، مثل كليمنصو وفوش ودومير وبريان وبوانكاريه وبارتو؛ وطويت بذهابهم مرحلة أو مراحل من تاريخ فرنسا المعاصر، ولم يبق من أقطاب ساسة الجيل المنصرم سوى القلائل، مثل تاريدو الذي يمثل الكتلة القومية، وهريو الذي يمثل السياسة الاشتراكية. ولا ريب أن فرنسا ستشعر بفداحة هذه الخسارة خصوصاً في هذه الآونة العصيبة التي تقتضي كثيراً من العمل السياسي المستنير. بيد أن للسياسة الفرنسية تقاليد راسخة، وسوف يبرز إلى الميدان السياسي رهط من الساسة
стр. 5773
والزعماء الجدد ليملأوا ذلك الفراغ، وليقودوا الجمهورية الثالثة إلى نفس المثل والغايات التي عمل لها ساسة الجيل الراحل
محمد عبد الله العنان
المحامي
стр. 5774
في العيد الألفي لمولد الفردوسي
الشاهنامة
للدكتور عبد الوهاب عزام
ترجمة الكلمة التي ألقاها الأستاذ عزام بالفارسية على قبر
الشاعر في طوس
لست أريد أن أفصل الكلام في الشاهنامة أو بعض مباحثها الكثيرة. فأدباء إيران الكرام أعرف بذلك وأقدر عليه، ولكني أريد أن أتقدم إليكم بكلمة موجزة تبين عن مكانة الشاهنامة في آداب الأمم ولا سيما الأمم الشرقية:
قال بعض المؤلفين إن الشاهنامة إلياذة الشرق. وذلك التشبيه غير صحيح من بعض الوجوه، فأن الشاهنامة جديرة أن يكون لها بين أمم الشرق مكانة أرفع من مكانة الإلياذة بين أمم الغرب. ذلكم بأن الإلياذة قصة حروب وقعت في معترك ضيق من آسيا الصغرى بين اليونان والطرواديين. وهي زهاء ثمانية آلاف بيت، تستمر حوادثها ستة وخمسين يوماً. والشاهنامة تقص حادثات ميدانها ما بين الهند والصين إلى البحر المتوسط، وتشمل كل وعت الروايات من تاريخ الأمة الإيرانية وأساطيرها من أقدم عصورها إلى العهد الإسلامي، ويشترك في وقائعها التورانيون والعرب والروم والهند، ولا تحرم الصين من نصيب فيها. فكل أمم آسيا العظيمة وبعض أمم أوربا يتناولها موضوع هذا الكتاب العظيم. فقد أوعى الكتاب من التاريخ والأساطير ما هو جدير بعناية المؤرخ الناقد، مؤرخ السياسة أو مؤرخ الأدب والاجتماع
وصفت الشاهنامة نشوء الحضارة الإيرانية وتطورها، وقصت تاريخ الإيرانيين ملوكهم وأبطالهم وكبرائهم في القرون المتطاولة، وأبانت عما كان بينهم وبين الأمم المجاورة من عداء ومودة، وحرب وسلم. وصفت الجلاد الهائل المستمر بين إيران وتوران، ثم مثلت ما كان بين الأمتين من جوار ومودة في القرابة بين ملوك إيران وتوران، إذ جعلتهم جميعاً بني أفريدون، ثم وصلت هذه القرابة بمصاهرات عديدة: كتزوج سياوخسن بن كيكاوس جريرة بنت بيران أعظم قواد التورانين، ثم فرنكيس بنت أفراسياب أعظم ملوك توران،
стр. 5775
ومن سياوخسن وفرنكيس ولد كيخسرو حفيد كيكاوس وسبط أفراسياب. وكذلك نجد في العصور التاريخية تزوج أنوشر وأن بنت الخاقان
وأما العرب فقد أجمل الكتاب في أنبائهم ما كان بين الإيرانيين والسامين من حوادث في العصور المتطاولة، فجعل الضحاك عربياً، وقص وقائع كيكاوس وملك هاماوران (حمير) ووقائع أخرى بين الساسانيين والقبائل العربية. ثم ذكر طرفاً مما كان بين الأمتين من مودة وتعاون فيما كان من مصاهرة بينهما إذ تزوج بنو أفريدون الثلاثة سلم وتور وايرج ثلاث بنات لملك اليمن. وتزوج كيكاوس سوذابة بنت مهراب ملك كابل وهي عربية من نسل الضحاك، فولد رستم بطل الأبطال من أب إيراني وأم عربية. وأوضح من هذا ما كان بين الأمتين من مودة في العهد الساساني أعظم مظاهرها علاقة ملوك الحيرة بملوك فارس، وما كان للفرس من سلطان ومحبة بين العرب في البحرين واليمن
والروم ذكروا في أنباء الوقائع المتمادية التي كانت بين الساسانيين ودولة الروم الشرقية وفي قصة الاسكندر. ووصفت مودتهم في قرابة ملوك الروم أبناء سلم بن أفريدون، وفي تزوج كشتاسب بن لداسب من كتايون بنت ملك الروم، وتزوج كسرى برويز مريم بنت القيصر
والهند ذكروا في حوادث منها وقائع كابلستان وحوادث بهرام كور وتزوجه بنت ملك الهند. والصين تذكر في وقائع التورانيين وفي التجارة
فهذه المنظومة العجيبة التي تتناول حوادث قرون وأمم كثيرة، لا ينبغي أن تشبه بالإلياذة الضيقة الحدود؛ وينبغي أن تكون عناية الشرقيين بها أعظم من عناية الغربيين بالإلياذة
ولا ريب أن في الشاهنامة أساطير كثيرة، ولكن الأساطير في الأدب أروع من الحقائق. ثم لا ينكر دلالة الأساطير على تطور الأمم وعلى كثير من عاداتها وأخلاقها. فأن الأساطير وليدة خيال الأمة وأمانيها، لا يحدها الواقع ولا تضيقها الحقيقة
وكم في أساطير الشاهنامة في العهدين الأول والثاني - عهدي البيشداديين والكيانيين - من حقائق دينية واجتماعية وتاريخية ألبست ثوب الخيال وحرفت فيها الوقائع والأسماء
وللشاهنامة ميزة أخرى على الإلياذة، وملاحم أخرى كالمهابهاراته والرامايانا، بأنها كلها لشاعر واحد، إذا استثنينا ألف البيت التي نظمها الدقيقي. والفردوسي ناظمها شاعر تاريخي
стр. 5776
معروف لا يشك أحد في وجوده وانه ناظم هذه الملحمة الرائعة، على حين يكثر خلاف المؤرخين في الإلياذة وناظمها، وعلى حين أن المهابهاراتا والرمايانا نظم شعراء عديدين بعضهم مجهول
فالشاهنامه سجل تاريخ أمة وأساطيرها منذ أقدم عصورها، وهذا لا يعرف في منظومة أخرى
لم يكن الفردوسي مخترع هذا الحادثات بل كان مصورها، فقد نظم الرجل ما ادخرته الروايات، ولم يكن حراً في الذهاب مع خياله كيف يشاء. ودليل هذا في الكتب الأخرى ولا سيما كتاب الثعالبي (غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم) وهو أقرب الكتب إلى الشاهنامة، وقد عاصر الثعالبي الفردوسي وقدم كتابه للأمير نصر أخي السلطان محمود الغزنوي الذي قدمت إليه الشاهنامة
وهذا يزيد في قيمة الكتاب ويجعله مرآة تاريخ الأمة وأفكارها، لا صورة من خيال الشاعر وأوهامه. وهذا أيضا يزيد في قدر الفردوسي، فعسير جداً أن يذلل الشاعر هذه الأكداس من الحوادث للنظم السلس المتين، ويكلف نفسه السير في حزنها وسهلها، لا يتخير الأيسر والأسهل من موضوعات النظم
لو كانت الشاهنامة قصصا منثورة من روعة الشعر وموسيقى النظم، لكانت مع هذا جديرة بعناية الإيرانيين والأمم الشرقية، ثم عناية المؤرخين والباحثين في الأمم كلها. فكيف وقد أفرغت هذه القصص في صور شعرية رائعة، ونظم متين منسجم، يزيد المعنى جلالاً وروعة؟ كيف وهي جهد شاعر نابغة في أكثر من ثلاثين عاماً؟ لا تقتصر الشاهنامة على قصص الحادثات، ولكنها تصور الوقائع حتى يكاد القارئ يرى الفرسان في حومة الوغى، ويبصر النقع معقوداً في الآفاق، ويسمع صليل السيوف ووقع الأسنة، وصياح الأبطال وصهيل الخيل
وهذا الفردوسي وصاف الحروب لا يقصر في تصور عواطف الإنسان والإبانة عنها على لسان أبطال قصته، وهو ليس عاجزاً في قصص الحب كما ترى في قصة زال وروذابة، وقصة بيزن ومنيزه، وقصة كشتاسب وكتايون. وناهيك به رجل أخلاق لا يألو في الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر. وهو بصير بأحداث الزمان يستخرج المواعظ من وقائع
стр. 5777
الكتاب، فلا يكاد يفتتح فصلاً أو يختمه إلا واعظاً بليغاً من غير الزمان
وإني أستشهد هنا أستاذاً من كبار المستشرقين درس الشاهنامة درساً بليغاً، هو الأستاذ نلدكه الألماني قال:
(إن الفردوسي شاعر مطبوع، يستولي على فكر القارئ، ويحيى القصة التافهة بإنطاق الممثلين أمامنا، بل كثيراً ما تضيع الحركات في جلال الأقوال. وهو يفصل الحادثات فيبين أحسن إبانة عن حادثة لم يكتب عنها في الأصل الذي نظم عنه أكثر من أنها وقعت، ويبيح لنفسه أن يخلق حادثات صغيرة ليتم الوصف. وهو يعرف كيف يحيي أبطاله، بل يخرج أحياناً البطل في صورة جديدة غير التي عرفته بها الروايات، وما أقدره على تبيان ما وراء أعمال الأبطال من أسباب وأفكار. والوصف النفساني رائع جداً، ونغمة البطولة تسمع في الكتاب كله، وعظمة الزمان القديم وأبهته، وفرحه وترحه وجلاده، مصورة في أسلوب معجب، حتى ليسمع الإنسان صليل السيوف وجلبة المآدب. هو لا يبلغ في التفاصيل مبلغ هومير، ولا يستطيع مثله أن يجعل حادثة في كلمات قليلة، ولكنه مع هذا يمضي قدماً إلى غايته حين يصف الوقائع، وإن يكن في الخطب والرسائل مكثاراً
مشاهد الحرب تستقبل القارئ في كل مكان، ولكن هناك ميادين للحب والعواطف الرقيقة، فهناك قصص للحب عظيمة كقصة زال وروذابه، وبيزن، ومنيزه. وهي أجمل أقسام الكتاب، والشاعر في هذا، بل في كتابه كله، يملك القارئ ببساطة الوصف. وعاطفة الأمومة والأبوة والقرابة واضحة في الكتاب كذلك، ولكن يصحبها التعطش للدماء ثأراً للأقارب، فقصة الانتقام لسيا وحسن مثلاً تملأ صفحات من الكتاب كثيرة جداً، وهذا الولع بالثأر يتمكن حتى نجد الرجل العاقل كودرذ يشرب دم أطيب الأعداء بيران. . . .
ويتجلى في الكتاب كذلك ندب حظوظ الإنسان في هذا العالم الحائل والاعتبار بغير الزمان) اهـ.
هذه الميزات الأدبية والتاريخية جعلت للشاهنامة مكانة علية في الأدب الفارسي منذ نظمت، فحاكها كثير من الشعراء بقصص متصلة بموضوعها، فنظمت ست قصص أبطالها من أسرة رستم وهي: كرشاسب نامه، وبطلها كرشاسب جد أسرة سام ابن نريمان. وسام نامه، وبطلها سام بن نريمان جد رستم. وجهانكير نامه، وبطلها جهانكير بن رستم. وفرامرز
стр. 5778
نامه، وبطلها فرامرز بن رستم. وبانو كشاسب نامه، وبطلتها بانو كشاسب بنت رستم وامرأة كيو بن كودرز. وبروز نامه، وبطلها بروز بن سهراب بن رستم. ونظمت بهمن نامه، وبطلها بهمن بن اسفنديار.
ثم نظمت بعد قصص أخرى كتيمور نامه التي نظمها الهاتفي، وشاهنامة القاسمي الكونابادي، وشاهية مجد الدين البابوي النسائي. ولا تزال محاكاة الشاهنامة مستمرة حتى العصر الحاضر
وقد حاكاها الترك أن صح ما يروى إن شاعراً في القرن العاشر الهجري من بروسه أسمه الفردوسي الطويل نظم شاهنامة طويلة جداً في ٣٨٠ جزءاً، وأهداها للسلطان بايزيد الثاني، فأمر بانتخاب ٨٠ جزءاً منها وإحراق الباقي، فغضب الشاعر وهجا السلطان وهجر بلاد الروم إلى خراسان حيث مات غماً
وأولع الناس بترجمة الشاهنامة إلى لغاتهم، فترجمت إلى عشر لغات. وكانت اللغة العربية أولى اللغات بترجمة الشاهنامة، لما بين الأدبين الفارسي والعربي من التقارب. ولذلك كانت العربية أسبق اللغات إلى إحراز هذه الترجمة. فقد أمر الملك المعظم بن الملك العادل الأيوبي الفتح بن علي البنداري الأصفهاني أن يترجم الشاهنامة إلى اللغة الغربية، فشرع في ترجمتها في جمادى الأولى سنة ٦٢٠، وأتمها في شوال سنة ٦٢١. استطاع أن يترجم هذا الكتاب العظيم في ثمانية عشر شهراً، وهي همة علالية ومقدرة عظيمة من هذا الأديب الكبير. ونحن نعترف لإخواننا الإيرانيين بفضل إنشاء الشاهنامة وفضل ترجمتها إلى اللغة العربية.
ترجم البنداري الكتاب نثراً بلغة سهلة غير متكلفة، ونقل الحوادث مجردة من التفصيل والتصوير الشعري، فجاء الكتاب في نحو ١٨٥٠٠ سطر، في كل سطر نحو عشر كلمات. وذلك نصف الشاهنامة.
ومعظم تصرف المترجم يرجع إلى ما يلي:
١ - حذف بعض الفصول الصغيرة كفصل تجريب أفريدون أولاده في قصة أفريدون، وقتل رستم الفيل الأبيض وذهابه إلى الجبل الأبيض في قصة منوجهر، ومقاتلة رستم وجنكس في قصة كامدس الكاشاني، ونصح زال ابنه رستماً في قصة اسفنديار الخ.
стр. 5779
٢ - وحذف بعض الحوادث كما حذف ما وقع بين رستم والتركمان حينما ذهب لإحضار كيقباد من جبل ألبرز، وحذف ذهاب امرأة كيو إلى أبيها رستم حينما ذهب زوجها إلى توران باحثا عن كيخسرو.
٣ - وحذف اكثر مقدمات الفصول التي يتكلم فيها الفردوسي عن نفسه أو يعظ، كما حذف مقدمة قصة سهراب ورستم التي يتكلم فيها الشاعر عن موت الشبان وحكمته؛ ومقدمة قصة سياوخسن التي يتكلم فيها الفردوسي عن الشعر والكلام البليغ.
٤ - اختصار الرسائل والخطب والوصايا المطولة، واختصار الوصف في الحروب وآلات الحرب، ووصف الخيل والوحوش، ووصف المآدب الخ.
٥ - وحذف مدائح السلطان محمود، وإثبات مدح الملك المعظم في بعض مواضعها.
٦ - ويزيد روايات من كتب التاريخ كالطبري والمسعودي، كما روى قصة ملك الحضر في عهد سابور بن أردشير، ونقل ما كان بين هرمز ورعيته.
والمترجم في هذا أمين لا ينقل كلمة من كتاب آخر إلا نبه إليها إلخ. إلخ. وقد أصلحت بعض هذه العيوب على قدر الطاقة حينما نشرت الترجمة العربية.
لم ينقل المترجم إلى العربية جمال شعر الفردوسي، ولكن نقل حوادث الشاهنامة مختصرة فيسر لقارئ الغربية الإحاطة بموضوع الكتاب في وقت قصير. ولابد أن يكمل نقص هذه الترجمة بترجمة منظومة للكتاب كله أو لفصول منه.
ولهذه الترجمة العربية قيمة أخرى، فقد ترجمت في أوائل القرن السابع الهجري قبل أن يكثر الاختلاف بين نسخ الشاهنامة. وليس عندنا نسخة ترجع إلى ذلك القرن. فيمكن أن يستعان بهذه الترجمة في المقترنة بين نسخ الشاهنامة المختلفة وترجيح بعضها على بعض.
اهتمت الأمم الشرقية الإسلامية من بعد بترجمة الشاهنامة، فترجمت إلى التركية العثمانية، وإلى التركية الشرقية، وطبعت الترجمة الأخيرة في طشقند سنة ١٣٢٦. وترجمت إلى اللغة الكجراتية وطبعت في بمباي (١٨٩٧ - ١٩٠٤)، وترجمت إلى اللغة الأردية كذلك.
وفي القرن التاسع عشر الميلادي عرف الأوربيون الشاهنامة واهتموا بها، فترجمها مول إلى الفرنسية وطبعت على نفقة الدولة في نصف قرن بين سنة ١٨٣٠ إلى سنة ١٨٧٧ وطبع معها الأصل الفارسي في ثمانية مجلدات ضخمة، وهي أعظم طبعة للشاهنامة عرفت
стр. 5780
في العالم كله.
وترجم اتكنسون إلى الإنكليزية رستم وسهراب، ثم الكتاب كله ترجمة مختصرة وطبعت في لندن سنة ١٨٣٠، وترجم أرنولد سهراب ورستم أيضا. ثم ترجم ورنر وأخوه الكتاب كله نظماً وطبع سنة ١٩٠٥ فما بعدها، وكذلك ترجم رجرس معظم الكتاب وطبع في لندن سنة ١٩٠٧.
وترجم الكتاب إلى الألمانية نظما مرتين: ترجمة فون شاك وطبع في برلين سنة ١٨٥١ إلى سنة ١٨٦٥، ثم ترجمه ركرت، وطبع في برلين من سنة ١٨٩٠ - سنة ١٨٩٥.
ومن قبلهما ترجم جرس خلاصة الكتاب إلى موت رستم، وطبعه في برلين سنة ١٨٣٠.
وأوفى ترجمة للشاهنامة الترجمة الإيطالية، ترجمها بزي نظماً، وطبعها في تورينو ١٨٨٦ - ١٨٨٨ في ثمانية مجلدات.
وطبع الأوربيون الشاهنامة الفارسية نفسها مرارا، طبع الجزء الأول منها في كلكتا سنة ١٨١١، وطبعها كلها تزنر مكن في كلكتا سنة ١٨٢٩ وهذه الطبعة أصل لطبعات أخرى. وطبعها مول في باريس كما تقدم. وطبع ثلاثة أجزاء منها فون فولر في ليدن بين سنة ١٨٧٧ وسنة ١٨٨٤.
فهذا اهتمام الأوربيين بالشاهنامة وهم لا تربطهم بها وبقومها ما يربط الأمم الشرقية. وإنا لنرجو أن يزيد اهتمام الشرقيين بهذه المنظومة العظيمة حتى لا تخلو لغة من اللغات الشرقية من ترجمة كاملة منثورة ومنظومة.
ولعل هذا الاحتفال العظيم بذكرى شاعرنا النابغة الخالد، يكون فاتحة نهضة في الشرق توفي الشاهنامة حقها من العناية
وإن المندوبين المصريين ليسران ويفتخران بالمشاركة في هذا المهرجان، ويبلغان مشاركة الحكومة المصرية والأمة المصرية الاحتفال بالفردوسي الشاعر العظيم الذي تربطه بهم وأدباء الفرس عامة روابط أدبية وتاريخية لا تمحى على كر الأيام
عبد الوهاب عزام
الخميس
следующие страницы →