← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

معروف لا يشك أحد في وجوده وانه ناظم هذه الملحمة الرائعة، على حين يكثر خلاف المؤرخين في الإلياذة وناظمها، وعلى حين أن المهابهاراتا والرمايانا نظم شعراء عديدين بعضهم مجهول فالشاهنامه سجل تاريخ أمة وأساطيرها منذ أقدم عصورها، وهذا لا يعرف في منظومة أخرى لم يكن الفردوسي مخترع هذا الحادثات بل كان مصورها، فقد نظم الرجل ما ادخرته الروايات، ولم يكن حراً في الذهاب مع خياله كيف يشاء. ودليل هذا في الكتب الأخرى ولا سيما كتاب الثعالبي (غرر أخبار ملوك الفرس وسيرهم) وهو أقرب الكتب إلى الشاهنامة، وقد عاصر الثعالبي الفردوسي وقدم كتابه للأمير نصر أخي السلطان محمود الغزنوي الذي قدمت إليه الشاهنامة وهذا يزيد في قيمة الكتاب ويجعله مرآة تاريخ الأمة وأفكارها، لا صورة من خيال الشاعر وأوهامه. وهذا أيضا يزيد في قدر الفردوسي، فعسير جداً أن يذلل الشاعر هذه الأكداس من الحوادث للنظم السلس المتين، ويكلف نفسه السير في حزنها وسهلها، لا يتخير الأيسر والأسهل من موضوعات النظم لو كانت الشاهنامة قصصا منثورة من روعة الشعر وموسيقى النظم، لكانت مع هذا جديرة بعناية الإيرانيين والأمم الشرقية، ثم عناية المؤرخين والباحثين في الأمم كلها. فكيف وقد أفرغت هذه القصص في صور شعرية رائعة، ونظم متين منسجم، يزيد المعنى جلالاً وروعة؟ كيف وهي جهد شاعر نابغة في أكثر من ثلاثين عاماً؟ لا تقتصر الشاهنامة على قصص الحادثات، ولكنها تصور الوقائع حتى يكاد القارئ يرى الفرسان في حومة الوغى، ويبصر النقع معقوداً في الآفاق، ويسمع صليل السيوف ووقع الأسنة، وصياح الأبطال وصهيل الخيل وهذا الفردوسي وصاف الحروب لا يقصر في تصور عواطف الإنسان والإبانة عنها على لسان أبطال قصته، وهو ليس عاجزاً في قصص الحب كما ترى في قصة زال وروذابة، وقصة بيزن ومنيزه، وقصة كشتاسب وكتايون. وناهيك به رجل أخلاق لا يألو في الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر. وهو بصير بأحداث الزمان يستخرج المواعظ من وقائع

стр. 5777

الكتاب، فلا يكاد يفتتح فصلاً أو يختمه إلا واعظاً بليغاً من غير الزمان وإني أستشهد هنا أستاذاً من كبار المستشرقين درس الشاهنامة درساً بليغاً، هو الأستاذ نلدكه الألماني قال: (إن الفردوسي شاعر مطبوع، يستولي على فكر القارئ، ويحيى القصة التافهة بإنطاق الممثلين أمامنا، بل كثيراً ما تضيع الحركات في جلال الأقوال. وهو يفصل الحادثات فيبين أحسن إبانة عن حادثة لم يكتب عنها في الأصل الذي نظم عنه أكثر من أنها وقعت، ويبيح لنفسه أن يخلق حادثات صغيرة ليتم الوصف. وهو يعرف كيف يحيي أبطاله، بل يخرج أحياناً البطل في صورة جديدة غير التي عرفته بها الروايات، وما أقدره على تبيان ما وراء أعمال الأبطال من أسباب وأفكار. والوصف النفساني رائع جداً، ونغمة البطولة تسمع في الكتاب كله، وعظمة الزمان القديم وأبهته، وفرحه وترحه وجلاده، مصورة في أسلوب معجب، حتى ليسمع الإنسان صليل السيوف وجلبة المآدب. هو لا يبلغ في التفاصيل مبلغ هومير، ولا يستطيع مثله أن يجعل حادثة في كلمات قليلة، ولكنه مع هذا يمضي قدماً إلى غايته حين يصف الوقائع، وإن يكن في الخطب والرسائل مكثاراً مشاهد الحرب تستقبل القارئ في كل مكان، ولكن هناك ميادين للحب والعواطف الرقيقة، فهناك قصص للحب عظيمة كقصة زال وروذابه، وبيزن، ومنيزه. وهي أجمل أقسام الكتاب، والشاعر في هذا، بل في كتابه كله، يملك القارئ ببساطة الوصف. وعاطفة الأمومة والأبوة والقرابة واضحة في الكتاب كذلك، ولكن يصحبها التعطش للدماء ثأراً للأقارب، فقصة الانتقام لسيا وحسن مثلاً تملأ صفحات من الكتاب كثيرة جداً، وهذا الولع بالثأر يتمكن حتى نجد الرجل العاقل كودرذ يشرب دم أطيب الأعداء بيران. . . . ويتجلى في الكتاب كذلك ندب حظوظ الإنسان في هذا العالم الحائل والاعتبار بغير الزمان) اهـ. هذه الميزات الأدبية والتاريخية جعلت للشاهنامة مكانة علية في الأدب الفارسي منذ نظمت، فحاكها كثير من الشعراء بقصص متصلة بموضوعها، فنظمت ست قصص أبطالها من أسرة رستم وهي: كرشاسب نامه، وبطلها كرشاسب جد أسرة سام ابن نريمان. وسام نامه، وبطلها سام بن نريمان جد رستم. وجهانكير نامه، وبطلها جهانكير بن رستم. وفرامرز

стр. 5778

نامه، وبطلها فرامرز بن رستم. وبانو كشاسب نامه، وبطلتها بانو كشاسب بنت رستم وامرأة كيو بن كودرز. وبروز نامه، وبطلها بروز بن سهراب بن رستم. ونظمت بهمن نامه، وبطلها بهمن بن اسفنديار. ثم نظمت بعد قصص أخرى كتيمور نامه التي نظمها الهاتفي، وشاهنامة القاسمي الكونابادي، وشاهية مجد الدين البابوي النسائي. ولا تزال محاكاة الشاهنامة مستمرة حتى العصر الحاضر وقد حاكاها الترك أن صح ما يروى إن شاعراً في القرن العاشر الهجري من بروسه أسمه الفردوسي الطويل نظم شاهنامة طويلة جداً في ٣٨٠ جزءاً، وأهداها للسلطان بايزيد الثاني، فأمر بانتخاب ٨٠ جزءاً منها وإحراق الباقي، فغضب الشاعر وهجا السلطان وهجر بلاد الروم إلى خراسان حيث مات غماً وأولع الناس بترجمة الشاهنامة إلى لغاتهم، فترجمت إلى عشر لغات. وكانت اللغة العربية أولى اللغات بترجمة الشاهنامة، لما بين الأدبين الفارسي والعربي من التقارب. ولذلك كانت العربية أسبق اللغات إلى إحراز هذه الترجمة. فقد أمر الملك المعظم بن الملك العادل الأيوبي الفتح بن علي البنداري الأصفهاني أن يترجم الشاهنامة إلى اللغة الغربية، فشرع في ترجمتها في جمادى الأولى سنة ٦٢٠، وأتمها في شوال سنة ٦٢١. استطاع أن يترجم هذا الكتاب العظيم في ثمانية عشر شهراً، وهي همة علالية ومقدرة عظيمة من هذا الأديب الكبير. ونحن نعترف لإخواننا الإيرانيين بفضل إنشاء الشاهنامة وفضل ترجمتها إلى اللغة العربية. ترجم البنداري الكتاب نثراً بلغة سهلة غير متكلفة، ونقل الحوادث مجردة من التفصيل والتصوير الشعري، فجاء الكتاب في نحو ١٨٥٠٠ سطر، في كل سطر نحو عشر كلمات. وذلك نصف الشاهنامة. ومعظم تصرف المترجم يرجع إلى ما يلي: ١ - حذف بعض الفصول الصغيرة كفصل تجريب أفريدون أولاده في قصة أفريدون، وقتل رستم الفيل الأبيض وذهابه إلى الجبل الأبيض في قصة منوجهر، ومقاتلة رستم وجنكس في قصة كامدس الكاشاني، ونصح زال ابنه رستماً في قصة اسفنديار الخ.

стр. 5779

٢ - وحذف بعض الحوادث كما حذف ما وقع بين رستم والتركمان حينما ذهب لإحضار كيقباد من جبل ألبرز، وحذف ذهاب امرأة كيو إلى أبيها رستم حينما ذهب زوجها إلى توران باحثا عن كيخسرو. ٣ - وحذف اكثر مقدمات الفصول التي يتكلم فيها الفردوسي عن نفسه أو يعظ، كما حذف مقدمة قصة سهراب ورستم التي يتكلم فيها الشاعر عن موت الشبان وحكمته؛ ومقدمة قصة سياوخسن التي يتكلم فيها الفردوسي عن الشعر والكلام البليغ. ٤ - اختصار الرسائل والخطب والوصايا المطولة، واختصار الوصف في الحروب وآلات الحرب، ووصف الخيل والوحوش، ووصف المآدب الخ. ٥ - وحذف مدائح السلطان محمود، وإثبات مدح الملك المعظم في بعض مواضعها. ٦ - ويزيد روايات من كتب التاريخ كالطبري والمسعودي، كما روى قصة ملك الحضر في عهد سابور بن أردشير، ونقل ما كان بين هرمز ورعيته. والمترجم في هذا أمين لا ينقل كلمة من كتاب آخر إلا نبه إليها إلخ. إلخ. وقد أصلحت بعض هذه العيوب على قدر الطاقة حينما نشرت الترجمة العربية. لم ينقل المترجم إلى العربية جمال شعر الفردوسي، ولكن نقل حوادث الشاهنامة مختصرة فيسر لقارئ الغربية الإحاطة بموضوع الكتاب في وقت قصير. ولابد أن يكمل نقص هذه الترجمة بترجمة منظومة للكتاب كله أو لفصول منه. ولهذه الترجمة العربية قيمة أخرى، فقد ترجمت في أوائل القرن السابع الهجري قبل أن يكثر الاختلاف بين نسخ الشاهنامة. وليس عندنا نسخة ترجع إلى ذلك القرن. فيمكن أن يستعان بهذه الترجمة في المقترنة بين نسخ الشاهنامة المختلفة وترجيح بعضها على بعض. اهتمت الأمم الشرقية الإسلامية من بعد بترجمة الشاهنامة، فترجمت إلى التركية العثمانية، وإلى التركية الشرقية، وطبعت الترجمة الأخيرة في طشقند سنة ١٣٢٦. وترجمت إلى اللغة الكجراتية وطبعت في بمباي (١٨٩٧ - ١٩٠٤)، وترجمت إلى اللغة الأردية كذلك. وفي القرن التاسع عشر الميلادي عرف الأوربيون الشاهنامة واهتموا بها، فترجمها مول إلى الفرنسية وطبعت على نفقة الدولة في نصف قرن بين سنة ١٨٣٠ إلى سنة ١٨٧٧ وطبع معها الأصل الفارسي في ثمانية مجلدات ضخمة، وهي أعظم طبعة للشاهنامة عرفت

стр. 5780

في العالم كله. وترجم اتكنسون إلى الإنكليزية رستم وسهراب، ثم الكتاب كله ترجمة مختصرة وطبعت في لندن سنة ١٨٣٠، وترجم أرنولد سهراب ورستم أيضا. ثم ترجم ورنر وأخوه الكتاب كله نظماً وطبع سنة ١٩٠٥ فما بعدها، وكذلك ترجم رجرس معظم الكتاب وطبع في لندن سنة ١٩٠٧. وترجم الكتاب إلى الألمانية نظما مرتين: ترجمة فون شاك وطبع في برلين سنة ١٨٥١ إلى سنة ١٨٦٥، ثم ترجمه ركرت، وطبع في برلين من سنة ١٨٩٠ - سنة ١٨٩٥. ومن قبلهما ترجم جرس خلاصة الكتاب إلى موت رستم، وطبعه في برلين سنة ١٨٣٠. وأوفى ترجمة للشاهنامة الترجمة الإيطالية، ترجمها بزي نظماً، وطبعها في تورينو ١٨٨٦ - ١٨٨٨ في ثمانية مجلدات. وطبع الأوربيون الشاهنامة الفارسية نفسها مرارا، طبع الجزء الأول منها في كلكتا سنة ١٨١١، وطبعها كلها تزنر مكن في كلكتا سنة ١٨٢٩ وهذه الطبعة أصل لطبعات أخرى. وطبعها مول في باريس كما تقدم. وطبع ثلاثة أجزاء منها فون فولر في ليدن بين سنة ١٨٧٧ وسنة ١٨٨٤. فهذا اهتمام الأوربيين بالشاهنامة وهم لا تربطهم بها وبقومها ما يربط الأمم الشرقية. وإنا لنرجو أن يزيد اهتمام الشرقيين بهذه المنظومة العظيمة حتى لا تخلو لغة من اللغات الشرقية من ترجمة كاملة منثورة ومنظومة. ولعل هذا الاحتفال العظيم بذكرى شاعرنا النابغة الخالد، يكون فاتحة نهضة في الشرق توفي الشاهنامة حقها من العناية وإن المندوبين المصريين ليسران ويفتخران بالمشاركة في هذا المهرجان، ويبلغان مشاركة الحكومة المصرية والأمة المصرية الاحتفال بالفردوسي الشاعر العظيم الذي تربطه بهم وأدباء الفرس عامة روابط أدبية وتاريخية لا تمحى على كر الأيام عبد الوهاب عزام الخميس

стр. 5781

٢٠ جمادى الأول سنة ١٣٥٣ ٣٠ أغسطس سنة ١٩٣٤

стр. 5782

٦ - الشخصية للأستاذ محمد عطية الأبرشي المفتش بوزارة المعارف أنواع الشخصية الشخصية نوعان: عملية وفكرية، ولنتكلم عن كل منها بالتفاصيل فنقول: (١) الشخصية العملية كثيرا ما يسأل الإنسان: أيهما أفضل: الأمور النظرية أم العملية؟ وبعبارة أخرى أيهما أفضل: الأفكار أم الأعمال؟ وجوابنا على ذلك أننا لا نستطيع أن نفضل النظريات من العمليات، فنحن في حاجة إليهما معاً، وكل منهما متوقف على الآخر ومكمل له، لا ضده ونقيضه كما يظن البعض، والأفكار أمهات الأعمال، ومن الممكن اعتبارهما مظهرين لشيء واحد وكما أن لكل أمر من الأمور ناحيتين: إحداهما نظرية والأخرى عملية، كذلك نقول إن للشخصية ناحتين: نظرية وعملية؛ فالرجل مثلاً قد يكون موضع الإعجاب لأفكاره وأعماله، ولو أن الأعمال في النهاية نتيجة الأفكار، ومع ذلك قد تغلب على الإنسان إحدى الناحيتين: النظرية أو العملية تبعاً لميوله وعاداته، فهذا قد يميل إلى الجهة العملية، وذلك قد يميل إلى الناحية الإدراكية فتنمي فيه بطريقة التعود هذه الناحية أو تلك. ولاشك في أن الشخصية العملية التي تظهر بالعمل والتنفيذ أكثر أثراً وظهوراً في الحياة العملية من الشخصية الفلسفية البعيدة عن هذه الحياة، والأولى كممثل يقوم بتمثيل دوره عملياً على المسرح أمام الناس، والثانية كمن يقوم بتمثيل دوره في الخفاء أو وراء الستار بعيداً عن الأنظار، فأثر الأولى أكثر وضوحاً وظهوراً من أثر الثانية. وتتمثل الشخصية العملية في المصلحين وقادة العمل والمستكشفين الذين ترى آثارهم في أعمالهم التي قاموا بتحقيقها وتنفيذها خدمة للإنسانية. وتتمثل الثانية في الشعراء والفلاسفة والخياليين الذين يقومون بتصوير الأشياء ووصفها، فيسبحون تارة في عالم الحقيقة، وتارة في عالم الخيال؛

стр. 5783

ولا ينكر فضلهم أحد، ولكن أثرهم في هذا العالم المادي أقل ظهوراً؛ ففي اليوم الذي اجتاز فيه (بليريوت) القنال الإنجليزي بطيارته كانت الأفكار كلها وأحاديث الفخر والإعجاب موجه إليه، لا إلى العالم الذي فكر فيها عدة سنوات حتى أخترعها. وإننا لا نقصد بذلك أن نقلل من قيمة العلماء أو المفكرين أو قادة الفكر، ولكننا نقصد الاعتراف بأن تأثير رجال الأعمال أظهر من تأثير رجال الفكر، وإننا نتأثر بالأعمال النبيلة أكثر من تأثرنا بالأفكار مهما كانت سديدة، ولا ننكر أن الفكر والوجدان ينتهيان بالعمل ومنذ زمن ليس بالبعيد كانت التربية تفكر في العالم أكثر من العمل، فكان الإنسان إذا اختبر سئل عن (مقدار ما يعرفه) أما اليوم فقد تبدلت الحال وانعكس الأمر؛ فأصبحت التربية تعنى كل العناية بالعمل والأعمال، وأصبحت الأسئلة: (ماذا فعل الإنسان؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟ وما مقدار ما يفعل؟) ولم تكن الجامعات فيما مضى لتعنى بالجانب العملي من الحياة، ولم تكن لتعمل على تربية رجال ليعملوا؛ بل كانت عنايتها موجهة إلى تكوين رجال مثقفين حباً في الثقافة، معلَّمين حباً في العلم، ليكونوا كزينة لها أينما وجدوا في الأسرة أو المجمع الديني أو في المجمع الأدبي. وكان الرجل الجامعي المثقف لا ينتظر منه أن يعمل شيئاً بيده، فكان كأداة من أدوات الزينة، وكان المجتمع يزدريه ويحتقره إذا حاول أن يعمل عملاً يدوياً. أما الأعمال اليدوية وأما الصناعات فكانت خاصة بالطبقة الفقيرة التي تدعى الطبقة العاملة. وكان يظن خطأ أن هذه الطبقة خلقت لتعمل، أما الطبقة الأخرى فخلقت لتفكر. أما اليوم فقد أصبحت الفكرة السائدة أن التفكير غير مقصور على طبقة من الطبقات، وأن العمل لا تختص به طائفة دون أخرى، وصار التعليم عاماً بين الفقراء والأغنياء على السواء في الأمم المتمدينة، لا يمتاز به هؤلاء على أولئك، وجعل وسيلة لإعداد الجميع للقيام بواجبهم العلمي والعملي والأدبي في الحياة. وأصبحت الفرصة، فرصة العمل سانحة أمام الجميع من غير ما تفريق. فالعلم الآن في هذا العالم المادي لا يصلح في نظر الماديين - وما أكثرهم - لأن يكون غاية مستقلة. بل يجب أن يكون وسيلة للعمل. ولسنا في شك مطلقاً من أن العلم قوة، لا، بل أكبر قوة في يد الإنسان. وهو قوة اليوم كما كان قوة بالأمس. وسيكون قوة إلى الأبد، ولكننا في حاجة إلى العلم الذي يؤدي إلى العمل، العلم

стр. 5784

الذي يمكن تنفيذه والانتفاع به عملياً بتحويله إلى عمل؛ فالعلم بلا عمل لا خير فيه، مثله كمثل شجرة بغير ثمر. هذا هو المقياس الذي يقاس به العلم، ويحكم به على العلوم اليوم. ولا عجب؛ فبعد أن كان العلم يطلب للعلم، حباً في العلم ذاته، أصبحنا لا نفكر إلا في الماديات، نسأل عن مقدار ما يمكن أن يستفاد به عملياً في الحياة من تعلم هذا العلم أو هذه المادة، وأصبحت العلوم التي لا تؤدي إلى أكل الخبز، أو الخبز والزبدة، ينظر إليها نظرة تشكك في الإقبال عليها. ويكثر الإقبال على العلم أو المهنة بقدر ما يمكن أن تدره من المال في أقصر وقت. هذا هو مقياس الإقبال على العلم الآن، وهذا هو الرأي السائد بين الأكثرية من المربين والمتعلمين في الأمم المتمدينة. فالعالم أصبح تجارياً، والعلم كذلك أصبح ينظر إليه بنسبة ما يستطيع صاحبه أن يكتسبه بواسطته من وظيفة أو ثروة أو مركز أو نفوذ. ويكاد هذا العصر المادي يقضي أو قضى بالفعل إلى العالم الروحي، وعلى تعلم العلم حباً في العلم، والاشتغال بالفن حباً في الفن. وإننا لا نكره المادة، ولا ننادي بكره المادة أو احتقارها، ولكن يؤلمنا أن تسيطر المادة على كل شئ، حتى على أفكارنا وتعليمنا. ولا ننكر أن النجاح هو الحياة، وهو الفوز. وحبذا الأمر لو أمكننا أن ننجح النجاح المادي مع المحافظة على الروح العلمية الخالصة، فنجمع بين عالم المادة وعالم الروح. فالحياة اليوم نزاع بين القديم والجديد، بين عالم الروح وبين عالم المادة، وهو نزاع لا نهاية له، ولكنه ليس نزاعً عدائيً، بل هو نزاع ودي تكميلي لا غرض منه سوى النجاح في الحياة ولكن ما النجاح الذي نبغيه؟ وما الرقي الذي نريد الوصول إليه؟ هو نجاح الشعب ورقيه، روحياً ومادياً، قوةً ونفوذاً، علماً وعملاً، مبدأ وإنسانية. ولكن هل يمكن الجمع بين الروح والمادة في آن واحد؟ ولم لا؟ إن الإنسان يستطيع أن يكون روحياً إلى حد ما، ومادياً إلى حد ما، بحيث لا تتغلب الروح على المادة، ولا تسيطر المادة على الروح؛ فيأخذ من كل منهما نصيبه، ولا يعنى بناحية ويهمل الأخرى. والنجاح هو الفوز بعد الجد والتعب، التعب الجسمي والعقلي، سواء أكان ذلك النجاح في التأليف أو في نسج القطن وغزله، أو في بيعه وشرائه، أو في صنع السيارات أو الطيارات أو في كتابة الروايات. . إلخ ومن الضروريات الأساسية للشخصية العملية العلم بالشيء الذي يراد القيام به، والرغبة في

стр. 5785

النجاح فيه ولا فائدة في العلم والرغبة إذا لم يصحبا بقوة تنفيذية معنوية أو حسية، داخلية أو خارجية تعمل على التنفيذ. فكما أن السيارة لا تستطيع السير إلا إذا كانت معدة للسير تمام الإعداد. وكان بها المقدار الضروري من زيت الوقود، وكان الطريق معبداً صالحاً لسير السيارات، كذلك الإنسان لا يمكنه أن يقوم بعمل عظيم إلا إذا كان هناك علم به، ورغبة شديدة فيه، قوة دافعة تدفعه إلى القيام به، هي قوة الإرادة والعزيمة الثابتة وطالما صادف الإنسان أشخاصاً لديهم الوسائل الضرورية للنجاح في العمل من علم وخبرة وذكاء وحسن تقدير، ولكنهم فقدوا صفه واحدة من أهم الصفات الضرورية للنجاح، تلك هي قوة العزيمة والتنفيذ، فلم ينجحوا في أعمالهم، لأنهم يميلون إلى كثرة النقد والتحليل والتشكك في كل شيء حتى في أنفسهم فيمنعهم ذلك الشك من رؤية فائدة الشيء فيترددون في الإقدام، ويرجعون إلى الوراء، فتضيع منهم فرصه النجاح، والفرصه إن أتت مرة قد لا تعود مرة أخرى. فالعزيمة الصادقة تعد سراً عظيماً من أسرار الشخصية العملية والنجاح في العمل. محمد عطية الأبرشي

стр. 5786

من مشاهداتي في أوروبا معجزات طبيب للأستاذ عبد الحميد فهمي مطر يرى الداخل إلى مصحة تسايلابس حديقة جميلة زينت بالورود ونسقت بالزهور المختلفة الألوان، فإذا من انتهى من الحديقة ودخل من الباب العام للمصحة، وجد نفسه في ردهة فسيحة ذات جناحين كبيرين أحدهما للرجال والآخر للنساء قد صفت فيهما الآرائك، ونسقت أشجار الظل وأصص الأزهار المعروفة بالحدائق الشتوية التي لا تنفك عينك تقع عليها أبداً في بلاد النمسا الجميلة. ثم لا يلبث أن يرى أفواج المرضى يتدفقون عندما يقترب موعد العلاج: وهو منظر يذعر له من يراه لأول مرة، ويكاد يذوب قلبه حسرة على أولئك المساكين وخاصة منهم المشلولين والمقعدين الذين يجرون في العربات جر الأطفال الصغار لعدم قدرتهم على المشي والحركة. يأخذ كل مريض مكانه على تلك الأرائك. وفي يد كل تذكرة دخول ثمنها ثلاثة شلنات نمساوية أي نحو أحد عشر قرشاً مصرياً تبيح له الدخول مرة واحدة. وقبل ميعاد العلاج بعشر دقائق يفتح باب يوصل إلى ردهة فسيحة ثانية توجد بها أرائك أخرى ومشاجب تعلق عليها الملابس، وتقف سيدة تتسلم تذاكر الدخول وأخرى تأخذ بيد العميان إلى أماكنهم. وهنا يخلع الجميع ملابسهم العليا ليصير النصف العلوي لجسم كل منهم عرياناً. فإذا دقت الساعة النصف بعد السابعة أو العاشرة صباحاً، أو الثانية بعد الظهر، فتح باب حجرة العلاج على مصراعيه، ووقف به ساحر جالزباخ يستقبل مرضاه، وهو رجل مسن، ولكنه بدين الجسم طويل القامة قوي الساعد مفتول العضل حاد النظر طويل اللحية أحمر الوجه دائم الابتسام، يفيض البشر من عينيه الواسعتين البراقتين، يحيي مرضاه بابتسامة ساحرة، ويداعبهم بمختلف الدعابات، ويقف بجواره نجله الدكتور فرتز الذي درس الطب في ألمانيا ثم انقطع لمساعدة والده في تلك المصحة العظيمة. أما حجرة العلاج فهي حجرة فسيحة مربعة طولها ١٢ متراً وارتفاعها ٧ أمتار، غطيت جدرانها بطلاء بنفسجي اللون، وأقيمت بجوار تلك الجدران عدة أفران كهربائية ذات أضواء مختلفة الألوان بعضها قوي جداً وبعضها ضعيف. فإذا دخل فوج المرضى تلك الحجرة تراصوا صفوفاً أمام آلة العلاج يتقدمهم الأطفال ويتلوهم المشلولون والعميان

стр. 5787

ويتبعهم باقي المرضى. أما الجدد فيجلسون على أرائك خلفية بعد أن يكونوا قد دونوا البيانات الخاصة بهم وبأمراضهم عند السكرتيرة التي تعرضها على الطبيب فيما بعد. تغلق أبواب الحجرة بعد ذلك فتصبح مظلمة إلا بصيصاً من نور ضئيل. ثم يبدأ الساحر بالعلاج: تسمع صوتاً يدوي في أرجاء الحجرة كأنه الرعد القاصف يصم الآذان، ويدخل الرعب في القلوب، فترتاع له أفئدة أولئك الذين كتب عليهم أن يلجو هذه الحجرة لأول مرة، ثم ترى شرراً كهربائياً بنفسجي اللون يتطاير من كرة معدنية كالبطيخة تتصل بأحد طرفي عصا يقبض عليها الساحر من الطرف الآخر، ثم يمسك بعنق كل مريض ويمر تلك الكرة مرات سريعة بالقرب من عموده الفقري من أعلى إلى أسفل، ويضعها أحياناً على الجزء الذي يشكو منه ألماً، ولا يستغرق ذلك كله أكثر من عشرين ثانية، ثم يتركه إلى غيره وهكذا حتى ينتهي منهم جميعاً في زمن لا يزيد على نصف ساعة، فإذا خرج المريض من قبضة يده القوية ومن تحت تلك العصا السحرية مر في أحد الأفران الكهربائية مروراً لا يستغرق بضع ثوان أيضاً بإرشاد إحدى المرشدات هنالك والحق أقول إننا لأول مرة سمعت أنا وصديقي ذلك الصوت المزعج ورأينا ذلك الشرر الكهربائي البنفسجي الذي علمنا عنه فيما بعد أنه نتيجة تيار كهربائي عالي الضغط جداً إذ يبلغ ٥٩٥ ألف فولت، أقول إننا عند ذلك ذعرنا وامتلأت قلوبنا رعباً، وكاد صديقي يترك الحجرة ويعود أدراجه من شدة الخوف، ولكني تملكت قواي وشجعته ونبهته إلى أولئك الأطفال والشيوخ الذين يتلقون ذلك الدش الكهربائي بلا خوف ولا وجل، واتضح لنا بعد التجربة أن فعل تلك الآلة في الجسم أخف كثيراً من صوتها المرعب في النفس حتى أن صاحبي بعد بضعة أيام أصبح لا يرهبها بل على العكس من ذلك كان يسعى ليكون في المقدمة، فكنت أذكره بقول الشاعر العربي: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد … لنفسي حياة مثل أن أتقدما أما الكشف على المريض الجديد فلا يستغرق أكثر من دقيقة لأنه يسأله عن الداء وموضع شكواه، ثم يضع فوق ذلك الموضع أنبوبة زجاجية يمر بها تيار كهربائي ذو ألوان مختلفة، وكأني به يتعرف بذلك موضع الداء تماماً. ويدخل المرضى لتكرار ذلك العلاج بالأكتروراديوم ثلاث مرات يومياً. ثم إنه علاوة على ذلك العمل الأساسي يستعمل طرقا

стр. 5788

أخرى في العلاج، فإنه يأخذ بالمحقن من كل مريض كمية معينة من دمه في حجرة خاصة ويضعها في أنبوبة كتب عليها اسم المريض، ثم يمر فيها تيارات كهربائية لتقوية الدم، وفي اليوم التالي يعيدها بالمحقن إلى جسم المريض نفسه، وكأني به يتمثل بقول أبي نواس: وداوني بالتي كانت هي الداء وفي المصحة فوق ذلك حجرات أخرى لعلاج بعض الأمراض الخاصة كالربو مثلاً حيث يستنشق المريض بعض غازات معينة في أوقات تعين له. وهناك حجرة أخرى يدخلها المرضى بترتيب خاص حيث يحصر الجزء المريض من الجسم بين قرصين من المعدن تمر فيهما أشعة كهربائية قصيرة. وفي المصحة نحو ثلاثين موظفاً من رجال ونساء طبيبات وممرضات، ولهم جميعا في المصحة مسكنهم ومأكلهم ومشربهم ولقد تقابلنا مع الدكتور فرتز وتحادثنا معه طويلاً باللغة الإنجليزية فكان مثال التواضع والأدب الجم، وعرفنا منه أنه تجرى عمليات في المصحة بوساطة التيار الكهربائي ذي الضغط العالي، وأنهم يعالجون الأمراض على اختلاف أنواعها كالشلل والعمى والربو والسكر والسل الرئوي وعرق النسا إلخ. ما عدا الحميات بأنواعها والصرع والجنون، وعلمنا منه أيضاً أنه يبحث بحثاً جديداً في استخدام الأشعة القصيرة في العلاج، وهو ينتظر فائدة كبيرة من وراء ذلك البحث. وأما والده زيليس نفسه فهو في الخامسة والستين من عمره وهو أقوى من أي شاب تراه، ويأمل أن يعيش مائة سنة أخرى بفعل الألكتروراديوم، وهو لم يتعلم في المدرسة ليكون طبيباً، وإنما كان أخصائياً في النبات، ولما غادر المدرسة هوى الكهرباء، وأخذ يدرسها ويجرب فعلها في الأمراض حتى انتهى إلى ذلك النجاح العظيم الذي صادفه باستخدام الضغط العالي الكهربائي، وأخذ الشعب النمساوي والألماني يقبل عليه وينتفع بعلمه وتجاربه حتى علا كعبه، فأخذ الأطباء في النمسا وألمانيا ومن ورائهم أطباء العالم يحملون عليه حملات شديدة وازدادت حملتهم عليه لما نبه ذكره وافتتح مصحته في سنتي ١٩٢٩، ١٩٣٠ فحاربوه بكل ما أوتوا من قوة واتهموه بأنه دجال وأنه عالة على الطب، وحرضوا عليه الحكومة، فقبضت عليه وقدمته للمحاكمة، فكان برغم ذلك رابط الجأش عظيم الثقة بنفسه وحصر دفاعه في الكلمات القصيرة الآتية قال: (أولئك الأطباء المدبلمون كثيراً ما يخطئون ويكون في خطئهم القتل

стр. 5789

لمرضاهم، ذلك القتل الذي لا يقام له وزن. أما أنا فيجيئني المريض بعد ييأس يأساً تاماً من شفائه على أيديهم فيبرأ من سقمه ويشفى من علته فيتركني شاكراً مسروراً، ولم يشك مريض واحد إلى أحد بأن طريقتي أوقعت به أي أذى. فهل هذه الحملة إذن إلا حملة حقد وحسد؟) فكان في ذلك الإقناع كل الإقناع للمحكمة فخرج منها منتصراً. ثم سار على نهجه فحاز ثقة الشعوب جميعاً. وفي نظرنا أن كل الخير للإنسانية جمعاء، ولهؤلاء الأطباء أن يتشجعوا وأن يضحوا بشيء من تعصبهم وغرورهم في سبيل الصالح العام، وأن يمدوا أيديهم إلى ساحر جالزباخ فيصافحوه معتذرين عما فرط منهم، وفي يقيننا أنه لن يمتنع عندئذ عن أن يبيح لهم بسره الغامض وأن يطلعهم على أعماله وتجاربه ومخترعاته، فتتكاتف الأيدي جميعاً وتتوافر على دراسة الأشعة القصيرة والألكتروراديوم. فيخطو العالم الخطوة الحاسمة نحو استخدامها بدلاً من المشرط، ونحو إحلالهما في العلاج محل الأدوية والعقاقير وفي هذا ما فيه من خير ونفع عبد الحميد فهمي مطر

стр. 5790

بين فن التاريخ وفن الحرب ٥ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد ويختلف الرواة في الحركة التي جرت، فالأخبار التي يستند إليها الواقدي والبلاذري لا تبحث في غارة المرتدين على المدينة، ولا تذكر موقع ذي حسي، وتذكر أن أبا بكر لما علم أن القبائل اجتمعت في ذي القصة بقصد الغارة قرر أن يقاتلها في عقر دارها غير مبال بقلة عدده، وقصد من ذلك إرهاب المرتدين وإلقاء الرعب في قلوب العرب، وجعلهم يعتقدون أن المسلمين أقوياء وأن ذهاب جيش أسامة يقلل من قوتهم، فتقدم أبو بكر على رأس المقدمة الراكبة نحو ذي القصة يعقبه الكوكب (القسم الأكبر). وبالنظر إلى رواية سيف أن الجمال بعد أن نفرت براكبيها، ودخلت المدينة بات أبو بكر ليلته يتهيأ للهجوم، فبعد أن رتب قوته خرج مبكراً من المدينة وباغت عدوه فهزمه شر هزيمة. والذي يلوح لنا أن الروايات الأولى هي الأصح. وكانت قوة المقدمة تبلغ مائة رجل، وسارت يومها وعسكرت مساء بالقرب من أجمة، فباغتها العدو من مكمنه وألجأها إلى الفرار، فاحتمى أبو بكر بالأجمة منتظراً ورود الكوكب (القسم الأكبر) ولما نادى أحد المسلمين بوروده انهزم المرتدون، فطاردهم المسلمون إلى ثنايا العوسجة ثم قفلوا راجعين إلى ذي القصة ويذكر الواقدي أن أبا بكر لم يخرج إلى ذي القصة إلا بعد عودة جيش أسامة إلى المدينة، غير أننا لا نميل إلى رأيه، لأن مجرى الأخبار يدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة لما خرجت من المدينة قاصدة العدو. ويزعم سيف أن بني ذبيان وعبس بعد هزيمتهم هذه وثبوا على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وحلف أبو بكر ليقتلن من المشركين في كل قبيلة، وليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين. وكانت وقعة ذي القصة والبقعاء أول

стр. 5791

نصر للمسلمين على المرتدين، ومنها تظهر فراسة أبي بكر وصلابة عوده. لا بد أن القارئ انتبه إلى فساد خطة القبائل في محاولتهم غزو المدينة، إذ بدلاً من أن يجتمعوا في محل واحد للهجوم على المدينة أو أن يقاوموا جيش المسلمين معاً اجتمعت كل قبيلة في حيها، فاجتمع بنو أسد في السميراء، وفزارة في طيبة، وجديلة وغوث في طيء في جبليهما، وذبيان وعبس اجتمعت فرقة منهما بالقرب من الربذة والأخرى في ذي القصة والبقعاء. والداعي لتفرقهم على ما يظهر أن المياه في كل محل من تلك المحلات لم تكن كافية لإرواء جماعة كبيرة، وكان الكلأ قليلاً فضلاً عن صعوبة اجتماع كلمة القبائل على غاية واحدة. وكان قبل ذلك حلف بين بني أسد وغطفان وطيء، بيد أن قتالاً وقع بين غطفان وبني أسد من جهة وطيء من جهة أخرى فأمست القبائل متخاصمة. وكذلك كلمة طيء لم تكن مجتمعة فمال إلى المرتدين فرقتان منها فقط، وهما جديلة وغوث. أما الفرق الأخرى فبقيت على إسلامها. وكانت القبائل في قيامها على المدينة يراقب بعضها بعضاً، ولا تريد أن تكون البادئة بالعداء، ذلك ما جعل كلا منها يبقى في حيه ويراقب عمل الآخر وقد اختبر الصديق حالة القبائل وتأكد أن كلمتها لم تجتمع، لذلك لم يشأ أن يؤخر جيش أسامة عن سفره، واكتفى برجال المدينة والموالين من القبائل القريبة منها وقد أيدت الوقائع رأيه. وبعد انتصار أبي بكر على القبائل في البقعاء قفل راجعاً إلى المدينة، ولما شاع خبر انتصار المسلمين على أهل الردة في أول قتالهم أخذت الصدقات تأتي من الأطراف بعد أن تردد أهلها في إرسالها، فوردت صدقات عدي بن حاتم من طيء وصدقات أخرى وبعد مدة قصيرة عاد جيش أسامة من الشمال، فقرت به أعين المسلمين فلم يمهل أبو بكر المرتدين بعد أن بلغه أن بني عبس وذبيان أوقعت بمن فيها من المسلمين ومثلت بهم، وبعد وقعة ذي القصة أراد أن يفني من في الأبرق فأراح جيش أسامة بضعة أيام وخرج بالقوة التي سار بها إلى ذي القصة بعد أن أنجدها بالناس من جيش أسامة وتوجه نحو الأبرق، وفيه الفرقة الثانية من بني عبس وذبيان وبني كلاب وغيرهم وقد ناشده كبار الصابة بألا يعرض نفسه للخطر بقيادة الجيش بنفسه إلا أنه لم يجب طلبهم.

стр. 5792

فبعد أن عبأ جيشه باغت المرتدين في الأبرق فهزمهم شر هزيمة وانسحبت فلولهم إلى السميراء والتحقت ببني أسد، ولما رأى طليحة الخطر انسحب بجميع القوات التي التفت حوله إلى بزاخة وأقام أبو بكر في الأبرق وكان يملكه بنو ذبيان، فأعطى مراعيهم لخيل المسلمين وحرم بطون ذبيان منها. تولية خالد بن الوليد قيادة الجيش تدل الأخبار على أن خالداً أشترك في قتال ذي القصة والأبرق مع المهاجرين، ولاما رجع أبو بكر إلى المدينة انسحبت قوة المسلمين إلى ذي القصة، وتولى قيادتها خالد بن الوليد وتذكر الروايات التي تبدأ بسيف بن عمر أن أبا بكر لما وصل إلى المدينة جمع رجالا من القبائل المجاورة للمدينة وأرسلها إلى ذي القصة لتقوية جيش المسلمين. ثم عاد إلى ذي القصة لتقوية الجيش وقسمه إلى أحد عشر فرقة، وعين قائدا لكل منها فوجهها إلى مناطق المرتدين في جزيرة العرب لقتالهم والقضاء على حركة الردة وهذه الرواية التي يرويها سيف يصعب تصديقها وذلك: أولاً - لأن قوة المسلمين لم تكن في عدد يكفي لتقسيمها إلى أحد عشرة فرقة ثانيا - إن إيفاد فرق البحرين وعمان ومهرة وحضرموت واليمن قبل قمع الفتنة في قلب جزيرة العرب مسئلة فيها نظر. ويمر طريق البحرين وعمان ومهرة ببلاد بني حنيفة، وفيها مسيلمة ثائرا، وهو معتصم في بلاده الوعرة. والحقيقة أن قوة جيش المسلمين لم تجاوز بضعة آلاف على ما ذكرناه في بحث تقدير قوة الفريقين. فجيش أسامة لم يجاوز ستة آلاف، أما القوة التي جهزها لمقاتلة من اجتمع في ذي القصة فلم تتجاوز الألفين. فتقسيم هذه القوات جميعا إلى أحد عشر قسما مما يجعل كلا منها ضعيفا بحيث لا يستطيع القيام بالواجب المنوط به. بينما الأخبار تؤيد أن جيش خالد بن الوليد وحده كان يبلغ أربعة آلاف رجل، ثن إن هناك أخبارا تؤيد حبوط هجوم فرقة عكرمة بن أبي جهل، وكذلك هجوم فرقة شرحبيل بن حسنة على قوات مسيلمة وانسحابهما إلى الوراء والتحاقهما بفرقة خالد بن الوليد مما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد أن أبا بكر فكر قبل كل شئ في القضاء على حركة الردة في وسط جزيرة العرب، وجمع لذلك ما

стр. 5793

في يده من القوات المتيسرة وناط قيادتها بخالد قوة الجيش: إن الرواة على عهدنا بهم لم يرووا لنا مقدار قوة المسلمين التي احتشدت بقيادة خالد بن الوليد في ذي القصة. والمصدر الوحيد الذي يذكر لنا قوة خالد هو أبو حبيش، إذ يروي لنا أنها كانت تبلغ أربعة آلاف مقاتل حركته إلى بزاخة وكان الجيش على ما سبق بيانه مؤلفا من القوة التي جمعها أبو بكر من القبائل المجاورة للمدينة على جناح السرعة الهجوم على المرتدين في ذي القصة بعد تهديدهم للمدينة، ومن القسم الذي التحق به من جيش أسامة بعد عودته إلى المدينة قبل الهجوم على الأبرق. ومن الواضح أن البعض منة تخلف عن الالتحاق ليقضى مدة من الزمن بين أهله بعد أن غاب عنهم مدة شهرين في سفرة إلى الشمال والذي يظهر من رواية سيف أن أبا بكر لما عاد إلى المدينة أرسل هذا القسم المتخلف أيضا إلى ذي القصة. وبعد التحاقه أصبح جيش خالد أربعه آلاف أو أكثر. وكانت قوة الأنصار وحدها تبلغ زهاء خمسمائة مقاتل. أجل، إن هذا العدد ضعيف بالنظر إلى المهمة الخطيرة المنوطة به. إلا أن تجانس القوة في هذا الجيش وصلابة المعتقد فيه، وتفرق كلمة القبائل المرتدة جعلته أهلا للعمل منطقه الحركات: يحد المنطقة التي جرت فيها الحركات من الشرق، الدهناء، وهي الساحة الرملية الممتدة من الشمال الغربي إلى الشرق الجنوبي في شرقي القصيم. وكانت الدهناء ولا تزال المفازة التي تفصل أرض السواد (أعني العراق) عن بلاد نجد. ويحدها من الشمال جبل شمر أعني بلاد طيء المرتفعة التي تمد جبالها على ما سبق من الشمال الشرقي. إلى الجنوب الغربي، وأخطرها جبلا سلمى في الجنوب وأجا في الشمال، وفيها وديان كثيرة أجلها شأناً وادي حائل، وهو يبدأ من بزاخة طيء بشعاب متعددة، ويفصل الجبلين أحدهما عن الآخر حيث تنصب فيه عدة شعاب من الشمال والجنوب وتغمرة بالمياه في موسم الأمطار. وقد شيدت على جانبيه القرى التي ترتوي بمياه الآبار المنصرفة إليها من الجبال. ولما كان

стр. 5794

جبل سلمى وجبل رمان يشرفان على وادي الرمة من الجهة الشمالية، فالشعاب التي تمر بالأطناف الجنوبية تنحدر جميعا إلى ذلك الوادي. وهذة الأطناف هي الحدود الفاصله بين حي بني أسد وحي فزاره من بني غطفان، وقريتا فيد وطابه لبني طيء وهما على الحدود ويحد منطقة الحركات من الغرب حرة خيبر، ومن الجنوب الهضبة المشرفة على وادي الرمة من الجنوب، وفيها بنو سليم في الشمال وبنو عامر في الجنوب. وموقعا العمق في الغرب ورابية أبان الأبيض في الشرق في أرض بني سليم والوادي أرض منخفضة بين هضبتين مرتفعتين تنصرف إليه جميع المياه التي تنزل عليهما في موسم الأمطار. وإذا حفرنا الآبار في بطنه على عمق بضعة أقدام نعثر فيها على ماء كثير. والطريق التي تصل المدينة ببلاد القصيم تمر بهذا الوادي. بالقرب من سابية، ثم بالشقرة فالربذة بالقرب من الحناكية فالمشقق فبئر الطرفة، فإلى جنوب أكمة الخيمة حيث يدخل أرض بني أسد، ويمر بعد ذلك بين الأبانين: أبان الأسود في الشمال، وأبان الأبيض في الجنوب. والأسود في أرض بني أسد إلى أن يمر بشمال الرس وهو بئر ماء لبني أسد، فيصل إلى القريتين في بلاد قصيم، أعني العنيزة في الجنوب وبريدة في الشمال وكلتاهما في حي بني تميم ويسكن يسكن بنو أسد في الساحة الواسعة التي شمال الوادي من جنوبي فيد وأطابة غربي السميراء والظهران والسليلة. وفي غربي النقرتين نقرة السلاسل ونقرة الخطوط وجبل سارة. وفي أرض بني أسد يقع موقع الغمر وهو في رابية مرتفعة تشرف على وادي الغمر الذي ينبع من سفح جبل الموشم الشمالي ويف في الكهفة. وبالقرب منه تقع بزاخة بني أسد. وهي الموقع الذي نشبت فيه المعركة بين جيش خالد وجيش طلحة. والذي جعلنا نميل إلى العتقاد بأن موقع بزاخة في هذا المحل هو ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه نقلا عن ابن الكلبي. أما الأصمعي فيروي أن بزاخة ماء لطيء. وفي جبل طيء موقع آخر يسمى بزاخة. وعلى ما يظهر لنا من مجرى الحركات أن القتال بين المسلمين وبين المرتدين لم بقع في أرض طيء، بل وقع في أرض بني أسد بالقرب من الغمر، ولا سيما أن خالداً بعد انتصاره على طليحة وجه سراياه في جهات مختلفة مطارداً

стр. 5795

فلول المنهزمين. وهذه السرايا قاتلت المنهزمين في جبل رمان وفي الأبانين. ولا يعقل أن المعركة نشبت في بزاخة طيء والمطاردون يطاردون المنهزمين إلى رمان والأبانين، بل من المعقول أن تنشب المعركة في جوار الغمر قيشرد المنهزمون إلى أنحاء مختلفة، فينهزم بنو فزارة إلى حيهم في جنوبي الرمان وغربيه، وبنو أسد إلى الأبانين وإلى ظفر في جوار كهفة وإلى النقرة - أعني إلى حدود الحي وفي منتهى الشرق بلاد بني تميم والقصيم على الحدود بين بني أسد وبني تميم. وهي من أغنى البقاع الواقعة في نجد، وتحدها رمال الدهناء من الشرق، وفي غربها مراعى الحزن، وفي شرقها مراعى الصمان، وكلتا البقعتين من أخصب المراعي وهما لبني تميم. وبنو يربوع في الحزن إلى وادي حائل، والصمان إلى بني حنظلة، وماء الطريفة في شمالي البريدة لهم أيضاً. والبطاح في جنوبي الحزن وفيه قرية بريدة وموقع البعوضة والقعرة، وهو مشهور بجودة الكلأ وفيه دارت الدائرة على مالك بن نويرة رئيس بني يربوع ولا تزال إحدى ضواحي البريدة تسمى بالبطاح، والقصبة تتألف من أربع ضواح، وهي جردة وجديدة وشمال وبطاح. وموقع النباج في حي بني تميم وهو المحل الذي وصلت إليه سجاح برجالها فقاتلها بنو تميم وكسروها، وهو واقع في الحزن على طريق الكوفة بعد الفيد يتبع طه الهاشمي

стр. 5796

قصه لؤلؤة للأديب حسين شوقي ولدت في أعماق المحيط الهندي، وكنت أقيم هادئة مطمئنة في مقصورتي الصدفية، إلا أنني سئمت الحياة التي كنت اقضيها على نمط واحد، واشتقت إلى مشاهدة العالم الآخر القائم فوق سطح الماء الذي طالما حدثتنا عنة الأسماك في دهش وإعجاب، ولكن أخواتي من اللؤلؤ أشرن عليّ بالصبر، زاعمات أن الإنسان سوف ينزل إلى الأعماق لينتزعني من خلوتي، لأننا معشر اللؤلؤ - على زعمهن - ذوات قيمه نادرة عنده، وقد صدقن في زعمهن، إذ نزل إليها ذات يوم زنجي ليأخذني من صدفتي، إلا أن الحوت افترس المسكين، ثم حاول زنجي آخر بعد ذلك بقليل أن يفعل فعله سابقه، ولكنه لم يدركني، إذ كنت في عمق سحيق فمات مختنقاً. . بعد هذين الحادثين لم يبق لدى شك في قيمتي بعد هذين الحدثين لم يبق لدى شك في قيمتي عند الإنسان، وأنا خاملة الذكر في البحر، لذلك ازداد شوقي إلى المشاهدة هذا العالم. . . ثم أتى زنجي ثالث مجدود استطاع أن يرفعني إلى سطح الماء، وهذا سلمني إلى رجل أبيض أخذ ينظر إلى في شره بعد أن انزع عني بسكينة الحاد صدفتي المسكينة! وأراد زنجي رابع أن يسرقني من الرجل الأبيض، ولكن الأبيض داهمه أثناء السرقة فضربه بالسوط ضرباً مبرحاً مزق جلدة وأسال دمه. . يالخيبة أملي لو كان هذا هو كل ما يشاهد في دنيا الإنسان!. سافرت بعد ذلك إلى لندن على متن باخرة فخمه. . وهناك قامت فتاة حس ناء بصقلي في دقه وأناة. . وبعد أن أنهت من عملها رفعتني بإصبعها، وأخذت تتأملي طويلا ثم تنهدت من الأعماق. فخشيت عليها أن تفعل فعله الزنجي السارق، لأن جلدها ناعم لا يتحمل السوط. أما أنا فكان بودي أن أتعلق بجيدها البلوري أو أعلق بيدها الناعمة. . . ثم أخذني جوهري فعرضني في زجاج دكانه. . وكان المارة ينظرون إلى في إعجاب وفضول، وذلك ما أدخل على نفسي الزهو. . والواقع أنني كنت جميلة حقاً بلوني الوردي الذابل، ولا سيما بعد عملية الصقل التي قامت بها تلك الفتاة الحسناء. وقد لاحظت أن أهالي لندن فضوليون إلى حد بعيد، وقد يصح مثل هذا الفضول من جانبي أنا مثلاً إذ

стр. 5797

قضيت حياتي سجينة في صدفة. . أما من جانب الإنجليز فهو أمر مستغرب، وهم قوم رحل أفاقون. . وكان صاحبي الجوهري في الغالب يهودياً، لان انفه كان مقوساً، ثم إنه كلما وضعني في يده المجعدة، ضغط علي في قسوة وشره حتى كنت أخشى على نفسي الهلاك. وقد باعني ذات يوم إلى سيدة متقدمة في السن بربح وافر على ما أظن، لأنه جعل يفرك يديه طويلاً عقب إتمام الصفقة، وكانت نية هذه السيدة أن تصنع مني خاتماً. إلا أن ولدها وهو طفل (عفريت) في السابعة من عمره ابتلعني ظنا منه أني قطعة من الحلوى. فغشي على السيدة من الحزن، أكان ذلك من أجل ولدها أم من أجلي؟ لا أعلم، ولكني أرجح الثانية على الأخص بعد حادث الزنجيين اللذين ماتا في سبيلي. . . وقد تناول الطفل مسهلاً قوياً أعادني إلى الحياة والنور. . . ثم انتقلت إلى يد أخرى كلها مرتعشة مجعدة. . رب! كيف نظم هذا الوجود؟ كيف يكون الجاه والغنى عند العجائز والدميمات فقط؟ ولكن من حسن حظي وقعت في النهاية في يد فتاة أمريكية حسناء مثرية جدا، أعطيت لها في شكل خاتم قدمه شاب خاطب، وكانت الفتاة سعيدة بي. . فكم من رحلات شيقة قمنا بها - نحن الثلاثة - على متن طيارتها الخاصة، إلا أنه اتضح للفتاة يوما أن هذا الشاب يخونها، وأنه لم يخطبها إلا طمعا منه في ثروتها، لذلك ثار ثائرها: فألقت بي في وجهه، وكان ذلك أمام الباب الخارجي للدار الواسعة، فتدحرجت حيث اختبأت في حفرة مظلمة بالحديقة أنتظر من ينقذني، وأرجو أن يكون ذلك على يد فتاة جميلة حسين شوقي

стр. 5798

تعليقات القراء على الرسالة إلى الأستاذ الرافعي للأستاذ علي الطنطاوي سيدي: أعرني هذا القلم السحري الذي تكتب به. . . لأصف لك الشعور الذي خامرني وإخواني هنا، حين قرأنا فصلك الأخير: قصة زواج. . . فما أدري والله كيف أصفع لك وقد والله قرأناه مثنى وثلاث ورباع، وقد والله قطعتا القراءة مرة وثانية وثالثة، لأننا لم نكن نملك نفوسنا أن تفلت من قيود المادة، وتنفذ من بين السطور إلى عالم أسمى وأوسع، تطير في أرجائه لتحلق بهذه البلاغة العلوية التي تسمو بتاليها وتسمو. . . حتى تدنو من حدود العالم الكامل - عالم القرآن - وتريه تحقيق ما قاله سعد (بطل المشرق): كأنها تنزيل من التنزيل! وقد والله خرجنا منها وكأننا لم نعرف عبد الملك أمير المؤمنين، وسعيداً سيد التابعين، إلا الساعة. . . فإذا أنت قد نقلت الملك والجلال من ذاك إلى هذا، وإذا مقالة منك واحدة، تغلب عبد الملك على جيوشه وأمواله وملكه، ثم تجرده منها، ثم تعرضه جسداً هزيلاً؛ وتمنح سعيداً على فقره وتواضعه، أسمى العظمة والهيبة والجلال. . . حتى يقول هذا: (أنا. . .) فترددها ملائكة السماء. ويقول ذاك: (أنا. . .) فتستحي أن تعيدها شياطين الجحيم! وأقسم لقد سمعت هذه القصة وقرأتها، وحفظتها، وحدثت بها. وانحدرت بين أذني ورأسي ولساني عشرين مرة، ثم كأني لم أسمع بها إلا الآن. . . وكأني كنت فيها في ليل مظلم، فطلعت على مقالتك شمساً ساطعة؛ عرفت معها كيف تكون حصيات الليل لآلئ النهار. . . فما بالك بمن لم يسمع باسم سعيد؟ وما بالك بمن لا يعرف في الدنيا أدباً، إلا الأدب الذي يسقط علينا من باريس أو لندن أو بوسي أيرس؛ ولا يدري من البلاغة إلا أنها التي تلوح بين سطورها رؤس البنادق، وأفواه المدافع، وأجنحة الطيارات؟ ومثل أولئك كثير، فقد عابوك بالغموض، ورموك بالإبهام، وادعوا أن كتبك لا تفهم، ومعانيك لا تساغ، فلما ظهر أن في الغرب شاعراً فحلاً مذهبه الغموض فنًا من فنون الأدب تتمحل له الأسباب وتتلمس له الدواعي! فما الذي سيئة الرافعي حسنة بول فاليري، إلا أن

стр. 5799

ذاك من فرنسا وهذا من مصر؟ أما إن هذا الإيمان بالغرب إذا انتقل من الشيوخ إلى الشبان لم يكن إلا كفراً بالشرق وإلحاداً بالعقائد الشرقية، وجهلاً باللغة الشرقية، وخروجاً من الجلدة الشرقية. . . وإن عندنا في دمشق ندوة أرادت أن تعيب مجمعنا الأدبي، فلم تجد أبلغ في العيب من قولها: إن المجمع ثقافته شرقية، بل لقد (ضبطتنا متلبسين بالجريمة)، وأشهدت علينا أننا كنا نحمل كتباً صفراء. وكان الذي نحمله (شرح المواقف للسيد). ومثل هؤلاء لا يقرأون الأدب العربي إلا إذا صيغ هذه الصياغة وعندنا إن هذه القصة بكل ما قرأنا في العربية من قصص ما يزال أكثر أصحابها ينشدون أدباً فرنسياً أو إنجليزياً بحروف عربية وعندنا أنك إذا استكثرت من هذا النوع غطيت على خيام أهل الجديد ودورهم المبنية من الطين والقش، بقصر شامخ من الصخر يثبت ما ثبت الدهر وعندنا أن مائة قصة من مثل هذه القصة، تنشئ الأدب العربي إنشاء جديداً، وتخرج من الشيخ الهم الفاني، الذي ينتظر الموت شاباً قوياً بهياً، جاء يستأنف الحياة بحنكة الشيخوخة. وتجعل من الأدب العربي أدبين: أدب أربعة عشر قرناً، وأدب الرافعي ولست والله أمدحك لأتملقك وأتزلف إليك، وما بي بحمد الله رذيلة التملق والتزان، وإني لأنقم منك أحياناً. إنك تبالغ في الدقة، وتمعن في السبك الفني لمعانيك وألفاظك، حتى ما أكاد أفهم عنك، وإننا لنحفظ جملك هذه الغامضة، ونتنادر بها، على حين أنك تعرف من نفسك القدرة على أسهل الكلام وأوضحه، , وإن شعرك لين سائغ عذب كالماء ولكني أمدحك، وما أجدني صنعت شيئاً، لأنك في نفسي أكبر من ذاك، إنك واحد من عشرة هم كتاب العربية في كل عصورها، إنك لسان القرآن الناطق. فاقبل تحياتي وإكباري وشكري، وأسألك أن تزيدنا من هذا النوع من الأدب، وأن تستكثر من هذه الفصول الاجتماعية، وأن تعلم أن مقالاتك في الزواج كان لها من الأثر ما لا يكون لقانون صارم من ورائه السجن والغرامة. وإننا نحمد الله على أن جعل في العربية مجلة صاحبها الزيات، ويكتب فيها الرافعي علي الطنطاوي

стр. 5800

عضو المجمع الدبي بدمشق

стр. 5801

من شعر الشباب لا تباهوا للأستاذ فخري أبو السعود مَنْ لُمْلكٍ بات مهضوم الحمى؟ … وتراث بات نهب الناهبين؟ ولأرض نام عنها أهلها … تاركيها بين أيدي الآخرين؟ وتخلى قادة عن أمرها … فاستوى المائن منهم والأمين خيرها يخطي شعبا قانعا … ويصيب الدخلاء الطامعين كل من هبوا على الأرض سعوا … يبتغون الرفد فيها والمعين كلهم من عسكر أو عزل … جند إذلال عليها يخطرون أمنوا فيها فكانوا حربها … ومشوا في ظلها مستهزئين من لشعب فترت همته … للذي يجري عليه مستكين؟ يتسامى كل شعب للعلا … وهو يشقى في حماه يهون ورأى حرية القوم دنت … موردا لكنهم لا يردون قيد الحرص من الشعب الخطى … فهو بالعيش وإن ذل ضنين ولو اعتزوا بعزم لعنا … لاعتزام الشعب كيد الكائدين ولدانت لهم آمالهم … إنما الآمال بالعزم تدين لا يطل منا بفضل أحد … لا يعز الفرد والجمع مهين لا تساموا درجات بينكم … كلكم للغاصب العادي قطين لا تباهوا بمغان رفعت … هي للسكن قبور وسجون أو بألقاب علا زائفة … تتغالون بها مفتتنين أو بأثواب عليكم نمقت … أنتم أسرى بها لو تعلمون حيثما راح ابن مصر أو غدا … فهو في الأسر وفي القيد رهين حرروا أعناقكم ثم أفخروا … بحطام أو بجاه تملكون ما ارتقاء ندعيه بيننا … ونهوض وعلوم وفنون يالشعب بات عن حرية … غافلا يلهيه سفساف الشؤون

стр. 5802

تندب الحاضر نفسي وترى … فيه وجه الغد مربد الدجون عصف العصر اصطخابا حولنا … وتفانى آله مشتجرين وعلينا آل مصر حجب … من بقيات الليل والقرون ليت شعري - إذ تعالى بينهم … صيحة في كل يوم ورنين - أأفاق القوم من نومهم؟ … أم مشوا في نومهم مختبطين؟ نحن نحيا في خيال ورؤى … نحن في كهف عن الدنيا كتين نحن - والدنيا اجتهاد ووغى - … نهب لذات ولهو ومجون صاح بعض بهراء وأحتمى … بعضنا بالصمت عجزا والسكون كثر القول وما أغنى الحمى … عن دعاوى اللاغطين القاعدين إنما يطلب من أبنائه … عملا ينسخ قول القائلين فخري أبو السعود

стр. 5803

الحياة الغالية للأديب سيد قطب بالأمسِ كنتُ أعيشِ نضْو تَرَقُّبِ … أزْجِي حَيَاتي كالأجيرِ المتعَبِ أرنو إلى الإصباحِ، ثم تُمجُّهُ … نفسي، وأنظرُ كارهاً للمغربِ وأحسُّ بالقفزِ الجديبِ يلُّفني … فأعيشُ في ظُلَمٍ كقبرِ الغيهبِ وَلَو إنما اختصِرتَ حياتيَ لم أكنْ … أدري بما نقصتُ، ولم أتَعتبِ وإذا تشابهتِ الحياةُ أقفرتْ … كُرهت، فلم يُشعَرْ بها أو تُطلَبِ واليومَ آسفُ للدقائقِ تنطوِي … من عمريَ الغالِي الثمينِ الطيِّب واليومَ أرقبُها وأرقبُ خَطْوِها … فأعيشُها مِثلَينِ بعد تَرقُّي وهي العميقةُ كالخلودِ وإنما … تمْضيِ حثيثاً في خُطا المتوثَّبِ وأودُّ أن لو أبطأتْ وتلَّبثتْ … في خَطْوِها لبْثَ الوئيد الُمكثِبِ تغلو الدقائقُ في حياةٍ خصبةٍ … وتهون أعوامٌ بعمرٍ مُجدب! الحبُّ فاضَ على الحياةِ بخصبه … وأجدَّ عُمراناً بكل مُخَرِّبِ وأزاح أستارَ الدُّجى فتكشَّفَتْ … ظلماتُه عن كل زاهٍ مُعجِب وكذلك تَحْلَوْ لِي الحياةُ وتُجتلى … وتعزُّ ساعاتُ الغرامِ المخصب

стр. 5804

يا ثغر. . . أتأذن يا ثغر في قبلة؟ … فديتك يا ثغر بالمهجتينْ فدتك البحار بمرجانها … وعوذت درّك من كل عين أريدك يا ثغر بشاً ضحوكا … ولو كان فيك خداع ومَيْن فانك مغرٍ وحق الجمال … تغر بفتنتك الحسنين فبالورد قد لُفَّت الشفتان … فأصبحتا فيك ريّانتين فباللهِ تأذن في قبلة … وإن كنتَ سمحاً ففي قبلتين فكل نعيم بهذه الحياة … يُنال على تَيْنِك الشفتين حسين شوقي

стр. 5805

العلوم فكرة النظام الشمسي الحديثة تغلب النظام الكوبرنيكي على النظام البطليموسي بقلم فرح رفيدي من البدهيات التي لا تستلزم حيرة الإنسان كثيراً هي أنا نرى الشمس تدور لأن الأرض تدور، ولولا ذلك لما كان ليل ونهار، ولكانت الأرض أبداً نصفين ثابتين، نصفاً مظلماً قاتماً، ونصفاً مستنيراً أبداً بشمس ثابتة وهذا الذي قد نعتبره أمراً بدهياً اليوم، كان بالأمس سبب الشقاق وموضوع الحوار، وقبلة أنظار الباحثين من الفلكيين وغير الفلكيين. ومنذ مئة وخمسين سنة فقط كان الحوار قائماً على منبر جامعة هارفرد بأمريكا في إذا ما كانت الأرض تدور أو لا تدور، وكان من برنامج الجامعة نفسها أن تدرس الفكرتين المتناقضتين في وقت واحد. وقبلها بوقت قصير كانت جامعة باريس تؤيد الفكرة القائلة بأن حركة الأرض حول الشمس فكرة مناسبة إلا أنها خاطئة. فحداثة هذه الفكرة تدل على أن الفكرة اليونانية عن نظامنا الكوني لم تزل من قلوب الناس بإعلان كوبرنيكس لفكرته الجديدة، بل ظلت الفكرتان تتحاربان في عقول الناس إلى أن تغلبت إحداهما على الأخرى. وكان الانتصار الذي أحرزته الفكرة الجديدة انتصاراً نهائياً للحقيقة، وموتاً أبدياً للفكرة الباطلة التي شغلت عقول الناس بتناقضها وكثرة تعقدها قبل أن يبزغ نور الفكرة الحديثة بألفي سنة كان فيثاغورس اليوناني يعتقد بحركتي الأرض اليومية والسنوية، غير أن هذا الاعتقاد قد قضى عليه أرسطو، ورفضته الكنيسة لمنافاته للدين المسيحي في العصور الوسطى، فمات قبل أن ينشر أو ينتفع به أحد، والكنيسة لم تقف عند حد رفض الفكرة وتحريم الاعتقاد بها، بل تعدته إلى تضحية كل نفس جاهرت بمعتقدها الحر، فأحرقت جيوردانوبرونو سنة ١٦٠٠ لاعتقاده بعوالم عديدة في الكون غير عالمنا، وقاسى غاليليو ألواناً من العذاب لتأييده ما أقره كوبرنيكس. وكوبرنيكس نفسه كان محجماً طول مدة حياته عن أن يجاهر بعقيدته خوفاً من الكنيسة ومن أن يهزأ بفكرته،

стр. 5806

ولم ينشر كتابه عن النظام الشمسي إلا بعد أن مات أول شئ جعل كوبرنيكس يطرح النظام البطليموسي جانباً ويجاهر بنظامه الحديث هو صعوبة الأول وتعقده، وعدم مطابقة الحجج الكثيرة للظواهر المشاهدة في الكون، وذلك ما يفقده ميزة الجمال والبساطة الطبعية. وليس بالأمر الغريب الذي جعل الفونس العاشر ملك قشتالة يقول لما رأى النظام اليوناني كما شرح له. (لو استشارني الله يوم خلق هذا العالم لكان الكون أبسط وأجمل مما هو عليه الآن). وقد أصاب شيشرون الروماني بوصفه الكواكب بأنها لم تكن سهلة التعبير، إذ هي تارة متأخرة، وتارة متقدمة بين النجوم. وقد نراها في بعض الأوقات سريعة، وفي غيرها بطيئة، وأحياناً في المساء وأخرى في الصباح، فهي لا تبقى على حال واحدة أبداً. واليونان أنفسهم أقروا بفظاعة أفكارهم وعسر تحليلاتهم، ولم يقدروا أن يتصوروا كوناً طبيعياً من صنع الإله الأكبر وفيه هذه المتناقضات والصعوبات الجمة التي شاهدوها في حركات الكواكب السيارة. فكان عندهم الكون ظاهره وباطنه وما فيه من أجرام مختلفة الحجم متباينة الضوء مثالاً للتكامل والتلاؤم. فشكل الكون كان كروياً كشكل أجرامه التي تحدث بدورانها دوائر مستقيمة متعادلة. ولأن الدائرة كانت أتم الأشكال الهندسية تلاؤماً، والكون متلائم ومتسق مثلها، كانت صفة تابعة لحركات النجوم ومداراتها. على أن محاولاتهم هذه من تفسير الكون كنظام يسير لتطبيق قواعد هندسية سطحية، لا كنظام خاضع لنواميس طبعية أصلية، أفسدت عليهم الأمر وكانت سبباً في تعقيد الفكرة وإخراجها بصورة يصعب على العقل تصويرها أو إدراكها. فكانت النتيجة أن قام كوبرنيكس بفرض نظرة أسهل على الفهم وأقرب للمنطق من الفكرة القديمة. فجعل فكرته سهلة التعبير، بسيطة خالية من الدوائر أو شبه الدوائر الموجودة في النظام البطليموسي في سنة ١٥٠٧ آمن كوبرنيكس بدوران الأرض حول الشمس، وكاد يذيع ذلك لولا خوفه من أن يتهم بالهرطقة والكفر. وذلك لأن الكنيسة حينئذ كانت تدعي أن الإنسان مادام أعظم المخلوقات في الكون، وغاية ما أبدع الله على صورته، وأن كل مخلوق ما عداه وجد له وله وحده، وما دامت الأرض هي موضع ذلك المخلوق العظيم ومكان الجبلة الممتازة المنفوخ فيها من روح الإله، فهي بلا شك مركز الكون، ومحور دورانه، ومركز انعكاس

стр. 5807

أضوائه من مختلف الجهات حولها. وإن من أخذته أدنى ريبة في ذلك فقد أهان الإنسان وحط من مقامه الرفيع بين المخلوقات ونال من كرامة الإله وقوته وجبروته، لأنه هو والإنسان صورة واحدة رأى كوبرنيكس أنه إذا كانت الأرض ثابتة فإن كل شيء ما عداها يتحرك. أي أن الكون من كواكبه السيارة وغير السيارة في حركة دائمة حول نقطة ثابتة في مركزه، ونقيض ذلك هو دورة الأرض وثبات ما حولها، وإذا قابلنا بين الفرضين وجدنا أن الظواهر الناتجة من الثاني هي كالنتائج الظاهرة من الأول، بل إن الفكرة الثانية، أي دورة الأرض، أسهل للعقل وأخف على الفكر من الفكرة الأولى. لذلك افترض كوبرنيكس دورة الأرض كشيء أقرب للحقيقة وأصدق للتعبير عن مظاهر الكون من فرض ثباتها ودورة الكون حولها. وقد رأى مما يبرر اعتقاده بدورة الأرض، أن للكواكب السيارة شذوذاً في حركتها، وأن اختلاف هذه الحركات يبين أن الكواكب تدور حول مركز غير الأرض. فبما أنها تارة قريبة وتارة بعيدة عن الأرض، ليست مركزاً لدوائر حركاتها أكد لبطليموس ثبات الأرض اعتقاده لأن الدوران يهدمها ويفتتها فتتناثر في الفضاء قطعاً. فهاجم كوبرنيكس هذا بقوله: إن دورة الكون السريعة حول الأرض يجب بناء على ذلك أن تفتت الكون كله في الفضاء، ولو سلمنا بدورة الكون بدون تفتيت، أليس من نتيجته أن يتسع الكون ويتمادى في الاتساع حتى تبتعد أجزاؤه عن مركزه؟ وهذا الابتعاد عن المركز يزيد بسرعة الكون وقوة دورانه؟ وذلك لاتساع حلقته ولزوم دورتها في مدة أربع وعشرين ساعة؟ ثم إن قوة الدوران أن تدفع بأجزائه أكثر عن المركز فيتسع وتزيد بذلك سرعته التي تعود فتزيد بتوسيعه وهكذا إلى ما شاء الله. وعلى ذلك تصبح السرعة متناهية ويمتد الكون إلى ما لانهاية له؛ فإذا كان كذلك غير محدود الأطراف فالحركة ليست من صفاته لعدم وجود متسع في الفضاء لإتمامها، ثم لو كان الكون محدودا ومتحركا فماذا يكون وراء الجليد؟ فإذا كان لاشيء فهل يمكن أن يكون شئ محاطاً بلا شئ؟ هكذا احتار كوبرنيكس في أن يعتقد بكون محدود متحرك، أو بكون متحرك غير محدود. والتناقض جلي بين الفكرتين. لم يدر كوبرنيكس ما إذا كان الكون محدداً أم غير محدود، ولكنه كان متأكداً من حد الأرض وإحاطتها بسطح كروي، وقد عرف أن الاعتقاد بحركة شئ محدود أسهل من

стр. 5808

الاعتقاد بشيء متناه غير معروف الحدود. فالأرض إذن حقيقة تدور، ونتيجة هذه الدورة في هذه الحركة الظاهرية في السماء التي نشاهدها ليل نهار. قبل أواخر القرن السادس عشر سمع بالفكرة الجديدة (ثيخو ميراهي)، ولاشتياقه لمعرفة صحتها اعتزم عمل زيج جديد دقيق لحركات الكواكب، فبنى مرصداً ذا قبة متحركة، وعمل ربعاً قطره ١٩ قدماً، وكرةً تمثل الكون قطرها خمسة أقدام، فحصل بذلك على أرصاد دقيقة جداً. على أنه لم يتم ما أراد تحقيقه إذ مات في سنة ١٦٠١ أتى بعد ميراهي رجل ألماني اسمه يوهنس كبلر، وكان هذا بعكس ثيخو تنقصه الموهبة الميكانيكية. ولكنه كان ذا مقدرة كبيرة في الاستنتاج والتمييز بين حالة وأخرى، وجمع الحقائق بعضها إلى بعض لتكون نتيجة حقيقية واحدة. فما كان منه إلا أن أخذ نتائج أرصاد ثيخو في الكواكب، وصار يتأملها ويبحث فيها ويقابلها، حتى توصل إلى ثلاث حقائق أساسية في بناء فكرة الكون الحديثة: الأولى: توصل إليها كنتيجة لسبعة أرصاد للمريخ في موضع واحد، وهي أن الأرض تدور حول الشمس، ليس بشكل دائرة كما أعتقد اليونان، بل بشكل منحرف قليلاً عن الدائرة يسمى قطعاً ناقصاً والشمس تقع في إحدى بؤرتيه الثانية: المستقيم الذي يصل الأرض بالشمس يقطع في الفضاء مساحات متساوية في أوقات متساوية. الثالثة: نسبة مربع زمن دورتين لكوكبين هي كنسبة مكعب المسافتين من الشمس. أي إذا كانت مسافة الكوكب الأول من الشمس م١ ومسافة الكوكب الثاني م٢، وكان زمن دورة الأول حول الشمس س، وزمن الثاني ص فهذه الحقيقة هي كالمعادلة م١ ٢: م١ ٢: س٣: ص٣. وقد دل نيوتون فيما بعد بمعادلات رياضية وبالمقابلة أن هذه الحقائق الثلاث تنطبق لا على الأرض وحدها، بل على كل كوكب من كواكب المجموعة الشمسية، وقد عرفت بقوانين كبلر نسبة لمكتشفها العظيم في العصر الذي كان فيه كبلر يجرب أن يوحد أجرام النظام الشمسي بقوانين أساسية ثابتة، ويحكم ظواهر الكون لمسبباتها الطبيعية، كان بعيداً عنه وفي بلاد بعيدة، رجل إيطالي منهمك في صنع تلسكوب جديد لينظر به سطح القمر، وليرى قوانين كبلر تعمل عملها بين

стр. 5809

المشتري وأقماره. في سنة ١٦٠٩ صنع غاليليو أول تلسكوب، وفي سنة ١٦١٠ استطاع أن يرى سطح القمر ويميز الأماكن المرتفعة من المنخفضة فيه، وأن يظهر حقيقة المجرة كمجموعة كبيرة من النجوم الصغيرة المتقاربة من بعضها، والتي ترى لكثرتها كأنها جسم واحد في مساء ليلة من ليالي يناير سنة ١٦١٠ أحرز غاليليو أعظم نصر عرفه النظام الكوبرنيكي على النظام البطليموسي، إذ رأى حينئذ المشتري وحوله أقمار أربعة تحوم حوله. وهذا ما يؤيد أن الأرض ليست هي وحدها صاحبة الكون ومركزه، بل هناك أجرام أخرى لها ذات الميزة التي اختصها بها اليونان الأقدمون. واستطاع غاليليو بذلك أن يسقط أهم دعامات النظام البطليموسي الذي يقول: إن الأرض وهي - أهم الأجرام في السماء وأقدمها وموطن أرقى المخلوقات والمسرح الذي مثلت عليه مأساة المسيح ابن الله - لابد أن تكون مركز الكون ومحور دورانه ومن جملة الأسباب التي كان يحتج بها أرسطو في تأييد النظام القديم، وهو أنه لو فرض دوران الأرض حول الشمس، فإن عطارد والزهرة يجب أن يظهرا بأوجهٍ كأوجه القمر، وبما أنا لا نرى شيئاً من ذلك فدورة الأرض حول الشمس فكرة فاسدة، ولكن غاليليو لم يجب على ذلك قبل أن رأى في تلسكوبه أوجه الكوكبين واختلافها بحسب موقعها من الأرض، وهكذا سقطت دعامة أخرى من دعامات النظام البطليموسي، ولم يبق لذلك النظام إلا أن ينهار من أسسه التي لم تقدر على احتمال ضغط التجارب الشديد منذ تلك الاكتشافات كان غاليليو سبب ثورة عاصفة من النقد والبحث والشك في أوربا. وكان الناس يتساءلون فيما قد تكون حقيقة هذا الكون الذي خدعهم ظاهره مدة طويلة من الزمن؟ وماذا عسى أن يحدث من حط عظمة الأرض والإنسان والخالق من مكانها الأول؟ وما الذي تجيبه عليه الكنيسة والتوراة دحضاً لهذه المظاهر الجديدة وتطميناً للنفوس الحيرى المضطربة. ذلك ما زاد قلق الكنيسة والبابا على ضياع النفوس من حظيرتها، فهبت تناصر القديم بالتوراة والدين، وتشددت في تعاليمها ورفضت كل معتقد غريب عنها، وحاكمت من الشعب كل من عصى أمرها أو أهان قدرها. وكان غاليليو أول من صبت جام غضبها عليه، فصادرت كتبه وأرغمته مرات على رفض معتقده والتمسك بما تقول

стр. 5810

الكنيسة، وحوكم وعوقب من أجل ذلك. غير أن وقفة الكنيسة هذه لم تخفه ولم يهب سطوتها، وقد جرب إقناع مناوئيه ببراهين منطقية وعملية على فساد فكرتهم، حتى أنه كثيراً ما كان يناقضهم بحجج من التوراة، وكان يقول لرؤساء الدين عن عملهم هو تعليم الناس كيف يذهبون إلى السماء لا كيف تدور السماء. بيد أن الكنيسة لم تعر ذلك سمعاً، وأبت عليه أن يقارعها الحجة بالحجة خوفاً على هيبتها ووقارها أمام الشعب وأخيرا في سنة ١٦١٦ التأم المجمع المقدس في روما، وقرر رفض حركة الأرض رفضاً باتاً من تعاليمها وعد الاعتقاد بها هرطقة وعصيانا. وبعد ذلك بسنة أصدر البابا بولس الخامس أمره لغاليليو بألا يعتقد ولا يعلم ولا يدافع عن فكرته الجديدة. ومن بعض أتباع البابا وأصدقاء غاليليو من نصح له أن يفرض ما يعتقد به عن حركة الأرض فرضاً بدون أن يجزم بحقيقته. غير أن غاليليو ظل يشتغل حتى سنة ١٦٣٢ عندما أظهر كتابه وفيه الحوار بين رجلين عن النظامين البطليموسي والكوبرنيكي، فسمعت الكنيسة به ومنعت بيعه، وأوعزت إلى محكمة التفتيش جلبه لروما، وهناك حوكم وهدد بالتعذيب إن عاد وجاهر بإنكاره، وحكمت عليه المحكمة أن يتلو كل أسبوع أمامها مزامير التوبة السبعة لمدة ثلاث سنوات، ولولا أصدقاؤه الكثيرون في روما لذهب ضحية أفكاره الجريئة لكن برغم كل ما فعلته الكنيسة من إرهاب وتشديد، وبرغم كل ما أصدره البابا من أوامر تحريم وتعذيب، فأن الحقيقة ظلت سائرة في طريقها إلى الأمام، وما كانت لتختفي مرة إلا لتظهر للملأ بصورة أوضح وأروع من الأولى. وبدأت فكرة النظام الحديثة تتحقق تدريجياً في عقول معتنيقها، وتكبر وتتسع حول أساس جديد متين. وما زرع البذرة الأولى كوبرنيكس ونمت حتى أتى كبلر وغاليليو بعده وزادا في نموها وتحكيم أصولها في النفوس. ثم جاء نيوتون وربط أجزاء النظام الجديد بقانون الجاذبية العام. وأثبت صحة الحقائق التي استلمها عن غاليليو وكبلر ببراهين رياضية دقيقة، وظلت الفكرة تنمو وتتسع، والنظام الشمسي يكبر باكتشاف سيارات جديدة فيه كأورانوس ونبتون، حتى اكتشف نهائياً بلوتو في سنة ١٩٣٠ وهو أبعد الكواكب السيارة عن الشمس. وكان ذلك خاتمة النمو المطرد في فكرة النظام الشمسي الحديثة، الذي ابتدأ من كوبرنيكس وبقي نحواً من ثلاثة قرون.

стр. 5811

فرح رفيدي

стр. 5812

البريد الأدبي في دار لجنة التأليف والترجمة والنشر في مساء الخميس الماضي أقامت لجنة التأليف والترجمة والنشر في دارها مأدبة عشاء شرقية فخمة احتفالاً بمرور عشرين عاماً على إنشائها دعت إليها أعضاءها وأصدقاءها وصفوة من وجوه الأمة ورجال الصحافة، فتوافوا إليها في الساعة الثامنة، ثم تحلقوا حول الموائد الكريمة الشهية يتجاذبون ذكريات المودة ويتساقطون أعذب الأحاديث، ويتمتعون بشعور الرضا عن اطراد النجاح لهذا العمل النافع المخلص. فلما فرغوا من الطعام وقف صديقنا الأستاذ أحمد أمين رئيس اللجنة، فألقى كلمة قيمة شكر فيها الحاضرين وألم بتاريخ اللجنة وأطوارها إلمامه وافية واضحة سننشرها في العدد القادم، ثم عاد القوم إلى السمر بعد أن وقفوا على سر هذا المجهود الموفق، وأدركوا أن بقاءه ونماءه إنما يرجعان إلى تجانس الميول فيه، وإخلاص النية له، ونبالة القصد منه، وقوة الإيمان به. وكانت فرقة هاوية من أعضاء نادي الموسيقى تفصل بين الأحاديث الحين بعد الحين بألحانها الساحرة، فأضافت إلى جلال العلم، وجمال الأخوة، بهجة الفن ونشوة الطرب؛ ثم انقضى السمر بانقضاء الهزيع الأول من الليل، وانصرف القوم مبتهجين بجمال الحفلة، مغتبطين بنجاح اللجنة، مثنين على جهود الأعضاء. أزمة المسرح يجوز المسرح اليوم أزمة حقيقية، وينظر المتشائمون إلى مستقبله في كثير من الجزع. وقد عقد أخيراً في رومه مؤتمر دولي برعاية الأكاديمية الإيطالية لينظر في شؤون المسرح والدولة، وشهده جمع كبير من أقطاب الكتاب المسرحين في مختلف البلدان. وخطب السنيور لويجي بيراند للو المندوب الإيطالي، فنوه بأهمية المسرح في تنظيم الحياة الاجتماعية، وقال بأنه الأعراب الأسمى للفن، وإنه يستطيع وحده أن يثبت الظواهر الخالدة لعصر من العصور. وتحدث الكاتب المسرحي الأشهر موريس ميترلنك عن أزمة المسرح فأنكر خطورتها، وقال بأن المسرح يشبه طفلاً مريضاً منذ مولده، وقد لا يصل إلى اكتمال صحته قبل مرور ألفي عام، أي بعد أن يكون قد استنفد كل أمراضه، وكل آلام نموه. وإذن فأن الحمى التي يجتازها المسرح اليوم ليست إلا مظهراً من مظاهر هذا التطور الطويل

стр. 5813

الأمد. ثم أن هذا العارض يرجع في الغالب إلى عوامل خارجية لا علاقة لها بالمسرح ذاته. وقد عنى المؤتمر عناية خاصة بشؤون المسرح الدرامي، وبحث عدداً من مسائله الهامة، مثل ظروف المسرح الدرامي الحالية وعلاقتها بظروف المناظر المسرحية الأخرى، وخصوصا السينما، وهندسة المسرح، والمسارح العامة والخاصة، وفن المناظر والزخرف، وأثر المناظر المسرحية في أخلاق الشعوب، وعلاقة المسرح بالدولة، وغيرها. وقد أثارت هذه المسألة الأخيرة في المؤتمر كثيراً من الجدل، لأن جميع الدول الأوربية تحاول اليوم أن تضع لها سياسة خاصة للمسرح، وتحاول أن تجعل منه أداة تعبر عن المثل القومية العليا. ومنها من تحاول بواسطة المسرح إحياء التقاليد القديمة، ومزج الأساليب الحديثة بأساطير الماضي. وقد بذلت بالفعل جهود لتحقيق هذه الغاية بصورة عملية، فأسست معاهد للثقافة المسرحية، ولا سيما في روسيا والنمسا. وفي ألمانيا يغدو المسرح أداة حكومية. وفي هذه الوصاية التي تحاول الحكومات أن تفرضها على المسرح خطر على استقلال الفن يجب اتقاؤه وتثير المسألة المسرحية اليوم كثيراً من الجدل، ويذهب بعض المتشائمين إلى القول بأن المسرح يحتضر. ولكن كثيراً من أقطاب المسرح يرون مثل موريس ميترلنك في هذا التصوير مبالغة كبيرة. وقد قرأنا أخيراً في جريدة (الفيجارو) مقالاً بديعاً للكاتب المسرحي الكبير هنري برنشتين، يقول فيه إن أزمة المسرح نغمة قديمة ترجع إلى عهد ارستوفان ذاته، وإنها ما زالت تتجدد خلال العصور المختلفة؛ وفي رأيه أن أزمة المسرح اليوم محلية ترجع أولاً إلى أسباب اقتصادية، أساسها شدة التنافس في بناء المسارح منذ الحرب، وضغط الحكومة على المسرح، وإرهاقه بالضرائب الفادحة، وثانياً إلى ندرة الموهبة الدرامية، وصعوبة العمل الدرامي وهل نحن في حاجة إلى أن نذكر أن صدى هذه الأزمة المسرحية يتردد في مصر منذ حين، وأنها تفاقمت حتى غدت خطراً حقيقياً على المسرح المصري، بل لا نبالغ إذا قلنا أن المسرح المصري لا وجود له الآن إحياء الأقصوصة الطويلة (الحكاية)

стр. 5814

كتب الكاتب الكبير بول موران فصلاً ممتعاً عن الحكاية فلاحظ أنها تمزج بالقصة وحمل على القائلين بأن الأقصوصة الطويلة إنما هي قصة من النوع الطويل، ولكنها أقل منها حجماً. ويرى بول موران أن هناك فرقاً جوهرياً بين النوعين، فالأقصوصة الطويلة صغيرة الحجم حقاً، ولكنها تخالف القصة من حيث الجوهر؛ ذلك أن القصة العادية لا يحدها حجم، وقد تطول أو تقصر فلا يغير ذلك شيئاً من موضوعها، ولكن حجم الأقصوصة الطويلة يفرضه موضوعها ذاته. وفي وسعك أن تترك الكتابة في القصة إلى حين ثم تستأنفها دون حرج، ولكن الأقصوصة إذا تركت على هذا النحو تصدع بناؤها ويجب ألا تمزج الأقصوصة بالتصوير الموجز وقيمتها قبل كل شئ في نوعها، فهي عمل معتنى به وليست عملاً سهلاً سريعاً؛ أما قيمة القصة فهي ما تخلعه عليها مواهب كاتبها، وتخضع الأقصوصة لقوانينها الخاصة، وهي لم تتغير منذ عهد الأحياء. وموضوعها دائماً هو أن تعزل شخصية أو عملاً، وأن تجرده من ملحقاته، وأن تخرجه من الحياة. أما القصة العادية (الطويلة) فتحملنا إلى أفق خلقي محض، ولهذا كان الإنكليزي قصصياً (روائياً) مجيداً، أما الفرنسي فأنه لبراعته في التحليل يجيد كتابة الأقصوصة. وقد تستطيع أن تكتب قصة طويلة دون التزام الذوق الحسن، أو دون موهبة وعبقرية، ولكن الأقصوصة الحسنة لا يمكن أن تكتب إلا طبقاً لأصول الفن؛ فللكاتب الذي له مواهب فنية لا يستطيع مطلقاً أن يكتب أقصوصة ذات شأن. بين الدوتشي وجبرائيل دانونزيو يقيم دانونزيو شاعر إيطاليا الأكبر منذ أعوام في قصره في (فتوريالي) على مقربة من بحيرة لوجانو، وقد ذاعت في العهد الأخير إشاعات كثيرة عن علائقه مع زعيم إيطاليا السنيور موسوليني، حتى قيل بأن الشاعر معتقل في قصره في الواقع وأنه لا يسمح له بالانتقال منه أو استقبال أحد فيه إلا بإذن خاص، ولكن الظاهر أن هذه الإشاعات حديث خرافة، وأن الصداقة التي توثقت بين بطل فيومي (دانونزيو) والدوتشي (موسوليني) لم تزعزها الحوادث. وقد زار السنيور موسوليني أخيراً صديقه الشاعر الكبير في قصره في فتوريالي زيارة خاصة مجردة عن كل صبغة رسمية، واستقبله دانونزيو بغبطة وحماسة،

стр. 5815

وتعانق الرجلان عند اللقاء، وصاح دانونزيو بصديقه. (ها قد أتيت أخيراً)، وكانت آخر مرة زار فيها موسوليني صديقه، منذ عامين حينما كان يزور تورنيو وميلانو محتفلاً بذكرى الثورة الفاشستية. وقد وفد موسوليني على الشاعر عند الغروب وتناول معه العشاء، واستمر معه حتى منتصف الليل؛ ثم ودعه مرتحلا إلى مدينة كريمونا التي أعلن منها الزحف على رومه سنة ١٩٢٢، وكانت مهد الثورة الفاشستية. مدام جولييت آدم بلغت مدام جولييت آدم الكاتبة الفرنسية الشهيرة عامها الثامن والتسعين في هذا الشهر، ومدام جولييت من أعظم كاتبات فرنسا المعاصرات، ولدت سنة ١٨٣٦، وعاصرت أقطاب الأدب الفرنسي في عصر الجمهورية الثانية والإمبراطورية مثل هوجو، ولامارتين، وبلزاك، والفرددي فيني، وموسيه، وجورج ساند، وكوبيه، وموباسان، وذاعت شهرتها منذ سنة ١٨٦٠؛ وكانت تتمتع من جراء جمالها الباهر، ومواهبها الأدبية الممتازة في المجتمع الفرنسي الرفيع بنفوذ عظيم، وظهرت لأول مرة بروايتها الشهيرة (قريتي) ثم كتبت من بعدها عدة قصص وكتب نقدية؛ وأنشأت (المجلة الجديدة) سنة ١٨٧٧ فلقيت نجاحاً عظيماً وظهرت بمواهبها الصحفية. وتعيش مدام جولييت آدم منذ نحو خمسين عاماً في أحد الأديرة التاريخية، في قرية (جييف سير فييت)، وما زالت تستقبل هنالك كل يوم أحد كثيراً من أصدقائها العظماء، وما زالت على رغم تقدم سنها تعني بالشؤون السياسية والأدبية عناية كبيرة. وقد كان زعيم الوطنية المصرية المغفور له مصطفى كامل باشا على اتصال بمدام جولييت آدم؛ وكانت بينهما رسائل منظمة، يبدو فيها عطف الكاتبة الشهيرة على القضية المصرية، ونشرت ترجمة بعض هذه الرسائل في ترجمة المرحوم مصطفى كامل
следующие страницы →