← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

فرح رفيدي

стр. 5812

البريد الأدبي في دار لجنة التأليف والترجمة والنشر في مساء الخميس الماضي أقامت لجنة التأليف والترجمة والنشر في دارها مأدبة عشاء شرقية فخمة احتفالاً بمرور عشرين عاماً على إنشائها دعت إليها أعضاءها وأصدقاءها وصفوة من وجوه الأمة ورجال الصحافة، فتوافوا إليها في الساعة الثامنة، ثم تحلقوا حول الموائد الكريمة الشهية يتجاذبون ذكريات المودة ويتساقطون أعذب الأحاديث، ويتمتعون بشعور الرضا عن اطراد النجاح لهذا العمل النافع المخلص. فلما فرغوا من الطعام وقف صديقنا الأستاذ أحمد أمين رئيس اللجنة، فألقى كلمة قيمة شكر فيها الحاضرين وألم بتاريخ اللجنة وأطوارها إلمامه وافية واضحة سننشرها في العدد القادم، ثم عاد القوم إلى السمر بعد أن وقفوا على سر هذا المجهود الموفق، وأدركوا أن بقاءه ونماءه إنما يرجعان إلى تجانس الميول فيه، وإخلاص النية له، ونبالة القصد منه، وقوة الإيمان به. وكانت فرقة هاوية من أعضاء نادي الموسيقى تفصل بين الأحاديث الحين بعد الحين بألحانها الساحرة، فأضافت إلى جلال العلم، وجمال الأخوة، بهجة الفن ونشوة الطرب؛ ثم انقضى السمر بانقضاء الهزيع الأول من الليل، وانصرف القوم مبتهجين بجمال الحفلة، مغتبطين بنجاح اللجنة، مثنين على جهود الأعضاء. أزمة المسرح يجوز المسرح اليوم أزمة حقيقية، وينظر المتشائمون إلى مستقبله في كثير من الجزع. وقد عقد أخيراً في رومه مؤتمر دولي برعاية الأكاديمية الإيطالية لينظر في شؤون المسرح والدولة، وشهده جمع كبير من أقطاب الكتاب المسرحين في مختلف البلدان. وخطب السنيور لويجي بيراند للو المندوب الإيطالي، فنوه بأهمية المسرح في تنظيم الحياة الاجتماعية، وقال بأنه الأعراب الأسمى للفن، وإنه يستطيع وحده أن يثبت الظواهر الخالدة لعصر من العصور. وتحدث الكاتب المسرحي الأشهر موريس ميترلنك عن أزمة المسرح فأنكر خطورتها، وقال بأن المسرح يشبه طفلاً مريضاً منذ مولده، وقد لا يصل إلى اكتمال صحته قبل مرور ألفي عام، أي بعد أن يكون قد استنفد كل أمراضه، وكل آلام نموه. وإذن فأن الحمى التي يجتازها المسرح اليوم ليست إلا مظهراً من مظاهر هذا التطور الطويل

стр. 5813

الأمد. ثم أن هذا العارض يرجع في الغالب إلى عوامل خارجية لا علاقة لها بالمسرح ذاته. وقد عنى المؤتمر عناية خاصة بشؤون المسرح الدرامي، وبحث عدداً من مسائله الهامة، مثل ظروف المسرح الدرامي الحالية وعلاقتها بظروف المناظر المسرحية الأخرى، وخصوصا السينما، وهندسة المسرح، والمسارح العامة والخاصة، وفن المناظر والزخرف، وأثر المناظر المسرحية في أخلاق الشعوب، وعلاقة المسرح بالدولة، وغيرها. وقد أثارت هذه المسألة الأخيرة في المؤتمر كثيراً من الجدل، لأن جميع الدول الأوربية تحاول اليوم أن تضع لها سياسة خاصة للمسرح، وتحاول أن تجعل منه أداة تعبر عن المثل القومية العليا. ومنها من تحاول بواسطة المسرح إحياء التقاليد القديمة، ومزج الأساليب الحديثة بأساطير الماضي. وقد بذلت بالفعل جهود لتحقيق هذه الغاية بصورة عملية، فأسست معاهد للثقافة المسرحية، ولا سيما في روسيا والنمسا. وفي ألمانيا يغدو المسرح أداة حكومية. وفي هذه الوصاية التي تحاول الحكومات أن تفرضها على المسرح خطر على استقلال الفن يجب اتقاؤه وتثير المسألة المسرحية اليوم كثيراً من الجدل، ويذهب بعض المتشائمين إلى القول بأن المسرح يحتضر. ولكن كثيراً من أقطاب المسرح يرون مثل موريس ميترلنك في هذا التصوير مبالغة كبيرة. وقد قرأنا أخيراً في جريدة (الفيجارو) مقالاً بديعاً للكاتب المسرحي الكبير هنري برنشتين، يقول فيه إن أزمة المسرح نغمة قديمة ترجع إلى عهد ارستوفان ذاته، وإنها ما زالت تتجدد خلال العصور المختلفة؛ وفي رأيه أن أزمة المسرح اليوم محلية ترجع أولاً إلى أسباب اقتصادية، أساسها شدة التنافس في بناء المسارح منذ الحرب، وضغط الحكومة على المسرح، وإرهاقه بالضرائب الفادحة، وثانياً إلى ندرة الموهبة الدرامية، وصعوبة العمل الدرامي وهل نحن في حاجة إلى أن نذكر أن صدى هذه الأزمة المسرحية يتردد في مصر منذ حين، وأنها تفاقمت حتى غدت خطراً حقيقياً على المسرح المصري، بل لا نبالغ إذا قلنا أن المسرح المصري لا وجود له الآن إحياء الأقصوصة الطويلة (الحكاية)

стр. 5814

كتب الكاتب الكبير بول موران فصلاً ممتعاً عن الحكاية فلاحظ أنها تمزج بالقصة وحمل على القائلين بأن الأقصوصة الطويلة إنما هي قصة من النوع الطويل، ولكنها أقل منها حجماً. ويرى بول موران أن هناك فرقاً جوهرياً بين النوعين، فالأقصوصة الطويلة صغيرة الحجم حقاً، ولكنها تخالف القصة من حيث الجوهر؛ ذلك أن القصة العادية لا يحدها حجم، وقد تطول أو تقصر فلا يغير ذلك شيئاً من موضوعها، ولكن حجم الأقصوصة الطويلة يفرضه موضوعها ذاته. وفي وسعك أن تترك الكتابة في القصة إلى حين ثم تستأنفها دون حرج، ولكن الأقصوصة إذا تركت على هذا النحو تصدع بناؤها ويجب ألا تمزج الأقصوصة بالتصوير الموجز وقيمتها قبل كل شئ في نوعها، فهي عمل معتنى به وليست عملاً سهلاً سريعاً؛ أما قيمة القصة فهي ما تخلعه عليها مواهب كاتبها، وتخضع الأقصوصة لقوانينها الخاصة، وهي لم تتغير منذ عهد الأحياء. وموضوعها دائماً هو أن تعزل شخصية أو عملاً، وأن تجرده من ملحقاته، وأن تخرجه من الحياة. أما القصة العادية (الطويلة) فتحملنا إلى أفق خلقي محض، ولهذا كان الإنكليزي قصصياً (روائياً) مجيداً، أما الفرنسي فأنه لبراعته في التحليل يجيد كتابة الأقصوصة. وقد تستطيع أن تكتب قصة طويلة دون التزام الذوق الحسن، أو دون موهبة وعبقرية، ولكن الأقصوصة الحسنة لا يمكن أن تكتب إلا طبقاً لأصول الفن؛ فللكاتب الذي له مواهب فنية لا يستطيع مطلقاً أن يكتب أقصوصة ذات شأن. بين الدوتشي وجبرائيل دانونزيو يقيم دانونزيو شاعر إيطاليا الأكبر منذ أعوام في قصره في (فتوريالي) على مقربة من بحيرة لوجانو، وقد ذاعت في العهد الأخير إشاعات كثيرة عن علائقه مع زعيم إيطاليا السنيور موسوليني، حتى قيل بأن الشاعر معتقل في قصره في الواقع وأنه لا يسمح له بالانتقال منه أو استقبال أحد فيه إلا بإذن خاص، ولكن الظاهر أن هذه الإشاعات حديث خرافة، وأن الصداقة التي توثقت بين بطل فيومي (دانونزيو) والدوتشي (موسوليني) لم تزعزها الحوادث. وقد زار السنيور موسوليني أخيراً صديقه الشاعر الكبير في قصره في فتوريالي زيارة خاصة مجردة عن كل صبغة رسمية، واستقبله دانونزيو بغبطة وحماسة،

стр. 5815

وتعانق الرجلان عند اللقاء، وصاح دانونزيو بصديقه. (ها قد أتيت أخيراً)، وكانت آخر مرة زار فيها موسوليني صديقه، منذ عامين حينما كان يزور تورنيو وميلانو محتفلاً بذكرى الثورة الفاشستية. وقد وفد موسوليني على الشاعر عند الغروب وتناول معه العشاء، واستمر معه حتى منتصف الليل؛ ثم ودعه مرتحلا إلى مدينة كريمونا التي أعلن منها الزحف على رومه سنة ١٩٢٢، وكانت مهد الثورة الفاشستية. مدام جولييت آدم بلغت مدام جولييت آدم الكاتبة الفرنسية الشهيرة عامها الثامن والتسعين في هذا الشهر، ومدام جولييت من أعظم كاتبات فرنسا المعاصرات، ولدت سنة ١٨٣٦، وعاصرت أقطاب الأدب الفرنسي في عصر الجمهورية الثانية والإمبراطورية مثل هوجو، ولامارتين، وبلزاك، والفرددي فيني، وموسيه، وجورج ساند، وكوبيه، وموباسان، وذاعت شهرتها منذ سنة ١٨٦٠؛ وكانت تتمتع من جراء جمالها الباهر، ومواهبها الأدبية الممتازة في المجتمع الفرنسي الرفيع بنفوذ عظيم، وظهرت لأول مرة بروايتها الشهيرة (قريتي) ثم كتبت من بعدها عدة قصص وكتب نقدية؛ وأنشأت (المجلة الجديدة) سنة ١٨٧٧ فلقيت نجاحاً عظيماً وظهرت بمواهبها الصحفية. وتعيش مدام جولييت آدم منذ نحو خمسين عاماً في أحد الأديرة التاريخية، في قرية (جييف سير فييت)، وما زالت تستقبل هنالك كل يوم أحد كثيراً من أصدقائها العظماء، وما زالت على رغم تقدم سنها تعني بالشؤون السياسية والأدبية عناية كبيرة. وقد كان زعيم الوطنية المصرية المغفور له مصطفى كامل باشا على اتصال بمدام جولييت آدم؛ وكانت بينهما رسائل منظمة، يبدو فيها عطف الكاتبة الشهيرة على القضية المصرية، ونشرت ترجمة بعض هذه الرسائل في ترجمة المرحوم مصطفى كامل

стр. 5816

القصص مهداة إلى الأستاذ مصطفى صادق الرافعي العروس للأستاذ محمد سعيد العريان لم يرقها اليوم أن تجلس إلى المرآة جلستها الطويلة، فدلفت إلى النافذة تنوء بهم ثقيل على صدرها، واتكأت بمرفقها على حافة المقعد، ثم أزاحت السجف وجلست ترقب الطريق. وصك أذنيها غناء المغنيات في بيت جارتها كريهاً نابياً كأنما ينعى إليها الشباب. .! لقد جاوزت (إحسان) العشرين وما تزال قعيدة الدار، تنتظر الخاطب المجهول يدق الباب ليطلب يدها. أتراها لم تكن أجمل من فلانة وفلانة وفلانة؟ بلى، وإنها لخير منهن؛ ولكنهن تزوجن جميعاً وانتهى بهن القدر إلى المستقبل الذي تحلم به كل فتاة، وهي وحدها ما تزال تنتظر. .! وأخذ الزمن يتراجع، كما تطوى سبيبة الخيالة فإذا هي ما تزال بنت السادسة عشرة؛ تزدهيها فتنة الجمال، وتسيطر على نفسها كبرياء الغنى، وتعبث بها أهواء الأنوثة الباكرة؛ وإذا هي بين أترابها في المدرسة - كما كانت - معقد المنى، وجوى الخواطر، وملتقى نظرات الغبطة، لم يجتمع لواحدة من رفيقاتها يومئذ ما اجتمع لها ما تفخر به الفتاة؛ فلم تكن لتشاركهن الحديث إلا على كبرياء وأنفة؛ وحين يجري حديث الشبان بينهن في همسٍ موسيقي مطرب، كانت تمط شفتيها في سخرية عابثة، ثقةً بأنها الفتاة المرموقة المشتهاة، كأن على من دونها من الفتيات أن ينتظرن ريثما تختار هي فتاها المجدود، ثم تترك لهن من بعد حق الأمل في الزوج الذي يشتهين. . .! وكان لها من نشأتها وجاه أبيها ما يفسح لها في الأمل، ويمد لها أسباب المنى العريضة. ولكن أباها قد مات! أفينقص من شرفها وجمالها وثرائها أن أباها قد مات. . فأين الخطاب يزدلفون إليها ويزدحمون ببابها في طلب الرضا والقبول؟ إنها لرهينة الدار منذ سنوات خمس؛ فلا تبصر الطريق - على رغم عصريتها - إلا من خصاص النافذة، ولا تفارق محبسها إلا في ظل أمها الأيم العجوز؛ فلم تكن تعرف من

стр. 5817

الشبان غير أبن عمها (فريد). لقد كان فيما ترى مثال الشاب الذي يداعب خيالها. لم يكن قد أتم دراسته العالية بعد، ولكنه أتم الرجولة؛ وكان على فقر من المال، ولكنه على غنى في النفس، وكمالٍ من الأدب والفضيلة. وكم كانت تعجب برجولته ونبله! ولكنها لم تكن تسمح لنفسها أن تمنحه أكثر من الإعجاب. آه لو كان على سعة من المال. . . لتمنت أن يكون زوجها الذي تقاسمه الحياة. . . من أين له أن يهيئ لها أسباب الرفاهية التي تشتهي. . .؟ لم تكن تدري أنها تحبه إلا يوم جاءها البشير أنه خطب لنفسه فلانة، فأغلقت من دونها الباب وجلست وحدها تبكي ما ساعفتها الدموع. ولم يكن يدري أنه يحبها إلا يوم زارها من بعد، فإذا في عينيها تساؤل وجواب، وعلى شفتيها ابتسامة ذابلة، ثم إذا هي تفر فتضرب الحجاب بينها وبينه، خشية أن يرى على وجنتيها علامة التأثر ترسمها الدموع. . .! ولكم تمناها لنفسه وبات يرعى خيالها ليالي طويلة، ولكنه كان يزجر نفسه أن تؤمل الزواج من إحسان؛ وأين فقره وإقلاله من غنى إحسان. . .! ومسحت الدموع عن وجنتيها، وقالت تعزي نفسها: (لقد تزوج فريد، فما أسفي على زواجه؟ إنني لجميلة، وإنني لغنية، وإن الشبان ليسرعون إلى ذوات الجمال والمال) وطافت برأسها أحلام، وزينت لها دنيا بهيجة من الخيال أفعمتها أنسا وسعادة؛ واستنامت إلى المنى، تصبح وتمسي حالمة بالخاطب المجهول وتصرمت الأعوام عاماً بعد عام، وإحسان تعيش من أحلامها في رضا وقناعة؛ وحسبها من مسرات الشباب أنها توقظ كل يوم واحداً من شباب أحلامها تساقيه المنى وتبادله الحب، فإذا انتبهت من أحلامها السعيدة فإلى حين، كأنما هي من حبيبها على ميعاد وأخذت زهرات الربيع تنتثر أوراقها داميةً على الشوك، لأن البستاني يحول أن تمتد إليها اليد التي تشعر أنها جميلة؛ ولكن بقيت على ثغر الزهر ابتسامته الناعمة، لأنه من أحلامه على رضا وقناعة لشد ما كان يعجب شباب الناحية بإحسان! فما يحلو لهم سمر إلا الحديث عن جمالها وفتنتها، وما يطيب لهم مجلس إلا بذكر كمالها وشمائلها؛ ولكنها على ما حلت من نفوسهم أكرم منزلة - لم تبلغ أن تكون موضع الأمل عند واحد منهم أن تصير زوجته. لقد تقاصرت دونها المنى؛ من إبائها، وغناها، وحرص أهلها على التقاليد

стр. 5818

ومن أين لغير القليل من الشبان أن يرضى مطامع إحسان؛ من أين له (المعجزة المالية) ليؤدي لها المهر الذي ترضاه، وينفق في أكلاف العرس ما يرضي التقاليد؟ وطالت الأيام على العذراء الحالمة، وبدأت تمل وحدتها الفارغة، وأخذت تسئ الظن بجمالها وفتنتها. ولم تجد غير المرآة تبثها خواطرها، فتعودت الجلوس إليها الساعات كل يوم، تبادلها الرأي فيما تظهر به جميلة جذابة؛ لعلها أن تجد بالجمال المصنوع رجلها الذي تحلم به. . . أفتستطيع المرآة أن تمنحها الزوج إن منحتها الجمال؟. .! واستيقظت من أحلامها حين توالت عليها الأنباء بأن صواحبها اللاتي كانت تسخر منهن وتزهى عليهن بمالها وجمالها - قد تزوجن واحدة بعد أخرى، واستقرت بهن الحياة في بيت الأمومة وهذه صديقة أخرى تتزوج. لقد طالما هزئت إحسان من (خديجة) جارتها وزميلتها في المدرسة؛ وما أكثر ما كانت تركبها بالدعابة الثقيلة والنكات اللاذعة حتى تطفر من عينها دموع الذلة والانكسار! لم تكن خديجة في مثل جمال إحسان، ولا لها قليل من جاه أبيها أو ماله؛ ولكن، هاهي ذي تتزوج وتعزف لها الموسيقى، وإحسان ما تزال تنتظر. . .! وانقطعت سبيبة الذكرى، فأفاقت إحسان من غفلتها، وراحت تمسح الدموع عن وجنتيها بأطراف السجف وتنظر الطريق وأخذ عينيها بريق الكرات الملونة مدلاة من حبالها، يتلاعب بها الهواء تلاعب اليأس والهم بنفسها؛ واضطربت في مرأى عينيها الرايات الخضر، اضطراب أوراق الشجر هبت عليها رياح الخريف. . .! لقد كانت وحدها في البيت، فلم ترافق أمها إلى بيت خديجة لتزف إليها التهنئة. منذ أمس، حين زارتها صديقتها داعية، وهي لا تستقر على حال من لذع الغيرة وألم الحرمان! وقدرت - إن هي أجابت الدعوى - أنها ستكون بين المدعوات موضع السخرية والإشفاق؛ وما تحب أن يسخر منها أو يشفق عليها أحد. . .! ومر من تحت النافذة فوج من الشباب يقصدون بيت العروس، وراحت إحسان تختبر فراستها، لعلها أن تعرف زوج صديقتها من بين هؤلاء. أفكانت تريد ذلك حقاً؛ أم هي تريد أن تعرف من بينهم رجل أحلامها الذي صحبته في الوهم سنوات. .؟ وزفرت زفرة خافتة، وراحت تحصي سنيها التي عمرتها على الأرض. يا ويلتا! اثنتان

стр. 5819

وعشرون سنة. . .! لقد تزوجت أمها في الثالثة عشرة، فلعل إحسان لو تزوجت في مثل سن أمها - كانت موشكة أن تصير جدة. . .! وركبها اليأس، واصطلحت عليها الأفكار السود، ولم تجد لنفسها طاقة بالوحدة بعد؛ فأزينت وأسرعت إلى بيت العروس تتفرج. . . وهاجت أحزانها مظاهر الفرح، وبهرتها الأنوار البراقة، ولدغتها ثعابين الغيرة من عناقيد الزهر متعانقة متشابكة، ورنت في أذنيها ضحكات النساء كأن قلباً من الزجاج ينكسر. وانتظم النساء حلقات - على عادتهن - يتهامسن عابثات ضاحكات؛ فوقع في نفسها أنهن يتهامسن في شأنها، فانطوت على نفسها في زاوية من البهو تحاول إلا تتحدث إلى أحد، أو يتحدث إليها أحد. وخيل إليها أن التمنيات التي توجهها إليها صواحبها - سخرية وشماتة. . . (العقبى لك.) ما أحراهن أن يترجمنها إلى اللغة الصريحة فيقلن: (الرحمة والرثاء لك أيتها العانس المسكينة. . .!) وأديرت - على برد الخريف - أكواب الشراب المثلوج، ووزعت الحلوى في العلب المذهبة الثمينة، وتزاحم النساء يتخاطفونها كأنما يقتضين الأجر على ما شرفن العروس بالحضور للتهنئة. . .! ورأت إحسان أنها لم تتفرج مما بها ولكنها زادت هما على هم، فأسرعت عائدة إلى الدار ولم تنم المسكينة ليلتها، ولكن أخذتها إغفاءات متقطعة تتخللها الرؤى والأحلام. وعاد تفكيرها في الزواج بعض عملها اليومي، ولكنها لم تعد تفكر في الرجل - إذ تفكر في الزواج - أكثر مما تفكر مظاهر الاحتفال، وزينة العرس؛ وفيمن تدعو ليشاركها الفرح من نساء المدينة وشبان المدينة؛ كانت تفكر في الانتقام لكبريائها التي زعمتها ديست يوم عرس خديجة. سيكون احتفالاً خيراً من احتفالها، وسيزين البيت أروع مما أزين بيتها، وسيجتمع لها من سراة المدينة ووجهائها من لم يجتمع لعروس قبلها. ستحاول يومئذ أن تسعر الغيرة والحسد في قلوب كل صواحبها، أكثر مما كانت تسعرهما بكبريائها وتيهها عليهن وهي ما تزال صغيرة تطلب العلم معهن في المدرسة، أو تشاركهن اللعب في فناء الدار. . .! كان العام قد استدار، وأخذت زهرات الربيع تتفتح ويضوع أريجها في الجو، ولكن قطرات من الندى كانت تبللها كدمعة الحزن في وجه عذراء مستحيية. . . ولكنها تبتسم؛ أكانت تصطنع الابتسام لتخفي عن الناظر بعض ما في صدرها من هم، أم كانت هذه دموع الفرح

стр. 5820

على وجنتيها. . .؟ وأطل الفتيات من النوافذ يتعرفن خطيب إحسان خارجاً من دارها في جماعة من أهله؛ ورأين بضعة من الرجال عليهم سيماء السراة من أهل الريف، في جلابيبهم الفضفاضة ومعاطفهم السود، يلوون ألسنتهم بالحديث في لهجة جديدة على أهل الحضر. وبينهم (أفندي) واحد يبدو من مظهره، ونظام لباسه أنه وإن عاش في المدينة طويلاً - ما يزال بعض أهله وقالت فتاة لأختها: - (أهو هذا؟) - (بل هو ذاك) ولم يكن هذا ولا ذاك؛ ولكنه خرج بعد انفضاض الجمع، يتوكأ على نفسه من ثقل وبدانة حشو ثيابه الغالية، يلوك بين شدقيه لساناً يتفقد بقايا الطعام بين أضراسه، ولم يخف ميل طربوشه أثر الوشم في صدغه وقالت فتاة: - (إنه لهو؟) فأجابتها صاحبتها بابتسامة وبرق الماس في إصبعه، ورف الذهب من سلسلة ساعته، فقالت الفتاة: (إنه لغني. . .!) وكان الحفل الحاشد بعد أيام، فاجتمع فيه من مظاهر البذخ والغنى ما لم يتهيأ لسكان الحي أن يشهدوا مثله منذ أعوام؛ فأقيمت المقاصف، ووزعت الهدايا، ودقت الطبول، وعزفت الموسيقى، وتجاوبت ألحان المغنين والمغنيات بين فناء البيت وأعلاه، وتناثرت نجوم الكهرباء تنقل إلى الأرض بعض معاني السماء، وعبق أريج الزهر يحمل إلى أهل الحياة أنفاس أهل الجنة. . . وإحسان في مجلسها راضية ناعمة، تشرف من علٍ على الحفل وزينته فخوراً مزهوةً لقد كانت فرحة الزواج عندها أن تشهد لنفسها مثل هذا الحفل، وقد شهدته على أكمل ما أبدعته في خيالها؛ وبلغت مأملها في الظهور على صواحبها بما يتقاصرون عنه من بذخ وإسراف. أما الزوج، أما الرجل الذي سترتبط إليه ويرتبط إليها فلا فكاك مدى الحياة، أما

стр. 5821

رجل أحلامها الذي أحبته زماناً من طول ما صحبها في الخيال - أما ذاك، فما عليها أن تظل نائمة تحلم ما دامت قد انتقمت لكبريائها الجريح لم تفتش المسكينة عن الرجل الذي سعدت في الوهم بصبحته، وذاقت معه على البعد نعيم الحياة، وتنورت من فكرها فيه عالم الحب ودنيا الجمال. . . وراحت تفتش عما يرضي الناس ويطلق ألسنتهم بالإعجاب. . . وباعت سعادة العمر؛ واشترت سعادة ليلة. . .! محمد سعيد العريان

стр. 5822

الكتب هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام تأليف الشيخ يوسف البديعي قاضي الموصل (١٠٧٣هـ) نشره وعلق عليه الأستاذ محمود مصطفى أهدي إلى زميلي الأستاذ محمود مصطفى كتاب (هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام) من تأليف الشيخ يوسف البديعي قاضي الموصل المتوفى سنة ١٠٧٣هـ، وهو كتاب عثر عليه الأستاذ محمود مصطفى المدرس بكلية اللغة العربية من كليات الجامع الأزهر في محفوظات دار الكتب المصرية، فأعجبه منه جريه على طريقة القدماء في دراسة الأدب من التنقل بالقارئ من خبر مستطرف، إلى معنى مستظرف، وإلى فكاهة بارعة، إلى حكمة رائعة. فمدار الكلام عنده على أبي تمام، ولكنه إذا ذكر قوة حفظه عرض لكثير ممن عرفوه بهذه المنقبة، فروى من أخبارهم ما يروي صدى المتأدب؛ وإذا ذكر مدحه لأحمد بن أبي دؤاد مثلاً عرج على حياة هذا الممدوح، فجلاها للقارئ بما لا يترك في نفسه من حاجة؛ وإذا مر بمعنى له تناوله الشعراء سرد من أقوالهم فيه ما يشبع نهمة النهم من طلاب الأدب. وهكذا جرى في كتابه من أوله إلى أن فرغ منه، وهذا عمل يثير الإعجاب حقيقة من عالم في هذا القرن الحادي عشر من القرون الهجرية، وهو من القرون التي طغت العامية فيها على العربية، وأصبح العلماء لا يحسنون فيها التأليف بالعربية الفصيحة، فكيف بهذا النوع من التأليف في الأدب والموازنة والنقد؟ ومؤرخو الآداب العربية يكادون ينسون الشيخ يوسف البديعي وأدبه في وسط تلك الظلمة القادمة، التي غطت على الأدب العربي في تلك القرون المظلمة. فكم أحسن الأستاذ محمود مصطفى بلفت الأذهان إلى أدب الشيخ يوسف البديعي، حتى لا تطغي عليه تلك الظلمة، ولا ينسى مؤرخو الآداب عمله في وقت لم يكن لغيره عمل يذكر فيه. وكم أحسن في تعليقاته على هذا الكتاب إذ تابع مؤلفه في طريقته، فعرف قارئه بالرجال الذين عرض لذكرهم ولم يعرض للتعريف بهم، وشرح ما وقع فيه من أشعار أبي تمام

стр. 5823

وغيره، ولم يكن المؤلف يعني إلا بشرح القليل منها، لأنه لم يؤلف كتابه لذلك وإنما ألفه لتلك الأغراض السابقة. وللأستاذ محمود مصطفى في شرحه طريقة تليق بوظيفته الجامعية، فهو يعني فيه بشرح المعاني الأصلية للكلمات وما خرجت إليه من مجاز أو كناية، ثم يستخرج من ذلك معنى البيت وينقده إذا رأى أبا تمام قد خرج به عن الجادة، فتكلف في الصنعة، أو ركب الشطط في مجازاته؛ وقد يجعل من نقده إطراءه إذا جمع موجبات الحسن في شعره، وهي كثيرة فيه، ولم يفته مع هذا أن ينقل من آراء الأقدمين الذين نظروا في شعر أبي تمام من الآمدي والجرجاني وغيرهما، ثم يعقب على ذلك برأيه فيوافقهم تارة فيما رأوه في شعره، ويخالفهم تارة أخرى فيه. وقد جلونا بهذا كتاب هبة الأيام للقراء، وعرفناهم قيمة عمل الأستاذ محمود مصطفى فيه، وأدينا بذلك حقه علينا كأثر من أحسن الآثار الأدبية، وبقي لنا عليه أشياء أردنا للزمالة إلا نعرض لها، وأراد الأستاذ محمود إلا أن نطلق لقلمنا العنان مقرظين أو ناقدين، وإننا نكتفي عما عندنا بهذين النقدين فالأستاذ محمود في قول أبي تمام: وإذا مشت تركت بصدرك ضعف ما … بحليها من كثرة الوسواس يرى فيه استخداماً طريفاً حسنا، لأن أمثلته قليلة في العربية، والاستخدام عنده في أن الوسواس يطلق على صوت الحلي، وعلى حديث النفس بما لا خير فيه، وقد أراد المعنى الأول في كلمة الوسواس الظاهرة في البيت، وأراد الثاني في الموصوف المحذوف في قوله (ضعف ما)، ولا شك أن هذا ليس من الاستخدام في شيء، وليرجع الأستاذ إلى تعريف الاستخدام وأمثلته في كتب البلاغة، فسيرى أن هذا لا يشمله تعريفه، ولا يشابه أمثلته. وكذلك نخالف الأستاذ محموداً فيما صنعه في قول أبي تمام: أزرين باْلمُرْدِ الغطارف بُدَّناً … غيداً ألفتهمُ زماناً غيدا إذ يريد أبو تمام أن يفضل الجميلات من النساء على أرباب الجمال من أولئك الغلمان الذين افتنن بهم الشعراء، وتغزلوا بجمالهم في عصره وقبل عصره، فلا يرضي هذا صاحبنا، ويقول إنه لم يؤلف أن يقال إن المرأة الجميلة تزري بالرجل الجميل، مع أن أبا تمام لم

стр. 5824

يعن في شعره هذا، وإنما عنى أولئك الغلمان الذين غطى التغزل بهم على التغزل بالنساء في ذلك العصر، ثم يختار الأستاذ أن يقال إن مراداً جمع مرداء، وإن غطاريف جمع غطريفة، وإن لم يرد ذلك في اللغة، فيكون خطأ من أبي تمام فيها، ولا أدري كيف نحمله هذا الخطأ، ومعناه على ما تعطيه ألفاظه في حدودها اللغوية واضح لا شيء فيه، ولله العصمة وحده. عبد المتعال الصعيدي

стр. 5825

خلاصة تاريخ مصر الحديث من الحملة الفرنسية إلى الوقت الحاضر تأليف الأستاذ محمد الحسيني رخا هذا الكتاب الصغير الذي يشمل منهاج السنة الرابعة الابتدائية، من وضع عالم كبير قضى سنوات طويلة في خدمة التعليم في أدق مناصبه من ناظر بالمدارس الأميرية إلى مفتش للآداب بالمعاهد الدينية، فلا عجب مع ذلك أن يكون كتابه هذا على ما هو عليه من الدقة العلمية، وحسن الترتيب. ولقد كان هذا الكتاب أحد الكتب الثلاثة التي فحصتها وزارة المعارف، ووافقت على صلاحيتها في المباراة التي أعلنت عنها في عام ١٩٣٢ وتقدم للاشتراك فيها عدد كبير من المؤلفين. وليست تقاس مهارة المؤلف هنا بما يحتوي عليه كتابه من المعلومات والوثائق كما هو الشأن في الكتب المطولة، وإنما تقاس مهارة المؤلف بمقدار نجاحه في تسهيل تلك المعلومات وصوغها في عبارات تناسب تلك السنة الدراسية، وربط أجزاء المنهاج بعضها ببعض بطريقة فنية تضمن تحقيق الغرض المنشود من تدريس التاريخ. ولقد وفق الأستاذ الفاضل مؤلف هذا الكتاب توفيقا يغبط عليه، فصاغه في صورة تحببه إلى الطلاب وتحبب إليهم موضوعه، كما أنه اهتم بحسن الطبع واختيار الورق فجاء كتابه متقناً من جميع نواحيه. وإني لأحمد لهذا المربي الفاضل جميل صنعه، وأقدم كتابه إلى طلاب السنة الرابعة الابتدائية مع مزيد الاغتباط الخفيف

стр. 5826

الفاروق عمر بن الخطاب بقلم دياب عثمان العرابي المتخرج في دار العلوم كان سروري عظيماً حين ألقي إلي هذا الكتاب، الذي خصصه مؤلفه الأستاذ دياب العرابي لدراسة حياة عمر بن الخطاب ﵁، لاتجاه أدبائنا إلى تاريخ عظمائنا يتخذون منه المثل العالي والقدوة الحسنة، والكتاب يقع في نحو مائتين وستين صفحة من القطع المتوسط تكلم المؤلف الفاضل عن حياة عمر في الجاهلية، ذاكراً نسبه ووصفه ومنزلته في قومه، ثم تكلم عن دخوله في الإسلام، وعن حياته في عهد الرسول ومواقفه المشهورة إلى جانبه ﷺ ، ثم تكلم عن عمر يوم السقيفة ومبايعته لأبي بكر، إلى أن تم له أمر المسلمين فتكلم عن فتوحه وأعماله وإصلاحاته في الدواوين وموقفه من عماله وموقفه من بيت مال المسلمين، ثم شرح حادث مقتله وبين تحوطه للخلافة ووصايته قبل وفاته وهو بلا شك بحث ممتع ينظم هذا الكتاب في سلك المؤلفات التي تملأ قراءتها القلوب غبطة والنفوس عظة، والتي تؤثر من الوجهة الخلقية تأثيراً قوياً في نفوس القراء صغارهم وكبارهم بيد أني، على الرغم من سروري بتلاوة هذا الكتاب واستمتاعي بما جاء فيه من حوادث ومواقف رائعة، لا أقر الأستاذ المؤلف على بعض نقط فيه، كإسهابه في وصف الفتوح وتعرضه لتفاصيل جعلتني عندها أتسأل: هل يدور الكتاب حول تاريخ الدولة العربية أيام عمر، أم هو يدور حول دراسة عمر نفسه؟ ولو أن الأستاذ وجه اهتمامه الأكبر إلى بسط أخلاق عمر واتخذ من أعماله مع الاكتفاء بالإشارة إليها أمثلة لما يقول لكان كتابه أكثر لذة وأقرب إلى الغرض. على أنه في وضعه هذا وما احتوى عليه من حوادث ومواقف مشهورة من حياة عمر جدير بأن يحرص على قراءته والاستفادة منه كل أديب. والحقيقة أن المؤلف قد أتى فيه على طائفة من العبر القوية، والأخلاق العالية، والحوادث الشيقة مما يجعلك تنسى التأليف وطريقته، وتندمج اندماجاً تاماً في تلك الشخصية العظيمة التي يدور حولها الكلام، بحيث تفرغ من قراءتك وأنت تحس إحساساً شديداً بالغبطة والارتياح.

стр. 5827

الخفيف

стр. 5828

العدد ٧٠ - بتاريخ: ٠٥ - ١١ - ١٩٣٤

стр. 5829

يا هادي الطريق جُرت!! ذلك هتاف الأمة الحيرى، يتجلجل في صدرها المكظوم كلما بهرتها الشدائد، وأجهدتها المفاوز وفدحتها الضحايا، ووقف بها اللغوب، ودارت ببصرها في معامي الفضاء فلا تتبين نسما لطريق ولا تتعرف وجهاً لغاية يا هادي الطريق جرت!! ذلك صراخ القافلة المكروبة، تخبط منذ طويل في مجاهل الأرض وخوادع السبل، وإدلاؤها الغواة يلتهمون زادها مع الوحش، ويتقسمون مالها مع المغير ويغتنمون ضلالها مع الحوادث حتى قطعوها عن ركب الإنسانية وتركوها في مطاوي التيه تنفق جهدها على غير طائل وتنشد قصدها من غير أمل يا هادي الطريق جرت!! ومن يستطيع اليوم أن يعَّرف هذا الهادي بالنداء، أو يخصصه بالوصف، أو يأخذه بالتبعة؟ لقد تعدد الهداة في هذه القافلة! واختلفت الشياطين بين هؤلاء الهداة فتنازعوا الزعامة وتجاذبوا الأزمة فأخرجنا هذا من مذهب إلى مذهب، وصرفنا ذاك من مطلب إلى مطلب، حتى إذا انكشفت عن عيوننا أغطية الغفلة وجدنا أنفسنا بعد الجهد الجاهد ندور حول الموقف الذي كنا فيه أو نرجع إلى الموضع الذي فصلنا عنه! على هذه القيادة المتضاربة الأفينة رجعنا القهقري زهاء ثمانين سنة: رجعنا إلى العهد الذي كنا نهدهد الدستور فيه على هوى السلطان المطلق، وندرب القانون على مصارعة العرف الغالب، ونعلم الشعب الأجير معنى الأمة المالكة! وليتنا عدنا إلى ذلك العهد بأخلاقه ورجولته! فقد كنا على قلتنا أعزة، وعلى فاقتنا أعفه وعلى جهالتنا أعلم بالخير وأفهم لمعنى المجتمع. كنا نتواصى على الصبر، ونتعاون على البر، ونتهادى صنائع المعروف ونحفظ وحدة الأسرة بالحب، وسلطان الدولة بالطاعة، وحقوق الله بالورع، فما كان منا من يخون الأمانة، ويسرق الأمة، ويتكئ على النقيصة ويتحمل على الخبث ويتَّجر بالدين، ويتخذ عدو وطنه ولياً، ويعتقد خطة غاصبه شريعة! ولكننا وا أسفاه بعد هبَّة مصطفى، ونهضة سعد، وجهاد خمسة عشر عاماً، تمكن فيها السلطان واستبحر العمران، وازدهر العلم، وتولد النبوغ، وتوحد الشعب، وتكون الرأي، نصاب بهذه النكسة الشديدة، فنعود ناقضين ما ابرم خاسرين ما غنم!!

стр. 5830

اللهم أن النيل لا يزال يفيض وإن الوادي لا يزال ينبت، وإن الشمس التي أنضجت أذهان الفراعين لا تزال تشع وإن الأيدي التي غرست أولى الحضارات على العدوتين لا تزال تعمل، فما بالنا اليوم يتقدم الناس ونتأخر، وتتحرر الشعوب الضعيفة ونحن لا نتحرر؟ دع عنك ما يقال من كلب الاحتلال، وفقد الاستقلال، وتجني الدول، فأن ذلك كله عرض من أعراض العلة الدخيلة الوبيلة وهي انحلال الخلق. في دهرنا الحديث داء جرثومته أننا عنينا بالتعليم قبل التربية، وبتعليم الابن، قبل تعليم البنت فكان لنا من ذلك الوضع المقلوب رجال يجرون في عنان مع علماء الغرب، بل وربما طالوهم في حذق اللغات وتلون المعرفة؛ ولكن كثيراً منهم يخلون من أخلاق الرجولة خلو البيت من الأم الصالحة والمدرسة من المربي القادر، فتخونهم الكفاية عند التطبيق، وتخذلهم الشجاعة عند العمل، ويفارقهم الضمير عند الواجب، فلا يبقى إلا الغرائز الحيوانية التي تثب على أموال الناس، وتعتدي على حقوق الشعب، وتستخدم السلطان العام في مساعدة الصديق ومكايدة العدو ومناوئة الخصم!. . وليت غريزة الحياة بقيت فينا على حال الفطرة إذن لعلمنا ما تعلم النمل من قوِام العمل، وفهمنا ما تفهم النحل من نظام الجماعة، وسرنا على نور الله لا نعمة في ظلام ولا نسدر في غواية إن بعض الأمم الإسلامية أقل منا عدداً، وأرق ثروة، وأضيق ثقافة، وأحدث مدنية ما في ذلك شك، ولكن غرائزها الأصيلة لم يزيفها ذل الرق السياسي، وخلائقها النبيلة لم يفسدها زور المدنية الوافدة، فتمردت على الضيم، وتعنّتت على الأحداث وقلَّمت الأظفار الناشبة في استقلالها، وقطعت الأيدي الطامعة في استغلالها، ومشى أبناؤها الأباة على هدى ماضيهم المشرق لا يستكينون لمشورة حليفة ولا يستنيمون لمعونة أجنبي ولا يستجيبون لوساوس الأطماع في مرافق الأمة ومناصب الدولة حتى انخزلت عنهم التهم وغفلت عنهم الفتن، واستوثق لهم الأمر أو كاد ذلك يا قوم ما يهدى له منطق الطبع، وصوت التاريخ، وعبقرية الجنس، أما هذا الذي نحن عليه فلا يمكن أن يؤدي إلا إلى الذي نحن فيه. فتداركوا إفلاس المدرسة، وفشل السياسة، وفوضى الحكم، بأيقاظ الضمائر الغافلة واستخدام الكفاءات العاطلة، واستلهام هذا الشعب

стр. 5831

المجيد الذي عودته عناية الله أن يعوق ولا يضل، ويعذب ولا يذل، ويحارب ولا يستكين احمد حسن الزيات - -

стр. 5832

لجنة التأليف الترجمة والنشر نبذة تاريخية للأستاذ احمد أمين رئيس اللجنة في سنة ١٩١٣ كان في مدرسة المعلمين العليا بدرب الجماميز طائفة من الشباب تمتلئ نفوسهم غيرة على العالم الإسلامي، ويطيلون التفكير في وسائل إصلاحه والنهوض به، ألف بين أفرادها الشعور بالألم من موقف الشرق وخموله، والأيمان بوجوب العمل على تنبيهه والأخذ بيده ورفع مستواه؛ وقد نبتت هذه الفكرة عندهم على أثر حرب البلقان، ومطالعتهم في كتب تثير هذه المعاني في النفوس أمثال كتاب (طبائع الاستبداد) و (أم القرى) للكواكبي فكانوا يجتمعون اجتماعات متعددة للبحث في وضع خطط لما ينوون القيام به من أعمال يجتمعون أحياناً في مدرسة وأحياناً في منزل وأحياناً في مسجد الجزيرة عقب تروضهم، وأحياناً يسافرون إلى بلد أحدهم في الإجازة وأحياناً يفرون من العمران ويجتمعون في الصحراء وكانوا يتبادلون الرأي في مختلف الوسائل وينحون في ذلك مناحي مختلفة، فمنهم من كان يميل إلى التركيز كل الجهود في الإصلاح الديني ويرى أنه هو الوسيلة الوحيدة لرقى العالم الإسلامي، ومنهم من كانت تغلب عليه النزعة إلى الإصلاح الاجتماعي بأوسع معانيه - وكانت الآراء في ذلك تتشعب، وتذهب المناقشات بينهم كل مذهب وهناك في (زاوية البقلي) في أحد اجتماعاتهم اعتزموا تكوين لجان منهم للقيام بأعمال مختلفة، إحداها (للتأليف والترجمة والنشر)، وهذا هو السبب في تسميتها (لجنة) لا جمعية ولا غيرها وفي هذه الأثناء اتصلوا ببعض إخوانهم في مدرسة الحقوق فساهموهم هذه الأفكار وتطوعوا للعمل لها وبذل الجهد في تنفيذها؛ وكان من أظهر أفراد هذه الجماعة وأول الداعين إلى هذه الأفكار، وأشدهم حماسة ونشاطاً، الطلبة: محمد احمد الغمراوي، واحمد عبد السلام الكرداني، ومحمد عبد الواحد خلاف، واحمد زكي، وحسن مختار رسمي، ويوسف احمد الجندي، ومحمد فريد أبو حديد، ومحمد عبد الباري

стр. 5833

فلما تخرج أكثر هؤلاء من مدرستي المعلمين والحقوق سنة ١٩١٤ وسنة ١٩١٥ عقدوا النية على أن يتموا رجالاً ما بدءوا به طلبة واتصل بهم إذ ذاك بعض إخوانهم ممن يميلون ميلهم ويشعرون شعورهم، ومن هؤلاء: محمد كامل سليم، وأمين مرسي قنديل، وعبد الحميد العبادي، ومحمد بدران، وعبد الحميد فهمي، ومحمد صبري أبو علم، واحمد أمين ليس المقام الآن مقام ما فكروا فيه من مشروعات أخرى وما عملوا فيها وما آلت إليه إنما المقام الآن للجنة التأليف؛ فقد أكثر هؤلاء الأعضاء من ذكر التأليف والترجمة والنشر، وأملوا أن تقوم جماعتهم بهذا العمل، وأن يتسع نطاقها فيكون لهم مكتبة ومطبعة، ومدرسة نموذجية، ومجلة وأن تكون لهم كتب في مختلف العلوم والفنون تناسب جمهور المتعلمين في جميع مراحل التعليم وكان أول ما عملوا أن عهدوا إلى الأستاذين أحمد زكي واحمد عبد السلام الكرداني تأليف كتاب في الكيمياء للمدارس الثانوية، والى الأستاذ محمد احمد الغمراوي تأليف كتاب في الطبيعة والى الأستاذين محمد خلاف وعبد الحميد فهمي تأليف كتاب في الحساب، والى الأستاذين محمد كامل سليم ومحمد بدران تأليف كتاب في الجغرافيا. وقد نفذت كل المشروعات ما عدا الثانيمنها أملوا هذه الآمال وكونوا هذه اللجان، ووضعوا مشروع هذه الأعمال وليس لديهم مال يستعينون به على أغراضهم، ولكن كان لهم أمل قوي وعزيمة ثابتة وإخلاص نقي وحسبهم من هذا غنى في هذا الحين بدأت اللجنة في عمل قانون لها وعهدت إلى الأستاذ حسن مختار رسمي بوضعه واجتمع الأعضاء سنة ١٩١٥ بالمدرسة الإعدادية بالعباسية لأن كثيراً من أعضاء اللجنة كانوا مدرسين بها فقرءوا القانون وأدخلوا عليه بعض تعديلات وانتخبوا أعضاء مجلس الإدارة وبدأ الأعضاء يدفع كل منهم عشرة قروش في الشهر، ثم جعلت مالية اللجنة أسهماً كل منهم ثمنه جنيه وهذا بدء التكون المالي للجنة - ولم يكن يزيد عدد الأعضاء إذ ذاك على خمسة عشر عضواً بدأت اللجنة عملها بأن وضع الأستاذان احمد زكي واحمد الكرداني كتابهما في الكيمياء في جزأين فعهد في قراءته ونقده للأستاذين محمد خلاف ومحمد الغمراوي وكان من اجمل

стр. 5834

المناظر اجتماعهم وعملهم؛ فقد استأجروا شقة خاصة في منزل أحدهم أعدها لهم أولهم وظلوا يجتمعون ليل نهار يقرءون وينقدون ويراجعون إلى أن يدركهم الملل فيناموا وقد بلغ منهم الجهد حتى إذا أتموه بعد عناء قدموه للطبع، ولم يكن في اللجنة ما يكفي للأنفاق عليه فاقترضت اللجنة من بعض الأعضاء ما يكفي لذلك لم يكن في مال اللجنة ما يكفيأيضاًلاستئجار مكان خاص فكان مجلس الإدارة يجتمع في بيت أحد الأعضاء وأكثر ما كان ذلك في بيت عبد الحميد أفندي العبادي بالحلمية أو بيت محمد أفندي خلاف كذلك - وأحياناً يجتمعون في مقهى قلّ زواره - ولما أنشئت نقابة المعلمين أساتذتها اللجنة في أن تجتمع فيها فأذنت، وكانت الجمعية العمومية لها تنعقد في إحدى المدارس الأهلية كالإعدادية ووادي النيل كذلك لم تكن تستطيع أن تستأجر مكاناً تخزن فيه كتبها فكان كل مؤلف يخزن كتابه في بيته ويبيع منه ما طلب ويعمل حسابه بنفسه ويقدمه للجنة ثم اتفقت اللجنة مع مكتبة أن تودع فيها كل كتبها في نظير خصم اكبر على ما يباع - وكان أحد الأعضاء يتولى حساب اللجنة على طريقة ساذجة بسيطة. وقد كانت هذه الأعمال كلها مما يعرض اللجنة للضياع والانحلال لولا ما ملئ به أعضاؤها من صدق وإخلاص وثقة أخذت اللجنة بعد ذلك تنمو تدريجياً فزاد أعضاؤها حتى بلغوا الآن بضعاً وسبعين، وزاد إنتاجها واتسع عملها وكثر مالها فاتخذت لها مركزاً، وكان أول ما فعلت ذلك إنها استأجرت مكاناً في شارع الأمير يوسف بالحلمية القديمة بثلاثة جنيهات شهرياً اتخذته مخزناً ومكاناً للأدارة، ثم انتقلت منه إلى مكان في شارع غيط العدة، ثم إلى مكان في شارع المبدولي، ثم في شارع الساحة، ثم في مكانها الحالي. ونظمت دفاترها واستخدم لها العمال ليقوموا بحسابها على الطراز الحديث ومما يلاحظ إنها بدأت أول أمرها بالكتب المدرسية لرواجها، ولتكوين دعامة مالية، لها ثم توسعت بعد ذلك فلم تبال ما تطبع متى وثقت به من الناحية العلمية ولو كان الكتاب كتاب الخاصة كما فعلت في ترجمة كتاب الأخلاق لأرسطو، والبصريات كما يلاحظ أن اكثر أعضاؤها واوفرهم إنتاجاً كان من المعلمين، لأن طبيعة عملهم جعلتهم اكثر اتصالاً بالكتب،

стр. 5835

وميلاً إلى تأليفها أو ترجمتها وقد ساعد اللجنة على رواج كتبها الثقة التي منحها الجمهور إياها مقابل ما تبذله من جد في التدقيق فيما تنشر، فليست تخرج كتاباً إلا بعد أن يمر على لجنة مختصة تنظر فيه بإمعان، وتقدم تقريراً عنه بصلاحيته، أو تقترح إدخال إصلاح عليه غير مبالية كثيراً برواج الكتاب أو عدم رواجه متى وثقت أن الكتاب يخدم العلم ويحقق غرضها، ويفيد ولو الخاصة ومنذ أربعة أعوام سعت اللجنة لدى وزارة المعارف أن تمنحها مبلغاً من المال للاستعانة به على التأليف الكتب القيمة وترجمتها ونشرها. إذ كان هذا العمل من اهم الأعمال التي يصح أن تقوم بها وزارة المعارف وكان لبعض أعضاء اللجنة السعي المشكور في أن مجلس النواب طلب من وزارة المعارف أن تمنح اللجنة مقداراً من المال لهذا الغرض. كما كان لبعضهم سعي مشكور آخر في إجابة وزارة المعارف له وألفت وزارة المعارف لجنة من الأستاذ سكرتير عام الوزارة، والأستاذ مصطفى عبد الرزاق، ورئيس اللجنة، للنظر في المال الذي تقرره الوزارة، وكيفية صرفه، والكتب التي ينفق عليها هذا المبلغ وقد منحت الوزارة اللجنة ألف جنيه في ثلاثة أعوام متوالية أنفقت منها على طبع كتاب فتح العرب لمصر، والنجوم في مسالكها، والجزء الأول من السلوك للمقريزي، ولا تزال مستمرة في إخراج الكتب القيمة كلما تجمع لها شيء من المال فلوزارة المعارف الشكر على هذه الثقة كما للأعضاء الذين سعوا هذا السعي الشكر على ما سعوا وأخيراً وبعد عشرين سنة من حياتها يحق للجنة أن تقف وقفة قصيرة تنظر في ماضيها وتستعرض تاريخها. وأظنها تغتبط لذلك - أولا - لأنها عاشت عشرين عاما في جو كثيرا ما تموت فيه مشروعات وليدة - وثانيا - لأنها عاشت عيشة طبيعية فتدرجت في أدوار الحياة على مهل ولم نطفر طفرة شيطانية. وتغتبط إذ تراها قد ضمت كثيرا من صفوة رجال العلم، وأخرجت للناس نحو الستين كتابا بين مؤلف ومترجم ومنشور، تسد كلها حاجات الثقافة في أطوار التعليم المختلفة - كما إنها تغتبط بثباتها في مركزها وحصرها نفسها في الدائرة التي رسمتها لنفسها من أول أمرها، فلم تتدخل في مجادلات دينية، ولم تغامر في نواح سياسية، أيمانا منها بان الثقافة ونشرها وسيلة من اكبر الوسائل لرقي

стр. 5836

الأمة، ومن اكبر عوامل الإسراع في نهضتها. وتبتهج إذ تبتدئ مرحلة أخرى من مراحلها، بدايتها تكوين مطبعة مستقلة لها تساعدها على تحقيق غرضها فيزيد نتاجها، ويتضاعف مجهودها. وقد أسست - فعلا - المطبعة وبدأت من ثلاثة شهور تخرج الكتب التي ترى اللجنة نشرها، وهذا بلا شك يتطلب من اللجنة بذل مجهودا اكبر في التأليف والترجمة إذ تشعر - مع وجود المطبعة - بأن وراءها ما تعوله يصيح دائما بطلب الغذاء، وليس غذاؤه إلا ما نؤلف أو تترجم أو تنشر. وأظن أن في مكنة أعضائها ما يضمن لهذا الطفل الغذاء الكافي حتى التخمة ولعل الذين فكروا في اللجنة أيام ولادتها سنة ١٩١٤ أو قبلها بقليل يغتبطون إذ يرون سنة ١٩٣٤ أن كثيرا من الآمال أصبحت حقائق، وان الأماني تحولت إلى شجرة طيبة تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها، وانهم وقد جنوا ثمارها قد تجددت لهم أماني أخرى أوسع من الأولى وابعد مدى، لكنهم يشعرون أن الصبر إنما هو عند الصدمة الأولى، وانهم اليوم اكثر خبرة، واقدر بمالهم ورجالهم على تحقيق أغراضهم الجديدة، فهم لا يرتاحون إلا أن يروا كل مرحلة من مراحلهم يتضاعف إنتاجها - حقق الله آمالنا، ووفقنا في مستقبل أعمالنا أضعاف ما وفقنا في ماضينا، فقد عودنا أن يجازى الجد والإخلاص بالخير دائما. احمد أمين

стр. 5837

قصة زواج ذيل القصة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي ذهب الناس يميناً وشمالاً فيما كتبناه من خبر الإمام سعيد ابن المسيب وتزويجه ابنته من طالب علم فقير بعد إذ ضن بها أن تكون زوجاً لولي عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؛ وقد جعلت قلوب بعض النساء العصريات المتعلمات تصيح وتولول. . . وحدثنا أديب ظريف أن إحداهن سألت عن عنوان عبد الملك بن مروان. . . افتراها ستكتب إليه إنها تقبل الزواج من ولي عهده؟ على أن للقصة ذيلاً، فأن الطبيعة الآدمية لا عصر لها، بل هي طبيعة كل عصر. والفضيلة الإنسانية يبدأ تاريخها من الجنة، فهي هي لا تتجدد ولا تزال تلوح وتختفي؛ أما الرذيلة فأول تاريخها من الطبيعة نفسها، فهي هي لا تتغير ولا تزال تظهر وتستسر لما زوّج الإمام ابنته من أبى وداعة وأخذها بنفسه إليه في يوم زواجها منه، ومشى بها في طريق حصاه عنده افضل من الدرّ وترابه اكرم من الذهب؛ طارت الحادثة في الناس واستفاض لهم قول كثير. (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون.) وقد قال جماعة منهم: تا لله لئن انقطع الوحي فأن في معانيه بقية ما تزال تنزل على بعض القلوب التي تشبه في عظمتها قلوب الأنبياء؛ وما هذه الحادثة على الدنيا إلا في معنى سورة من السور قد انشقت لها السماء ونزل بها جبريل يخفق على أفئدة المؤمنين خفقة إيمان. (وأما الذين في قلوبهم مَرَضُ فزادتهم رِجساً إلى رِجِسِهمِ.) وقال أُناس منهم: أما والله لو تهيأ لأحدنا أن يكون لصاً يسرق أمير المؤمنين أو ابن أمير المؤمنين لركب رأسه في ذلك، ما يرده عن السرقة شئ؛ فكيف بمن تهيأ له الصهر والحسب، وجاءه الغنى يطرق بابه - ما باله يرد كل ذلك ويخزي ابنته برجل فقير تعيش في داره؛ بأسوأ حال وكيف تثقل همته وتبطؤ وتموت إذا كان الدرّ والجوهر والذهب والخلافة؛ ثم ينبعث ويمضي لا يتلكأ عزمه إذا كان العلم والفقر والدين والتقوى وانتهى كلام الناس إلى الإمام العظيم فلم يجئه إلا من الظن خفياً خفياً، كأنما هي أقوال حسبها تقال عنه بعد خمسين وثلثمائة وألف سنة في زمننا هذا، حين يكون هو في معاني

стр. 5838

السماء، ويكون القائلون في معاني التراب النجس الذي نفضته على الشرق نعال الأوربيين. .! قال الراوي: ولم يستطع أحد من الناس أن يواجه الإمام بشفة أو بنت شفة، لا مضيقاً عليه من قلبه ولا موسعاً، حتى كان يوم من أيام الجمعة، وقد مال الناس بعد الصلاة إلى حلقة الشيخ وتقصفوا بعضهم على بعض فغص بهم المسجد، وكان إمامنا يفسر قوله تعالى: (وما لَنا إلا نَتَوَكَّلَ على اللهِ وقد هدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ على ما آذَيْتمُونا. وعلى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتَوَكِّلون.) قال الراوي: فكان فيما قاله الشيخ: إذا هدى المرء سبيله كانت السبل الأخرى في الحياة أما عداء له، وأما معارضة، وإما رداً؛ فهو منها في الأذى، أو في معنى الأذى، أو عرضة للأذى. لقد وجد الطريق ولكنه أصاب العقبات أيضاً، وهذه حالة لا يمضي فيها الموفق إلى غايته إلا إذا أعانه الله بطبيعتين: أولاهما العزم الثابت، وهذا هو التوكل على الله؛ والأخرى اليقين المستبصر، وهذا هو الصبر على الأذى ومتى عزم الإنسان ذلك العزم، وأيقن ذلك اليقين - تحولت العقبات التي تصده عن غايته فآل معناها أن تكون زيادة في عزمه ويقينه، بعد أن وضعَّن ليكن نقصاً منهما فترجع العقبات بعد ذلك وأنها لوسائل تعين على الغاية، وبهذا يبسط المؤمن روحه على الطريق فما بدّ أن يغلب على الطريق وما فيها. وينظر إلى الدنيا بنور الله فلا يجد الدنيا شيئاً على سعتها وتناقضها إلا سبيله وما حول سبيله، فهو ماض قدماً لا يتراد ولا يفتر ولا يكل وهذه حقيقة العزم وحقيقة الصبر جميعاً ومن ثم لا تكون الحياة لهذا المؤمن مهماً تقبلت واختلفت - إلا نفاذاً من طريق واحدة دون التخبط في الطرق الأخرى، ثم لا يكون العمر مهما طال إلا مدة صبر في رأي المؤمن. وعزيمة النفاذ وعزيمة الصبر هما الضوء الروحاني القوي الذي يكتسح ظلمات النفس مما يسميه الناس خمولاً ودعة وتهاوناً وغفلة وضجراً ونحوها قال: ولكن كيف يعان المؤمن على هذه المعجزة النفسية؟ هنا يتبين أعجاز الآية الكريمة؛ فقد ذكر فيها التوكل ثلاث مرات وافتتحت به وختمت، والتوكل هو العزم الثابت كما أوضحنا. وذكرت في الآية بين ذلك هداية المرء سبيله؛ وهذه الإضافة (سبلنا) تعين إنها

стр. 5839

هداية الإنسان إلى سبيل نفسه؛ أي سبيله الباطني الذي هو مناط سعادته في الشعور بالسعادة ثم ذكر الصبر على أذى الناس والأذى لا يقع إلا في حيوانية الإنسان، ولا يؤثر إلا فيها. فكأن الآية مصرحة أن نجاح المؤمن ونفاذه في الحياة لا يكونان أول الأشياء وآخرها إلا بثلاث: العزم الثابت، ثم العزم الثابت، ثم العزم الثابت. وان الصبر ليس شيئاً يذكر، أو شيئاً يجدي، أن لم يكن صبراً على أذى الحيوانية في افظع وحشيتها؛ فالروح لا تؤذي الروح، ولكن الحيوان يؤذي الحيوان. وأن ما يقع من هذه الحيوانية فيسمى اعتداء من غيرك، ويسمى أذى لك، هو شيء ينبغي أن يجعله العزم فخراً لقوة الاحتمال فيك، كما جعله البطش فخراً للقدرة عند المعتدي وبهذا يكون العزم قد فصل بين نفسك الروحية وبين شخصك الحيواني، ووهبك حقيقة الشعور، وصحح بمعاني روحيتك معاني حيوانيتك؛ وحينئذ ترى السعادة حق السعادة ما كان هداية لنفسك أو هداية بها، ولو انقلب في الشخص الحيواني منك أذى وألماً. ذلك صبر أولي العزم من الرسل قال الراوي: وعند ذلك صاح رجل كان في المجلس دسه عامل الخليفة ليسأل الشيخ سؤالاً على ملأ الناس، يكون كالتشنيع عليه والتشهير به؛ وقد مكر العامل فأختاره شيخاً كبيراً اعقف، ليرحم الناس رقة عظمة وكبر سنه فلا يعرضون له بأذى، ثم ليكون صوته كأنه صوت الدهر من بعيد. قال الصائح: ذلك أيها الشيخ صبر أولي العزم من الرسل، أو صبر ابنتك على مكاره العيش مع أبي وداعة، لا يجد إلا رمقة يمسك بها الرمق عليها وقد كانت النعمة لها ممرضة، فدفعتها إليه زعمت - لتهلك به شخصها الحيواني، وتوكلت على الله وألقيت ابنتك في اليمّ. . .؟ فتربد وجه الشيخ واطرق هنيهات، ثم رفع رأسه وقال: أين المتكلم آنفاً؟ فأرتفع الصوت: هاأنذا. قال: ادن مني. فتقاعس الرجل كأنما تهيب ما فرط منه. فاستدناه الثانية؛ فقام يتخطى الناس حتى وقف بازائه ثم جلس؛ فقرأ الشيخ قوله تعالى: (وبرَزوا لله جميعاً، فقال الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنَّا لكم تبعاً فهل أنتم مُغْنونَ عنّا من عذابِ اللهِ من شيء؟ قالوا: لو هدانا اللهُ لَهَديناكم سواء علينا أَجَزِعنا أم صَبرْنا مالنا من مَحيِص) ثم قال: أيها الرجل، لا تسمعني بأذنك وحدها. أرأيتك لو سمعت خبراً ليس في نفسك اصل

стр. 5840

من معناه، أو ورد عليك الخبر ونفسك عنه في شغل قد أهمها، أفكنت تنشط له نشاطك للخبر احتفلت له نفسك أو أصاب هوى منك أو رأيته موضع اعتبار؟ قال: لا قال الشيخ: فإذا سمعت بأذنك وحدها فإنما سمعت كلاماً يمر بأذنك مراً، وإذا أردت الكلام لنفسك سمعت بأذنك ونفسك معاً؟ قال: نعم قال الشيخ: فكل ما لا تنفرد به حاسة واحدة، بل تشارك فيه الحواس كلها أو أكثرها - لا يكون إلا موضع اهتمام للنفس؟ قال: نعم قال الشيخ: فمن هنا يكثر الفرح والحزن كلاهما إذا شاركت فيهما الحواس، فيأتي كل منهما كثيراً مهما قلّ، وتزيد كل حاسة في اللذة لذة وفي الألم ألماً، فتعمل النفس في ذلك أعمالاً تسحر بها فيكون الشيء لصاحبه غير ما هو للناس، كالصوت الباكي أو الضاحك في لسان طفلك، تسمعه أنت منه بكل حواسك فإذا أنت سمعت عينه من لسان رجل في الناس رأيته غير ذاك. أكذلك هو؟ قال: نعم قال الشيخ: فيكون السرور بالغاً عجيباً أكثر ما هو بالغ، حين يجد المال والغنى في الإنسان أم حين يجد القوة النفسية وطبيعة المرح والرضى؟ قال: بل حين يجد في النفس قال الشيخ: أرأيت الإنسان يكون سعيداً بما يتوهم الناس انه به غني سعيد، أم بشعوره هو وإن كان بعد فيما لا يتوهم الناس فيه الغنى والسعادة؟ قال: بل بشعوره قال الشيخ: أفلا توجد في الدنيا أشياء من النفس تكون فوق الدنيا وفوق الشهوات والمطامع؛ كالطفل عند امه، كل ما تعلق به من شيء وزن به هو لا بغيره، وكان الاعتبار عليه لا على سواه، أتعرف أماً ترضى أن يذبح ابنها في حجرها لقاء أن يملأ حجرها ذهباً؟ قال: لا قال الشيخ: فإذا كانت النفس تشعر اكثر مما ترى، أفيذهب ما تراه فيما تشعر به، ويكون

стр. 5841

شعورها هو وحده الذي يلبس ما حولها ويصوره ويصرفه؟ قال: نعم قال الشيخ: أفتعرف أن لكل نفس قوية من هذا العالم الذي نعيش فيه عالماً آخر هو عالم أفكارها وإحساسها، وفيه وحده لذات إحساسها وأفكارها؟ قال: نعم قال الشيخ: أفرأيت المرأة إذا صح حبها أو فرحها أو عزمها، أرأيتها تكون إلا في عالم أفكارها، أرأيت كل ما يتصل برغبتها حينئذ يكون إلا من أشياء قلبها لا من أشياء الدنيا، أرأيتها لا تعيش في هذه الحالة إلا بالمعاملة مع قلبها الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يجمع المال ولا يريد إلا الشعور فقط؟ قال: نعم هو ذاك قال الشيخ: أرأيت إذا كان الأيمان قد ولد ونشأ وترعرع في قلب المرأة، إلا يكون هو طفل قلبها؟ قال: نعم قال الشيخ: أرأيت إذا كانت الخمر عند مد منها شيئاً عظيماً، وكانت ضرورة من ضرورات وجوده الضعيف المختل، فلا يستقيم وجوده ولا سفه وجوده إلا بها، أفيلزم من ذلك أن تكون الخمر من ضرورات صاحب الوجود القوىّ المنتظم؟ قال: لا قال الشيخ: أفموقن أنت أن لابد من آخر لأيام الإنسان ولياليه في هذه الدنيا فينقطع به العيش؟ قال: نعم قال الشيخ: أفيؤرخ الإنسان يومئذ بتاريخ معدته وما حولها، أم بتاريخ نفسه وما فيها؟ قال: بل بتاريخ نفسه قال الشيخ: فإذا كنت صاحب حرب، وكنت بطلاً من الأبطال ومسعراً من المساعير، وأيقنت الموت في المعركة؛ أيكون الحقيقي عندك في هذه الساعة هو الموت ام الحياة؟ قال: بل الحياة عندئذ وهمٌ وباطل

стр. 5842

قال الشيخ: فتفر في تلك الساعة إلى الحياة ولذاتها في خيالك، أم تفر منها ومن لذاتها؟ قال: بل الفرار منها، فأن خيالها يكون خبالاً قال الشيخ: ففي تلك الساعة التي هي عمر نفسك وعمل نفسك ورجاء نفسك؛ تستشعر اللذة في موتك بطلاً مذكوراً، أم تحس الكرب والمقت من ذلك؟ قال: بل استشعر اللذة قال الشيخ: إذن فهي كبرياء الروح العظيمة على مادة التراب والطين في أي أشكالها ولو في الذهب قال: هي تلك؟ قال الشيخ: إذن فبعض أشياء النفس تمحو في بعض الأحوال كل أشياء الدنيا، أو الأشياء الكثيرة من الدنيا قال: نعم قال الإمام: يرحمك الله. كذلك محي عندنا أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين ومحي المال والغنى، ولم يكن ذلك عندنا إلا سعادة. ومن رحمة الله أن كل من هدى سبيله بالدين أو الحكمة استطاع أن يصنع بنفسه لنفسه سعادتها في الدنيا، ولو لم يكن له إلا لقيمات؛ فأن السعة سعة الخلق لا المال، والفقر فقر الخلق لا العيش قال الراوي: ثم أن الإمام العظيم التفت إلى الناس وقال: أما أنى - علم الله - ما زوجت ابنتي رجلاً اعرفه فقيراً أو غنياً بل اعرفه بطلاً من أبطال الحياة يملك أقوى أسلحته من الدين والفضيلة. وقد أيقنت حين زوجتها منه إنها ستعرف بفضيلة نفسها فضيلة نفسه، فيتجانس الطبع والطبع؛ ولا مهنأ لرجل وامرأة إلا أن يجانس طبعه طبعها، وقد علمت وعلم الناس أن ليس في مال الدنيا ما يشتري هذه المجانسة، وأنها لا تكون إلا هدية قلب لقلب يأتلفان ويتحابان ثم قال الإمام: وأنا فقد دخلت على أزواج رسول الله ﷺ ، ورأيتهن في دورهن يقاسين الحياة، ويعانين من الرزق ما شح دره فلا يجيء إلا كالقطرة بعد القطرة، وهن على ذلك، ما واحدة منهن إلا هي ملكة من ملكات الآدمية كلها وما فقرهن والله إلا كبرياء الجنة، نظرت إلى الأرض فقالت: لا. . .!

стр. 5843

يجاهدن مجاهدة كل شريف عظيم النفس، همه أن يكون الشرف أو لا يكون شيء؛ ويرى الغافل أن مثلهن في تعب الجهاد، ويعلمن من أنفسهن غير ما يرى ذلك المسكين - يعلمن أن ذلك التعب هو لذة النصر بعينها كانت أنوثتهن أبداً صاعدة متسامية فوق موضعها بهذه القناعة وبهذه التقوى، ولا تزال متسامية صاعدة، على حين تنزل المطامع بأنوثة المرأة دون موضعها، ولا تزال أنوثتها تنحدر ما بقيت المرأة تطمع؛ ورُبَ ملكة جعلتها مطامع الحياة في الدرك الأسفل، وهي باسمها في الوهم الأعلى. . .! وقد روينا عن النبي ﷺ انه قال: (اطلعت في الجنة فإذا اقل أهلها النساء، فقلت أين النساء؟ قال: شغلهن الأحمران: الذهب والزعفران.) أي الطمع في الغنى والعمل له، والميل إلى التبرج والحرص عليه ونفس الأنثى ليست أنثى، ولكن شغلها بذلك التبرج وذلك الحرص وذلك الطمع - هو يخصصها بخصائص الجسد، ويعطيها من حكمه، وينزلها على أرادته؛ وهذه هي المزلة، فتهبط المرأة اكثر مما تعلو، وتضعف اكثر مما تقوى، وتفسد اكثر مما تصلح. أن نفس الأنثى أنثى لرجل واحد، لزوجها وحده رأيت أزواج النبي ﷺ فقيرات مقتوراً عليهن الرزق، غير أن كلا منهن تعيش بمعاني قلبها المؤمن القوي، في دار صغيرة فرشتها الأرض. . . ولكنها من معاني ذلك القلب كأنها سماء صغيرة مختبئة بين أربعة جدران. أنهن لم يبتعدن عن الغنى إلا ليبعدن عن حماقة الدنيا التي لا تكون إلا في الغنى أف أف! أتريدون أن أزوج ابنتي من ابن أمير المؤمنين فيخزيها الله على يدي، وادفعها إلى القصر وهو ذلك المكان الذي جمع كل أقذار النفس ودنس الأيام والليالي؛ أأزوجها رجلاً تعرف من فضيلة نفسها سقوط نفسه، فتكون زوجة جسمه ومطلقة روحه في وقت معاً؟ إلا كم من قصر هو في معناه مقبرة ليس فيها من هؤلاء الأغنياء رجالهم ونسائهم إلا جيف يبلى بعضها بعضاً! قال الراوي: وضج الناس لحمامة صغيرة قد جنحت من الهواء فوقعت في حجر الشيخ لائذة من مخافة، وجعلت تدف بجناحيها وتضطرب من الفزع، ومر الصقر على أثرها وقد

стр. 5844

أهوى لها، غير أنه تمطر ورمق في الهواء إذ رأى الناس وتناولها الإمام في يده وهي في رجفتها من زلزلة الهواء، وكانت العروس مسرولة قد غاب ساقاها في الريش، وعلى جسمها من الألوان نمنمة وتحبير، ولها روح العروس الشابة يهدونها إلى من تكره، ويزفونها على قاتلها الذي يسمى زوجها وأدناها الشيخ من قلبه، ومسح عليها بيده، ونظر في الهواء نظرة. . . . وهو يقول: نجوتِ نجوتِ يا مسكينة! طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 5845

٢ - الشيخ علي يوسف للأستاذ عبد العزيز البشري تتمة ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، على انه كان إلى الطول. يظهر في مرأى العين نحيلاً هزيلاً، ولكنه كان مكتنز اللحم. مستطيل الوجه، واسع مساحة الجبهة، ازرق العينين، طويل الهدبين كثيراً ما ترى له في إطراقه، نظرة غريبة ساجية. ضيق الفم، على أن في شفتيه الحمراوين شيئاً من الغلظ. تعلوه صفرة ما احسبها من اثر مرض. وشعر لحيته الدقيقة المتسقة يميل إلى الشقرة. رفيق الصوت لينه إذا تحدث، فإذا رفع صوته ضمر بعض الضمور، وتسلخ بعض التسلخ، فلم يكن من تلك الأصوات التي تصلح للخطابة وكان بعد رجلاً شديد العقل قوي النفس حديد العزم، وافر الشجاعة. لا تتعاظمه قوة خصم بالغة ما بلغت قوة ذلك الخصم وبأسه. وإذا تحداه متحد ركب رأسه في نضاله لا يبالي أين يقع المصير، وصح فيه قول الشاعر: إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه … ونكب عن ذكر العواقب جانباً واذكر أنني مضيت إليه مرة في صحب لي من خلصانه، وسألناه أن يترفق بالمؤيد فلقد تظاهر عليه خصومه وألَّبوا الجمهرة عليه، واذكوا عليه حماسة الشباب في رأى له قد لا يحسن فهمه العامة، ولا يستريح إليه طموح الشباب. فأصغى إلينا واحسن الإصغاء، وترك كل واحد منا يقول ما عنده، حتى إذا انتهينا ونحن على الظن بأنه نازل عند رأينا، عادل إلى ما سألنا، فإذا هو يرتج في مجلسه ارتجاجه عنيفة ويقول في قوة وفي عزم حديد: (والله لا يعنيني أن يكون الناس جميعاً في صف واحد، وأنا والحق الذي اعتقده بازائهم في صف واحد)!. وتركناه ونحن نرى منحدر المؤيد بطغيان الخصومة يوماً بعد يوم! ولقد كان الشيخ علي رحمة الله عليه، رجلاً متمكناً من نفسه حقاً، ولقد كان مما يشاع عنه، ولعل خصومه هم مبعث هذه الإشاعة، انه كان يقول: أنا لا أبالي أن اخسر هذا البلد، ففي إمكاني أن أعود فأكسبه بثلاث مقالات. .! ولقد عاشرت الرجل ما عاشرته، واستمكن ما بيننا من الود والآلف إلى الحد. الذي يبعثني على الاعتقاد بأنه ما كان يخفي عني شيئاً حتى من نجوى نفسه في الأسباب العامة. وشهد

стр. 5846

الله ما سمعت منه قط هذا الكلام، ولا أية عبارة أخرى يمكن أن تؤدي معناه ولكن مع هذا لقد كان هذا هو الواقع اعني الواقع من حاله لا من مقاله: فأنني لا اعرف رجلاً سياسياً عظيماً كان اقل الناس أنصاراً وأكثرهم خصوماً كما كان الشيخ علي يوسف وخصومه. على كثرتهم، لقد كانوا من جميع الطبقات، وكانوا من جميع الهيئات، وانهم ليحيطون به إحاطة الطوق من كل جانب، وكلهم عامل على إسقاطه، جاهد ما امتد به الجهد في هدم المؤيد، مذك عليه الأقلام والألسن من كل ناحية، تدمغه بتهمة الخيانة الوطنية فما دونها في غير هوادة ولا اشفاق، والمؤيد يتقلص بين أيدي القارئين ويتقلص حتى يظن انه قد تشرف على العفاء. ثم إذا الشيخ يتجمع، وإذا هو يشرع القلم شرع الرمح الرديني، وإذا هو يطعن الطعنة البكر ها هنا مرة وها هنا مرة، فلا يصيب إلا الكلى والمفاصل. وإذا هؤلاء الخصوم يتطايرون عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، وإذا المؤيد يرن في البلد رنينه، بعد ما تردد تأوهه وطال أنينه! وقد عرفت أن الشيخ علي يوسف كان مبغضاً إلى الكثرة في البلاد. وان هذا البغض ليرجع في الأكثر إلى أسباب صناعية: منها المنافسات الصحفية، ومنها الغيرة من موضعه يومئذ من ولي الأمر، ومنها كان هنالك رجال أقوياء ببسطة الجاه وسعة الغنى، وفيهم كذلك من ذهب لهم في العلم والأدب صيت وذكر، كان هؤلاء لا يستريحون إلى سياسة القصر، ولربما ظاهروا المعتمد البريطاني أحياناً في عدائه للقصر. فهم بالضرورة، ينقمون من كل رجل توافيه للقصر، وخاصة إذا كان رجلاً كالشيخ علي يوسف جبار العقل جبار القلم أرأيت كيف كان هذا الرجل محاطاً من جميع أقطاره بنطاق من العداوات المختلفة، بل التي يصطرع التناقض أحياناً بين أسباب بعضها وبين أسباب بعض؟. على أن إذكاء بغض الشباب والعامة للرجل من جهة، وبغض الخاصة له من جهة اخرى، إنما كان يسلكه له خصومه من أحد طريقي الضعف فيه، أن صح هذا التعبير. أولهما انه كان معتدلاً لا يرى العنف سبيلاً إلى استرداد حقوق البلاد؛ بل أن هذا العنف لقد يرديها في أخطار لم تكن لها في الحساب، وكان طوعاً لهذا يرى إلا يتحدث على الشئون العامة إلا الشيوخ الناضجون المجربون، وهذا وهذا، ولا شك مما لا يرضى الشباب المشتعل حماساً لحق الوطن. ولا تنسى أن العامة من وراء هؤلاء أما السبب الثاني فلصوقه بالقصر، وشدة

стр. 5847

توافيه له ومظاهرته له على الدوام، أظن أن هذا مقام لا تحمد فيه إطالة الكلام مع هذا كله ففي يوم الجلي، يوم تحدث الأحداث القومية، ينفض الناس قلوبهم حتى يتساقط عنها كل ما علق بها من الحقد على الشيخ علي يوسف، ويتلعون أعناقهم نحو المؤيد، شاخصة أبصارهم، مرهفة آذانهم، معلقة في انتظار ما يقول الشيخ أنفاسهم. فإذا النمر الجبار يثب على فريسته من عدوان العادين وثبته فلا يزال يوسعها تمزيقاً بمخلبه، وضغماً بأنيبه حتى ما يدعها إلا (اعظماً وجلوداً) نعم، لقد كان يقول الشيخ علي فيروي كل غلة، ويشفى كل علة،، ويعلو بسطوة قلمه حتى ما ينتهي منتهاه في ذاك أحد. والناس طراً لهذه النصرة بين مهلل وبين مكبر!. هذه كانت قدرة الشيخ القادرة وهذه كانت قوته العبقرية النادرة. وهذه مقالاته في أعقاب حادثة دنشواي ما برحت ترن في آذان من قرءوها إلى الآن وأني لأذكر له حادثاً طريفاً في هذا الباب: فشت الفاشية، لا أعادها الله بين المسلمين وإخوانهم الأقباط عقب مصرع المرحوم بطرس باشا غالي، وكان ذلك في سنة ١٩١٠ على ما اذكر، وعقد الأقباط مؤتمراً ملياً لهم في أسيوط، وأجابهم المسلمون بمؤتمر مثله في القاهرة وأفضوا برياسته إلى اكبر رجل في البلاد يومئذ وهو المرحوم مصطفى رياض باشا، واختار القائمون على هذا المؤتمر مثوى لاجتماعه ملعب مصر الجديدة، ومضى الناس أفواجاً في اليوم المشهود، واجتمع رجالات البلد لم يتخلف منهم إلا من انقطع به العذر. وتصدر الحفل رياض باشا. وتعاقب الخطباء كابراً بعد كابر. فأبلوا في المقال أيما بلاء وأبدعوا في الخطاب أيما إبداع حتى إذا كانت النوبة على الشيخ علي أذكى بعض شبان الحزب الوطني في المحتشدين في بهو الملعب طائفة من الفتيان من طلبة الأزهر وتلاميذ المدارس، يسألون القوم إلا يصفقوا إذا خطب الشيخ ولا يظهروا أية إشارة تدل على الاستحسان. فوعدهم اكثر الناس بهذا وأصروا عليه مخلصين لما تنطوي صدورهم من حقد عليه ومن بغضاء وينبعث الشيخ يخطب وهو كما قدمت لك غير خطيب. استغفر الله بل لقد انبعث يتلو مقالته في أوراق بين يديه، وأنت حق خبير بالفرق الهائل بين اثر التالي واثر الخطيب. وما أن مضى في تلاوته بضع دقائق حتى اخذ الناس عن نفوسهم، ونسوا ما عاهدوا أولئك

стр. 5848

الفتيان وعاهدوا أنفسهم عليه. فبروا من التصفيق اكفهم وشققوا بالصياح حناجرهم تشقيقاً، فكنت تسمع من هتافهم مثل الرعد القاصف، وترى من اضطرابهم وتموجهم فعل الريح بالأغصان في اليوم العاصف! وكان من أشدهم سعراً من كلام الرجل هم أولئك الفتية الذين كانوا يروضون الناس على إلا يلقوا خطابه إلا بالجمود والأعراض وجهد بالرجل، فتعاور التلاوة عنه كل من أستاذنا إبراهيم بك الهلباوي والمرحوم احمد بك عبد اللطيف المحامي الأشهر، وأنت كذلك خبير بأثر خطبة يتلوها في الساعة غير منشئها، ما أرخى إليها من قبل نظراً. ومع هذا فما برحت تزداد الفورة ويشتد بالقوم الفتون! ولقد اذكر انه بعد إذ فرغ من خطاب الشيخ وافقت في طريقي صديقاً لي من شبان الحزب الوطني وهو الآن من أعلام آهل الفضل الذين يتولون منصباً جليلاً في السلك القضائي. وكان مسرفاً غالياً في التشيع لمبادئ حزبه. مفرطاً في بغض الشيخ شديد الحمل عليه ورأيته يضرب كفاً بكف فسألته ما به؟ فأومأ إلى مكان الشيخ من منصة الخطابة وقال: (على حس الخطبة دي، يقعد ابن الـ. . . يخون في البلد ثلاث سنين)! ولا زلت كلما لقيت صاحبي اذكره هذه الحكاية، فيضحك في غيظ لا ادري أن كان من تذكيري له بهذه القصة، أم انه ما تزال في صدره بقية من هذا الضغن القديم؟! الله اعلم! ولقد عرفت أن الشيخ علي يوسف كان رجلاً مكافحاً، بل أن قلمه لم يكن يجود في شيء مثلما كان يجود في الكفاح ولم تكن سياسة الاحتلال في مصر تخشى سطوة قلم قدر ما تخشى قلم هذا الرجل، فأنه كان فوق كفايته البيانية، وما آتاه الله من شدة العارضة، والتمكن من نواصي جلائل المعاني، لا يهرول إذا هرول في الصغائر ولا يطعن إذا طعن إلا في الصميم ولا احب أن أتجاوز هذا المعنى في الرجل قبل أن أدل على خلة من خلاله في كفاحه: ذلك بأنه كان يعتمد اضعف النقاط في خصمه فيتجمع لها، ثم يثب عليها بكل قوته، ولا يبرح يطعنه منها دراكاً حتى يدوخ رأسه ويذهله عن سائر أسلحته، إذا كانت له أسلحة أخرى تجهز بها لذلك النضال وكان في كتابته سريعاً جداً، حتى لتحسبنه ويده تجول في القرطاس عازفاً على قانون لا مسطراً بيراع، وتراه كلما فرغ من وجه الرقعة من الاضمامة دفع بها إلى من يفضي بها

стр. 5849

إلى المطبعة. وهكذا حتى يأتي على غاية المقال، لا يتتعتع ولا يتحبس ولا يحتاج إلى مراجعة شيء مما اسلف، ومع هذا تجد المقال سوياً غاية في الحبك وتناسق الأطراف! ومن العجب العاجب في أمره انه كثيراً ما كان يكتب والغرفة محتفلة بالزوار وأصحاب الحاجات، يرفعون أصواتهم بفنون الأحاديث والجدل بل لقد يأخذ معهم في بعض ما هم فيه وهو ماض لشأنه لا يشغله هذا عنه كثيراً ولا قليلاً! الشيخ علي الصحفي ولقد كان ﵀، صحفياً بأجمع معاني الكلمة، يكتب المقال الرئيسي كل يوم بيده ويراجع كل ما يدلي به إليه الكتاب من المقالات، ويفض البريد بنفسه، فما رآه كفؤا للنشر إذن في نشره وقد يحذف بعض المقال ويبقى على بعض، فإذا تهيأت الجريدة للطبع وراجعها المصححون تناولها فقرأها من أولها إلى آخرها يصحح ما عسى أن يكون قد فات القوم تصحيحه، ويتثبت من إلا يكون قد دس على الجريدة شيء مما يكره أو يكون قد سقط إليها في سر منه إعلان عن خمر أو غيره من المناكر وكان على جلالة محله وكثرة المخبرين لديه، يطوف بنفسه كل يوم بأكثر الدواوين في تنسم الأخبار يستخرجها بلطف حيلته من النظار (الوزراء) أو من المستشارين الإنجليز فمن دونهم من عيون الموظفين وهكذا استطاع الشيخ علي بكفايته وحد عزمه أن يجعل من المؤيد اعظم جريدة في مصر، برغم كل ما كان يعتريها من الكيد، بل اعظم جريدة في العالم العربي كله من أخلاق الشيخ علي وقبل أن اختم الحديث في الشيخ علي يوسف أرى لزاماً أن أشير إلى فضيلتين من فضائله البارزة بروزاً عظيماً: أولاهما انه كان خيراً مطبوعاً، ما رأيته سئل الخير قط يستطيعه إلا فعله مهما يكن فيه من عنت ومن إرهاق، وإنه ليفعل مغتبطاً رضياً هاشاً حتى ليكاد يلتمس السائلية الخير إلتماساً، وحتى ليكاد يصدق فيه قول الشاعر (كأنك تعطيه الذي أنت سائله). وإني لأعرف إنه كان يجرد صدراً من يومه في السعي لحاجات الناس ابتغاء رضوان الله، هذه واحدة. أما الثانية فشدة وفائه. ولقد عرفت صلة الرجل بالقصر، ومبلغ ضعفه له. ولقد

стр. 5850

يتغير ولي الأمر يومئذ على الرجل من صدقاته أو مِنْ من أسلفوا له يداً، فتتناهشهم الأقلام من كل جانب، اللهم إلا المؤيد، فأنه الذي لا يطلق مقالة السوء فيه أبداً وحسبك دليلاً في هذا الباب شدة توافيه للمرحومين الشيخ محمد عبده، وسعد باشا زغلول، ورياض باشا، وغيرهم فإن كان قد مس بعضهم كما مس رياض باشا عقب خطبته المشهورة، فلقد كان عذره واضحاً وأي وطني يطيق أن يسمع الإشادة بفظل المعتمد البريطاني على حساب كرامة أمير البلاد! على إنه فيما مسه لقد كان به أرفق الكاتبين فإن زعمت بعد هذا أنه كانت في الرجل هنة أو كانت فيه هنات، فمن ذا الذي سلم على العيوب كلها، و (كفا المرء نبلاً أن تعد معايبه). وحسب الشيخ علي انه كان بمجموعة مزاياه ومواهبه مفخرة من مفاخر هذه البلاد التي لا يسخو بمثلها الزمان و (إن الزمان بمثله لبخيل) ﵀ رحمة واسعة، وعزانا عنه نخن القادرية قدره، أحسن العزاء عبد العزيز البشري
следующие страницы →