Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
الله ما سمعت منه قط هذا الكلام، ولا أية عبارة أخرى يمكن أن تؤدي معناه
ولكن مع هذا لقد كان هذا هو الواقع اعني الواقع من حاله لا من مقاله: فأنني لا اعرف رجلاً سياسياً عظيماً كان اقل الناس أنصاراً وأكثرهم خصوماً كما كان الشيخ علي يوسف وخصومه. على كثرتهم، لقد كانوا من جميع الطبقات، وكانوا من جميع الهيئات، وانهم ليحيطون به إحاطة الطوق من كل جانب، وكلهم عامل على إسقاطه، جاهد ما امتد به الجهد في هدم المؤيد، مذك عليه الأقلام والألسن من كل ناحية، تدمغه بتهمة الخيانة الوطنية فما دونها في غير هوادة ولا اشفاق، والمؤيد يتقلص بين أيدي القارئين ويتقلص حتى يظن انه قد تشرف على العفاء. ثم إذا الشيخ يتجمع، وإذا هو يشرع القلم شرع الرمح الرديني، وإذا هو يطعن الطعنة البكر ها هنا مرة وها هنا مرة، فلا يصيب إلا الكلى والمفاصل. وإذا هؤلاء الخصوم يتطايرون عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، وإذا المؤيد يرن في البلد رنينه، بعد ما تردد تأوهه وطال أنينه!
وقد عرفت أن الشيخ علي يوسف كان مبغضاً إلى الكثرة في البلاد. وان هذا البغض ليرجع في الأكثر إلى أسباب صناعية: منها المنافسات الصحفية، ومنها الغيرة من موضعه يومئذ من ولي الأمر، ومنها كان هنالك رجال أقوياء ببسطة الجاه وسعة الغنى، وفيهم كذلك من ذهب لهم في العلم والأدب صيت وذكر، كان هؤلاء لا يستريحون إلى سياسة القصر، ولربما ظاهروا المعتمد البريطاني أحياناً في عدائه للقصر. فهم بالضرورة، ينقمون من كل رجل توافيه للقصر، وخاصة إذا كان رجلاً كالشيخ علي يوسف جبار العقل جبار القلم
أرأيت كيف كان هذا الرجل محاطاً من جميع أقطاره بنطاق من العداوات المختلفة، بل التي يصطرع التناقض أحياناً بين أسباب بعضها وبين أسباب بعض؟. على أن إذكاء بغض الشباب والعامة للرجل من جهة، وبغض الخاصة له من جهة اخرى، إنما كان يسلكه له خصومه من أحد طريقي الضعف فيه، أن صح هذا التعبير. أولهما انه كان معتدلاً لا يرى العنف سبيلاً إلى استرداد حقوق البلاد؛ بل أن هذا العنف لقد يرديها في أخطار لم تكن لها في الحساب، وكان طوعاً لهذا يرى إلا يتحدث على الشئون العامة إلا الشيوخ الناضجون المجربون، وهذا وهذا، ولا شك مما لا يرضى الشباب المشتعل حماساً لحق الوطن. ولا تنسى أن العامة من وراء هؤلاء أما السبب الثاني فلصوقه بالقصر، وشدة
стр. 5847
توافيه له ومظاهرته له على الدوام، أظن أن هذا مقام لا تحمد فيه إطالة الكلام
مع هذا كله ففي يوم الجلي، يوم تحدث الأحداث القومية، ينفض الناس قلوبهم حتى يتساقط عنها كل ما علق بها من الحقد على الشيخ علي يوسف، ويتلعون أعناقهم نحو المؤيد، شاخصة أبصارهم، مرهفة آذانهم، معلقة في انتظار ما يقول الشيخ أنفاسهم. فإذا النمر الجبار يثب على فريسته من عدوان العادين وثبته فلا يزال يوسعها تمزيقاً بمخلبه، وضغماً بأنيبه حتى ما يدعها إلا (اعظماً وجلوداً)
نعم، لقد كان يقول الشيخ علي فيروي كل غلة، ويشفى كل علة،، ويعلو بسطوة قلمه حتى ما ينتهي منتهاه في ذاك أحد. والناس طراً لهذه النصرة بين مهلل وبين مكبر!. هذه كانت قدرة الشيخ القادرة وهذه كانت قوته العبقرية النادرة. وهذه مقالاته في أعقاب حادثة دنشواي ما برحت ترن في آذان من قرءوها إلى الآن
وأني لأذكر له حادثاً طريفاً في هذا الباب:
فشت الفاشية، لا أعادها الله بين المسلمين وإخوانهم الأقباط عقب مصرع المرحوم بطرس باشا غالي، وكان ذلك في سنة ١٩١٠ على ما اذكر، وعقد الأقباط مؤتمراً ملياً لهم في أسيوط، وأجابهم المسلمون بمؤتمر مثله في القاهرة وأفضوا برياسته إلى اكبر رجل في البلاد يومئذ وهو المرحوم مصطفى رياض باشا، واختار القائمون على هذا المؤتمر مثوى لاجتماعه ملعب مصر الجديدة، ومضى الناس أفواجاً في اليوم المشهود، واجتمع رجالات البلد لم يتخلف منهم إلا من انقطع به العذر. وتصدر الحفل رياض باشا. وتعاقب الخطباء كابراً بعد كابر. فأبلوا في المقال أيما بلاء وأبدعوا في الخطاب أيما إبداع
حتى إذا كانت النوبة على الشيخ علي أذكى بعض شبان الحزب الوطني في المحتشدين في بهو الملعب طائفة من الفتيان من طلبة الأزهر وتلاميذ المدارس، يسألون القوم إلا يصفقوا إذا خطب الشيخ ولا يظهروا أية إشارة تدل على الاستحسان. فوعدهم اكثر الناس بهذا وأصروا عليه مخلصين لما تنطوي صدورهم من حقد عليه ومن بغضاء
وينبعث الشيخ يخطب وهو كما قدمت لك غير خطيب. استغفر الله بل لقد انبعث يتلو مقالته في أوراق بين يديه، وأنت حق خبير بالفرق الهائل بين اثر التالي واثر الخطيب. وما أن مضى في تلاوته بضع دقائق حتى اخذ الناس عن نفوسهم، ونسوا ما عاهدوا أولئك
стр. 5848
الفتيان وعاهدوا أنفسهم عليه. فبروا من التصفيق اكفهم وشققوا بالصياح حناجرهم تشقيقاً، فكنت تسمع من هتافهم مثل الرعد القاصف، وترى من اضطرابهم وتموجهم فعل الريح بالأغصان في اليوم العاصف! وكان من أشدهم سعراً من كلام الرجل هم أولئك الفتية الذين كانوا يروضون الناس على إلا يلقوا خطابه إلا بالجمود والأعراض
وجهد بالرجل، فتعاور التلاوة عنه كل من أستاذنا إبراهيم بك الهلباوي والمرحوم احمد بك عبد اللطيف المحامي الأشهر، وأنت كذلك خبير بأثر خطبة يتلوها في الساعة غير منشئها، ما أرخى إليها من قبل نظراً. ومع هذا فما برحت تزداد الفورة ويشتد بالقوم الفتون!
ولقد اذكر انه بعد إذ فرغ من خطاب الشيخ وافقت في طريقي صديقاً لي من شبان الحزب الوطني وهو الآن من أعلام آهل الفضل الذين يتولون منصباً جليلاً في السلك القضائي. وكان مسرفاً غالياً في التشيع لمبادئ حزبه. مفرطاً في بغض الشيخ شديد الحمل عليه ورأيته يضرب كفاً بكف فسألته ما به؟ فأومأ إلى مكان الشيخ من منصة الخطابة وقال: (على حس الخطبة دي، يقعد ابن الـ. . . يخون في البلد ثلاث سنين)!
ولا زلت كلما لقيت صاحبي اذكره هذه الحكاية، فيضحك في غيظ لا ادري أن كان من تذكيري له بهذه القصة، أم انه ما تزال في صدره بقية من هذا الضغن القديم؟! الله اعلم!
ولقد عرفت أن الشيخ علي يوسف كان رجلاً مكافحاً، بل أن قلمه لم يكن يجود في شيء مثلما كان يجود في الكفاح ولم تكن سياسة الاحتلال في مصر تخشى سطوة قلم قدر ما تخشى قلم هذا الرجل، فأنه كان فوق كفايته البيانية، وما آتاه الله من شدة العارضة، والتمكن من نواصي جلائل المعاني، لا يهرول إذا هرول في الصغائر ولا يطعن إذا طعن إلا في الصميم
ولا احب أن أتجاوز هذا المعنى في الرجل قبل أن أدل على خلة من خلاله في كفاحه: ذلك بأنه كان يعتمد اضعف النقاط في خصمه فيتجمع لها، ثم يثب عليها بكل قوته، ولا يبرح يطعنه منها دراكاً حتى يدوخ رأسه ويذهله عن سائر أسلحته، إذا كانت له أسلحة أخرى تجهز بها لذلك النضال
وكان في كتابته سريعاً جداً، حتى لتحسبنه ويده تجول في القرطاس عازفاً على قانون لا مسطراً بيراع، وتراه كلما فرغ من وجه الرقعة من الاضمامة دفع بها إلى من يفضي بها
стр. 5849
إلى المطبعة. وهكذا حتى يأتي على غاية المقال، لا يتتعتع ولا يتحبس ولا يحتاج إلى مراجعة شيء مما اسلف، ومع هذا تجد المقال سوياً غاية في الحبك وتناسق الأطراف!
ومن العجب العاجب في أمره انه كثيراً ما كان يكتب والغرفة محتفلة بالزوار وأصحاب الحاجات، يرفعون أصواتهم بفنون الأحاديث والجدل بل لقد يأخذ معهم في بعض ما هم فيه وهو ماض لشأنه لا يشغله هذا عنه كثيراً ولا قليلاً!
الشيخ علي الصحفي
ولقد كان ﵀، صحفياً بأجمع معاني الكلمة، يكتب المقال الرئيسي كل يوم بيده ويراجع كل ما يدلي به إليه الكتاب من المقالات، ويفض البريد بنفسه، فما رآه كفؤا للنشر إذن في نشره وقد يحذف بعض المقال ويبقى على بعض، فإذا تهيأت الجريدة للطبع وراجعها المصححون تناولها فقرأها من أولها إلى آخرها يصحح ما عسى أن يكون قد فات القوم تصحيحه، ويتثبت من إلا يكون قد دس على الجريدة شيء مما يكره أو يكون قد سقط إليها في سر منه إعلان عن خمر أو غيره من المناكر
وكان على جلالة محله وكثرة المخبرين لديه، يطوف بنفسه كل يوم بأكثر الدواوين في تنسم الأخبار يستخرجها بلطف حيلته من النظار (الوزراء) أو من المستشارين الإنجليز فمن دونهم من عيون الموظفين
وهكذا استطاع الشيخ علي بكفايته وحد عزمه أن يجعل من المؤيد اعظم جريدة في مصر، برغم كل ما كان يعتريها من الكيد، بل اعظم جريدة في العالم العربي كله
من أخلاق الشيخ علي
وقبل أن اختم الحديث في الشيخ علي يوسف أرى لزاماً أن أشير إلى فضيلتين من فضائله البارزة بروزاً عظيماً: أولاهما انه كان خيراً مطبوعاً، ما رأيته سئل الخير قط يستطيعه إلا فعله مهما يكن فيه من عنت ومن إرهاق، وإنه ليفعل مغتبطاً رضياً هاشاً حتى ليكاد يلتمس السائلية الخير إلتماساً، وحتى ليكاد يصدق فيه قول الشاعر (كأنك تعطيه الذي أنت سائله). وإني لأعرف إنه كان يجرد صدراً من يومه في السعي لحاجات الناس ابتغاء رضوان الله، هذه واحدة. أما الثانية فشدة وفائه. ولقد عرفت صلة الرجل بالقصر، ومبلغ ضعفه له. ولقد
стр. 5850
يتغير ولي الأمر يومئذ على الرجل من صدقاته أو مِنْ من أسلفوا له يداً، فتتناهشهم الأقلام من كل جانب، اللهم إلا المؤيد، فأنه الذي لا يطلق مقالة السوء فيه أبداً وحسبك دليلاً في هذا الباب شدة توافيه للمرحومين الشيخ محمد عبده، وسعد باشا زغلول، ورياض باشا، وغيرهم فإن كان قد مس بعضهم كما مس رياض باشا عقب خطبته المشهورة، فلقد كان عذره واضحاً وأي وطني يطيق أن يسمع الإشادة بفظل المعتمد البريطاني على حساب كرامة أمير البلاد! على إنه فيما مسه لقد كان به أرفق الكاتبين
فإن زعمت بعد هذا أنه كانت في الرجل هنة أو كانت فيه هنات، فمن ذا الذي سلم على العيوب كلها، و (كفا المرء نبلاً أن تعد معايبه). وحسب الشيخ علي انه كان بمجموعة مزاياه ومواهبه مفخرة من مفاخر هذه البلاد التي لا يسخو بمثلها الزمان و (إن الزمان بمثله لبخيل)
﵀ رحمة واسعة، وعزانا عنه نخن القادرية قدره، أحسن العزاء
عبد العزيز البشري
стр. 5851
كيف كنت حلاقاً
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
هل وجهي وجه حلاق؟؟
هذا ما ظللت اسأل المرآة عنه أياماً بعد أن وقع لي ما سأقصه اليوم، والمرآة لا تجيب، وان كنت لا أظن عليها بالإلحاح وطول التحديق، أو لعلها أجابت وأبيت أنا أن اسمع أو اصدق. وقد كففت عن مشاورة المرايا وأسلمت أمري إلى الله وأمر وجهي إلى حسن أدب الذين يرونه وصحيح أني كنت - وما زلت أحياناً - احلق ذقني بيدي، لأني كنت في عنفوان الاضطرام السياسي أخاف أن يوقعني سوء الحظ في يد حلاق سياسي لا يشايعني على رأيي، فيذبحني ويروح يدعي أن قتلي كان خطأ لا عن عمد وسبق إصرار، ولكني بلوت من متاعب الحلاقة ما زهدني فيها فرددت نفسي على مكروهها ولم اعد أبالي ما عسى أن يصنع برقبتي الحلاقون السياسيون. وللذبح أهون من تهمة الجنون. أي نعم فقد شرعت مرة احلق ذقني ولكن حد الموسى كان كليلاً جداً، فجعلت احك به واكحت حتى صار وجهي - أو خدي - الأصفر كالطماطم الناضج ولم اعد احتمل هذا الألم، وفرغ ما في صدري من الهواء من طول النفخ ومن كثرة قولي (اووفففف) فطويت الموسى وقلت أن هذا سلخ لا حلاقة ولست بشاة ثم أني ما زلت حياً ولم اصنع قبيحاً استحق عليه أن اسلخ وجهي بيدي
وارتديت ثيابي ووضعت منديلاً على جانب وجهي الذي سلخته وخرجت التمس دكان حلاق - اقرب دكان - وسرت على بركة الله وفي أملي أن يظن من يراني أن أضراسي توجعني. واهتديت إلى دكان على كثب من البيت، ولكن الحلاق كان مشغولاً فقعدت انتظر وكفي على المنديل فوق خدي وفرغ الحلاق فدعاني فأسرعت إلى الكرسي ورفعت المنديل عن وجهي، وجاء بالفوطة ولف طرفها على عنقي ثم ارتد بغتة ووقف يتأملني وقد قطب وذوى ما بين عينيه فقلت:
(ماذا؟؟ قل ولا تخف!)
قال وهو يهز رأسه: (كلا. لاشيء!)
قلت ملحاً: (بل تكلم. . فأني مستعد للإصغاء. .)
стр. 5852
فتكلف الابتسام - اعني انه ابتسم بشفتيه دون عينيه - وراح يجمع أدوات الحلاقة ويعدها ويرصها، وكان في أثناء ذلك يخالسني النظر، فلم يبقى عندي ريب في أن الشك خالجه في صحة عقلي، وما احسبه رأى قبلي رجلاً يدخل عليه ونصف وجهه محلوق والنصف الآخر يطلب الموسى وكأنما حار، ماذا يضع بالنصف الحليق؟ أيجري عليه الموسى؟ أم يدعه ويعني بالنصف الثاني؟ فقد وضع عليه حد الموسى ثم رفعه ووقف متردداً فقلت لأستحثه:
(تفضل. تفضل. . أن هذاأيضاًيحتاج إلى الموسى) فألقى إلي نظرة سريعة واكب على العمل بلا كلام والحلاقون كما يعرف القراء ثرثارون ولكن منظر وجهي كان له وقع عميق في نفس هذا الرجل، فنشف ريقه وعصب لسانه وانقطع أيضا ولم يسؤني هذا ولكني فزعت إذ رأيت يده ترعش فجعلت. أدعو الله في سري أن يلطف بي ويرأف بعيالي ويرحم شبابي
واستجاب الله دعائي لأول مرة. . ولآخر مرة فيما اذكر. . وعلى انه من يدري؟ لعل الرحمة كانت أن يذبحني الحلاق - عفواً أو عمداً - فما تكون للمذبوح عناية بهذه الفروق
واتفق يوماً أني نزلت فندقاً وكان فيه غيري كثيرون كما لا حاجة بي أن أقول وبينهم أجنبي هرم له بنت جميلة وكان هذا الشيخ أحمق حاد الطبع، وبنته على خلافه لينة العريكة سلسة الطباع، ولو إنها كانت حمقاء مثله لشفع لها جمالها فكيف وهي تجمع إلى حسن الوجه دماثة الخلق ورقة الحاشية؟ وعرفتها لأني اصطدمت بها فأوسعتها اعتذاراً فلم يضق بي عفوها، وصرنا بعد ذلك كلما التقينا نتبادل التحية - بالرأس - وكنت ألقاها في اليوم الواحد خمسين مرة فلا ادري أيّنا الذي كان يتعقب صاحبه؟ وفي المرة التاسعة والأربعين من اليوم الأول استطعت أن افتح فمي وأحرك شفتي فقالت مستفسرة:
(نعم؟)
قلت: (لاشيء. اعني أني أردت أن أقول نهارك سعيد)
قالت: (آه! صحيح! نهارك سعيد!)
قلت: (أ. . أ. . الجو اليوم جميل. .)
قالت وهي تضحك بلا داع: (أ. . . نعم. . . جـ. . . جميل. . .)
قلت: (لا خوف من المطر) وعضضت لساني
стр. 5853
قالت - وكفت عن الضحك -: (مطر؟ في أغسطس؟ في الإسكندرية؟)
فاضطربت وقلت: (أ. . . اعني. . . اعني أن الجو جميل) فابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت: (لقد قلت هذا من قبل. . .)
فحقدت عليها - في سري - وقلت: (صحيح! لقد نسيت! فيا للغباوة! لقد كنت أظنها جملة مبتكرة!)
ولو كنا بقينا خمس دقائق بعد ذلك لحلت عقدة لساني، فقد عاودتني الثقة بنفسي وأيقنت أن العقدة ستحل بعد أن نطقت بآخر كلمة، ولكن أباها - لعنة الله عليه -! آبى إلا أن يقبل في هذه اللحظة وكان وجهها إليه وظهري له فرأته قبلي وقالت:
(هذا أبي) وأشارت إليه
فدرت على عقبي بسرعة، ولم أكد ابصر وجهه حتى استولى عليّ الرعب، فهربت بلا كلام ولا استئذان ولم يكن ثم باب آخر في هذه الناحية اخرج منه ولم أجد أمامي غير (صالون حلاقة)، فدخلته وكان - كما شاء الحظ - خالياً. وشعرت أن بي حاجة إلى منعش بعد الذي أصابني من منظر هذا الشيخ الشرس فتناولت قطرات من (الكولونيا) وشممتها ومسحت بها وجهي وإذا بالرجل يصيح بي:
(ماذا تعني بهذا التلكؤ؟ لقد بعثت إليك منذ نصف ساعة لتوافيني في غرفتي وتحلق لي ذقني! عجل يا بليد!)
وكان من الواجب أن اذهل أو ابهت أو احتج ولكن كرهي له أيقظ حواسي جميعاً فقلت هذه فرصة سنحت للانتقام منه وأسرعت فقلت:
(حالاً. . حالاً. . كم رقم الغرفة من فضلك؟)
قال: (١٥. .)
ومضى عني فجمعت أدوات الحلاقة ووضعتها في حقيبة صغيرة رأيتها هناك في ركن وخرجت فإذا بالفتاة تدنو مني وتقول:
(ماذا تنوي أن تصنع؟)
فقلت: (احلق ذقن أبيك)
قالت: (حاذر. . . هذه مجازفة)
стр. 5854
قلت: (اعرف ذلك وأشكرك، ولكن إلا تثقين بي؟)
قالت: (انك لا تعرف أبي)
قلت: (ثقي انك أنت أيضا لن تعودي تعرفينه!)
قالت: (دع المزاح. . . لم اكن أظن انك طائش إلى هذا الحد)
قلت: (تعالي. . . وانظري)
وتركتها وقصدت إلى السلم وهي ورائي
ولم تكن الفتاة مبالغة حين حذرتني وأنذرتني، فان أباها شيء فظيع وقد اسمعني في خمس دقائق من ألفاظ التعنيف والشتم والقذف والطعن والقدح ما لم اكن أظن انه يوجد في لغات العالم مجتمعة بله في لغتنا العامية التي يعرف اقلها ويجهل اكثرها، ولكني أنا أيضا لم اكن مبالغاً حين أكدت للفتاة إنها لن تعرف أباها بعد أن افرغ من حلاقة ذقنه فقد أرقت نصف رطل على الأقل من دمه الثقيل، ولم أكد أضع الموسى على خده حتى صرخ وصاح بي:
(أنت جزار. . . لا حلاق)
فقلت: (عفواً سيدي أن حد الموسى لم يلمس جلدك)
قال: (لم يلمس جلدي! تقول لم يلمس جلدي يا أعمى! لقد قطع لحمي!)
فطمأنته، فنهرني وزجرني عن الكلام فأجريت الموسى وخرجت بقطعة ثانية من لحمه القديم وماذا اصنع إذا كان جلد وجهه عميق الأخاديد؟ أهذا ذنبي أم ذنبه؟ وقلت له:
(يحسن بك يا سيدي أن تجيء في كل صباح بأربع بيضات أو خمس فتكسرها وتصبها في وعاء وتمزجها بمسحوق الثلج - يعني بودرة الثلج - وتعجن هذا بذاك وتدهن به وجهك وتظل نصف ساعة لا تفتح فمك بكلام ما، ثم تغسل وجهك فإذا واظبت على ذلك شهراً كاملاً عادت إلى وجهك نعومته بأذن الله
فصاح بي (اخرس. أقول لك اخرس)
فقلت (طيب خرست) وواصلت انتقامي. وكنت قد بلغت عنقه فجعلت انظر إلى الفتاة نظرة لا تخفي دلالتها، نظرة طيها الحقد والتصميم على القتل عمداً ومع سبق الإصرار ورفعت يدي بالموسى نحو ذراع وهممت أن أهوى بها على رقبته وإذا بالفتاة تصرخ فارتددت مذهولاً ووثب هو عن الكرسي وذهب يعدو إليها وسألها (مالكِ؟) فلم تجبه وجعلت تشير
стр. 5855
إلى وتهيب بي ان (اخرج. اخرج. . .)
فهززت رأسي آسفاً فقد ذهبت الفرصة إلى حيث لا يمكن أن تعود فسألها هو:
(يخرج؟ يخرج كيف؟ ويدعني هكذا) وأشار إلى خده الآخر الذي لم يحلق فقالت:
(انه ليس بحلاق)
قال: (آيه؟ ليس بحلاق!)
ودار فالتفت إليّ فرآني اضحك فطار عقله وتحرك يريد أن يهجم عليّ فتذكرت ما يفعل الذين يقاتلون الثيران في أسبانيا فخطفت الفوطة ألقيتها على وجهه وفررت
وقالت لي الفتاة بعد ذلك:
(لم اكن اعلم انك شرير)
قلت (شرير؟؟)
قالت (نعم. . كدت تقتله وتقتل نفسك)
قلت (أينا كنت تبكين عليه؟)
قالت (لا تكن خبيثاً. . . انه أبي)
قلت (لا اصدق. . .)
قالت (من فضلك. . . لا تذكره بسوء أمامي)
قلت (اعترفي إذا انه. . .)
قالت (لو كنت اعتقد انك ستقتصر على جرح أو جرحين. . .)
قلت (وهل كنت تتوهمين أني يمكن أن اذبحه؟)
قالت (لقد خفت والله. . .)
قلت (يا بلهاء. . . لأجل عين تكرم ألف. . .)
وصرنا صديقين ولكن أباها لا يراني - إلى اليوم - إلا ارتد راجعاً، وحسناً يفعل
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 5856
نُذُرُ الحرب الجديدة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تشهد معظم العواصم الأوربية منذ اشهر فترة غير عادية من النشاط السياسي؛ وقد تحول هذا النشاط منذ مأساة مرسيليا التي ذهب ضحيتها الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا ومسيو بارتو وزير الخارجية الفرنسية، إلى نوع من الحمى الدبلوماسية وتلوح اليوم في أفق السياسة الأوربية سحب كثيفة تثير الجزع في كثير من العواصم والأمم. ما الذي سيعقب مأساة مرسيليا من الحوادث والتطورات سواء في يوجوسلافيا ذاتها أم في أوربا بصفة عامة؟ وهل يكون السلم في خطر حقيقي؟ وهل نشهد اليوم مقدمات أزمة دولية مستعصية قد تفضي إلى نشوب الحرب؟ هذه الأسئلة الخطيرة تتردد اليوم في جميع دوائر السياسة العليا لا على إنها هواجس واحتمالات بعيدة الوقوع ولكن على إنها فوض حقيقية خطيرة يجب التحوط لها
وقد لوحظ بحق أن للجريمة السياسية شأناً كبيراً في إثارة هذه السحب التي تحلق اليوم في أفق السياسة الأوربية فمنذ اشهر قتل مسيو دوكا رئيس الوزارة الرومانية فترتبت على مقتله صعاب وأزمات ما زالت رومانيا تعاني من أثرها. وفي أواخر يوليه الماضي قتل الهير دولفوس رئيس الحكومة النمساوية في ظروف وحشية فأثار مقتله أزمة سياسية خطيرة لا في النمسا وحدها ولكن في أوربا الوسطى كلها وذهبت إيطاليا في إجراءاتها وتحوطاتها لصون استقلال النمسا من اعتداء ألمانيا وعمالها المأجورين إلى حشد الجنود على حدود النمسا الجنوبية، ولاح شبح الحرب واضحاً مدى حين. ثم كان مقتل الملك اسكندر ومسيو بارتو أخيرا في مرسيليا فبدت الأزمة الأوربية في أروع مظاهرها، وتجددت نذر الخطر وأحاديث الحرب ويخشى المتشائمون أن يكون التاريخ إنما يعيد نفسه وان تكون مأساة مرسيليا قرينة مأساة سيراجيفو ونظيرتها في الظروف والنتائج. والحقيقة أن مؤرخ الحرب الكبرى لا يسعه إلا أن يعتبر مأساة سيراجيفو من أهم العوامل - الظاهرة على الأقل - في إثارة الحرب فقد اتخذت إمبراطورية النمسا والمجر مقتل الأرشيدوق فرنزفردينند وقرينته في سيراجيفو في ٢٨ يونيه سنة ١٩١٤ بيد طالب سربي سبباً لاعتبار حكومة سربيا مسئولة عن الجريمة مباشرة ومطالبتها في بلاغ نهائي بمطالب
стр. 5857
عدتها سربيا افتئاتاً على سيادتها وشدت ألمانيا أزر النمسا في موقفها ولكن روسيا تدخلت لتعضيد سربيا ضد النمسا باعتبارها حامية الشعوب السلافية. وكانت الأزمة الخطيرة التي أدت إلى وقوع الحرب بعد ذلك بأسابيع قلائل
وإذا لم يكن لجريمة مرسيليا مثل هذه النتائج السريعة الحاسمة فلا ريب إنها زادت الأزمة الأوربية تعقيداً وخطورة، وكانت عاملاً جديداً عميق الأثر في زعزعة السلام الأوربي. وإذا وقعت حرب جديدة في القريب العاجل، فان جريمة مرسيليا تكون بلا ريب بين عواملها الأولى. ومن المعروف أن السياسة الأوربية كلها تقوم اليوم على تهيئة أسباب الهجوم والدفاع في الحرب القادمة، وأنها تأخذ الطابع القديم الذي يوصف في لغة السياسة بالسلم المسلح أو السعي إلى صون السلام بالاستعداد للحرب دائماً. ومثل هذه السياسة تخضع دائماً لأزمات الساعة، لأنها تقوم على الأثرة والقومية المغرقة وليست تحدوها أية مُثل إنسانية أو دولية عامة. وقد وقعت جريمة مرسيليا في وقت تجتمع فيه أوربا في معسكراتها القديمة التي حالت آثار الحرب الكبرى مدى حين دون بعثها وتكونها. والدول التي تسيطر على مصاير السياسة الأوربية اليوم هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا؛ وهي التي تتجاذبها في تكوين المعسكرات الهجومية والدفاعية وفرنسا اشدها سيطرة على الموقف ونفوذاً في تطوراته؛ ومقصد السياسة الفرنسية معروف هو العمل بكل الوسائل لعزل ألمانيا عن باقي الدول الأوربية حتى لا تقوى بالتحالف على مهاجمة فرنسا، وأحاطتها بسياج من الدول الخصيمة المتأثرة بالسياسة الفرنسية حتى تبقى دائماً في موقف الأحجام والضعف؛ وإذا وقعت حرب فان فرنسا تستطيع بمعاونة حلفائها أن تتغلب على ألمانيا. وقد سارت فرنسا في هذه السياسة إلى ما قبل جريمة مرسيليا شوطاً بعيداً، واستطاعت أن تجذب روسيا السوفيتية إلى معسكرها وان توثق سياسة التحالف الروسي الفرنسي القديم بعد أن لبثت روسيا مدى حين بعيدة عن حظيرة الدول الغربية وان تتوج هذا التحالف بالعمل على ضم روسيا إلى عصبة الأمم بعد أن لبثت تخاصمها منذ قيامها. وقد كانت السياسة الألمانية ما قبل الحرب تغالب التحالف الروسي الفرنسي بالتحالف الألماني النمساوي ولكن إمبراطورية النمسا والمجر القديمة قد ذهبت وقامت على أنقاضها دول تخاصم ألمانيا أو تتأثر بالسياسة الفرنسية. والسياسة الفرنسية هي التي خلقت كتلة التحالف الصغير في
стр. 5858
أوربا الوسطى من يوجوسلافيا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا، وهي التي توجهها في سياستها الأوربية. ولما قامت الحركة الهتلرية في ألمانيا وظهرت ألمانيا في صورة المهدد لفرنسا والمهدد للسلام الأوربي ضاعفت فرنسا جهودها في توثيق التحالف بينها وبين روسيا ودول التحالف الصغير خصوصاً بعد أن شعرت أن بولونيا قد أخذت تتحرر من نفوذها وتتجه نحو ألمانيا. وكان من أهم أغراضها أن تجذب يوجوسلافيا بصورة نهائية إلى جانب السياسة الفرنسية لأنها شعرت أن السياسة الألمانية قد أخذت تتجه نحو يوجوسلافيا وتحاول كسبها بوسائل شتى. ولكن فرنسا رأت من جهة أخرى أن هذا التحالف لا يحقق الغاية المنشودة إلا إذا آزرته إيطاليا. وبين إيطاليا ويوجوسلافيا خصومة قديمة فيجب أن تذلل قبل كل شيء
لهذا كانت رحلة مسيو بارتو إلى يوجوسلافيا وكانت رحلة الملك اسكندر إلى فرنسا وكان المقرر أن تكون مفاوضات الملك اسكندر مع الحكومة الفرنسية تمهيداً لمفاوضات فرنسية إيطالية تجرى في روما وتسوى فيها جميع المسائل والخصومات القائمة بين إيطاليا ويوجوسلافيا من جهة وبين فرنسا وإيطاليا من جهة أخرى وكان الأفق مناسباً لتحقيق هذا البرنامج، لأن إيطاليا كانت قد بدأت في الآونة الأخيرة تتباعد عن ألمانيا على آثر حوادث النمسا التي انتهت بمقتل الهير دلفوس وافتضاح نيات ألمانيا ومشاريعها نحو الاعتداء على النمسا؛ وتم الشطر الأول من هذا البرنامج بالمفاوضات التي وقعت في بلغراد بين فرنسا ويوجوسلافيا ولكن الشطر الآخر لم يتحقق لأن الملك اسكندر ما كاد يطأ ارض فرنسا حتى سقط قتيلاً برصاص الوطنيين الكرواتيين وسقط إلى جانبه مسيو بارتو؛ وأخرت هذه المأساة مشاريع السياسة الفرنسية؛ إلى حين؛ وأودت بمشاريع حكومة بلغراد وبعثت إلى أفق السياسة الأوربية ولا سيما أوربا الوسطى، ريباً وهواجس جديدة وأثارت صيحة الحرب مرة أخرى والواقع أن مقتل الملك اسكندر كان ضربة شديدة ليوجوسلافيا؛ وقد بينا في مقال سابق كيف أن تكوين يوجوسلافيا الجديدة من عناصر متنافرة خصيمة يعرض وحدتها للتمزق دائماً وكيف أن هذه الوحدة تقوم على أسس مصطنعة في ظل طغيان حديدي كان الملك اسكندر عماده وقائده، فالآن يحدق الخطر بهذه الوحدة المغصوبة وتقف حكومة بلغراد حائرة متوجسة من المستقبل القريب؛ وتقف إيطاليا أيضا مترددة تسبر غور
стр. 5859
الاحتمالات الجديدة. هل تستمر في الإصغاء إلى عرض السياسة الفرنسية فتهادن يوجوسلافيا وتحالفها وتدخل في حظيرة هذا التحالف الذي يجمع دول الاتفاق الصغير وروسيا إلى جانب فرنسا؟ ومما يزيد في تردد إيطاليا ما تحاوله ألمانيا لديها الآن من تحويلها عن ذلك الطريق، وإعلان استعدادها لضمان استقلال النمسا وتسوية المسائل الأخرى التي تهم إيطاليا بيد أن السنيور موسوليني يقف الآن وقفة المنتظر ليرى أولاً ما يمكن أن تحدثه آثار جريمة مرسيليا في شئون يوجوسلافيا الداخلية وهل يوجد ثمة ما يحمل على الاعتقاد بقرب تفكك هذه الكتلة السلافية الخطرة التي خلفتها معاهدة الصلح، والتي تنازع إيطاليا سيادتها في بحر الأدرياتيك وتهدد نفوذها في البلقان وأواسط أوربا وهل تقوم في يوجوسلافيا حركة انفصالية يقوم بها العنصر الكرواتي خصيم العنصر السربي الذي يستأثر بالسلطة في يوجوسلافيا ويضطهد العناصر الأخرى؟ فإذا آنس موسوليني شيئاً من هذه البوادر فقد يفضل أن يستبقي حريته في العمل؛ مدى حين وعندئذ تعمل إيطاليا من جانبها على تشجيع العناصر الانفصالية في يوجوسلافيا حتى يتم تفكك هذه الكتلة السلافية وتستطيع إيطاليا أن تتجه ببصرها نحو دلماتيا التي تطمح إلى امتلاكها، وعندئذ ينهار التحالف الصغير وأيضاً وينفتح أمامها مجال العمل في أوربا الوسطى على أن فرنسا تعمل من جهة أخرى بكل ما وسعت لتحقيق التفاهم والتحالف مع إيطاليا. وهي على أهبة لأن تضحي في هذا السبيل ببذل بعض المطالب التي تطمح إيطاليا إلى تحقيقها. وما تعرضه فرنسا على إيطاليا ينحصر فيما يأتي: (١) تعديل الحدود الطرابلسية من جهة تونس والتجاوز لإيطاليا عن بعض المناطق المتاخمة لبرقة (٢) عدم مقاومة التوسع الإيطالي في طرابلس من جهة الجنوب في اتجاه بحيرة تشاد (٣) عدم مقاومة مشاريع إيطاليا وأطماعها في الحبشة (٤) تسوية مسألة الرعايا الإيطاليين في تونس ومنحهم بعض الحقوق والمزايا الخاصة؛ فهذه عروض ومزايا لا تستطيع إيطاليا أن تأبى قبولها خصوصاً إذا علمنا أن التوسع الاستعماري قد غدا من اعظم أهداف السياسة الفاشستية. وعلى أي حال فان برنامج السياسة الفرنسية لم يتغير بمقتل مسيو بارتو وقد أعلن مسيو لافال وزير الخارجية الجديد انه سيعمل لإتمام ما بدأ به سلفه؛ وسوف يقوم بزيارة روما كما كان مقرراً من قبل للمفاوضة في تحقيق البرنامج المرسوم
стр. 5860
هذه هي خلاصة العوامل التي تسيطر الآن على مجرى السياسة الأوربية. والظاهرة الجوهرية التي تبدو خلال ذلك كله هي اشتداد التنافس في أحياء المعسكرات الأوربية القديمة وإنشاء الكتل الهجومية الدفاعية التقليدية. لماذا؟ استعداداً لحرب تلوح في الأفق. وما زالت فرنسا هي المتفوقة في هذا الميدان ولكن ألمانيا تعمل أيضا، رغم عزلتها السياسية على إنشاء معسكرها وحشد حلفائها. وقد ظفرت أخيراً بكسب بولونيا وسلخها عن كتلة الدول المتأثرة بالسياسة الفرنسية وأحداث أول ثغرة بذلك في المعسكر الفرنسي ولم تعبأ ألمانيا بفداحة الثمن الذي دفعته لتحقيق هذه الغاية وهو التسليم بالممر البولوني الذي يشق أراضيها إلى البحر. ومازالت ألمانيا تتمتع بشئ من العطف في المجر ويوجوسلافيا لأنها تشتري محاصيل البلدين. ولكن ذلك لا يمكن أن يعوض عليها خسارتها الفادحة بفقد معاونة روسيا ومحالفتها؛ وقد كان إغضاب روسيا وفقدها من اعظم أخطاء ألمانيا الهتلرية خصوصاً وان روسيا لم تتحول عن ألمانيا إلا لكي تتفاهم وتتحالف مع فرنسا ألد واخطر خصومها وروسيا السوفيتية قوة لا يستهان بها
وقد يكون من المبالغة أن يقال أننا الآن على أبواب حرب قريبة ولكن ليس من المبالغة أن نقول أننا نشهد الآن نذر الحرب القادمة ومقدماتها. ومتى هذه الحرب؟ قد تقع بعد اشهر وربما بعد أسابيع إذا تطورت الحوادث في يوجوسلافيا فجأة وافلت زمام الموقف من يد حكومة بلغراد؛ وقد لا تقع إلا بعد عامين أو أعوام قلائل إذا بذلت جهود صادقة لاتقائها أو لتأخيرها. وعلى أي حال فليس مبالغة أن نقول أننا نشهد الآن من تطورات السياسة الأوربية أقربها أشبهها بتلك المرحلة التي تقدمت الحرب الكبرى وبلغت ذروة خطورتها في صيف سنة ١٩١٤. والواقع أن أسباب الأزمة الأوربية الكبرى تجتمع وتتفاقم منذ عامين؛ وأهمها بلا ريب لخفاق مشروع نزع السلاح، والفشل الذريع الذي لقيته عصبة الأمم في حل مختلف المشاكل الدولية؛ وانهيار سياسة التفاهم الدولي والتحكيم التي بلغت ذروتها بعقد ميثاق تحريم الحرب، ولم يلبث أن ظهر عقمها من الوجهة العملية ثم قيام الحركة الهتلرية في ألمانيا وما جنحت إليه من سبل العنف والوعيد، وما أثارته في فرنسا من هواجس ومخاوف جديدة. بيد أن هذه الأسباب كلها ترجع إلى اصل واحد، هو معاهدة الصلح (معاهدة فرساي) التي لم يراع في وضعها سوى تحقيق شهوات الظافرين واطماعهم، ولم
стр. 5861
يقصد بها إلى وضع أي سلام شريف دائم، ولكن أريد بها تحطيم قوى الأمم المغلوبة وتمزيق وحداتها القومية دون مراعاة الحدود الجغرافية ووحدة العناصر وتراث التاريخ، فجاءت كالبركان الصامت يضطرم في خفاء ولكن تسري ناره تحت الهشيم وغدت اعظم عامل في إثارة الأحقاد والأطماع القومية، وخلقت مشاكل الحدود والأقليات الشائكة في طول أوربا وعرضها ومهدت إلى هذه الأزمة الشاملة التي تهب ريحها اليوم على أوربا منذرة بشر العواقب وكما أن الأزمة الدولية الكبرى التي اجتمعت أسبابها قبيل الحرب قد لقيت نذير انفجارها في مأساة سيراجيفو، فكذلك تلقى الأزمة الدولية الحاضرة نذيراً خطراً في مأساة مرسيليا، وإذا كانت الحكومة النمسا الإمبراطورية قد رأت يومئذ أن تحمل الحكومة السربية تبعات هذه الجريمة الرائعة، وان ترتب عليها من المطالب الفادحة ما ثارت له روسيا وعجل بوقوع الكارثة، فكذلك ترى حكومة بلغراد أن تحمل الحكومة المجرية تبعة جريمة مرسيليا، إنها تأوي في أرضها عدداً كبيراً من اللاجئين الكرواتيين، وتتقدم إليها بمطالب ترى فيها افتئاتاً على سيادتها؛ وقد يكون ثمة فارق بين وقع الجريمتين في سير الأزمة الأوربية، ولكن الذي لا ريب فيه هو أن جريمة مرسيليا من اخطر العوامل في تفاقمها. فسلام أوربا وربما سلام العالم في خطر لا ريب فيه، وذا تركت الأمور في مجراها الحاضر ولبثت الأحقاد والأطماع القومية على حالها مطلقة العنان، وإذا لم تتضافر القوى النزيهة المخلصة لقضية السلام وتقف سداً منيعاً في وجه هذا التيار الخطر فسوف نشهد في القريب العاجل انفجار البركان المروع مرة أخرى.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 5862
عودة. . .
بقلم جورج وغريس
(امرأة هجرها زوجها منذ امد بعيد فعاشت وحيدة مع طفلها إلى أن قضت نحبها، فذرفت عيني دمعاً التأمت قطراته في كلمات قرأها الزوج الهارب في العدد الحادي والستين من (الرسالة) ثم جاءني يسعى. . .)
في سكون الليل الرهيب طرق باب منزلي، فلما أن فتحته وجدت أمامي شخصاً لم أتبينه
قلت: من؟
قال: ألا تعرفني؟
قلت: معذرة. . فمن طبيعة الإنسان أن ينسى، ومن صفات الليل أن يسكب لوناً غير لونها
قال: صديق قديم
قلت: (مرحباً). . ثم أخذت بيده إلى غرفة الاستقبال وتحت ضوء المصباح رأيت أمامي رجلاً في الحلقة الرابعة من عمره، ترتسم الكآبة على وجهه الشاحب ويظهر عدم الاكتراث على لباسه غير المنتظم ورباط رقبته الذي يتدلى على قميصه كالخرقة البالية. . . قلبت بصري في زائري الكريم ولكنني لم اذكر تلك الصداقة القديمة التي كانت تربطني به، لذا أحسست في نفسي بشيء من الريبة والخوف. وقبل أن أقول شيئاً أو ابدي حركة اعتدل ضيفي في جلسته ثم قال:
- أماتت حقيقة. . .؟
قلت: من؟
قال: زوجتي
قلت: ماذا تعني؟ أنت اعلم بحالها، أما أنا فلا أدرك ما تقصد ولا ادري من أمرك شيئاً
قال: بل انك تدري كل شيء ولكنك تريد أن تجهلني وتجهل كل شيء وبالأمس أخرجت للناس صورتي مشوهة ممسوخة، أملاها عليك خيالك الحاقد وأعصابك الثائرة، فقد قرأت في (الرسالة). . . . . .
قلت منتفضاً: أأنت فلان. . .؟
قال: نعم
стр. 5863
قلت: معذرة. . . لقد غيرت الأيام من سحنتك وبدل الزمان من هيئتك، حتى أضحيت شخصاً غير الذي كنت اعرفه أتدري ما فعل الخريف في الشجرة المورقة الفينانة؟ أتعلم ما ينتابها من تساقط أوراقها وتراجع أغصانها وتقلص ظلالها. . .؟ أن ما يصيبها يا صديقي في تلك الآونة لأهون والله مم أصابك في خريف حياتك، ولئن كان لتلك الشجرة ربيع تستعيد فيه ما فاتها وتسترجع فيه أسباب الحياة، فهيهات أن تجد لنفسك ربيعاً يبدل من حالك بعد هذا الجدب الذي أصابها. وحسب الأيام منك الآن إنها ستقف عند الحد الذي وقفت عنده فلا هي بدافعة بك إلى الأمام لأن النمو من خصائص الطبائع الحية، ولا هي بقاذفة بك إلى الخلف لأنك في قرار الهوة. . . ولطالما مدت إليك حبال النجدة وقد فتلت من خيوط الرحمة والعطف والصفح والمروءة. ولكنك أبيت إلا أن تقطعها بأسنة الجمود والنكران والرياء والختل، فربطت مصيرين بمصيرك وقتلت نفسين وأسأت إلى نفسك
قال: مهلاً، فقد بدأتني قبل أن أبدأك، وأوغلت في القول وما تركت جارحة إلا وأرسلتها تنهش في نفسي واراني قد جئت لأغسل إهانة فأتبعتها بأخرى وأتيت لأرد سهماً فأصابتني منك سهام ولا ادري من سبب يجعلك مني في هذا الموقف العنيد سوى انك كنت تنظر بعين واحدة في قصتي وتسمع بأذن واحدة. وليس ببعيد على المرأة التي تدفع العالم بيدها الرقيقة دفعاً شديداً في غير رفق ولا هوادة أن تكون قد سكبت سمومها في نفسك فجعلت منك نصيراً لقضيتها، وهي إذ تكسبك إلى جانبها تدفعك في الواقع عن طريقها
لقد خلصت زوجتي من براثن أبيها ولكنها منذ اللحظة الأولى وهي تريد أن يصرع رأيها رأيي وان تقف رغبتها دون رغبتي، فإذا قلت قولاً أبدت نقيضه وإذا أديت فعلاً امتعضت منه، كأن الله قد جعل القبح من نصيبي في القول والفعل، أو كأنه وضع كل الجمال بين شفتيها وعلى أطراف أناملها ليكون غلافاً حسناً لكل ما تقوله أو تعمله. . . . . . أردت لها الحجاب فأعلنت السفور وأخذت عليها العناد فأنكرت عليّ هذا الحق وأحببت أن تكون كما أريد فشاءت أن تكون كما تحب. وكان لي صديق احبه واعزه ويزورني في منزلي وأتردد عليه في داره فوشت لي به وفي سورة الغضب كدت اقتله ولولا قرائن في براءته وحزم في تفكيري لكان هذا الصديق اليوم وديعة القبور وكنت أنا نزيل السجون. . . كان من اثر كل هذا أن أحسست بآمالي ترتطم بصخرة قاسية وشعرت بالأفق العريض تضيق دائرته
стр. 5864
شيئاً فشيئاً، حتى أوشك أن يجعل لي من هذه الحياة قفصاً لا حيلة لي في رد عائلته. . . فماذا كنت تريدني أن افعل يا صديقي وهذه الأسباب قد أجمعت علىّ أمرها فغلبتني على أمري. .؟ لقد وليت هارباً، ولكن ضميري ظل يضايقني باحتباسه حتى أفرجت عنه بكأس الخمر. . تلك الكأس التي أحرقت همومي أحرقتني، وأذابت ضميري وكبدي وسلبتني ولم تعطني. . . أليست تلك النار من الشعلة التي أسلمتها الشياطين ليد المرأة. .؟ انك تقدر المرأة لأنك غريب عنها ولكن اعلم يا صديقي إنها منذ القدم آلة فساد وعنصر تقلب، وأداة رياء، وكل ما في الحياة من شر إنما هو بسمة خادعة انفرجت عنها شفتا امرأة، وهذا المصير المحزن الذي انحدرت إلى أعماقه، إنما يرجع إلى تلك المرأة التي أحببتها فكرهت لي الحياة، وغمرتها بفضلي فرفعت رأسها كالحية الرقطاء. . . مرت الأيام كالأشباح الهزيلة، وأنا أهيم على وجهي إلى أن شاءت الأقدار أن تدفع إلى يدي صحيفة (الرسالة) فقرأت عن المرأة التي هجرها زوجها فماتت كظيمة الحزن دفينة الألم، وبقي طفلها على صدرها يبكي وينتحب ورأيت طرفاً من قصتي يختبئ بين سطور تلك القصة وما أن وصلت في القراءة إلى اسمك في ذيل المقال، حتى ذهب عني الشك وتذكرت جاري القديم وأخذت عليه اندفاعه في الكتابة دون تبصر أو روية. . . وها أنا قد سعيت إليك بعد أسابيع بعث الله لي فيها من تولي الدفاع عني، فقد قرأت بجوار قصتك ما كتبه الرافعي في (تربية لؤلؤية) وتابعت ما وصف به المرأة فيما تلا ذلك من أعداد فسررت أن رأيت المرأة تدفع دفعاً إلى المكان الخليق بها. . .
قلت: يشاء الجمود أن يجعل في نفسك طبيعة صخرية حتى أمام جلال الموت وتشاء تلك الطبيعة الصلدة أن تنبش قبور الراقدين في غير رحمة ولاشفقة، فزوجتك التي لفحت وجهي بأنفاسها المحترقة وهي تعاني عذاب الموت، والتي ظلت تردد اسمك إلى أن لفظت روحها تلك الزوجة المسكينة المنكودة يأبى عليها القدر القاسي أن تفوز منك وهي تحت أطباق الثرى إلا بوابل السخط واللعنة تصبه على جدث هامد لا يملك رد غائلة، ولا يقوى على دفع نازلة وهذا لعمري عداء ضاعت منه صفة الشرف. . . والمرأة مذ خلقت وهي تعاني شر هذا العداء لا لشيء سوى أن الرجل يميل بطبيعته إلى جنسه وتدفعه الأثرة إلى أن يسود نفسه ويعظم من شأنه ويحقر من أمر تلك المخلوقة التي جاءت تنازعه البقاء، فهو
стр. 5865
في عصوره الأولى كان يبعث بالمرأة طعاماً للآلهة وهو في الجاهلية كان يئد مولودته ولا يعترف لها بالحياة، وفي اليابان كان الرجل يدفع بابنته إلى أمكنة الفجور خرقة يمسح بها الرجال شهوتهم حتى تسد ديون أبيها وفي الصين كان الرجل إذا ما ولد له غلام ذكر يفرح ويتهلل أما إذا كان المولود أنثى قال مكتئباً: (لقد سقط حجر من سقف منزلي. . .)، حتى في عهود المدنية وفي مواطن الحضارة يدفع ظلم الرجل المرأة إلى ما يسمونه (الرقيق الأبيض) وهو اللطخة الدامية في الجبين الناصع وفي مصر وبلاد الشرق لا تفوز الزوجة غالباً من زوجها إلا بما تفوز به الخادم من سيدها. فهل رأيت حالة كريهة كالتي تعانيها المرأة منذ ولادتها حتى يحويها الرمس. . .؟ وأي الأمراض انفردت بها المرأة عن الرجل حتى استحقت منه هذا الجزاء. . .؟ أليست كل امرأة ابنة لرجل وزوجة لرجل وأما لرجل. . تأخذ الخلق عن أبيها وتهديه إلى زوجها وترضعه لطفلها. . .؟ فإذا فسدت المرأة أليس هذا الفساد أثراً من تهاون أبيها في تربتها. . .؟ وإذا ضلت المرأة أليس من بين الرجال من هم اشد منها ضلالاً واقبح رذيلة. . .؟ ولئن جاز للرجل أن يقول في كل ما ينتابه من مصائب: (فتش عن المرأة) إلا يجوز للمرأة أن تقول في كل ما يلحقها من أذى: (فتش عن الرجل). . .؟
واعجب العجب قولك أن الأستاذ الرافعي يدافع عنك فيما كتبه ويكتبه، وهذا لا يمكن أن يقع لأنه إنما يكتب عن عقيدته الخاصة في المرأة. ومهما فاض (السحاب الأحمر) بما توحيه إليه تلك العقيدة، ومهما جاء في كتاباته في (الرسالة) عن الحجاب والسفور فهو لا يوافقك على تلك اللطمة القاسية التي صفعت بها خد المرأة. والحجاب الذي ينادى الرافعي به في (تربية لؤلؤية) لا يمكنه أن يعيش طويلاً بعد تلك النظرة الساخرة التي ترسلها إليه مدنية القرن الحاضر، ولا ادري ولا أحد يدري ما ضر المرأة الفاضلة أن خرجت سافرة أو ما نفع المرأة الفاسقة أن قمدت متحجبة. .؟ وأي الرذيلتين اشد ضرراً، تلك التي تستتر خلف الجدار كالداء الذي يختبئ في قلب العليل لا يدركه ولا يتداركه، ام تلك التي تتكشف سافرة ويبين قبحها كالمرض الذي يظهر على صفحة الجسم، ما تلمحه العين حتى يلحقه العلاج. .؟
للمرأة عقل كما للرجل، وكذب من الصق بها العاطفة دون العقل، وألا ما حلقت في سماء
стр. 5866
العظمة أسماء جان دارك ومدام كوري وايمي جونسون. لما حكم النساء بجوار الرجال في اكبر الدول شأناً وارفعها مكاناً. فحرام أن يأخذ الرجل من كبريائه صدأ يغشى به عقل المرأة ليغرب خيالها عن ميدانه وكفى ما نعانيه لغيابها عنه من ركود في المجتمع، وشذوذ في العلائق، وخشونة في الحديث. وعقم في التفكير حتى أصبحنا أضحوكة الغرب إذ إننا نسخر من لهوه، ولا يأتي جدنا بجديد. . .
قال: يصعب على من تلدغه الحية أن يشعر نحوها بدافع من الرحمة أو العطف، وإذا صح لي أن أوافقك على بعض ما ذكرت عن المرأة فالسفور ابعد ما يكون عن تأييدي، وليكن لك فيه رأيك، ولكن دعني اكن على دين (الرسالة)
قلت: وما دين (الرسالة). . .؟
قال: الحجاب. . .
قلت: وكيف حكمت؟
قال: إلا تعلم أن مبدأ الصحيفة إنما يشتق من مبدأ كتابها، فعقيدتها هي عقيدتهم ورأيها هو رأيهم الذي ينادون به على صفحاتها. . .؟
قلت: هذا في السياسة أما في الأدب والاجتماع فمظهر النشاط فيهما هو تضارب الفكر واختلاف الرأي، والرسالة لا يمكن أن تنادي بالحجاب، ولكنها مع ذلك ميدان حر لأقلام الكتاب على اختلاف نزعاتهم. وإن كنت قد قرأت فيها للرافعي وصفه للحجاب انه (كالصدفة لا تحجب اللؤلؤة ولكن تربيها في الحجاب تربية لؤلؤية)، وقوله عن قاسم أمين انه (قد تكلف ما لا يحسن) فأغلب الظن انك لم تقرأ ما كتبه الزيات صاحب (الرسالة) عن المرأة والحجاب وهو يخالف الرافعي فيهما خلافاً بيناً؛ ففي العدد السابع من (الرسالة) تراه وهو يكتب عن شواهده (في العيد) يستنكر هذا الفتور الذي تقابل به أعيادنا في مصر والشرق، ويعزو ذلك إلى غيبة المرأة عن المجتمع وهو في ذلك يقول: (كرهنا الدور لاحتجاب المرأة، وهجرنا الأندية لغياب المرأة وسئمنا الملاهي لبعد المرأة وأصبحنا كالسمك في الماء أو الهباء في الهواء، نحيا حياة الهوام والتشرد، فلا نطمئن إلى مجلس ولا نستأنس لحديث) ولما أن همس الهامسون لما جاء في هذا المقال عاد الزيات في العدد التاسع إلى بسط رأيه ذاكراً أن (صلة الحجاب بالدين قد فرغ من توهينها العلماء من أمد
стр. 5867
طويل) وان مجتمعنا لغياب المرأة (اعرج لأنه يمشي على رجل واحدة، أشل لأنه يعمل بيد واحدة، بليد لأن حدة العواطف تنقصه، خشن لأن لطافة الأنوثة تعوزه) فهل بعد هذا تعتبر (الرسالة) نصيرة الحجاب. .؟ انك تريد أن تنتزع العطف على قضيتك من كلمات كتبها الرافعي وهي في الحقيقة لا تنفعك، وهو لو علم أن دعوته تصادف هوى في نفوس أمثالك لتحول عنها، وكان أول من ينادي بالسفور لم يحرك شفتيه بكلمة، وكان جوابه ناطقاً في عينين ساهمتين، ورأس يهتز باستخفاف، فتركته ينصرف وبه ما به من جمود وأويت إلى فراشي وبي عجب من نفس لو حادثتها حتى تشرق الشمس مرة ثم مرة فما هي بنازلة عما هي فيه من غروب وأفول.
إسكندرية
جورج وغريس
стр. 5868
خالد بن الوليد في حروب الردة
للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي
(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)
خال بن الوليد
نسبة القبائل: من المفيد أن نذكر نسبة القبائل وقرابة بعضها
لبعض. اكثر القبائل التي ارتدت عدنانية تنتسب إلى مضر
ماعدا قبيلة بني حنيفة فهي من ربيعة
والقبائل العدنانية تنسب إلى شعبين كبيرين وهما: مضر وربيعة
وشعب مضر ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية فالقسم الأول: قيس، ومنها غطفان وهوازن وسليم، والى غطفان تنسب فزارة وعبس وذبيان، وإلى هوازن تنسب ثقيف
والقسم الثاني قبيلة طابخة، واليها ينتسب بنو تميم، والقسم الثالث مدركة، واليها ينتسب بنو أسد، ومنها كنانة، واليها تنتسب قريش
أما شعب ربيعة فاشتهرت منه القبائل الآتية: عنترة وعبد قيس وبكر وتغلب وبنو حنيفة وينتسبون إلى بكر بن وائل
الموقف قبل الحركات:
التقت فلول غطفان بن فزارة وعبس وذبيان بطليحة بعد انهزامها في ذي القصة والربذة، واجتمعت مع بني أسد في بزاخة. وقد مال إليهم فرقتان من طيء وهما جديلة وغوث على ما ذكرناه سابقاً، ولم تترك هاتان الفرقتان حيهما، بل اجتمعتا في أكناف جبل سلمى، اعني بالقرب من موقع طابه في الجنوب الغربي من فيد
أما الباقي من بني طيء فظل على الحياد بسعي عدي بن حاتم.
وأما قبائل بني عامر بن صعصعة وهي في الشمال الشرقي من جبل شمر فكانت تراقب مجرى القتال، وتنتظر عاقبة المعركة لترى رأيها بعد ذلك
стр. 5869
أما بنو تميم فلم يوحدوا كلمتهم، بل كانوا منقسمين على بعضهم. وبينما كانت القبائل المرتدة على هذا النحو من تفرق الشمل واختلاف المقصد، كان خالد بن الوليد على رأس جيش متجانس صقلته الغزوات والحروب وحنكته التجارب، متأهباً للحركة عند أول أمر يصدره قائده
وكان هذا الجيش قليل العدد، غير إن كفاية قائده ضمنت له الفوز. وكلما أحرز فوزاً ازدادت قوته بانضمام المحايدين إليه، لأن الغلبة كانت تأتى لهم، وقد تم ذلك فعلاً. ويزعم بعض المؤرخين إن قوة جيش خالد كانت تبلغ ثلاثة آلاف مقاتل حين تقدم نحو طليحة. فلما تقدم نحو مسيلمة أصبحت عشرين ألفاً
الحركات:
يقول ابن حبيش نقلاً عن الواقدي إن جيش خالد بدأ بالحركات من ذي القصة في اليوم السابع والعشرين من الشهر، وهذا الشهر، أما جمادي الآخرة وأما رجب. لأن الرسول توفي في شهر ربيع الأول، وان جيش أسامة قضى في حملته شهرين، واجل حركته في الجرف مدة من الزمن، والمعلوم أن معظم قوة أسامة الفت جيش خالد فتكون المدة التي انقضت من وفاة الرسول إلى حين حركة خالد من ذي القصة ثلاثة اشهر على اقل تقدير
فزمن الحركة أما أن يقع في منتصف شهر سبتمبر وأما في منتصف شهر أكتوبر من سنة ٦٣٢ ب. م
واستعرض أبو بكر جيش المسلمين في ذي القصة وخطب في رجاله وأبان لهم الطريقة المثلى التي يجب أن يسيروا عليها،
ولفت نظر خالد إلى خطورة الاستطلاع، واخذ الحيطة عند الهجوم على أهل اليمامة، وان يجرى الحركات على التعاقب، فلا يبدأ بحركة ما لم يظفر بالتي سبقتها وان يستعمل الرمح في مكافحة الرمح، والسيف في مكافحة السيف، ثم طلب منه مراعاة المهاجرين والأنصار والرفق بمن معه
وكانت قوة الجيش تتفاوت بين أربعة آلاف وخمسة آلاف، وكان عدد الأنصار منه يربى على الخمسمائة. وكانت قوة جيش طليحة في بزاخة تزيد على خمسة آلاف، ومعظمها من بني أسد والباقي من غطفان، وكان عيينة بن حصن على رأس هذا الباقي.
стр. 5870
وكانت فرقتنا جديلة وغوث من طيء في أكناف جبل سلمى متأهبتين للالتحاق بطليحة في بزاخة، وتبلغ قوتهما زهاء ألف مقاتل. وكان بنو تميم على ما نعلم مشغولاً بعضهم ببعض، فمنهم من التحق بسجاح ومنهم من خالفها. أما بنو حنيفة فكانوا في ديارهم باليمامة معتصمين بجبالهم ومعتزين بنبيهم مسيلمة يراقبون الحوادث في نجد
خطة خالد بن الوليد
إن الطريق الأقصر الذي ينتهي بجيش المسلمين إلى بزاخة هو الطريق الذي يخترق وادي الرمة. وبزاخة واقعة في المنطقة حيث تكون أحياء طيء وأسد قد قرب بعضها من بعض فكل حركة من ذي القصة على هذا الطريق الأقصر تشجع قبائل طيء على الالتحاق بطليحة في بزاخة. ومن عادة القبائل انه إذا لم يهدد الخطر حيها تواً تتركه وتسرع إلى نجدة الأحياء الأخرى متى أغار عليها الأعداء
كذلك درس خالد الموقف وقرر أن يسلك طريقاً يهدد به بلاد طيء، فأما أن يلجأ أهلها إلى الحياد وأما أن يستميلهم إلى جانبه، وإذا ما تقدم رأساً نحو بزاخة يكون قد ترك بلاد طيء إلى جانبه الأيمن وخاطر بالهجوم على بزاخة أما إذا ضمن حياد طئ أو استمالهم إلى جانبه فيكون قد هيأ أسباب الفوز على طليحة
والأخبار تدل على أن خالداً صارح أبا بكر بخطته هذه في ذي القصة فأقرها أبو بكر وسبق أن قال لخالد: (اعلم انك إذا قاتلت اسداً وغطفان فان رجالاً منهم معك ينتظرون النصر وإذا ما رأوه حليفك كانوا معك على عدوك)
ولكي يجعل العدو يقنع بأن المسلمين قاصدون بلاد طيء قبل بزاخة يقول ابن الكلبي إن أبا بكر أمر خالداً أن يصمد لطليحة وعيينة بن حصن وهما على بزاخة، واظهر أنه ملاق خالداً بمن معه من نحو خيبر مكيدة وقد أرعب مع خالد الناس، ولكنه أراد أن يبلغ ذلك العدو فيرعبه ثم رجع أبو بكر إلى المدينة
ثم هناك خبر آخر مفاده أن أبا بكر أمر خالداً أن يبدأ بطيء على الاكناف، ثم يكون وجهه إلى بزاخة ثم يثلث بالبطاح (بني تميم) واظهر انه خارج إلى خيبر منصب عليه منها حتى يلاقي خالداً بالأكناف، اكناف سلمى، فخرج خالد فازورعن بزاخة وجنح إلى أجأ واظهر انه خارج إلى خيبر ثم منصب على طيء
стр. 5871
فهذه الأخبار تريك الخطة بوضوح إن بلاد طيء جبلية وفيها سلستان وعرتان ممتدتان على موازاة خط الحركات بين المدينة وبلاد بني أسد، وسلسلة سلمى وجبل رمان في الجنوب، وسلسلة أجأ في الشمال. والأكناف الواردة في الجنوب المذكورة هي أكناف هذه الجبال. أما أهل البلاد فمنهم من تأهب لمعونة طليحة ومنهم من بقي في أرضه يتربص وكان اعظم رئيس في القسم الأخير عدى بن حاتم مع قبائل طيء ومن الأخبار ما يؤيد أن أبا بكر بعث عدياً إلى طيء قبل حركة خالد ليدركهم
والواضح أن خالداً بخطته هذه أراد أن يسهل خطة عدي بن حاتم وان إشاعة أبي بكر في الجيش مشيره نحو خيبر يقصد الحركة نحو بلاد طيء، مما يجعل القسم المتحفز لمعونة طليحة من طيء يرجع إلى أرضه للدفاع عنها أو للبقاء على الحياد مع الباقين من طيء
والحقيقة أنها خطة ناجحة تدل على بعد نظر خالد في قيادة الجيش. والخطة تجمع بين الناحية السياسية والناحية العسكرية. وكان عيينة بن حصن الفزاري رئيس بني فزارة كما سبق يسعى لإعادة الحلف الجاهلي بين بني أسد وبني غطفان وطئ محرضاً جماعته على ذلك بقوله (والله لئن نتبع نبياً من الحلفين احب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش)
وإذا ما تم هذا الحلف يكون أمام المسلمين قوة كبيرة يصعب التغلب عليها وينحصر التدبير السياسي في إيفاد أحد رؤساء طيء البارزين لإقناع القبائل بأن يتركوا جانب طليحة ويميلوا إلى جانب المسلمين ولتسهيل هذه المهمة والقيام بحركة إغفال بالتظاهر بالهجوم على بلاد طيء
وكان التدبير العسكري يرمى إلى فصل طيء عن بني أسد وغطفان والهجوم بعد ذلك على قواتهم فتناولت الخطة إذن الأمور التالية: -
١ - القيام بحركة إغفال من المدينة في اتجاه خيبر بقصد إقناع طيء أن المسلمين متوجهون نحو بلادهم
٢ - تقدم جيش خالد على الطريق الأقصر نحو بزاخة لتظل قوات طليحة في محلها حتى لا تساعد طيئاً
٣ - ترك هدف بزاخة في منتصف الطريق والانعطاف نحو بلاد طيء لإرغام قبائل طيء على الالتحاق بالمسلمين قبل أن ينجدها طليحة
стр. 5872
٤ - بعد الوثوق من التجاء (دخالة) طيء والاستفادة من
قواتهم، التقدم بجميع القوات نحو بزاخة لضرب جيش طليحة
الحركة:
وبعد عودة أبي بكر إلى المدينة وإشاعة خبر مسيره من المدينة بالباقي من المسلمين نحو خيبر نظم خالد قواته وجعل على كل قسم منها قائداً، وكان ثابت ابن قيس على الأنصار
وتحرك خالد من ذي القصة في منتصف شهر أيلول (سبتمبر) أو شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة٦٢٢ ماراً بربذة ووادي الركبة ومنحدراً إلى وادي الرمة، وقبل أن يصل إلى منتصف الطريق مال إلى اليسار يريد بلاد طيء، ولقد نجحت حركة الإغفال التي أشاعها أبو بكر لأن طيئاً التي كانت تستهزئ بالخليفة وتكنيه بابن الفصيل صارت تخشى بأسه لما سمعت خبر تقدم جيشه نحوها، فأقنع عدي بن حاتم قبيلته وحذرها سوء العاقبة قائلاً لبني قومه: (لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم). فطلبوا منه أن يؤخر تقدم جيش خالد حتى يسترجعوا من لحق بطليحة في بزاخة وهم جديلة وغوث وآخرون
وكانوا يعلمون انهم إذا خالفوا طليحة بينما بنو جديلة وبنو غوث في بزاخة يبقيهم عنده رهائن ويجبر طيئاً على الالتحاق به وكانت حجتهم عند طليحة طلب إخوانهم من بزاخة، لأن خالداً قادم نحوهم فهم يريدون أن يستنجدوا بهم للدفاع عن بلادهم قبل أن يصل جيش المسلمين
وخرج عدي إلى خالد ولاقاه في السح، فطلب منه أن يبقى فيها مدة قصيرة حتى يتخلى من في بزاخة عن طليحة ويعود إلى بلاده فوقف خالد في السح فتفرقت غوث من بزاخة وعادت إلى بلادها فأراد خالد أن يتقدم إلى الأنسر ليلجئ جديلة إلى ترك طليحة أيضاً بيد أن عدياً طلب منه أن يتريث حتى لا يفسد عليه ما دبره فعادت جديلة أيضاً إلى بلادها وهكذا تم لخالد ما أراده فانفصلت طيء تماماً عن المرتدين وجددت إسلامها وأمدت خالدا بألف مقاتل وهكذا طبق القسم الأول من الخطة
يتبع
طه الهاشمي
стр. 5873
من أدب الحزن
وفي. . . وناكر
بقلم يوسف جوهر عطية
وإذا أرسلت روحي في الماضي ذكرتك يا رفيقي، وكانت قد أذهلتني عنك الحياة وقسوتها والأيام واضطهادها وعاد بي الفكر إلى تلك الأشبار من صحراء (الأقصر) حيث استقرت عظامك من خمس سنين. . .
ما اكفرني بحق الصداقة يا صاحبي! ما اغلظ هذا القلب اللحمي وما أقساه! كيف نسيت حباً وثقناه وعهداً قطعناه!
كنا نسير في الحياة كل يده في يد صاحبه وكل صورته في قلب رفيقه مرسومة. فلما فارقت الحياة أنكرت يدي الودّ القديم، وران على قلبي صدأ النسيان، وابتلع ظلام نفسي ذكراك. . بعد أن كان مكانك عرش، القلب، وبعد أن كانت ملكك كل النفس، وبعد أن كنت ملجأ روحي القلقة، وملاذ فكري المكدود. .
سامحني يا رفيقي فإنني إنسان والإنسان قد جبل على الغدر وفطر على النكران. . لتكن إنسانيتي عذرى لديك. ولا تقس الوفاء بمقياس أهل السماء، فإنني بعد سجين في الجسد، مأسور الروح، عبد لنواميس الحياة. كن كما كنت كريماً متجاوزاً، رفيقاً. .
أنت أنت الوفي، وأنا أنا الناكر. .
وهيا يا رفيقي نعود فنصل الحديث، ونمحو الجفاء، فأنني لحديثك مشتاق، ولسمرك ظمآن. .
كنا لا نصبر على الفراق ساعات يا صاحبي. لكن ها هي ذي عجلة الزمن تدور دورتها الطاحنة، وتباعد خمس سنين بيني وبينك ولا أعود أرى وجهك بعد أناستوطنت أنت السماء وظللت أنا مغترباً في الدنيا. لقد استرحت في قبرك، وخلفتني أعيش وحدي في هذا القبر الكبير!
لماذا عجلت ذهابك يا رفيقي!. كنا قد تعاهدنا أن نقتسم معا شقوة الدنيا وأن نستقبل متكاتفين قسوة الحياة، وأن يتقي كل بأخيه غدر القدر!. لماذا مللت وتركت صاحبك يهيم وحده!! أأعياك حمل رداء الهموم وأنت في سن الفتوة وعمر العزيمة، فآثرت الفرار من هذه
стр. 5874
الدار؟!. .
لكن لا يا صاحبي. . سامحني. إني لعارف انك لست من الذين يجبنون ويفرون، وأن الله هو الذي اختارك واصطفاك. . هو الحزن القديم النائم تحت رماد الأيام تهب عليه ذكراك فتستيقظ جمراته، وتكوى قلبي من جديد، فيضل تفكيري ويطيش منطقي، وأتهمك بما أنت منه برئ!.
كيف حالك يا صاحبي؟!. .
اكبرت أم أنت فتى كما كنت!؟. هل بقيت لك بسمتك وبهاء طلعتك، أم شاخت بسمتك وشحب محياك؟! أم أن صور الأرض غير صور السماء وأنك هناك دائم الفتوة متجدد الشباب مسترسل السرور في كنف الله؟!.
كيف حالك؟!
أين أنت الآن؟ أين تقيم روحك؟ هل أنت معذب أم منعم؟ قلق أم مطمئن؟ هل روحك في سلام؟.
رجائي قوي انك في سلام. . فقد كنت باراً وقضيت أيامك كالزهرة النقية تلثمها في النهار أشعة الشمس وتباركها في الليل أنوار النجوم. . كنت جم الفضائل. عشت وديعاً كطير الأفنان. كنت مصباح البيت في الهدى، ونبراس الخلق الكريم
إني مطمئن عليك يا رفيقي، وعارف بحظوتك عند الله، وبمقامك في جوار الملائكة. . يهنيك نصيبك. يهنيك انك تخلصت من الدنيا قبل أن تدرك نفسك المطامع وتلوثها الشهوات، وتشوهها أمراض الأغراض، وتدفعها قوى الشر في مزالق الخطيئة. لقد نجوت، وخلفتني وحيداً في الحياة، في سوق النفاق، أكابد الخسائر وأتجر بقواي، وأنفق من فضائلي وأقامر بأيامي وأصارع حظي الشقي. .
يا صاحبي. . لقد كلت قدمي. تعبت، هرمت روحي وأنا في شرخ الشباب. . وها هي ذي آلامي ترهقني فأفر إلى الماضي، وأذكرك وهأنذا ألجأ إلى حنانك كما كنت أفعل وأنت في الحياة. . هيا نجدد العهد، ونسعى إلى اللقيا في عالم الوهم؛ حتى تجمعنا الحقيقة في الخلود، فنعود إلى العزف على قيثارة حبنا القديم، ونسترد ألحاننا الضائعة. . .
يوسف جوهر عطية
стр. 5875
في الأدب الدرامي
الرواية المسرحية
في التاريخ والفن
بقلم احمد حسن الزيات
المأساة العصرية أو الدرامية
كانت كلمة الدرام تطلق على جميع الأنواع التمثيلية، حتى خصصها المحدثون بنوع جديد عرفه قاموس المجمع العلمي الفرنسي بأنه (قطعة مسرحية نثرية أو نظمية تخلط المأساة بالملهاة، وتبرز الموضوع الجدي في المعرض الفكه، وتقبل كل نمط من الأشخاص والأخلاق واللهجات). وتكميلاً لهذا التعريف نضيف إليه كلمة قالها (هجل) وهي: (إنها نوع وسط غير مستقر، يعني بدقائق الحياة الداخلية ومشاكلها، وصور الحياة الخارجية ومناظرتها، وتتميز من المأساة الاتباعية البسيطة الساذجة بكثرة أشخاصها، وغرابة حوادثها، وتعدد مفاجآتها، وتعقيد العمل فيها إلى حد الارتباك والغموض). أما أرباب المذهب الابتداعي ومن قبلهم شكسبير فلم يكتفوا بتأليفها وتمثيلها، وإنما وضعوا لها القواعد وشرعوا لها المناهج، وقالوا إن الدرامة صورة صادقة مؤثرة للحقيقة بل هي الحياة نفسها: هي الهوى يعمل ويتكلم ويحكم ويفكر بصوت جهير أمام الجمهور السامع
إن المأساة لم ترد أن تتنزل عن أفق الأبطال والسراة والملوك، والملهاة قصرت نفسها على وصف عيوب الأوساط، أما الدرامة فهي أتم واعم واصح، لم تفضل فريقاً على فريق، ولم تؤثر طبقة على طبقة، فهي تسوى بين الملوك والسوقة، وتمزج البسمات بالعبرات، وتستمد التاريخ والقصص والحكايات والخرافات، لا تستثنى شيئاً ولا تحتقر شخصاً، ولا تحصر نفسها في ضيق القواعد والتقاليد، فموضوعها الإنسانية بأسرها. أما اليوم فقد اختلفت على هذا النوع الأسماء والتعاريف لتشعب مناحيه، وتعدد مذاهبه، واتساع مجاله، واختلاف أطواره. فكان يسمى أولاً: الرواية الجدية الهزلية - ثم المأساة الحضرية ثم المأساة الشعبية ثم الملهاة الجدية وهم يطلقون عليها الآن اسم الدرامة الحديثة، أو الدرامة فقط. ولا نجد ابلغ في الكشف عن حقيقة الدرامة مما كتبه عنها زعيمها وابن
стр. 5876
بجدتها فكتور هوجو في مقدمة (كرومويل) نستعين بتلخيصه لك على شرح هذا النوع الطريف الذي يعدونه الآن افضل الأنواع واكمل الأشكال للتمثيل فوق المسرح الحديث؛ لأنه باختياره الأشخاص من كل الطبقات، وتفضيله التأثير في الحواس على تحليل الشهوات كان اكثر أنواع المأساة ملاءمة للذوق الديمقراطي الغالب اليوم. قال هوجو ما محصله: النظارة أصناف ثلاثة: النساء والخاصة والعامة؛ فالعامة يطلبون من الرواية العمل أو الحادث، والخاصة يطلبون منها الخلق أو الدرس، والنساء يطلبن منها الشهوة والهوى. لأن العوام يبتغون من المسرح التهيج، والخواص يبتغون منه التفكر، والنساء يبتغين منه التأثر؛ وغرض هؤلاء جميعاً اللذة: فالعامة تريد لذة النظر، والخاصة تريد لذة العقل والمرأة تريد لذة القلب. ولكل منهم الحق فيما يبتغي ويريد ومن ثم كانت روايات هوجو ثلاثة أنواع مختلفة: أحدها عامي سوقي، والآخران شريفان رفيعان، وفي ثلاثتها حاجة المسرح وكفاية الناس. فللعوام المأساة العامية (الميلودرام) التي تصف لهم الفظائع، وللخواص الملهاة التي تصور لهم الأخلاق، وللنساء المأساة التي تحلل لهن الأهواء. وربما تدخل بعض هذه الأنواع في بعض، فقد يوجد في السوقة من يتذوق الجمال ويتطلب الكمال ويغرق في التخيل، وفي السراة من يطلب غير الأدب لطف الشعور، وفي النساء من تبتغي مع التأثر رياضة الذهن. فغرض الدرامة إذن هو تصوير الأخلاق بخلق الأشخاص وتمثيلهم على المسرح تبعاً لشروط الأشخاص لبيان أخلاقهم وتوضيحها، واستخراج الحياة الإنسانية من هذه الأخلاق والأهواء التي تتصادم وتتلاحم، فتنتج الوقائع الكبيرة والصغيرة، والحوادث المحزنة والمضحكة، التي تنطوي على لذة القلب يسميها الناس منفعة، وعلى عظة للعقل يسميها الحكماء حسن خلق. فبان من ذلك أن الدراسة تأخذ من المأساة تحليل الأهواء والشهوات، ومن الملهاة تصوير الأخلاق والعادات. فهي الشكل الثالث من أشكال الصناعة الأدبية، وهو أكبرها وأعمها، لأنه يشمل الشكلين الأولين فيمزجهما ويشرحهما. ولو لم يوجد شكسبير بين كورني وموليير فمد يسراه إلى الأول ويمناه إلى الثاني، لبقي كل منهما بعيداً عن الآخر فبوجوده التقت الملهاة بالمأساة التقاء الموجب بالسالب في الكهرباء، فحدث من التقائهما شرارة هي الدرامة
ثم مضى هوجو بعد ذلك في بيان حقيقة الدرامة من جهة الفلسفة التاريخية نحيلك عليه إذا
стр. 5877
شئت، ونكتفي نحن هنا بما أجملناه من كلامه
فالدرامة إذن كل نوع، وترتضى كل شكل، مادامت تضمن التأثير في المشاعر والخواطر والقلوب، وهي تسلك لهذه الغاية اسهل الطرق واقرب السبل. فلها في الطفولة المعذبة، والشيخوخة العاجزة، والزمانة المعدمة، والكرم في الأملاق والقحط واليأس، مواقف قوية التأثير شديدة الروعة؛ وفي المستشفيات والسجون والأحياء الفقيرة العاملة مسارح للرعب والرحمة، لها من البيان والتأثير ما يغنى المؤلف الذي يعرضها للأنظار والأفكار عن تكلف الأداء وتجشم البلاغة
إن المصائب المنزلية، والحوادث الاجتماعية، لا تدهشنا حقيقة كما تدهشنا مصائب الملوك ومخاطر الأبطال وحوادث القصور، ولكنها تؤثر فينا كل التأثير لاتصالها بنا واقترابها منا؛ وإذا كان افضل الأنواع أمتعها للجمهور، واشدها أثراً في الكثرة، فان الدرامة تفوق المأساة بهذه المزية، وتفضل الأنواع جميعاً بقوة الجاذبية، وإذن يكون كورني وراسين وفولتير قد جهلوا فن التأثير، وسهروا الليالي الطوال في البحث عنه في الطبقات العليا، والحوادث الكبرى، وهو منهم على طرف الثمام لو نظروا في الطبقة الدنيا وفكروا في الحياة العامة، ولو كان هؤلاء حقيقة قد جهلوا قوة الدرامة وسهولتها فما بال الإغريق واللاتين لم يتوسلوا بهذه الوسائل القريبة إلى التأثير والجاذبية؟ وما بال شكسبير وهو أمام الروائيين غير مدافع لم يختر موضوعاته من حياة الشعب، وفضل جرائم الملوك ونكباتهم على جرائم السوقة ونكبات العامة؟ الحق إن الإغريق كانوا يعلمون علم اليقين إن في الناس من كبابه الجد فألقاه في مراغة الذل والبؤس فأعسر بعد اليسر، وهان بعد العز، ولكنهم كانوا يجهلون أو ينسون أن الملوك هم أيضاً غرض لسهام القدر، وأن المرء مهما عظم قدره لا يعظم على النوائب ولا يكبر على الإحداث، وأن خطوب الدهر لا تخص بفتكها طبقة، دون طبقة فاستفادوا من المسرح هذا الدرس النافع والعظة البالغة، كذلك كانوا يعلمون أن في الناس المأفون والشهوان والخبيث والمجرم، ولكنهم كانوا يجهلون أن الملوك أيضاً فيهم الأفن والشهوة والخبث والأجرام، وان نتائجها فيهم افظع وافجع منها في السوقة، فاستنتجوا من المسرح أن الشعب مأخوذ بجرائر الملوك، فأخذوهم بالحزم وحسن السياسة، بله ما كان عليه الناس في الأزمان الخالية من تنزيه الملكية، وتقديس البطولة، وازدراء الشعب. فلما
стр. 5878
ابتذلت أفنية الملوك، وعلت كلمة الشعوب، وغلب نظام الديمقراطية، احتقر الناس مصائب الخاصة، ورأوا أن الأهواء والأرزاء تنصب فخاخها لكل الناس، وان الواقع فيها من أي طبقة ومن أي بيئة يصح أن يكون عبرة ونكالاً لغيره. حينئذ اخذ الكتاب يدرسون العامة، ويعلمون الجمهور بتحليل نفسه وتعليل جرمه، ويثقفون خلقه بتصوير نقصه ووصف عيبه، فيحاربون العيب بالخوف من السخر والخشية من الخجل، والجريمة بالفزع من وخز الضمير الذي يصحبها والقصاص الذي يعقبها، والهوى بوصف ما يجره من الآلام والمخاطر والمصائب، ووجدوا الحال تقتضي نوعا جديدا من الرواية يلائم حال الاجتماع ونظام الحكومة ورقي الفكر، فكانت الدرامة وليدة هذا الانقلاب وسداد هذا العوز
على أن التأثير والجاذبية لم يكونا يوماً ما من أغراض المسرح في الأمم المثقفة المستنيرة، وإنما كان التمثيل عندهم كالخطابة، يجذب ليهذب ويعلم، ويؤثر ليقرر ويفهم. وما التأثير إلا وسيلة من وسائله لا غاية من غاياته. فالدرامة التي لا تعلم ولا تهذب تكون من المأساة بمثابة المهزلة من الملهاة. ولا شك إن المهزلة تضحك الجمهور اكثر مما تضحكه ترتوف والمستوحش، والدرامة التي من هذا النوع تبكيه اكثر مما تبكيه (سنا) و (اتالي)، ولكنه إذا ظل مائة سنة يضحك ويبكي لهذه المناظر، فأية فائدة يستفيدها، واية فكرة يكتسبها ويستزيدها؟
فالدرامة القوية هي ما وضعت في قلب الرجل علل حوادثه وبواعث عمله، فتجعله شقياً بزلته، مشفياً على الخطر بغفلته؛ وهي لذلك تطلب مؤلفاً يكون ثاقب الفكر صادق النظر قوي الملاحظة خصب المخيلة عميق الإحساس بليغ الأسلوب جيد الاختيار؛ وموضوعاً يجمع بين التأثير والإفادة وبين الابتذال والصيانة وبين الغرابة والسذاجة، فلا يكون عقيماً ولا سقيماً ولا سوقياً ولا شعرياً ولا متكلفاً؛ وعملاً يكون سيره نشيط الحركة موزون التدرج محكم التعقيد بارع الحل؛ وعادات حضرية أو شعبية تكون مع موافقتها للحق غير ساقطة ولا جافية؛ ولهجة بسيطة تلائم الأشياء والأشخاص، فتكون صحيحة سهلة نقية ذكية شاعرة لا تعلو على الموضوع، ولا تسفل إلى درك التعمل والركاكة. وتلك مطالب أعيت أولى القرائح الكليلة، فانصرفوا إلى الجانب الأسهل منها، واخذوا يلتمسون التأثير في الجمهور بعرض الحوادث المنتزعة من الحياة العامة لتغنيهم بفظاعتها عن إجادة الكتابة وإجالة
стр. 5879
الفكر، ويبنون هذا الرأي السخيف على قاعدتين خاطئتين: أولاهما أن كل جذاب من القول والفعل صالح للمسرح، وأخراهما أن كل ما أشبه الطبيعة جميل، وكل تقليد صادق لها حسن. لا أنكر إن لا شئ يلوع القلب ويمزق الحشا مثل أن ترى بيتاً متهدماً تسكنه امرأة كريمة عدا عليها الفقر ومسها الضر وجاز بها الدهر حد اليأس والفاقة؛ وأنا زعيم لك بأنك تغرق الناس بالدمع، وتضرم الأنفاس بالحزن، إذا عرضت على العيون منظر هؤلاء الأطفال يتضاغون من الجوع ويطلبون إلى أبيهم المسكين كسرة من الخبز وهو لا يستطيع، ومثلث دموع تلك الأم ترى رضيعها يلفظ أنفاسه في حجرها من السغب وهي لا تملك له حياة ولا نفعاً، ولكن ارني ذلك الشعب الغليظ الكبد الذي يلهيه ويسليه مثل هذه المناظر؟ وأية فائدة تجدها في هذا المصاب الأليم العقيم الذي فجع هذه الأسرة وهي لم ترتكب خطأ ولم تقترف اثماً؟ آلمني، ولكن لتعلمني كيف احتاط لنفسي من الوقوع في مثل هذا الضرر والذي اشهده. مثل لي أسرة بائسة أوقعها بين مخالب البؤس والفاقة عيب أصيل في نفسها، وهوى دخيل في قلبها، فان الألم الذي يتالني من رؤية هذا المنظر يعوضني منه ذلك الدرس الذي أستفيده من شهود ما يجره الهوى التحكم والعيب المتأصل من الأذى والمضرة: استفيد ان الإنسان حر في اتقاء مثل هذا المصاب، وان أسبابه من العيب والهوى والغفلة والضعف لم تكن أدواء لازمة ولا محتومة، أما الحرق والغرق والزلزال والوباء وكل ما يصيب المرء من غير كسبه ولا اختياره فلا استفيد من رؤيته غير الألم العقيم والهم الخالص
ان فضل الكاتب وجمال المسرح هما في عرضهما ما نود ان نكونه لا ما نحب أن نتأثر به. ومهما يكن الشيء العامي المبتذل مؤثراً فلا بد ان يكون على المسرح أسمى وأروع مما أستطيع أن أراه واسمعه من شباك بيتي، فان بين الأشياء المؤثرة كذلك تفاوتاً وتفاضلاً وتخيراً. وليس في الحياة موضوع يصح ان يكون روائياً بنفسه إذا قلدته على علاته ونقلته بجميع صفاته؛ فقد تجد فيه من الطول والفضول والنقص والسخف ما يخجلك إذا حكيته، ويأفنك إذا مثلته ان مهارة الكاتب القصصي في ان يجعل الموضوع طريفاً لذيذاً ومهارة الكاتب الروائي في ان يبسطه ويزخرفه فيحذف منه البارد الغث ويضيف إليه ما يزيد في تأثيره وحدته وجدته وطرافته بحيث يكون شبه الحقيقة وهيئتها لا صورتها ولا نسختها
стр. 5880
والحال في الأعمال مثل الحال في الأقوال: فان الكاتب الذي يكتب كما يتكلم ليس بكاتب. إذ كل لغة من لغات الناس فيها الشريف الحر والرقيق الأنيق، كما إن فيها السوقي والحوشي والفج. والذوق وحده هو الذي يصفي العبارة من اللغو، وينقى الأسلوب من الغثاثة، كما يعزل الغربال الزوان والحصا من الحب الصحيح. ذلك ما نعقله ونقبله؛ أما نقل ما ترى وحكاية ما تسمع بما فيه من سماجة وفضول واقتضاب، على انه صورة الطبيعة ورسم الحقيقة، فتلك حجة يلجأ إليها الأدعياء ليدرأوا عن أنفسهم معرة الضعف في الاختيار والعىّ عن الابتكار والعجز عن التجديد والتوليد
بعد ما تقدم نستطيع ان نجمل القول في المأساة العصرية بذكر الفروق بينها وبين المأساة القديمة فنقول: إن الدرامة تجمع بين الجد والهزل والسرور والحزن والاحتشام والتبسط والضعة والرفعة، وتختار أشخاصها من كل طبقة وبيئة، وتقتبس موضوعها من حياة العامة او العصور الوسيطة أو العصر الحديث. أما المأساة فكلما علمت تزدري الموضوعات القومية والعصرية، وتختار موضوعاتها من الأساطير أو من التاريخ القديم، وتعنى على الخصوص بالعالم الداخلي من الإنسان، فتبحث عن أخلاقه وعواطفه واهوائه، فهي تضع على المسرح نفوساً بدل ان تضع اشخاصاً، ولا تعنى مطلقا بالرياش المسرحي ولا باللون المحلى، وتقصد كل القصد في تعقيد العمل الروائي؛ ولكن الدرامة لا تحفل إلا بالعالم الخارجي من المرء، والجزء المادي من المسرح، وتبالغ في رعاية الرياش والزخرف، وترجع التأثير في الحواس على التأثير في الذهن، وتحرص على أن تظهر الأشخاص في لباس الزمن الذي عاشوا فيه وتسمهم بعادات بنيه، وتؤثر تعقيد العمل وتحرج المواقف على وصف الأهواء وتصوير العواطف. ثم إن المأساة تخضع لقانون الوحدات الثلاث ولا تجيز نجوى النفس. ولذلك خلقت الأنجياء ليسارهم الأشخاص بما يفكرون؛ ولكن الدرامة تحلنت من سلطان الوحدات الثلاث فلم تبق إلا وحدة العمل، وأسرفت في إيراد النجوى على السنة الأشخاص الأصليين فياضة بالأسلوب الوجداني فقضت بذلك على الانجياء
يتبع
الزيات
стр. 5881
فقيد الأدب التونسي
أبو القاسم الشابي
ولد سنة ١٩٠٩ وتوفي سنة ١٩٣٤
ثكلت تونس، بل الأدب العربي عامة، أديباً عبقرياً فذاً كان منتظراً منه - لو امتدت حياته - ان يكون كوكباً لامعاً في سماء الأدب العربي الجديد، بل دعامة قوية ترتكز عليها المدرسة الحديثة للشعر العصري. ذلك هو الشاعر المبكى على شبابه أبو القاسم الشابي
ولد أبو القاسم الشابي عام ١٩٠٩ في (مدينة توزر) عاصمة الواحات التونسية الجميلة بالجنوب، من إسرة ذات مجد، وكان أبوه الشيخ محمد بن أبي القاسم الشابي قاضياً شرعياً تنقل بوظيفته في مدن مختلفة. وهو من قبيلة كبيرة ذات تاريخ حافل تدعى الشابية
أما حياة الشاعر الفقيد فليس فيها من الحوادث ما بهم كثيراً لقصرها، فلم يتخط فجر شبابه الغض، ولم يطو الخمسة والعشرين عاماً بعد؛ إلا أن هذه الفترة الصغيرة في تاريخ نموه الفكري ذات خطر عظيم، ذلك أن المذهب الذي ذهب إليه في نظم أشعاره مذهب فذ لم يظهر منه في الشعر العربي إلا النادر
وليس في مراحل تعلمه التي قطعها بغاية الفوز والنجاح شئ غير عادي، فهو كأمثاله الكثيرين قد حفظ القرآن في طفولته، والتحق بجامع الزيتونة بتلقى علوم العربية على الأساليب القديمة من المتن والشرح والحاشية، وعلوم الشريعة الإسلامية كالفقه والأصول والتوحيد، إلى أن كان الامتحان النهائي فتخطاه عام ١٩٢٦ ونال الشهادة المسماة بالتطويع
والتحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق التونسية فاجتاز امتحاناتها وحصل على إجازة الحقوق، ثم لم يتركه مرض الصدر يتمم دراسته، فانقطع عن التعلم من ذلك الحين والتفت إلى معالجة هذا المرض العضال الذي معه يغاديه ويراوحه حتى ذهب في يوم ٨ أكتوبر بحياته الغضة
لم يدرس أبو القاسم لغة أجنبية، ولم يكن له من الزمن ما يسع طول الدرس ومطالعة المترجمات، فقد كان أطباؤه ينهونه عن كد ذهنه والاشتغال بالأعمال الفكرية، وتلك لعمري آية عبقريته النادرة، ومعجزة نبوغه الفريد
كان جباراً متمرداً على القديم، وكان في الوقت ذاته رقيق الإحساس مشبوب العاطفة، لا يستمرئ المنازعات والمشاكسات، فكان من جراء ذلك تفاعل بينه وبين بيئته، تلمح آثاره
стр. 5882
واضحة في أشعاره
فقد كانت مطالعاته الأولى في الأدب العربي بالمهجر الأمريكي، فاستأسره أسلوب زعيم تلك المدرسة المرحوم جبران، وكانت أشعاره الأولى ذات نزعة جبرانية في الأسلوب. وكان يقول الشعر منظوما ومنثورا، ولكنه كان اعمق روحاً وابعد قراراً. وكانت موضوعاته في فلسفة البؤس والشقاء، والتبرم بالحياة ومتاعبها
على أننا إذا قلنا إن أبا القاسم قد تأثر بمدرسة جبران فلا بد لنا أن نتحفظ، فقد تزود ﵀ من الأدب العربي القديم طائلة، مكنته من إخضاع التعابير الفصيحة لمعانيه الجديدة بما يميزه من غيره، ومما لم يكن من ظواهر تلك المدرسة التي تذهب أحياناً وراء حرية التعبير عن حوالج النفس مذاهب يخرجها عن سنن العربية وقواعدها الأولية
ثم إن شاعرنا كان مفتوناً بالآداب الغربية، يتهافت على قراءة كبار عباقرة الغرب الذين ترجمت أشعارهم وآدابهم ويدرسها بروية حتى تأثر بها وخالجت روحه، وربما تعجب قراؤه كثيرا حينما يعلمون انه لا يقرأ إلا اللغة العربية لجهله بغيرها
ويمكنك ان تدرك سعة اطلاعه على الأدب العربي القديم وأحاطته بجميع ما ترجم إلى العربية من نفائس الأدب الغربي، إذا اطلعت على مؤلفه الذي أخرجه منذ سنوات تحت عنوان (الخيال الشعري عند العرب) فمن مطالعة هذا الكتاب الذي هو عبارة عن دراسة مستفيضة على طريقة النقد العصرية للأدب العربي في جميع عصوره، ومقارنة للأدب الغربي في كثير من أعلامه تدرك مبلغ تفوقه ونبوغه
قلنا أن أبا القاسم كان ينزع في أوائل أمره نزعة تشاؤم وتبرم بالحياة، على ان سخطه هذا لا شئ فيه من الضعف والرخاوة، فهو يعاتب الدهر وكأنه ندّ له في كبرياء وجبروت ينمان عن حب الحياة في أعماق نفسه، حتى انه لم تدم شكواه طويلاً، فتجلت روح التمرد والقوة في قصائده الأخيرة التي منها (نشيد الجبار) وقد نشرت في أحد أعداد (يوليو) ومنها قصيدة (البعث) وستظهر في ديوانه، أودعها كل ما في نفسه من حب للحياة وتطلع إلى مثلها العليا في أسلوب رائع فريد
ولا نستطيع أن ننسى أن للصدمات التي اعترضته أثراً عميقاً في صهر نبوغه واستقلال فنه، كما انه قضى مدة أربعة اشهر في وحدة شعرية بديعة بين جبال (عين دراهم)
стр. 5883
وغاباتها، وهي من اجمل بلاد تونس منظراً وسحراً، فخرج بشعر طبيعي نادر
رحم الله أبا القاسم الشابي، وعوض الأدب العربي عنه خيراً
نموذج من شعر الفقيد
اصطدم أبو القاسم الشابي بشعور بيئته الراكدة، وضايقه المتزمتون الجامدون، فضاق الشاعر ذرعاً ونفس عن قلبه الحساس بهذه القصيدة الرائعة:
النبئ المجهول
أيها الشعب ليتني كنت حطا - يا، فأهوى على الجذوع بفأسى!
ليتني كنت كالسيول إذا سا - لت تهد القبور رمساً برمس. .
ليتني كنت كالرياح. . فأطوي … كل ما يخنق الزهور بنحسي
ليتني كنت كالشتاء. . أغشى … كل ما اذبل الخريف بقرسي
ليت لي العواصف ياشع - بي فألقى إليك ثورة نفسي. .
ليت لي قوة الأعاصير. . لكن … أنت حي يقضي الحياة برمس. .
أنت روح غبية تكره النو - ر وتقضى الدهور في ليل ملس
أنت لا تدرك الحقائق ان … طافت حواليك، دون مسّ وجس
في صباح الحياة ضمخت أكوا - بي وأترعتها بخمرة نفسي. .
ثم قدمتها إليك، فأهرق - ت رحيقي ودست يا شعب كأسي!
فتألمت. . ثم اسكت آلا - مي وكفكفت من شعوري وحسي
ثم نضدت من أزاهِير قلبي … باقة لم يمسها أي إنس
ثم قدمتها إليك، فمزق - ت ورودى ودستها إي دوس
ثم البستني من الحزن ثوباً … وبشوك الصخور توجت رأسي
. . ها أنا ذاهب إلى الغاب يا شع - بي لأقضى الحياة وحدى بيأسي
ها أنا ذاهب إلى الغاب علىّ … في صميم الغابات ادفن نفسي. .
ثم أنساك ما استطعت فما أ - نت بأهل لخمرتي ولكأسي
سوف أتلو على الطيور أنا - شيدي وأفضى لها بأحزان نفسي
стр. 5884
فهي تدري معنى الحياة وتدرى … أن مجد النفوس يقظة حس
ثم أقضي هناك في ظلمة اللي - ل وألقى إلى الوجود بيأسي
ثم تحت الصنوبر الناضر الحلو … تخط السيول حفرة رمسي
وتظل الطيور تلغو على ق - بري ويشدو النسيم فوقى بهمس
وتظل الفصول تمشى حوالي … كما كن في غضارة أمسي
أيها الشعب أنت طفل صغير … لاعب بالتراب والليل مغسي
أنت في الكون قوة لم تسسها … فكرة عبقرية ذات بأس
أنت في الكون قوة كبلتها … ظلمات العصور من أمس أمس
والشقي الشقي من كان مثلى … في حساسيتى ورقة نفسي
هكذا قال شاعر ناول الشع - ب رحيق الحياة في خير كأس
فأشاحوا عنها ومروا غضابا … واستخفوا به وقالوا بيأس:
(قد اضاع الحياة في ملعب الجن (م -) فيا بؤسه اصيب بمس!)
(طالما خاطب العواصف في اللي - ل وناجى الأموات في كل رمس)
(طالما حدث الشياطين في ال - وادي وغني مع الياح بجرس)
(انه ساحر تعلمه السحر الشيا - طين كل مطلع شمس)
(ابعدوا الكافر الخبيث عن الهي - كل ان الخبيث منبع رجس)
(اطردوه ولا تصيخوا إليه … فهو روح شريرة ذات نحس)
هكذا قال شاعر فيلسوف … عاش في شعبه الغبى بتعس
جهل الناس روحه وأغاني - ها فساموا شعوره سوم بخس
فهو في مذهب الحياة نبي … وهو في شعبه مصاب بمسّ!
هكذا قال ثم سار إلى الغا - ب ليحيى حياة شعر وقدس
وبعيداً هناك في معبد الغا - ب الذي لا يظله اى بؤس
في ظلال الصنوبر الحلو والزي - تون يقضى الحياة حرساً بحرس
في الصباح الجميل يشدو مع الطي - ر ويمشى في نشوة المتحسي
نافخاً نايه، حواليه تهتز (م) … ورود الربيع من كل قنس
стр. 5885
شعره مرسل تداعبه الري - ح على منكبيه مثل الدمقس
والطيور الطراب تشدو حوالي - هـ وتلغو في السرو من كل جنس
وتراه عند الأصيل لدى الجد - ول يرنو للطائر المتحسى
أو يغنى بين الصنوبر أو ير - نو إلى سدفة الظلام الممسي
فإذا اقبل الظلام وأمست … ظلمات الوجود في الكون تغسى
كان في كوخه الجميل مقيما … يسأل الكون في خشوع وهمس:
عن مصب الحياة، أين مداه؟؟ … وصميم الوجود، أيان يرسي؟؟
وعبير الورود في كل واد … ونشيد الطيور حين تمسى. . .
وهزيم الرياح في كل فج. . . … ورسوم الحياة من أمس أمس. .
وأغاني الرعاة، أين يواري … ها سكون الدجى، وأيان تمسى؟. .
هكذا يصرف الحياة ويفنى … حلقات السنين حرساً بخرس
يالها من معيشة، في صميم ال - غاب تضحى بين الطيور وتمسى!
يالها من معيشة، لم تشبها … نفوس الورى بخبث ورجس!
يالها من معيشة، هي في الكو - ن حياة غربية ذات قدس. .
تونس
حسن سبالة
следующие страницы →