Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
فقيد الأدب التونسي
أبو القاسم الشابي
ولد سنة ١٩٠٩ وتوفي سنة ١٩٣٤
ثكلت تونس، بل الأدب العربي عامة، أديباً عبقرياً فذاً كان منتظراً منه - لو امتدت حياته - ان يكون كوكباً لامعاً في سماء الأدب العربي الجديد، بل دعامة قوية ترتكز عليها المدرسة الحديثة للشعر العصري. ذلك هو الشاعر المبكى على شبابه أبو القاسم الشابي
ولد أبو القاسم الشابي عام ١٩٠٩ في (مدينة توزر) عاصمة الواحات التونسية الجميلة بالجنوب، من إسرة ذات مجد، وكان أبوه الشيخ محمد بن أبي القاسم الشابي قاضياً شرعياً تنقل بوظيفته في مدن مختلفة. وهو من قبيلة كبيرة ذات تاريخ حافل تدعى الشابية
أما حياة الشاعر الفقيد فليس فيها من الحوادث ما بهم كثيراً لقصرها، فلم يتخط فجر شبابه الغض، ولم يطو الخمسة والعشرين عاماً بعد؛ إلا أن هذه الفترة الصغيرة في تاريخ نموه الفكري ذات خطر عظيم، ذلك أن المذهب الذي ذهب إليه في نظم أشعاره مذهب فذ لم يظهر منه في الشعر العربي إلا النادر
وليس في مراحل تعلمه التي قطعها بغاية الفوز والنجاح شئ غير عادي، فهو كأمثاله الكثيرين قد حفظ القرآن في طفولته، والتحق بجامع الزيتونة بتلقى علوم العربية على الأساليب القديمة من المتن والشرح والحاشية، وعلوم الشريعة الإسلامية كالفقه والأصول والتوحيد، إلى أن كان الامتحان النهائي فتخطاه عام ١٩٢٦ ونال الشهادة المسماة بالتطويع
والتحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق التونسية فاجتاز امتحاناتها وحصل على إجازة الحقوق، ثم لم يتركه مرض الصدر يتمم دراسته، فانقطع عن التعلم من ذلك الحين والتفت إلى معالجة هذا المرض العضال الذي معه يغاديه ويراوحه حتى ذهب في يوم ٨ أكتوبر بحياته الغضة
لم يدرس أبو القاسم لغة أجنبية، ولم يكن له من الزمن ما يسع طول الدرس ومطالعة المترجمات، فقد كان أطباؤه ينهونه عن كد ذهنه والاشتغال بالأعمال الفكرية، وتلك لعمري آية عبقريته النادرة، ومعجزة نبوغه الفريد
كان جباراً متمرداً على القديم، وكان في الوقت ذاته رقيق الإحساس مشبوب العاطفة، لا يستمرئ المنازعات والمشاكسات، فكان من جراء ذلك تفاعل بينه وبين بيئته، تلمح آثاره
стр. 5882
واضحة في أشعاره
فقد كانت مطالعاته الأولى في الأدب العربي بالمهجر الأمريكي، فاستأسره أسلوب زعيم تلك المدرسة المرحوم جبران، وكانت أشعاره الأولى ذات نزعة جبرانية في الأسلوب. وكان يقول الشعر منظوما ومنثورا، ولكنه كان اعمق روحاً وابعد قراراً. وكانت موضوعاته في فلسفة البؤس والشقاء، والتبرم بالحياة ومتاعبها
على أننا إذا قلنا إن أبا القاسم قد تأثر بمدرسة جبران فلا بد لنا أن نتحفظ، فقد تزود ﵀ من الأدب العربي القديم طائلة، مكنته من إخضاع التعابير الفصيحة لمعانيه الجديدة بما يميزه من غيره، ومما لم يكن من ظواهر تلك المدرسة التي تذهب أحياناً وراء حرية التعبير عن حوالج النفس مذاهب يخرجها عن سنن العربية وقواعدها الأولية
ثم إن شاعرنا كان مفتوناً بالآداب الغربية، يتهافت على قراءة كبار عباقرة الغرب الذين ترجمت أشعارهم وآدابهم ويدرسها بروية حتى تأثر بها وخالجت روحه، وربما تعجب قراؤه كثيرا حينما يعلمون انه لا يقرأ إلا اللغة العربية لجهله بغيرها
ويمكنك ان تدرك سعة اطلاعه على الأدب العربي القديم وأحاطته بجميع ما ترجم إلى العربية من نفائس الأدب الغربي، إذا اطلعت على مؤلفه الذي أخرجه منذ سنوات تحت عنوان (الخيال الشعري عند العرب) فمن مطالعة هذا الكتاب الذي هو عبارة عن دراسة مستفيضة على طريقة النقد العصرية للأدب العربي في جميع عصوره، ومقارنة للأدب الغربي في كثير من أعلامه تدرك مبلغ تفوقه ونبوغه
قلنا أن أبا القاسم كان ينزع في أوائل أمره نزعة تشاؤم وتبرم بالحياة، على ان سخطه هذا لا شئ فيه من الضعف والرخاوة، فهو يعاتب الدهر وكأنه ندّ له في كبرياء وجبروت ينمان عن حب الحياة في أعماق نفسه، حتى انه لم تدم شكواه طويلاً، فتجلت روح التمرد والقوة في قصائده الأخيرة التي منها (نشيد الجبار) وقد نشرت في أحد أعداد (يوليو) ومنها قصيدة (البعث) وستظهر في ديوانه، أودعها كل ما في نفسه من حب للحياة وتطلع إلى مثلها العليا في أسلوب رائع فريد
ولا نستطيع أن ننسى أن للصدمات التي اعترضته أثراً عميقاً في صهر نبوغه واستقلال فنه، كما انه قضى مدة أربعة اشهر في وحدة شعرية بديعة بين جبال (عين دراهم)
стр. 5883
وغاباتها، وهي من اجمل بلاد تونس منظراً وسحراً، فخرج بشعر طبيعي نادر
رحم الله أبا القاسم الشابي، وعوض الأدب العربي عنه خيراً
نموذج من شعر الفقيد
اصطدم أبو القاسم الشابي بشعور بيئته الراكدة، وضايقه المتزمتون الجامدون، فضاق الشاعر ذرعاً ونفس عن قلبه الحساس بهذه القصيدة الرائعة:
النبئ المجهول
أيها الشعب ليتني كنت حطا - يا، فأهوى على الجذوع بفأسى!
ليتني كنت كالسيول إذا سا - لت تهد القبور رمساً برمس. .
ليتني كنت كالرياح. . فأطوي … كل ما يخنق الزهور بنحسي
ليتني كنت كالشتاء. . أغشى … كل ما اذبل الخريف بقرسي
ليت لي العواصف ياشع - بي فألقى إليك ثورة نفسي. .
ليت لي قوة الأعاصير. . لكن … أنت حي يقضي الحياة برمس. .
أنت روح غبية تكره النو - ر وتقضى الدهور في ليل ملس
أنت لا تدرك الحقائق ان … طافت حواليك، دون مسّ وجس
في صباح الحياة ضمخت أكوا - بي وأترعتها بخمرة نفسي. .
ثم قدمتها إليك، فأهرق - ت رحيقي ودست يا شعب كأسي!
فتألمت. . ثم اسكت آلا - مي وكفكفت من شعوري وحسي
ثم نضدت من أزاهِير قلبي … باقة لم يمسها أي إنس
ثم قدمتها إليك، فمزق - ت ورودى ودستها إي دوس
ثم البستني من الحزن ثوباً … وبشوك الصخور توجت رأسي
. . ها أنا ذاهب إلى الغاب يا شع - بي لأقضى الحياة وحدى بيأسي
ها أنا ذاهب إلى الغاب علىّ … في صميم الغابات ادفن نفسي. .
ثم أنساك ما استطعت فما أ - نت بأهل لخمرتي ولكأسي
سوف أتلو على الطيور أنا - شيدي وأفضى لها بأحزان نفسي
стр. 5884
فهي تدري معنى الحياة وتدرى … أن مجد النفوس يقظة حس
ثم أقضي هناك في ظلمة اللي - ل وألقى إلى الوجود بيأسي
ثم تحت الصنوبر الناضر الحلو … تخط السيول حفرة رمسي
وتظل الطيور تلغو على ق - بري ويشدو النسيم فوقى بهمس
وتظل الفصول تمشى حوالي … كما كن في غضارة أمسي
أيها الشعب أنت طفل صغير … لاعب بالتراب والليل مغسي
أنت في الكون قوة لم تسسها … فكرة عبقرية ذات بأس
أنت في الكون قوة كبلتها … ظلمات العصور من أمس أمس
والشقي الشقي من كان مثلى … في حساسيتى ورقة نفسي
هكذا قال شاعر ناول الشع - ب رحيق الحياة في خير كأس
فأشاحوا عنها ومروا غضابا … واستخفوا به وقالوا بيأس:
(قد اضاع الحياة في ملعب الجن (م -) فيا بؤسه اصيب بمس!)
(طالما خاطب العواصف في اللي - ل وناجى الأموات في كل رمس)
(طالما حدث الشياطين في ال - وادي وغني مع الياح بجرس)
(انه ساحر تعلمه السحر الشيا - طين كل مطلع شمس)
(ابعدوا الكافر الخبيث عن الهي - كل ان الخبيث منبع رجس)
(اطردوه ولا تصيخوا إليه … فهو روح شريرة ذات نحس)
هكذا قال شاعر فيلسوف … عاش في شعبه الغبى بتعس
جهل الناس روحه وأغاني - ها فساموا شعوره سوم بخس
فهو في مذهب الحياة نبي … وهو في شعبه مصاب بمسّ!
هكذا قال ثم سار إلى الغا - ب ليحيى حياة شعر وقدس
وبعيداً هناك في معبد الغا - ب الذي لا يظله اى بؤس
في ظلال الصنوبر الحلو والزي - تون يقضى الحياة حرساً بحرس
في الصباح الجميل يشدو مع الطي - ر ويمشى في نشوة المتحسي
نافخاً نايه، حواليه تهتز (م) … ورود الربيع من كل قنس
стр. 5885
شعره مرسل تداعبه الري - ح على منكبيه مثل الدمقس
والطيور الطراب تشدو حوالي - هـ وتلغو في السرو من كل جنس
وتراه عند الأصيل لدى الجد - ول يرنو للطائر المتحسى
أو يغنى بين الصنوبر أو ير - نو إلى سدفة الظلام الممسي
فإذا اقبل الظلام وأمست … ظلمات الوجود في الكون تغسى
كان في كوخه الجميل مقيما … يسأل الكون في خشوع وهمس:
عن مصب الحياة، أين مداه؟؟ … وصميم الوجود، أيان يرسي؟؟
وعبير الورود في كل واد … ونشيد الطيور حين تمسى. . .
وهزيم الرياح في كل فج. . . … ورسوم الحياة من أمس أمس. .
وأغاني الرعاة، أين يواري … ها سكون الدجى، وأيان تمسى؟. .
هكذا يصرف الحياة ويفنى … حلقات السنين حرساً بخرس
يالها من معيشة، في صميم ال - غاب تضحى بين الطيور وتمسى!
يالها من معيشة، لم تشبها … نفوس الورى بخبث ورجس!
يالها من معيشة، هي في الكو - ن حياة غربية ذات قدس. .
تونس
حسن سبالة
стр. 5886
على قبر الفردوسى
للدكتور عبد الوهاب عزام
أبا القاسم اسمع ثناء الوفود … تنظّم فيك عقود الدرر
أبا القاسم اسمع نشيد الخلود … يرتِّلُهُ فيك كلُّ البشر
أبا القاسم اسمع لسان الزمان … بخلدك، وهو الضنين، أقرّ
فهذى اللغات وهذى السِّمات … وهذى الوفود وتلك الزُّمَر
تترجم عن عرض واحد … ويدركها في مداك الحصَر
تُطيف بقبرك صرح العلاء … وباب الخلود ومثوى الظَفر
فيالك قبراً قريب المدى … تظل العقول به في سفر
ويالك قبراً كعين البصي … ر يحوي العوالم منها الصغَر
ويالك قبراً غدا طلسما … وراءك كنز الخلود استتر
ويالك سطراً بقرآنه … تضيق الحياة ويفنى العمر
ويالك بيتاً سما شِعره … بمعنى الحياة ولفظ الحجر
وأحجاره كحروف الهجا … ء كل المعاني بها تُسطر
إمامَ البيان وربَّ القريض … وأصبرَ مَن للقريض صبر
وسبّاقَ حَلبته في الورىْ … ورب الحجول بها والغُرر
وناظمَ عقد على نظمه … تخر الدهور وما يندثر
نظمت الكتاب كتاب الملوك … وما هو إلا سجلّ القَدَر
طويت الزمان وأحداثه … بأوراق ونشرتَ العِبَر
فما جام جمشيد إلا كتابُ … ك يجلو الأقاليم فيه البصر
فيالك من شاعر نابغ … عظيم الحياة جليل الأثر
ويالك من شاعر رابح … وكم شاعر في الورى قد خسر
ثلاثين عاماً نسجت القريض … حليف الهموم أليف السهر
ثلاثين عاماً مضت للفناء … بهن اشتريت خلود الدهَر
لقد صدّق الدهر ما قلتَ في … كتاب الملوك بغيب النظر:
стр. 5887
بنا هاي أباد كردد خراب … بحرّ ذُكاَء وصوب المطر
بي افكندم أز نظم كاخي يلند … على الرياح والقطر ما إن يخرّ
مضى ملك محمود في الذاهبين … وملكك في الدهر ما يندثر
رضاه شاه حسبك من ناصر … لقدرك بعد للقرون قَدَر
يسيّر ذكرك في الخافقين … مسير ذُكاء ومسرى القمر
طوينا البحار وشُمَّ الجبال … وجُردَ القفار وأَيْكَ الشجر
يطير بنا الشوق ملء القلوب … ويُحلي حديثك مُرَّ السفر
وفي مصر كنت نجيّ الكتاب … بليغ العظات وحلو السمر
وها أنا في طوس يَدَيْ … ك يبهر نفسي جلال بهر
فهبية ذكراك روع الفؤاد … ومشهد حفلك يُخسى البصر
يضيق عليَّ مجال الكلام … ويشرد عنيَ سِرْب الفكَر
ويذهب شعري ذهاب الحباب … على لجة البحر حين زخر
هر تانكس كه دار دهش وراي ودين … عليك الثناء الجميل نثر
وما شاعر أنا كفء المديح … فأهدي إليك الثناء الأغر
ولكن سحابك أحيا المواتَ … وما بالإدارة ينمو الزهر
خلدت على الدهر في الخالدين … وخلَّدَ شعرك من قد غبر
ودوّى قريضك في الخافقين … يغنّي البُداة به والحضر
وروحك فردوسه في السماء … وقبرك فردوس من قد شعر
طوس
عبد الوهاب عزام
стр. 5888
البريد الأدبي
العيد الفضي
عزيزي الزيات
في افتتاحية العدد الماضي أسميتم العيد العشرين للجنة التأليف العيد الفضي. وإن جاز أن يكون في هذه التسمية متسع لاختلاف الآراء، فأني أرى الأولى تسمية بالعيد الصيني، وذلك جرياً على العادة القديمة في بعض الأمم، واتباعاً للمراسيم المألوفة عندهم في الأعراس. فقد اصطلحوا على أن يهدوا للعروسين في ذكرى العرس السنوية الأولى شيئاً مصنوعاً من الورق، وفي الذكرى الثانية شيئاً مصنوعاً من (البفتة)، وفي الثالثة شيئاً من الكتان، وفي الرابعة شيئاً من الحرير، ويتلو هذه الخشب فالحلوى فالزهر فالجلد فالقش فالقصدير فالعقيق، إلى آخر قائمة طويلة يعني باستظهارها من لا يزال يعني بتلك المراسيم ولاسيما التجار. ومن اشهر تلك الأعياد العيد العشرين ويهدى فيه الخزف الصيني، فالخامس والعشرين وتهدى فيه الفضة، فالثلاثون ويهدى فيه اللؤلؤ، فالأربعون وهديته الياقوت، فالخمسون وهو الذهبي، ثم الخامس والسبعون وهو الماسي؛ ومن بلغه فقد عمر دهراً طويلاً. ولاشك أن ربط هذه الأشياء بهذه الأزمان منشؤه في كل حالة خاصة غير واضح، ولكن نستطيع أن نقول على وجه التعميم انه يمت من قريب أو بعيد إلى ما كان يعتقد القدماء في المعادن والجواهر من يمن أو شؤم. حتى لتجدهم إلى اليوم يخصون الفصول والأيام، حتى والساعات بأحجار كريمة خاصة تدر على لابسها، أو الأرجح لا بستها، كل خير وبركة، فالزمرد حجر الربيع لخضرته، والياقوت الأحمر حجر الصيف لان لونه من النار، والياقوت الأزرق للخريف، والماس للشتاء ولونه من لون الثلج، يأخذ النور ويشع بالنور
احمد زكي
الأدب اليوجوسلافي في مختلف أطواره
كثر الحديث أخيراً عن يوجوسلافيا وأحولها لمناسبة مأساة مرسيليا التي ذهب ضحيتها الملك إسكندر. وكان للناحية الأدبية نصيب من تلك الأحاديث؛ فنشرت مجلة (الأخبار
стр. 5889
الأدبية) مقالاً ضافياً بقلم الكاتب السربي ايفو باربتش عن الأدب اليوجوسلافي في مختلف العصور نلخصه فيما يأتي:
ليوجوسلافيا حضارة قديمة وأدب قديم. وترجع آثار الأدب السربي والكرواتي والسلوفيني القديم إلى القرنين العاشر والحادي عشر؛ وظهرت في القرن الحادي عشر أول آثار باللغة السلافية القديمة بقلم كيريل وميتود رسولي الأدب السلافي، وبلغت الحضارة اليوجوسلافية ذروتها في عصر (نيماجنا)؛ وهرع إلى الأديرة القديمة كثير من شباب الأشراف والأمراء، يعيشون في تقشف، ويدرسون الآداب البيزنطية والنصرانية القديمة، ويترجمون آثارها الخالدة إلى السربية القديمة. وبعد الفتح التركي (سنة ١٣٨٩) دخلت الآداب اليوجوسلافية في طور جديد، وسادة فيها مثل البطولة والعناصر الشعبية والغنائية، وبلغت ذروة هذه المرحلة في القرن التاسع عشر، ولفتت نظر الغرب بشاعريتها القوية المؤثرة التي تقص آلام شعب مهيض وتستوحي ماضيه المجيد، وتدعو إلى تحريره من نير الغاصب
وقامت إلى جانب هذه الحركات الأدبية العامة حركة أدبية محلية في البلقان وعلى ساحل البحر الأدرياتيك في القرنين الخامس عشر والسادس عشر تحت رعاية الحضارة البندقية. فكانت مدينة راجوزا مركزاً لحضارة سربية زاهرة، ونبغ بها عدة شعراء سربيين مثل منتشتش، ودرزتش، وجيورجتش. وبلغ شعر راجوزا غاية ازدهاره بالشاعر جوندلتش صاحب الأثر الشعري الخالد (عثمان)؛ وهي قصيدة قومية كبيرة، تضطرم وطنية، ويطبعها وحي الآداب الرومانية والنصرانية القديمة. وكان للدرامة والكوميدية والشعر الريفي نصيب كبير في هذه الحركة. وتردد صدى هذه النهضة الأدبية الزاهرة في كثير من المدن الساحلية الأخرى مثل زارا، وسبلاتو؛ ونبع بها عدد كبير من الشعراء والكتاب؛ كما ترددت في بلاد الكروات والسلوفين
على أن هذه المظاهر الأدبية كانت تنقصها الوحدة والتناسق حتى القرن التاسع عشر. وكان اعظم العاملين على تحقيق هذه الوحدة الكاتب الكبير فوك كرادجتش الذي لبث زهاء نصف قرن يناضل في سبيل وحدة اللغة الأدبية يؤازره جماعة من أنصاره وتلامذته، فكتب أجرومية اللغة الأدبية، وألف قاموساً، ووضع قواعد جديدة للإملاء. وكتب اوبرادفتش كتباً شعبية كثيرة يدلل بها على وحدة الأصل الذي تنتمي إليه العناصر السربية المختلفة، وكانت
стр. 5890
زغرب عاصمة كرواتيا مهداً خصيباً لهذه الحركة الفكرية الجديدة، وفيها ظهر لودفيت جاي وجمهرة من الكتاب الذين يعملون على تحقيق هذه الوحدة الأدبية
وكان ذلك بدء الأدب اليوجوسلافي الحديث، وقد بدأ هذا الأدب متأثراً بالطابع الساذج القديم، ولكن مشرباً بروح الأدب الغربي الحديث، وكان زعماء هذا العصر نيوجوخ أعظم شاعر يوجوسلافي وصاحب الديوان الشهير (غار الجبل) ومازورانتش الكرواتي، وبرشرن السلوفيني، ونستطيع أن نذكر من الشعراء المعاصرين دوتشتش، وشانتشتش، وراكتش، ونازور، وكيت. ونبغ أيضاً عدد من القصصيين متأثرين بالأدب الروسي والفرنسي، ومنهم ليوبيشا، ولازارفتش، وسرماك، وكوزاراك، ولكوفار، وكانكار
وامتاز عصر ما بعد الحرب باضطراب فكري عظيم؛ وأبدى الجيل الشاب ميلاً جديداً لمتابعة الغرب في نزعاته نحو الأدب والفن؛ وظهرت في حلبة الآداب اليوجوسلافية الفكر القومي والدولي والاشتراكية الجديدة، أو بعبارة أخرى كانت النزعة الثورية تطبع أدب هذه المرحلة، بيد أن هذه النزعة قد اختفت اليوم، وعاد الكتاب والشعراء يعملون في هدوء لإخراج الآثار الأدبية الباقية. ومن زعماء الحركة الأخيرة مشش ودراجان، وهما اللذان جمع حولهما الشباب، لمكافحة النزعة الواقعية التي مازال يدافع عنها أساتذة جامعة بلغراد. وثمة حركة أخرى ربما كانت أكثر رسوخا وهي حركة (التعبير) التي يتزعمها فنافر، ثم مانيولفتش الذي ترك الشعر ليكتب القصة والقطع المسرحية. ومن أقطاب حركة التعبير أيضاً راستكو، وكريانسكي، وهو قصصي شاب يبشر بمستقبل عظيم، وله تلاميذ ومقلدون كثيرون؛ وملادنوفتش الذي أثار بعنف دراماته كثيراً من النقد وبجدا نوفتش الناقد الكبير
على أن هناك عدداً من الكتاب الذين استطاعوا أن يحتفظوا برزانتهم بعيداً عن التأثر بأزمة ما بعد الحرب؛ ولهؤلاء آثار تمتزج فيها النزعة الواقعية بالطابع الإبداعي. وهنالك صفوة من الكتاب والنقدة يجمعهم (نادي القلم) ويكونون ما يمكن أن يسمى (أرستوقراطية أدبية).
وقد تأثرت الحركة الأدبية بالأزمة الاقتصادية الأخيرة، وأحجم كثير من دور النشر عن إخراج المؤلفات الجديدة. بيد إنها أزمة مؤقتة لا يلبث أن يتغلب عليها الجيل الشاب بنشاطه وحيويته الفتاة.
стр. 5891
عيد اللغة الألمانية
تحتفل الدوائر العلمية الأدبية في ألمانيا بمرور أربعمائة سنة على نشوء اللغة الألمانية الحديثة وترجمة الإنجيل إلى الألمانية. ولم تكن ألمانيا قبل أربعمائة عام تتمتع بلغة موحدة؛ وكانت اللغة اللاتينية ما تزال سائدة في الكنيسة والإدارات الحكومية، بل كان الشعب نفسه يجد في اللاتينية مثله الأعلى في الأدب والثقافة. ففي أوائل القرن السادس عشر ظهرت حركة الإصلاح الديني (البروتستانتية) على يد زعيمها مارتن لوتر، فكانت إيذاناً بقيام اللغة الألمانية الموحدة. وكان الشعب الألماني يتكلم عندئذ عدة لغات متقاربة ترجع كلها إلى أصل جرماني؛ فدرس لوتر هذه اللغات مع أصدقائه وتلامذته، واستخراج منها لغة عامة يتقارب الجميع في فهمها، واتخذ عمادها لغة ألمانيا الوسطى (سكسونية) التي ينتمي إليها، فأنشأ بذلك في الواقع لغة جديدة هي أصل اللغة الألمانية الحديثة، وكانت اكبر أداة في إذاعة هذه اللغة الموحدة ترجمة الإنجيل؛ ترجمه إليهالوتر، وعانى في هذه الترجمة صعابا لا تحصى. وقضى في إخراجها زهاء اثني عشر عاماً. وكان أثناء ذلك يلقي خطاباته ويخرج رسائله وكتبه باللغة الجديدة التي أختارها.
ولما ظهرت ترجمة الإنجيل الجديدة في سنة ١٥٣٤ في فتمبرج، كان ظهورها ظفراً عظيماً في الكنيسة وفي الأسرة معاً، وكان فجر اللغة الألمانية الجديدة. وطبع إنجيل لوتر أربع عشرة مرة في كل مرة ثلاثة آلاف نسخة، وذاع في طول البلاد الألمانية وعرضها، وأقبل الشعب على قراءه وحفظه، وبدأت الشعوب الألمانية المختلفة تتبادل التفاهم والتعامل بالغة الموحدة. وإنجيل لوتر هو الأصل الأول الذي تقوم عليه اللغة الألمانية المعاصرة مع شيء من التغيير والتطور، ومازالت لغته مفهومة لجمهرة المثقفين والمتعلمين.
في الأكاديمية الفرنسية
نقص عدد الخالدين أعضاء الأكاديمية الفرنسية في هذا العام خمسة، فأصبحوا اليوم خمسة وثلاثين بدلاً من أربعين؛ فحلت مقاعد بريمون وكاميل جوليان والماريشال ليوتي ثم بارتو وبوانكارية بالوفاة تباعاً. ولم تشهد الأكاديمية الفرنسية منذ أمد بعيد مثل هذه الثغرة في كراسيها. والمعروف أن المرشح لكرسي جوليان هو جورج دوهامل، ولكن ينافسه ليون
стр. 5892
بيرار؛ وأما المرشح لكرسي بوانكارية فيقال انه سيكون مسيو دومرج الذي خلف مسيو بوانكارية في رياسة الجمهورية ثم في رياسة الحكومة
وكان انتظام بوانكارية في الأكاديمية في التاسع من ديسمبر سنة ١٩٠٩ في الكرسي الذي خلا بوفاة أميل جبهار. واستقبله المؤرخ الكبير ارنست لافيس مدير الأكاديمية يومئذ بهذه الكلمات التي تعود فتتردد اليوم: (إن ذكاءك يجعلك على اتصال مع عمال الفكر جميعاً. فأنت ضوء من أضواء المحاماة، وأنت ضوء من أضواء البرلمان؛ وان الأكاديمية الفرنسية لتستقبلك باسطة الذراعين. ثم إن فيك قوة، وقد تغدو هائلة، يوم تعتقد أن السياسة تتطلب رجالها)
стр. 5893
القصص
ورقة النصيب
للأستاذ محمد سعيد العريان
جلس إسماعيل على المعقد الخشبي بجانب غرفته على السطح، يغني في حنين الواجد ولهفة المشتقات بعض أغنيات بلاده، ويتابع بعينه الشمس الغاربة منحدرة انحدارها اليومي، كأنها جمرة كبيرة تطفأ في النيل.
كان يعيش وحده في هذه الغرفة من منزل كبير في حي (بولاق) يشرف من بعد على النيل فكانت سلوته وانسه أن يجلس ببابها عصر كل يوم، من لدن عودته من المدرسة حتى يعم الظلام؛ ثم ينهض فيسرج مصباحه ويكب على مصوراته ودفاتره
وقد انحدر منذ عام واحد من بلدة في الصعيد الأدنى عقب حصوله على شهادة (الكفاءة) ليطلب العلم بمدرسة الفنون
كم كان مفتوناً بالقاهرة قبل أن يهبط إليها، ولوعاً بها أشد الولع. ولعله لم يمعن في الجد والدأب للحصول على الشهادة، إلا لأنه كان موعوداً أن يرسل إلى القاهرة إن جاز الامتحان!
فلما هبط إليها إذا هي تتضاءل وتتضاءل على الأيام، حتى لم تعد إلا هذا الحي العتيق الذي يسكنه، وهذه الطريق الملتوية التي يسلكها كل يوم بين مدرسة والبيت، وهذا السطح الذي يشرف منه على أطلال الحلم السعيد - أطلال القاهرة التي عرفها في الخيال، واستمتع فيها بلذة المنى ووهم الحب ودنيا الشباب!
وكم كان يتمنى أن يتيح له الحظ ليلةً سعيدة من تلك الليالي العابثة التي عاشها في القاهرة أول ما هبط إليها! ولكن. . . ولكن من أين له المال؟
انه ما يزال يذكر في لهفة وشوق الليالي السعيدة؛ وما يزال يذكر أيضاً في ألم وحسرة انه احتمل مما انفق في تلك الليلات ما لم تكن به طاقة، من ألم الجوع وذل الحرمان، وأبى أن يكتب لأبيه يومئذ انه فارغ اليد مما أسرف على نفسه
وقنع من أحلامه بهذه السكنى الهادئة، وبأن يعيش من الجنة في ظل حائطها الفينان. وعرف فيه بنات الدار شاباً جم الحياء، عفيف اللسان والنظر؛ فألفن الصعود إلى السطح
стр. 5894
في الأصيل يستمعن إلى ترجيع أغانيه في طرب ونشوة، ثم يتفرقن قبل أن يزحف الظلام وألف إسماعيل أن يراهن كل يوم، وان يبادلهن الحديث البريء في شؤون وفنون. . . وزال الحجاب بينهما على الأيام
وأطال إسماعيل الجلوس يومئذ حتى غابت الشمس، ولم تصعد واحدة. ترى ماذا منعهن الليلة، وقد اعتدن واعتاد منذ شهر أو يزيد - منذ سكن هذا الدار - أن يجالسهن جميعا أو أشتاتا، ساعةً أو بعض ساعة كل مساء؟. . . ومد الظلام رواقه على القاهرة، وعلى قلب المبعد اللهفان
ودخل غرفته فأشعل مصباحه وبسط دفتره، فإذا هو لا يكاد يرى، وإذا الكلمات والسطور تتلوى أمام عينيه، كما تشاهد فرقة زنجية راقصة. . .!
وطوى دفاتره وارتدى ثيابه وخرج إلى الطريق؛ كانت الليلة ليلة الجمعة، فلم يجد حرجا أن يقضيها في السينما. . ووقف ببابها متردداً وهو يحصي النقود في جيبه، وعيناه تتبعان المارة أزواجاً وجماعات، وهو وحده من بينهم لا يتأبط إلا همه! ليته كان يستطيع أن يدعو واحدة من صديقاته في الدار إلى نزهة، فيصحبها ذراعا إلى ذراع في الطريق كهؤلاء الذين يرى! ولكن من أين له، من أين له المال؟
كم يكفيه ليقضي ليلة سعيدة في صحبة فتاة؟ لقد عرف القاهرة الآن عرفاناً تاماً، فلا سبيل إلى أن يخدع سيشاهد معها السينما في شرفة ذات أستار، ويتعشيان معاً في مطعم فاخر، ثم يستقلان سيارة إلى الهرم، ويشتري لها كل ما تهفو نفسها إليه في الطريق، وبعدئذ. . وبعدئذ يعودان إلى الدار
وفرغ من حسبته وهو يبسط أصابعه ويطويها يحصي ما انفق، وعيناه تأخذان كل من يمر به. . جنيه، جنيه واحد سيمنحه سعادة ليلة! وسخر من نفسه حين انتهى إلى ذاك: من أين له الجنيه؟
ومر به غلام يبيع الجنيهات بالقروش؛ يبيع النصيب! ومد إسماعيل يده فأعطى البائع قرشاً، وتناول ورقة فطواها بعناية ووضعها في جيبه؛ كأنما هو يطوي الجنيه الذي سيصل بين يقظته وأحلامه. ثم عاد إلى البيت فلم يشهد السينما
لم يفكر في شيء من أمره تلك الليلة، فنام ملء عينه وملء بطنه! ورأى أباه في الرؤيا
стр. 5895
بجلبابه الأسود الفضفاض، وعمامته التي تكبس أذنيه وبعض وجهه؛ جالساً بين غرائر الفول على ظهر المركب المبحرة إلى الشمال، يحصي ربحه ونفقاته، وقد اغبرت لحيته وعلا التراب كتفيه. ونهض في الصباح فنسى كل ما كان من أمره. وصعدت إحدى صواحبه إلى السطح لبعض شأنها، فحياها وحيته وهو يبتسم، كأنه يخفي عنها مفاجئة سارة. وعادت الفتاة وعاد إسماعيل إلى شئونه
وأوقد النار وراح يهيئ الفول بيده على طريقة بلاده؛ سوف لا يتغذى في المدرسة هذا اليوم لأنه يوم عطلة، وفي فطوره الفول ما يغني عن الغداء، فلا تختل ميزانيته اليوم!
ومر يومان وراح يكشف عن بخته بين أوراق النصيب. . . وترقب الفتيات أن يسمعن غناءه فيصعدن إليه، ولكنه لم يعد، واستقل أول قطار إلى الصعيد. . .
مائة جنيه! يا للبخت! لم تكن أحلامه لترتفع إلى ذاك! إنها لثروة. وقسم النقود قسمين، واشترى حافظه ثمينة فوضع فيها بعض ما ربح، وخاط جيبه على الباقي. . . لقد دبر أمراً ليخدع أباه، حتى لا يحرمه المال كله!
وخرج الشيخ متولي من المسجد يداعب سبحته بيده ويتمم بالتسبيح والدعاء، وهو في هم لمقدم ولده من غير داعية. . . وقبل الفتى يد أبيه، وقال له وهو يبتسم:
- الحمد لله على سلامتك يا ابي، لقد كنت مشتاقا إليك!
- مشتاقاً إلي! وهل جئت من اجل ذلك؟ حسبتك رجلا إسماعيل!
- نعم. . . ولكن. . .
لكن الرجل يجب أن يكون على قوة احتمال وصبر، ولست ولدي إن لم تكن رجلاً
- بلى، وإنما قدمت لأمر. . .
- أي أمر؟
- لقد ربحت خمسين جنيهاً فرأيت أن أجعلها عندك!
- خمسين جنيهاً؟
- نعم!
وانبسطت أسارير الرجل، وداعبت شفتيه ابتسامة، واتسعت حدقتاه، وعاد يقول:
- ومن أين لك رأس المال؟ لم تخبرني من قبل انك في تجارة!
стр. 5896
- لقد ربحت ورقة نصيب!
- وي! ورقة نصيب؟ قمار؟ ميسر؟
واستوى عوده، وانكمشت يده واختلجت شفتاه، ثم قال:
- لا لا، ويحك! لا تجمعها في مالي، إنني رجل شريف، إن مالي من عرق جبيني فلا أريد أن يمحقه المال الحرام!
- أبي!
- اسكت! قم فردا إليهم، دعهم يفرقونها على أصحابها المساكين، من يد كم بائس اجتمعت القروش حتى عادت خمسين جنيهاً؟ إنهم يخدعون الجهال البائسين فيسلبونهم القروش القليلة التي يملكونها، ليوهموهم أنهم سيقاسمونهم بعض ما يجمعون؛ بعض ما يسرقون!
- وهل يمكن. . .
- يمكن أو لا يمكن، فلن أجعلها في مالي، إنا ملونة، قذرة، هل تعرف من أين اجتمعت؟
- لا أعرف
- المال الحلال يعرف دائماً مأتاه. . .
كان قلب الولد يضحك ووجهه عابس، ولم تنته المناقشة بينهما إلى حد؛ فقد تحرج الشيخ الورع أن يضم ربح (الميسر) إلى ماله، ولكنه لم يسأل نفسه عما سيفعل ولده بالمال
وعاد إسماعيل إلى القاهره، ولكنه لم يعد إلى داره إلا بعد ليال ثلاث. . وأطل الفتيات من خلف الباب يشهدن إسماعيل عائداً إلى الدار، يصعد الدرج في زهو وكبرياء، وعليه حله جديدة، وفي عينيه فتور ينبئ أنه قضى ليله سهران
وترامى إليهن غناؤه من فوق السطح أكثر حناناًوفتنة، كما بدا هو أكثر مرحاً ونشاطاً مما كان. وتبادل الفتيات النظر، ثم ولجن غرفهن وغلقن الأبواب
لم تحاول واحدة منهن أن تصعد إليه بمرأى صواحبها، فقد بدا لهن مما تغير من هيئته وحركاته كأنه شخص آخر غير إسماعيل الذي يعرفنه ويثقن بعفته وأدبه، وكأنما ألقى اليهن جميعاً معنى واحد، فخجلن أن يبدوا له، وإن أخذت كل واحدة منهن تؤمل أن تجد فرصة من غفلة رفيقاتها لتصعد إليه وحيدة
وسبقتهن (حكمت) إلى ذاك، ولكنها لم تظهر له أو لواحدة منهن أنها تعمدت أن تصعد
стр. 5897
واستقبلها إسماعيل ضاحكا، وهز يدها بلطف، وجلسا يتبادلان الحدب. ثم افترقا على ميعاد. . . ووجد الفتى تعبير رؤياه، وكان حلماً أشرق عليه الصبح، فأتمته اليقظة التي تصنع الأحلام
ولكنه لم يقنع بسعادة ليلة، وعاد يتعرف القاهرة من جديد، القاهرة التي فتنت قبل أن يراها، والتي ذاق فيها من ألم الحرمان أكثر مما ذاق من لذة الوهم؛ وراح ينتقم لشهوات نفسه التي قمعها على ألم وضيق عاما وبعض عام
ونفذت دراهمة
لم تجر سفينة الشيخ متولي مجراها كما كانت، فركدت ريحه، وأدبرت أيامه، وعادت الحياة تقتضيه مضاعفة الجهد وبذل الموفور
وجلس إسماعيل مع أبيه ذات يوم صائف بباب متجره، ومر بائع النصيب؛ وتحلب لعاب الفتى وطارت أمانيه إلى هناك؛ إلى القاهرة ولياليى القاهرة؛ وإلى حكمت وصواحب حكمت! ولكنه أفاق من حلمه إذ رأى ذراعه إلى ذراع أبيه. . .
والتفت فإذا الغلام واقف، وإذا أبوه يخرج من جيبه أوراقا يكشف بينها عن بخته، ثم يمزقها ويلقيها، وإذا هو يشتري غيرها فيطويها ويجعلها في جيبه، ليضم صدره على أمل جديد. . .! وتباله الفتى فنهض من مجلسه ليخفي ابتسامة ساخرة، وعلى طرف لسانه كلام. . .
لم يعد الشيخ متولي يسأل نفسه: من أين اجتمعت هذه الجنيهات التي يحاول أن يشتريها بالقروش! فلعله كان يعلم أنها اجتمعت من قروشه الكثيرة التي أداها هو إلى بائعة البخت، منذ تعلم أن يحاول شراء البخت بالمال. . . منذ ربح ولده. . .!
وضحك (إبليس) من الشيخ متولي وهو يمزق الأوراق ويشتري غيرها، وقال لشيطان وهو يعلمه:
(أنظر هذا الأبله؛ ما أرسلت إليه ابنه إلا برسالتي، فقد علقته الحبالة. حسب الإنسان الضعيف أن أربه الحرام مرة؛ فهذا أول عملي في طبيعته)
قال الشيطان الصغير (ثم بعد ذلك؟) قال المعلم (بعد ذلك - أيها الأبله - طبيعته. . .!)
محمد سعيد العريان
стр. 5898
الشاعر والوردة
في سنة ١٢٥٧ ميلادية في إحدى قرى ألمانيا على ضفة نهر الرين، كان البارون أوتودي سيد المقاطعة مشهوراً بين قومه بثروته الطائلة وأحكامه القاسية
جمع هذا الرجل كل ما ملك من ذهب وجواهر ووضعها في صناديق مفتوحة في قاعة تحت الأرض، وكانت الشمس تدخل هذه القاعدة من ثغرة في نهايتها فتضيء بأشعتها هذه الجواهر الغالية
وكان البارون يجد تسلية لا تعد لها تسلية في السماح لمن يشاء أن يدخل تلك القاعة ويملأ جيوبه من المال بقدر ما يستطيع على ألا يستغرق في ذلك إلا مقدار ما تدق الساعة عشرة دقات، فإذا انتهت المدة ولم يخرج الرجل اعتبره سارقاً ما يحمله من جواهر وحكم علية بالرق مدة حياته. فكان يطمع في هذا المال كثيرون كل يوم، وكان عدد عبيد البارون يزداد بقدر عدد الذين طمعوافي ماله لأنه لم ينج من هذه الأحبولة أحد. وهذا ما كان البارون يتوقعه؛ ولم تخيب الأيام ظنه مرة واحدة
ففي ذات يوم مر على القصر هذا البارون شاعر مطبوع، وشاب مشهور بين قصور أمراء ألمانيا في ذلك الحين بجماله ورقة شعور ورخامة صوته ومهارته البالغة في الضرب على القيثاره. وكان يقضي حياته منتقلا بها من قصر إلى قصر
واتفق أن ابنة البارون ووحيدة دخلت في ذلك اليوم في عامها السادس عشر، فطلب إليه البارون أن يحي ليلة موسيقية تكريما لها
وقبل أن ينصف الشاعر طلب إليه البارون أن يدخل قاعة المال ويأخذ منها ما يشاء، على شرط أن يكون خارج القاعة قبل أن تنتهي المدة المقررة، وكأنه بهذا الطلب أن يستأثر بهذا الشاعر ويستعبده كغيره من الشبان
ولكن الشاعر أجاب: (وماذا افعل بمالك؟! لست في حاجة إليه، لأنني اشعر أن في نفسي من اللآلئ مالا تعد جواهرك الثمينة بجانبه شيئاً) ولكن البارون ألح عليه فأجاب طلبه
فلما كان الشاعر داخل القاعة أبصر من هذه الثغرة وردة انبهر من جمالها نظره وخفق لحسنها قلبه، فوثب وفوق المال المكدس واقتطف تلك الوردة وخرج مسرعاً قبل أن تنتهي المدة. فلما رأى البارون أول من خرج من القاعة دهش. وقال له (إن ما حملته من المال ملك لك) ولن البارون لم يجد شيئا مع الشاب سوى الوردة الجميلة. فقال له (أهذا كل ما
стр. 5899
أخذته من القاعة؟!) فقال الشاعر (إني لم أرى في مالك ما هو اجمل منها، بل ليس على الأرض ما هو اجمل منها. . . .)
ولم يكد ينتهي من حديثه حتى أقبلت الفتاة على والدها وحمرة الخجل تعلو وجنتيها. فلما رآها الشاعر دهش لجمالها الفاتن وقال متمماً حديثه مع والدها (. . . إلا هذه الفتاة) ثم طلب من البارون أن يسمح له بتقديم تلك الوردة هدية إلى ابنته. فقالت الفتاة لأبيها: (إنه يفضلني على هذه الوردة يا أبي، وقد فضلها على كل جواهرك؛ فليس على الأرض فارس أرق منه شعوراً ولا اشرف منه عاطفة، ولا اصدق شعراً، ولن أكون زوجة إلا له)
وهكذا اصبح هذا الشاعر الحق، وذلك الشاب النبيل، زوجاً لهذه الزهرة الحية الجميلة
(عن الإنجليزية)
كلية غردون
علي محمد احمد
стр. 5900
الكتب
في التربية
بحث في عوامل التربية غير المقصودة
تأليف الدكتور علي عبد الواحد وافي
قررت وزارة المعارف هذا الكتاب لطلبة دار العلوم، وهو يقع في نيف ومائتي صفحة من القطع الكبيرة.
وجد المؤلف الفاضل أن كتب التربية التي صدرت في مصر حتى الآن توجه القسط الأكبر من عنايتها إلى عوامل التربية المقصودة، أعني تلك العوامل التي تنحصر فيما يتخذ المربون من وسائل حيال الناشئين بقصد التأثير في جسومهم وعقولهم وأخلاقهم تأثيراً يعدهم للحياة المستقبلية، بينما تنصرف عناية المؤلفين عن تلك العوامل التي يسميها الدكتور الفاضل عوامل التربية غير المقصودة، والتي تؤثر تأثيراً قوياً في حياة الصغار دون تدخل من المربين، ومن تلك العوامل البيئتان الطبيعية والاجتماعية وما إليهما من طرق معيشة الأمة ومقدار حضارتها وأشكال نظمها وصنوف تقاليدها، مضافا إلى هذا تلك الأمور التي يقوم بها الطفل من تلقاء نفسه، ويكون لها اثر قوي في سلوكه ونشوئه، كالألعاب الحرة والأعمال التي يقوم بها الطفل مدفوعاً بغريزة المحاكاة والتقليد
ولقد خصص المؤلف كتابه هذا لدراسة طائفة من تلك العوامل وهي اللعب والتقليد والوراثة والبيئة الجغرافية والبيئة الاجتماعية
تكلم عن وظائف اللعب التربوية وما قيل فيها من نظريات، وناقش هذه النظريات مناقشة العالم المجرب في منطق مستقيم وترتيب حكيم، دون أن يغفل أي ناحية من نواحي الموضوع، ثم أورد ملخص هذه النظريات مبيناً وظيفة اللعبة الأساسية ووظائفه الثانوية، وبعد ذلك أتى على أقسام اللعب الإنساني وأوضح الفرق بين اللعب والعمل، وتكلم على تطور الألعاب وارتقائها، وختم موضوع اللعب بما عساه أن ينتفع به من المربي من اللعب في التعليم، وهو كما ترى فصل قوي شيق يستغرق أربعا وستين صفحة من الكتاب وانتقل بعد ذلك إلى التقليد، فتكلم عن التقليد في الصوت شارحاً الأصوات الوجدانية واللغة وأساس
стр. 5901
كل منهما عند الطفل، وشرح التقليد في الحركة مبيناً أنواعه ومراتبه وأساسه، إلى أن انتهى إلى بيان وظائف التقليد التربوية، كل ذلك في بسط ودقة وحسن ترتيب
أما الفصل الثالث وموضوعه الوراثة، ذلك الموضوع الدقيق فقد تناول المؤلف بما يتناسب مع خطره من الشرح والبسط، فحدثنا عن أنواع الوراثة وأسبابها وأهميتها وعلاقتها بالتربية، حديث الخبير الفطن. وفي الفصلين الأخيرين تكلم عن البيئيتين الجغرافية والاجتماعية العامة، ناهجاً في ذلك نهجه في الفصول الثلاثة السالفة
فهذا الكتاب كما ترى من موضوعه، أحد الكتب الهامة التي تعد من مظاهر هذا الدور العلمي الذي تجتازه مصر في عهدها الحالي، فإذا أضفت إلى موضوعه، تلك الروح القوية التي عرض بها، وذلك المجهود الذي يتجلى فيما حواه من شروح وتعليلات ومناقشات، وكلها وليدة عقل متزن ونتيجة إطلاع واسع ودراسة دقيقة، أمكنك أن تقدر قيمة هذا الكتاب العلمية فهو بحق أحد المؤلفات التي تقابل بالغبطة، والتي يحتاج إليها كل معلم، بل كل مثقف يهمه أن يقف على نواح من المعرفة تهمه في حياته العلمية وفي دراساته النظرية.
الخفيف
الألحان الضائعة
نظم حسن كامل الصيرفي
قرأت ديوان شاعرنا الشاب، فأحزنني لعمر الله هذا البكاء الذي لا ينقطع، وهذه الشكوى المريرة التي تعج بها قصائده، ورحت أتلمس سر تلك الكآبة الجازعة، فلم أهتد إلى شيء، فطويت الكتاب وأنا برم بهذه النزعة من شباب في مقتبل العمر، أجل، ربما كان الشاعر قد صادف في حياته ما أجرى دموعه، ولكن متى كانت رسالة الشعر النحيب والشكوى في غير سبب معروف وفي غير إيضاح من الشاعر عما ناله؟ على انه لو كشف عن سر بكائه لكان الواجب يقضي عليه يقتصد شكواه أو يعرضها في صورة غير تلك الصورة اليائسة المستسلمة
تفتح ديوان هذا الأديب الفاضل فتجده يصف نفسه بالضحية ويرمز لنفسه بالواحة المنسية، ثم يصور لك حياته في صور باكية يائسة، وذلك في عدة قصائد، (كالحي الدفين) و
стр. 5902
(واللحن الضائع) و (القلب المحطم) و (الشكوى الصامتة) و (جرح الألم) و (الصدى الخافت) و (جفاء الطبيعة). . . الخ
أما شعره في ذاته فلي عنه بعض ملاحظات أرى الرغبة في الإنصاف تقضي علي بسردها. أول ما ألاحظ عليه انه كثير الميل إلى المجازات والاستعارات الغريبة فيذكر في شعره كهوف الحياة، وقيثارة الحياة، وقبر الحياة، والفضاء الجمود، ولهيب الأنين، وجنان الخيال وعصير الشجون، وظلال الفتون. . الخ فضلا عن إتيانه بكثير من المعاني والأخيلة الغريبة فيتحدث عن الشمس مثلا عند الغروب بأنها:
تخفي الأسى خلف النخيل … مثل ابتسامات العليل
ويقول:
نزل المساء برَجله … وجرى الظلام بخيله
ويصف الفجر فيقول:
فإذا الجو غارق في اهتزاز … كاهتزاز الأوتار دون (نشاز)
وخفوق لكنه باعتزاز
ويقول:
أعيش أشاطرهم بؤسهم … وأملأ كأسي عصير الشجون
إلى غير ذلك من الصور والأخيلة الجزئية، فضلا عن الصور الكلية، وهي لا تقل عن هذه غرابة كقصيدة (الشاعر وموت عزرائيل) و (أغاني الربيع) وغيرها، وبهذه المناسبة أقول إن بعض شعراء الشباب قد استولت على أذهانهم فكرة غامضة هي فكرة الشعر الرمزي، يرددون هذه الكلمات دون أن يفهموا المقصود منها، وينظمون القصائد ويسوقونها مطلقة جامحة، وأي غضاضة في هذا، أليست من الشعر الرمزي؟! وهكذا يطلون الأعنة لأخيلتهم على غير هدى والى غير مقصد، ولا يخفي ما يجره هذا من الضرر على تفكيرهم ومثلهم وإني لا أخشى طغيان هذه الظاهرة واعدها من اكبر العقبات التي تقف في سبيل تقد الشعر العصري، ولا بد لشبابنا أن ينبذوا هذه الفكرة إذا أرادوا أن تنضج مدرستهم، وتبرز شخصياتهم وتحدد وجهاتهم.
والأديب الصيرفي فضلا عما تقد قليل العناية بقوافية وبلغته على وجه العموم، ولعله في
стр. 5903
ذلك أيضاً متأثراً بفكرة أخرى يرددها بعض أدبائنا وهي أن الألفاظ يجب تضحي في سبيل المعاني، فما دام المعنى جيداً فلا عبرة باللفظ الذي يؤديه! وليت شعري كيف يكون اللفظ سقيماً والمعنى سليماً؟ إن للشعراء ألفاظاً خاصة ودبياجة خاصة، وروحاً خاصة، لا في اللغة العربية فحسب، بل في غيرها من اللغات، ولو أمن بذلك شبابنا لأخذوا أنفسهم بما يصلح أذواقهم ويصفي عباراتهم فيتم لهم الجمع بين جمال الفكرة وجمال أدائها
هذه هي بعض ملاحظاتي عن ديوان الصيرفي في موضوعه، أما عن شكله فأراني مضطرا إلى أن أصارحه بأننا نود أن نخلص من أمثال تلك المقدمات التي يجتهد أدباؤنا في الحصول عليها من أصدقائهم، تلك المقدمات التي تحشد فيها عبارات الإطراء من غير تحفظ، إذ أن هذا الإطراءيأخذ السبيل على القارئ، ثم هو من جهة أخرى لما يتضمنه من المبالغة يجعل القارئ ينتظر من الديوان ما يتفق مع عبارات المديح حتى إذا جاءه لم يجد فيه ما يحقق رغبته، وفي هذا ما فيه من تقويض دعائم النقد والاستخفاف بعقول القراء.
واحب قبل أن اختم كلمتي أن أشير إلى بعض قصائد في هذا الديوان سما فيها الشاعر سمواً عظيماً، ولو جرى في شعره على مثلها لكان لنا أن ننتظر منه أحد شبابنا المتفوقين، وتلك القصائد هي: البسمات الساخرة، والشجرة العارية، وتحت ضوء القمر، ووحي الشعر، وموت البلبل، وأشباهها.
الخفيف
الإنشاء التعليمي
تأليف الأستاذين محمد شفيق معرف ومحمد عبد الغني الأشقر
يقع هذا الكتاب في مجلدين أنيقين، على ورق مصقول. ولعله الأول من هذه الكتب الكثيرة التي أخرجها مؤلفوها يقصدون بها إلى الصغار التلاميذ لينهضوا بإنشائهم إلى المستوى الذي يريدون، فقد سلك هؤلاء المؤلفون جميعاً طريقاً واحدة، لا احسبها مؤدية بهم إلى الغاية المقصودة على الوجه الاكمل، لانهم قنعوا بأن يقدموا لتلاميذهم طائفة من الموضوعات الجيدة ليتخذها هؤلاء نماذج فيما يسطرون، ونحن نرى في ذلك قلباً للأوضاع وعكسا للمنطق، وكأننا بهؤلاء المؤلفين قد أرادوا أن يقفزوا بالصغار إلى سطح الدار دون
стр. 5904
أن يمهدوا لهم درجا هيناً يمكنهم من الصعود
أما هذا الكتاب الذي نقدمه إلى القراء، والمدرسين خاصة، فقد فرض في الطفل طفولته المتعثرة العاجزة، فأخذ بيده أخذاً رفيقا متدرجا به من تكوين الجملة إلى بناء الموضوع، فلا يعترض طريقه نتوء يقعد به عن إتمامها.
ذلك مجهود موفق مشكور أملته خبرة بالتدريس لا تتفق للكثير.
ز. ن. م
دير الربان هرمزد
بقلم كوركيس حنا عواد
تناول هذا الكتاب بالبحث المستفيض أثرا قديما في العراق يقع قريبا من الموصل، وهو ذلك الدير الذي أشار إليه العنوان. وقد بسط المؤلف القول في هذا الدير بسطا صوره للقراء تصويرا شاملا دقيقا، فرسم لك الطريق التي تؤدي بك إلى مكان هذا الأثر، ثم وصف لك الدير نفسه بما فيه من رهبان. وهنا استطرد فقدم كلمة عن الرهبنة في الشرق وما تجري عليه من سنن ثم تناول حياة الربان هرمزد نفسه بالبحث.
واقل ما يشكر عليه مؤلف هذا الكتاب الفني الدقيق، ما تجشمه من عناء لكي يبرز هذا الأثر في ضوء الشمس ويضعه من قراء العربية تحت أبصارهم.
ز. ن. م
стр. 5905
العدد ٧١ - بتاريخ: ١٢ - ١١ - ١٩٣٤
стр. 5906
داء الوظيفة
قال وهو يقلب كفيه من الهم، ويعض على يديه من الغضب: سقط الوزير سقوط الورقة الجافة قبل أن يمضي القرار بالوظيفة، فهل رأيت مثل هذا الحظ المتخلف والقدر العابث؟. . .
فقلت له: هون عليك يا بني، ولا تسلط على نفسك أساك، إن معك الشباب القادر، والأمل الطموح، والثروة المساعدة، ودبلوم الزراعة التي تفتح لك كنوز الأرض، وتدر عليك أخلاف السماء، وفي القرية متسع لأمثالك ممن يحيون مواتها، ويجددون حياتها، ويفيضون على أهلها نعمة العلم، وخير المدنية، ونعيم الحضارة؛ فلِمَ لا تستأجر مزرعة في بعض دوائر الأمراء تجرب في استغلالها كفايتك وإرادتك وحظك؟ إنك إذا فعلت عصمت نفسك من رق الوظيفة، وخلقك من فتنة الحكومة، وعلمك من آلية العمل، ورزقك من تحديده بالمرتب، وقدرك من قياسه بالدرجة. فأجاب وفي عينيه سهوم العجب من هذا الرأي: مالي أدفع بنفسي في هذه المغامرة المجهولة، والوظيفة تضمن حاضري بالمرتب، وتؤمن مستقبلي بالمعاش؟ والقليل المتصل خير من الكثير المنقطع، والموضع المتطامن المتماسك، أصلح للقرار من الرفيع المترجح. . .
فقلت له: ذلك كلام لاكته الألسن حتى تفه، وتقبلته الآذان حتى سمج، ولقد كان له مساغه وبلاغه يوم كانت المدارس معامل لتخريج الكتبة والحسبة للحكومة؛ فأما اليوم وقد امتد أفق التعليم، واتسع نطاق المنهج، وانفسح مجال العمل، وتحققت الحرية للفرد، وتيسر الارتجال للشباب، وحان الحين ليسترد المصريون جماعات ووحداناً مرافق بلادهم وموارد أرزاقهم من الأجانب، فإن الإخلاد إلى المقاعد الأميرية إخلاد إلى العجز، واطمئنان إلى الهون، وانخزال عن تحرير الوطن.
قال: ولكن فريقاً من الشباب ارتجلوا بعض الأماني الاقتصادية الجماعية في التجارة والزراعة والملاهي، فوردوا عن خسارة وصدروا عن فشل. فقلت له: إن هؤلاء فاروا عن حرارة وفتية، وثاروا عن ريح عابرة، فاعتسفوا الأمر قبل أن يخبروه، وزاولوه دون أن يفرغوا له، واخطئوا تقدير المنافسة الأجنبية فأخطئهم التوفيق؛ ومالك تقيس أمرك بهذا المقياس المختل وأمامك المقاييس العليا تتواثب في عينيك من كل مكان؟ ألم تر إلى اليوناني أو الطلياني كيف يفد عليك من غير رأس مال، ولا شهادة جامعة، ولا توصية
стр. 5907
وزير، ولا تعضيد جمهور، ولا تحميس صحافة، فيحترف وضائع الحرف، ويحتمل مكاره الفوز، ويتفرع معالي الأمور في روية وصبر، حتى بلغ به نشاطه أن يدير عمارة المدينة، ويصرف تجارة القرية، وينثج زراعة العزبة، فيبيع عليك غلة أرضك، ويستعبدك بربا مالك، وأنت جالس جلسة الأجير على مكتبك الحقير، تكنس لنعليه الطرق، وتشق لعينيه الحدائق، وتكفل لمتاجره الأمن، وتدبر لمزارعه الماء، وتتقبل على ذلك كله دغل الصدر وقسوة اللسان وقحة النظر!
رأى صديقي الفتى أن لهجتي لا تلائم همه الغالب، ومنطقي لا يساير منطقه اليائس، فتولى عني غير راض ولا مقتنع، وتركني أحدث نفسي، وأقارن بين يومي وأمسي، فأجدني بين عملي المقيد الذي انصرفت عنه، وعملي الحر الذي انصرفت إليه، أشبه بالسجين المقيد يعمل برأي غيره، ولحساب غيره، فلا يتحرك ولا يسكن إلا بأمر، ولا يسير ولا يقف إلا في نظام، وهو يأكل حين لا يشتهي، وينام حين لا يريد، ويستيقظ حين لا يحب، وتتعطل ملكاته حتى يصبح كالإنسان الصناعي: قوة محركة وآلة، ثم يدركه لطف الله فتتفكك عنه السلاسل وتتفتح له الأبواب، فيجد عقله في النور، وخلقه في الطبيعة، وحريته في الجو، ووجوده في المجتمع! فينبت الريش الناسل، ويخفق الجناح المهيض، وتتكشف الآفاق الجديدة!
إن أولى الناس بالرثاء لأولئك الذين سلبوا جوهرة الحياة وحرية العيش، وعاشوا في ظلام الوجود مكبين على مكاتبهم، مغلولين عن الحركة، مكمومين عن الشكوى، يستقطرون الرزق من شق القلم، ولا يصيبون من أجورهم سداداً من عوز ولا غنى من فاقة.
يدخل الموظف الديوان وهو ابن عشرين، فيودع عاماً ويستقبل عاماً حتى يأخذ بِمُخَنَّق الستين وكأن لم يحدث في العالم شئ! يختلف الليل والنهار، وتتبدل الأحوال والأطوار، وهو على مكتبه الضيق في غرفته المظلمة، يعمل ساعة ويجتر أخرى، دون أن يشعر بدوران الفلك، أو يفطن إلى حركات العالم.
يدخل الديوان وهو طرير الشارب، أثيث الجمة، ريان من الشباب والقوة والأمل؛ ثم يودعه وهو مخدد الوجه، أشيب الشعر، متداعي الجسم، فقير من المنى والذكر والمال، لا يصلح إلا عموداً في مسجد، أو منضدة في قهوة. وربما أقصدته المنون لانقطاعه بغتة عما ألف
стр. 5908
من عادة شديدة، وحياة رتيبة، وأعمال واحدة، في ساعات لا تختلف ولا تتبدل.
أيها الموظفون! إن لابتغاء الرزق موارد غير هذا المورد الناضب، ولخدمة الأمة مواقف غير هذا الموقف الكاذب، فتجافوا بأنفسكم عن هذه المقاعد، فإنها مواطن الذل والملق، ومساكن الفقر والجهل، ومكامن الخمول والموت، واقرأوا على أبوابها ما كتبه (دانتي) على أحد أبواب الجحيم:
((قوضوا حصون آمالكم، وأضمروا اليأس من مآلكم، أيها الداخلون!))
احمد حسن الزيات
стр. 5909
بنت الباشا. . .
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
كانت هذه المرأة وضاحة الوجه زهراء اللون كالقمر الطالع، تحسبها لجمالها قد غذتها الملائكة بنور النهار، وروتها من ضوء الكواكب.
وكانت بضَّة مقَسَّمةً أبدع التقسيم، يلتفُّ جسمها شيئاً على شئ التفافاً هندسياً بديعاً، يرتفع عن أجسام الغيد الحسان، أُفرِغَ فيها الجمال بقدر ما يمكن - إلى أجسام الدمى العبقرية التي أفرغ فيها الجمال والفن بقدر ما يستحيل.
وكانت باسمة أبداً كأول ما يتلألأ الفجر، حتى كأن دمها الغزلي الشاعر يصنع لثغر ابتسامتها، كما يصنع لخديها حمرتهما.
مالها جلست الآن تحت الليل مطرقة كاسفة ذابلة، تأخذها العين فما تشك أن هذا الوجه كان فيه منبع نور وغاض! وأن هذا الجسم الظمآن المعروق هو بقعة من الحياة أقيم فيها مأتم!
ما لهذه العين الكحيلة تذري الدمع وتسترسل في البكاء وتلِجُّ فيه، كأن الغادة المسكينة تبصر بين الدموع طريقاً تفضي منه نفسها إلى الحبيب الذي لم يعد في الدنيا؛ إلى وحيدها الذي أصبحت تراه ولا تلمسه، وتكلمه ولا يردُّ عليها؛ إلى طفلها الناعم الظريف الذي انتقل إلى القبر ولن يرجع، وتتملثه أبداً يريد أن يجئ إليها ولا يستطيع، وتتخيله أبداً يصيح في القبر يناديها: (يا أمي، يا أمي. .).
قلبها الحزين يقطع فيها ويمزق في كل لحظة؛ لأنه في كل لحظة يريد منها أن تضم الطفل إلى صدرها، ليستشعره القلب فيفرح ويتهنأ إذ يمس الحياة الصغيرة الخارجة منه. ولكن أين الطفل؟ أين حياة القلب الخارجة من القلب؟
لا طاقة للمسكينة أن تجيب قلبها إلى ما يطلب، ولا طاقة لقلبها أن يهدأ عما يطلب؛ فهو من الغيظ والقهر يحاول أن يفجر صدرها، ويريد أن يدق ضلوعها، ليخرج فيبحث بنفسه عن حبيبه!
مسكينة تترنح وتتلوى تحت ضربات مهلكة من قلبها، وضربات أخرى من خيالها، وقد باتت من هذه وتلك تعيش في مثل هذه اللحظة التي تكون في الذبيحة تحت السكين. ولكنها لحظة امتدت إلى يوم، ويوم امتد إلى شهر. يا ويلها من طول حياة لم تعد في آلامها
стр. 5910
وأوجاعها إلا طول مدة الذبح للمذبوح.
ولو كان للموت قطار يقف على محطة في الدنيا، ليحمل الأحباب إلى الأحباب، ويسافر من وجود إلى وجود، وكانت هذه الأم جالسة في تلك المحطة منتظرة تتربص، وقد ذهلت عن كل شئ، وتجردت من كل معاني الحياة، وجمدت جمود الانتقال إلى الموت - لما كانت إلا بهذه الهيئة في مجلسها الآن في شرفتها من قصرها؛ تُطل على الليل المظلم وعلى أحزانها. . .!
هي فلانة بنت فلان باشا وزوجة فلان بك. ترادفت النعم على أبيها فيما يطلب وما لا يطلب، وكأنما فرغ من اقتراحه على الزمان واكتفى من المال والجاه، فلم يعجبه الزمان فأخذ يقترح له ويصنع ما يقترح، ويزيده على رغمه نعماً تتوالى!
وكان قد تقدم إلى خطبة ابنته شاب مهذب، يملك من نفسه الشباب والهمة والعلم، ومن أسلافه العنصر الكريم والشرف الموروث، ومن أخلاقه وشمائله ما يكاثر به الرجال ويفاخر. بيد أنه لا يملك من عيشه إلا الكفاف والقلة، وأملاً بعيداً كالفجر وراء ليل لا بد من مصابرته إلى حين ينبثق النور.
وتقدم صاحبنا إلى الباشا فجاءه كالنجم عارياً؛ أي في أزهى نورانيته وأضوئها. وكان قد علق الفتاة وعلقته، فظن عند نفسه أن الحب هو مال الحب، وأن الرجولة هي مال الأنوثة، وأن القلوب تتعامل بالمسرات لا بالأموال؛ ونسي أنه يتقدم إلى رجل مالي جعلته حقارة الاجتماع رتبة، أو إلى رتبة مالية جعلتها حقارة الاجتماع رجلاً. . وأن كلمة (باشا) وأمثالها، إنما تخلفت عن ذلك المذهب القديم: مذهب الألوهية الكاذبة التي انتحلها فرعون وأمثاله، ليتعبدوا الناس منها بألفاظ قلوبهم المؤمنة؛ فإذا قيل (إله) كان جواب القلب: ، (سبحانه).
ولما ارتقى الناس عن عبادة الناس، تلطفت تلك الألوهية ونزلت إلى درجات إنسانية، لتتعبد الناس بألفاظ عقولهم الساذجة؛ فإن قيل (باشا) كان جواب العقل الصغير: (سعادتلو أفندم!)
نسي الشاب أنه (أفندي) سيتقدم إلى (باشا) وأعماه الحب عن فرق بينهما؛ وكان سامي النفس، فلم يدرك أن صغائر الأمم الصغيرة لا بد لها أن تنتحل السمو انتحالاً، وأن الشعب
стр. 5911
الذي لا يجد أعمالاً كبيرة يتمجد بها، هو الذي تخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها؛ وأنه متى ضعف إدراك الأمة، لم يكن التفاوت بين الرجال بفضائل الرجولة ومعانيها، بل بموضع الرجولة من تلك الألفاظ؛ فإن قيل (باشا) فهذه الكلمة هي الاختراع الاجتماعي العظيم في أمم الألفاظ، ومعناها العلمي: قوة ألف فدان أو أكثر أو أقل؛ ويقابلها مثلاً في أمم الأعمال الكبيرة لفظ (الآلة البخارية) ومعناها العلمي قوة كذا وكذا حصاناً أو أقل أو أكثر!
نسي هذا الشاب أن (أمم الأكل والشرب) في هذا الشرق المسكين، لا تتم عظمتها إلا بأن تضع لأصحاب المال الكثير ألقاباً هي في الواقع أوصافٌ اجتماعية للمعدة التي تأكل الأكثر والأطيب والألذ، وتملك أسباب القدرة على الألذ والأطيب والأكثر.
وتقدم (الأفندي) يتودد إلى (الباشا) ما استطاع، ويتواضع وينكمش، ولا يألوه تمجيداً وتعظيماً؛ ولكن أين هو من الحقيقة. إنه لم يكن عند الباشا إلا أحمق؛ إذ لم يعرف أن تقدمه إلى ذلك العظيم كان أول معانيه أن كلمة (أفندي) تطاولت إلى كلمة (باشا) بالسبّ علناً. . .!
وانقبضوا عن (الأفندي) وأعرضوا عنه إعراضاً كان معناه الطرد؛ ثم جاء (البك) يخطب الفتاة.
و (بك) منبهة للاسم الخاطب، وشرف وقدر وثناء اجتماعي، وذكر شهير، وإرغام على التعظيم بقوة الكلمة، ودليل على الحرمات اللازمة للاسم لزوم السواد للعين، ولو لم يكن تحت (بِك) رجل، فإن تحتها على كل حال (بك). . .! وأنعم له الباشا، ووصل يده بيد ابنته فألبسها وألبسته، وأعلمها أبوها أنه قد فحص عن البك فإذا هو (بك) قوة مائتي فدان. . .! أما الأفندي فظهر من الفحص الهندسي الاجتماعي أنه (أفندي) قوة خمسة عشر جنيهاً في الشهر. .!
وخنس الأفندي وتراجع منخزلاً، وقد علم أن (الباشا) إنما زوج لقبه قبل أن يزوج ابنته، وأنه هو لن يملك مهر هذا اللقب إلا إذا ملك أن يبدل أسباب التاريخ الاجتماعي في الأمم الضعيفة، فينقل إلى العقل أو النفس ما جعلته (أمم الأكل والشرب) من حق المعدة، فلا يكون (باشا) إلا مخترع شرقي مفلس، أو أديب عظيم فقير، أو من جرى هذا المجرى في سمو المعنى لا في سمو المال.
стр. 5912
وقدمت مائتا الفدان مهرها (الطيني) العظيم بما تعبيره في اللغة الطينية: ثمن عشرين ثوراً، ومثلها جاموساً، ومثلها بغالاً وأحمرة، وفوقها مائة قنطار قطناً، ومائة أردب قمحاً، ثم ذرة، ثم شعيراً. والمجموع الطيني لذلك ألف جنيه، وعزي الباشا أنه مستطيع أن يقول للناس: إنها خمسة آلاف، اختزلتها الأزمة قبحها الله. . .!
ثم زفت (بنت الباشا) زفافاً طينياً بهذا المعنى أيضاً، كان تعبيره: أنه أنفق عليه ثمن ألف قنطار بصلاً، ومائة غرارة من السماد الكيماوي، كأنما فرش بها الطريق. . .!
وطفق الباشا يفاخر ويتمدح، ويتبذخ على الأفندي وأمثال الأفندي بالطين ومعاني الطين؛ فردت الأقدار كلامه عليه، وجعلت مرجعه في قلبه، وهيأت لبنت الباشا معيشة (طينية) بمعنى غير ذلك المعنى. . .
ومات الطفل؛ فردت هذه النكبة بنت الباشا إلى معاني انفرادها بنفسها قبل الزواج، وزادتها على انفرادها الحزن والألم؛ وألقت الأقدار بذلك في أيامها ولياليها التراب والطين.
ولج الحزن ببنت الباشا فجعلت لا ترى إلا القبر ولا تتمنى إلا القبر، تلحق فيه بولدها؛ فوضعت الأقدار من ذلك في روحها معنى الطين والتراب.
وأسقم الهم بنت الباشا وأذابها؛ فنقلت الأقدار إلى لحمها عمل الطين، في تحليله الأجسام وأذابتها تحت البلى
وكان وراء قصرها حِوَاء يأوي إليه قوم من (طين الناس) بنسائهم وعيالهم، وفيهم رجل (زبَّال) له ثلاثة أولاد، يراهم أعظم مفاخره وأجمل آثاره، ولا يزال يرفع صوته متمدحاً بهم، ويخترع لذلك أسبابً كثيرة لكي يسمعه جيرانه كل ليلة مفاخراً، مرة بأحمد، ومرة بحسن، ومرة بعلي. وأعجب أمره أنه يرى أولاده هؤلاء متممين في الطبيعة لأولاد (الباشوات). . . وهو يحبهم حب الحيوان المفترس لصغاره؛ يرى الأسد أشباله هم صنعة قوته، فلا يزال يحوطهم ويتممهم ويرعاهم، حتى أنه ليقاتل الوجود من أجلهم؛ إذ يشعر بالفطرة الصادقة أنه هو وجودهم، وأن الطبيعة وهبت له منهم مسرات قلبه، ذلك القلب الذي انحصرت مسراته في النسل وحده، فصار الشعور بالنسل عنده هو الحب إلى نهاية الحب. وكذلك الزبال الأسد.
ومن سخرية القدر أن زبالنا هذا لم يسكن الحِواء إلا في تلك الليلة التي جلست فيها بنت
стр. 5913
الباشا على ما وصفنا، وفي ضلوعها قلب يفتت من كبدها، ويمزق من أحشائها.
وبينما تناجي بنفسها وتعجب من سخرية الأقدار بالباشا والبك، وتستحمق أباها فيما أقدم عليه من نبذ كفئها لعجزه عن مهر باشا، وإيثار هذا المهر الطيني، وتباهيه به أمام الناس، واندرائه بالطعن على من ليس له لقب من ألقاب الطين - بينا كذلك إذا بالزبال، كانس التراب والطين يهتف في جوف الليل يتغنى:
يا لِيل، يا لِيل، يا لِيل … ما تِنْجِلِي يا ليل
القلب أهُو راضِي … لَكْ حَمدي يا ربي
مِنِ الهمومْ فاضِي … افرحْ لي يا قلبي
يا دُوبْ كِدا يا دُوبْ … زَيِّ الحَمامْ عَايِشْ
ما يِمْتِلِكْ غِيرْ تُوبْ … طُولْ عمرُه فِيهْ نافِشْ. . .
يا لِيل، يا لِيل، يا لِيل … ما تِنْجِلِي يا ليل
إن قلت أنا فَرْحَانْ … دا مِينْ يِكَدِّبْنِي
وأكْتَرْ مِنِ السلطانْ … فرحانْ أنا بابْنِي
بِينِ السيوف يا ناسْ … لَمِ أنكَسَرْ سِيفي
وابْنِ الغِنَى مِحْتاسْ … وأنا على كِيفي. . .
يا لِيل، يا لِيل، يا لِيل … ما تِنْجِلِي يا ليل
وابنِ الغِنَى فِ هْمُومْ … والخالي خالي البالْ
والفقْر ما بِيْدُومْ … وتْدُومْ همومِ المالْ
يا طِيْر، يا طِيْر، يا طِيْر … الحُرّ فُوْقِ اللُّوْمْ
والخِيْر، جميعِ الخِير … لقْمَهْ، وعافْيَه، ونُوْمْ
يا لِيل، يا لِيل، يا لِيل … ما تِنْجِلِي يا ليل
ولم تختر الأقدار إلا زبالاً ترسل في لسانه سخريتها بذلك الباشا وبنت ذلك الباشا. .!
وكسْرُ قلبٍ بكسرِ قلبٍ … وحَطْمُ نَفْسٍ بحطْم نفسِ
ورُبَّ عِزٍّ تراه أمسى … كُنَاسةً هُيِّئَتِ لِكَنْسِ. .!
(طنطا)
стр. 5914
مصطفى صادق الرافعي
стр. 5915
فردريش شيلر
بمناسبة احتفال ألمانيا بذكراه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ عامين احتفلت ألمانيا بذكرى شاعرها الأكبر (جيته) لمناسبة مرور قرن على وفاته؛ وتحتفل ألمانيا اليوم بذكرى شاعرها الثاني (شيلر) لمناسبة مرور مائة وخمسة وسبعين عاماً على مولده. وإذا كانت حياة الخالدين تمثل دائماً في الأذهان المستنيرة، فإن الاحتفاء بهذه الذكريات يضاعف الاهتمام بسيرتهم وآثارهم. ومن ثم فأنا نلتمس هذه المناسبة لنأتي على ترجمة الشاعر العظيم.
كانت حياة شيلر صفحة مؤثرة من ذلك الكفاح الذي يضطر إلى خوضه أصحاب المثل الأعلى حتى يفوزوا بمثلهم أو يزهقوا دونها؛ وقد أنفق حداثته وشبابه في خوض هذا الغمار، حتى إذا اكتملت له أسباب الفوز والطمأنينة، غادر هذه الحياة شاباً في إبان ظفره، وذروة خصبه، وروعة شاعريته؛ وكان مولده في العاشر من نوفمبر سنة ١٧٥٩ في مدينة مارباخ الواقعة على نهر نكز في أسرة رقيقة الحال؛ وكان أبوه يوهان كاسبار جراحاً مساعداً في الجيش، استقر في مارباخ بعد عوده من الحرب وتزوج اليزابيث كودفايس، وهي ابنة صاحب فندق؛ فرزق منها أولاً بابنة تدعى اليزابيث؛ ثم كان مولد الشاعر، ثم ابنة أخرى تدعى لويزا. ونشأ الطفل فريدريش أو فرتز (شيلر) ضعيف البنية، كثير الحياء والوجل، وتلقى دروسه الأولى في مدرسة لورش، ثم انتقلت الأسرة إلى مدينة لودفجسبورج حيث نقل الأب، وكانت يومئذ مقام دوق فرتمبورج؛ وهنالك التحق شيلر (بالمدرسة اللاتينية)، وبدأ دارسة الأدب واللاتينية، وقرأ هوراس وأوفيد وفرجيل؛ وكان لأستاذه القس موزر أثر كبير في تكوينه. وفي سنة ١٧٧٣ دخل شيلر (أكاديمية كارل) التي أسسها الدوق في شتوتجارت، ودرس الحقوق أولاً ثم الطب والتاريخ، وأظهر تفوقاً في اليونانية واللاتينية؛ بيد أنه لم يكن ميالاً إلى هذا النوع من الدراسة، وكان شغوفاً بالأدب، تهجس به في أوقات فراغه شاعرية قوية؛ وكان يكثر من قراءة هومير وفرجيل وكلوبشتوك شاعر ألمانيا في هذا العصر، وبتأثر تفكيره أيما تأثير. وفي ذلك الحين ظهرت قطعتان مسرحيتان قويتان هما: (أوجولينو) لجرستنبرج، و (جتزفون برلنخجن) لجيته؛
стр. 5916
فتأثر شيلر بقراءتهما واتجه ذهنه إلى المسرح؛ وكتب بعض القصائد والمناظر المسرحية الأولى، ولكنه مزقها، ثم بدأ بكتابة روايته المسرحية الأولى: (قطاع الطريق). وفي سنة ١٧٧٩ أتم دراسته وحصل على إجازته، وسنحت له بهذه المناسبة أول فرصة لرؤية الشاعر العظيم الذي ملأ صيته ألمانيا يومئذ، ونعني (جيته)؛ فقد وفد مع دوق فيمار على شتوتجارت في فاتحة سنة ١٧٨٠ ليشهدا احتفال الأكاديمية بتوزيع الإجازات. وكان شيلر يومئذ فتى في عشرينه، يحمل إجازة الطب والجراحة، ولكن هوى الشعر يحمله ويملأ جوانحه. وكان يتوق إلى التعرف بزعيم الشعر وإمامه؛ ولم يكن يحلم أنه سيغدو في أعوام قلائل قرينه وزميله الأوفى. ولم يهتم جيته في هذا اللقاء الأول بأمر الشاعر الحدث الذي لم يسمع به أحد بعد، ولكن نجم الشاعر الحدث كان على وشك البزوغ. ذلك أنه ما كاد يعين على أثر تخرجه طبيباً في حامية شتوتجارت بمرتب يسير، حتى عكف على إتمام درامته (قطاع الطريق)، ولكنه لم يلق ناشراً يقوم بطبعها، فاقترض نفقات الطبع من بعض أصدقائه وظهرت القصة سنة ١٧٨١ غفلاً من اسم مؤلفها؛ وهي قطعة مسرحية عنيفة تحمل طابع البداية، وفيها يصور شيلر كثيراً من عواصف حداثته. ومثلت (قطاع الطريق) عقب صدورها في شتوتجارت، ثم مثلت في العام التالي في مانهايم؛ وأحدث ظهورها وتمثيلها ضجة كبيرة. ولكن شيلر لم يؤخذ بهذا النجاح الجزئي. وكانت وظيفته العسكرية تثقل على نفسه، فاعتزم مغادرة شتوتجارت خفية إلى أفق أوسع، وفي أكتوبر سنة ١٧٨٢ غادرها مع صديق موسيقي يدعى شترايشر إلى مدينة مانهايم. وكان يحمل معه مخطوط درامة جديدة هي (فيسكو) فعرضها على مدير مسرح يدعى (دالبرج) فأعجب بها ومثلت بنجاح، وكتب في الأشهر التالية (المؤامرة والحب) ومثلت أيضاً. وكلتاهما قرينة (قطاع الطريق) في طابعها العنيف وحماستها الساذجة. بيد أنه رأى المسرح لم يحقق أمله، ولم تسعفه موارد القطع التمثيلية، فاضطر أن يبحث للعيش عن وسيلة أخرى، ولكن في دائرة الأدب أيضاً، فأصدر مجلة أدبية نقدية اسمها (تاليا) وظهر العدد الأول منها في مارس ١٧٨٥ وفيه قسم جديد من درامته الجديدة (دون كارلوس) ولكنها لم تستقبل بحماسة. وفي ذلك الحين جاء دوق فيمار إلى (دار مشتات) لزيارة صهره (اللاند جراف) وكان شيلر قد سمع كثيراً عن نبله ورفيع خلاله وتعضيده للآداب والفنون، فسار لرؤيته مزوداً ببعض
стр. 5917
خطابات التوصية، فاستقبله الدوق بعطف، وأذن له أن يتلو بين يديه الفصل الأول من (دون كارلوس) فاستحسنه وشجع المؤلف بكلمات طيبة، واستأذنه شيلر في أن يهديه قصته فأذن له، وأنعم عليه بلقب (مستشار) في خدمته، وهو لقب لم تكن له سوى قيمة أدبية واجتماعية.
وكان شيلر يومئذ فتى في الخامسة والعشرين يضطرم أملاً نحو العلياء والمجد؛ وكان يقضي حياة عاصفة في الدرس والتفكير والكتابة؛ وكان قلبه الكبير يخفق أحياناً للحب، ولكن في اعتدال ورزانة. ولم تحمل شيلر نحو النساء تلك النوبات الغرامية العاصفة التي كانت تملأ حياة جيته؛ ولكنه عرف الحب في تلك الفترة؛ وتعلق بادئ بدء بفتاة تدعى مرجريت شفان، وهي ابنة كتبي في مانهايم، وكانت فتاة ساحرة لعوباً خطرة الأهواء؛ وفكر شيلر في الاقتران بها ولكن أباها رفض في رقة وأدب لأنه لم يأنس في الشاعر بلا ريب مستقبلاً يحمل على الطمأنينة. ثم تعرف شيلر بعد ذلك على فتاة تدعى شارلوت دوستايم، وشغفت هي به حباً؛ ولكنها لم تلبث أن اقترنت بضابط يدعى (فون كالب)؛ وانتقلت معه إلى فيمار؛ واستحال حب الشاعر ومدام فون كالب بعد ذلك إلى صداقة حميمة استمرت مدى الحياة.
وأنفق شيلر في مانهايم زهاء عامين ونصف عام، وهو يشهد آماله تنهار تباعاً، وموارد العيش تضيق به. وأخيراً اعتزم أن يغادر مانهايم، وأن يهجر تلك المهنة التي لم تؤته قوته - مهنة القريض؛ وأن يلتمس العيش من مهنة أخرى مستبقياً للشعر أوقات فراغه؛ فغادر مانهايم بعد وداع ممزق لصديقه الحميم شترايشر؛ وقصد إلى قرية جوليس بالقرب من لايبزج حيث كان يقيم صديقه العزيز (كرنر) وكان كرنر ذهناً رفيعاً وقلباً كبيراً، ألفى فيه الشاعر مثل الصداقة الأعلى؛ فأقام إلى جانبه مدى حين في جوليس ثم في درسدن، وأتم في تلك الفترة قصته (دون كارلوس) (سنة ١٧٨٦). وكان ظهورها طفراً حقيقياً للشاعر، وكانت في الواقع بداية مجده، وحداً فاصلاً بين ماضيه الغامر ومستقبله الباهر. وكانت مدينة فيمار يومئذ كعبة الشعر ومقام إمامة جيته، وفيها يجتمع حول الشاعر الأكبر جمهرة من الشعراء والأدباء مثل هردر، وفيلاند، وماير، ويظللهم دوق فيمار جميعاً برعايته؛ وكان شيلر يفكر منذ حين في السفر إلى فيمار ليجرب حظه في ذلك المحيط الأدبي الزاهر؛
стр. 5918
وكانت صديقته الحميمة مدام فون كالب تقيم هنالك منذ حين؛ وكان فيلاند يدعوه فوق ذلك للاشتراك معه في تحرير مجلته (مركور)؛ فقصد إلى فيمار في أغسطس سنة ١٧٨٧، وقلبه مفعم بالآمال الكبيرة؛ فاستقبله الدوق بفتور، ولكن مدام فون كالوب استقبلته بعطف مؤثر؛ ورحب به فيلاند الشاعر أيما ترحيب، واشترك معه في تحرير مجلته؛ واشترك أيضاً في تحرير مجلة أخرى في (يينا) وترك مجلته الخاصة؛ واستمر يعاون فيلاند مدى عامين، ثم ترك التحرير معه، ولكنه لبث صديقه الحميم.
وفي سنة ١٧٨٨، أقام شيلر حيناً في قرية (فولكشتات) الهادئة، وهنالك أتم قصته (الهائم)، وتاريخ (ثورة الأراضي السفلى) الذي بدأه من قبل
في ذلك الحين كان جيته في إيطاليا يطوف ربوعها؛ ثم عاد من رحلته في سبتمبر. وكان شيلر يرقب مقدمه ليراه ويتعرف به. وسنحت له هذه الفرصة؛ واجتمع بالشاعر الأكبر وصديقته مدام دي شتاين وهردر في منزل أسرة لنجفلد التي صاهرها شيلر فيما بعد. وهنالك رأى شيلر ذلك الرجل الذي بلغ ذرى المجد، والذي رآه من قبل لأول مرة في حفلة توزيع الإجازات عام تخرجه من المدرسة؛ وكان شيلر يعلق على هذه المقابلة آمالاً كبيرة؛ ولكن جيته استقبله بفتور ظاهر، ولم يكن قد لفت نظره إلى ذلك الحين. وكانت صدمة مؤلمة لشيلر؛ فكتب إلى صديقه كرنر يصف أثر هذا اللقاء في نفسه: (يلوح لي من كل الظروف أن الفكرة السامية لدي عن جيته لم يزعزعها هذا التعارف الشخصي، بيد أني أشك أننا نستطيع أن نتقارب بأي وجه. إن قسماً عظيماً مما يزال يشغلني، ومما زلت أؤمل قد انتهى وقته لديه، والواقع أن كل شخصه يميل إلى ناحية غير التي أميل إليها، وبين وجهات نظرنا اختلاف جوهري. وعلى أي حال فلسنا نستطيع أن نستخلص من هذه المقابلة شيئاً مؤكداً أو ثابتاً. وسوف يعلمنا الزمن ما تبقى). ولما عاد شيلر إلى فيمار من مقامه المنعزل لم يحاول كثيراً أن يرى جيته. بيد أن فتور جيته نحوه لم يدم طويلاً فقد رأى في قصيدته (آلهة اليونان) جمالاً يلفت النظر؛ ويعترف شيلر من جهة أخرى بأنه كان من ذلك الحين يخشى نقد جيته، وأنه كان متأثراً بتلك العاطفة حينما وضع قصيدته (الفنانون) وتأنق في صياغتها.
على أن الذي لا ريب فيه هو أن لقاء الشاعرين - جيته وشيلر - كان من أعظم حوادث
стр. 5919
حياتهما إن لم يكن أعظمها جميعاً. وسرعان ما تحول ذلك الفتور الذي أبداه الشاعر الأكبر نحو زميله الفتي إلى حب وإعجاب خالصين، ولم تمض أعوام قلائل حتى توثقت بينهما أواصر صداقة عميقة؛ ولم يمنع تنافسهما النبيل في آفاق الشعر أن تبقي هذه الصداقة إلى الأبد، مقرونة بالوفاء الخالص والإعجاب المتبادل، وأن تغدو صفحة خالدة في تاريخ التعاون الأدبي. كان شيلر رجل المثل العليا، وفيلسوفاً ذا آراء ونظريات خاصة في الحياة. ولكن جيته كان رجل الحقيقة، يعرض ما في الطبيعة ويصوره كما يراه؛ وكان شيلر شاعر (الدرامة) وكان جيته شاعر الخيال والفروسية؛ ولكن كلا منهما كان جندياً عظيماً لبناء الآداب الرفيعة وتحطيم الآداب المبتذلة؛ وكان كلاهما قائد عظيم لحركة (العاصفة والدفع) التي كانت ظاهرة التفكير والآداب الألمانية في أواخر القرن الثامن عشر، والتي كانت ترمي إلى تحطيم القديم وتجديد كل شئ؛ وكان لهذه الصداقة الحميمة، وهذا التعاون الأدبي الوثيق بين الشاعرين الكبيرين أثره في نفس جيته وفي نظمه، يبدو ظاهراً في (أغانيه) وفي قصة (هرمان ودروتيا)، وغيرهما مما أخرج في هذا العهد.
وفي سنة ١٨٩ عين شيلر أستاذاً للتاريخ بجامعة بينا بمعاونة صديقه وأستاذه جيته، وفي العام التالي اقترن بالآنسة لنجلفد التي تعرف بها وبأسرتها قبل ذلك بأشهر قلائل؛ وبذلك استقرت حياته، وعاش في نوع من الصفاء والرغد؛ وانكب في هذه الفترة على دراسة التاريخ؛ وألف كتابه عن (حرب الثلاثين) وأصدر مجلة أدبية فلسفية بعنوان (الساعات) كانت نموذجاً بديعاً للتفكير الرفيع، وفيها كان يكتب أئمة العصر: جيته، وهردر، وكانت، وفخته، وماير، وانجل، وجاكوبي، وغيرهم؛ وكان لها أثر عظيم في سير الثقافة الألمانية والتفكير الألماني في ذلك العصر. وكان شيلر من أنصار الثورة الفرنسية التي كانت تضطرم في ذلك الحين، وظهر ذلك العطف في كثير من كتاباته وقصائده حتى أن (المؤتمر الوطني) الفرنسي منحه لقب (مواطن فرنسي). وفي تلك الفترة أيضاً أخرج شيلر درامته القوية (فالنشتاين) (١٧٩٩)، واستمر في تدريس التاريخ في يينا حتى سنة ١٨٠٠، ثم استقال من منصبه، وعاد فاستقر في فيمار إلى جانب جيته؛ وهنالك أخرج عدة قطع جديدة: ماريا ستوارت؛ وعذراء أورليان وعروس مسيني فكان لصدورها جميعاً دوي عظيم؛ وكانت جميعاً من أبدع ما كتب.
стр. 5920
واستقر شيلر في فيمار نهائياً، ولم يغادرها إلا ليزور برلين زيارة قصيرة ليشرف هنالك على إخراج بعض قطعه. وكانت فيمار يومئذ كعبة الأدب الرفيع، يجتمع فيها حول إمامي الشعر، جيته وشيلر، صفوة من أقطاب الشعر والأدب؛ وكانت صداقة جيته وشيلر أبدع وأروع مظاهر هذا المجتمع الأدبي الباهر. وفي سنة ١٨٠٤ كتب شيلر درامته (ولهلم تل) فكانت أعظم قصصه وأروعها. والمعروف أنه استقى موضوعها من صديقه جيته، وكان جيته قد زار سويسرا قبل ذلك بقليل ودرس هنالك تاريخ تل بطل سويسرا القومي، وزار الأمكنة التي تقول الأسطورة إنها كانت ميادين بطولته، لينتفع بذلك الدرس في قصة يعتزم كتابتها عن تل. ولكنه لما عاد إلى فيمار نبذ الفكرة، وأعطى مواد دراسته إلى شيلر لينتفع بها هو؛ فاستقى منها موضوع قصته (ولهلم تل) فجاءت أبدع ما كتب، وأثارت من جيته أيما إعجاب. بيد أنها كانت أيضاً آخر ما أخرج شيلر. ذلك أنه مرض في أوائل سنة ١٨٠٥، ومرض أيضاً جيته في الوقت نفسه؛ واشتدت عليهما وطأة المرض، حتى صرح جيته بأنه يشعر بدنو أجله، وأن أحدهما لا بد ذاهب. ولكن الذي توفي هو شيلر. توفي في الثامن من شهر مايو، في الخامسة والأربعين فقط، فوقع موته في فيمار وقع الصاعقة، وارتدت ثوب الحداد مدى حين. وتلقى جيته نبأ الفاجعة وهو في فراش مرضه، فبعثت إلى نفسه أيما حزن، وسمع ليلاً وهي يبكي أحر بكاء. وكتب يومئذ إلى أحد أصدقائه مشيراً إلى فقد شيلر: (لقد فقدت نصف حياتي)، وغلب عليه الحزن حيناً فأضرب عن العمل والكتابة؛ والى ذلك يشير بقوله: (إن مذكراتي في هذه الفترة صحف بيضاء. والصحف البيضاء عنوان الفراغ في حياتي. ولم يك ثمة شئ يستهويني في تلك الأيام).
وهكذا مات شيلر في إبان مجده وذروة شاعريته، ولم ينعم بالحياة الناعمة المستقرة إلا ردحاً قليلاً؛ فكانت حياته كلها صفحة كفاح مستمر، بيد أنه خرج من هذا الكفاح ظافراً متسماً بميسم المجد والخلود. ولم يكن شيلر شاعراً مبدعاً فقط، ولكنه كان فيلسوفاً عظيماً، وفناناً كبيراً، ومؤرخاً بارعاً؛ وكان يؤمن بالثقافة كوسيلة لرفع الإنسانية إلى ذرى القوة والعظمة، ويرى أن الفن ليس ترفاً لذوي الفراغ والجدة. وليس لهواً يستمرئه الخامل، ولكنه قوة عظيمة ذات أغراض جدية وإن كانت وسائله شائقة سارة، وإن قرين الدين يعاون على تنظيم هذا العالم. وكان ذهناً ثائراً جريئاً جلداً يمجد بالحرية، ويمقت كل صنوف الاستعباد؛
следующие страницы →