← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

فتأثر شيلر بقراءتهما واتجه ذهنه إلى المسرح؛ وكتب بعض القصائد والمناظر المسرحية الأولى، ولكنه مزقها، ثم بدأ بكتابة روايته المسرحية الأولى: (قطاع الطريق). وفي سنة ١٧٧٩ أتم دراسته وحصل على إجازته، وسنحت له بهذه المناسبة أول فرصة لرؤية الشاعر العظيم الذي ملأ صيته ألمانيا يومئذ، ونعني (جيته)؛ فقد وفد مع دوق فيمار على شتوتجارت في فاتحة سنة ١٧٨٠ ليشهدا احتفال الأكاديمية بتوزيع الإجازات. وكان شيلر يومئذ فتى في عشرينه، يحمل إجازة الطب والجراحة، ولكن هوى الشعر يحمله ويملأ جوانحه. وكان يتوق إلى التعرف بزعيم الشعر وإمامه؛ ولم يكن يحلم أنه سيغدو في أعوام قلائل قرينه وزميله الأوفى. ولم يهتم جيته في هذا اللقاء الأول بأمر الشاعر الحدث الذي لم يسمع به أحد بعد، ولكن نجم الشاعر الحدث كان على وشك البزوغ. ذلك أنه ما كاد يعين على أثر تخرجه طبيباً في حامية شتوتجارت بمرتب يسير، حتى عكف على إتمام درامته (قطاع الطريق)، ولكنه لم يلق ناشراً يقوم بطبعها، فاقترض نفقات الطبع من بعض أصدقائه وظهرت القصة سنة ١٧٨١ غفلاً من اسم مؤلفها؛ وهي قطعة مسرحية عنيفة تحمل طابع البداية، وفيها يصور شيلر كثيراً من عواصف حداثته. ومثلت (قطاع الطريق) عقب صدورها في شتوتجارت، ثم مثلت في العام التالي في مانهايم؛ وأحدث ظهورها وتمثيلها ضجة كبيرة. ولكن شيلر لم يؤخذ بهذا النجاح الجزئي. وكانت وظيفته العسكرية تثقل على نفسه، فاعتزم مغادرة شتوتجارت خفية إلى أفق أوسع، وفي أكتوبر سنة ١٧٨٢ غادرها مع صديق موسيقي يدعى شترايشر إلى مدينة مانهايم. وكان يحمل معه مخطوط درامة جديدة هي (فيسكو) فعرضها على مدير مسرح يدعى (دالبرج) فأعجب بها ومثلت بنجاح، وكتب في الأشهر التالية (المؤامرة والحب) ومثلت أيضاً. وكلتاهما قرينة (قطاع الطريق) في طابعها العنيف وحماستها الساذجة. بيد أنه رأى المسرح لم يحقق أمله، ولم تسعفه موارد القطع التمثيلية، فاضطر أن يبحث للعيش عن وسيلة أخرى، ولكن في دائرة الأدب أيضاً، فأصدر مجلة أدبية نقدية اسمها (تاليا) وظهر العدد الأول منها في مارس ١٧٨٥ وفيه قسم جديد من درامته الجديدة (دون كارلوس) ولكنها لم تستقبل بحماسة. وفي ذلك الحين جاء دوق فيمار إلى (دار مشتات) لزيارة صهره (اللاند جراف) وكان شيلر قد سمع كثيراً عن نبله ورفيع خلاله وتعضيده للآداب والفنون، فسار لرؤيته مزوداً ببعض

стр. 5917

خطابات التوصية، فاستقبله الدوق بعطف، وأذن له أن يتلو بين يديه الفصل الأول من (دون كارلوس) فاستحسنه وشجع المؤلف بكلمات طيبة، واستأذنه شيلر في أن يهديه قصته فأذن له، وأنعم عليه بلقب (مستشار) في خدمته، وهو لقب لم تكن له سوى قيمة أدبية واجتماعية. وكان شيلر يومئذ فتى في الخامسة والعشرين يضطرم أملاً نحو العلياء والمجد؛ وكان يقضي حياة عاصفة في الدرس والتفكير والكتابة؛ وكان قلبه الكبير يخفق أحياناً للحب، ولكن في اعتدال ورزانة. ولم تحمل شيلر نحو النساء تلك النوبات الغرامية العاصفة التي كانت تملأ حياة جيته؛ ولكنه عرف الحب في تلك الفترة؛ وتعلق بادئ بدء بفتاة تدعى مرجريت شفان، وهي ابنة كتبي في مانهايم، وكانت فتاة ساحرة لعوباً خطرة الأهواء؛ وفكر شيلر في الاقتران بها ولكن أباها رفض في رقة وأدب لأنه لم يأنس في الشاعر بلا ريب مستقبلاً يحمل على الطمأنينة. ثم تعرف شيلر بعد ذلك على فتاة تدعى شارلوت دوستايم، وشغفت هي به حباً؛ ولكنها لم تلبث أن اقترنت بضابط يدعى (فون كالب)؛ وانتقلت معه إلى فيمار؛ واستحال حب الشاعر ومدام فون كالب بعد ذلك إلى صداقة حميمة استمرت مدى الحياة. وأنفق شيلر في مانهايم زهاء عامين ونصف عام، وهو يشهد آماله تنهار تباعاً، وموارد العيش تضيق به. وأخيراً اعتزم أن يغادر مانهايم، وأن يهجر تلك المهنة التي لم تؤته قوته - مهنة القريض؛ وأن يلتمس العيش من مهنة أخرى مستبقياً للشعر أوقات فراغه؛ فغادر مانهايم بعد وداع ممزق لصديقه الحميم شترايشر؛ وقصد إلى قرية جوليس بالقرب من لايبزج حيث كان يقيم صديقه العزيز (كرنر) وكان كرنر ذهناً رفيعاً وقلباً كبيراً، ألفى فيه الشاعر مثل الصداقة الأعلى؛ فأقام إلى جانبه مدى حين في جوليس ثم في درسدن، وأتم في تلك الفترة قصته (دون كارلوس) (سنة ١٧٨٦). وكان ظهورها طفراً حقيقياً للشاعر، وكانت في الواقع بداية مجده، وحداً فاصلاً بين ماضيه الغامر ومستقبله الباهر. وكانت مدينة فيمار يومئذ كعبة الشعر ومقام إمامة جيته، وفيها يجتمع حول الشاعر الأكبر جمهرة من الشعراء والأدباء مثل هردر، وفيلاند، وماير، ويظللهم دوق فيمار جميعاً برعايته؛ وكان شيلر يفكر منذ حين في السفر إلى فيمار ليجرب حظه في ذلك المحيط الأدبي الزاهر؛

стр. 5918

وكانت صديقته الحميمة مدام فون كالب تقيم هنالك منذ حين؛ وكان فيلاند يدعوه فوق ذلك للاشتراك معه في تحرير مجلته (مركور)؛ فقصد إلى فيمار في أغسطس سنة ١٧٨٧، وقلبه مفعم بالآمال الكبيرة؛ فاستقبله الدوق بفتور، ولكن مدام فون كالوب استقبلته بعطف مؤثر؛ ورحب به فيلاند الشاعر أيما ترحيب، واشترك معه في تحرير مجلته؛ واشترك أيضاً في تحرير مجلة أخرى في (يينا) وترك مجلته الخاصة؛ واستمر يعاون فيلاند مدى عامين، ثم ترك التحرير معه، ولكنه لبث صديقه الحميم. وفي سنة ١٧٨٨، أقام شيلر حيناً في قرية (فولكشتات) الهادئة، وهنالك أتم قصته (الهائم)، وتاريخ (ثورة الأراضي السفلى) الذي بدأه من قبل في ذلك الحين كان جيته في إيطاليا يطوف ربوعها؛ ثم عاد من رحلته في سبتمبر. وكان شيلر يرقب مقدمه ليراه ويتعرف به. وسنحت له هذه الفرصة؛ واجتمع بالشاعر الأكبر وصديقته مدام دي شتاين وهردر في منزل أسرة لنجفلد التي صاهرها شيلر فيما بعد. وهنالك رأى شيلر ذلك الرجل الذي بلغ ذرى المجد، والذي رآه من قبل لأول مرة في حفلة توزيع الإجازات عام تخرجه من المدرسة؛ وكان شيلر يعلق على هذه المقابلة آمالاً كبيرة؛ ولكن جيته استقبله بفتور ظاهر، ولم يكن قد لفت نظره إلى ذلك الحين. وكانت صدمة مؤلمة لشيلر؛ فكتب إلى صديقه كرنر يصف أثر هذا اللقاء في نفسه: (يلوح لي من كل الظروف أن الفكرة السامية لدي عن جيته لم يزعزعها هذا التعارف الشخصي، بيد أني أشك أننا نستطيع أن نتقارب بأي وجه. إن قسماً عظيماً مما يزال يشغلني، ومما زلت أؤمل قد انتهى وقته لديه، والواقع أن كل شخصه يميل إلى ناحية غير التي أميل إليها، وبين وجهات نظرنا اختلاف جوهري. وعلى أي حال فلسنا نستطيع أن نستخلص من هذه المقابلة شيئاً مؤكداً أو ثابتاً. وسوف يعلمنا الزمن ما تبقى). ولما عاد شيلر إلى فيمار من مقامه المنعزل لم يحاول كثيراً أن يرى جيته. بيد أن فتور جيته نحوه لم يدم طويلاً فقد رأى في قصيدته (آلهة اليونان) جمالاً يلفت النظر؛ ويعترف شيلر من جهة أخرى بأنه كان من ذلك الحين يخشى نقد جيته، وأنه كان متأثراً بتلك العاطفة حينما وضع قصيدته (الفنانون) وتأنق في صياغتها. على أن الذي لا ريب فيه هو أن لقاء الشاعرين - جيته وشيلر - كان من أعظم حوادث

стр. 5919

حياتهما إن لم يكن أعظمها جميعاً. وسرعان ما تحول ذلك الفتور الذي أبداه الشاعر الأكبر نحو زميله الفتي إلى حب وإعجاب خالصين، ولم تمض أعوام قلائل حتى توثقت بينهما أواصر صداقة عميقة؛ ولم يمنع تنافسهما النبيل في آفاق الشعر أن تبقي هذه الصداقة إلى الأبد، مقرونة بالوفاء الخالص والإعجاب المتبادل، وأن تغدو صفحة خالدة في تاريخ التعاون الأدبي. كان شيلر رجل المثل العليا، وفيلسوفاً ذا آراء ونظريات خاصة في الحياة. ولكن جيته كان رجل الحقيقة، يعرض ما في الطبيعة ويصوره كما يراه؛ وكان شيلر شاعر (الدرامة) وكان جيته شاعر الخيال والفروسية؛ ولكن كلا منهما كان جندياً عظيماً لبناء الآداب الرفيعة وتحطيم الآداب المبتذلة؛ وكان كلاهما قائد عظيم لحركة (العاصفة والدفع) التي كانت ظاهرة التفكير والآداب الألمانية في أواخر القرن الثامن عشر، والتي كانت ترمي إلى تحطيم القديم وتجديد كل شئ؛ وكان لهذه الصداقة الحميمة، وهذا التعاون الأدبي الوثيق بين الشاعرين الكبيرين أثره في نفس جيته وفي نظمه، يبدو ظاهراً في (أغانيه) وفي قصة (هرمان ودروتيا)، وغيرهما مما أخرج في هذا العهد. وفي سنة ١٨٩ عين شيلر أستاذاً للتاريخ بجامعة بينا بمعاونة صديقه وأستاذه جيته، وفي العام التالي اقترن بالآنسة لنجلفد التي تعرف بها وبأسرتها قبل ذلك بأشهر قلائل؛ وبذلك استقرت حياته، وعاش في نوع من الصفاء والرغد؛ وانكب في هذه الفترة على دراسة التاريخ؛ وألف كتابه عن (حرب الثلاثين) وأصدر مجلة أدبية فلسفية بعنوان (الساعات) كانت نموذجاً بديعاً للتفكير الرفيع، وفيها كان يكتب أئمة العصر: جيته، وهردر، وكانت، وفخته، وماير، وانجل، وجاكوبي، وغيرهم؛ وكان لها أثر عظيم في سير الثقافة الألمانية والتفكير الألماني في ذلك العصر. وكان شيلر من أنصار الثورة الفرنسية التي كانت تضطرم في ذلك الحين، وظهر ذلك العطف في كثير من كتاباته وقصائده حتى أن (المؤتمر الوطني) الفرنسي منحه لقب (مواطن فرنسي). وفي تلك الفترة أيضاً أخرج شيلر درامته القوية (فالنشتاين) (١٧٩٩)، واستمر في تدريس التاريخ في يينا حتى سنة ١٨٠٠، ثم استقال من منصبه، وعاد فاستقر في فيمار إلى جانب جيته؛ وهنالك أخرج عدة قطع جديدة: ماريا ستوارت؛ وعذراء أورليان وعروس مسيني فكان لصدورها جميعاً دوي عظيم؛ وكانت جميعاً من أبدع ما كتب.

стр. 5920

واستقر شيلر في فيمار نهائياً، ولم يغادرها إلا ليزور برلين زيارة قصيرة ليشرف هنالك على إخراج بعض قطعه. وكانت فيمار يومئذ كعبة الأدب الرفيع، يجتمع فيها حول إمامي الشعر، جيته وشيلر، صفوة من أقطاب الشعر والأدب؛ وكانت صداقة جيته وشيلر أبدع وأروع مظاهر هذا المجتمع الأدبي الباهر. وفي سنة ١٨٠٤ كتب شيلر درامته (ولهلم تل) فكانت أعظم قصصه وأروعها. والمعروف أنه استقى موضوعها من صديقه جيته، وكان جيته قد زار سويسرا قبل ذلك بقليل ودرس هنالك تاريخ تل بطل سويسرا القومي، وزار الأمكنة التي تقول الأسطورة إنها كانت ميادين بطولته، لينتفع بذلك الدرس في قصة يعتزم كتابتها عن تل. ولكنه لما عاد إلى فيمار نبذ الفكرة، وأعطى مواد دراسته إلى شيلر لينتفع بها هو؛ فاستقى منها موضوع قصته (ولهلم تل) فجاءت أبدع ما كتب، وأثارت من جيته أيما إعجاب. بيد أنها كانت أيضاً آخر ما أخرج شيلر. ذلك أنه مرض في أوائل سنة ١٨٠٥، ومرض أيضاً جيته في الوقت نفسه؛ واشتدت عليهما وطأة المرض، حتى صرح جيته بأنه يشعر بدنو أجله، وأن أحدهما لا بد ذاهب. ولكن الذي توفي هو شيلر. توفي في الثامن من شهر مايو، في الخامسة والأربعين فقط، فوقع موته في فيمار وقع الصاعقة، وارتدت ثوب الحداد مدى حين. وتلقى جيته نبأ الفاجعة وهو في فراش مرضه، فبعثت إلى نفسه أيما حزن، وسمع ليلاً وهي يبكي أحر بكاء. وكتب يومئذ إلى أحد أصدقائه مشيراً إلى فقد شيلر: (لقد فقدت نصف حياتي)، وغلب عليه الحزن حيناً فأضرب عن العمل والكتابة؛ والى ذلك يشير بقوله: (إن مذكراتي في هذه الفترة صحف بيضاء. والصحف البيضاء عنوان الفراغ في حياتي. ولم يك ثمة شئ يستهويني في تلك الأيام). وهكذا مات شيلر في إبان مجده وذروة شاعريته، ولم ينعم بالحياة الناعمة المستقرة إلا ردحاً قليلاً؛ فكانت حياته كلها صفحة كفاح مستمر، بيد أنه خرج من هذا الكفاح ظافراً متسماً بميسم المجد والخلود. ولم يكن شيلر شاعراً مبدعاً فقط، ولكنه كان فيلسوفاً عظيماً، وفناناً كبيراً، ومؤرخاً بارعاً؛ وكان يؤمن بالثقافة كوسيلة لرفع الإنسانية إلى ذرى القوة والعظمة، ويرى أن الفن ليس ترفاً لذوي الفراغ والجدة. وليس لهواً يستمرئه الخامل، ولكنه قوة عظيمة ذات أغراض جدية وإن كانت وسائله شائقة سارة، وإن قرين الدين يعاون على تنظيم هذا العالم. وكان ذهناً ثائراً جريئاً جلداً يمجد بالحرية، ويمقت كل صنوف الاستعباد؛

стр. 5921

وكان قلباً رقيقاً يفيض حساً وإنسانية؛ خبيراً بأسرار الطبائع والنزعات البشرية؛ وكان مؤرخاً بارعاً ينفذ إلى أسرار التاريخ، ويستوعبها بقوة ودقة. وهذه النزعة التاريخية الناقدة تبدو في كثير من قطعه المسرحية. ولو مد في حياة شيلر، كما مد في حياة صديقه جيته، لظفرت منه الآداب الألمانية بأضعاف ما ظفرت؛ وكان على الأرجح ينازع جيته إمارته في الشعر الألماني، بيد أنه مع ذلك يتبوأ إلى جانبه المقام الأول في عالم المجد والخلود. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5922

٧ - الشخصية للأستاذ محمد عطية الابراشي المفتش بوزارة المعارف وسائل تقوية الشخصية العملية: قلنا فيما مضى إن الشخصية نوعان: عملية وفكرية، وذكرنا شيئاً عن الشخصية العملية، واليوم نتكلم عن الوسائل التي تقويها فنقول: هناك وسائل لتقوية الشخصية العملية نذكر منها ما يأتي: (١) تحديد الغرض ومعرفة الطريق الموصل: إن تحديد الغرض في أي عمل من الأعمال مع معرفة السبيل الموصلة إلى ذلك الغرض من أهم الوسائل المشجعة للإنسان على الاجتهاد في العمل والسير فيه إلى النهاية من غير تردد. وبخاصة إذا صحب العمل بإرادة قوية، وثقة به. فمعرفة الغرض لها أثر كبير في نفوسنا، سواء أكان ذلك الغرض عادياً أم عظيماً. وإن نظرة واحدة إلى العالم تبين لنا أن لكل إنسان غرضاً يسعى ليدركه مهما اختلفت هذه الأغراض. ولكن المهم أن يكون الغرض محدوداً سامياً. كلٌّ له غرض يسعى ليدركه … والحر يعمل إدراك العلا غَرضا فالصياد يقف على شاطئ البحر وعصاه في يده ينتظر بصبر عظيم وملاحظة دائمة، أملاً في اصطياد السمك وما فيه من لذة وإرضاء للنفس، وسائق السيارة يسير في طريقه مهما لاقى فيها من مطر أو ثلج أو ضباب أو غبار رغبة في الوصول إلى مكان معين، وقبطان الباخرة العظيمة في البحر الخضم يقود باخرته في طريق معينة نحو ميناء أو موان معينة في جهات خاصة. وهنا يتمثل تحديد الغرض، ومعرفة الطريق الصالحة، والتأكد منها والثقة بها. وإذا تمثلت هذه الأحوال العقلية في الشخصية الإنسانية كانت من أعظم القوى العملية في العالم. فينبغي أن يكون للشخص غرض معين من العمل يسعى ليدركه ويحققه بكل ما أوتي من عزيمة وقوة ومثابرة وثقة بالنفس؛ حتى ينتفع بقواه العقلية. قال (وردِسورث) شاعر الطبيعة من الإنجليز عن الأفراد الذين يسيرون في الحياة نحو أغراض معينة: (إن اجتهادهم ناشئ عن وازع نفسي ينير الطريق أماهم دائماً؛ فيقدرون

стр. 5923

جمال الطبيعة، ويعملون بما يعلمون، ويثابرون على التعلم). وبعد الوصول إلى الغرض الأول أو المرحلة الأولى من الحياة يمكن التفكير في مرحلة أخرى وتحديدها والعمل للوصول إليها وهكذا إلى نهاية الحياة. قال عمر بن عبد العزيز: (إن لي نفساً تواقة لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة). وقيل: (ذو الهمة إن حط فنفسه تأبى إلا علواً، كالشعلة من النار يضربها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعاً). (٢) الرغبة في العمل: بعد تحديد الغرض من العمل يجب أن تكون هناك رغبة فيه وميل إليه؛ لأن الرغبة: ترفع من شأن العمل الذي تقوم به. تؤدي إلى الإقدام والنشاط وهما القوة الطبيعية للشخصية، وتكون كوازع نفسي أو باعث داخلي يستنهض همتنا ويستحثنا على العناية بالعمل. تمدنا بالقوة التنفيذية، والإرادة الحق الضرورية للوصول إلى أغراضنا. فالرغبة هي الدافع الطبيعي للإنسان نحو العمل مهما لاقى في سبيل ذلك العمل من متاعب ومصاعب. والرغبة الحق هي تلك القوة الروحية التي توحي إلى الشخص للقيام بالشيء بهمة لا تعرف الكلل ولا تقف دونها أي عقبة. فإذا وجدت الرغبة ثم وجدت الإرادة، سهل الطريق مهما كان شاقاً، والحاجة تفتق الحيلة. فإذا رغبت في معرفة صناعة غزل القطن ونسجه كان الذهاب إلى معمل الغزل والنسج أحب الأشياء إليك، وأخذت تشعر بأنه يجب أن تعرف كل شئ يتعلق بالقطن وأنواعه، وأين يزرع، وكيف يزرع، وكيف تتقي آفاته السماوية، وما الأحوال الجوية التي يتطلبها، وكيف يجنى، وكيف يوضع في الغرائر، وكيف يخزن، وكيف يرسل إلى السفن، وكيف يحلج، وكيف يغزل، وكيف ينسج. وكذلك القول في رغبة (ابراهام لنكولن) في تحرير العبيد يوم ذهب مع بعض العمال إلى السوق، فوجد جارية تباع وتشترى فتألم لبيع الإنسانية وشرائها الألم كله، فتمنى لو أعطي سلطة حتى يضرب على الاسترقاق بيد من حديد، فأعطي الفرصة بعد زهاء ثلاثين عاماً بانتخابه رئيساً لجمهورية الولايات المتحدة بأمريكا فكان من أوائل أعماله العمل على تحرير العبيد. وقد أدى ذلك إلى حرب داخلية، ولكن النصر كان أخيراً في جانبه، وبذلك

стр. 5924

يعتبر محرراً للعبيد، مدافعاً عن الإنسانية المظلومة. وإن شدة الرغبة في الإصلاح الاجتماعي هي التي جعلت (شارلز ديكنز) أكبر كاتب ومصلح اجتماعيبإنجلترا في القرن التاسع عشر. وإن الرغبة في شراء أسهم قناة السويس بعد التأكد من فائدتها هي التي خلدت ذكرى (دزرائيلي) بين الإنجليز، وجعلته يعمل بكل ما أوتي من قوة على تنفيذ الشراء مع شدة ما لقي من معارضة في مجلس الأمة، ومن معارضة مدير مصرف إنجلترا، وإن الرغبة في أعمال الآلات هي التي جعلت (أديسون) أكبر مخترع في القرن العشرين، والأمثلة كثيرة لا حصر لها. فبغير الرغبة لا يستطيع الإنسان أن يقوم بعمل عظيم في الحياة. فإذا أردت القيام بعمل من الأعمال - سواء أكان ذلك العمل دينياً، أم اجتماعياً، أم أدبياً، أم علمياً، أم فنياً، أم حربياً - فأوجد الرغبة الصادقة وهي كفيلة بالتنفيذ والنجاح في ذلك العمل. والرغبة نوعان: مباشرة وغير مباشرة؛ فالمؤلف الذي يؤلف كتاباً، أو يكتب مقالة لصحيفة يومية، يجب أن يكون تأليفه وكتابته عن رغبة حقيقية إذا أراد أن يكون لعلمه قيمة علمية أو أدبية، فالرغبة في العمل هي الشرط الأساسي للتقدم والنجاح فيه. ولكن هل الرغبة وحدها تكفي للنجاح؟ الحق أنها لا تكفي، بل ينبغي أن يكون هناك بعض التشجيع الأدبي أو المادي؛ لأن المؤلف أو الكاتب قد لا يكتب حباً في الكتابة فحسب، بل قد يكتب ليعيش، أو ليحصل على ضروريات الحياة أو كمالياتها. فهو ينتظر تشجيعاً، ويجب أن يشجع بتقدير عمله وإعطائه ما يستحق وحينما توجد الرغبة المباشرة الطبيعية في العمل، ثم تصحب برغبة أخرى غير مباشرة كالربح المادي أو المركز الأدبي فإننا لا نتردد أن نقول: إن النشاط يتضاعف والاجتهاد يستمر والعمل يزداد حسناً، ودواعي النجاح تكون أقوى وأشد، لأن الرغبة متوفرة من كلتا الناحيتين المباشرة وغير المباشرة. ولا ننكر أن المثل الأعلى هو أن نعمل حباً في العمل، ونؤدي الواجب رغبة في أداء الواجب، ونقوم بالشيء من غير أن ننتظر جزاءاً أو شكوراً، ولكن من حيث أن الإنسان إنسان فهو يفكر دائماً في النتيجة، وفيما يعود عليه من المنفعة والمكافأة على العمل، وهذه المكافأة نوع من التقدير يشجعه على العمل، ويدفعه إلى أدائه كما ينبغي وكما يجب أن يكون، وكلما كانت المكافأة قيمة زادت الرغبة فيها وكثر التلهف عليها والعمل على نيلها.

стр. 5925

ومعظم الأعمال التي نقوم بها يومياً من قبيل الأعمال التي نؤجر عليها. ويجب أن نصرح بأنه لولا الأجور والمرتبات التي يتقاضاها العمال والموظفون ما قام أحد منهم بعمل قيم. ولا تكفي الرغبة غير المباشرة - كالرغبة في الأجر - للنجاح في العمل واكتساب شخصية قوية، بل لا بد أن تصحب برغبة طبعية وميل حقيقي نحو العمل نفسه، وإلا كان مكروهاً لدى النفس، تبغضه، وتنتظر بفارغ الصبر التخلص منه، كما هو حال العامل الذي لا يجد لذة في عمله، فيترقب انتهاء اليوم ومجيء ميعاد الانصراف بكل صبر، ونحن لا نبغي إلا عملاً مصحوباً بلذة ورغبة وسرور، حتى ننجح في ذلك العمل ونجيده ونجد شوقاً إلى العودة إليه، ونظهر فيه تفوقاً ومهارة. ومن الصعب أن تنبغ في عمل غير محبوب إليك. يتبع محمد عطية الابراشي

стр. 5926

ليلة في مضارب النَّوَر للأستاذ عبد الحليم عباس في سهول حوران التي ليس للأفق في فسيحها حد، وقف الليل يصغي لهذه الفتاة النورية تعبر عن شجو شعب لفظته الحياة، فلفظها وفي صدره غصة، وفي قلبه جرح لا يلتئم. غنت ورقصت كالطير الذبيح. وكانت أغانيها صدى لهذه الغربة الطويلة. من بدء الخليقة زمّوا رحيلاً، يفتشون لهم عن وطن، كادوا يبلغون حد الأفق، ولما يجدوا مبتغاهم، كل شبر فيها ممتلك، وراء الأفق. . . وراء الأفق، عل لكم به داراً. والتمعت الكواكب، فكأنها قلوب تجف، أو عيون تذرف فاطَّلعت إليها، وكأنما ادّكرت أوطاناً مجهولة، وأحباباً خلفتهم عند مطلع الشمس، فاندفعت تغني ما أنقل معناه، وكان غناؤها في هذه النوبة بالغاً في أساه، مشجياً في تعابيره، يحمل في ثناياه ريح الكبد المحروق. قالت: (إيه يا ليل الشجن، ليت جوانبك الفسيحة تطوى، وآفاقك المترامية تتضام على نفسها، فإذا هي في مدى النظر دار وأيكة، نجلس فيها مع الحبيب، لا يفزعنا النوى ولا تطوح بنا المقادير. إيه يا ليل الشجى: ظننا الغربة يوماً وليلة، وما علمناها العمر كله، فمتى تكون الرجعة، ومتى نلتقي والأحبة. إيه يا ليالي، خلفناهم شباباً فبعد عشرين عاماً كيف آضت لممهم السود المعطرة، وشفاهم الريانة بخمر الحياة؟ كيف أضحت وجناتهم الناعمة؟ هل جعدها النوى وغضنتها السنون؟ وقاماتهم المنتصبة كالغصن الرطيب، أظنها انحنت تحت ثقل العمر والشجون. . . ليتني صخرة صماء مشدودة إلى هاتيك الربوع التي أحببت فيها حبيباً لم يغدر ولكن غدرت بنا الحياة. إيه فتاتي! أوصيك ألا تلقي السمع لكلمات الحب تند عن أفواه الشباب الجملية، ما برح مكتوب على شعبك النوري جوب الأرض، وذرع هذه الفلوات. فموت القلب بالخلو من الحب، أخفُّ من احتراقه في جحيم الذكريات. أغمضي عينيك عن الهوى، عن النعمة الكبرى، فلو كنا أهلاً لها، لبرئنا على غير هذه

стр. 5927

الشاكلة. . .). إلى هنا وكأنما طغت موجة الحزن في نفسها، وكأنما فتحت لها الأنشودة عالماً من الذكريات الشجية فجلست مجهودة لاغبة. وكنا في مضاربهم أربعة، كلنا يفهم الحياة إلى غير الوجه الذي يفهمها عليه الآخر، فمنا من يطلب فيها اللذة، ومنا من لا يبالي بلذتها وألمها، ومنا من لا يرى فيها متسعاً للذة، ومنها من يجدف عليها في الصباح، ويهزأ بها عند المساء، وفي الليل يدب إلى لذائذها يعصرها حتى لا يدع فيها بقية؛ ونحن وإن اختلفنا فيها كثيراً نلتقي على شعور بعينه، وهو الحس بألم الغير، والرثاء لآلام الناس. فكان من هذا أن هزنا شعور طيب، هو مواساة هؤلاء المناكيد فكففنا عن طلب الغناء. وساجلهم الحديث منا فتى لبق. قال وهو يوجه كلامه إلى هذه التي غنت وجلست هامدة، كأنما ذابت روحها مع أغانيها: - ألك أخوة يا عزيزتي؟ - نعم، ثلاثة، واحد دفنته في الصين، وأخر واريته في طيبة، والثالث على قيد الحياة. - كلنا سنموت، فكيف رأيت هذه الديار؟ - هي دياركم أنتم، أما دارنا، فهذا البيت الممزق، وظهر هذا البهيم. قال وهو يحبُّ أن يمزج الجد بالدُّعابة ليخفف هذا الألم الطافح ويستل هذا الحزن المستعصي: - ليست الأرض ملكاً لأحد، أما سمعت قول الأديب الأكبر، أهون عليّ أن أتصور الإنسان ملكاً للجبال، ولا أتصور الجبل ملكه. ملكه كيف؟ أيستطيع أن يحمله؟ - لا أفهم ما تعني. - ستفهمين، أجمل ما على أديم الأرض هذه الزهور الناجمة تميس بقاماتها، وأجمل ما فيها هذا العطر يفوح، فهل يملك عطر الزهرة؟ هل تُحجب وجنة السماء عن أعين الرائين؟ أبهج ما في الحياة ملك الجميع، وما بقي فأقوات وفضلات يشترك الإنسان فيها مع أدنى المخلوقات. - صحيحٌ هذا، ولكن هذه أشياء ليس لنا منها أدنى فائدة، أنأكل الكواكب؟ أم نقتات بهذا

стр. 5928

الذي تنشره الزهرة؟ فبهت صاحبنا فنبهناه إلى غلطته، والى أن هذه التي يخاطبها أضيق عقلاً وأسف إدراكاً من أن تفهم مجالي الفن الرفيع. فلم ييأس، وعاد يفهمها، ويأتي باللفظ القريب إلى عقليتها، يقول: إنها لا تقيت، ولكن فيها شيئاً أثمن من القوت، وهل خلق الإنسان لملء بطنه فحسب. . . هل أحببت؟ فكأنها خجلت من هذا السؤال الثائر، فرمت برأسها إلى الأرض، فعاد يلح عليها بالإجابة. - نعم، أحببت، والنَور شعب لا يخجل من المصارحة بمثل هذه الأحاديث. - وهل في الحب لذة؟ - نعم يا أفندي. - أيهما أكبر لذة، الحب أم القوت؟ - الحب يا أفندي. . . - إذن في الدنيا أشياء كثيرة أثمن من القوت، أفهمتِ؟ - نعم. - وهذه الأشياء يتساوى فيها الغني والفقير، والأمير والحقير، بل إن حظ الصعاليك ليربو في بعض الأحايين على حظوظ ذوي الجاه العريض والمنازل الرفيعة. فصمتت، وكأنها تفكر وتزور حديثاً، وبعد حين قالت: والغربة، هل يستقيم معها نعيم؟ أنظر هانحن أولاء نقيم هنا بعضاً من أشهر الصيف، فإذا جاء الشتاء بقره، اضطررنا إلى النزوح كارهين، فنحن نقضي العمر كله رحيلاً، ولو شئت لقلت حنيناً، نحن إلى هذه المرابع، وغدا نحن إلى غيرها إذا أنسنا بها، وهكذا نقضي العمر بالذكريات الموجعة، والحنين الذي يُقطع نياط القلوب. قال: اسمعي، ليس على ظهر هذا السهل - سهل حوران - الممتد شمالاً حتى أذيال الشام، المنفسح غرباً إلى سفوح هذه الجبال التي شاقها منظر سماء عجلون، فنهضت إليها بغابات الصنوبر، وملتف أشجار السنديان والبلوط، لتقبل وجنتها. . . وليتك ترينها في الصباح، والضباب يلفها في مثل غلائل العروس وهي تجاهد بنسيمها المنعش، ونداها العطر لترى

стр. 5929

السماء، فتمزق الردن تارة، وتشقق البنائق أخرى، وهي في كل ذلك آية في السحر والجمال والجلال. . أقول ليس على هذا السهل أخلد حياة، وأكبر فؤاداً وإحساساً من صديقكم شاعر الواد. - أعرفتِه؟ - نعم، فهو يزورنا في غالب لياليه، ويبقى حتى مطلع الفجر. . - هذا الشاعر الضائع يا فتاتي، هو في هذا السهل أضيع منكم غربة، يذيب كبده في لحنه، وتسيل روحه على قوافيه. . . ولا من يسمع. - كيف!؟ إنه لا يحضر إلا ومعه لفيف من صحبه وخلطائه فكيف يكون غريباً في دياره وبين أحبابه؟ - هو غريب وحيد، يأتيكم ليأتنس بكم، هو غريب لأنه لا يجد صدى لروحه، وليست تقاس الغربة ببعد الشقة والنأي عن الوطن، وإنما تقاس بما بين الأرواح والأرواح من تفاوت وتقارب، كم من ضجيعين على مهاد واحد بينهما من البعد ما بين ذاك النجم وهذا الوتد. فهزت النورية رأسها فعل الحائر الذي لم يفهم. وكنا ضقنا بصاحبنا ذرعاً، وأسمعناه من قوارص اللوم والاستخفاف بفلسفته التي جاء يلقيها في مضارب النَوَر شيئاً كثيراً، وكأنه تعب. . فلم يعمل في هذه المرة على إفهامها. . . فقلنا له متندرين مالك؟ عد إلى وصول قولتك، وشرح فلسفتك. قال: أطلتم اللوم، لقد نلنا مبتغانا، أما كان عزمنا أن نذهب بشيء من ألم هذه الفتاة، فها هي الابتسامة تسيل على شفتها، وشفاه عدة من قومها، قلنا: غلطت يا أستاذ، فما هي ابتسامة الصفو، وإنما هي ابتسامة الاستخفاف بك، والهزء من أقوالك. - ليكن، فما يضيرني أن أكون ساعة موضع سخرية النَّور. . وطلعت علينا الشرطة، فخفقت قلوبهم، فراحوا يلملمون أنفسهم، ويلقون علينا نظرات الرجاء أن نكفيهم شر هذا البلاء فكنا عند حسن ظنهم. وقمنا إلى السيارة، ولما تبوأنا مقاعدنا جاءت النورية وهمست في أذن صاحبها: - أيوجد مثلنا أناس يذوقون حر سياط الجنود الغلاظ الأكبد؟ وهل يساوينا أحد في هذه

стр. 5930

النعمة؟ - نعم يا فتاتي، ليست هي على ظهوركم بأشد نكاية وألماً وأثقل وطأة منها على ظهور الأحرار. - ومن هم الأحرار؟؟ لا أدري، أخشى سياطهم إن تفوهت، وتلمس جنبه كأنما أحس بألمها، هم، هم صفـ. . . . وة رجال الو. . . طن، في كل أمة، سلي عنهم مصر. . .! وضاع الصوت في لجب هذه الرعناء. شرق الأردن عبد الحليم عباس

стр. 5931

حول مقال الشخصية جاء في العدد (٦٨) من مجلة الرسالة الغراء في مقال الأستاذ محمد عطية الأبراشي عن الشخصية بعض الأخطاء من الوجهة العلمية: فقد قال الأستاذ: (٢) (والغدد النكفية وهي غدد صغيرة اسفل العنق ولها صلة بالذكاء، فإذا كانت قوية الإفراز كان الشخص ذكياً وبالعكس.) ومن المعلوم أن الغدد النكفية هي الغدد التي بجوار الأذن وليست بأسفل العنق، وتسمى بالإنجليزية وليس لها أي دخل في الذكاء، بل كل إفرازها يصب في الفم بواسطة قناة يقرب طولها من الثلاثة سنتيمترات، ووظيفة إفراز هاتين الغدتين كما دلت كل التجارب هي تحويل النشويات إلى (ملتوز) ولها وظيفة ثانية هي المساعدة على ازدراد الطعام وتليينه وليس لها غير هاتين الوظيفتين. أما قوله بأنها غدد صغيرة في أسفل العنق فأضنه قد أراد الـ وهذه الغدد أيضاً ليس لها تأثير كما هو ثابت على الذكاء بل تأثيرها على (الكلسيوم) الموجود بالدم ومن ثم على العظام نفسها، ولهذه الغدد وظيفة أخرى خاصة بالأعصاب، إذ لو قطعت هذه الغدد لأصبح تأثر العضلات سريعاً ولاشتدت قوة انقباضها، وليس لها غير ذلك كما ثبت بالتجارب وقد يكون لها، لكن العلم لم يقل كلمته بعد وقد سمى حضرته الـ بغدة تفاحة آدم، وأضن أن من المستحسن إطلاق الاسم العربي المتداول وهو الغدة الدرقية فهو أسهل وأقصر محمد رضوان بكلية الطب

стр. 5932

بين فن التاريخ وفن الحرب ٧ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد. معركة بزاخة: يقول ابن الكلبي إن بزاخة ماء لبني أسد، ولم يوضح لنا ياقوت هذا المحل في معجمه، والذي يلوح لنا أنه في جنوبي فيد في وادي الغمير على الطريق الذي يصل فيد بالبريدة. فالأرض فيه سهلة وهي صالحة للقتال. ولعل المعركة وقعت في نهاية أيلول (سبتمبر) أو في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) إذ مضى على حركة خالد من ذي القصة ما يقارب الخمسة عشر يوماً، وبعد أن أمن خالد جانب طيواستنجد بهم تقدم رأساً نحو بزاخة يريد طليحة. وتقدمت أمامه قوة استطلاع بقيادة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، وتدل الأخبار على أن المرتدين باغتوا هذه القوة وقتلوا قائديها، وكانا من فرسان المسلمين المشهورين، وكان جيش طليحة متأهباً للقتال يقود بني أسد سلمة أخو طليحة، ويقود فزارة عيينة ابن حصن ومعه سبعمائة فارس من فزارة. ومن الروايات ما يدل على أن خالداً وقف بالغمير قبل شروعه في القتال، وإن كانت الرواية التي يرويها الطبري نقلاً عن سيف لا تذكر ذلك بوضوح، وخلاصة الرواية أن أحد المسلمين أخذ رجلاً من بني أسد فأتى به خالداً، وكان الرجل عالماً بأمر طليحة فسأله خالد عما يعلمه عن طليحة. وموقع الغمير رابية تشرف على مياه بزاخة واسمه في الخريطة جبل الغمير ومنه ينصب وادي الغمير. ولعل خالداً أرسل قوة الاستطلاع من هذا الموقع ليستكشف قوة العدو وموضعه وجيش

стр. 5933

المسلمين في موضع مسيطر. ولعل عكاشة وثابتاً قتلا لما كانا يقومان بالاستطلاع فقتلتهما الطليعة التي أوفدها طليحة بقيادة أخيه سلمة فنصب كميناً لقوة الاستطلاع وباغتها، ولما اطلع المسلمون على مقتل عكاشة وثابت هالهم الأمر. ومن الروايات ما يشير إلى أن خالداً لم يزور عن طريقه كما تقدم من ذي القصة إلى بزاخة إلا بعد ما رأى الجزع المستولي على أصحابه عند مقتل عكاشة وثابت فمال بهم إلى حي طيء وقال لهم: (هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حي من أحياء العرب كثير عددهم كثير شوكتهم. . . الخ). ولعل هذه الروايات ذكرت لتسويغ ازورار جيش خالد عن طريقه نحو بلاد طيء على ما أثبتناه فيما تقدم، إذ لا يعقل أن يصيب المسلمين الجزع بمجرد أن يقتل منهم فارسان، والروايات ذاتها تذكر قتل عكاشة وثابت بيد طليحة وأخيه سلمة بمعنى أن القتال وقع بالقرب من بزاخة فيكون من الصعب أن يدير خالد ظهره ويترك عدوه ويتوجه نحو بلاد طيء بينما كان أهلها مترددين. والواضح من هذه الروايات أن خالداً قدر سير الموقف قبل مسيره من ذي القصة. القتال رتب خالد جيشه في خط القتال وجعل الأنصار والمهاجرين في الميسرة ورجال القبائل في الميمنة، ولعل أهل طيء كانوا في القلب مع بعض القبائل. أما جيش طليحة فكان عيينة بن حصن مع سبعمائة فارس من فزارة في الصف الأول، وكان طليحة بن خويلد في القلب يشرف على القتال، وفي أطرافه أربعون فتى من بني أسد استماتوا في الدفاع عنه. وكانت راية بني أسد حمراء رآها المسلمون من بعيد. وتدل الأخبار على أن القتال بدئ بهجوم الفريقين أحدهما على الآخر، فكان عيينة بن حصن يقود الفرسان، أما حبال وسلمة أخوا طليحة فكانا يقوم المجنبتين من جيش الأعداء. ويذكر الواقدي نقلاً عن رجل من هوزان حضر قتال بزاخة أن المسلمين فازوا بالمعركة بفضل البطولة التي أبداها خالد بن الوليد. ويقول الراوي أن ميمنة المسلمين ارتدت على أعقابها لما هاجمها الأعداء فأثر ذلك في الميسرة فانسحبت بدورها، فتدارك الأمر خالد بحملته على الأعداء وندائه يا أنصار الله!

стр. 5934

الله! فحمس هذا النداء المتراجعين وكروا على الأعداء ملتفين حول خالد فتقاتل الفريقان بالسيوف، فترجل خالد عن ظهر جواده وحارب راجلاً، ولما رأى أصحابه أن الخطر محدق به التمسوا منه أن يترك خط القتال ويقف في الوراء ويقود الجيش إلا أنه امتنع عن ذلك. وفي رواية أخرى للكلبي أن المسلمين لما تراجعوا أتى رجل من طيء خالداً وكلفه بالاعتصام بجبلي سلمى وأجأ، إلا أن خالداً رد طلبه قائلاً إنه يعتصم بالله. وبقي طليحة في القلب إلى قتل فتيانه جميعاً فانسحب إلى الوراء والتف بكسائه يتحين الفرص. ولما ضاقت الدنيا بعيينة بن حصن سأل طليحة هل جاء الوحي وهذا يقول له لا فيرجع يقاتل، وفي الكرة الثالثة قال طليحة لعيينة إن الوحي يقول له: (إن لك رحى كرحاه وحديثاً لا تنساه) فتأكد عيينة أن الدائرة تدور عليه، فنادى يا بني فزارة انصرفوا فهذا والله كذاب. فانصرفوا وانهزم الناس. أما طليحة فأعد فرسه وهيأ بعيراً لامرأته فوثب على فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها، ولما سأله قومه ماذا يأمر، قال (من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل). ووقع عيينة أسيراً بيد خالد فكبله بالحديد وأرسله مخفوراً إلى المدينة. وكان المرتدون تركوا عيالهم خلفهم في محل أمين لكي لا يسبيهم المسلمون، لأن العرف كان يقضي في ذلك الزمان بسبي النساء واتخاذهن إماء، ولم تنته المعركة حتى عاد الكثير من بني أسد وفزارة إلى خالد وجددوا إسلامهم خشية على الذراري. واغتنم المسلمون غنائم كثيرة في معسكر الأعداء من جمال وحمير وسلاح وغير ذلك. لم يكتف خالد بهذه الغنائم بل أوفد السرايا إلى جهات مختلفة لمطاردة المنهزمين والتقت لهم في جبل رمان في جنوب جبل سلمى وفي الأبانين على جانبي وادي الرمة وهما رابيتا أبان الأسود في شمالي الوادي وأبان الأبيض في جنوبه وأسرت كثيرين منهم وصادرت خيلهم وسلاحهم. ولما نشب القتال بين المسلمين والمتردين في بزاخة كان بنو عامر بن صعصعة على الحدود يراقبون مجرى القتال وينتظرون العاقبة. وبعد أن انتهى خالد من أمر بني أسد وفزارة عرج على حي طيء ومكث بين أكناف سلمى وأجأ، ولعله أراد بذلك أن يقرب من حي بني عامر وينهي أمرهم. هذه القبائل كانت في

стр. 5935

الأرض الواقعة إلى شمال شرقي بلاد طيء بين الدهناء وجبل شمر. فأوفد بنو عامر وغطفان وفودهم إليه وجددوا إسلامهم. يبدو أن خالداً لم يكتف بذلك بلفرض عليهم جانباً كبيراً من السلاح جزاء ترددهم كما أنه جمع سلاحاًمن بني أسد أيضاً. وكان للسلاح شأن كبير في هذه الحروب، وكان المسلمون بحاجة إليه لجهزوا به الجيوش، وسبق أن أغنياء الصحابة في عهد الرسول كانوا يجهزون المقاتلين للغزوات. واحتفظ خالد بهذا السلاح ووزعه بعد ذلك على رجال القبائل الذين أسرعوا إلى الانضمام إلى جيشه كما وثقوا بالنصر. القتال في ظفر: تدل الأخبار على أن خالداً لم يمهل الشاردين بل إنه لما علم أن أم زمل سلمى جمعتهم حولها في ظفر وشجعتهم على المقاومة توجه فوراً نحوها فقاتلها قتالاً شديداً وهي واقفة على جمل أمها أم قرفة تحمسهم على القتال، وقد اجتمع على الجمل جمع من فرسان المسلمين فعقروه وقتلوها وقتل حول جملها كما تذكر الرواية مائة رجل. وكان قيام أم زمل وتشجيعها للناس على قتال المسلمين طلباً للثأر. المطاردة: ورب منتقد يعتب على خالد إهماله المطاردة بعد انتصاره في بزاخة إذ كان في وسعه أن يطارد الأعداء ولا يمهلهم للمقاومة مرة أخرى، إلا أن العتاب ليس في محله، لأن القتال في البادية مع القبائل لا يشبه القتال في الحواضر، فالقبائل بعد أن تغلب تنهزم إلى جهات مختلفة بعد أن تترك حيها وتلجأ إلى الأحياء القريبة وتستنجد بها ولا تقصد هدفاً ترمي إليه. وكان خالد مضطراً إلى البقاء في بزاخة ليقبل إسلام المرتدين ويعاقب من مثل بالمسلمين منهم عملاً بوصايا أبي بكر. وكان خالد قبل ذلك أوفد السرايا إلى أنحاء مختلفة ليقضي على المتشردين فقاتلهم في جبل رمان على حدود طيء، وقاتلهم في الأبانين على حدود بني سلم، وقاتلهم في النقرة على حدود بني تميم فكل ذلك يدل على أن خالداً استثمر نصر بزاخة ولم يمهل المنهزمين بل طاردهم بكل شدة.

стр. 5936

يقع موقع ظفر كما يذكر ياقوت الحموي بالقرب من حوأب، وهذا على الطريق بين البصرة والمدينة. كانت عائشة قد تشاءمت من نباح كلابه لما رحلت من المدينة إلى البصرة للاشتراك في وقعة الجمل. ولعل موقع ظفر يبعد عن بزاخة مسافة مرحلتين وهو إلى شرقي كهفه. فالفلول الشاردة من بزاخة التجأت إليه، وكانت أم زمل تحرضهم على الاجتماع فيه لمقابلة خالد. فالمسافة بين بزاخة وظفر يجب أن تكون بعيدة بدرجة أنها تساعد الفلول على الاجتماع مرة أخرى للقتال. تقدم مسير خالد نحو البطاح لقتال بني تميم البطاح: - لا نعلم بالضبط المدة التي قضاها خالد في حي بني أسد بعد أن انتصر على طليحة في بزاخة. والمؤكد أن خالداً استثمر فوز بزاخة فقام بمطاردة فلول الجيش المنهزم، ولما سمع أن بعض الفلول اجتمع في ظفر تحت راية أم زمل تقدم بجيشه إليهم وهزمهم شر هزيمة كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. والظاهر من ذلك أن خالداً قضى أكثر من شهر في حي بني أسد على أقل تقدير، ولما استتب له الأمر في نجد وتأكد معونة طيء ودان له بنو عامر وبنو صعصعةانتهز الفرصة ليتقدم نحو بني تميم. وكان بنو تميم من أقوى القبائل العربية لكثرة عددها وخصب أرضها وشدة بأسها. وتنقسم هذه القبيلة إلى أربعة أقسام: القسم الأول - الرباب وهم من شعب ضبة وعبد مناف. القسم الثاني - عوف والأبناء ومقاعس وبطون وهم من شعب سعد بن زيد مناة. القسم الثالث - يهدي وخضم وهم من شعب بن عمرو. القسم الرابع - حنظلة ويربوع وهم من شعب بني مالك. وكان الزبرقان بن بدر يترأس رباب وعوفاً والأبناء، وقيس ابن عاصم يترأس مقاعس والبطون، وصفوان بن صفوان يترأس بطن يهدي، وسيرة بن عمرو يترأس بطن خضم، ووكيع بن مالك يترأس بني حنظلة، أما مالك بن نويرة فيترأس بني يربوع وهم فرقة من بني حنظلة. وكان بنو يربوع يسكنون أرض الحزن غربي الدهناء، أما بنو حنظلة فيسكون الدهناء

стр. 5937

والصمان، وأرض الصمان في شرقي الدهناء، والحزن والصمان كلاهما ذو مراع خصب يضرب بها المثل. وكان من حسن حظ المسلمين أن هذه الشعب والبطون لم تكن متصافية فيما بينها، ويظهر أن الخصومة كانت متأصلة فيها من قبل الإسلام. فصفوان وسبرة متفقان، أما قيس بن عاصم فخصم للزبرقان. وكان الزبرقان وصفوان يميلان إلى المسلمين وينتظران المعونة منهم ليتفوقا على خصومهما. أما قيس بن عاصم فكان متردداً. وأما وكيع بن مالك ومالك بن نويرة فتظاهرا بالعداء للمسلمين، وكان العداء متأصلاً في نفوس الرؤساء لدرجة أن البطون والشعب كانت تتقاتل. ولما ظهرت سجاح اشتد هذا العداء، وادعت سجاح النبوة في بني تغلب في أرض الجزيرة بين دجلة والفرات، وهي ترتبط ببني يربوع برابطة القرابة، فجمعت حولها جموعاً من بني تغلب وبني نمر وبني أياد وبني شيبان، وتقدمت بهم إلى بلاد بني تميم، ويدل مجرى الوقائع على أنها ادعت النبوة قبل وفاة الرسول. ماذا كانت تقصد سجاح بمسيرها جنوباً نحو بلاد تميم؟ هل أرادت أن تمهد السبل لتأسيس مملكة بين العراق ونجد تضم فيها قبائل بني تغلب والبعض من بطون بكر وبني تميم؟ أو أنها أرادت الهجوم على المدينة كما يروي سيف بن عمر؟ ثم هل شرعت في المسير قبل وفاة الرسول أو إن وفاته شجعتها على المسير؟ هذه أسئلة تصعب الإجابة عنها بصورة جازمة. والذي يلوح لنا أنها لم تكن تقصد لا هذا ولا ذاك، ولعلها برزت بالكهانة وأحسنت السجع فالتف حولها الناس، وأرادت أن تستغل نفوذها فسارت برجالها، وكلما مشت كثر أتباعها حتى أدى بها المسير إلى الدخول في أرض بني تميم. ومع ذلك فمن المحقق أنها بدخولها ديار بني تميم أرادت أن تستفيد من القرابة التي تربطها بهم. وهذه القرابة غير واضحة، ومن الرواة من يزعم أنها تميمية من بني يربوع وأخوالها من بني تغلب، ومنهم من يدعي أنها تغلبية وبنو يربوع أخوالها. والواضح من أخبار الرواة أنها دخلت بلاد بني تميم بعد وفاة الرسول. وكان دخولها مما زاد الشحناء بين رؤساء بني تميم فأراد كل منهم أن يستغلها لمصلحته، والغريب في أمر بني تميم أنهم لم يخضعوا لرئيس واحد أسوة

стр. 5938

بالقبائل الأخرى، فكان لبني أسد رئيس ولبني حنيفة رئيس ولغطفان رئيس وهلم جرا. يتبع طه الهاشمي

стр. 5939

في الأدب الدرامي ١٣ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات الدرامة في خلال القرون كان لهذا النوع أوائل في أدب الإغريق واللاتين ظهرت في أشكال مختلفة وأسماء متعددة، وظلت محافظة على وجودها أثناء العصور الوسيطة وبعد عصر النهضة في ثوب الرواية الجدية الهزلية، ولكن الدرامة بمعناها الحديث لم تعرف إلا في القرن الثامن عشر حين كتب (لاشوسيه) مدرسة الأمهات، و (ديدرو) رواية الابن الطبيعي، و (سيدين) رواية الفيلسوف بغير علمه، و (بومارشيه) رواية الأم المجرمة، و (فولتير) روايتي نانين والطفل المبذر. وقد كان هؤلاء المؤلفون يقتبسون موضوعات رواياتهم من الحياة الحضرية والمعيشة المنزلية، ويملئونها بالحساسة المتصنعة والآراء الفلسفية والحكم الخلقية في لهجة تارة تكون بكائية وتارة تكون خطابية. على أن هذه الدرامة لم تلبث أن نزلت إلى مكان المأساة العامية (الميلودراما)، وهي درامة تسير بالموسيقى وتفيض بالضربات المسرحية العنيفة، والمواقف الشديدة المخيفة، والعمل الروائي المعقد، وتدين بنجاحها إلى إثارة الشعور وإهاجة الوجدان. ثم أدرك الدرامة الخمول وأخلقها الترك فامحت من المسارح حوالي سنة ١٨٣٠ حتى جاء أرباب المذهب الابتداعي فنفخوا فيه من روحهم وبعثوها إلى الحياة في شكل جديد، واختاروها ميداناً للمعركة الحاسمة بينهم وبين رجال المذهب الاتباعي، فرفع هوجو لواءها وشرع منهاجها في مقدمة كرومويل سنة ١٨٢٧ وجعل ميزتها الظاهرة امتزاج الجد والترفع بالهزل والمجون على نحو ما تجد في روايات شكسبير. ثم أخذ هذا المذهب الحديث يتحلل من قواعد المذهب القديم، ولا سيما قانون الوحدات الثلاث كما ترى ذلك ظاهراً في روايات الزعيم كرناني وكرمويل وماريون دلوزم وروي بلاس وبيرجراف الخ. على أن سهم الابتداعيين قد طاش، وأملهم في إصلاح المسرح قد كذب. فقد تجد في روايات هوجو درراً من الشعر الرصين، وغرراً من المقطوعات البليغة، وصوراً من المواقف التي تسترق الشعور وتملك القلب، ولكنك تجد

стр. 5940

بجانب ذلك البناء الواهن والإحالة القبيحة والعمل المرتبك والتاريخ المشوه، فضلاً عن أنه أحل الطباق والمقابلة محل النظر والملاحظة، وملأ المسرح بالأنماط الغريبة من الناس كقاطع الطريق الشهم (هرناني)، والخادم الوزير (روي بلاس)؛ ولم يجد في طبقة السراة إلا أنماطاً ممقوتين أو مجرمين، أما الطبقة السفلى فهي عنده مستودع العواطف الكريمة والأخلاق القويمة. ثم إن الدرامة الابتداعية خلت خلو الميلودراما من دروس العواطف وتحليل الأخلاق، وتعدت حدود المنطق في سير العمل، وسترت كل ذلك بسيل من الحوادث الخارقة، والمسائل المعقدة، والمفاجآت المدهشة، وما يتخلل ذلك من المبارزة والقتل والتسميم والخطف والتعرف. لذلك لم يصطبر الناس على هذه الدرامة طويلاً فملوها وأغفلوها، وحلت محلها في المسارح والقلوب في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر الملهاة الاجتماعية، أو الملهاة الحديثة، أو الملهاة المبكية، أو الدرامة الواقعية. وهي في الحقيقة طور من أطوار الدرامة التي بدأها (ديدرو) ورفع سَمْكها اسكندر دوماس الصغير، وأميل أوجييه وفيكتوريان سادرو. تستمد من الدرامة التاريخية عناصر الجد، ومن ملهاة (اسكريب) فن التعقيد، ومن قصة بلزاك درس العادات وتحليل الأخلاق، وتدور موضوعاتها على بحث المسائل المتعلقة بالمال والأسرة، وما ينجم من صراع الطبقات، وصدام الجماعات؛ وتعني على الأخص بوصف العادات والسعي في تهذيبها وإصلاحها. وكان لاسكندر دوماس الفضل في تطبيق المذهب الواقعي على هذه الملهاة أو الدرامة بتأليفه ذات الكاميليا وهي درامة جريئة الفكرة، طريفة البحث، جديدة الشكل، أحدثت في المسرح انقلاباً خطيراً كان له أثره ونتيجته حتى اليوم. لأن المؤلف كان أول من زين المسرح بالأثاث الجديد وأظهر الأشخاص في اللباس العصري، ومثل البيئة الحاضرة في شكلها الحقيقي، فهو خلق الملهاة الحديثة كما خلق من قبلها الملهاة العلمية وهي مبنية على نظرية سماها المسرح النافع ملخصها أن الكاتب المسرحي يجب أن يبادر إلى حل المشاكل الاجتماعية على المسرح وإلا كان مضحكاً مهرجاً. يجب أن يعرض على الناس ما يشغلهم من مشاكل الأسرة، ويثقلهم من أحوال المجتمع، ثم يناقش هذه المسائل، ويحل هذه المشاكل بتغليب الخير على الشر، وإقرار الحب في النفوس مقر المال. وظل المسرح اليوم في فرنسا جارياً على سننه المشروع في منتصف القرن التاسع عشر

стр. 5941

في شئ من البساطة والسهولة. وأشهر الملاهي الدرامية في العهد الأخير ما كتبه الأستاذ جول لمتر إما تحليلاً للعواطف (كالثائرة) و (الغفران)، وإما زراية على ذميم العادات (كالنائب ليفو). وكذلك الأستاذ هنري لافادان عني بدارسة المجتمع الفرنسي الحديث، وعرض لما ينجم عن المنافسة بين طبقاته من المشاكل المعضلة والمسائل العويصة في رواية (أمير أُوريك). ثم المنطقي الجبار بول هرفيو فقد عالج المشاكل الاجتماعية التي تتولد من الزواج والطلاق، ونحا في بحثها منحى اسكندر دوماس الصغير في رواياته العلمية ولكنه كان أكثر منه بساطة وأشد جفاء. كتب ذلك في ملاهيه المشهورة، وهي التيه والكلبتان (الكماشة) وقانون الرجل وأعرف نفسك - وشوط القبس ولا تزال هذه الرواية إلي اليوم أبلغ روائعه وواسطة بدائعه. ثم الأستاذ (بريو) مؤلف القباء الأحمر والأستاذ فرنسوا كوريل مؤلف الدمية الجديدة، ونشوة الحكيم والأستاذ (الفريد كابو) مؤلف الحظ والطير الجريح، والأستاذ (هنري برنستين) مؤلف السارق، والسر، وشمشون. ولا نريد أن نسترسل في ذكر أسماء الكتاب المعاصرين، فأكثرهم لا يزالون يؤلفون ويرزقون. وإنما ذكرنا منهم من سبق لنقول لك أن ما ألفوه قد يطلق عليه أحياناً اسم الدرامة، وأحياناً اسم الملهاة الدرامية أو الجدية، والاسم الثاني أدق لما ذكرناه من الفرق بين النوعين. هذا مجمل ما أتى على الدرامة من الأطوار في فرنسا. أما في أسبانيا فالمسرح قومي محض، ولد في الكنيسة وظل على صفته الأمية حتى جاء عصر النهضة، فجنح بعض الكتاب إلى بناء المسرح الأسباني على الطراز الإغريقي، ولكن ذوق الجمهور أحالهم عن ذلك القصد وصرفهم عن محاكاة المأساة الاتباعية فسخروا من قانون الوحدات الثلاث، وجمعوا في الرواية الواحدة بين الحوادث المضحكة والمواقف المفزعة، وبين سراة الطبقة العليا وصعاليك الطبقة الدنيا. ثم كانوا يعقدون العمل ويفخمون الأسلوب، حتى سرت من روحهم نفحة إلى كوريني وكان الشرف محور مآسيهم، وموضوع حوادثهم، ومكان قوانينه الصارمة منها مكان القدر من مآسي الإغريق. على هذه القواعد والصفات كتب نابغتهم الخالد لوب دي فيجا (١٥٦٢ - ١٦٣٥) مآسيه، وهي لا تقل عن ألفي مأساة، يدخل منها في باب الدرامة الروايات التاريخية (ككشف العالم الجديد) وروايات (سان سَكْرِ مَنْت)

стр. 5942

كوراث السماء. وقد تميز هذا الكاتب بالخيال الخصب، والقريحة المتقدة، والتنوع البديع، والقدرة المعجزة على تصوير الأخلاق، ولا سيما أخلاق النساء. وكان همه أن يعرض الحوادث دون أن يشرح أسبابها، ويمثل الحياة الحقيقية دون أن يطرز أثوابها. ثم يليه في النبوغ والأثر (كالدرون دي لاباركا) (١٦٠٠ - ١٦٨٠) وقد بقي من دراماته اثنتان وسبعون درامة أشهرها (الحياة حلم) و (كرامة المولى). وأما في إنجلترا فقد ولد مسرحها في الكنيسة أثناء العصور الوسيطة كما كان الأمر في فرنسا وأسبانيا، وكذلك لم يقو تقليد الكتاب والشعراء لآداب المهمة على الحيلولة بين الدرامة الحديثة وبين الانتشار والتقدم. ففي القرن السادس عشر جاء (مارلو) فهز النفوس وحرك المشاعر بمآسيه (أدوار الثاني) و (يهودي مالطة) و (موت الدكتور فوست وحياته). ولكن شكسبير ظهر فأخفت ذكره ووضع قدره. وكان القدماء من أرباب المذهب الاتباعي يذكرون شكسبير بالسوء، ويتناولونه بالنقد حتى لقبه فولتير: (بالمتوحش السكران). أما أرباب المذهب الابتداعي فيرونه مثال الفن الروائي، ورسول الشعر التمثيلي. وقد سردنا لك فيما سبق طائفة من مآسيه في بعضها ما يشبه الدرامة، ولكن دراماته الحقيقية هي: صاع بصاع، تاجر البندقية؛ وقطعه المقتبسة من تاريخ إنجلترا، كالملك حنا، وريشارد الثاني، وهنري الرابع، وهنري الخامس، وريشارد الثالث، ودرامات شكسبيرعلى الجملة ضعيفة البناء، بعيدة الأمكان، متكلفة الأسلوب. وقد أراد أن يمثل فيها مناحي الإنسانية كلها، فجمع بين العظيم الرفيع والعامي الخليع والمضحك الماجن، وجعل العواطف الرقيقة الوادعة بجانب الأهواء العنيفة الفاجعة، ولم يقنع بتمثيل الحوادث مجردة، بل حرص على أن يصور الأهواء والعواطف التي صدرت عنها وتولدت منها. وأما في ألمانيا فليسنج (١٧٢٩ - ١٧٨١) هو خالق مسرحها القومي: وقف بين مواطنيه وبين المأساة القديمة، فحال بينهم وبين تقليدها، ودعا الناس قبل الابتداعيين إلى الأخذ عن شكسبير، والى وضع الأساس لبناء المأساة العصرية. وأشهر مآسيه (منا دبر نهلم) و (ناتان الحكيم) و (أمليا جالوثي). أما جيته فقد جمع بين الذهن القديم والعبقرية الحديثة، وقد ظهر ذلك جلياً في دراماته، وأشهرها (جوتْر دِيرْ ليشِنْجِنْ) و (تركاتو تاسو) و (إِجْمُنْت) و (فوست). فأما (جوتر) فهي صورة قوية - وإن تكن غير جلية - لألمانيا في أواخر

стр. 5943

العصور الوسيطة. وموضوعها أن السيد جوتر لا يعترف لأحد بالسلطان غير الإمبراطور، فهو يشعل الثورة في رؤوس الفلاحين، ويقودهم لمحاربة النبلاء والكهنة، ثم ينتهي أمره بالأسر والسجن في قاع مظلم بقية حياته. وأما درامته فوست فهي مجده وخلوده تجدها غامضة في جملتها ولكنها رائعة في تفصيلها. موضوعها أن الدكتور فوست تبرمه الحياة ويعنته الوجود ويكربه فراغ نفسه فيتعاطى السحر، ولكن اليأس يحتوشه فيدفع به إلى الانتحار. وبينما هو متردد بين الحياة والموت إذ يفجأه قرع الأجراس المؤذنة بدنو عيد الفصح فيذكره بقيامة المسيح ويأفكه عن عزمه المشئوم، إلا أن الشك يعاوده، فيدفعه إلى محالفة الشيطان فيبيعه نفسه على أن يمتعه بزهرة الحياة ونعيم الدنيا. فيؤتيه الشيطان من كل شئ إلا السعادة، فيشرف على الموت، إلا أن ماري تدركه فتنجيه. وعلى طريقة جوت كتب صديقه شيلر دراماته الرائعة كدرامة اللصوص، ودون كارلوس، ووليام تل. وأنبه الكتاب الروائيين في ألمانيا اليوم هو (جيرار هوبتمان). ومن فحول الدرامة في العصر الحديث الكاتب النرويجي (جوهان إِبْسِنْ) (١٨٢٨ - ١٩٠٦) وكان ينزع في مآسيه الدرامية نزعة فلسفية اجتماعية، فهي من الدرامات العلمية أو الرمزية، وقد سما فيها بقوة الفرد وهمته إلى أبعد غاية وأرفع منزلة حتى لو ناقض ذلك الدين والتقاليد. أشهر دراماته بيت العروس والأرواح والكنار الوحشي. يتبع (الزيات)

стр. 5944

من مشكلات الحياة قصة فتاة تلقينا هذه الكلمات من فتاة سورية فلخصناها وعرضناها على القراء كما شاءت. وسننشر في موضوعها ما نراه أحجى بالنشر وأدنى إلى الغرض. كثيرات هن اللواتي يغبطنني على حياتي، ويتمنين لو أتاح لهن الحظ حياة مثلها. يرون في كما يرى بقية الناس شابة جميلة، أربح من وراء مهنتي مبلغاً يدني حياتي من الرفاهية، وماذا أبتغي من الحياة بعد؟. . . ولكن آه! لشد ما أعاني من الألم في إخفاء حقيقة نفسي، وظهوري أمام الناس بهذا الوجه الباسم، والعينين الممتلئتين نشاطاً واغتباطاً وبهجة. حقاً إن أشقى الناس ذلك الذي ينزل إلى قرارة نفسه، وهناك في أعماقها يدفن ما يعاني من ألم ممض وشقاء ملازم - وهكذا الأيام تمر، والسنون تكر، وآلامي مدفونة لا أستطيع الجهر بها حتى لأقرب الناس إليّ، لأنهم هم مسببوها ومصعبوها من حيث يشعرون أو لا يشعرون. . . ولدت في أحضان الترف والنعيم، وربيت في حجر الدلال والرفاهية، محاطة بالحب، مغمورة بالإعزاز، ولكن ما كدت أتجاوز العاشرة من العمر حتى أصيب والدي بنكبة مالية زعزعت كياننا وقلبت كل شئ رأساً على عقب. كنت صغيرة حينذاك، ومن كانت في هذه السن لا تهتم إلا بالمرح واللعب، ولكن الأمر كان معي على النقيض، بدأت أشعر بفداحة المصاب وأتألم بقلبي الصغير ألماً هادئاً ساكناً، ولما كنت بكر والديّ، وكنت محور أمال أبي لما يرى من جدي واجتهادي في المدرسة، كان يؤثرني بعطفه ويخصني بمحبته. كان لا يرى بداً من تعليمي والإنفاق علي. وفي الرابعة عشر من عمري أرسلني إلى مدرسة ليلية أجنبية بعد أن نلت الشهادة الابتدائية بتفوق عظيم، ولقد مضى على هذه الحادثة ما مضى وأنا أتصورها بنت الساعة. وأودعني ذلك الوالد الحنون المدرسة، وأوصى بي الرئيسة والأخوات خيراً. وبعد ثلاثة أيام زارني قبل سفره ليستفهم عما إذا كنت في حاجة إلى شئ؟ وأعلمني بعزمه على السفر، وزودني بنصائحه الغالية، فاغرورقت عيناي بالدموع، وتكلفت الابتسام لأخفي ألمي لهذا الفراق الذي كان أول عهدي به، فضمني إلى صدره وغمر رأسي بقبلاته ثم بكى، وكأنه أبصر بعيني بصيرته ما ينتظرني من ألم

стр. 5945

وشقاء. قضيت حياة المدرسة، وبدأت حياة العمل لأرفه عن هذا الوالد الحنون بعض ما يعانيه في إعالة أمي وأخواتي، مغتبطة في قرارة نفسي بأنني أستطيع أن أكافئه بعض المكافأة. ولكن جمالي وثقافتي وسيرتي الحسنة بين أترابي كانت تستثير الناس لطلب يدي؛ وما من شاب من الطبقة الراقية في تعليمها أو في ثروتها إلا تمنى أن أكون له، ولكن كان الجواب دائماً سلباً، ولما كان قلبي لم يتفتح لحب بعد، كنت لا أعير هذه المسائل شيئاً من الاهتمام، وكنت أعتقد أن كل فتاة تقدم على الزواج مجنونة ولا أريد أكونها. قاوم أبي تلك النكبات التي كانت تهاجمه بصبر وثبات، ولكنها أخيراً خرجت عن طوقه فأصيب بالشلل، وهاهو الآن ليس بالميت فينسى ولا بالحي فيرجى. وخلف لي أعباء ثقالاً لا قبل لمن كانت في سني باحتمالها، وشعرت بخطورة المسئولية الملقاة على عاتقي، فكنت أقضي نهاري في العمل على الآلة الكاتبة وأعود في المساء باشة هاشة ضناً بوالدتي عن أن أحملها هماً فوق هم، وبأخواتي اللواتي ينتظرن من عودتي الملاطفة والحلوى عن أن أخيب أملهن. المستقبل قاتم لا ألمح فيه قبساً من أمل، والغد مجهول لا أعلم ماذا يحمل بين طياته، ولا أدري ماذا يكون المصير. طالِبو الزواج يريدونني بإلحاح، وأمي ترفض بدعوى أن ليس بينهم من يستحق يدي، فكل شاب لا يخلو من عيب، وهي تريد ملاكاً لملاكها، إذاً فلننتظر ولننتظر، ولكن الانتظار طال. وفهمت، ولكن في وقت متأخر أنها محاولات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. فشقيقاتي الصغيرات تزوجن، ووالدتي لم تبد في أمرهن تلك الملاحظات التي عودتنيها، واثنتان منهن أصبحا أُمَّين، وأنا أنظر بعيني والألم يصهر نفسي والأباء يعقد لساني عن الإفصاح بما يخالجني. هي تريد إبقائي عذراء أشتغل وأشتغل حتى الموت لأعولها مع بقية أطفالها. ولو أنها أفصحت لي عن غايتها لكتبت لها صكاً على نفسي أنني سأظل أشتغل إلى أن يكبر أطفالها!! هي تحبني، لا أشك في ذلك، ولكن هذا لأنني أبذل في إسعادهم قلبي ومستقبلي وسعادتي!! لقد ضقت ذرعاً بهذه الحياة ولم يبق في قوس الصبر منزع، خلقت أنثى وحرمت ما ينعم به مثيلاتي ويسعدن، واشتغلت كالذكور وحرمت الحرية التي يتمتع بها الذكور!!

стр. 5946

لذلك عولت عليّ أن أطرح هذه الصفحة الموجزة أمام قراء (الرسالة) وقارئاتها علني أجد بينهم من يرشدني برأي ينقذني من هذه الحيرة. (. . .)

стр. 5947

من تراثنا العلمي فضائل مصر لابن زولاق وصف وتلخيص لنسخة مخطوطة للأستاذ علي الطنطاوي قال مؤرخ مصر الأستاذ عنان في كتابه مصر الإسلامية إن لابن زولاق كتاباً يسمى فضائل مصر، وقد يسمى أخبار مصر، وإن بعض المؤرخين نقلوا عنه وقد رأيت نسخة من هذا الكتاب في المكتبة العربية العامرة في دمشق أطلعني عليها صديقي الأديب الأستاذ أحمد عبيد وهاك وصفها: مخطوط يقع في (٦٣) من القطع المتوسط، في كل صفحة (٢٥) سطراً، وهو مكتوب بخط قريب من النسخ، وليس فيه ما يدل على تاريخ نسخه، وإنما يوجد في آخره هذه العبارة: (طالعت هذا الكتاب المسمى بفضايل مصر وصفاتها للشيخ ابن ذولاق الليثي رحمة الله عليه وعلى كاتب هذه الحروف ومالك هذا الكتاب الحاج إبراهيم الشكوري الطرابلسي والمسلمين. تحريراً بأواخر شهر ذي الحجة في سنة ١١١٥ ألف ومائة وخمسة عشر) أما صفحة العنوان ففيها اسم الكتاب: (كتاب فضايل مصر وصفاتها لابن ذولاق الليثي ﵀ آمين) وفيها أسماء الذين ملكوا الكتاب، بعضها ظاهر، وبعضها غير ظاهر، وهي مكتوبة متباينة: السيد هاشم باكييكج. الحمد الله. ملكه أفقر الورى أحمد الرشيدي الشافعي الأزهري. فقير عفو ربه الغني عمر العمري. الفقير محمد العمري سنة ٢٠٩. الفقير محمد سعدي العمري. وجاء في أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين على القوم الكافرين. الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. ١ - قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن ابن علي بن خالد - راشد بن

стр. 5948

عبيد الله سليمان بن ذولاق الليثي: هذا كتاب جمعت فيه من جملة من أخبار مصر وفضايلها وصفتها، اختصرته من كتابي الكبير في (تاريخ مصر وأخبارها) ولم أذكر في هذا الكتاب إسناد الخبر ليقرب على من أراده، وبالله التوفيق. فأول ما أبتدئ من ذلك، أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، ذكر مصر في ثمانية وعشرين وصفاً في القرآن (وعدد الآيات التي فيها ذكر مصر، أو فيها إيماء إليها، وذكر ما قاله العلماء فيها) ٢ - باب ما روي عن رسول الله ﷺ : ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً. (وسرد كثيراً من الأحاديث التي تدل على فضل مصر وأهلها، ولكنه أوردها مجردة من الأسانيد، ولم يذكر درجتها ومخرجيها). ٣ - ذكر دعاء الأنبياء ﵈ لمصر. ٤ - ذكر وصايا العلماء لمصر ودعاؤهم لها: قال سعيد بن أبي هلال: اسم مصر في الكتب السالفة أم البلاد. وقال عبد الله بن عمرو: أهل مصر أكرم الأعاجم، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة، وبقريش خاصة (وذكر مثل ذلك عن آخرين). ٥ - ذكر من ولد بمصر من الأنبياء، ومن كان بها منهم. ٦ - من كان فيها من الصديقين والصديقات: (ذكر مؤمن آل فرعون وآسية امرأة فرعون، وأم إسحاق ومريم ابنة عمران، وماشطة بنت فرعون، وأن إبراهيم تسري بهاجر أم إسماعيل، وتزوج يوسف بنت صاحب عين شمس. وذكر مارية القبطية الخ. . . .) ٧ - وأن مصر بلد الحكمة والعلم ومنها خرج الحكماء الذين عمروا الدنيا بكلامهم وحكمتهم وتدبيرهم، فمنهم ذو القرنين وهو الإسكندر (وذكر القرية التي هو منها وذكره في القرآن وأنه به سميت الإسكندرية، وأنه بنى إسكندرية أخرى ببلاد الخزر وثالثة ببلاد الروم الخ. .) ومن مصر جماعة الحكماء، هرمس وهو المثلث بالنعمة، نبي وحكيم وملك (وعد فيمن

стр. 5949

خرج منها طائفة كبيرة من الفلاسفة والحكماء ثم قال) فهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤها الذين ورثوا الحكم، من مصر خرجوا، وبها ولدوا الخ، وكانت مصر يسير إليها في الزمن الأول طلبة العلم الخ. وبمصر من العلوم التي عمرت بها الدنيا علم الطب اليوناني الخ. . ٨ - ذكر من ملك مصر من الطوفان إلى أن فتحت بالإسلام: ملك مصر ثلاثة وخمسون ملكاً، أولهم مصر بن نيصر بن حام بن نوح. وآخرهم هرقل الرومي وكسرى الفارسي، منهم أربعة وثلاثون فرعوناً، ممن طغى وتكبر وادعى الآلهية، ومنهم من عمر أربعمائة سنة وأقل وأكثر، ولم يكن أعتى ولا أشد من فرعون موسى، ولم يكن من أولاد الملوك، وإنما أخذ مصر بحيلة (وذكر هذه الحيلة، ثم جاء بأخبار طويلة عنه وعن بختنصر، ولم يسم إلا قليلاً من سائر الفراعين). ٩ - ذكر من ملك مصر في الإسلام من الولاة منذ فتحها عمرو بن العاص في سنة عشرين من الهجرة إلى سلخ شعبان سنة اثنين وستين وثلاثمائة (واثني عشر). أولهم عمرو بن العاص وآخرهم جوهر، منهم أربعة عشر من بني هاشم، وعشرة من قريش، واثنان من الأنصار، وسبعة وثلاثون من سائر العرب، واثنان وأربعون من الموالي، إلى أن دخلها المعز لدين الله أبو تميم - بن إسماعيل المنصور بن محمد القائم ابن عبد المهدي، وصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة، وقد عملت في ذلك كتاباً. ١٠ - ذكر من دخل مصر من الخلفاء قبل المعز (عد فيمن دخل منهم ابن الزبير في الجيش الذي فتح المغرب أيام عثمان، ومعاوية بلغ إلى عين شمس ولم يدخلها، ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك وعمر بن عبد العزيز الخ. . .). ١١ - ذكر علماء الخراج بمصر، وذكر قضاتها: ولي بمصر من عمال الخراج منذ فتحها المسلمون إلى سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة، واحد وعشرون، منهم من جمع لهم الحرب والخراج، ومنهم من انفرد بالخراج (وعدّ طائفة منهم ثم قال:) وقد شرحت ذكرهم في التاريخ. وأما قضاتها منذ فتحها إلى سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة فهم واحد وستون قاضياً، أولهم قيس بن أبي العاص وآخرهم علي بن النعمان، فمنهم من أقام خمساً وعشرين سنة مثل بكار بن قتيبة، ومنهم من بلغ عشرين سنة أو أقل من ذلك، وأقل من وليها يحيى بن أكثم،

стр. 5950

ولي ثلاثة أيام والمأمون بمصر، ثم صرفه وسيره معه إلى الثغر. ١٢ - ذكر من دخل مصر من أصحاب رسول الله ﷺ ومن توفي بها منهم. ١٣ - ذكر من كان بمصر من عيون العلماء والرواة وطبقاتهم: يزيد بن أبي حبيب، وعمر بن الحارث، والليث ابن سعد والمفضل بن فضالة، وعبد الله بن وهب، وأشهب بن عبد العزيز الخ. . . وسكن بمصر محمد بن إدريس الشافعي الخ. . وكان بمصر جماعة بعد هؤلاء: أيوب بن سليمان الفارضي، ويوسف بن يحيى البويطي، وأحمد بن صالح، وإسماعيل بن يحيى الُمزَني الخ. . . وكل هؤلاء مُفْتٍ، ومنهم من يفتي في علوم، وقد سارت مؤلفاتهم. وكان بمصر من المحدثين المسندين: حرملة بن يحيى وعيسى بن حماد ويونس بن عبد الأعلى الخ. . والحسن بن علي بن زولاق جد أبي، وجماعة سوى هؤلاء. . وكان بعد هؤلاء جماعة منهم محمد ابن زمان وإسماعيل بن داود الخ. . . وكان بمصر من الفراض المؤلفين: أيوب بن سليمان والحسن ابن محمد الخ. . وكان بمصر من عيون حفاظ الحديث محمد بن أحمد بن عبد الحميد الخ. . وكان بمصر من رواة الحديث والأخبار والفقه: سعيد بن عفير وسعيد بن أبي مريم الخ. . وبعد هؤلاء الحسن بن علي بن زولاق جد أبي، ويحيى بن عثمان الخ. . وبعد هؤلاء علي بن حسن بن قديد الخ. . وكان بمصر من عيون النحويين عبد الملك بن هشام، ومحمود النحوي الخ. . . وكان بمصر من عيون الشعراء الخ. . ونصيب وجميل وبها توفي. والأخوص وابن قيس الرقيات وأبو نؤاس الخ. . وجعفر ابن حدار ويوسف بن المغيرة والحسن بن عبد السلام وإسماعيل ابن أبي هاشم ومحمد بن الحسن الخ. . وكان بمصر من المتكلمين حفص المقري وإسماعيل بن يحيى الخ. وكان بمصر من النساب هانئ بن المنذر ومحمد بن أحمد الحداد الخ. وكان بها من الزهاد وأصحاب الوعاظ سليمان بن. . . (وعد جماعة). ١٤ - ذكر عيون أشراف مصر ومن دخلها من آل أبي طالب وأول من دخل منهم:

стр. 5951

قال: كانت مصر دار تشيع منذ أيام محمد بن أبي بكر، وهرب من مصر جماعة من شيعته - عند دخول مروان بن الحكم إليها وما صنعه بأصحاب مسجد الأقدام - وكان أهل مصر لا يؤولون في فتاويهم إلا بما يرد جواب جعفر الصادق ﵁. وسافر إلى مصر جماعة من العلوية، وكان أول علوي دخل مصر علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ودخل يدعو إلى بيعة أبيه وعمه، فسعى به إلى حميد بن قحطبة أمير مصر، فراسله سراً إشفاقاً عليه الخ. . وتوفي علي بن محمد بريف مصر الخ. . ثم دخلها إسحاق بن جعفر بن محمد الخ. . ومعه زوجته نفيسة بنت زيد وتوفيت بمصر فأراد حملها إلى المدينة فسأله أهل مصر دفنها بمصر، واتخذوا قبرها مشهداً وهو باق إلى اليوم معروف. ثم دخلها محمد بن جعفر الخ. . وكلثوم صاحبة القبر المشهور ابنته (وذكر سائر من دخلها منهم وأخبارهم ووفاتهم في فصل طويل). ١٥ - ذكر من حدّث بمصر من ولد أبي طالب (عدّ أسماء جماعة منهم ثم قال) ولو شرعت في شرحهم لخرج الكتاب عن فنه. ١٦ - ذكر من عدّل بمصر من العلويين وقبل القضاة شهادتهم. ١٧ - ذكر من كان بمصر من وجوه العباسيين. ١٨ - ذكر التشيع بمصر والبيوتات المتشيعة: قال يزيد بن أبي حبيب فقيه مصر: أقلبت أهل مصر عن التشيع إلا جماعة: يعني بيت بني لهيعة وبني نباته، وكان أهل مصر يكتبون بمسائلهم إلى جعفر الصادق ﵁ ولا يعدلون عن فتياه، ولما قدم عليهم إسحاق بن جعفر حفوا به كالكعبة، ولما توفيت زوجته نفيسة الخ. . وأما البيوتات المعروفة بمصر بالتشيع المكشوف قديماً فمنها: عبيد الله بن لهيعة وعباس بن لهيعة، وكان الليث بن سعد فقيه مصر لما أحرقت دار عبيد الله بن لهيعة أرسل إليه الليث بألف دينار وقال استعن بهذه واعفنا من فضائل علي بن أبي طالب، فأخذها عبيد الله وأنفذ إليه حديثاً من فضائل علي ليغيظ به الليث!. ومنها بيت الحَسَنِ بن علي بن زولاق جد أبي. بيت علم ونسك وفقه ورواية، وإنما احتمل له التشيع له لفقهه وإتقانه وتفقهه في الرواية، وكان مقبول الشهادة منذ سنة عشرين

стр. 5952

ومائتين إلى أن توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وكان عليه قولاً لا يملي حديثاً أو يبتدئ بفضائل علي ﵁. وكان بعده ابنه الحسين جدي، وابن ابنه إبراهيم والدي ﵀. ومنهم. . (وعد طائفة منهم). ١٩ - ذكر من كان بمصر من عيون الفرسان. ٢٠ - ومصر فرضة الدنيا. . وكذلك ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين والى جدة والى عمان والى الهند والى الصين وصنعاء وعدن والسند وجزائر البحر. ومن جهة دمياط والغرما، فرضة بلد الروم وأقاصي الإفرنجة وقبرص وسائر سواحل الشام إلى حدود العراق. ومن جهة الإسكندرية فرضة أقربطش وصقلية وبلد الروم والمغرب وبلد البربر والحبشة والحجاز واليمن. وأما ما فيها من ثغور الرباط، فمن ذلك رباط البرلس ورباط رشيد ورباط الإسكندرية ورباط ذات الحمام الخ. . وما ينضاف إلى هذه الثغور وجهاتها الخ. وكانت برقة وطرابلس من ثغور مصر إلى أن خرجت منها في سنة ثلاثمائة فأضيفت إلى رباط المغرب. ٢١ - وأما المساجد الشريفة (فعد منها كثيراً ثم قال) وبمصر مساجد الصحابة سوى ما ذكرناه. . . عدتها مائتين ثلاثة وثمانين مسجداً (؟) كانوا يبنونها بالآجر الأحمر ويبنون منازلهم باللبن وأكثرها باق إلى اليوم. منها. . (وعد طائفة منها، ثم قال) هذه مساجد الخطط التي بناها أصحاب رسول الله (ص) سوى ما حدث بعدهم وبعد استقرار الخطط الخ. . وبالقرافة ونواحيها مساجد منها: مسجد الإجابة، ومسجد الكرب، وبها دار الأبرار. ٢٢ - وبمصر من البقاع الشريفة: (عد ما شاء ثم قال:) ولولا أني اشترطت الاختصاروأن أذكر عيون كل من الأخبار لأطلت كتابي هذا. للبحث بقية علي الطنطاوي

стр. 5953

من الأدب الأندلسي: ٣ - التوابع والزوابع بقلم محمد فهمي عبد اللطيف رأينا في المقال السابق كيف راح ابن شهيد يتهكم بالأدباء الذين غمطوه فضله حقداً عليه، وحطوا من قدره حسداً له، وقد أبدى ابن شهيد - وهو بسبيل الكلام على أدب هؤلاء الأدباء - كثيراً من الآراء في النقد والبيان هي أهم وأقوى ما اشتملت عليه التوابع والزوابع، بل هي أهم وأقوى ما لابن شهيد من الآثار الأدبية، حتى من شعره على عذوبته، ومن نثره على ملاحته، فنحن بلا خلاف لا نعتقده الناقد الأول بين النقاد الأقدمين في الأدب العربي، ولكنا بلا خلاف لا نعتبره الشاعر الأول، ولا الكاتب الأول. ولما كانت هذه الآراء قد جاءت متناثرة في الرسالة، رأينا من الخير أن نجمع شتاتها وأن ننظمها في سمط واحد، حتى نتبين منها مذهب الرجل في النقد واضحاً جلياً. وإذا كانت هذه الآراء شابها شئ من حقد ابن شهيد وضغنه على معاصريه، إلا أنها آراء صحيحة ثابتة، تزداد على طول الزمن صحة وثبوتاً. وهذه الآراء في مجموعها تنقسم إلى شقين، شق يرجع إلى شخصية الأديب، وآخر يختص بالآثار الأدبية، وإنما نعنى بشخصية الأديب مواهبه العقلية واستعداده الفطري، وسعة معارفه، وهذه ناحية قد أبدع في بحثها ابن شهيد أيما إبداع، وله فيها آراء قوية لن يسبقه إليها ناقد فيما نعلم؛ فقد حاول أن يستخدم العلم والفلسفة في دراسة الشخصيات وتفهم الملكات الأدبية في الشخص، ومقدار استعداده وطبعه، والطبع - عند ابن شهيد - هو أهم ركن في شخصية الأديب، بل هو المرجع الذي يرجع إليه سر البلاغة. فمن كلامه: (إن البيان هبة إلهية لا علاقة لها بالنحو والصرف، واللغة والغريب، وإن الاختلافإلى الأساتيذ، والتوفر على الدرس والبحث في بطون الكتب، كل هذا لا يجدي ولا ينفع إذا لم تكن ثمة فطرة سمحة، ونفس مجلوة وطبيعة مواتية. وقد روي في ذلك أنه التقى في وادي الجن بشيطان أنف الناقة (وهو على علاته زي علم، وزنبيل فهم، وكنف رواية) فأراد ابن شهيد أن يناوشه في اللغة والنحو، وطلب منه أن يطارحه كتاب الخليل وشرح ابن درستويه، فقال الشيطان: أنا أبو البيان، وقد علمنيه المؤدبون، قال ابن شهيد (ليس هو من شأنهم، وإنما هو من تعليم الله حيث يقول: الرحمن علم القرآن. خلق الإنسان

стр. 5954

علمه البيان) وإنما أنت كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسئ فيلحى، وليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر، حتى يكون نفسك من نفسك، وقليبك من قلبك، وحتى نتناول الوضيع فترفعه، والرفيع فتضعه، والقبيح فتحسنه). وقد بحث ابن شهيد في مقدار الطبع وتركيبه في النفوس، وأثره في صور الكلام وتفويق المعاني، وذهب في البحث مذهباً فلسفياً فقال: (مقدار طبع الإنسان إنما يكون على مقدار تركيب نفسه مع جسمه، فمن كانت نفسه مستولية على جسمه من أصل تركيبه، كان مطبوعاً روحانياً يطلع صور الكلام والمعاني في أجمل هيآتها، وأروق لباساتها، ومن كان جسمه مستولياً على نفسه من أصل تركيبه، كان ما يطلع من الصور ناقصاً عن الدرجة الأولى في التمام والكمال) ومن رأي ابن شهيد أن للأعضاء الظاهرة تأثيراً على الملكات الباطنة، فتجده يقول في جماعة من أدباء قرطبة (إنهم يدركون بالطبيعة، ويقصرون بالآلة، وتقصيرهم بالآلة هو من طريق العلل الداخلة من فساد الآلة القابلة الروحانية والخادمة لآلات الفهم، والباعثة لرقيق الدم في الشريان إلى القلب، وزيادة غلظ أعصاب الدماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي ما يعين على ذلك بالحس وطريق الفراسة من فساد الآلات الظاهرة كفرطحة الرأس وتسفيطه، ونتوء القمحدوة، والتواء الشدق، وخزر العين، وغلظ الأنف، وانزواء الأرنبة). وهذا المذهب قريب الشبه من مذهب النقاد الفرنسيين في القرن التاسع عشر الذين استخدموا القوانين العلمية في النقد الأدبي ودراسة الشخصيات، وهو أشد قرباً من مذهب الناقد المشهور (سانت بوف). فقد كان هذا الباحث يعمل على تطبيق علم التشريح، وعلمي - الفسيولوجيا والبسكولوجيا - على تراجم الشعراء والكتاب، وكان يتعمق في بحث النفسيات، ويهتم بالعرض كما يهتم بالجوهر، ويبحث عن شكل صاحب الترجمة الظاهرة، من الطول أو القصر، والنحول أو البدانة، والقبح أو الجمال، ليستطيع أن يدرك مقدار استعداده ومواهبه، وما عنده من صفاء الروح وقوة الطبع. ولكن ابن شهيد كما ترى له فضل السبق إلى تقرير هذه الآراء، ولقد أصاب ابن شهيد في كل ما قرره، ووفق في شرحه وتعليله، فلا جرم أن الطبع هو سر البلاغة، ومبعث الصفاء وحسن الرونق في صور الكلام، وأن علوم اللغة والنحو والتصريف لا تجدي مع القلوب الغليظة، ولا تخدم

стр. 5955

في الفطن الحمثة، وإنما يسمو الكلام ويرتفع بقدر سمو طبع قائله، وشرف نفسه وصفاء روحه؛ وليس معنى هذا أن ابن شهيد يطلق الكلام في الحط من قيمة علوم اللغة والغريب، أو ينكر فائدتها في تكوين شخصية الأديب، بل إنه يقر بفضلها ويعترف بفائدتها كعامل مساعد على نمو الطبع وتقوية الروح، إلا أنه يرى أن استعمال الغريب واستخدام النحو مما يحتاج إلى الدقة والبراعة، فليس من الفصاحة أن تخرج العبارة في أي وضع نحوي، أو تجري غريب اللغة على أي وجه كان، ولكن الفصاحة أن تختار أملح النحو وأفصح الغريب، بمعنى أن تكون العبارة على الوضع النحوي الذي يتفق والمعنى البياني، وبمعنى أن تكون الكلمات الغريبة في وضعها اللائق، ومكانها المناسب، فإن بين الألفاظ قرابة يجب أن تراعى في الوضع. وقد جلا ابن شهيد هذه النظرية الدقيقة في حكاية رواها عما كان يقع بينه وبين تلاميذه فقال: (جلس إلي يوماً يوسف الإسرائيلي، وكان أفهم تلميذ مر بي وأنا أوصي رجلاً عزيزاً علي من أهل قرطبة، وأقول له إن للحروف أنساباً وقرابات تبدو في الكلام، فإذا جاوز النسيبُ النسيبَ، ومازج القريبُ القريب، طابت الألفة، وحسنت الصحبة، وإذا ركبت صور الكلام من تلك حسنت المناظر، وطابت المخابر. أفهمت. قال: إي والله، قلت وللعربية إذا طلبت، وللفصاحة إذا التمست، قوانين من الكلام من طلب بها أدرك، ومن نكب عنها قصر. أفهمت؟ قال: نعم، قلت وكما تختار مليح النحو وفصيح الغريب وتهرب من قبيحه، قال: أجل، قلت: أتفهم شيئاً من عيون كلام القائل: لعمرك أني يوم بانوا فلم أمت … خفاتاً على آثارهم لصبور غداة التقينا إذ رميت بنظرة … ونحن على متن الطريق نسير ففاضت دموع العين حتى كأنها … لناظرها غصن يراح مطير فقال: إي والله، وقعت (خفاتاً) موقعاً لذيذاً، ووضعت (رميت) و (متن الطريق) موضعاً مليحاً، وسرى (غصن يراح مطير) مسرى لطيفاً، فقلت له أرجو أنك تنسمت شيئاً من نسيم الفهم، فأغد علي بشيء تصنعه. وكان ذلك اليهودي ساكتاً يعي ما أقول، فغدا ذلك القرطبي فأنشدني: حلفت برب مكة والجبال … لقد وزنت لروسي الحبال في أبيات تشبهه، وجاء اليهودي فأنشدني:
следующие страницы →