← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

قال: كانت مصر دار تشيع منذ أيام محمد بن أبي بكر، وهرب من مصر جماعة من شيعته - عند دخول مروان بن الحكم إليها وما صنعه بأصحاب مسجد الأقدام - وكان أهل مصر لا يؤولون في فتاويهم إلا بما يرد جواب جعفر الصادق ﵁. وسافر إلى مصر جماعة من العلوية، وكان أول علوي دخل مصر علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ودخل يدعو إلى بيعة أبيه وعمه، فسعى به إلى حميد بن قحطبة أمير مصر، فراسله سراً إشفاقاً عليه الخ. . وتوفي علي بن محمد بريف مصر الخ. . ثم دخلها إسحاق بن جعفر بن محمد الخ. . ومعه زوجته نفيسة بنت زيد وتوفيت بمصر فأراد حملها إلى المدينة فسأله أهل مصر دفنها بمصر، واتخذوا قبرها مشهداً وهو باق إلى اليوم معروف. ثم دخلها محمد بن جعفر الخ. . وكلثوم صاحبة القبر المشهور ابنته (وذكر سائر من دخلها منهم وأخبارهم ووفاتهم في فصل طويل). ١٥ - ذكر من حدّث بمصر من ولد أبي طالب (عدّ أسماء جماعة منهم ثم قال) ولو شرعت في شرحهم لخرج الكتاب عن فنه. ١٦ - ذكر من عدّل بمصر من العلويين وقبل القضاة شهادتهم. ١٧ - ذكر من كان بمصر من وجوه العباسيين. ١٨ - ذكر التشيع بمصر والبيوتات المتشيعة: قال يزيد بن أبي حبيب فقيه مصر: أقلبت أهل مصر عن التشيع إلا جماعة: يعني بيت بني لهيعة وبني نباته، وكان أهل مصر يكتبون بمسائلهم إلى جعفر الصادق ﵁ ولا يعدلون عن فتياه، ولما قدم عليهم إسحاق بن جعفر حفوا به كالكعبة، ولما توفيت زوجته نفيسة الخ. . وأما البيوتات المعروفة بمصر بالتشيع المكشوف قديماً فمنها: عبيد الله بن لهيعة وعباس بن لهيعة، وكان الليث بن سعد فقيه مصر لما أحرقت دار عبيد الله بن لهيعة أرسل إليه الليث بألف دينار وقال استعن بهذه واعفنا من فضائل علي بن أبي طالب، فأخذها عبيد الله وأنفذ إليه حديثاً من فضائل علي ليغيظ به الليث!. ومنها بيت الحَسَنِ بن علي بن زولاق جد أبي. بيت علم ونسك وفقه ورواية، وإنما احتمل له التشيع له لفقهه وإتقانه وتفقهه في الرواية، وكان مقبول الشهادة منذ سنة عشرين

стр. 5952

ومائتين إلى أن توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وكان عليه قولاً لا يملي حديثاً أو يبتدئ بفضائل علي ﵁. وكان بعده ابنه الحسين جدي، وابن ابنه إبراهيم والدي ﵀. ومنهم. . (وعد طائفة منهم). ١٩ - ذكر من كان بمصر من عيون الفرسان. ٢٠ - ومصر فرضة الدنيا. . وكذلك ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين والى جدة والى عمان والى الهند والى الصين وصنعاء وعدن والسند وجزائر البحر. ومن جهة دمياط والغرما، فرضة بلد الروم وأقاصي الإفرنجة وقبرص وسائر سواحل الشام إلى حدود العراق. ومن جهة الإسكندرية فرضة أقربطش وصقلية وبلد الروم والمغرب وبلد البربر والحبشة والحجاز واليمن. وأما ما فيها من ثغور الرباط، فمن ذلك رباط البرلس ورباط رشيد ورباط الإسكندرية ورباط ذات الحمام الخ. . وما ينضاف إلى هذه الثغور وجهاتها الخ. وكانت برقة وطرابلس من ثغور مصر إلى أن خرجت منها في سنة ثلاثمائة فأضيفت إلى رباط المغرب. ٢١ - وأما المساجد الشريفة (فعد منها كثيراً ثم قال) وبمصر مساجد الصحابة سوى ما ذكرناه. . . عدتها مائتين ثلاثة وثمانين مسجداً (؟) كانوا يبنونها بالآجر الأحمر ويبنون منازلهم باللبن وأكثرها باق إلى اليوم. منها. . (وعد طائفة منها، ثم قال) هذه مساجد الخطط التي بناها أصحاب رسول الله (ص) سوى ما حدث بعدهم وبعد استقرار الخطط الخ. . وبالقرافة ونواحيها مساجد منها: مسجد الإجابة، ومسجد الكرب، وبها دار الأبرار. ٢٢ - وبمصر من البقاع الشريفة: (عد ما شاء ثم قال:) ولولا أني اشترطت الاختصاروأن أذكر عيون كل من الأخبار لأطلت كتابي هذا. للبحث بقية علي الطنطاوي

стр. 5953

من الأدب الأندلسي: ٣ - التوابع والزوابع بقلم محمد فهمي عبد اللطيف رأينا في المقال السابق كيف راح ابن شهيد يتهكم بالأدباء الذين غمطوه فضله حقداً عليه، وحطوا من قدره حسداً له، وقد أبدى ابن شهيد - وهو بسبيل الكلام على أدب هؤلاء الأدباء - كثيراً من الآراء في النقد والبيان هي أهم وأقوى ما اشتملت عليه التوابع والزوابع، بل هي أهم وأقوى ما لابن شهيد من الآثار الأدبية، حتى من شعره على عذوبته، ومن نثره على ملاحته، فنحن بلا خلاف لا نعتقده الناقد الأول بين النقاد الأقدمين في الأدب العربي، ولكنا بلا خلاف لا نعتبره الشاعر الأول، ولا الكاتب الأول. ولما كانت هذه الآراء قد جاءت متناثرة في الرسالة، رأينا من الخير أن نجمع شتاتها وأن ننظمها في سمط واحد، حتى نتبين منها مذهب الرجل في النقد واضحاً جلياً. وإذا كانت هذه الآراء شابها شئ من حقد ابن شهيد وضغنه على معاصريه، إلا أنها آراء صحيحة ثابتة، تزداد على طول الزمن صحة وثبوتاً. وهذه الآراء في مجموعها تنقسم إلى شقين، شق يرجع إلى شخصية الأديب، وآخر يختص بالآثار الأدبية، وإنما نعنى بشخصية الأديب مواهبه العقلية واستعداده الفطري، وسعة معارفه، وهذه ناحية قد أبدع في بحثها ابن شهيد أيما إبداع، وله فيها آراء قوية لن يسبقه إليها ناقد فيما نعلم؛ فقد حاول أن يستخدم العلم والفلسفة في دراسة الشخصيات وتفهم الملكات الأدبية في الشخص، ومقدار استعداده وطبعه، والطبع - عند ابن شهيد - هو أهم ركن في شخصية الأديب، بل هو المرجع الذي يرجع إليه سر البلاغة. فمن كلامه: (إن البيان هبة إلهية لا علاقة لها بالنحو والصرف، واللغة والغريب، وإن الاختلافإلى الأساتيذ، والتوفر على الدرس والبحث في بطون الكتب، كل هذا لا يجدي ولا ينفع إذا لم تكن ثمة فطرة سمحة، ونفس مجلوة وطبيعة مواتية. وقد روي في ذلك أنه التقى في وادي الجن بشيطان أنف الناقة (وهو على علاته زي علم، وزنبيل فهم، وكنف رواية) فأراد ابن شهيد أن يناوشه في اللغة والنحو، وطلب منه أن يطارحه كتاب الخليل وشرح ابن درستويه، فقال الشيطان: أنا أبو البيان، وقد علمنيه المؤدبون، قال ابن شهيد (ليس هو من شأنهم، وإنما هو من تعليم الله حيث يقول: الرحمن علم القرآن. خلق الإنسان

стр. 5954

علمه البيان) وإنما أنت كمغن وسط، لا يحسن فيطرب، ولا يسئ فيلحى، وليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر، حتى يكون نفسك من نفسك، وقليبك من قلبك، وحتى نتناول الوضيع فترفعه، والرفيع فتضعه، والقبيح فتحسنه). وقد بحث ابن شهيد في مقدار الطبع وتركيبه في النفوس، وأثره في صور الكلام وتفويق المعاني، وذهب في البحث مذهباً فلسفياً فقال: (مقدار طبع الإنسان إنما يكون على مقدار تركيب نفسه مع جسمه، فمن كانت نفسه مستولية على جسمه من أصل تركيبه، كان مطبوعاً روحانياً يطلع صور الكلام والمعاني في أجمل هيآتها، وأروق لباساتها، ومن كان جسمه مستولياً على نفسه من أصل تركيبه، كان ما يطلع من الصور ناقصاً عن الدرجة الأولى في التمام والكمال) ومن رأي ابن شهيد أن للأعضاء الظاهرة تأثيراً على الملكات الباطنة، فتجده يقول في جماعة من أدباء قرطبة (إنهم يدركون بالطبيعة، ويقصرون بالآلة، وتقصيرهم بالآلة هو من طريق العلل الداخلة من فساد الآلة القابلة الروحانية والخادمة لآلات الفهم، والباعثة لرقيق الدم في الشريان إلى القلب، وزيادة غلظ أعصاب الدماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي ما يعين على ذلك بالحس وطريق الفراسة من فساد الآلات الظاهرة كفرطحة الرأس وتسفيطه، ونتوء القمحدوة، والتواء الشدق، وخزر العين، وغلظ الأنف، وانزواء الأرنبة). وهذا المذهب قريب الشبه من مذهب النقاد الفرنسيين في القرن التاسع عشر الذين استخدموا القوانين العلمية في النقد الأدبي ودراسة الشخصيات، وهو أشد قرباً من مذهب الناقد المشهور (سانت بوف). فقد كان هذا الباحث يعمل على تطبيق علم التشريح، وعلمي - الفسيولوجيا والبسكولوجيا - على تراجم الشعراء والكتاب، وكان يتعمق في بحث النفسيات، ويهتم بالعرض كما يهتم بالجوهر، ويبحث عن شكل صاحب الترجمة الظاهرة، من الطول أو القصر، والنحول أو البدانة، والقبح أو الجمال، ليستطيع أن يدرك مقدار استعداده ومواهبه، وما عنده من صفاء الروح وقوة الطبع. ولكن ابن شهيد كما ترى له فضل السبق إلى تقرير هذه الآراء، ولقد أصاب ابن شهيد في كل ما قرره، ووفق في شرحه وتعليله، فلا جرم أن الطبع هو سر البلاغة، ومبعث الصفاء وحسن الرونق في صور الكلام، وأن علوم اللغة والنحو والتصريف لا تجدي مع القلوب الغليظة، ولا تخدم

стр. 5955

في الفطن الحمثة، وإنما يسمو الكلام ويرتفع بقدر سمو طبع قائله، وشرف نفسه وصفاء روحه؛ وليس معنى هذا أن ابن شهيد يطلق الكلام في الحط من قيمة علوم اللغة والغريب، أو ينكر فائدتها في تكوين شخصية الأديب، بل إنه يقر بفضلها ويعترف بفائدتها كعامل مساعد على نمو الطبع وتقوية الروح، إلا أنه يرى أن استعمال الغريب واستخدام النحو مما يحتاج إلى الدقة والبراعة، فليس من الفصاحة أن تخرج العبارة في أي وضع نحوي، أو تجري غريب اللغة على أي وجه كان، ولكن الفصاحة أن تختار أملح النحو وأفصح الغريب، بمعنى أن تكون العبارة على الوضع النحوي الذي يتفق والمعنى البياني، وبمعنى أن تكون الكلمات الغريبة في وضعها اللائق، ومكانها المناسب، فإن بين الألفاظ قرابة يجب أن تراعى في الوضع. وقد جلا ابن شهيد هذه النظرية الدقيقة في حكاية رواها عما كان يقع بينه وبين تلاميذه فقال: (جلس إلي يوماً يوسف الإسرائيلي، وكان أفهم تلميذ مر بي وأنا أوصي رجلاً عزيزاً علي من أهل قرطبة، وأقول له إن للحروف أنساباً وقرابات تبدو في الكلام، فإذا جاوز النسيبُ النسيبَ، ومازج القريبُ القريب، طابت الألفة، وحسنت الصحبة، وإذا ركبت صور الكلام من تلك حسنت المناظر، وطابت المخابر. أفهمت. قال: إي والله، قلت وللعربية إذا طلبت، وللفصاحة إذا التمست، قوانين من الكلام من طلب بها أدرك، ومن نكب عنها قصر. أفهمت؟ قال: نعم، قلت وكما تختار مليح النحو وفصيح الغريب وتهرب من قبيحه، قال: أجل، قلت: أتفهم شيئاً من عيون كلام القائل: لعمرك أني يوم بانوا فلم أمت … خفاتاً على آثارهم لصبور غداة التقينا إذ رميت بنظرة … ونحن على متن الطريق نسير ففاضت دموع العين حتى كأنها … لناظرها غصن يراح مطير فقال: إي والله، وقعت (خفاتاً) موقعاً لذيذاً، ووضعت (رميت) و (متن الطريق) موضعاً مليحاً، وسرى (غصن يراح مطير) مسرى لطيفاً، فقلت له أرجو أنك تنسمت شيئاً من نسيم الفهم، فأغد علي بشيء تصنعه. وكان ذلك اليهودي ساكتاً يعي ما أقول، فغدا ذلك القرطبي فأنشدني: حلفت برب مكة والجبال … لقد وزنت لروسي الحبال في أبيات تشبهه، وجاء اليهودي فأنشدني:

стр. 5956

أيمم ركبانهم منعجا … وقد ضمنوا قلبك الهودجا واستمر إلى آخر القصيدة فأتى بكل حسن. فقال لي ذلك القرطبي شعر اليهودي أحسن من شعري، قلت: ولا بأس بفهمك إذا عرفت هذا، ولم يزل يتدرب باختلافه إلى حتى ندى تربه، وطلع عشبه، ثم تفتح زهره، وضاع عبقه. .). والظاهر أن مسألة استعمال الغريب واختيار الألفاظ كانت من المسائل التي شغلت أذهان النقاد في عصر ابن شهيد وقبله، فقد عالج هذه الناحية أبو هلال العسكري في كتابه الصناعتين، وكان من رأيه (أن تخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض من أحسن نعوت الكلام وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوماً من حروف سهلة المخارج كان أحسن له، وأدعى للقلوب إليه. . . فينبغي أن تجعل كلامك مشتبهاً أوله بآخره، ومطابقاً هاديه لعجزه، ولا تتخالف أطرافه، ولا تتنافر أطراره، فتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها، فإن تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام) والظاهر أن العسكري قد تابع غيره في هذا الكلام، فقد روي عن أبي أحمد. . أنه قال: (كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممن يتعاطى الأدب، نختلف إلى مدرك نتعلم منه الشعر. . فقال لنا إذا وضعتم الكلمة بلفقها كنتم شعراء) وقد يطول بنا القول، لو أخذنا نتقصى أقوال النقاد في هذه الناحية، وإنما آثرنا كلام العسكري لأنه في مجموعه قريب الشبه بكلام ابن شهيد، فقد قال بتآخي الكلمات، وتخير الألفاظ، ومراعاة الحروف، وهذا هو معنى قول ابن شهيد: (إن للحروف أنساباً وقرابات تبدو في الكلام، فإذا جاور النسيبُ النسيبَ، ومازج القريب القريب، طابت الألفة، وحسنت الصحبة) إلا أن كلام ابن شهيد أدق وأعم، كما إنه يمتاز بالقول في اختبار الوضع النحوي للكلام مما سمها ملاحة النحو، وهذا ما لا يسبقه إليه أحد من النقاد، فحبذا لو درج الأدباء في أساليبهم من هذه الجهة على النهج الذي أوضحه ابن شهيد فإنهم يخدمون أساليبهم، ويخدمون لغتهم بإحياء كلمات اللغة المهجورة التي تصلح للاستعمال والتداول. بقيت ناحية في كلام ابن شهيد السابق، وهي قوله بتأثير الأعضاء الظاهرة على الملكات الباطنة، فهذا كلام صادق إلى حد، بمعنى أنه لا يطرد في كل الشخصيات، فليس من الإنصاف أن نتخذه مقياساً للنبوغ، أو قاعدة نبني عليها الحكم على الآثار الأدبية، وليس أدل على هذا من إخفاق ابن شهيد نفسه حينما أراد أن يسوق الشواهد لإثبات هذا الرأي،

стр. 5957

فقد اضطر أن يفضل سهل بن هرون على الجاحظ، واستباح لنفسه أن يرمي الجاحظ بالغفلة وسقوط الهمة، والنقص في أدوات الكتابة، ثم راح يشرح ويدلل على هذا النقص فقال: (وربما أنكر قولنا في شرط جميع أدوات الكتابة، فقيل: وأي أداة نقصت الجاحظ؟ فنقول: أول أدوات الكتابة العقل، ولا يكون كاتب غير عاقل، وقد نجد عالماً غير عاقل وجدلياً غير حصيف، وفقيهاً غير حليم، وقد وجدنا من ينسب العقل إلى سهل أكثر ممن ينسبه إلى الجاحظ. . . ولو شاهد الجاحظ سهلاً يخادع الرشيد ملكاً ويدبر له حرباً، ويعاني له إطفاء جمرة فتنة، ناهضاً في ذلك كله بعقله وتجربة علمه، لرأى أن تلك السياسة غير تسطير المقال، في صفة غراميل البغال، وغير الكلام في الجرذان، وبنات وردان، ولعلم أن بين المعلم والكاتب فرقاً). وهذا كلام قد تعثر ابن شهيد في إيراده، فلا تجده ينهض من جهة إلا ليسقط من جهة أخرى، فالجاحظ أكتب كتاب العربية غير مدافع، وابن شهيد يقول إنه لا يوجد كاتب غير عاقل، فكيف إذن يرميه بالغفلة وقلة العقل، وكيف يقدم عليه سهلاً لبراعته في مخادعة الرشيد، وسياسة الأمور، وهذه ناحية لا تقتضي من العقل أكثر مما يقتضيه القول في صفة غراميل البغال، وبنات وردان؛ فإن براعة الكاتب إنما تظهر فيما تفه من الأمور. وهيهات أن تخرج العربية خدناً للجاحظ في هذه الناحية. . . (للبحث بقية) محمد فهمي عبد اللطيف

стр. 5958

من شعر الشباب من القلب (مهداة إلى صاحب الملاح التائه) قلبيَ الخفّاق أضْنَاهُ الحنينْ … وَبَرَتْه الذكريات القاتلَهْ وهو في ذكراه مُلْتَاعٌ حَزِينْ … يَتَعَزَّى بالأماني الخاتلهْ ضَجَّ في أنحائه الحبُّ الحَبِيسْ … وسرى في الكُرَةَ الكبرى صَدَاهْ إنْ هَفَتْ للحبِّ أطماح النفوسْ … (فالحياة الحب والحب الحياه) يا حبيبي هزّني الشوق إليكْ … هزّةَ الغصنِ بيومٍ عاصفِ أنا أجْنَى منكَ يا روحي عليك … شَدَّ ما أشقى بحبي الجارفِ ذاك روحي ماثلٌ بين يديكْ … فاشف جُرحاً من جِرَاحات الهوى أنا روح ذائبٌ بين راحتيكْ … ذاب شوقاً من تباريح الجَوَى يا حبيبي أنا في الدنيا خيالْ … أتراءى كالشعاع الشاحبِ مُسْتَطار بين خَبْوٍ واشتعالْ … أتعزّى بالخيال الكاذبِ أنا من دنيا المُنَى مبتئسُ … لا أرى في الكون نُعْمَى أرتجيها هل جَنَى الأقوام ما قد غرسوا؟ … إنها دنيا تُسَجِّي عاشقيها!! يا عزاء النفس، يا لحن الأسى … يا دموع القلب: يا شعري تَدَفَّقْ لحنُكَ الباكي بأنَّاتي ائْتَسَي … فأذِبْ قلبي وبالروح ترفَّقْ يا مَرَاح الحب يا مهد الغرامِ … يا هَتُون الدمع: يا قلبي الجرحْ هذه الدنيا كأطياف المنامِ … لَفَظَتْ (موسى) وضاقت (بالمسيحْ) في سكون الليل تَبْدُو غرفتي … كشراعٍ رَفَّ في اللُّجِّ البعيدْ مَلّ طيف الحُب فيها وحدَتي … فشدا يُسمعني لحنَ الخلودْ أنا فيها ساهم مُنْفَرِدُ … أسْتَشِفُّ الكون من عليائها أنا في روض غرامي غَرِدُ … أتلقّى الوحي من أرجائها عجباً للناس، ساَمُوني العذابا … وأَرَادُوني على ما لم أَطقْ كيف اختار (الثعابين) صحابا … أَوَليس الغدر في الناس خُلُقْ؟!

стр. 5959

مَنْ له روحُ كروح الشاعر … فَنِيَتْ في خدمة الناس جميعاً إن همُ أَنُّوا لِظُلْمٍ جائرِ … صَهَرَ القلبَ وأَذْرَاهُ دُمُوعاً مَنْ رأى الشاعر يُعْنَى بشئونهْ … من رآهُ مُطْرِقاً في أمْرِهِ؟؟ إنما الشاعر آسٍ - في سكونهْ … لجراحاتِ الورى في شعرِهِ إسكندرية عبد الرحمن عثمان علي

стр. 5960

حب الشكور إِنْ لمْ أَحُبَّكِ لِلسَّنَا وَالنُّورِ … ولحُسْنِ وجهٍ في الحياةِ نَضِيرِ وَلِسِحْرِ رُوحِكِ حينَ يختلسُ النُّهى … مِنِّي فأتْبَعُهُ إتِّبَاعَ سَحِير وَلِمَا تَضَمَّنَتِ الْجَمَالَ فَأَفْصَحَتْ … بِكِ مِنْهُ ساحرةٌ منَ التَّعْبيرِ وَلِمَا ابتدعْتِ وما مَنَحْتِ منَ الهَوَى … للكوْنِ، أو أحْيَيْتِ مِنْ مَقْبُورِ إنْ لمْ أَحُبَّكِ حُبَّ مفتونِ، ولَا … حُبَّ الأَسِيرِ، إذنْ فحبَّ شكورِ! حُبَّ الَّذِي أحْيَيْتِ فيهِ حياتَهُ … مِمَّا لَدَيْكِ مِنَ الحَيَا المَذْخُورِ ووهبْتِهِ مِلْكَ الحياةِ، وطالما … قَدْ عاشَهَا كالعاملِ المأجورِ ومنحتِهِ ماضِيهِ بَعْدَ ضَياعِهِ … وأعَذْتِ قَابِلَهُ منَ المَحْظُورِ حُبَّ الَّذِي أَشْرَقْتِ في وِجدانه … فجلوتِ كلَّ مُحجَّبِ مستورِ وَنَفَخْتِ في عَزَمَاتِهِ فتوَهَّجَتْ … وَسَمَتْ لكلِّ مُمَنَّعٍ وخطيرِ أوْ فلأُحبَّكِ حبَّ من ألهمتِهِ … شعراً، يضئ سناهُ كلَّ شعورِ شعراً جمعتُ من الحياةِ زهورَهُ … ومنَ الجمالِ نفحتُه بعبيرِ ومِنَ الضياءِ وهبتُهُ آمالَهُ … ومِنَ النَّدَى عِلماً كوجْهِ غرِيرِ! وبعثتُهُ وحْيَ الحياةِ وَفَنَّهَا … تجلوه ضمنَ جمالِها المأثور أفَلَا أحبكِ؟ إنهُ لفريضةٌ … حبُّ الشَّكُورِ لواهبٍ مَشْكُورِ سيد قطب

стр. 5961

عاصفة في قلب عَييتُ بالقَلْبِ واسْتَنْكَرْتُ أَحْلامي … وَنُوءتُ بالعُمْرِ واسْتَثْقَلْتُ أيَّامي حَطَّمْتُها أَمْسِ آمالاً مُذَهَّبَةً … كانَتْ تُهَدْهِدُ أَحْزاني وأسْقامي حطَّمْتُها وهي في شَرْخِ الصّبا مَللاً … ما لِلْمُنَى وفُؤَادي الموجَعِ الدامي ما لي وَلِلْحُلُمِ الرفَّافِ يُسْعِدُني … في عالَم مائج بِالشرِّ ظَلاَّم ما قيمةُ العَيْشِ لا تَلْقَى بِساحَتِهِ … من المُنى غيرَ أشباحٍ وَأَوْهامِ؟! كَفَرْتُ بالحُلْمِ ما هامَ الغُفاةُ به … فَلَسْتُ في هَذِهِ الدُنيا بِنَوَّامِ أَأَقْطَعُ العُمْرَ كيْ أَحْظَى بِلَذَّتِهِ … وهمانَ تِرْبَ خيالاتٍ وأَحْلَامِ لَدَمْعَةٌ وأنا مُسْتَيْقِظٌ أَرِقٌ … أَحَبُّ مِنْ حُلُمٍ كالزَّهرِ بَسَّامِ أَصْبَحْتُ بعدَ الرُّؤى في مَهْمَهٍ حَلِكٍ … من الحقائقِ داجٍ جِدّ مِظْلَامِ حيرانَ أَخْبِطُ كالمجنونِ مُرْتَقِباً … نوراً يَفِيضُ فَيَمْحُو كلّ إظْلَامِ أسيرُ والدُّجْيَةُ النَّكْرَاء غاشِيَةٌ … تزدادُ ما زِدْتُ في سَيْرِي وإقْدَامي حتى رَجعتُ - وقد أَخْفَقْتُ في طَلَبي - … مِنَ الشُّكوكِ بِبَحْرٍ مُزْبِدٍ طامِ هي الحقيقةُ ما تَدْنو مَوَدَّتها … ولو وَقَفْتُ عَلَيْها كلَّ أَعْوامي وأنتَ يا خافِقاً في كَهْفِهِ صَخِباً … حَتَّامَ تُمْعِنُ في شَجْوِي وإِيلامي أَأَنْتَ مَعْبَدُ شَكٍ لَا ثَنى قَلِقاً … أمْ أَنْتَ يا خافِقي نَاقُوسُ آلام هذي الحَقائقُ تَنأَى عَنك هارِبَةً … وَأَنْتَ ما زِلْتَ في شَوْقٍ وتَهْيَام تَفَرَّقَ الناسُ فِيها كلَّ ناحِيَةٍ … فكَم ترى مِنْ (مَعَرِّيٍ) و (خَيَّامِ) مِنْ عَهْدِ (سُقْرَاطَ) لمْ تَبْرَحْ مُحَجَّبَةً … طخياء، شتّانَ بَيْنَ النُّسْكِ والجامِ ما رَوْضَةٌ بَرَزَتْ لِلْعيْنِ سَافِرَةً … إِذْ جَادَها سَحَراً دَمْعُ النَّدى الهامي تَهيجُ في الصبِّ نارَ الُحبِّ خابيةً … وتملأ النَّفْسَ مِنْ وَحْيٍ وَإِلهامِ ترى الطيورَ على الأَفْنانِ حالِمَةً … سَكْرَى تَلَهَّى بأَلْحَانٍ وَأَنْغامِ وَالنَّحْلُ يَرْقُصُ حَوْلَ الزَّهرِ مُنْتَشِياً … صَبَّاً وَلُوعاً بِتَقْبِيلٍ وَتَضْمَامِ هَبَّتْ على بِشْرِهَا هَوْجَاءُ عاصِفَةٌ … فَخَيَّمَ البُؤس فيها بعدَ إِنْعامِ لا طائرٌ ناغِمٌ في الرَّوضِ مُرْتَنحٌ … فَوْقَ الغصونِ ولا نحْلٌ بِحَوَّامِ كالقَلْبِ هَبَّتْ رِيَاحُ الشَّكِّ تَلْفَحُهُ … فَقَطَّعَ العُمْرَ في عَزْمٍ وإحْجَامِ

стр. 5962

أهكذَا الكَوْنُ أحْلامٌ مُلَفَّقَةٌ … قَرَّتْ حَقائِقُها في صَدْرِ كَتَّامِ تلقى أخا اللُّبِّ في بَيْدَائِهِ دَهِشاً … حيرانَ يُدْلجُ في رَيْبٍ وَإبْهامِ دمشق أمجد الطرابلسي

стр. 5963

كما أراك يا شُعلةً مِنْ جُنُونِ … وَصُورَةً لِلْمُجُونِ وَهَيْكلاً لِلأَمَانِي … وَمَعْبَداً لِلْفُتُونِ قَدَّسْتُ فِيكِ شُعَاعاً … يَرِفُّ فَوْقَ الجَبِينِ مُنَغَّماً سَرْمَدِيّاً … سَكَبْتِهِ في حَنِينِ تَلألأَ الكَوْنُ مِنْهُ … وَشَامَهُ النَّاسُ دُوني وَتِلْكَ كأسُ الأَمَانِي … أَتْرَعْتُها مِنْ شُجُونِي وَأَنْتِ نَبْعُ قَرِيضِي … وَفِتْنَةٌ لِعُيُونِي وَصُورَةٌ فِي خَيَالِي … وبَارِقٌ فِي دُجُونِي وَلَمْحَةٌ مِنْ ضِيَاءٍ … مَسْكُوبَةٌ بجُفُونِي وَخَطْرَةٌ بِضَمِيرِي … وَنَغْمَةٌ فِي سُكُونِي عَبَدْتُهَا فِي عُلَاهَا … وَإِنْ شَجَانِي حَنِينِي وَأَنْتِ وحْيٌ خفوقٌ … بَدَا بِأُفُقِ الفُنُونِ في هَيكلِ الحُبِّ شِعْرِي … وَقَّعْتُهُ مِنْ أَنِينِي يا شُعلةً مِنْ جُنُونٍ … وَصُورَةٌ لِلْمُجُونِ حسن محمد محمود

стр. 5964

في الأدب الإنجليزي شارلس مورجان ومناحي التطور في القصة الحديثة بقلم محمد أمين حسونه - ١ - إن ظهور رواية شارلس مورجان (صورة في مرآة) ونفاد طبعتها في بضعة أيام، من شأنه أن يوجه أنظارنا إلى كاتب قصصي برز فجأة بين المؤلفين العصريين، وامتاز بعبقرية فذة تجلت في سطور هذه الرواية كما تجلت في روايته الأخرى (النافورة) التي هتف لها النقدة ورفعوها إلى الصف الأول بين الروايات التي ظهرت عقب الحرب الكبرى. فبينما يحدثنا المؤلف عن هذا النوع الجديد من التصوف (حياة التأمل - الذي يحيط بفصول روايته كهالة من القداسة، ويحلق بنا في الأجواء التي تخلد فيها أرواح وآرسطو وأفلاطون وديكارت، إذ نراه في فصل آخر ينزل بنا إلى التحدث عن علاقة الأجساد بالشهوة، أي يعود بنا آدميين تحكمنا غريزة الجنس وتطغى على ميولنا وعواطفنا، فيصف في صراحة مخيفة التبشير باللذة الجنسية وأثرها في العلاقات الجنسية وصفاً هو أشد وقعاً من الفن الذي ابتدعه الروائي الإباحي د. هـ. لورانس. كان القصصيون إلى العصر الفكتوري يهتمون كثيراً بصنع قوالب لشخصيات شاذة ثم يصبون ماء الحياة فيها ويحملون القارئ على أن تعلق هذه الشخصيات بذاكرته، وكثيراً ما كانوا يملئون صفحات مملة باردة يصفون فيها نشأة أبطالهم وعوائدهم وطباعهم ونظرتهم إلى الحياة والدين والأخلاق، ثم تنتهي الرواية بترجيح كفة الخير على الشر. وكان اهتمام الروائيين في عصر الملك إدوارد موجهاً إلى تسجيل الحركات والدوافع والفضائل، وكانوا يلقنون البطل أقوالاً يعرب بها عن عقائدهم وأفكارهم ونزعاتهم ودروساً وعظات أخلاقية، أما الفن الروائي الحديث فيختلف عن هذا كله وينحو منحى جديداً، فقد جعل كتابه من أهم مظاهره تقريب الحياة إلى ذهن القارئ بأن يشعر كأنه يعيش في نفس البيئة والجو، كما يهتمون بتسجيل حركات شخصيات رواياتهم وخواطرهم ومشاعرهم والخفية ورسم أطياف أحلامهم وذرات تفكيرهم وارتباطها بنشاط العقل وإبراز العبقريات المدفونة وتقديسها،

стр. 5965

فالرواية الحديثة حوض بلوري تسبح فيه الرغبات والآمال، والأفراح والأتراح، وتشف من جوانبه الهواجس والأحلام. . . . ونحن نشعر لأول وهلة بعد مطالعتنا لقصص شارلس مورجان بهذه الصفات جميعاً، وبقوة جذابة في الأسلوب وفي اللهجة، قوة هادئة منظمة تسيطر على الأعصاب وتبدو من خلالها صفات المؤلف التي لا تمت مطلقاً لا إلى الواقعية ولا إلى التحليلية، بل إلى تجارب ثمينة وإرادة حديدية وفن إبداعي لم يسبقه إليه أحد. بدأ شارلس مورجان حياته في البحرية الإنجليزية وعمره سبعة عشر عاماً فطاف ببلاد وموان مختلفة، وقد تولد ميله إلى الأدب بتأثير حادث خفي. ولما زار أكسفورد للمرة الأولى راقته حياة الطلبة ودفعته رغبته في إتمام تعليمه وتعلقه وشغفه بالأدب إلى أن يؤثر الالتحاق بالجامعة على الاندماج إلى الأبد في سلك البحرية. غير أن شبوب الحرب العالمية حال دون أن يحقق رغبته فاضطر أن يعود ثانية إلى العسكرية واشترك في الدفاع عن أنفرس إلى أن سقطت في يد الألمان فوقع في الأسر وأرسل إلى إحدى المعتقلات العسكرية في هولندا ثم أفرج عنه عقب الهدنة وعاد إلى إنجلترا ليلتحق ثانية بجامعة أكسفورد. كانت أول أعماله الأدبية روايته الأولى (غرفة البنادق) في عام ١٩١٩ وقد تحدث فيها طويلاً عن حياة البحرية، غير أنها قوبلت من جانب الصحف والنقدة بقلة الاكتراث لعدم ذيوع اسم مؤلفها، وفي عام ١٩٢٥ أصدر روايته الثانية (اسمي لا عَدّ له) فكان نصيبها نصيب روايته الأولى. أحس مورجان بدبيب الفشل يتطرق إلى نفسه، وانصرف إلى الوحدة والمطالعة وخاصة في كتب الفلسفة والتصوف، وفي عام ١٩٣٢ ظهر في الجو الأدبي للمرة الثانية بروايتين: الأولى (صورة في مرآة)، والثانية (النافورة) يصفهما كلير اليان انجيل الناقد الفرنسي: (بأنهما ثمرة مجهود طويل دقيق، أشرفت عليه إرادة جبارة تدل على نضوج في الرأي وقوة في التفكير) ويقول عنه محرر (النوفيل ليترير) في معرض نقده لفن شارلس مورجان: (بأن أهم مميزات عبقريته تحفظه في التعبير، ولا يمكن مطلقاً اتهامه بالبرود والجفاء لأن الانفعالات المكبوتة قد لا تخلو من الإحساس، ولهذا فأشخاص قصصه يشعرون ويتألمون ولكنهم يتهامسون دون رفع أصواتهم).

стр. 5966

يمتاز أسلوب مورجان بفصاحة في التعبير، وربما كانت روايته (النافورة) مشوبة بشيء من الإسهاب في الوصف، ويمكن أن يقال أيضاً بأن الوضع في روايته الأخرى (صورة في مرآة) غير متناسق في مجموعه، غير أن بعض نكات المؤلف الطريفة تعطينا شيئاً من الطلاقة إلى جانب عبوس الموضوع. وقد جاءنا المؤلف بأشباح هم أبسط تكويناً من أبطاله، يعيشون فوق سطح الموضوع لا في قاعه؛ مثال هذا: وصفه في القسم الأول من (النافورة) حياة الضباط الإنجليز في المعتقلات الهولندية، والآنسة فولاتون العانس في رواية (صورة في مرآة) وجعلها تلقي الكلام على عواهنه في شئ من المزاح الخطر. ومع ذلك فالمعاني التي يأتي بها المؤلف ترتكز على تلك الصراحة التي يصور بها نفسية أبطاله، وهو لا يكاد يشرح مسألة هامة حتى يترك المجال رحباً لاثنين أو ثلاثة من أبطاله، فيختفي وراء شخصياتهم ليلقنهم آراءه وأفكاره. في رواية (صورة في مرآة) يصف لنا حياة رسام شاب يدعى نيجل فرويز يقابل مصادفة صديقة له كان يحبها منذ سنوات، فحين يلتقي بها بعد هذه الغيبة الطويلة ينبعث الماضي من قلبه فجأة كعالم كان يجهله. حاول أن يهبها حبة فأخفق، لأن صورتها الأولى التي كان يهيم بعبادتها قد تغيرت بمرور الزمن، وكانت أيضاً على وشك أن تتزوج من غيره، فتترك عريسها وتتعلق بالرسام الشاب وتمنحه قوة حبها السابق، على حين أنه يشفق عليها فقط لأنه يعطف على ذكرى الماضي ويقدسه. وتعتبر روايته الثانية (النافورة) رداً على هذه النظرية، فموضوعها هو التفاهم الفكري بين رجل وامرأة، والتفاهم الروحي بين رجل ورجل هما في القصة أخصام، ولكن الخصب الفكري والتوافق في ذلك الأفق العالي من الثقافة يمحو الخصومة ويسمو بهما إلى مراتب الآلهة. بطلها لويس اليسون شاب لا يزال في مقتبل العمر، ولكن لفرط تعمقه في الفلسفة والتفكير يبدو أكبر سناً من حقيقته. وعندما يتكلم بروية يضطر غيره إلى الإصغاء؛ هو مغرم بالتاريخ لا يدرسه لنفسه ولكن للفلسفة في التاريخ، يدرس تطور العقل الإنساني المشترك في العصور المتعاقبة ويتابع ناحية جلية منه، وهي أن هناك عقلاً واحداً من أقدم عصور التاريخ إلى اليوم، وسواء أكان هذا العقل عقل أفلاطون أو ديكارت أو نيوتن فإنه العقل

стр. 5967

الإنساني يحاول أن يخترق الحجب وأن يمزق قناع الغيب. فشارلس مورجان يطبق النظرية الفلسفية الحديثة القائمة على توحيد العقل الإنساني ويطبق أثر تصوفه في أخلاق أفراد قصته، فيقول على لسان أحدهم حين يتلو صلاته في تقوى وخشوع: (عندما كنت طفلاً أخذ الله بيدي، ولما كبرت هربت منه، وعندما احتجت إلى الراحة والسلام بحثت عنه وطفت المدينة بمصباح، ثم غمرتني المذلة وانحنيت إلى الأرض أبحث عنه في الأوكار وتحت صفحات الأزهار، ولكن لم أجد سلاماً ولا راحة، وصرت كطفل أو كعالم كبير ضل طريقه فلم أعد أعلم عمن أبحث، فرميت مصباحي ومفاتيحي وبكيت، ورأيت فجأة نوره يملأ قلبي، وعدت إلى المدينة فإذا النور لا يزال حيث هو، وإذا بي أمرح في سجن نفسي بينما الدنيا تتابع الطرق على بابي، ربي أعطني يدك عندما تدعوني إليك). - ٢ - نراه يصف الأسرى في المعتقلات الهولندية فيسهب في تسجيل حركاتهم وخواطرهم، عندما يتألم الطيار الذي اعتاد الجو فلا يستطيع الصبر على الأسر، يقول للويس اليسون المفكر الغارق في فلسفته: أتعلم أني حين أطير أصل إلى لحظات ينكشف لي فيها الغيب وأرى ما لا تراه العيون كما ترى أنت بالطبع حين تخلو إلى نفسك والى أفكارك، ثم أعود إلى الأرض. . . أعود آدمياً مع الأسف كما تعود أنت بعد خلوتك لتختلط بنا وتتكلم معنا. وعندما يتقابل لويس اليسون مع جولي ناروتز - وهي سيدة شابة إنجليزية متزوجة من ألماني لا تحبه - يعرف أنها كانت تلميذته القديمة وهو في لندن فتأخذ الذكريات تتفتح في قلبه شيئاً فشيئاً كما تتفتح الزهرة في أشعة الشمس وتحاوره قائلة: - أستاذي. . . كيف تراني الآن؟ هل تغيرت؟ فيجيبها وهو شارد في تأملاته: - معاذ الله. . لقد صرت كشبح جميل قام من هذه البحيرة. فتلذعه بقولها: - إذاً وداعاً للحم والدم! تتحول صداقة لويس وجولي إلى حب، هو في نظرهما وسيلة للبحث عن توازن يتغلب

стр. 5968

على تقلبات الدهر، أو كما يصفه المؤلف نفسه: (عندما يتم امتزاج الرجل بالمرأة وهما في أشد أدوار النشوة ويحاولان أن يعبرا جسر الجسد إلى وحدة الروح، فإنهما لا بد واصلان إلى سخرية ما بعدها سخرية، ومهما أحاطا الحب من خيال وحرارة وإيمان وابتغاء الخلود بالذرية، فإن الإحساس الجسدي يظل كما هو، جسمان منفصلان كطائرين يحاولان التلاقي خلال (لوح) من زجاج!). والخلاصةأن بطلي هذين النزاعيين النفسيين متشابهان كل التشابه، ينجل فريوز في السابعة عشرة من عمره، ولويس اليسون في الثلاثين، ولكن كليهما يبدو أكبر سناً من حقيقته، فنضجت في الحياة تجاربهما. وصورة الرسام الفنان تتشابه تماماً وصورة الضابط الشاب، فإنهما يمتازان بعمق الإرادة وانحصار قوة التفكير المحاط بتكتم يخضع المحيط بهما، ولوعة الذكرى التي تعذب ينجل وشعوره بالألم من مجرد مرور طيف كلير بمخيلته، وهو نفسه شعور اليسون عندما يلتقي بتلميذته جولي ويحبها. وقد يمتاز اليسون عن زميله بأنه رجل كثير التفكير، يسبح في آفاق عالية، فعندما يؤخذ إلى الأسر يفرح كالطفل ويقول، بأنه سوف يخلو إلى مطالعاته وتأملاته. فحياة التأمل ما هي في نظره إلا التاج لآمال الرجال الذين فجعوا وهم في زهرة العمر. أما كلير وجولي فإنهما تختلفان نوعاً، فبطلة (صورة في مرآة) بطيئة في فهم جموح عاطفة الطفل المعجب بها والذي يحبها حباً نادر المثال. لذا نراها مبتعدة عنه بل تكاد تكون سلبية، على حين أن جولي ضحية تنازع لعوامل مرتبكة، وهي لذلك كثيرة الاضطراب مبلبلة الفكر، وقد تجنب المؤلف أن يثير بشأنها مسألة الجنسيات، فهي إنجليزية ولكنها متزوجة من ألماني يدعى فون ناروتز، وشخصية هذا الضابط غريبة حقاً في الرواية، فالمؤلف يظهره أمامنا وقد عاد من الحرب مشوهاً مريضاً بالربو، يقاسي نوبات حادة من الألم، يقول عنه (إنه ترك مرتبة التفكير وصعد إلى أعلى من هذا واستقر، فها هو يعود إلى داره بآلامه التي لا تطاق، فيحاول أن يصبر كإله جبار). ولكن البارون - رب القصر - وهو رجل موفور الصحة، لا يكتم رأيه العملي حيال فون ناروتز فيقول: (إن العالم كمزرعة لا يجب أن يتسامح المرء في الضعيف فها وإلا قل الإنتاج وحل الخراب، فالضعيف المريض يجب أن يمحى).

стр. 5969

يسمع ناروتز منه هذا ويحاول أن يصبر على الألم ولا يشكو فيقول في إحدى محادثاته: حقاً إن الرجل القوي يتحكم لدرجة ما في الموت والحياة. وهو قد جاء إلى القصر بآلامه وانتصر على الموت لأنه يحب زوجته جولي حباً عميقاً خالصاً ولأجلها يريد أن يعيش. ولكنه يعلم بعد هذا أن العلاقة التي تربطه بزوجته أصبحت علاقة المريض بالممرض فهي تخونه مع لويس لأنها محرومة منه، ولو طالبها بالوفاء له وهي شابة ناضجة الأنوثة ملتهبة العاطفة لكان هذا فوق طاقة البشر، فيقذف بنفسه في غمرة من المثل الأعلى اليائس، وأخيراً يصل إلى حالة انفصال تام عن الحياة وحالة هدوء واستسلام وتجلد أمام الآلام ويأخذ الجبار في الموت فلا يلبث قليلاً حتى تختفي شخصيته. وقد قصد المؤلف بإظهاره أن يطلعنا على صورة من صور النساك الحديثين الذين يعتبرون أن الحرب ما هي إلا تكفير ديني لخطايا البشرية، ولو كانت شخصية فون ناروتز غير هذا من الخلق لأصبح الموضوع تافهاً، ولكن إظهاره بهذه الصورة يدل تماماً على طريقة رسم المؤلف لشخصياته. جميع أبطال شارلس مورجان مثقفون لا يعيشون إلا بأرواحهم، وبالرغم من تحليله النفسي الدقيق فإن لا يسرف مطلقاً في وصف (تيار الضمير) كما هو الحال في أكثر المؤلفات الإنجليزية الحديثة. فأشخاص مورجان يحكمون عقولهم ويدرس بعضهم أخلاق بعض، وهم ذوو إرادة قوية، ولا يمكن للغريزة أن تحكمهم حتى في أعمالهم، يسلكون طريقهم الطبيعي، ويقفون أحياناً يائسين بعد تردد، وهم لا يعملون عملاً متفقاً عليه ولا يتحركون كالآلة، بل تبدو من خلال شخصياتهم الإرادة القوية والشعور باحترام أنفسهم، وبرغم الحوادث والكوارث التي تنتابهم تراهم محتفظين بنزاهتهم الأدبية وباستقلالهم في الرأي والحكم. فشارلس مورجان يعد أيضاً من هذه الناحية من المؤلفين الإرشاديين، وهو يوجه قراءه إلى مثل عال واضح محدود. وفي الوقت الذي يتلمس في التأليف الروائي الإنجليزي سبلاً للوصول إلى نوع جديد، نرى مورجان يسلك طريقاً مبتكراً، وهو يشبه في فنه (برنسيس دي كليف) وغيرها من القصص التي يجمع أبطالها بين الشهوة والاتزان فيفخرون بتحمل

стр. 5970

آلامهم باحثين عن الراحة في شعورهم بالإخلاص للمثل الأعلى. وخير ما أختم به هذه الدراسة المقتضبة أن أردد ما قاله الناقد الروائي لملحق التيمس الأدبي: (إن الذي تطربهم الشهرة والذين يعترفون بقوة الإلهام ويقدرون أيضاً نعمة إظهار الأخلاق على حقيقتها وتحديد العواطف البشرية ورسمها، والذين يميلون بفطرتهم إلى آداب النثر الفني الإنجليزي وعظمته يستطيعون أن يجدوا كما وجدنا هذه الآثار الرائعة في روايات شارلس مورجان). محمد أمين حسونه

стр. 5971

العلوم ٦ - بحث في أصل الإنسان بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية من تلك الفكوك المتحجرة التي وجدناها عرفنا أنه قد عاش في الغابات الاستوائية في أوائل عصر البليوسين نوع من القردة الكبيرة، وأنه قد كان لنوع من أنواع الغوريلا أو الشمبانزي أو أورانج يورنيو وسومطره كبير الحجم يمت إلى الإنسان بالشبه من وجوه مختلفة. وأننا نعرف أن أصناف القردة التي تسمى والتي يمثلها قرد الأورانج والسيامي كانت موجودة، وأنه كانت هناك كذلك أنواع أخرى تختلف كثيراً عما نراه في نظيراتها اليوم، إلا أنها كانت من أصل واحد. ولذلك فإن من الممكن القول أن ذلك النوع الذي تفرع وتطور من الإنسان كان موجوداً في أوائل عصر البليوسين. ونحن إذ تقدمنا في بحثنا إلى عصر الميوسين فإنه لا يمكننا أن نجد فيه أي أثر إنساني. وليس في استطاعة من يعرف أن بحثنا لم يكن إلا قصير المدى ولمدة وجيزة وأن هناك معلومات قيمة جيولوجية لم يكشف عنها بعد، إلا أن يقول إن الإنسان لم يوجد في عصر الميوسين بشكله الذي نعرفه به. وليس هناك أي شك في أن أواخر ووسط عصر الميوسين كانت فترة تطور كبيرة مدهشة في عالم القردة، دليلنا على ذلك ما قد كشف بين ثنايا طبقات ذلك العصر من متحجرات وبقايا مما لا يقل عن عشرة أنواع من أنواع القردة الكبيرة التي فاق حجمها حجم الإنسان. وكانوا عمالقة إذا ما قورنوا بما قد سبقهم من الأنواع الكبيرة. ولما كان الإنسان عملاقاً أولياً بالنسبة لباقي المخلوقات وكانت هذه الحيوانات وأحجامها أمام فكرنا، فإنه لا يسع الإنسان إلا أن يشك في أن الإنسان قد تفرع في ذلك الوقت عن فرع منها. أما معلوماتنا عن القردة فقد بنيناها على ما قد وجدناه من بقايا فكوكها وحطام أسنانها. يقول عنها بعض العلماء أنها بقايا نوع من القردة الكبيرة كان متجهاً نحو التطور الإنساني، ولكن لا يمكننا الحكم بذلك من مجرد بقايا لفك أو بضع أسنان، لأنه قد سبق لنا أن مظهر الفك وشكله لا يدلان على نوع صاحبه كما عرفنا في إنسان البلتدون. ولكن البرهان الحقيقي الذي يمكننا أن ننتزع منه الحقائق الثابتة هو الجمجمة وعظمة الفخذ والقدم، وهذا ما لم

стр. 5972

يوفق إليه أحد حتى الآن. لكننا مع ذلك يمكننا القول حدساً بأن قردة الميوسين برغم اختلافها في الشكل والتكوين عن نظيراتها في العصر الحالي لا تختلف عنها في شئ آخر، وقد وجدت آثار لصغار القردة التي يمثلها نوع الجيبون وتمتاز أسنانها بصغرها، مختلفة في ذلك عن باقي الحيوانات التي كانت منتشرة في غابات الملايو. وإننا لا نشك لحظة في القول بأنه إذا كان هناك عالم حيواني قد نزل الأرض من كوكب آخر منذ ٧٠٠ ألف سنة لوجد كل الأجناس موجودة بها ما عدا الإنسان، وهذا معناه أن الإنسان كما نعرفه الآن لم يوجد قبل تلك الفترة، ولكن هل كان الإنسان الأول موجوداً في ذلك الوقت؟ أو هل كان أصل الإنسان الذي تفرع عنه موجوداً في ذلك الوقت؟. . لا يسعنا إذا نظرنا إلى كمال جسم الإنسان وتمامه قبل نهاية عصر البليوسين إلا أن نقول أن الإنسان في تطوره أو تفرعه عن شجرة الأجناس (كما سنطلق عليها الآن) قد بعد أن يكون قرداً أو عن نوع القردة من بدء عصر الميوسين على أقل تقدير، وهذا ما احتاج إلى ملايين السنين، وربما كان ذلك قبل ذاك الوقت حيث عصر الأوليجوسين. ولنجل اليوم جولة أخرى حيث يقودنا الماضي السحيق الذي يبعد عنا بما لا يقل عن نصف مليون سنة إلى عصر مبكر من عصر الأوليجوسين حينما كانت الغابات تغطي شمال أفريقيا ومنطقة الصحراء الكبرى والسودان، وحينما كان يغمرها نهر عظيم فياض كان يفيض في الشمال والجنوب مكوناً دلتا عظيمة كانت مكان دلتا النيل الحالية، وتظهر آثارها في الفيوم على شكل ربوات عالية من الطباشير، غنية بحفرياتها التي تمثل نوع الحيوان الذي كان يسكن شمال أفريقيا في النصف الأول من عصر الأوليجوسين، ولذلك نوجه بحثنا إليها. في سنة ١٩١٠ كشف بها عن اكتشافات هامة هي أسنان وحطام أفكاك ثلاث أنواع غريبة من الأنواع الأولى البائدة. وكان أشد ما أدهشنا في تلك الأسنان أنها صغيرة الحجم، وأن تلك الأنواع صغيرة الحجم لا يتجاوز حجمها حجم القرد الأمريكي المعروف باسم ونسبة حجم جسمها إلى جسم الجيبون توازي نسبة حجم ذلك إلى حجم القردة الكبيرة. إلا أنه قد كشف أن أحدها وهو الذي أطلق عليه يمت بصلات تقربه جداً إلى النوع المعروف باسم

стр. 5973

الجيبون. وإنا نشك في أن هذا النوع الذي ذكرناه قد يكون أصل قردة الأوليجوسين والميوسين والأنواع التي يطلق عليها اسم الجيبون. وقد وجد الباحثون هيكل قردين آخرين: الأول صغير الحجم (وقد وجدا بالقرب من الفيوم) يظن أنه قد تفرع عن أصل قردة الجيبون وقردة الدنيا القديمة. وفي هذا النوع الذي وجدوه نلتمس القرابة والتشابه المحسوس مع قردة الأيوسين. أما الهيكل الثاني فإنه لقرد صغير يظن أنه من حلقات تطور القردة الأولى. وإن منطقة الفيوم هذه قد أعطتنا فكرة عن قردة الدنيا القديمة وتطورها في عصر الوليجوسين، وهذه الفكرة تكفينا لنعرف أننا نتقرب في بحثنا ونتعمق في عصر من الدرجة الأولى لتطور أنواع القردة إلى عصرنا هذا الذي تختلف فيه أنواع القردة الأولى، ولو أن كليهما من عنصر واحد وتركيب واحد. وقد أمكننا من بحثنا في صخور الأوليجوسين أن نعرف ونرى بوضوح تام أنه لم يوجد في ذلك العصر أي نوع من الأنواع الإنسانية أو القردة، بل وجد أصل كل تلك الأجناس العظيمة. ولم نكن نريد أن نتعمق أكثر من هذا في بحثنا ونصل فيه إلى عصر سحيق متناه في القدم يمثله العصر المعروف باسم عصر الأيوسين، إلا أننا علمنا أن العلامة الكبير الأستاذ ف. وود جونز وهو من عباقرة هذا العصر يصرح بأنه يؤيد أصحاب النظرية التي تقول إن الإنسان قد تفرع من شجرة الأجناس وابتعد عن باقيها من عصر الأيوسين حينما أخذت ذوات الثدي تعدل من شكلها ويتخذ كل منها له صفات ومميزات تميزه من غيره. لذلك نقول إنه قد وجد في طبقات عصر الأيوسين وبخاصة في الولايات المتحدة وفرنسا متحجرات لأنواع كثيرة جداً من ذوات الثدي البائدة وكلها صغيرة الحجم. وقد وجد ضمنها نوع يشابه القردة التي أطلق عليها اسم وهذا النوع قد باد ولم يبق ما يماثله الآن سوى نوع واحد يعيش في غابات الملايو سريع الحركة براق العينين واسعهما لا يظهر إلا بالليل ويطلق عليه اسم ويعتقد الأستاذ وود جونز أننا في بحثنا هذا سوف نجد حتماً سلسلة متتابعة من الهياكل المتحجرة التي تثبت لنا أن أصل الإنسان يرجع إلى سلف من أسلاف هذا النوع وبذلك

стр. 5974

يعطي للإنسان وأصله عمراً يقدر بنحو مليونين أو ثلاثة ملايين سنة. يتبع نعيم علي راغب.

стр. 5975

البريد الأدبي تاريخ عام للآداب عني بكتابة التاريخ العام من نواحيه السياسية والحربية كثير من المؤرخين في مختلف العصور؛ وكان المؤرخون المسلمون في طليعة من تناولوا تاريخ الإنسانية على هذا النحو. وصدرت في العصر الحديث موسوعات تاريخية عديدة تعالج التاريخ عصوراً أو أمماً، ولبعضها قيمة علمية ونقدية رفيعة. ولكن تاريخ التفكير الإنساني لم ينل مثل هذه العناية، وقلما عولج على هذا النحو؛ ويندر أن يضطلع باحث واحد بمثل هذه المهمة الفادحة المتعددة النواحي؛ بيد أن هذا هو ما يضطلع به اليوم الكاتب العلامة الإيطالي جاكو مو برامبوليني؛ فهو يشتغل منذ أعوام بوضع تاريخ عام للآداب والمعروف أن إيطاليا تجيش اليوم بنهضة علمية وأدبية كبيرة، وقد عنيت الحكومة الإيطالية بالإشراف على إصدار موسوعة (دائرة معارف) إيطالية هي اليوم من أحدث وأقيم الموسوعات؛ وهي تشجع الحركة الفكرية بمختلف الوسائل، والسينور برامبوليني علامة واسع الثقافة، وكاتب وافر الخصب؛ ولم يرعه أن يضطلع وحده بكتابة تاريخ عام للتفكير الإنساني، وقد استطاع أن يصدر حتى اليوم جزأين من تلك الموسوعة الشاسعة؛ ولكنهما يدلان على ما بذل مؤلفهما من الجهد المستفيض، وما يمتاز به بحثه من الرسوخ والدقة. ويتناول الجزء الأول الذي تربي صفحاته على الألف، تاريخ التفكير في المشرق وفي العصور الغابرة؛ فالأدب الصيني وشعراؤه وفلاسفته، والأدب الياباني، والأدب الهندي وتراثه الفلسفي القديم، والأدب العربي في مختلف نواحيه، سواء في الجزيرة أو مصر أو أفريقية أو أسبانيا وصقلية، ثم الأدب الفارسي منذ سيروس إلى عصرنا، والأدب التركي، والأدب التتاري: هذه كلها يعالجها الأستاذ برامبوليني في الجزء الأول من موسوعته بأسلوب بديع فائق؛ ثم يعالج إلى جانبها آداب العصور الغابرة التي تغذت منها الآداب الأوربية، مثل الأدب الفرعوني، والأدب الآشوري، والأدب الإسرائيلي، والآداب اليونانية والرومانية بكل ما وسعت من ألوان الشعر والفن والجمال. ويصل الأستاذ برامبوليني في الجزء الثاني من موسوعته في استعراض تاريخ التفكير الإنساني حتى العصور الوسطى، وذلك بعد أن يستعرض الآداب النصرانية الأولى في

стр. 5976

المشرق والمغرب، ويعرض مراحل هذه العصور الغامضة في وضوح ودقة؛ ويخصص عدة فصول قيمة للأدب البيزنطي، والأدب العبري في العصور الوسطى، ثم يتبسط في الكلام على الأدب اللاتيني فيخصه بنحو مائة وخمسين صفحة من الألف التي يضمها هذا الجزء؛ ومما يلفت النظر في هذا الجزء بنوع خاص أن المؤلف يفيض في تاريخ الآداب الجرمانية والسكسونية الشمالية القديمة التي قلما يعنى الباحثون بأمرها. وقد عني الأستاذ برامبوليني فوق ذلك بأن يزين موسوعته بطائفة عظيمة من الصور والنقوش الهامة تزيد في رونقها وطلاوتها. وكان لصدور هذه الموسوعة الأدبية الشاسعة وقع عظيم في الدوائر العلمية الإيطالية والأجنبية، خصوصاُ وأن مؤلفها ما يزال شاباً معدوداً من الكتاب الشبان، ومع ذلك فقد أبدى في إخراج مؤلفه سعة في البحث والتحقيق قلما يضطلع بها الشيوخ؛ وتعتبر الدوائر العلمية أن هذه الموسوعة من أقيم ما ظهر حتى الآن في تاريخ الآداب العام، وترجو أن يوفق مؤلفها إلى إتمامها حتى عصرنا، لتغدو مرجعاً بديعاً لمراحل التفكير الإنساني. كتاب عن حياة العذراء صدر أخيراً كتاب للكاتبة الإنكليزية ماري بوردن عن حياة السيدة مريم العذراء بعنوان (ماري النصرانية)، فأثار ظهوره ضجة كبيرة في دوائر الأدب. ذلك لأن الكاتبة تعالج حياة العذراء من ناحية إنسانية ومنزلية محضة، وتعرض بأسلوب مؤثر قصة حبها الأموي؛ وتدلل الكاتبة على معرفة دقيقة بفلسطين والحياة اليهودية، ومواطن المسيح، وحياته الأولى؛ وتصور لنا (ماري) (السيدة مريم) هائمة بحب ولدها متعلقة به، جزعة على انفصاله، مرتابة في صحة رسالته إلى ما قبل الخاتمة المفجعة. وتقول لنا إنها استندت في تصوير هذه الحياة المؤثرة إلى الكتب المقدسة، وبخاصة إلى العهدين القديم والجديد، والى أقوال السيد المسيح، والى كتب الصلاة العبرية والتلمود وغيرها، ثم إلى بعض الكتب التاريخية التي تلقي ضياء على هذا العصر؛ ثم تقول لنا إنها اضطرت منذ البداية أن تخوض ذلك الجدل الخالد الذي يتعلق بأسرة المسيح، والذي لبث مدى قرون يثير بين أحبار الكنيسة أشد الخصومات. وكتاب السيدة ماري بوردن يعتبر في معنى من المعاني قريناً لكتاب المؤرخ الفرنسي

стр. 5977

(رينان) عن حياة المسيح؛ فقد أثار كتاب رينان يوم ظهوره ضجة عظيمة، ونال من الدوائر العلمية أعظم تقدير، لأنه مؤلفه استطاع أن يتبسط بجرأة وقوة في شرح الجانب الإنساني من حياة المسيح؛ وهذا ما فعلته ماري بوردن في بسط حياة العذراء. هنري بوردو يدافع عن فيوليت نوزيير حكم القضاء الفرنسي أخيراً بالإعدام على فيوليت نوزيير، وهي الفتاة التي قتلت أباها وشرعت في قتل أمها بالسم لكي ترث مالهما، فاستقبل الرأي العام هذا الحكم بالرضى، ولكن هنري بوردو الكاتب الكبير وعضو الأكاديمية الفرنسية - وهو محام قديم - حمل على هذا الحكم، وأنشأ في دفاع فيوليت نوزيير فصلاً بديعاً قال إنه يصور دفاعه كمحام عن هذه الفتاة القاتلة لو أنه دعي للدفاع عنها. ومما جاء في هذا الفصل: (لقد كان فيما مضى في هذه القاعة شخص كانت تغلبه الرحمة؛ وقد حمل هذا الشخص وألقي به واختفى في مكان لا نعرفه، في بعض زوايا هذا القصر - قصر العدالة، ولقد كان يحمل الشقاء الإنساني مهما بلغ، وكان يدعو إليه كل بائس وكل مذنب، ويعاونهم على حمل مصائبهم أو جرائمهم. ولكن فيوليت نوزيير لم تعرفه، ولم يرشدها إليه إنسان؛ وقد حرمت من كل شئ حتى من وجود الإله. أتجرءون الآن إذاً أيها السادة المحلفون أن تنزعوا منها الحياة؟ إن الحياة هي كل ما تبقى لها، أتجرءون على نسيان أولئك الذين خلقوا هذا الوحش ورعوه؟ أتجرءون أن تنتزعوه من أصوله، ومن محيطه، ومن شركائه، فتحكموا بالإعدام على هذه الطفلة التي لم تجاوز التاسعة عشرة، والتي اتهمت بأشنع الجرائم؟ ارجعوا إذاً إلى منازلكم، وتأملوا أولادكم، واسألوا أنفسكم ماذا عسى يصيروا إليه إذا رفعتم عنهم رقابتكم وحبكم، وإذا حرمتموهم من الشفقة الإنسانية، وإذا حرمتموهم من معرفة الله. . .). رسائل جديدة لشاتوبريان عرضت أخيراً للبيع ضمن مجموعة ثمينة من الكتب والمخطوطات النادرة، عدة رسائل خطية لشاتوبريان الكاتب الفرنسي الأشهر، وهي الرسائل التي كتبها إلى مدام كوستين، بين سنتي ١٨٠٤ و١٨٠٦، أثناء رحلته في المشرق، ثم سنتي ١٨٢١ و١٨٢٣؛ وقد بيعت هذه

стр. 5978

الرسائل، وعددها ثلاثون بمبلغ ٥٤٦٥ فرنكاً (أو ما يساوي نحو ثمانين جنيهاً)؛ ولكنها بيعت متفرقة كل رسالة على حدتها، وبلغ ثمن واحدة منها فقط ١٠٢٥ فرنكاً (نحو ١٥ جنيهاً)، وهي عبارة عن ثلاث صفحات، يحمل فيها شاتوبريان على الكنيسة ورجال الدين، ويخاطب صديقته بما يأتي: (أأنت إذن حزينة جداً؟ ولماذا؟ ألأن عصافيرك قد ماتت؟ ومن ذا الذي لا يموت؟ أم لأن بلابلي قد طارت؟ إنك تعلمين أن كل شئ يطير، وفي مقدمة الأشياء الطائرة أيام حياتنا) ومن هذه الرسائل رسالة فيها ثلاث كلمات فقط وهي (إلى الغد أيتها المتذمرة!)، وقد بيعت وحدها بمبلغ ٢١٠ فرنكات. جائزة نوبل لبثت جوائز نوبل الطبية مدى حين وقفاً على العلماء الألمان والنمسويين؛ لكنها منحت هذا العام (سنة ١٩٣٤) إلى ثلاثة من العلماء الأمريكيين هم الأساتذة: جورج نيوت، ووليم مورفي من أساتذة جامعة بوسطن، وهوبل من أساتذة جامعة روشستر، وذلك لاكتشافاتهم الخاصة بعلاج أمراض الكبد في أحوال فقر الدم، وهي اكتشافات كان لها أعظم شأن في تقدم الطب والعلاج في هذه الناحية، وقيمة الجائزة التي خصتهم ١٦٢. ٦٠٨ كروناً سويدياً، أو ما يساوي نحو تسعة آلاف جنيه، وزعت بينهم بالتساوي. من الرسالة إلى الوادي ترجو الرسالة من زميلتها الوادي أن تعتقد أن ما نشر هنا عن لجنة التأليف والترجمة والنشر إنما كان بموافقة الأستاذين الكاتبين (ليكثر الذين يعلمون من أمر لجنتنا ما نحب أن يعلم) كما تمنت هي.

стр. 5979

القصص منذ أحد عشر عاماً في سان مالو للكاتب الشهير بانيت استراتي ? ترجمة علي كامل في اليوم الخامس عشر من أغسطس الماضي كان قد مضى خمسة عشر عاماً على نشر قصتي الأولى (كيرا كيرالينا) في مجلة (أوروبا). لقد كنت في ذلك الوقت رجلاً سعيداً. فقد كانت صحتي أولاً خيراً مما هي اليوم، ولم أكن أحمل هذه المشاغل التي تسحقني سحقاً. كذلك كنت أشعر بالسعادة لأنني كنت قد انتهيت من كتابة قصتي (كيرا) وأنا أشتغل مصوراً فوتوغرافياً متنقلاً أنعم بالحرية والمرح. وكنت أعتقد أنني قد (فتحت ثقباً في السماء) كما يقولون في رومانيا. وأخيراً كنت سعيداً لأنه كان لي صديقة صغيرة من الألزاس أرادت عن طيبة خاطر أن تشاركني مصيري كمصور فوتوغرافي متنقل وليس هذا بالأمر اليسير. كان الشهر شهر يوليو عندما اتخذت أولاً طريق بانيول دولورن، وقد تسلحت بجهاز فوتوغرافي جديد وجميل تجاورني رفيقتي الباسلة. على أنني لم أقم إلا مدة قصيرة في هذه البلدة المتعبة للأعصاب حيث شراب السدر الرائع، والغابة الممتدة الأطراف، ولم يكن شراب السدر هو السبب في قصر مدة إقامتي، بل السبب هو تلك الغابة التي بها، ذلك أن صديقتي كانت تحبها حباً جماً. وا أسفاه! لقد كانت تحبها على الخصوص حين تسبب لها الآلة الفوتوغرافية الضيق والعصبية فتخلق تلك المشاجرات المحبوبة التي هي فتنة الحياة البوهيمية وبهجتها. ولكي تسري عن نفسها كانت تختفي في الغابة حيث كان من العسير علي أن أجدها حتى بعد مسير كيلومترات وساعات من الصياح. ذلك الصياح الذي كان يبح صوتي ثلاثة أيام. وعندما يهبط الليل كانت رفيقتي تؤدي لي من الخدمات وهي نادمة مفعمة بالحب لي أكثر من أي وقت آخر، وذلك مما كان يغمرني بالسعادة والنعيم. وبعد أسبوع قلت لنفسي: ماذا يهم! يحب أن أذهب لأجرب آلتي في أماكن عارية مكشوفة يمكن فيها رؤية رفيقتي من بعيد عندما ترغمها الضرورة على الهرب من أجل تهدئة

стр. 5980

خاطرها. وانتقلنا فعلاً إلى بونتورسن ثم إلى جبل سان ميشيل. ولما كنت قد رحت ربحاً عظيماً في بانيول دولورن اعتزمت سكنى الجبل نفسه برغم ارتفاع أجره، وعلى الامتناع عن العمل مدة يومين، زرنا خلالها آثار المكان التاريخية، وأكلنا (عجة الأم بولارد) وتأملنا ملياً في مد البحر وجزره أثناء النهار والليل. وبعد هذين اليومين حملت آلتي وابتدأت أصور الإنجليز الذين يريدون أن يحتفظوا بصور تذكارية لمرورهم بجبل سان ميشيل. ففي اليوم الأول كان كل شئ على خير ما يرام، فصورت عشر صور في مقابل مائة فرنك. وفي اليوم الثاني انتابت فتاتي أزمة عصبية فتركتني بقسوة وحيداً ابتداء من الظهر، فكنت مضطراً إلى أسرع في عملي دون احتياط كي أستطيع إنجازه، على أنني لم أحاول أن أغضب، بل كنت أتابع بنظراتي من قمة الجبل وجه صديقتي الرقيقة التي كانت تهدئ من حسرتها بالتطلع إلى الأماكن الرملية العارية في ذلك الإقليم الرائع. كنت أقول لنفسي: - آه! ليس لك هنا غابة تختفين فيها. إنك مرغمة على أن تحومي حول ناظري كسمكة في إناء زجاجي. وكنت أفكر أيضاً في شراء منظار مقرب لأرى من بعيد ما الذي تفعله امرأة غضبى وهي وحيدة في صحراء واسعة. ولكن في اليوم الرابع من وصولنا عندما غضبت صديقتي للمرة الثانية وابتعدت عن الجبل إلى أبعد مما تبصره عيناي لفت نظري راهب كان يهتم بسعادتي المنزلية إلى الرمل المتحرك المشهور به ذلك الإقليم، والذي تتعرض لخطره فتاتي إذا داومت على نزهاتها الخالية من التبصر حول الجبل أثناء المد والجزر. لقد ملأني هذا التحذير رعباً وفزعاً، ففي اليوم الثاني تركت الجبل وذهبنا إلى سان مالو حيث لا توجد لا غابة ولا رمل متحرك، بل ساحل عظيم أو بالحري ساحلان أو ثلاثة تمتد من بارانيه إلى دينار، وتجمع من الناس أغربهم طباعاً، فهناك ينتقل المرء من مكان إلى آخر لأتفه الأسباب، فليس هناك غرض يدفعه إلى هذا التنقل إلا إفهام الذين يبقون في أماكنهم أن من يغادر بلده بعد ثلاثة أيام فإنما يكون ذلك لأنه غني يسعى وراء التغير

стр. 5981

والتجول. ونزلنا في فندق صغير في باراميه، وحاولنا أن نجرب حظنا على ساحل البحر، ولكننا لم نصادف نجاحاً، فقد كان هناك كثير من المصورين وقليل من الزبائن، ولم أستطع طول هذه الأيام أن أحصل على نفقات الغرفة والطعام التي كانت باهظة. وأكثر من ذلك أنه كان يمر تحت المنزل تماماً ترام كأنه فيل ميكانيكي هائل، فكان يهز المدينة بأجمعها هزاً مرعباً كلما تحركت أطنان الحديد المخيفة المركب منها. وكنت أعود في المساء يقتلني التعب والإعياء من حمل آلتي الثقيلة على كتفي من أول ساحل البحر حتى منتهاه، وكنت أستيقظ مبكراً لكي أقتنص زبوناً من بين المستحمين المبكرين، فكانت حاجتي إلى النوم تسحقني سحقاً عندما ألقي بجسمي في السرير بعد العشاء. على أنه لم يكن هناك سبيل إلى النوم قبل الساعة الواحدة صباحاً حين تقف حركات ذلك الجسم البشع الثائر. وعندما انتهى الأسبوع الأول من إقامتنا انتقلنا إلى الطرف الآخر من المدينة نبحث عن الهدوء تحت أسوارها العالية. على أننا لم نجد مسكناً معتدل الثمن، فاضطررنا أن نقنع بغرفة ممتلئة بالأثاث المتراكم فوق بعضه بدون نظام، وكنا ندفع أجرها عشرة فرنكات كل ليلة، نعم كل ليلة لا كل يوم، فقد كان لزاماً علينا ألا ندخلها إلا في المساء وأن نخرج منها في الساعة التاسعة صباحاً على الأكثر. وكان محرماً علينا أن نستخدم باب الغرفة لأن في ذلك إزعاج لأصحاب الدار، فكنا ندخل إلى الغرفة ونخرج منها من نافذة تطل على الفناء. وانتظرت ما سوف تكون عليه صديقتي في حالاتها المختلفة، وكنت أنظر والحسرة تمزق قلبي إلى سور المدينة الشاهق. ذلك السور الذي سوف لا تتأخر رفيقتي عن اختياره مكانا تختفي فيه انتقاماً مني. والذي كانت تتحطم في أسفله جماجم كثير من الناس الذي كانوا يتنزهون فوق سطوحه العالية. ولقد بلغ مني العجب مبلغاً كبيراً إذ لم يحدث شئ مما كنت أتوقع. فقد كانت رفيقتي دائمة السرور والابتسام، وكانت تجد مجالاً واسعاً للسخرية والهزء في غرابة أطوار صاحب الدار الذي سمح بتأجير آخر غرفة (معدة للإيجار) لديه على أن يدخل المستأجر إليها ويخرج منها من النافذة! ولكي أثير حب استطلاع فتاتي التي كانت تعجب بقصص المهربين؟ قلت: - إنه يبدو لي تماماً أن هذه المدينة كانت موطناً لقرصان البحر القدماء.

стр. 5982

فارتعدت صديقتي عندما تذكرت أننا نعيش تحت سقف أحد أحفاد القرصان وقالت: - هل يؤذي الناس أولئك الرجال؟ فأجبتها: - إنهم لا يؤذون النساء ولا المصورين المتنقلين، وقضيت أسبوعاً في العمل متمتعاً بالهدوء. إنني لم أكن أربح كثيراً ولكن سعادتي في ذلك الوقت كانت في التصعلك مع رفيقتي المحبوبة دون أن يقع بيننا نزاع. لقد كنت مغموراً بالنعيم طوال ذلك الأسبوع، وكنت أعتبر نفسي مديناً بهذا النعيم إلى صاحب الدار حفيد القرصان. نعم لقد كان يبعث السرور إلى قلب صديقتي عندما كان يرغمنا على تسلق النافذة في الساعة العاشرة مساء، ثم يدخل من باب المطبخ ليطلب الإيجار اليومي لغرفته، ثم يغادر الغرفة بمجرد حصوله على العشر فرنكات. ولكن في هذه اللحظة القصيرة كان جسمه الضخم يحرمنا من المتر المكعب الوحيد الذي سمحت لنا به الأربعة (دواليب) التي كانت تملأ غرفتنا الصغيرة، وكانت رفيقتي تقول وهي غارقة في الضحك كمجنونة بعد أن غيرت رأيها في حفيد القرصان: - ماذا يكون حالنا لو شرع حفيد القرصان يقص علينا ذات ليلة أعمال أجداده. إننا سوف نموت بالاختناق! وهكذا كنا نظل حتى منتصف الليل في الضحك والتنادر ولكن لكل شئ نهاية. ففي ذات ليلة بعد أن أدخل حفيد القرصان كتفيه بصعوبة ماداً ذراعه ليتناول نقوده نظر إلى فتاتي بعينين مفترستين وقال: - إنك تضحكين كثيراً أيها السيدة! كانت هذه العبارة القصيرة هي كل ما قاله، ثم خرج، ولكنها كانت كافية لأن يسود السكون التام في غرفتي. قالت صديقتي وهي تنظر إلى باب الغرفة وقد انتابه شحوب شديد: - إذن ليس مسموحاً للمرء أن يضحك في سان مالو، بينما يرغم على الدخول في داره من النافذة كي ينام في سرير أشبه بتابوت ميت مدفون تحت أربعة دواليب؟ لقد كان لها حق فيما تقول. وكذلك كان لحفيد القرصان. ولم يبق إلا أنا الذي رأيت واجباً

стр. 5983

على أن أستسلم كالعادة مرة أخرى وأرضى بألا يكون لي كلمة في منزلي. ولقد بذلت جهدي في أن أحصر الضرر، فوعدت صاحبتي أن ننتقل من الغرفة سريعاً. ولسوء حظي هبت عاصفة على البلدة في اليوم التالي لتلك الحادثة فامتنعت علي الوسيلة الوحيدة لكسب قوتي، إذ أن الرياح التي كانت تبعث السرور إلى نفوس المستحمين كانت تهدد آلتي في كل لحظة بالانقلاب، ولكي أقاوم ساعتين على ساحل البحر من أجل التقاط اثنتي عشرة صورة، كان لا بد لي أن أحمل من الصبر ما لا يمكن أن أتطلبه من فتاتي. فقد كانت فتاة رشيقة برغم أنها خياطة بسيطة. وكانت تحب أن تكون نظيفة وقوراً حسنة الهندام، فلم تكن تستطيع العمل معي، لأن الرياح كانت تعبث بشعرها وتضرب رداءها (الفوال) بقطع الملح فتغطيه ببقع صفراء، ذلك أن عملها كمساعدة لي تغسل الصور وتجففها وتسلمها إلى أصحابها، كان هذا العمل يدفعها إلى البحث على ساحل البحر وفي الفنادق. لذا لم تقم لي بمساعدة ما، وتركتني وحيداً أقوم بكل مراحل الحرفة التي نعيش منها. قالت لي: - تصور مركزي عندما أكون أقذر النساء البوهيميات. ليس لي هنا ما أفعله. سأذهب لأبحث عن عمل. . . في الخياطة أو غيرها. فإذا وجدت فاعلم يقيناً أنني لن أعود مطلقاً! تركتني عند الظهر وكان في جيبها الصغير خمسة فرنكات، ولم تكن قد تناولت بعد طعام الغداء، فجلست على شاطئ البحر محطم القوى وعدتي على ذراعي، أنظر إليها وهي تغيب عن عيني، وقد ملكها الألم وأوشكت أن تنفجر بالبكاء. ولقد كان مظهرها يحمل حقاً كل معاني الطهر والصفاء مما أفعم قلبي بالحزن والحسرة من أجل هذه المرأة الصغيرة الجميلة. ولم أتناول أنا أيضاً طعام الغداء، فقد تراكمت علي الحسرات وكانت كل ثروتي عشرين فرنكاً، أي عبارة عن أجر ليلتين عند حفيد القرصان. وبعد أن أعدت أدوات عملي خرجت أجوب المدينة. وكانت الريح تدوي دون انقطاع، فكنت أسائل نفسي: ما الذي يؤول إليه حالي إذا لم أوفق إلى جمع الثلاثين فرنكاً التي هي أقل ما يمكن أن أحتاج إليه يومياً. وكنت أعرف تماماً أن صديقتي لا يمكن أن تنفذ كل

стр. 5984

تهديداتها لأنها كانت مثلي تبغض العمل أثناء النهار، ومع كل ذلك فإن منظرها وهي تتركني بقي ماثلاً أمامي، وكان يمزق قلبي تمزيقاً. وكان حبي لواجهات المحلات التجارية يحبسني أحياناً بطريقة آلية، على أنني كنت أتطلع إلى الواجهات دون أن أرى شيئاً، لأن فكري كان يتابع صورة فتاتي التي ظهرت لي وكأنها قد انتزعت منها كل فتنة، فبدا لي الشعر مهملاً، والرداء مرقعاً، والوجه مستسلماً يائساً. وفكرت ثانية في مصيري. ذلك المصير الذي دفعت ثمنه غالياً لأشعر يوماً بشمس الحرية تدفئني، ومثلت أمامي مرة واحدة فكرة بعثت الشرر في عيني. فقد وجدت نفسي أمام منضدة مكتبة. وفي الوسط أمام عين الناظر، رأيت مجلة (أوروبا) وكان غلافها الأصفر محاطاً بغطاء أخضر، ولم يكن مكتوباً عليه غير الموضوعين الأولين من موضوعات المجلة وهما: جوركي البلقاني بقلم: رومان رولان كيرا كيرالينا بقلم: بانيت استراتي شعرت بأن ساقي قد خارت قواهما، ودخلت في المكتبة وأنا أكاد لا أستطيع السير، ورأسي يطن طنيناً كأن بداخله بحراً هائجاً، واشتريت المجلة وضممتها إلى قلبي المضطرب، وذهبت كالمجنون إلى شرفة مقهى كبير وطلبت نوعاً من الشراب، وسجائر فاخرة، وقرأت ثم قرأت مقال (جوركي البلقاني) وأنا أذرف الدموع الحارة الصادقة على عبارات ذلك الرجل الذي كان مقاله هذا ضربة حديدية صارمة غيرت مجرى حياتي ومصيري. وبعد ذلك أرسلت رسالة تلغرافية إلى الناشر. وفي ظهر اليوم التالي وصلني بالتلغراف الأربعمائة وعشرون فرنكاً وهي حقوق تأليف قصة (كيرا) التي احتوت على اثنتين وأربعين صفحة من مجلة (أوروبا) نشرت في الخامس عشر من شهري أغسطس وسبتمبر عام ١٩٢٣. وفي الليلة التي تلت هذا الحادث العظيم في حياتي كنت مريضاً لما انتابني من النعيم والسعادة فلم أنم مطلقاً، وأطبقت ذراعي في صمت، ناسياً رفيقتي التي لم تكن تفهم شيئاً لا حالتي ولا (جوركي البلقاني) وساءلت قلبي وهو خير أصدقائي وأكبر أعدائي قائلاً: إلى أين نحن ذاهبون؟ إلى أين نحن ذاهبون؟

стр. 5985

لم نذهب إلى أي مكان. . ولقد صدق رومان رولان حين قال لي يوماً من الأيام: (إن الإنسان في هذا العالم لا يحدث في عمله أو حياته تغييراً كبيراً).

стр. 5986

العدد ٧٢ - بتاريخ: ١٩ - ١١ - ١٩٣٤

стр. 5987

عهد زاهر! نشرت الصحف أخيراً بعض إحصاءات عن التعليم في مصر؛ ومنها يستفاد أن التقدم مضطرد في عدد المدارس وعدد الطلبة، ولكن ذلك يلفت النظر بنوع خاص ما ورد فيها عن حالة التعليم الأولى؛ وذلك أن المكاتب والمدارس المخصصة لهذا النوع من التعليم لا يتجاوز عددها في مختلف أنحاء القطر ألفين ومائة، فيما نحو ٨٥٠ ألف تلميذ وتلميذة. ومعنى ذلك أن الذين يتلقون التعليم الأولي في هذه البلاد لا تزيد نسبتهم على خمسة في المائة من مجموع السكان؛ فإذا علمنا أن باقي المتعلمين على اختلاف طبقاتهم لا يتجاوز عددهم أيضاً نحو أربعة أو خمسة في المائة، استطعنا أن نقدر إلى أي مدى ما زالت الأمية تفتك بعقول الشعب المصري. لقد اعتدنا في العهد الأخير أن نسمع نغمة ما تزال تتردد في كل فرصة، لمناسبة وغير مناسبة، هي أن مصر تجتاز في ميدان التعليم والثقافة والآداب عهداً زاهراً لم تبلغه من قبل في أي مرحلة من مراحل تاريخها، وأنها تظفر لأول مرة في تاريخها بجامعة مدنية كبرى وجامعة دينية، ومجمع علمي، وطائفة كبيرة من المعاهد والمدارس الفنية، والجماعات العلمية المختلفة. ولقد بولغ في ترديد هذه النغمة، وإذاعة هذه الدعوة، حتى كادت تطمس الحقائق، وحتى كدنا نؤمن بهذا التمويه، وننسى ما يعتور سير التربية والتعليم في هذه البلاد من ضروب النقص والضعف والفساد. نعم، لقد زاد عدد المدارس والطلبة زيادة كبيرة، والتعليم يتقدم من حيث العدد بلا ريب، ولكن هل يتقدم التعليم من حيث النوع؛ وهل ارتفع لدينا مقياس التربية والثقافة عما كان عليه منذ جيل؟ لقد كان التعليم قبل الحرب آلياً يخرج لحكومة تسيطر عليها إرادة المستعمر عمالاً خاضعين لا رأي عندهم ولا شخصية لهم؛ وما يزال التعليم يصطبغ في عصرنا بهذه الصبغة الخطرة، صبغة العقم وفقدان الشخصية؛ وشأن المتعلمين شأنهم بالأمس في التطلع

стр. 5988

إلى الوظائف حتى بلغ تهافتهم عليه حداً يدعو إلى الرثاء؛ وهم في الحياة حيارى لا عزم لهم، لأنهم لم يتلقوا من صنوف التعليم ما يسلحهم بمثل هذا العزم، أو يمدهم بتلك الشخصية التي تصمد لمصاعب الحياة العملية ومتاعبها، وتستغل معارفها ومواهبها استغلالاً صالحاً منظماً. وفي مصر جامعة مدنية كبرى، وجامعة دينية كبرى لها ماض مجيد؛ ولكن هل نتمتع حقاً بالتعليم الجامعي؟ وهل استطعنا أن نخلق فيهما تلك البيئة العلمية الرفيعة، وتلك الحرية الفكرية، وذلك الاستقلال في البحث، وهي أسمى المزايا الجامعية؟ إن الجامعة عندنا اسم على غير مسمى؛ وليست في الواقع أكثر من مدرسة عادية، تخضع لكل ما تمليه أهواء الذين يرون في الاستعباد الفكري وسيلة ناجعة لتدعيم الاستعباد السياسي. ولدينا حقاً مجمع علمي للغة العربية، ولكن هل يثير ذكر هذا المجمع وظروف تكوينه غير الابتسام؟ وهل نذكر قصة إنشائه إلا على أنها لون من ألوان ذلك الطلاء الخلاب الذي يعتمد على الأسماء دون المسميات. ولدينا جماعات علمية ذات أسماء ضخمة، ولكنها أجنبية في روحها وغايتها، وهي قلما تعني بأعمال علمية خطيرة، ولا تعني إلا بإذاعة ما يوحي إليها به من الدعايات. وفي كل عام ننفق عشرات الألوف على بعثات الطلبة خارج القطر؛ ولدينا الآن من خريجي هذه البعثات ألوف من خيرة الشباب المثقف المتخصص قي مختلف العلوم والفنون؛ ولكن هل استطعنا أن نستغني بهم عن أولئك الأجانب الذين ينبثون في كل فروع الحكومة، ويستأثرون بأرفع المناصب بحجة أنهم خبراء وفنيون؟ الواقع أن هذه النهضة العلمية تقوم على كثير من العوامل المصطنعة والمظاهر الخلابة، وينقصها كثير من المزايا الحقيقية؛ فهي أشد ما تكون ضعفاً من الناحية الوطنية، وما زالت خاضعة لكثير من المؤثرات الأجنبية التي لا تتفق في كثير من الأحيان مع الغايات القومية؛ وهي مازالت من الناحية العملية قاصرة عن أن تجعل من الشباب المتعلم عمالاً نافعين لأنفسهم وللوطن. ومن الأسف أن المظاهر هي في كثير من الأحيان كل ما يعنى به، وأن الأسماء الرنانة هي كل ما يهم ذكره وتعداده. وقد ذهبنا بعيداً عن التشبث بهذه المظاهر والتهويل من شأنها، وغفلنا عن معالجة أوجه النقص الحقيقية. ويكفي لأدراك هذه

стр. 5989

الحقيقة أن نذكر أن البلاد بعد هذه الجهود كلها ما زالت تتخبط في ظلام الأمية، وأن مصر بعد عشرة أعوام من تنفيذ مشروع التعليم الإلزامي لم تستطع أن تنقذ من الأمية المطبقة أكثر من أربعة أو خمسة في المائة من بينها. لقد آن الوقت الذي يجب أن نستعرض فيه مظاهر حياتنا على حقيقتها، وأن نقدر أوجه الخير والنفع فيها قدرها الصحيح؛ فليس من العار أن نعترف بأننا في منتصف الطريق أو مستهله؛ ولكن الخطر أن نزعم أننا حققنا ما لم نحقق، ومن الخطر على بنائنا القومي أن نؤمن بما ليس منطبقاً على حقيقتنا ولا هو حتى من مظاهر نهضتنا. (ع)

стр. 5990

قصيدة مترجمة احذري! للأستاذ مصطفى صادق الرافعي ترجمنا عن الشيطان قصيدة (لحوم البحر). وهذه ترجمة عن أحد الملائكة؛ رآني جالساً تحت الليل وقد أجمعت أن أضع كلمةً الشرقية فيما تحاذره أو تتوجس منه الشر؛ فتخايل الملك بأضوائه من الضوء، وسنح لي بوحه، وبث في من سره الإلهي؛ فجعلت أنظر في قلبي إلى فجرٍ عن هذا الشعر ينبع كلمةً كلمة، ويشرق معنىً معنىً، ويستطير جملةً جملة، حتى اجتمعت القصيدة وكأنما سافرت في حلم من الأحلام فجئت بها. وأنطلق ذلك الملك وتركها في يدي لغةً من طهارته للمرأة الشرقية في ملائكيتها. احذري! احذري أيتها الشرقية وبالغي في الحذر، واجعلي أخص طباعك الحذر وحده. احذري تمدن أوربا أن يجعل فضيلتك ثوباً يوسع ويضيق؛ فلبس الفضيلة على ذلك هو لبسها وخلعها. . . . احذري فنهم الاجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن. . . . احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة. إنها انتهاء المرأة بغاية الظرف والرقة إلى. . . . إلى الفضيحة. احذري تلك النسائية الغزلية. إنها في جملتها ترخيص اجتماعي للحرة أن. . . . أن تشارك البغي في نصف عملها. أيتها الشرقية احذري احذري! احذري التمدن الذي اخترع لقتل لقب الزوجة المقدس، لقب (المرأة الثانية). . . . واخترع لقتل لقب العذراء المقدس، لقب (نصف عذراء). . . . واخترع لقتل دينية معاني المرأة، كلمة (الأدب المكشوف). . . . وانتهى إلى اختراع السرعة في الحب. . . . فاكتفى الرجل بزوجة ساعة. . . . وإلى اختراع استقلال المرأة، فجاء بالذي اسمه (الأب) من الشارع، لتلقي بالذي اسمه
следующие страницы →