← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

العدد ٧٢ - بتاريخ: ١٩ - ١١ - ١٩٣٤

стр. 5987

عهد زاهر! نشرت الصحف أخيراً بعض إحصاءات عن التعليم في مصر؛ ومنها يستفاد أن التقدم مضطرد في عدد المدارس وعدد الطلبة، ولكن ذلك يلفت النظر بنوع خاص ما ورد فيها عن حالة التعليم الأولى؛ وذلك أن المكاتب والمدارس المخصصة لهذا النوع من التعليم لا يتجاوز عددها في مختلف أنحاء القطر ألفين ومائة، فيما نحو ٨٥٠ ألف تلميذ وتلميذة. ومعنى ذلك أن الذين يتلقون التعليم الأولي في هذه البلاد لا تزيد نسبتهم على خمسة في المائة من مجموع السكان؛ فإذا علمنا أن باقي المتعلمين على اختلاف طبقاتهم لا يتجاوز عددهم أيضاً نحو أربعة أو خمسة في المائة، استطعنا أن نقدر إلى أي مدى ما زالت الأمية تفتك بعقول الشعب المصري. لقد اعتدنا في العهد الأخير أن نسمع نغمة ما تزال تتردد في كل فرصة، لمناسبة وغير مناسبة، هي أن مصر تجتاز في ميدان التعليم والثقافة والآداب عهداً زاهراً لم تبلغه من قبل في أي مرحلة من مراحل تاريخها، وأنها تظفر لأول مرة في تاريخها بجامعة مدنية كبرى وجامعة دينية، ومجمع علمي، وطائفة كبيرة من المعاهد والمدارس الفنية، والجماعات العلمية المختلفة. ولقد بولغ في ترديد هذه النغمة، وإذاعة هذه الدعوة، حتى كادت تطمس الحقائق، وحتى كدنا نؤمن بهذا التمويه، وننسى ما يعتور سير التربية والتعليم في هذه البلاد من ضروب النقص والضعف والفساد. نعم، لقد زاد عدد المدارس والطلبة زيادة كبيرة، والتعليم يتقدم من حيث العدد بلا ريب، ولكن هل يتقدم التعليم من حيث النوع؛ وهل ارتفع لدينا مقياس التربية والثقافة عما كان عليه منذ جيل؟ لقد كان التعليم قبل الحرب آلياً يخرج لحكومة تسيطر عليها إرادة المستعمر عمالاً خاضعين لا رأي عندهم ولا شخصية لهم؛ وما يزال التعليم يصطبغ في عصرنا بهذه الصبغة الخطرة، صبغة العقم وفقدان الشخصية؛ وشأن المتعلمين شأنهم بالأمس في التطلع

стр. 5988

إلى الوظائف حتى بلغ تهافتهم عليه حداً يدعو إلى الرثاء؛ وهم في الحياة حيارى لا عزم لهم، لأنهم لم يتلقوا من صنوف التعليم ما يسلحهم بمثل هذا العزم، أو يمدهم بتلك الشخصية التي تصمد لمصاعب الحياة العملية ومتاعبها، وتستغل معارفها ومواهبها استغلالاً صالحاً منظماً. وفي مصر جامعة مدنية كبرى، وجامعة دينية كبرى لها ماض مجيد؛ ولكن هل نتمتع حقاً بالتعليم الجامعي؟ وهل استطعنا أن نخلق فيهما تلك البيئة العلمية الرفيعة، وتلك الحرية الفكرية، وذلك الاستقلال في البحث، وهي أسمى المزايا الجامعية؟ إن الجامعة عندنا اسم على غير مسمى؛ وليست في الواقع أكثر من مدرسة عادية، تخضع لكل ما تمليه أهواء الذين يرون في الاستعباد الفكري وسيلة ناجعة لتدعيم الاستعباد السياسي. ولدينا حقاً مجمع علمي للغة العربية، ولكن هل يثير ذكر هذا المجمع وظروف تكوينه غير الابتسام؟ وهل نذكر قصة إنشائه إلا على أنها لون من ألوان ذلك الطلاء الخلاب الذي يعتمد على الأسماء دون المسميات. ولدينا جماعات علمية ذات أسماء ضخمة، ولكنها أجنبية في روحها وغايتها، وهي قلما تعني بأعمال علمية خطيرة، ولا تعني إلا بإذاعة ما يوحي إليها به من الدعايات. وفي كل عام ننفق عشرات الألوف على بعثات الطلبة خارج القطر؛ ولدينا الآن من خريجي هذه البعثات ألوف من خيرة الشباب المثقف المتخصص قي مختلف العلوم والفنون؛ ولكن هل استطعنا أن نستغني بهم عن أولئك الأجانب الذين ينبثون في كل فروع الحكومة، ويستأثرون بأرفع المناصب بحجة أنهم خبراء وفنيون؟ الواقع أن هذه النهضة العلمية تقوم على كثير من العوامل المصطنعة والمظاهر الخلابة، وينقصها كثير من المزايا الحقيقية؛ فهي أشد ما تكون ضعفاً من الناحية الوطنية، وما زالت خاضعة لكثير من المؤثرات الأجنبية التي لا تتفق في كثير من الأحيان مع الغايات القومية؛ وهي مازالت من الناحية العملية قاصرة عن أن تجعل من الشباب المتعلم عمالاً نافعين لأنفسهم وللوطن. ومن الأسف أن المظاهر هي في كثير من الأحيان كل ما يعنى به، وأن الأسماء الرنانة هي كل ما يهم ذكره وتعداده. وقد ذهبنا بعيداً عن التشبث بهذه المظاهر والتهويل من شأنها، وغفلنا عن معالجة أوجه النقص الحقيقية. ويكفي لأدراك هذه

стр. 5989

الحقيقة أن نذكر أن البلاد بعد هذه الجهود كلها ما زالت تتخبط في ظلام الأمية، وأن مصر بعد عشرة أعوام من تنفيذ مشروع التعليم الإلزامي لم تستطع أن تنقذ من الأمية المطبقة أكثر من أربعة أو خمسة في المائة من بينها. لقد آن الوقت الذي يجب أن نستعرض فيه مظاهر حياتنا على حقيقتها، وأن نقدر أوجه الخير والنفع فيها قدرها الصحيح؛ فليس من العار أن نعترف بأننا في منتصف الطريق أو مستهله؛ ولكن الخطر أن نزعم أننا حققنا ما لم نحقق، ومن الخطر على بنائنا القومي أن نؤمن بما ليس منطبقاً على حقيقتنا ولا هو حتى من مظاهر نهضتنا. (ع)

стр. 5990

قصيدة مترجمة احذري! للأستاذ مصطفى صادق الرافعي ترجمنا عن الشيطان قصيدة (لحوم البحر). وهذه ترجمة عن أحد الملائكة؛ رآني جالساً تحت الليل وقد أجمعت أن أضع كلمةً الشرقية فيما تحاذره أو تتوجس منه الشر؛ فتخايل الملك بأضوائه من الضوء، وسنح لي بوحه، وبث في من سره الإلهي؛ فجعلت أنظر في قلبي إلى فجرٍ عن هذا الشعر ينبع كلمةً كلمة، ويشرق معنىً معنىً، ويستطير جملةً جملة، حتى اجتمعت القصيدة وكأنما سافرت في حلم من الأحلام فجئت بها. وأنطلق ذلك الملك وتركها في يدي لغةً من طهارته للمرأة الشرقية في ملائكيتها. احذري! احذري أيتها الشرقية وبالغي في الحذر، واجعلي أخص طباعك الحذر وحده. احذري تمدن أوربا أن يجعل فضيلتك ثوباً يوسع ويضيق؛ فلبس الفضيلة على ذلك هو لبسها وخلعها. . . . احذري فنهم الاجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن. . . . احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة. إنها انتهاء المرأة بغاية الظرف والرقة إلى. . . . إلى الفضيحة. احذري تلك النسائية الغزلية. إنها في جملتها ترخيص اجتماعي للحرة أن. . . . أن تشارك البغي في نصف عملها. أيتها الشرقية احذري احذري! احذري التمدن الذي اخترع لقتل لقب الزوجة المقدس، لقب (المرأة الثانية). . . . واخترع لقتل لقب العذراء المقدس، لقب (نصف عذراء). . . . واخترع لقتل دينية معاني المرأة، كلمة (الأدب المكشوف). . . . وانتهى إلى اختراع السرعة في الحب. . . . فاكتفى الرجل بزوجة ساعة. . . . وإلى اختراع استقلال المرأة، فجاء بالذي اسمه (الأب) من الشارع، لتلقي بالذي اسمه

стр. 5991

(الابن) إلى الشارع. . . . أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري وأنت النجم الذي أضاء منذ النبوة، أن تقلدي الشمعة التي أضاءت منذ قليل. أن المرأة الشرقية هي استمرار متصل لآداب دينها الإنساني العظيم. هي دائماً شديدة الحفاظ حارسة لحوزتها؛ فان قانون حياتها دائماً هو قانون الأمومة المقدس. هي الطهر والعفة، هي الوفاء والأنفة، هي الصبر والعزيمة، هي كل فضائل الأم. فما هو طريقها الجديد في الحياة الفاضلة، إلا طريقها القديم بعينه؟ أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري ويحك تقليد الأوربية التي تعيش في دنيا أعصابها محكومة بقانون أحلامها. . . . لم تعد أنوثتها حالة طبيعية نفسية فقط بل حالةً عقليةً أيضاً تشك وتجادل. . . . أنوثة تفلسفت فرأت الزواج نصف الكلمة فقط. . . . والأم نصف المرأة فقط. . . . ويا ويل المرأة حين تنفجر أنوثتها بالمبالغة العقلية فتنفجر بالدواهي على الفضيلة. . . . إنها بذلك حرة مساوية للرجل، ولكنها بذلك ليست الأنثى المحدودة بفضيلتها. . . . أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري خجل الأوربية المترجلة من الإقرار بأنوثتها. أن خجل الأنثى من أنها أنثى يجعل فضيلتها تخجل منها. . . . إنه يسقط حياءها ويكسو معانيها رجولةً غير طبيعية. إن هذه الأنثى المترجلة تنظر إلى الرجل نظرة رجل إلى أنثى. . . . والمرأة تعلو بالزواج درجة إنسانية، ولكن هذه المكذوبة تنحط درجةً إنسانيةً بالزواج. أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري تهوس الأوربية في طلب المساواة بالرجل. لقد ساوته بالذهاب إلى الحلاق، ولكن الحلاق لم يجد في وجهها اللحية. . . . إنها خلقت لتحبيب الدنيا إلى الرجل، فكانت بمساواتها مادة تبغيض. العجيب أن سر الحياة يأبى أبداً أن تتساوى المرأة بالرجل إلا إذا خسرته. والأعجب أنها حين تخضع، يرفعها هذا السر ذاته عن المساواة بالرجل إلى السيادة عليه. أيتها الشرقية! احذري احذري!

стр. 5992

احذري أن تخسري الطباع التي هي الأليق بأم أنجبت الأنبياء في الشرق. أم عليها طابع النفس الجميلة، تنشر في كل موضع جو نفسها العالية. فلو صارت الحياة غيماً ورعداً وبرقاً، لكانت هي فيها الشمس الطالعة. ولو صارت الحياة قيظاً وحروراً واختناقاً، لكانت هي فيها النسيم يتخطر. أم لا تبالي إلا أخلاق البطولة وعزائمها، لأن جداتها ولدن الأبطال. أيتها الشرقية؛ احذري احذري. احذري هؤلاء الشبان المتمدنين بأكثر من التمدن. . . . يبالغ الخبيث في زينته، وما يدري أن زينته معلنة أنه إنسان من الظاهر. . . . ويبالغ في عرض رجولته على الفتيات، يحاول إيقاظ المرأة الراقدة في العذراء المسكينة. ليس لامرأة فاضلة إلا رجلها الواحد؛ فالرجال جميعاً هم مصائبها إلا واحداً. وإذا هي خالطت الرجال، فالطبيعي أنها تخالط شهوات، ويجب أن تحذر وتبالغ. أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري فان في كل امرأة طبائع شريفة متهورة؛ وفي الرجال طبائع خسيسة متهورة. وحقيقة الحجاب أنه الفصل بين الشرف فيه الميل إلى النزول وبين الخسة فيها الميل إلى الصعود. فيك طبائع الحب والحنان، والإيثار، والإخلاص كلما كبرت. طبائع خطرة، إن عملت في غير موضعها. . . . جاءت بعكس ما تعمله في موضعها. فيها كل الشرف ما لم تنخدع، فإذا انخدعت فليس فيها إلا كل العار. أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري كلمةً شيطانيةً تسمعينها في قيمة الجمال أو قيمة الأنوثة. وافهميها أنت هكذا: واجبات الأنوثة وواجبات الجمال. بكلمةٍ الإحساس فاسداً، وبكلمة يكون شريفاً. ولا يتسقط الرجل امرأةً إلا في كلماتٍ مزينةٍ مثلها. . . . . يجب أن تتسلح المرأة مع نظراتها، بنظرة غضب ونظرة احتقار. أيتها الشرقية! احذري احذري!

стр. 5993

احذري أن تخدعي عن نفسك. إن المرأة أشد افتقاراً إلى الشرف منها إلى الحياة. إن الكلمة الخادعة إذ تقال لك، هي أخت الكلمة التي تقال ساعة إنفاذ الحكم للمحكوم عليه بالشنق. . . . يغترونك بكلمات الحب والزواج والمال، كما يقال للصاعد إلى الشناقة: ماذا تشتهي؟ ماذا تريد؟ الحب؟ الزواج؟ المال؟ هذه صلاة الثعلب حين يتظاهر بالتقوى أمام الدجاجة. الحب؟ الزواج؟ المال؟ يا لحم الدجاجة! بعض كلمات الثعلب هي أنياب الثعلب. . . . . أيتها الشرقية! احذري احذري! احذري السقوط. إن سقوط المرأة لهوله وشدته ثلاث مصائب في مصيبة: سقوطها هي، وسقوط من أوجدوها، وسقوط من توجدهم. نوائب الأسرة كلها قد يسترها البيت إلا عار المرأة. فَيَدُ العار تقلب الحيطان كما تقلب اليد الثوب فتجعل ما لا يرى هو ما يرى. والعار حكم ينفذه المجتمع كله، فهو نفي من الاحترام الإنساني. أيتها الشرقية! احذري احذري! لو كان العار في بئر عميقة لقلبها الشيطان مئذنةً ووقف يؤذن عليها. يفرح اللعين بفضيحة المرأة خاصة كما يفرح أب غني بمولود جديد في بيته. . . . واللص، والقاتل، والسكير، والفاسق، كل هؤلاء على ظاهر الإنسانية كالحر والبرد. أما المرأة حين تسقط، فهذه من تحت الإنسانية هي الزلزلة. ليس أفظع من الزلزلة المرتجة تشق الأرض إلا عار المرأة حين يشق الأسرة. (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 5994

محمد بك المويلحي للأستاذ عبد العزيز البشري قبل أن أتحدث عن هذا الرجل الذي يجب أن يتحدث عنه مدونو تاريخ الأدب العربي في العصر الحديث - قبل هذا أحب أن أقول في هذا الباب شيئاً عاماً. ذلك بأننا اعتدنا أن نغفل الكلام في سيرة من عاصرناهم، ورأيناهم ولابسناهم، إلا يكون القول من جنس هذه المراثي التي تضفي فيها حلل الثناء، ويكال فيها المديح في العادة، بغير حساب. ولقد يكون هذا الثناء حقاً أو قريباً من الحق، بحيث لا يؤذي التاريخ في كثير ولا قليل، ولكنه لا يمكن أن يجلو على الأجيال المستقبلة شيئاً من حقيقة الرجل، لأن الكاتبين في هذه الحالة لا يعنون ببسط حياة الرجل، وظواهر خلاله، والعوامل البارزة في تكوينه، ومطبوع عادته، ولو ما يتصل منها بالأسباب العامة. وذلك من أيسر الأمور لأنهم عرفوه بالمشاهدة، واستيقنوه بالملابسة وطول الاختيار. وهذا ولا شك مما يهيئ للقادمين دراسته وتحليله دراسة إن لم تنته إلى أصدق النتائج، فهي أدنى إلى الصدق من غيرها على كل حال. وليس يذهب عن القارئ إن إهمال المعاصرين، على هذا النحو، لابد مفضٍ إلى إحدى الحالين: إما إلى إدراج كثيرين من رجال الآداب والفنون في مطاوي النسيان، أو التحيف من أقدارهم بقدر كثير أو قليل؛ وإما إلى تجليتهم، إذا تراخى الزمان في غير صورهم، ونحلهم صفاتٍ وخلالاً لم تكن لهم، بحكم العنعنة في رواية الأخبار، والاتكاء في تحليل نفس الرجل على ما صدر عنه من آثار. وكثيراً ما يضل الباحث المستنتج في هذا أبعد الضلال. هذا إلى ما في معاناة مثل تلك البحوث من إضاعة للوقت، ونفقة من الجهد، وتجشم للعناء. وأغلب الظن في هذه الإغفال من المعاصرين لمن عاصروهم من رجال الفنون والآداب يرجع إلى أن الرجل العظيم قل أن يراه معاصروه بالعين التي يراه بها الخالفون، فهو في الغالب إذا استحق منهم ترديد ذكره والهتاف باسمه، وتدوين سيرته، فقل أن يعني أحد يتقصى عادته، والتسلل إلى مداخله، وعرض ما يلابس الأسباب العامة من سائر أموره، أو لأنهم لا يعنون بهذا لأنه حاضر لمعاصريه قريب منهم. فهو في حكم المبذول الذي ينال منه من شاء أن ينال. ولا شك أن في هذا ضرباً من الغفلة عن أن الحاضر سيغيب على

стр. 5995

الزمن، وأن المبذول سينقبض، وأن ما في متناول اليد اليوم ستتقطع من دونه غداً علائق الآمال! ولقد يسكت النقدة عن تقصي ذلك عمداً، والتلبث بتحليل الرجل، ورد العوامل في تكوينه إلى مناجمها حتى ينطوي الزمن عليه وعلى أهله، وعلى أشياعه وخصومه من معاصريه، حتى يتهيأ الجو للبحث والتحقيق، لا رغبة ولا رهبة فيه، فيكون البحث أنور وأصفى، ونخرج النتائج أدق وأوفى. وهذا مذهب في الرأي له أثره وله خطره، بالرغم من أنه يفوت على المؤرخ المدقق من عناصر الحكم ما قد يسيء في بعض الأحيان إلى حكمه، فإذا هو طلبها تصحيحاً لبحثه، فلن ينالها إذا نالها صادقة إلا بعد أن يتجشم في سبيلها عرق القربة كما يقولون! على أنني في هذا لا أذهب إلى القول بنشر المعايب، واستضهار المكاره، حتى لا يثير المدون ثائرة الأهل والصحاب والأنصار، إنما أريد أن يجلو المعاصر، من غير ذلك، كل ماله خطر في تكوين الرجل، فإذا هناك مغامز لا ينبغي إغفالها في تجليته وتحليله، فليسجلها على أن يكتمها حتى يجليها لوقتها، أو يجليها من بعده من الأعقاب. وعلى أي حال فان إغفال هذه الأمور التي نحسبها في غالب الأحيان من التوافه، كثيراً ما يخلو بحق التاريخ، ويفضي إلى الجهل بالجم من حقائق الأشياء. ولست أجد في هذا الباب مثلاً أيسر ولا أدنى إلى الحس من أننا، لولا مهبط البعثة العلمية التي صحبت الحملة الفرنسية في سنة ١٧٩٨، ما اهتدينا بسهولة أو ما اهتدينا أبداً إلى أزياء جدودنا وسمتهم من قرن وثلث قرن من الزمان، فكيف بمن هم أعلى من هذا وأبعد في مذهب التاريخ؟ ولو قد عني أهل كل عصر بأن يحفظوا لخلفهم نماذج من ثيابهم، وآلاتهم في سائر حوائجهم، وفعل هؤلاء مثل فعلهم لظلت سلسلة الأزياء واضحةً على وجه الزمان. ولعل من الخير أن أنبه في هذا المقام إلى أن محاولة كشف الرجل من آثاره المحفوظة لا تجدي كثيراً في الإبانة عن خلاله ومداخل عيشه، حتى مظاهرها. بل إنها لكثيراً ما تكون من وسائل الضلة في إثبات التاريخ. ولست أسوق لهذا أكثر من مثلين اثنين: ذلك بأنك لو اتكأت في طلب خلال الجاحظ على مجرد آثاره لخرج لك منها أنه كان أزهد الناس في المال، وأنه لو سقط ليده لكان أجود به من الريح المرسلة. فإن أحداً لم ينع الشح ولم يذم

стр. 5996

الأشحاء كما نعى الجاحظ وكما ذم: وإن أحداً لم يؤلف كتاباً في (البخلاء) أبلغ فيهم إيجاعاً، وأشد لهذه الخلة وأصحابها إقذاعاً، كما صنع الجاحظ. ومع هذا لقد كان هو نفسه من أشد المبخلين الذين أوفوا على الغاية من الجشع، والحمل على المروءة أحياناً في طلب المال. وإنك لو التمست مثل هذا في أبي الفرج لخرج لك من آثاره أنه كان أجمل الناس سمتاً، وأنظفهم بدناً وثوباً، وأشدهم أخذاً للنفس بأدق آداب السلوك في طعامه وشرابه، وغير ذلك من أسبابه. ولكن الواقع أنه كان من أشد الناس شرهاً، وأقبحهم مؤاكلة، وأقذرهم خلقاً وثوباً، حتى ليصح في بعض خلته قول الشاعر: وسخ الثوب والعمامة والبِرْ … ذَونِ والوجهِ والقفا والغلام! ولولا أن معاصري هذا وهذا أثبتوا لكل منهما ما أثبتوا لزلت فيهما الأقلام، وضلت الأوهام! بعد هذا آخذ في حديث أستاذي ورئيسي وصديقي العالم الفيلسوف، الأديب، والكاتب، الناقد، السيد محمد بك المويلحي رحمة الله عليه. من أكثر من ثلاثين سنة خلت، ولما أزل بعد في أيام الفتوة، وفي صدر طلب العلم في الأزهر، صدرت في مصر جريدة أسبوعية سياسية أدبية باسم (مصباح الشرق) في أربع صفحات دون صفحات الجرائد التي تصدر الآن مساحة، ولون ورقها يضرب إلى الحمرة. ويقوم بتحريرها إبراهيم بك المويلحي وابنه السيد محمد المويلحي. وكانت عامة الصحف الأسبوعية قد وصلت في ذلك العهد من المهانة والفسولة والإسفاف وتفاهة الموضوعات إلى أبعد الحدود. مصباح الشرق لقد كان هذا (مصباح الشرق) شيئاً طريفاً حقاً، لقد كان أبلغ من طريف، فإنه لأعجوبة حقاً، لقد كان هذا (مصباح الشرق) أبلغ من أعجوبة، إنه لشيء يكاد يتصل بحكم الخوارق في تلك الأيام! بلاغة بليغة، ولفظ جزل متخير، وديباجة مشرقة، وصيغ مونقة، ونسج متلاحم، وأسلوب ليس وراءه في هذا الذي يدعونه السهل الممتنع. أدب بارع، علم وفلسفة، وبحوث رائعة في سياسة الأمم وفي أخلاق وعلوم الاجتماع، منها المبتكر المنشأ، ومنها المترجم من مختلف الُّلغى في عبارة عربية بليغة سلسة ناصحة

стр. 5997

واضحة لا تستروح منها أي ريح للاستعجام. وهل رأيت قط ترجمات السابقين في عصر بني العباس؟ مذهب طريف في النقد، نقد الأشخاص، لا عهد للأدب العربي به من قديم الزمان؛ بل لعله لا عهد له به من أول الزمان! لم تكد تطالع الناس هذه الصحيفة الدقيقة الجرم مرتين أو ثلاثاً حتى أصبحت من بعض شغل الخاصة في هذه البلاد! لا يدخل الأصيل في يوم الخميس من كل أسبوع إلا وقد زاغت أبصار، وتكرشت جباه، وتقلصت شفاه، وتداركت أنفاس، ووجفت قلوب. هل رأيت انفلات الطائر بعد طول الاحتباس؟ كذلك كان يترقب الخاصة مشرق (المصباح) وسرعان ما تخطفه اليد الراجفة فتشقه، وسرعان ما يشيع البصر كله في مساحة النقد كلها، لا يستقر على موضوع خاص، ولا يتحيز في حديث معين. بل أنه لينساح على الصفحة كلها انسياحاً ليدرك قبل رد الطرف أشك المويلحي اسم صاحبه فيمن شك أم أرسله في جملة الطلقاء؟ حتى إذا اطمأن الرجل إلى أنه قد كتبت له السلامة لجمعته، ألقى الصحيفة بين يديه، وجعل يطامن من نفسه، ويبسط في خلفه ما تقبض، ويفرخ من روعه ما تحبس. وإذا كان هذا شأن من لم تصب منهم أقلام المويلحيين، فاحكم أنت، عصمنا الله وإياك، كيف كانت حال من تنال منهم هذه الأقلام؟ على أنه مما ينبغي أن يذكر هنا، أن (المصباح) لم يكن يعرض قط لأعراض من يتولاهم بالنقد، ولا يتدسس إلى مكارههم، أو يتتبع عوراتهم، بل لا يتناول من أمورهم إلا ما كان يعرضونه هم من ذات أنفسهم، أو ما يدلون هم عليه بآثارهم وظاهر أعمالهم، فلقد كان (المصباح) أجل من ذاك موضعاً وآنف كرامة. . وأنه ليستحدث لوناً طريفاً من النقد لا عهد لأدب مصر به، بل لا عهد به للأمم العربية جمعاء. وهذا النوع من النقد يقوم، في الجملة، على التماس الجانب الضعيف في أثر الرجل، فيعرضه بالقلم في صورة (كاريكاتورية) يزيد في تشويهها ما يتوافى لذهنه الدقيق من ألوان التشبيه، وما يحضره من فنون الاستشهاد والتمثيل، ولا يبرح يمط الموضوع في هذه الناحية بالتوليد وطلب المناسبات القريبة، والملابسات الدانية، تسندها النكتة البارعة، ويسعفها التندر البديع، حتى ينتهي إلى ما لا ينتهي إليه أحد من الناقدين!

стр. 5998

ولقد كان هذا من (مصباح الشرق) الأصل الثابت لهذا اللون من النقد، أعني النقد (الكاريكاتوري) في مصر. كما كانت صحيفة المويليحيين (أبو زيد) أول ما عرف، فيما أعرف أنا، من التصوير (الكاريكاتوري) في هذه البلاد. ولعلي ألمع إلى هذه الصحيفة في بعض هذا الكلام. لم ينته خطب (مصباح الشرق) إلى هذا الموضع فحسب؛ بل لقد كان، على أنه صحيفة لا تظهر في جميع الأسبوع إلا مرة واحدة، يروي من جلائل الأخبار في الأسباب العامة ما لا تبلغه الصحف اليومية، على شدة ارتصادها لمثل ذلك، وإذكاء عيونها الكثيرة في طلبه وتقصيه، فكانت أمهات الصحف اليومية لا تتحرج في كثير من الأحيان من نشر مهام الأخبار نقلاً عن (مصباح الشرق) الأسبوعية مضافة إليها معزوة لها. وفضل (المصباح) في هذا السبق العجيب إنما كان لجلالة محل إبراهيم بك المويلحي عند أولى الأمر كلهم، وخفة روحه، ولطف مدخله، وسعة حياته، حتى ليستخرج منهم بهذا ما لا يخرجون عنه لغيره من رواة الأخبار. ولا أحب أن أجوز هذا الموضع من الكلام قبل أن أقول إن (المصباح) أول من جلا للناس براعة الجاحظ وعبقرية ابن الرومي بما كان يختاره لهما من بدائع المنثور وروائع المنظوم قبل أن تقع العيون من آثارهما على كتاب أو ديوان، وأول من عالج النقد الأدبي لما تنتضح به قرائح الشعراء، وأعني به ذلك النقد الرفيع الغالي، الذي جمع بين أساليب النقد في أزكى عصور العربية، وبين طرائقه التي اختطها نقدة الغربيين في هذا الزمان. وعلى الجملة، فلقد فتح (المصباح) في الأدب العربي فتحاً جديداً، وأمسى (مصباحا) حقاً يهتدي المتأدبون بسناه إذا أرسلوا القول أو اجتمعوا لنظم الكلام. وبهذا وهذا أصبح (مصباح الشرق) أفخر مدرسة لطلب الأدب الرفيع الجزل الطريف في هذه البلاد. ومما ينبغي أن يذكر في هذا المقام أن جماعة الشعراء لقد تعاظمتهم سطوة (المصباح) في باب النقد فحسبوا له كل حساب، ويا ويل من لا يتحرى من الشعراء البارزين ما لا يبلغه الجهد كله من التدقيق والتجويد والإحسان. وإني لا أكتفي اليوم من حديث السيد محمد المويلحي بهذا القدر على نية العودة إليه في القريب إن شاء الله.

стр. 5999

عبد العزيز البشري

стр. 6000

صحف مطوية من التاريخ الإسلامي العرب في غاليس وسويسره للأستاذ محمد عبد الله عنان منذ عامين كشفت المباحث الأثرية في وادي اللوار بفرنسا على مقربة من مدينة تور، عن عظام بشرية، وسيوف ودروع قيل إنها عربية؛ ورأى فريق من الباحثين الأثريين أن هذه الآثار هي على الأرجح من مخلفات الموقعة العظيمة التي نشبت بين العرب والفرنج في سهول نهر اللوار منذ ألف ومائتي عام (٧٣٢م)، وارتد فيها العرب أمام جيوش كارل مارتل زعيم الفرنج بعد أن قتل قائدهم عبد الرحمن الغافقي، وأن اكتشافها يلقي ضياء جديداً على حقيقة المكان الذي نشبت فيه الموقعة، والذي مازال مثار خلاف بين المؤرخين. وتلك الموقعة الشهيرة هي التي تسميها الرواية الإسلامية بموقعة بلاط الشهداء أو موقعة البلاط، لكثرة من استشهد فيها من عظماء المسلمين وقادتهم، وتعرف في الرواية الفرنجية بموقعة تور أوبواتييه لأنها وقعت في السهول التي تمتدد بينهما؛ وتضع الرواية الإسلامية تاريخها في رمضان سنة ١١٤ من الهجرة، متفقة بذلك مع الرواية النصرانية التي تضع تاريخها في أكتوبر سنة ٧٣٢م. وقد كانت هاتيك السهول التي تمتد بين تور وبواتييه وتشرف على ضفاف اللوار هي أقصى ما بلغه العرب في فتوحاتهم في قلب فرنسا؛ وقد عبر العرب جبال البرنيه لأول مرة عقب افتتاحهم لأسبانيا، وغزوا سبتمانيا (أو لانجدوك) سنة ٩٤هـ (٧١٣م) واستولوا على مدينة قرقشونة وثغر أربونة؛ ثم توالى عبورهم بعد ذلك لجبال البرنيه وتوالت غزواتهم في غالة أو غاليس (جنوب فرنسا)، في سبتمانيا وفي أكوتين، ثم في وادي الرون شمالاً حتى بورجونيه؛ وأنشأوا من فتوحاتهم في غاليس ولاية سميت بالثغر أو الرباط وعاصمتها أربونة؛ ولما ارتدوا أمام الفرنج في بلاط الشهداء، احتفظوا مدى حين بفتوحاتهم في غاليس؛ واستمر لظى الحرب يضطرم بينهم وبين الفرنج في تلك الأنحاء مدى ربع قرن، والفرنج يستردون مدنهم وأراضيهم تباعاً من أيدي الغزاة، حتى انتهوا أخيراً بالاستيلاء على أربونة آخر معقل إسلامي في غاليس سنة ٧٥٩م. وكان ذلك خاتمة الفتوحات الإسلامية المستقرة في فرنسا، ولكنه لم يكن خاتمة الغزوات الإسلامية أو خاتمة النفوذ الإسلامي في تلك الأنحاء. ذلك أن المسلمين عادوا فنفذوا إلى

стр. 6001

الجنوب فرنسا، ثم إلى بييمون وسويسره، وغلبوا على كثير من المواقع والأراضي في تلك الأنحاء أحقاباً طويلة، ولكنهم كانوا في تلك المرحلة جماعات مستقلة مغامرة تعمل لحساب نفسها أكثر مما تعمل لحساب الحكومات التي تنتمي إليها، وكانوا مستعمرين أكثر منهم غزاة؛ وتلك صفحة من تاريخ النضال بين الشرق والغرب والإسلام والنصرانية قلما تعنى بذكرها الرواية الإسلامية، وإن كانت الرواية النصرانية تشير إلى الكثير من وقائعها وتفاصيلها. وسنعنى في هذا الفصل بسرد حوادث هذه الصفحة الغريبة المجهولة، وبما كان للاستعمار الإسلامي في تلك الأنحاء من الخواص والآثار. كانت أول غزوة إسلامية لفرنسا بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس، في عصر أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن الأموي، ففي سنة ٧٩٣م دعا هشام إلى الجهاد، وأرسل إلى فرنسا جيشاً بقيادة وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث، فعبر البرنيه، وزحف على أربونة، فلما لم يستطع افتتاحها، ارتد إلى قرقشونه؛ وكان شارلمان (أو كارل الأكبر) ملك الفرنج يشتغل يومئذ بمحاربة خصومه على ضفاف الدانوب بعيداً عن فرنسا؛ فتأهب أمير أكوتين لرد العرب، وأوفد لمحاربتهم جيشاً بقيادة الكونت دي تولوز، فالتقى الفريقان في مكان يسمى (فيل دني) بين أربونة وقرقشونه، ونشبت بينهما موقعة غير حاسمة ارتد على أثرها العرب إلى الجنوب مثقلين بالغنائم. وتشير الرواية العربية إلى تلك الغزوة وتقول أن المسلمين استولوا خلالها على أربونه، ولكن الروايات الفرنجية المعاصرة لا تذكر شيئاً عن هذا الفتح. وفي سنة ٨٠٦م هاجمت شرذمة قوية من البحارة العرب جزيرة كورسيكا؛ فبعث ببين بن شارلمان ملك إيطاليا أسطولاً لقتالهم، ولكنهم هزموه وقتلوا قائده، وحصلوا كثيراً من الغنائم، ولم يمض عامان حتى عاد البحارة العرب إلى غزو شواطئ كورسكيا وسردانية. ثم توالت غزواتهم إليها بعد ذلك؛ وكانت شواطئ فرنسا الجنوبية عرضة أيضاً لمثل هذه الغزوات البحرية الناهبة، وكان قوام هذه الغزوات عصابات قوية مغامرة من مسلمي الأندلس وأفريقية تجوس خلال هذه المياه في سفن خاصة وتثخن في هذه الشواطئ، وتعود مثقلة بالغنائم؛ وكان البحارة المسلمون كالبحارة النورمانيين، رعب هذه الشواطئ، وكانت أخبار غزواتهم تدوي في جنوب فرنسا، وتعنى الروايات الفرنسية المعاصرة، ولاسيما الروايات الكنسية بتدوين أخبار هذه الغزوات، وتبالغ في تصوير عصفها ووقعها، وتقول

стр. 6002

لنا إن البحارة العرب ذهبوا في جرأتهم إلى حد التجول في مياه الاطلنطيق ومهاجمة شواطئ فرنسا الغربية، وإن سفينة عربية كبيرة اجتازت في ذلك الحين مياه الاطلنطيق حتى مصب نهراللوار. وفي سنة ٨٣٨م خرج أسطول عربي من ثغر طراكونه (تراجونا) ومياه البليار، ورسى في مياه بروفانس، وهاجم ثغر مرسيليا وما حوله من المواقع والأراضي، وأثخن فيها، وحمل كثيراً من الغنائم والسبى. وكان على عرش فرنسا يومئذ لويس (لي ديبونير) بن شارلمان، وكان ملكاً عاجزاً ضعيفاً، فلما توفي في سنة ٨٤٠م، اضطربت أحوال المملكة، وضعفت الثغور، فانتهز البحارة العرب تلك الفرصة، وغزوا بروفانس عند مصب نهر الرون، وهاجموا مدينة آرل، وخربوا معاهدها. ثم توالت غزواتهم بعد ذلك في تلك المياه، وهاجموا مراراً مرسيليا وآرل. وفي سنة ٨٥٠، في عهد عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس، عبر المسلمون جبال البرنيه مرة أخرى بقيادة موسى حاكم سرقسطة وغزوا سبتمانيا، وأثخنوا في نواحيها، واضطر شارل (الأصلع) ملك فرنسا أن يعقد الصلح معهم؛ ومن المرجح أن هذه الغزوة كانت ذات صفة رسمية، وأن حكومة قرطبة هي التي نظمتها أو أوحت بتنظيمها. وفي سنة٨٦٩، هاجمت شراذم من البحارة العرب بروفانس مرة أخرى، واستولت على جزيرة كامارج الواقعة في مصب الرون، وأسرت أسقف آرل الذي كان يقيم فيها، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى. - ٢ - ولقد أذكى نجاح هذه الغزوات المتوالية في نفوس المغامرين والمجاهدين من مسلمي الأندلس وأفريقية حب التوغل في هاتيك الأنحاء ورغبة استعمارها والاستقرار فيها. وكانت أحوال غاليس (جنوب فرنسا) قد اضطربت يومئذ، وغاب سيد من سادة تلك الأنحاء يدعى بوسون على ولايتي دوفينه وبروفانس وتلقب بملك آرل، وقام يناوئه بعض منافسيه، ونشبت بينه وبينهم حروب أهلية (نحو سنة ٨٩٠). ففي تلك الآونة رست سفينة عربية صغيرة عليها عشرون بحاراً من المسلمين في خليج جريمو أو خليج سان تروبيه، ونزلوا إلى الشاطئ، ولجأوا إلى غابة كثيفة تظللها الجبال، ثم هاجموا بعض الضياع القريبة وفتكوا بسكانها. ولما رأوا منعة معقلهم سواء من جهة البر أم البحر، عولوا على الاستقرار

стр. 6003

فيه، ودعوا إخوانهم من الثغور الإسلامية القريبة إلى القدوم؛ وأرسلوا في طلب العون والتأييد من حكومتي الأندلس وأفريقية؛ فوفد عليهم كثير من المغامرين البواسل، ولم تمض أعوام قلائل حتى استقروا في ذلك المكان وأنشأوا له سلسلة من المعاقل والحصون أمنعها وأشهرها حصن تطلق عليه الرواية الفرنجية المعاصرة اسم (فراكسنتم) والمظنون أنه هو المكان الذي تقوم عليه اليوم قرية (جارد فرينيه) - الواقعة في سفح جبال الألب، وما زالت ثمة آثار تدل على قيام معاقل قديمة في ذلك المكان. ولما كثر جمعهم واشتد ساعدهم، أخذوا في الإغارة على الأنحاء المجاورة، وأصبحوا قوة يخشى بأسها؛ وسعى إليهم بعض الأمراء والسادة المتنافسين يستظهرون بهم بعضهم على بعض، فلبوا الدعوة، وانتزعوا من بعض السادة أراضيهم، وأعلنوا أنفسهم سادة في الأنحاء المغلوبة؛ وبثوا الذعر والروع في جنوب بروفانس حتى وصفهم كاتب معاصر (بأن واحداً منهم يهزم ألفاً واثنين يهزمان ألفين). وكانت هذه أول خطوة في استعمار العرب لجنوب فرنسا. وفي خاتمة القرن التاسع اتخذ المستعمرون خطوة أخرى. فتقدموا نحو جبال الألب غرباً وشمالاً. وكانت مملكة آرل قد ضعفت واضمحلت، وخلف بوسون ولده لويس، ولكنه ذهب إلى إيطاليا ليحارب إلى جانب حلفائه، فهزم هنالك وأسر، وتركت مملكته بلا دفاع؛ وساد الانحلال والفوضى في غاليس كلها. فانتهز المسلمون تلك الفرصة، واخترقوا مفاوز دوفينه، وعبروا (مون سنى) أهم ممرات الألب الفرنسية، واستولوا على دير نوفاليس الشهير الواقع في وادي (سيس) على حدود بييمون، وفر الأحبار في مختلف الأنحاء (سنة ٩٠٦م) وأغار المسلمون على القرى والضياع المجاورة ونهبوها وفتكوا بأهلها، وأسر بعضهم وأخذوا إلى (تورينو) (بإيطاليا) وسجنوا في ديرها، ولكنهم استطاعوا أن يحطموا أغلالهم، وأضرموا النار في الدير وفي المدينة، وفروا عائدين إلى زملائهم؛ واشتد بأس العرب في تلك الأنحاء، واحتلوا معظم ممرات الألب، فسيطروا بذلك على طرق المواصلة بين فرنسا وإيطاليا؛ ثم انحدروا من آكام الألب إلى سهول بييمون، وأغاروا على بعض مناطقها. وفي سنة ٩٠٨ نزلت سرية قوية من البحارة العرب في شاطئ بروفانس على مقربة من (إيج مورت) ونهبت دير بسالمودي. وكانت الأديار والكنائس يومئذ مطمح أنظار الغزاة لما

стр. 6004

كانت تغص به من الذخائر والأموال. وانتشر العرب بعد ذلك في جميع الأنحاء المجاورة، واجتاحوا كل ما في طريقهم من البسائط؛ وهاجموا مرسيليا وهدموا كنيستها، وغزوا ايكس، وسبوا النساء وتزوجوا بهن ليكثر نسلهم ويقووا به، وانضم إليهم كثير من النصارى المغامرين من أهل هذه الأنحاء؛ وهجر السادة والأغنياء حصونهم وقصورهم والتجئوا إلى الداخل خشية القتل أو الأسر، وأغلق العرب طريق الألب إلى إيطاليا. وكان يمر بها كل عام ألوف من الحاج الذين يقصدون إلى رومة، واقتضوا منهم الضرائب الفادحة ليسمحوا لهم بالمرور. - ٣ - ثم أتخذ العرب خطوة جديدة في سبيل التقدم إلى أواسط أوربا، فدفعوا غزواتهم إلى بيمون ومونفراتوا. وتقول لنا الرواية الكنسية المعاصرة إنهم وصلوا في أوائل القرن العاشر إلى حدود ليجوريا على شواطئ خليج جنوه؛ ويروي ليوتبراند وهو كاتب معاصر أن العرب غزوا سنة ٩٠٦ مدينة (آكي) من أعمال مونفراتو الشهيرة بحماماتها (وهي على مقربة من تورينو)، ثم غزوها ثانية سنة ٩٣٥ بقيادة زعيم يدعى (ساجيتوس) ولكنهم هزموا ومزقوا؛ وفي هذا الوقت أيضاً، نزلت شرذمة قوية من البحارة الأفريقيين بساحل جنوه، وقتلت عدداً كبيراً من أهلها، وأسرت جموعاً كثيرة من النساء والأطفال. وفي سنة ٩٣٩ غزا العرب منطقة (فاليه) في جنوب سويسرا، ونهبوا دير (أجون) الشهير، وغزوا في الوقت نفسه منطقة (تارانتيز) من أعمال سافوا الوسطى، ثم اتخذوا منطقة (فاليه) قاعدة للأغارة على الأراضي المجاورة في سويسرا وإيطاليا ونفذوا منها إلى أواسط سويسرا ثم إلى (جريزون) في شرق سويسرا، ونهبوا دير ديزنتي أشهر وأغنى الأديار السويسرية، ونهبوا طائفة أخرى من الأديار والكنائس الغنية. وفي بعض الروايات أيضاً أن العرب وصلوا في غزواتهم إلى بحيرة جنيف، وجازوا إلى مفاوز جورا الواقعة في شمالها. وكانت سويسره يومئذ من أقاليم مملكة بورجونيه، وملكتها يومئذ (الملكة برت) الوصية على ولدها الطفل كونراد، فارتدت حين اقتراب العرب إلى حصن ناء في جهة نيوشاتل. وفي سنة ٩٤٠ غزا العرب فريجوس، وكانت يومئذ من أكبر وأمنع ثغور فرنسا الجنوبية؛ وغزوا أيضاً ثغر الطولون، ففر السكان إلى الجبال، وعاث العرب في تلك الأنحاء،

стр. 6005

وخربوا المدن والحصون، وأحرقوا الأديار والكنائس. ولما اشتدت وطأة العرب في جنوب فرنسا وبلغ السخط من غزواتهم وعيثهم ذروته، اعتزم سادة الجنوب وعلى رأسهم هوج ملك بروفانس أن يبذلوا كل ما في وسعهم لسحق ذلك العدة المزعج؛ ورأى هوج أن يبدأبافتتاح حصن فراكسنيه (فراكسنتم) الذي يمنع به العرب ويتخذونه قاعدة تأمين مواصلاتهم مع أسبانيا وأفريقية، وقاعدة للإغارة على الداخل، وكتب إلى صهره إمبراطور قسطنطينية يطلب منها أسطولاً من قاذفات النار اليونانية حتى يستطيع مهاجمة العرب من البر والبحر معاً. فلبي نداءه، وفي سنة ٩٤٣ رسا أسطول بيزنطي في مياه نروبيه، وزحف هوج في نفس الوقت بجيشه على فراكسنيه؛ وهوجم العرب من البر والبحر بمنتهى الشدة وأحرقت سفنهم؛ ونفذ هوج إلى الحصن بعد قتال رائع، وفر العرب إلى الآكام والربى، وكاد يسحق سلطانهم في تلك الأنحاء. ولكن حدث عندئذ أن علم هوج أن خصمه ومنافسه بيرانجيه قد عاد إلى إيطاليا لينازعه في انتزاع عرشها، فصرف هوج الأسطول، واضطر أن يعقد الصلح مع العرب بشرط أن يبقوا في رؤوس الألب وممراته وأن يغلقوا الطريق إلى إيطاليا في وجه خصمه؛ وبذلك استعاد العرب قلاعهم وسيادتهم في جنوب بروفانس. واحتل العرب آكام الألب وممراتها، وفرضوا الضرائب الفادحة على المسافرين، واستطاعوا بسيطرتهم على ممر سان برنار الكبير الموصل بين سويسره وإيطاليا وغيره من الممرات والمعاقل الجبلية، أن يجتاحوا الأنحاء المجاورة، وأن يبثوا فيها الذعر والروع واستقرت منهم جموع كبيرة في السهول والضباع القريبة من معاقلهم، وتزوجوا النساء الأسيرات، وزرعوا الأرض، واكتفى أمراء هذه النواحي بأن يحصلوا منهم بعض الضرائب. ونفذ العرب أيضاً إلى منطقة نيس أجدى ولايات مملكة آرل الجنوبية، واجتحاوا شاطئ ليجوريا كله (جنوه)؛ بل يظهر أن سرية منهم استقرت في نيس ذاتها، وما زال في نيس إلى اليوم حي يعرف بحي العرب وأخيراً نفذ العرب إلى قلب

стр. 6006

ولاية دوفينه وغزوا مدينة جرينوبل واحتلوها مدى حين، واحتلوا واديها الخصيب، (جريزيفودان) الذي يجري فيه نهر الازير فرع الرون، وفر أسقف جرينوبل وزملاؤه إلى الشمال حاملين لرفات قديسهم. للبحث بقية محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6007

٨ - الشخصية للأستاذ محمد عطية الابراشي المفتش في وزارة المعارف (٣) الشعور بالواجب: من الوسائل التي تساعد على التنفيذ، وعلى تقوية الشخصية العملية، تلك الصفة الحية وهي الشعور بالواجب، وإجابة نداء الضمير؛ فالإنسان حينما يشعر بوازع نفسي بأنه يجب عليه أن يفعل كذا، أو بأنه يجب عليه ألا يفعل كذا، فان هذا الشعور وحده يرمي إلى مغزى خلقي، ويستدعي نشاطاً عقلياً لفعل الشيء أو محاربته، فهو بمثابة مؤثر داخلي يؤثر فيه تأثيراً قوياً. وإن إجابة هذا المؤثر أو الباعث النفسي خير كفيل لاستنهاض الهمة، ومضاعفة العزيمة. قال (إمرسون) إن الإنسان إذا استحثه الواجب لأن يقوم بعملٍ ما، قام به) وليس الشعور بالواجب أو تلبية نداء الضمير، أو الصوت الداخلي، مقصوراً على طبقة دون الأخرى، ولا على جيل من الأجيال، ولا سن من الأسنان. وإذا تذكرنا أن الشعور بالواجب يتضمن حكم النفس وضبطها، أمكننا أن ندرك العلاقة بين شخصية وبين الشعور بالواجب وإجابة الداعي النفسي؛ ففي كل أمر من أمور الحياة نجد أن هدوء البال، وراحة الضمير، والاطمئنان، والجمال - ثمرة من ثمرات الطاعة، ومراعاة القوانين العلمية والفنية. وإننا إذا بحثنا في تاريخ العظماء والأدباء والفنانين، وجدنا أن ذوي الشخصيات الخالدة (في التاريخ) كانوا من ذوي الضمائر الحية الحساسة، الذين يجيبون نداء الضمير، ويصغون إلى صوت الله فيهتدون بهديه، وكانوا يحسون بالواجب فيقومون به، ويعملون على تنفيذه. وكثيراً ما يكون الضمير الحي والشعور بالواجب سبباً في إنقاذ الإنسان من صروف الحياة، ومن السقوط إلى الهاوية فلا يكون فريسة للنفس الشريرة. فكل إنسان تفتح أمامه السبل المختلفة، ولكن الروح الطاهرة لا تفكر إلا في الطرق الشريفة السامية، أما الروح الدنيئة فلا تنظر إلا إلى الطرق الدنيئة، ومعظم الناس يسلكون طريقاً وسطاً. وإن الشعور بالواجب، وحب الفضيلة، والتمسك بالخير تكسب الشخص قوة وروعة ووقاراً،

стр. 6008

وتبعث في نفسه الحياة، وتقوده إلى الطريق السوي، وتعوده الصبر والمثابرة، وتقوي الإرادة، وهي التربة الصالحة التي فيها تنمو وتثمر الشخصية القوية الغنية. (٤) قوة الوازع الديني: إننا في البحث في الشخصية الإنسانية لا يمكننا أن ننسى الدين وأثره، والوازع الديني وقوة تأثيره في حياة الإنسان، فكثيراً ما يواجه الإنسان بأزمات وشدائد لا قبل له بها، ولولا الثقة بالله والإيمان به لجزع، وتملكه اليأس، واستولت عليه الهموم من كل جانب. ولكن الوازع الديني هو الذي ينتشله من وهدة القنوط، ويبعث في نفسه، ويحييه من يأسه، وينير الطريق أمامه بعد أن كان مظلماً، ويهديه بعد الضلال، ويسليه عند الشدة. فالعنصر الوجداني قوي في العقيدة الدينية، وهو يستحث الشخص في أداء الواجب، وإرضاء الضمير، والصبر، والمثابرة، ويوحي إليه بفعل الخير واجتناب الشر، ويدعوه إلى الحركة والعمل في الحياة، ويرشده، فيعمل الإنسان العمل وكله أمل وثقة بالله، يؤدي واجبه ويترك النتيجة لله، لا يفكر في الماضي؛ لأنه قد فات. وينظر في الحاضر، ويترك المستقبل لله يفعل ما يشاء. وبهذه الوسيلة يهدأ باله، ويطمئن خاطره، وتقوى شخصيته، ويكون سعيداً في الحياة. والإنسان عادة يطمئن إلى رجال الدين والمتدينين الذين يثقون بالله تمام الثقة، ويفعلون ما يفعلون ابتغاء مرضاة الله. أما الرجل الذي لا دين له فلا ضمير له، ولا يمكنك أن تطمئن إليه. ومعظم المصلحين في العالم كان الوازع لهم في الإصلاح دينياً، أمثال الأنبياء والخلفاء والأئمة من المسلمين، وهليل والرباني (عقيبة) من الإسرائيليين، ومارتن لوثر، وكارليل، ورسكن من المسيحيين. فالوازع الديني هو الذي أمدهم بثروة في العقل، وقوة في الروح، وعظمة في الخلق، فأثروا في جيلهم، وفي الأجيال التي أتت من بعدهم. ولسنا اليوم في حاجة إلى رجال يقومون بالواجب فحسب، ولكننا في حاجة إلى رجال يمكنهم أن يحثوا غيرهم على القيام به. الخلاصة: وصفوة القول أننا في الشخصية العملية نحتاج إلى ما يأتي: ١ - أن يكون لنا غرض معين في الحياة، نعمل للوصول إليه بحيث نعتمد على أنفسنا ولا

стр. 6009

نكون صدى الأصوات غيرنا فنكرر ما يقولون ونفعل ما يفعلون، ولا نتأثر بهؤلاء المترددين الذين لا يعرفون لهم غرضاً في الحياة، ولا يثبتون على حال، ولا نشغل أنفسنا بكثير من المشروعات التي لا يمكن تنفيذها، بل بمشروع واحد في وقت واحد، ثم نعمل على إجادته وتنفيذه، ثم الابتداء بغيره وهكذا. ٢ - أن يكون لدينا حب شديد لأعمالنا، ورغبة كبيرة في تكملتها، ونعمل على أن لا نفقد تلك الرغبة في تهذيبها ومضاعفتها. ٣ - الشعور بالواجب والقيام به في الحال على أكمل وجه، فلا نؤخر عمل اليوم إلى الغد، ولا نفكر فيما سنحصل عليه من الجزاء عند القيام بالعمل، بل نجعل الجزاء أمراً ثانوياً، ونؤدي العمل لا لشيء إلا لأنه يجب أن يؤدى، ونثق بغيرنا كما نثق بأنفسنا، ولا نهزأ بالمثل العليا التي يتخذها سوانا. ٤ - قوة الوازع الديني مع التمسك بالدين، بحيث لا نفكر في الماضي، ونعمل على انتفاع بالحاضر، ونقوم بواجبنا كما ينبغي، ونترك المستقبل لله. وبهذه الوسيلة نستريح وتستريح نفوسنا. (تم البحث) محمد عطية الابراشي

стр. 6010

كيف ولماذا سافرت إلى أوربا؟ للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني منذ بضع سنوات - أربع أو مائة، لا أدري! - استقر عزمي على القضاء الصيف في لبنان، فجمعت ما عندي من الثياب القديمة، وحشوت بها حقيبة، وقلت أقضي أياماً في الإسكندرية ثم أبحرت منها إلى بيروت. وهناك - في الإسكندرية، لا بيروت - لم أدع شركة ملاحة إلا دخلت مكتبها واستفسرت من رجالها عن البواخر، حتى الذاهبة إلى الهند، ومواعيد وصولها ورحيلها. وكنت أخرج من كل مكتب بحزمة من الأوراق، فيها صور مغرية وأسعار منفرة. فاتفق يوماً أن لج وكيل (شركة سيتمار) في تزين السفر على الباخرة (اسبيريا) إلى إيطاليا، وكان الوقت ظهراً، وأنا جوعان، فدار رأسي، ووهن عزمي، وكدت أنقذه ثمن التذكرة، ولكني تذكرت أن (الجواز) يحتاج إلى (تأشيرات) فاعتذرت به وانصرفت. وعدت إلى فندق (بوريفاج) في أقصى (الرمل) وكنت مقيماً به، وأسرعت إلى مائدتي فجلست إليها، وكنت مهموماً مكروباً موزع النفس، بين لبنان والباخرة (اسبيريا) - أي والله! كأنما كنت سأقضي الصيف كله على ظهرها! - فناديت الخادم وطلبت من النبيذ عسى أن يذهب عني الفتور، وملأت الكأس، وتناولتها، ورفعتها إلى فمي، فسمعت من ورائي صوتاً رخيماً يقول: (المازني - هذا - حشرة!). فارتدت يدي عن فمي، وهي ترعش، وسالت عليها قطرات من النبيذ، ومضى الصوت الحلو يفري أديمي: (حشرة حقيرة - يجب سحقها بالأقدام.) فتلفت مذعوراً وقد خيل إلي أن العيون كلها صارت علي، وتمنيت لو أن إدارة الفندق تحرم الكلام على الطعام، أو تجيء بموسيقى تغرق في أنغامها العالية القوية هذه الأصوات الحلوة! ولكن الكلام لم يكن محظوراً، ولا موسيقى هناك، فسمعت مكرها: (سكير لا يفيق، ومعربد لا يرعوي). فقلت في سري (يا خبر اسود؟! أنا سكير لا أفيق؟؟ أنا عربيد؟؟) ودهشت، ولو أن رجلاً كان يزعمني كذلك لما حفلت نفسي ماذا يقول عني، ولكنها فتاة - فتاة على التحقيق. . صوتها وحده دليل على ذلك - تذكرني بلهجة المحنق، كأنما كنت قد قتلت أباها، - قاتله

стр. 6011

الله على أي حال! - وكان الخادم قد وضع أمامي شبوطةً مغرية، ولكن نفسي انصرفت عنها وزهدت فيها، فاضطجعت وأنا أعجب للذين يؤاكلون هذه الفتاة لماذا لا يتكلمون؟؟ وما لهم لا يغيرون هذا الموضوع. (رجل مستهتر، لا يبالي ماذا يقول عن نفسه، ويظن لسخافته أن هذا من الظرف) فلم أعد أطيق هذا الطعن، واشتهيت أن أكتم أنفاسها بالفوطة، ولكني طويتها - أعني الفوطة - ووضعتها على المائدة وهممت بالقيام، فسمعتها تقول: (على كل حال ماذا ننتظر؟ إن (اسبيريا) تسافر بعد غد، وإذا لماذا لم نشتر التذاكر غدا تأخرنا وفاتتنا. . .). وتسللت، كاللص، ولكن بعد أن خالستها النظر ورأيت وجهها، من غير أن تراني، وكانت مع الأسف جميلة. فزاد عجبي، فان الحسن ري ولين، وهذه الفتاة تحمل لي في جوفها بركاناً فائراً بالسخط والنقمة وكل ما ينافي معاني الجمال. فقرضت أضراسي وأقسمت لأسفارن على هذه الأسبيريا لأرى آخر هذه الحكاية. وأقبل الليل، وكنت أتمشى في حديقة الفندق، وحدي، كما لا أحتاج أن أقول، وكنت لا أزال أحدث نفسي بما سمعت من أوصاف، وكان صدري كالخضم المضطرب، وكان الخدم يروحون ويجيئون في أرجاء الحديقة تلبية لنداء المنادين أو تصفيق المصفقين، وكان الأطفال يجرون هنا وههنا، وأنا ذاهل عن هؤلاء وأولئك جميعاً بالحجارة التي صكت سمعي على الطعام، فكنت أخطو خطوات، وأقف وأقول لنفسي: (حشرة. . .!). فقال صوت (أفندم؟). قلت - غير عابئ به أو جاعل بالي إليه - (حشرة حقيرة. . تستحق السحق بالأقدام) واستأنفت السير، أو الخطو، وتركت الخادم - فقد كان أحد الخدم - يسخط ويلعن، أو لا يدري هل يضحك أو يغضب. وإني لفي ذهولي هذا، وإذا بصرخة خافتة، فالتفت مسرعاً إلى مصدرها، فبصرت بفتاة حانية على غصن مريجٍ علق به ثوبها، فوثبت إليها وعنتها على تخليص الثوب، ولكن بعد أن تخرق. وقلت وأنا أنفض التراب عن كفي وأشير إلى الثقوب الظاهرة في ثوبها: (ليس هذا ذنبي. . إنه ذنب البستاني المهمل الذي يربي هذه الألفاف ليزين بها الطريق ولا يعني بتقليمها. . . .).

стр. 6012

فقالت: (على العكس. . . إني شاكرة لك نجدتك، ولولاك لصار الثوب في يدي هلاهيل. . . فأنا مدينة لك. . .) فرفعت عيني إليها فإذا بها هي التي سلقتني على المائدة بلسانها وحرمتني لذة الطعام وأنا جائع أتضور، فارتددت عنها مقدار خطوة وندت عن صدري آهه مخنوقة: فقالت وهي تدنو مني: (ماذا بك؟) ورأتني أتكلف الابتسام فقالت: (بالدور. . . أنت مرة وأنا مرة) فقلت: (لا شيء. . . لا شيء. . .) فألحت (ولكن ماذا بك؟) قلت: (أوه. . . لاشيء، لم أكن أحسب أنك أنت. . .) فقالت مستغربة (ولكن بالطبع أنا أنا. . .) قلت: (طبعاً. طبعاً. إني سخيف) قالت: (هل تعرفني؟) قلت: (أعرفك؟ الجواب نعم ولا) قالت: (كيف يمكن هذا؟ ماذا تعرف عني؟) قلت: (أقل مما تعرفين عني) قالت: (لا مؤاخذة، ولكني لا أعرف عنك شيئاً) قلت: (صحيح!؟) قالت: (بالطبع صحيح! إني لم أرك إلا الساعة) فتشهدت وأنحط عن صدري حجر، وقلت: (الحمد لله!، يا ما أكرمك يا رب!) فقالت: (ولكن لماذا تتكلم هكذا؟ لست أفهم شيئاً. . .) قلت: (أحسن) قالت: (هل معنى هذا أنك تخشى أن أعرفك؟) قلت: (جداً جداً جداً!) فضحكت وقالت: (هل أنت مجرم هارب؟) قلت: (شر من مجرم، بودي لو أستطيع الهرب ولكن إلى أين؟ كلا. لست مجرماً ولكني

стр. 6013

حشرة!) فصاحت: (إيه؟ حشرة!) قلت: (أي نعم. حشرة حقيرة. . .) فوضعت راحتها البضة على كتفي وقالت: (لا تتكلم هكذا! هل أنت مريض؟) قلت: (نعم. نعم. نعم.) قالت: (مسكين! ماذا بك؟) قلت: (أذني. . . أذني. . . آه من أذني) والمصيبة أني كنت أبتسم، فقد راقني هذا الموقف على الرغم مما أجن من الحقد على الفتاة، فأقبلت علي، وجعلت تهون من أمر أذني وتشير علي بأن أضع فيها قطرة أو قطرتين من (الجليسيرين) وأن أبلع قرصاً من (الأسبيرين) فشكرتها افترقنا. وفي صباح اليوم التالي مررت (بقلم الجوازات) وبدار (القنصلية الإيطالية)، ثم استخرت الله وذهبت إلى مكتب (شركة سيتمار)، وطلبت تذكرة على الباخرة (اسبيريا) وإذا بالفتاة تقول لي: (وأنت أيضاً مسافر عليها؟) قلت: (نعم. هل هناك بأس؟) فضحكت وقالت: (كيف أذنك اليوم؟) قلت: (أذني؟ آه! صحيح! تطن) قالت: (يظهر إنها شفيت. . .) فهممت بأن أقول شيئاً ولكن الرجل سألني عن أسمي، ولم أكن أتوقع هذا، فهبط قلبي إلى حذائي، ونظرت من الفتاة إلى الرجل، ومن الرجل إلى الفتاة وقلت: (إسمي؟ ولكن هل هذا ضروري؟) فقال: (لا. . . ولكن يحسن. . . إن أسماء الركاب تكتب وتوزع على الباخرة) وكنت قد أنقدته قبل ذلك ثمن التذكرة فلولا هذا لعدلت فقلت: (إسمي؟ إسمي؟ أظنه إبراهيم. . نعم. . . إبراهيم عبده) وقالت الفتاة ونحن خارجان:

стр. 6014

(هل هذا أسمك الحقيقي؟) قلت: (هل تعرفين إسمي الحقيقي؟) قالت: (لا. . . إذن هذا اسم مستعار؟ معذرة إذا كنت أتطفل. . .) قلت: (لا. لا. . . ليس اسماً مستعاراً. . . أنه اسمي من الآن فصاعداً) فهزت رأسها وقالت وهي تبتسم: (ليس لي حق، هذا فضول لا يغتفر. . . سامحني) فقلت: بلهجة الجد الصارم (أسامحك؟ كلا! أبداً. . . أبداً. . .) فتعجبت، ولها العذر وقالت: (هل أسأت إليك بشيء؟ إني آسفة!) قلت: (أسأت؟ أسأت فقط؟ لقد قتلتني يا فتاتي!) قالت: وهي تدير وجهها لترى وجهي (أتمزح أم تتكلم جاداً؟) فواجهتها وقلت: (هل تعرفين أني أمزح؟؟ كلا! أعني نعم. قتلتني. . . طعنتي هنا) (وأشرت إلى موضع القلب) فضحكت وقالت: (بهذه السرعة؟! إنك حساس جداً) قلت: (نعم. جداً. فاتقي أن تدوسيني بقدميك. . .) قالت: (ولكن لماذا أدوسك بقدمي؟ لست أفهم كلامك. . .) قلت: (لأني حشرة. . .) قالت: (أوه! لا تقل هذا. . لماذا تشتم نفسك هكذا؟) قلت: (نعم حشرة، وحشرة حقيرة أيضاً. . .) قالت: (أوه! إنك تضجري بهذا ار. . .) قلت: (وسكير عربيد. . . .) فوقفت في الطريق وصاحت (أهو أنت؟) فقلت - مقلداً -: (بالطبع أنا. أنا.!) قالت: (وسمعتني؟) قلت: (كل كلمة. . . خرقت أذني كالمسار المحمي)

стр. 6015

قالت: (إني آسفة. . . جداً. . . وأعتذر) قلت: (آسفة؟ هممم. وأنا أنفلق! لا يأس. هيا بنا. . .) قالت: (لقد تعمدت ذلك. . .) فصحت بها: (إيه؟ كان هذا كله إلى الآن تمثيلاً؟) قالت: (نعم قلت ما قلت عمداً. . . عرفتك من وجهك ومن. . . لا مؤاخذة. . . من رجلك. . ولكنك تؤثر الوحدة ولا تبالي الناس وتتقي أن تكلمهم، بل تهرب منهم، فماذا أصنع غير ذلك؟) قلت: (كنت تستطيعين أن تمدحيني مثلاً فأسر. . . أم هذا حرام؟) قالت: (والآن ألا تعفو عني؟) قلت: عفونا يا ستي! بعد أن غرمنا ثمن تذكرة إلى أوربا بلا داع! قالت: (إيه؟) قلت: (نعم. كنت مسافراً إلى لبنان، فلما سمعت منك بعض الحقائق. . .) فاحتجت: (لا تقل الحقائق. . .) (أردت أن أعرف البقية. . . فقد أوصانا سقراط أن نعرف أنفسنا) فوضعت كفها على فمي. فلم أقبلها - أعني كفها - ولكني عضضتها عضة مغيظ، ولم أبال صراخها في الطريق. إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 6016

من تراثنا العلمي ٢ - فضائل مصر لابن زولاق وصف وتلخيص لنسخة مخطوطة للأستاذ علي الطنطاوي تتمة باب: إن المأمون قارن مصر بالعراق ١ - صفة مصر وخبرها: قال: كان سعيد بن عفير بحضرة المأمون وهو بمصر فسمعه يقول لعن الله فرعون حين يقول: أليس لي ملك مصر. فلولا رأى العراق! فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا فان الله يقول: ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون. فما ظن أمير المؤمنين بشيء دمره الله هذه بقيته (ثم وصف مصر وأنهارها وقناطرها وأرزاقها وخلجانها السبعة وما كان من خبرها، وخبر الخليج الإسلامي الذي حفر في زمان عمر). ذكر كور مصر، وما في كل كورةمن أصناف البر والأواني والفواكه والسلاح والطعام والشراب وجميع ما ينتفع به الناس. (وذكرها كورة كورة، وذكر ما فيها في فصل طويل، وأحال في مواضع منه على تاريخه. وقال وهو يتكلم عن إسكندرية) وقد شرحت ذلك مستفيضاً في كتابي التاريخ الكبير في أخبار الإسكندرية. (إلى أن قال): وذكرت الحكماء أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة منها عشرون بمصر والعشرة في سائر الدنيا: مسجد دمشق، وكنيسة الرها، وقنطرة سخا، وقصر غمدان، وكنيسة رومية، وصنم الزيتون بصقلية، وحجر العواري، وإيوان كسرى، وبيت الريح ب. . .؟ وكنيسة بعلبك. وبمصر من العجائب ما يغني عن هذا ويربو عليه (؟) فمن عجائبها: مدينة منف وقد ذكرناها، ومن ذلك عين شمس وهي هيكل الشمس، وبها قدت زليخا علي يوسف القميص، وبها العمودان اللذان لم ير أعجب مهما ولا من أبنائها وهما محمولان على وجه الأرض بغير أساس طولهما في السماء خمسون ذراعاً إلى الخ. . ومن عجائب مصر البرايق بأخيم

стр. 6017

وسمنود وفيها الصور أمثال الفرسان والرجاله الخ. . (وذكر لها خبراً طويلاً) ومن عجائب مصر أمر الهرمين الكبيرين الخ. ٣ - ذكر النيل وأموره. ٤ - وصف مصر وتمثيلها: (ذكر وصف عمرو بن العاص ووصف غيره من ولاة مصر. وتكلم عن خراج مصر وكيف كان يصرف كلاماً طويلاً ذكر فيه مقدار الخرج في زمن الفراعنة الأولين وفي أيام يوسف ومصارفه، وذكر أن عمر بن العاص جباها عام الفتح عشرة آلاف ألف دينار، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر بن الخطاب يعجزه ويقول جباها الروم عشرين ألف ألف دينار، فلما كان العام المقبل جباها عمر أثنى عشر ألف ألف دينار، فلما وليها عبد الله بن سعيد بن أبي سريح لعثمان جباها أربعة وعشرين ألف ألف. فقال عثمان لعمرو وكان عنده في المدينة: درت بعدك اللقحة يا أبا عبد الله. فقال: أضررتم بالفصيل. ثم أنحط الخراج إلى ما دون ثلاثة آلاف ألف. إلا في أيام هشام، ثم قصر إلى سنة ٢٥٤، فلما وليها أحمد بن طولون استقصى العمارة وبالغ فيها فجباها أربعة وعشرين ألف ألف الخ). ٥ - ذكر مقبرة مصر وفضائلها وذكر مقطمها. ٦ - ذكر ما تختص به مصر دون غيرها من الملبوس والمركوب والمأكول والمشروب (في فصل طويل). ٧ - في أسماء الشهور القبطية (وما كانوا يصنعون في كل واحد منها). هذه أبواب الكتاب وفصوله، وفي كتاب أشياء رواها المؤلف على علاتها ولم يسلك فيها سبيل التحقيق، كالذي جاء به عند الكلام على المواضع المشرفة في مصر، وعجائب مصر، وخبر الأهرام. وفيه أشياء نافعة وجليلة. ولكي نزيد القارئ بياناً نقدم إليه هذه النبذة مما ورد في الكتاب نموذجاً لأسلوبه: قال: (ذكر ما في مصر من ثغور الرباط والمساجد الشريفة وما فيها من شركة شرف الحرمين وسائر الدنيا. فأما مشاركتها للحرمين وأعمالها - (؟) ولما أمكن الواردين إليها من كل فج عميق المقام بها يوماً لنفاد أزوادهم وأنهم يمتارون من ميرة مصر. وقال بعض

стр. 6018

المتكلمين: لو أن رجلاً عابداً ترك التصوف وأقبل على العبادة وأن آخر قام له بكفايته وسائر مئونته من كسوة وطعام وشراب لكان شريكه فيما يعمله وأن له أوفر أجرة، وكذلك مصر منزلتها من الحرمين. ومن فضايلها أن الذي بنى الكعبة رجل من قبط يكنى أبا قدم. ومصر فرضة الدنيا ويحمل من حيزها إلى سواحلها وكذلك ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين وإلى جدة وإلى عمان وإلى الهند وإلى الصين وصنعاء وعدن والشحر والسند وجزاير البحر، ومن جهة تبنيس ودمياط والغرما فرضة بلدة الروم وأقاصى الفرنحة وقبرص وسائر سواحل الشام والثغور إلى حدود العراق، ومن جهة الإسكندرية فرضة اقريطش وصقلية وبلد الروم والمغرب كله إلى طنجة والسوس ومغرب الشمس، ومن جهة الصعيد فرضة بلد المغرب وبلد البربرو - (؟) والحبشة والحجاز واليمن. وأما ما فيها من ثغور الرباط فمن ذلك: رباط البرلس، ورباط رشيد، ورباط الإسكندرية، ورباط ذات الحمام، ورباط البحيرة، ورباط أخنا، ورباط دمياط، ورباط شطا، ورباط ننفس (؟) ورباط الاستوم، ورباط الفرما، ورباط النفار، ورباط الفرادة، ورباط العريش، ورباط الشحربين وما ينضاف إلى هذه الثغور وجهاتها، ورباط الحيرس من جهة الحبشة والحة (؟) وما يقرب منهم (كذا) ورباط أسوان على النوبة، ورباط الواحات على البربر والسودان ورباط قوص. وقد روينا في أول هذا الكتاب قول الرسول ﵇: إن مصر خير أجناد الأرض. فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال لأنهم وأزواجهم وأبناؤهم في رباط إلى يوم القيامة وكانت برقة وطرابلس من ثغور مصر إلى أن خرجت في سنة ثلاثمائة فأضيفت إلى رباط المغرب. وأما المساجد الشريفة والمشاهد العظيمة فان بمصر مساجد هي مشاهد والعمل فيها منه في غيرها سوى الحرمين، فمن ذلك مسجد سليمان ﵇ في الإسكندرية، ومسجد يوسف ﵇ بمنف، ومسجده بطرا، ومسجده بوادي المقطم. وللخضر مسجدان منها مسجده بالإسكندرية، ومسجده بلبوهة في أسفل الأرض، ومسجد ذي القرنين بالإسكندرية عند النحات. ومنها مسجد الأقدام وهم قوم من أهل المقام قتلوا على موالاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ومسجد عقبة ابن عامر الجهني بسوق وردان، ومسجد مسلمة بن مخلد بسوق وردان، ومسجد الزمام بني على رأس محمد بن أي بكر بناة علامة زمام وجعله مشهداً ورأسه في موضع المنارة، ومسجد - (؟) بني

стр. 6019

على رأس زيد بن علي بن الحسين بن (- علي) أبي طالب أنفذه هشام بن عبد الملك إلى مصر نصب على هذا المنبر ووقف عنده - (؟) فسرقه أهل مصر. ودفنوه في هذا الموضع، ومسجد درب الكند الذي الزقاق فيه قبر الحسين بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب أرسله أبو جعفر المنصور بن العباس إلى الأمصار فأخذه أهل مصر فدفنوه في هذا الموضع واتخذوه مسجداً. وبمصر مساجد الصحابة سوى ما ذكرنا الخ). هذا وليس على الكتاب تعليقات للقراء إلا تعليقة واحدة على أسماء الشهور القبطية قال كاتبها: (قوله أشهر الأعجمية القبطية المراد هذه الشهر على الأبراج الفلكية الاثني عشر برج، لأن كل برج من هذه الأبراج سموه باسمه في لغتهم فأول الأبراج وهو الحمل سموه توت، وثانيه الثور سموه بابه، وثالثه جوزا سموه هتور، ورابعه سرطان سموه كيهك، الخامس أسد سموه طوبا، والسادس السنبلة سموه امشير، ٧ ميزان سموه برمهات، ٨ الثامن عقرب سموه برمودة، ٩ قوس سموه بينس، العاشر الجدي سموه بؤنه، الحادي عشر دلو سموه آبيب ١٢ حوت سموه مسري). وكأن هذا الفصل الأخير (مطلب في أسماء الشهور القبطية) ملحق بالكتاب وإن جاء قبله بجملة فيها معنى الختام قال: وقالوا في مصر كلاما محفوظاً: طينها عجب، ونيلها ذهب، ورجالها قصب، ونسائها رطب، وهي لمن غلب. وقالوا في الكوفة: اقرأ الناس للقرآن لا يجاوز تراقيهم. وقالوا في أهل البصرة نعم وردن معاً وصدرن شتاً. وقالوا في أهل الشام أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق وأجرئهم على أمر لا يدرون ما هو. وقالوا في أهل الحجاز: أجرأهم على فتنة وأعجزهم عنها. وقالوا في أهل الموصل كناسة بين قريتين. وقالوا في أهل واسط منزل بين كنيفين. وذكروا الحديث المسند: (إن مصر يساق إليها أوائل الناس أعماراً). والبلدان فيها الطوال الأعمار وفيها القصار. إن طول الأعمار في سر وحمير، وجو اليمامة ووادي فرغانه. وقد جعل لمصر نصيب من ذلك في طوال الأعمار بمربوط وقرا بالحفار. وقد ذكرنا لمصر من الفضائل ما أغنى وكفى، ووصفنا الحكماء الذين كانوا بها وأنها معدن الحكمة التي انتشرت في أيدي الناس، يوجد في الدنيا بلد زينه أهله زينة مصر في أبنيتها ونهرها وإتقان أمرها وبالله التوفيق. وإن في الكتاب كثيراً من العبارات المضطربة. وفيه كلمات ليست بالواضحة وإن فيه

стр. 6020

كثيراً من الأخبار التي لم تصح، ترد غالباً عندما يتكلم عن تاريخ مصر القديم. كقوله: (ذكر من كان بمصر من عيون الفرسان والشدة: عوج ابن عنق قتله موسى ﵇ وجره الناس على النيل فمروا عليه شهراً، قال: وكان طول سرير عوج بن عنق ثمانمائة ذراع وعرضه أربعمائة ذراع، وكانت عصاة (هكذا) موسى عشرة أذرع، وضربه موسى فأصاب كعبه فخر على نيل مصر فحسره الناس فمشوا على صلبه وأضلاعه سنة وقيل شهراً الخ). وقوله: (ومن الفراعنة الذين جربوا الدنيا وغلبوا على مصر بختنصر وهو من قرية من قرى بابل يقال لها نفد، ودخل مصر في ستمائة ألف فارس وراجل، راكباً على أسد ورد، متقلداً سيفاً طوله عشرة أشبار وعرضه شبر، أخضر النصل كالسلق، يتحدر منه شبه ماء السدر، وغمد من ذهب مرصع بالجواهر والياقوت الأحمر مكتوب عليه: وأنت إن لم ترجُ أو تتقي … كالميت محمولاً على نعشه لا تنحس السر فتصلى به … فقلَّ من يسلم من نحسه وأَخْمَد السر فان هجمته … وأحذرلأعدائك من حبسه للبحر أقراش لها صولة … فأحذر لأعدائك من قرشه إذا طغى بالكلى شحم الكلى … أدخل رأس الكبش في كرشه وناطح الكبش له ساعة … يأخذهالناطحمن كبشه وكم نجىّ من يدي أعدائه (كذا) … وميت مات على فرشه من يفتح القفل بمفتاحه … نجا من التهمة في فشه ونابش الموتىله ساعة … يأخذهإبليس من نبشه لله في قدرته خاتم … تجري المقادير على نقشه وهذا ختام المخطوط: (وهذا جملة ما أودعناه هذا الكتاب باختصار بغير إسناد ولم أثبت فيه شيئاً إلا وقد رويته واختصرته ليقرب على من أراد وبالله التوفيق، ولو لم يكن لمصر فضل إلا أن العزيز ﵇ إمامها. والوزير أيده الله ملكها وعاملها ومدبرها لكان فضلاً عظيماً وبالله

стр. 6021

أستعين. تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه). دمشق علي الطنطاوي

стр. 6022

بين فن التاريخ وفن الحرب ٨ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي (رئيس أركان الجيش العراقي) (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد والغريب في ذلك أن الفرق كانت تعيش مستقلاً بعضها عن بعض، وكانت تتقاتل بخلاف فرق القبائل الأخرى. ولعل الداعي إلى ذلك أنها كانت حسيمة لا يمكن لرئيس واحد السيطرة عليها، وأنها في بلاد جعلتها بمأمن من غزوات القبائل الأخرى فلم تر الفرق والبطون حاجة إلى الوحدة. ويظهر أن مالك بن نويرة استطاع أن يستميل سجاحاً إلى جابنه لقرابته منه، وأراد أن يستغلها لمصلحته فيضرب بها الفرق المخالفة له ويرأس بني تميم بالقوة، أما هي فكانت تريد أن تستفيد منه للهجوم على المدينة. ومال وكيع بن مالك رئيس بني حنظلة إلى جانبه. وهكذا مالت شعب بني مالك إلى جانب سجاح. وكانت الشحناء قبل ذلك شديدة بين رؤساء بني تميم كما نعلم. ولما ورد خبر وفاة الرسول عليهم أرسل بعضهم الصدقات إلى المدينة، وانتظر بعضهم ما يصنع البعض الآخر. ويروى أن قيس بن عاصم رئيس مقاعس والبطون قال (وا ويلنا من ابن العكللية - يريد به الزبرقان - والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع، لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فيسودني فيهم، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتين بها أبا بكر فيسودني عنده) فعزم قيس على توزيع الصدقات على مقاعس والبطون ففعل، وعزم الزبرقان على الوفاء بإرسال الصدقات إلى المدينة. وكانت النتيجة أن نشب القتال بين عوف والأبناء من جهة والبطون من جهة أخرى، وبين الرباب من جهةً ومقاعس من جهة أخرى. وبين

стр. 6023

خضم وحنظلة وبين بهدي ويربوع. ولما وصلت سجاح إلى الحزن أرض بني يربوع واتفقت مع مالك بن نويرة والتحق بها وكيع بن مالك شرع مالك ينفذ خطته ليرأس بني تميم، فبدأ بقتال الرباب وعوف والأبناء، فلم يظفر بهم بل دارت الدائرة عليه وعلى سجاح، فوقع وكيع أسيراً بيد الرباب. وأرادت سجاح أن تجرب حظها مع بهدي وخضم من شعب بني عمر فكان نصيبها الخيبة أيضاً. فلما لم تظفر بطائل تركت مالكاً وانسحبت برجالها من بلاد بني تميم وسارت إلى اليمامة. هذا هو الموقف حين كان خالد يجول ويصول في بلاد بني أسد ولم يكن يجهله، لذلك لم يكد ينتهي من أمر بني أسد حتى تراه قد انتهز الفرصة وأمر جيشه بالمسير إلى أرض بني تميم دون أن ينتظر أمراً من الخليفة، وهكذا نراه يستعمل إبداعه ويسير جيشه نحو البطاح برغم مخالفة الأنصار له مدعين أن عهد الخليفة إليهم أن يقيموا بعد فراعهم من بزاخة إلى أن يكتب إليهم. إلا إن خالداً تقدم نحو البطاح قائلاً لهم إنه هو الأمير وإليه تنتهي الأخبار وإن لم يأته أمر الخليفة، فانه لا يريد أن يضيع الفرصة ما دام مالك بن نويرة بحياله. وشعب بني تميم نافرة منه. لذلك لم يتردد خالد في الذهاب إليه من دون الأنصار. والواقع أن مالك بن نويرة بقى وحيداً بين بني تميم، لأن صفوان بن صفوان كان قد أرسل الصدقات إلى المدينة وكذلك الزبرقان، أما قيس بن عاصم فكان عليه، وكذلك وكيع بن مالك لما سمع بانتصارات خالد أرسل صدقات بني حنظلة إليه. فبقى مالك حائراً ماذا يعمل، وكان بالبطاح مع رجاله من بني يربوع، والبطاح أرض دون الحزن، وهي ذات مراتع خصبة وفيها مياه كثيرة، فالقصيبة والبريدة من مواقعها. وندم الأنصار على تخلفهم لأنهم خشوا أن تصيب المسلمين مصيبة فيلاموا عليها، فأوفدوا رسولاً إلى خالد يطلبون منه الإقامة إلى أن يلحقوا به، فأقام خالد حتى لحقوا به فسار إلى البطاح. والروايات غير متفقة في أمر مالك بن نويرة. ومن الروايات ما تزعم أن مالكاً قاتل المسلمين برجاله من بني يربوع فقتل في القتال. ومنها ما يزعم أنه لما تأكد من الخيبة فرق رجاله وأمرهم بألا يقاتلوا المسلمين ورجع إلى منزله، ولما قدم خالد البطاح بث أربع سرايا إلى جهات مختلفة، فرجعت السرية التي كان يقودها أبو قتادة الأنصاري بمالك والبعض من رجاله.

стр. 6024

ومن الروايات ما تزعم أن مالكاً حارب السرايا التي أوفدها خالد فقتل، ومنها ما تزعم أنه وقع أسيراً في القتال فأمر خالد بضرب رقبته مع الأسرى الآخرين، والبعض الآخر من الروايات تذكر أن خالداً أراد قتل الأسرى بما فيهم مالك، إلا أن أبا قتادة شهد أنهم أذنوا وقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر خالد أن يحبسوا، وكانت الليلة شديدة البرد، فأمر خالد منادياً فنادى أن أدفئوا أسراكم، وكانت كلمة الدفء في لغة كنانة تعني القتل، فقتلهم الخفراء وقتل ضرار بن الأزور مالكاً. وكان قتل مالك على هذه الصورة، وتزوج خالد بامرأته ليلى بعد قتله بمدة قصيرة. وهذا مما جعل عمر ينقم على خالد فطلب من أبي بكر أن يعاقبه على فعلته هذه، فاضطر الخليفة إلى استقدام خالد إلى المدينة وطلب الإيضاحات منه، فلما اقتنع أن خالداً لم يقصد قتل مالك أعاده إلى جيش المسلمين وكلفه بالمسير إلى اليمامة ليقاتل مسيلمة الكذاب. الحركات في اليمامة من الصعب التثبت من المدة التي قضاها خالد بن الوليد في البطاح حتى نعلم الوقت الذي تقدم بجيشه نحو اليمامة لمقاتلة بني حنيفة. فيكاد أكثر المؤرخين من العرب يتفق على أن القتال في اليمامة وقع في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية. أما أبو بشر الدولابي واليعقوبي فيزعمان أن القتال وقع في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. فمبدأ السنة الثانية عشرة الهجرية يوافق شهر آذار (أبريل) سنة ٦٣٣ ميلادية. والذي نعلمه إن خالداً توجهه من ذي القصة نحو بزاخة في منتصف شهر أيلوم (سبتمبر) أو شهر تشرين الأول (أكتوبر) وقضى خالد في حركته نحو بزاخة أكثر من عشرين يوماً يترقب أخبار طيء. وبعد انتصاره على جيش طليحة بن خويلد مكث في بني أسد مدة غير قصيرة ليقبل إسلام المرتدين ويجمع منهم السلاح. أضف إلى ذلك قتاله في ظفر، وانتظاره مجيء رؤساء بني عامر. ويدعي مؤرخون أن مالكاً بن نويرة قتل خطأ في ليلة شديدة البرودة. وعلى ما في كتاب الطبري رواية عن سيف ابن عمر أن الأسرى من بني يربوع حبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء. والليالي الشديدة البرد في البادية تقع في أشد شهري الشتاء برداً وهما كانون

стр. 6025

الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير). إذن وقع القتل بين أواخر كانون الأول وأوائل كانون الثاني فتكون حادثة البعوضة وقعت بين شهري شوال وذي القعدة في السنة الحادية عشرة الهجرية. يقيناً أن خالداً قضى مدة غير قصيرة في البطاح، وقضى وقتاً في ذهابه إلى المدينة ملبياً دعوة الخليفة. ولما عاد منها لم يحرك جيشه نحو اليمامة بمجرد وصوله إلى المعسكر، بل أنتظر مدة لورود النجدة التي أمد بها الخليفة جيش المسلمين. فيظهر من كل ذلك أن الحركة من البطاح نحو اليمامة وقعت في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية - أي في ربيع سنة ٦٣٣ ميلادية، في شهر آذار أو شهر نيسان (مايو). ومن رواية رواها أبو هريرة نستدل على أن سلمة بنت عمير الحنفي كان يشجع بني حنيفة على المقاومة بعد معركة عقرباء فينادي قائلاً: (يا بني حنيفة قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء، فأن الحصن حصين وقد حضر الشتاء). ومعنى ذلك أن الحركات في اليمامة جرت في صيف الثالثة عشرة الهجرية - أي بدأت حوالي شهر مايو لسنة ٦٣٣ميلادية. منطقة الحركات اليمامة مؤلفة من مقاطعتي العارض والخرج الحاليتين، ومقاطعة الخرج من أخصب مقاطعات نجد، فالماء مبذول فيها وهو على عمق بضعة مترات تحت الأرض. ولما كانت أرضاً منخفضة تنصرف إليها مياه الأمطار من الجبال والهضاب التي تحيط بها، ومدينة اليمامة - العاصمة القديمة - واقعة فيها. ويدعي كثير من الجغرافيين بأن أرض اليمامة القديمة هي مقاطعة الخرج الحالية. وهذه المقاطعة واقعة في جنوب شرقي العارض، ويحدها من الشرق وادي حنيفة، وعلى أحدها شعبه اليمنى بنيت مدينة اليمامة. ولا تزال مقاطعة الخرج من أكثر المقاطعات النجدية نفوساً وفيها مراعي خصبة وبساتين نخل كثيرة، ويحد المنطقة التي جرت فيها الحركات من الشرق هضبة العرمة، وهي الهضبة المرتفعة المشرفة على الدهناء، ومن الغرب الأنفدة الموازية لسلسلة طويق، ومن الشمال مقاطعة القصين. والمنطقة جبلية تعد من أوعر مناطق نجد من حيث الوديان والمضايق والروابى
следующие страницы →