← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

أستعين. تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه). دمشق علي الطنطاوي

стр. 6022

بين فن التاريخ وفن الحرب ٨ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي (رئيس أركان الجيش العراقي) (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد والغريب في ذلك أن الفرق كانت تعيش مستقلاً بعضها عن بعض، وكانت تتقاتل بخلاف فرق القبائل الأخرى. ولعل الداعي إلى ذلك أنها كانت حسيمة لا يمكن لرئيس واحد السيطرة عليها، وأنها في بلاد جعلتها بمأمن من غزوات القبائل الأخرى فلم تر الفرق والبطون حاجة إلى الوحدة. ويظهر أن مالك بن نويرة استطاع أن يستميل سجاحاً إلى جابنه لقرابته منه، وأراد أن يستغلها لمصلحته فيضرب بها الفرق المخالفة له ويرأس بني تميم بالقوة، أما هي فكانت تريد أن تستفيد منه للهجوم على المدينة. ومال وكيع بن مالك رئيس بني حنظلة إلى جانبه. وهكذا مالت شعب بني مالك إلى جانب سجاح. وكانت الشحناء قبل ذلك شديدة بين رؤساء بني تميم كما نعلم. ولما ورد خبر وفاة الرسول عليهم أرسل بعضهم الصدقات إلى المدينة، وانتظر بعضهم ما يصنع البعض الآخر. ويروى أن قيس بن عاصم رئيس مقاعس والبطون قال (وا ويلنا من ابن العكللية - يريد به الزبرقان - والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع، لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فيسودني فيهم، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتين بها أبا بكر فيسودني عنده) فعزم قيس على توزيع الصدقات على مقاعس والبطون ففعل، وعزم الزبرقان على الوفاء بإرسال الصدقات إلى المدينة. وكانت النتيجة أن نشب القتال بين عوف والأبناء من جهة والبطون من جهة أخرى، وبين الرباب من جهةً ومقاعس من جهة أخرى. وبين

стр. 6023

خضم وحنظلة وبين بهدي ويربوع. ولما وصلت سجاح إلى الحزن أرض بني يربوع واتفقت مع مالك بن نويرة والتحق بها وكيع بن مالك شرع مالك ينفذ خطته ليرأس بني تميم، فبدأ بقتال الرباب وعوف والأبناء، فلم يظفر بهم بل دارت الدائرة عليه وعلى سجاح، فوقع وكيع أسيراً بيد الرباب. وأرادت سجاح أن تجرب حظها مع بهدي وخضم من شعب بني عمر فكان نصيبها الخيبة أيضاً. فلما لم تظفر بطائل تركت مالكاً وانسحبت برجالها من بلاد بني تميم وسارت إلى اليمامة. هذا هو الموقف حين كان خالد يجول ويصول في بلاد بني أسد ولم يكن يجهله، لذلك لم يكد ينتهي من أمر بني أسد حتى تراه قد انتهز الفرصة وأمر جيشه بالمسير إلى أرض بني تميم دون أن ينتظر أمراً من الخليفة، وهكذا نراه يستعمل إبداعه ويسير جيشه نحو البطاح برغم مخالفة الأنصار له مدعين أن عهد الخليفة إليهم أن يقيموا بعد فراعهم من بزاخة إلى أن يكتب إليهم. إلا إن خالداً تقدم نحو البطاح قائلاً لهم إنه هو الأمير وإليه تنتهي الأخبار وإن لم يأته أمر الخليفة، فانه لا يريد أن يضيع الفرصة ما دام مالك بن نويرة بحياله. وشعب بني تميم نافرة منه. لذلك لم يتردد خالد في الذهاب إليه من دون الأنصار. والواقع أن مالك بن نويرة بقى وحيداً بين بني تميم، لأن صفوان بن صفوان كان قد أرسل الصدقات إلى المدينة وكذلك الزبرقان، أما قيس بن عاصم فكان عليه، وكذلك وكيع بن مالك لما سمع بانتصارات خالد أرسل صدقات بني حنظلة إليه. فبقى مالك حائراً ماذا يعمل، وكان بالبطاح مع رجاله من بني يربوع، والبطاح أرض دون الحزن، وهي ذات مراتع خصبة وفيها مياه كثيرة، فالقصيبة والبريدة من مواقعها. وندم الأنصار على تخلفهم لأنهم خشوا أن تصيب المسلمين مصيبة فيلاموا عليها، فأوفدوا رسولاً إلى خالد يطلبون منه الإقامة إلى أن يلحقوا به، فأقام خالد حتى لحقوا به فسار إلى البطاح. والروايات غير متفقة في أمر مالك بن نويرة. ومن الروايات ما تزعم أن مالكاً قاتل المسلمين برجاله من بني يربوع فقتل في القتال. ومنها ما يزعم أنه لما تأكد من الخيبة فرق رجاله وأمرهم بألا يقاتلوا المسلمين ورجع إلى منزله، ولما قدم خالد البطاح بث أربع سرايا إلى جهات مختلفة، فرجعت السرية التي كان يقودها أبو قتادة الأنصاري بمالك والبعض من رجاله.

стр. 6024

ومن الروايات ما تزعم أن مالكاً حارب السرايا التي أوفدها خالد فقتل، ومنها ما تزعم أنه وقع أسيراً في القتال فأمر خالد بضرب رقبته مع الأسرى الآخرين، والبعض الآخر من الروايات تذكر أن خالداً أراد قتل الأسرى بما فيهم مالك، إلا أن أبا قتادة شهد أنهم أذنوا وقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر خالد أن يحبسوا، وكانت الليلة شديدة البرد، فأمر خالد منادياً فنادى أن أدفئوا أسراكم، وكانت كلمة الدفء في لغة كنانة تعني القتل، فقتلهم الخفراء وقتل ضرار بن الأزور مالكاً. وكان قتل مالك على هذه الصورة، وتزوج خالد بامرأته ليلى بعد قتله بمدة قصيرة. وهذا مما جعل عمر ينقم على خالد فطلب من أبي بكر أن يعاقبه على فعلته هذه، فاضطر الخليفة إلى استقدام خالد إلى المدينة وطلب الإيضاحات منه، فلما اقتنع أن خالداً لم يقصد قتل مالك أعاده إلى جيش المسلمين وكلفه بالمسير إلى اليمامة ليقاتل مسيلمة الكذاب. الحركات في اليمامة من الصعب التثبت من المدة التي قضاها خالد بن الوليد في البطاح حتى نعلم الوقت الذي تقدم بجيشه نحو اليمامة لمقاتلة بني حنيفة. فيكاد أكثر المؤرخين من العرب يتفق على أن القتال في اليمامة وقع في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية. أما أبو بشر الدولابي واليعقوبي فيزعمان أن القتال وقع في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. فمبدأ السنة الثانية عشرة الهجرية يوافق شهر آذار (أبريل) سنة ٦٣٣ ميلادية. والذي نعلمه إن خالداً توجهه من ذي القصة نحو بزاخة في منتصف شهر أيلوم (سبتمبر) أو شهر تشرين الأول (أكتوبر) وقضى خالد في حركته نحو بزاخة أكثر من عشرين يوماً يترقب أخبار طيء. وبعد انتصاره على جيش طليحة بن خويلد مكث في بني أسد مدة غير قصيرة ليقبل إسلام المرتدين ويجمع منهم السلاح. أضف إلى ذلك قتاله في ظفر، وانتظاره مجيء رؤساء بني عامر. ويدعي مؤرخون أن مالكاً بن نويرة قتل خطأ في ليلة شديدة البرودة. وعلى ما في كتاب الطبري رواية عن سيف ابن عمر أن الأسرى من بني يربوع حبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء. والليالي الشديدة البرد في البادية تقع في أشد شهري الشتاء برداً وهما كانون

стр. 6025

الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير). إذن وقع القتل بين أواخر كانون الأول وأوائل كانون الثاني فتكون حادثة البعوضة وقعت بين شهري شوال وذي القعدة في السنة الحادية عشرة الهجرية. يقيناً أن خالداً قضى مدة غير قصيرة في البطاح، وقضى وقتاً في ذهابه إلى المدينة ملبياً دعوة الخليفة. ولما عاد منها لم يحرك جيشه نحو اليمامة بمجرد وصوله إلى المعسكر، بل أنتظر مدة لورود النجدة التي أمد بها الخليفة جيش المسلمين. فيظهر من كل ذلك أن الحركة من البطاح نحو اليمامة وقعت في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية - أي في ربيع سنة ٦٣٣ ميلادية، في شهر آذار أو شهر نيسان (مايو). ومن رواية رواها أبو هريرة نستدل على أن سلمة بنت عمير الحنفي كان يشجع بني حنيفة على المقاومة بعد معركة عقرباء فينادي قائلاً: (يا بني حنيفة قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء، فأن الحصن حصين وقد حضر الشتاء). ومعنى ذلك أن الحركات في اليمامة جرت في صيف الثالثة عشرة الهجرية - أي بدأت حوالي شهر مايو لسنة ٦٣٣ميلادية. منطقة الحركات اليمامة مؤلفة من مقاطعتي العارض والخرج الحاليتين، ومقاطعة الخرج من أخصب مقاطعات نجد، فالماء مبذول فيها وهو على عمق بضعة مترات تحت الأرض. ولما كانت أرضاً منخفضة تنصرف إليها مياه الأمطار من الجبال والهضاب التي تحيط بها، ومدينة اليمامة - العاصمة القديمة - واقعة فيها. ويدعي كثير من الجغرافيين بأن أرض اليمامة القديمة هي مقاطعة الخرج الحالية. وهذه المقاطعة واقعة في جنوب شرقي العارض، ويحدها من الشرق وادي حنيفة، وعلى أحدها شعبه اليمنى بنيت مدينة اليمامة. ولا تزال مقاطعة الخرج من أكثر المقاطعات النجدية نفوساً وفيها مراعي خصبة وبساتين نخل كثيرة، ويحد المنطقة التي جرت فيها الحركات من الشرق هضبة العرمة، وهي الهضبة المرتفعة المشرفة على الدهناء، ومن الغرب الأنفدة الموازية لسلسلة طويق، ومن الشمال مقاطعة القصين. والمنطقة جبلية تعد من أوعر مناطق نجد من حيث الوديان والمضايق والروابى

стр. 6026

والآكام. وتمدد جبال طويق في وسط المنطقة من الشمال إلى الجنوب وهي حجرية كلسية جرداء متموجة، تتألف من سلسلتين متوازيتين، وسفوحها الغربية منحدرة، أما سفوحها الشرقية فقليلة الانحدار. ويبلغ ارتفاعها زهاء ستمائة قدم على الهضبة الغربية. وتمتد الجبال من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وتنكسر في الوسط وتغير اتجاهها إلى الجنوب فالجنوب الغربي فتنتهي إلى وادي الدواسر. وفي المحل الذي تنكسر فيه تجري الوديان من الشرق إلى الغرب وتصب في وادي حنيفة. وهذه الوديان ضيقة وعرة في محل الانكسار حيث ترتفع سفوحها الشمالية والجنوبية بانحدار شديد. وتنصرف مياه الأمطار التي تهطل على الجبال إلى الشرق والغرب في الوديان والشعب؛ فمنها ما يصب في وادي حنيفة، ومنها ما يكون وادي الخفس وشعيب العتشى حيث تنصرف مياهها إلى الدهناء. ومنها ما يصب في مقاطعة الوشم ويسقي منخفضاتها ويكون واحتها الخصبة. والشعيب الذي يكون وادي الخفس ينبع من جنوب ثادق ويجري نحو الجنوب إلى الحريملة ومنها يتوجه شرقاً. وهذا الشعيب ووادي حنيفة يقسمان الجبال إلى سلسلتين: الغربية منهما مرتفعة ووعرة وهي طويق، أما الشرقية فمنخفضة ولطيفة الانحدار وهي روابي العارض في الشمال وجبل صلبوخ في الوسط والجبيل في الجنوب. وأما وادي حنيفة (وهو أعظم وادي في هذه المنطقة) فقد سميت القبائل الساكنة على جانبيه باسمه. وصدره في الأرض الفاصلة بين العارض من جهة، والمحمل السدير من جهة أخرى ويبدأ الوادي في ثنية اليمامة في شرقي خشم الحيسية، ويتكون من عدة شعب تجري من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال. فيستمد الوادي ماءه منها فيجري من الغرب إلى الشرق. وفي جوار عقرباء، حيث نشبت المعركة الفاصلة بين جيش خالد وبين جيش مسيلمة، يغير الوادي اتجاهه فيجري من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي في وادٍ يضيق في بعض المحلات ويعرض في البعض الأخر، وهو شديد الوعورة في الشمال وسهل المجرى في الجنوب. وعلى حافتي الوادي شيدت القرى والمدائن، حيث استقيت المياه المنصرفة إليه، وزرعت البساتين حولها. والوادي في هذا القسم يتغذى بعدة شعاب ينصب أكثرها فيه من السفوح الغربية.

стр. 6027

وفي محل انكسار سلسلة طويق تصب فيه عدة وديان بحيث إنها تغير اتجاهه في جوار السليمية واليمامة فيتوجه نحو الشرق فالجنوب الشرقي إلى أن ينتهي في رمال الربع الخالي. وكان من وصايا أبي بكر إلى خالد بن الوليد أن يأخذ الحيطة عند الهجوم على أهل اليمامة. وكان الخليفة محقاً في هذه الوصية، لأن أهل اليمامة سكان القرى المبنية في الوديان الضيقة، وعلى سفوح الجبال الوعرة، بنو دورهم بالحجارة، وسوروا قراهم بالجدران وأنشأوا الحدائق بالقرب من قراهم، وزرعوا فيها النخيل والأشجار وأحاطوها بالحجارة ليمنعوا المارة من دخولها أو ليعتصموا بها عند الحاجة. فأهل اليمامة إذن لا يشبهون أهل البادية في القتال، فهم معتصمون في جبالهم المنيعة، ومعتزون بقراهم المتينة، وحدائقهم المستحكمة ولا تزال آثار هذه القرى ظاهرة في تلك الأنحاء. وهذه القرى كثيرة ومنتشرة على طوار وادي حنيفة، وفي مقاطعة الخرج، وفي الوديان والمنخفضات والواحات. يتبع طه الهاشمي

стр. 6028

في الأدب الدرامي ١٤ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات تحليل موجز لرواية هرناني هرناني درامة شعرية في خمسة فصول نظمها هوجو سنة ١٨٣٠ ومثلت أول مرة في (الكوميدي فرنسيز) يوم ٢٥ فبراير سنة ١٨٣٠ فكان تمثيلها معركة شعواء بين الاتباعيين والابتداعيين تبودلت فيها اللعنات واللكمات بين الفريقين. وكان أنصار المذهب الجديد قد وزعوا قبل يوم التمثيل (تذاكر) مجانية على طلاب المدارس وتلاميذ المصانع، فملأوا مشهد المسرح قبل بدء التمثيل بثماني ساعات. ثم أبتدأ التمثيل على المسرح، والعراك الصاخب في المشهد حتى أستدل الستار الأخير على فوز الابتداعيين وفشل الاتباعيين. أهم أشخاص هذه الرواية: هرناني، وهو نبيل إسباني أتخذ اللصوصية وقطع الطريق وسيلة لأخذ ثأر أبيه المشنوق في جريمة سياسية؛ ودون كرلوس ملك إسبانيا، وهو الذي قتل أبا هرناني؛ ودون روي جوميز دوق سلفا؛ ودونا سول بنت أخيه التي يريد أن يتزوج منها. وقد وقعت حوادثها في سرقوسة، ثم في قصر سلفا ثم في أكس لاشابل، ثم في سراقوسة ثانية. ففي الفصل الأول: يعيش هرناني في الجبال مع ذؤبان الأنس، يقطع الطريق ويغير على البلاد؛ وهو يحب (دونا سول) وتحبه، ويغالبه على هذا الحب (دون كرلوس) ملك إسبانيا والشيخ روى جوميز عم الفتاة، ويقع هرناني في خطر داهم فينجو منه بفضل الملك. وفي الفصل الثاني: يقابل هرناني الملك في بيت دونا سول، وقد أقبل في حرسه يخطفها، فيملك حياته وموته.

стр. 6029

ولكنه يبقى عليه ويخرج، فيجد البيت محصوراً بالجند الملكي فينجو بنفسه بعد لأي. وفي الفصل الثالث: يحكم الملك بالقتل على هناني ويجعل لمن يأتي برأسه جعالة مالية، فتذعن دونا سول لأحكام القدر وتستسلم لإرادة عمها فترضها أن تتزوج منه. وفي الساعة التي يتأهبون فيها للذهاب إلى الهيكل لعقد الزواج يدخل هرناني القصر في زي حاج يطلب الحماية والجوار من ربه. فإذا ما رأى حبيبته في زينة العروس يظن إنها نكثت عهده، ونسيت وعده، فتهون عليه الحياة ويعلن عن نفسه طالباً القبض عليه. ولكن واجب الضيافة لصاحب القصر يقوم دون ذلك. وليس جوميز ممن ينقض الذمام ويخيس بالذمة. على أنه يفجأ الحبيبين وهما يتساقيان الهوى ويتصارحان بالحب، فسيقتله الغضب وترعده الغيرة، ويدخل الحاجب عليه في تلك الحال ويعلن إليه قدوم الملك، فقد جاءه يطلب منه تسليم المجرم المحكوم عليه إذ علم إنه لائذ بقصره. فتتنازع الدوق عوامل الشرف والغضب والانتقام، وتتراءى له صور آبائه المعلقة على حوائط القصر تتحرك أمام عينيه تذكرة له وتبصرة، فيغلب الشرف ويخبئ هرناني في مخبأ سري أمين. ويدخل الملك فيعاتب الدوق على أن يجير عليه، ويطلب منه المجرم. فيجيبه جوميز في إباء وشمم أنه يؤثر الموت على أن يسلم جاره. فيغتصب الملك دونا سول ويخرج انتقاماً من عمها وثأراً لنفسه. ويخلو الدوق بهرناني فيرد إليه حياته وحريته بشرط أن يساعده على غسل هذه الإهانة عنه بدم الملك، فيجيبه هرناني إلى ذلك ويضع حياته في يده ضماناً بوعده، فيقسم أن يقتل نفسه متى نفخ الدوق في هذا البوق الذي يعطيه إياه. وفي الفصل الرابع: يسافر الملك في أثناء ذلك إلى أكس لاشابل يروض لنفسه الأمور ويهيئ الأسباب لفوزه في الترشيح لإمبراطورية ألمانيا، ويأتمر الدوق وهرناني بالملك، ويتوافى المؤتمرون في حندس الليل إلى إبقاء الكاتدرائية على مقربة من ضريح شارلمان. ويقف دون كرلوس على سر المؤامرة فيجيء إلى مكانها يريد أن يفجأ المجرمون وهم جلوس على الجريمة ويظل مختبئاً ينظر وتهب عليه في تلك الساعة نفحة من قبر شارلمان وهو الذي يريد أن

стр. 6030

يخلفه على مجده وسلطانه، فتوحي إليه بتلك النجوى المشهورة التي تبلغ ستين ومائة بيت من عيون الشعر وغرره، ويدخل الملك ضريح العاهل فيتسنى له أن يسمع ما يقرره المؤتمرون فيعرف أن هرناني قد أنتخب بالقرعة ليقتله. ويدوي في تلك اللحظة صوت المدفع فجأةً فيعلن انتخاب دون كرلوس عاهلاً لألمانيا، فيخرج حين إذن من مكمنه ويدهم المتآمرين فيملأ قلوبهم رعباً ودهشة، ويريدون الفرار فيجدون المكان محصوراً بالجند، ويتقدم هرناني فيكشف للملك عن نفسه ويذكره بجنايته على أبيه. ويكون لهرناني ودونا سول والملك موقفاً رائع تتجلى فيه عواطف الحب والتضحية والشهامة، وينتهي بأن يعفو الملك عن جميع المتآمرين ويتخلى عن دونا سول لهرناني فيستعبد قلبه بهذه الأريحية. ويصبح اللص الشريف صادق الولاء مخلص القلب لشرلكان وهو الاسم الجديد للعاهل الجديد. وفي الفصل الخامس: لم تحل هذه النهاية في صدر الدوق جوميز. فلا هو رحض أهانته ولا هو نال حبيبته، فيأبى عليه طبعه أن يسعد غيره بشقوته، فيدع الزواج يتم والعرس يقام والعاشقين ينعمان معاً بنعمة الحب ولذة القرب، ولكنهما يسمعان نفخة بوق على بعد! ثم يدنو الصوت فإذا هو الشيخ جوميز يستنجز هرناني وعده بأن يقتل نفسه عند نفخة البوق، فيتوسل العروسان إليه بالرجاء والدعاء والدموع فلا يزداد إلا إصراراً وعناداً. ويظلم اليأس في عيني الزوجين البائسين فيخرج هرناني من منطقته قارورة من السم، فتأخذها منه دونا سول وتجرع نصفها وتقدم إلى زوجها الباقي فيشربه، فيخر الحبيبان صريعين تحت قدمي الدوق، ويهجم عليه هو أيضاً الندم ووخز الضمير فينتحر على جثتيهما الهامدتين. ويؤخذ على هذه الدرامة أن العمل الروائي فيها خيالي محض، ينقصه الصدق والطبيعة، وأن تحليل أخلاقها سطحي غير عميق، وأن كثيراً من مواقفها غريب غير ممكن. وتجد هذا العيب أوضح ما يكون في الحل، فإن الدوق جوميز الذي ظل طوال الرواية شهماً كريماً لا يسوغ في العقل أن يكون في أخرها جامد الشعور زمن المروءة كما ظهر. تتمة

стр. 6031

في الملهاة العامية الملهاة العامية وهي ملهاة عرضها الإضحاك والإلهاء بتصوير العيوب المضحكة تصويراً يتعدى حدود الأدب والحشمة والذوق والإمكانية. فهي تقوم على الإحالة والبذاءة، كما تقوم الملهاة على السخر والأضاحيك. والرأي بين الناس مختلف في بقاء هذا النوع في أمة راقية وحكومة منظمة ومسرح مهذب. فالذين يدافعون عن الملهاة العامية يقولون أن الناس يرفهون في صدورهم بشهودها، وأن الأذواق ليست واحدة في تقدير اللهو الرفيع، وأن العكوف على الجد الخالص واللهو الجدي يتعب الذهن ويكد القريحة، وأن الجمهور يجب أن تطلق له الحرية في اختيار ما يلهيه ويسليه. ونحن لا نكر مطلقاً على الملهاة العامية أنها تلهي الجمهور وتسر الناس، بل نعترف بأن الرومان كانوا يهجرون مسرح (تيرانس) ويحتشدون عن المصارعين والمهرجين، ولا ننكر كذلك أن القليل من الناس هم الذين يدركون معنى الحق والجمال والخير، فيلذهم إدراكهم ويمتعهم فهمه، وأن دهاء الشعب وسواده لا يلهيهم إلا المحال الفاحش والبذيء المقذع، وأن من الأذهان ما يعتريه الكلال من الجد فلا يشحذ إلا بالمزاح الخالي من الذوق والفكر، ولكنك سلطان هذا النوع على الشعب هو مصدر الخطر فيه ومنشأ الضرر منه. فإن من يحبه ويميل إليه يكره غيره ويصد عنه. وانصراف الشعب عما يغذي عقله بالحكمة وذوقه بالجمال ووجدانه بالفضيلة، إلى ما يملأ عينه بالفحش وقلبه بالرجس ولسانه بالبذاء، مؤد إلى الوهن والانحلال والعدم. ذلك إلى أن اللهو الفارغ تستسهله النفس وتفضله. وإذا أسترسل المرء فيه خمدت نفسه بترك الفكر، كما يخمد جسمه بترك العمل. أما قولهم أن الملهاة العامية لا تضر ما دامت تسر، فذلك مثل قولهم: أن نوع الغذاء لا يهمك ما دام يلذك. أن هذه الملهاة خلقت لرعاع الشعب وغوغائه فلتبق لهم والتحى بينهم، بشرط أن تظل على شكلها العامي الخشن في أدب وحشمة، فتقوم في الأسواق والأعياد والموالد تحت الخيام والمضارب، حتى لا تجذب إليها إلا خشاش الناس ممن تعود أنفه النتن فلا يشمه، ومرن لسانه على الهجر فلا يهمه. أما رفعها يفحشها ورجسها إلى المسارح الراقية وتمويهها

стр. 6032

بالرقص والموسيقى، وتزيينها بالزخرف المناظر والأزياء، فذلك تذهيب لحافة الكأس المسمومة يشربها الشعب فتقتل فيه عناصر الخير وعواطف الفضيلة! المأساة العامية المأساة العامية درامة تتألف من الحوادث الفاجعة، والمواقف المروعة، والهزل الجريء، وتستعين بالرقص والموسيقى. وقد علق بها اسم (الميلودرام) في منصف القرن الثامن عشر، وأشتهر بتأليفها من الكتاب الفرنسيين (جيلبير دبكسير يكور) و (دوكانج) و (دينيري). ولكن ما كتبوه عافه النقد لتبذله وتسفله. يمتاز هذا النوع بأثره القوي وعمله العنيف. فموضوعه إما أن يكون طاغية غشوماً يرتطم في مراغة العيب والفحش، أو رئيس طغمة من قطاع الطرق يطارد فتاة طاهرة عفيفة فاضلة، أو خائناً يخب في ظلال ويوضع في الغي، أو حبيباً باسلاً يقع حبيبه في قفص الأشرار فيغالب الأخطار ويصارع الفجار حتى يرد مكرهم ويدفع شرهم، أو غبياً يعقد العمل بغباوته ويحرج الموقف بساخفته. ثم تتدخل العناية الإلهية بعد هذه التقلبات الشديدة، والمشاكل العديدة، فتأخذ للبريء من المجرم وتقتص للفضيلة من الرذيلة. وعملها شديد العنف قوي الأثر، يضحي بالإمكانية في سبيل الضربات المسرحية والمفاجآت القوية، وتعتمد على الخناجر والسموم والحرائق في الأخذ بكظم النفوس وإثارة الرعب في القلوب. أما موسيقاها فتعبير عن المواقف والعواطف، وتتقدم دخول الأشخاص، ورقصها قد يكون تعبيراً عن معنى وتمثيلاً لفكرة وقد يكون إمتاعاً وتسلية يتخلل حوادث الرواية. وأما أسلوبها فمزيج من البهرج الخالد والعامية المبتذلة، مما يلائم هذه الأفكار التي تشرحها، والعواطف التي تصفها. وماذا تجدي الأساليب الفخمة، والتراكيب المونقة، في جمهور لا يريد أن يتأثر إلا بالزياط والعياط، ولا يتسلى إلا بالصراع والقراع، ولا يعرف إلا أن يقول في نهاية الفصل الخامس وهو مجذوب بالحادث مكروب للبطل: آه! رباه لقد نجا!! على أن مال هذا النوع إلى الفناء، فأن الشعب كلما رقت عواطفه وتهذب حسه، ودق شعوره، آثر الصدق والإمكان، وقدر الفن والبيان، وعاف الصخب والهذر والعنف، ولذلك تجد الدرامة تحتل في كل مكان محل الميلودرام. (يتبع)

стр. 6033

الزيات

стр. 6034

الممهدون للاكتشاف والاختراع بقلم الأستاذ قدوري حافظ طوقان نشوء العلم وارتقاؤه يأخذ الإنسان ما عمله غيره وسلفه ويزيد عليه، يبدأ من حيث انتهى سلفه ويدخل تحسيناً عليه، ثم يسعى للزيادة على ذلك. بينما يأخذ الحيوان ما عمله سلفه ويبدأ حيث أبتدأ (سلفه) وينتهي به دون زيادة. هذا فرق مهم بين الإنسان والحيوان، وهذه ميزة اختصه الله بها، ولولاها لما كان هناك تقدم أو حضارة. وعلى هذا ليست المدنية وما نراه من مظاهر العمران إلا مجموع مجهودات قام بها الأفراد في سبيل ترقية المجتمع من نواحيه المتعددة. وإذا قيل أن جاوس، وفير، اخترعا التليفون، فليس معنى ذلك أن لهما كل الفضل في إيجاده، وأنهما توصلا إليه بدون الاستعانة بما عمله غيرهما، بل إن لبحوث الذين سبقوهما فضلاً كبيراً عليهما، فلولا ليساج العالم السويسري الذي ظهر في القرن الثامن عشر للميلاد، ولولا سومرنج الألماني الذي قام بعمل التلغراف بواسطة التيارات الكهربائية من بطارية وبواسطة الماء لإعطاء الإشرات، ولولا أمبير الذي نقل في سنة ١٨٢٠ الأشرات بواسطة التيارات الكهربائية في عدة إبر مغناطيسية، أقول لولا كل هؤلاء وغيرهم لما استطاع جاوس وفير أن يفكرا في التلفون وأن يتوصلا إلى استعمال المغناطيس الكهربائي، حتى أصبح للتلغراف قيمة عملية يمكن الاستفادة منها. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أن للتحسينات الجمة التي أدخلها العلماء ستهيل وكوك ومورس وستون، الفضل الأكبر في تعميم استعماله وجعله سهل التناول، وها نحن أولاً نرى العلماء يدخلون عليه تحسينات أخرى ويتفننون في صنعه. وليست نظرية النسبية بأكملها من نتاج طريحة العالم الشهير البرت انشتين، وقليلون جداً الذين يعرفون أن لمجهودات وبحوث لورانتز العالم الهولاندي وغيره من علماء الرياضة والطبيعة فضلاً عليها، فلولاهم ولولا كتاباتهم وبحوثهم وتمهيداتهم لما استطاع انشتين أن يخرج النسبية بشكلها الذي نعرفه الآن. فليست الاختراعات والاكتشافات إذن إلا نتيجة مجهودات جبارة قام بها أفراد مختلفون اشتغلوا في ميادين العلوم والفنون، وهي لم تظهر بشكلها العملي المفيد إلا بعد تمهيدات

стр. 6035

عديدة وإدخال تحسينات جمة قام بها العلماء في عصور مختلفة، ولا يزال القراء يذكرون المقال الشيق الذي نشر في العدد ٦٢ من مجلة الرسالة بقلم الأستاذ محمود مختار في موضوع (التلفزة في عهدها الأول) وقد جاء فيه أن العالم الإنكليزي (جون بيرد) طلع في سنة ١٩٢٦ بجهازه الأول في عالم التلفزة وقد عرضه على المجمع الملكي في لندن ونقل صوراً بأجسام بسيطة موضوعة في غرفة مجاورة، وكانت الصور كثيرة الاهتزاز عديمة الوضوح. وقد شغل هذا الجهاز الأدمغة الكبيرة، فقام غير واحد وأخذ فكرة العالم المذكور وعمل على تحسينها وإنماءها حتى وصل الاختراع إلى ما وصل إليه من الإتقان. ولا يزال العلماء يدخلون عليه في كل يوم تحسيناً، ولا يزالون يفكرون في الوسائل التي تجعله سهل التناول في استطاعة الكثيرين اقتناءه والاستفادة منه. قد يظن القارئ أن ميزة الأخذ عن الغير والزيادة عليه تتجلى في الفرد دون الأمم. هذا الظن في غير محله، إذ ظهر وثبت أن الحضارات المختلفة تجري أيضاً على هذه النظرية: نظرية الأخذ عن السلف والغير والزيادة على ذلك. فالحضارة الرومانية استعانت بحضارات الأمم التي سبقتها واستفادت منها فوائد عديدة عادت على الرومان بالتقدم، كذلك استعان العرب والمسلمون بغيرهم من الأمم فأخذوا عن اليونان والرومان والهنود والفرس، وبعد أن ادخلوا على ما أخذوه الإصلاح والتغير، زادوا عليه زيادات جعلت الكثيرين من منصفي الغرب يعترفون بعبقرية العقل العربي وبقوته على الإنتاج، وبخدماته الجليّفي رفع مستوى المدنية والإنسانية. وحينما انتبهت أوربا من غفلتها وبدأ فيها عصر النهضة العلمية استعانت بنتاج العقل العربي وإسلامي في ميادين العلوم المختلفة والفنون المتنوعة. فالحضارة الأوربية في صميمها ترتكز على الحضارة العربية والإسلامية وهي لم تستطع أن تتقدم تقدمها العجيب إلا بفضل العرب. قال سارطون أن العرب كانوا أعظم معلمين في العالم في القرون الوسطى. واعترف غير واحد بأن العرب قدموا خدمات جليلة في كثير من فروع المعرفة. وقال ويدمان: إن علماء العرب أخذوا بعض النظريات عن اليونان وطبقوها، وقد بذلوا الجهد في تحسينها وإنمائها حتى سلموها للعصور الحديثة واعترف سيديو بأن العرب أساتذة أوربا في جميع الأشياء. . . ولنرجع الآن إلى مقالنا فنقول: لقد ظهر في العرب علماء عديدون ابتكروا واكتشفوا

стр. 6036

واخترعوا في ميادين العلوم والفنون. وقد وجد فيهم من استطاع أن يمهد ببحوثه وتجاربه لبعض اكتشافات واختراعات هي من خطورة الشأن على جانب عظيم، ولولاها لم استطاع علماء الفرنجة أن يقطعوا شوطاً بعيداً في التقدم والرقي. التكامل والتفاضل: علم التكامل والتفاضل من العلوم الرياضية العالية التي لها اتصال وثيق في الاختراع والاكتشاف، والتي سهلت كثيراً من المسائل العويصة. هذا الفرع من الرياضيات حديث الوجود فقد اكتشفه واكتشف قوانينه الأولية نيوتن وليبنتز في أواخر القرن السابع عشر للميلاد، وهو لم يزدهر ازدهاره الحالي إلا بعد زيادات هامة قام بها العلماء فيما بعد. ويظن كثيرون، بل يعتقد بعض الرياضيين، أن العلماء الذين سبقوا نيوتن لم يمهدوا له ولم يضعوا فيه شيئاً جديراً بالاعتبار هذا خطأ إذ ثبت لدى البحث والتنقيب أن ثابت بن قرة من الذين مهدوا لهذا العلم، ومن الذين حلوا مسائل في إيجاد المساحات والحجوم بطرق تنم نوعاً ما على طريقة التكامل المتبعة الآن. ويعترف سمث بذلك وبأن ثابت بن قرة هو الذي أوجد حجم الجسم المتولد من دوران القطع المكافئ حول محوره، وأن العلماء الذين أتوا بعده اهتدوا بنور طرقه في إيجاد المساحات والحجوم. دوران الأرض: مما لا ريب فيه أن كوبرنيكس وغاليلو بلغا شأواً بعيداً في العلم وفتحا فيه أبواباً كانت مغلقة، وأماطا اللثام عن حقائق كانت غامضة، ودقائق كانت غير معروفة، ولهما الفضل الأكبر في تثبيت فكرة دوران الأرض، ولكن كل هذا لا يمنعنا من القول بأنهما سبقا إلى فكرة دوران الأرض، وأن السافلين لذلك بعض من علماء اليونان والعرب؛ فقد كان فيثاغورس يعلم تلاميذه على طريقة حركة الأرض، وكان هذا قبل المسيح بخمسمائة سنة، ثم أتى بعده بطليموس ورمى بهذه الفكرة عرض الحائط وقال بسكون الأرض ودوران الشمس حولها؛ واشتهرت هذه النظرية كثيراً وأخذها الكثيرون من علماء اليونان والعرب، وعجب بعض العلماء الفرنجة من قبول البيروني لهذه النظرية ومن أخذ الفارابي وابن سينا بها. ولقد وجد في العرب من لم يأخذ برأي بطليموس ومن قال بدوران الأرض حول

стр. 6037

الشمس. جاء في (المواقف) للعلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الذي ظهر في القرن الثامن للهجرة ما يلي (. . . الحركة اليومية (ويعني حركة الشمس) لا توجد، إنما تتخيل بسبب حركة الأرض، إذ يتبدل الوضع من الفلك دون أجزاء الأرض، فيظن أن الأرض ساكنة والمتحرك هو الفلك، بل ليس ثمة فلك أطلس، وذلك كراكب السفينة فانه يرى السفينة ساكنة مع حركتها حيث لا يتبدل وضع أجزائها منه، وكذلك يرى القمر سائراً إلى الغيم حيث يسير الغيم إليه. وهذا كله من غلط الحس. .) من هنا يتبين أن عضد الدين سبق كوبرنيكس في القول بفكرة دوران الأرض ومهد السبل لكوبرنيكس وغاليلو للتوسع في هذه الفكرة ولاستعمال المعادلات والأرقام في ذلك. الرقاص: لقد ثبت لدى بعض علماء الفرنجة أن العرب سبقوا غاليلو في اختراع الرقاص وفي استعماله في الساعات الدقاقة. جاء في تاريخ العرب لسيديو ما يلي (وكذا ابن يونس المقتفي في سيره أبا الوفاء البوزجاني ألف في رصد خانته بجبل المقطم الزيج الحاكمي واختراع الربع ذا الثقب وبندول الساعة الدقاقة. . .) واعترف سارطون وسدويك بأن العرب استعملوا الرقاص لقياس الزمن، وفوق ذلك عرف العرب شيئاً عن القوانين التي تسيطر عليه. قال سمث العالم الأمريكي الشهير (ومع أن قانون الرقاص هو من وضع غاليلو إلا أن كمال الدين بن يونس لاحظه وسبقه في معرفة شيء عنه. وكان الفلكيون يستعملون البندول لحساب الفترات الزمنية أثناء الرصد. .) فهم بذلك مهدوا السبيل لغاليلو لاستنباط كل القوانين التي تسود الرقاص، إذ استطاع أن يجد أن مدة الذبذبة تتوقف على طول البندول وقيمة عجلة التثاقل وأن يضع في ذلك في قالب رياضي بديع، ومن هذا الوضع توسعت دائرة استعماله وجنى الفوائد الجليلة منه. اللوغارتمات: ثابت لدينا أن نابيير هو الذي أخترع أساس اللوغارتمات وأنه أول من عمل الجداول لذلك، ولا يمكن أن تجد اثنين يختلفان فيه. وقد كنت اعتقد أن هذا البحث من الرياضيات لم يمهد له أحد، وأن الرياضيين الذين سبقوا نابيير لم يصلوا في بحوثهم إلى معرفة شيء عنه،

стр. 6038

وأن هذا الفرع بقى مجهولاً إلى أن جاء نابيير وفكر في إيجاد طرق لتسهيل أعمال الضرب والقسمة فوفق إلى اختراع اللوغارتمات. هذا ما كنت أعتقده، وهذا ما لا يزال يعتقده الكثير من علماء الرياضة والتاريخ؛ ولكن لدى قراءتي لبعض الكتب القديمة التي تتعلق بالرياضيات، ولدى تصفحي لكتاب يبحث في تراجم بعض علماء الفلك والرياضيات وجدت أن ابن حمزة المغربي الذي ظهر في القرن الحادي عشر للميلاد استعمل في بعض بحوثه عن المتواليات الهندسية طرقاً تقرب من اللوغارتمات، إذ لو استعمل مع المتوالية الهندسية سلسلة عديدة تبدأ بالصفر واتخذ الحدود في هذه أساساً لنظائرها في جدول المتواليات الهندسية لكان اكتشف اللوغارتمات التي أوجدها نابيير بعده بأربع وعشرين سنة. والحقيقة التي أود الإدلاء بها أنه ما دار بخلدي أني سأقرأ بحوثاًكهذه لعالم عربي كابن حمزة تمهد السبل لاختراع اللوغارتمات وتكون الخطوة الأولى في وضع أساسه. الجاذبية: تقرن كلمة الجاذبية باسم اسحق نيوتن العالم الإنكليزي الشهير، فهو الذي وضع قوانين الحركة والجاذبية في قالب لم يسبق إليه، إذ استعمل فيها الأرقام والمعادلات. ولكن هذا لا يعني أن نيوتن لم يسبق إلى فكرة الجذب والجاذبية فقد قال في ذلك بعض علماء اليونان والعرب، فاعترف سارطون بأن للعرب بحوثاً في الجاذبية وأن الخازن وثابت بن قرة وموسى بن شاكر وغيرهم قالوا بالجاذبية ووضعوا بعض قوانينها. قال ثابت بن قرة (إن المدرة تعود إلى السفل لأن بينها وبين كلية الأرض مشابهة في كل الأعراض، أعني البرودة والكثافة، والشيء ينجذب إلى أعظم منه) وقد شرح محمد بن عمر الرازي هذه العبارة في أواخر القرن السادس للهجرة، فقال (إنا إذا رمينا المدرة إلى فوق فإنها ترجع إلى أسفل، فعلمنا أن فيها قوة تقتضي الحصول في السفل، حتى إنا لما رميناها إلى فوق أعادتها تلك القوة إلى أسفل. .) أليس في هذا تمهيد لفكرة الجاذبية؟ أليست مباحث محمد بن موسى في حركة الأجرام السماوية وخواص الجذب سابقة لبحوث نيوتن، وهي الخطى الممهدة للتوسع في قانون الجاذبية؟ ألا ترى معي أن اكتشاف أبي الوفاء البوزجاني، الذي ظهر في القرن العاشر

стр. 6039

للميلاد، في بعض أنواع الخلل في حركة القمر دليل على أنه كان يعرف شيئاً عن الجاذبية وخواص الجذب؟ من هنا يظهر أن علماء العرب (وقد يكون من قبلهم اليونان) سبقوا نيوتن في البحث عن الجاذبية. قد يعترض على هذا القول كثير ولكن لدى إنعام النظر يتبين أن الاعتراض في غير محله فنحن لا ندعي بأن العرب أو (غيرهم) وضعوا الجاذبية وقوانينها وما إليها في الشكل الرياضي الطبيعي الذي أتى به نيوتن، إنما جل ما في الأمر أن العرب أخذوا فكرة الجذب عن اليونان وزادوا عليها ووضعوا بعض القوانين لسقوط الأجسام. ثم أتى بعد ذلك نيوتن وأخذ ما عمله غيره في هذا المضمار وزاد عليه، وبفضل ما وهبه الله من العبقرية وما اتصف به من المثابرة والثبات واستطاع أن يضع الجاذبية بالشكل الذي نعرفه مما لم يسبق إليه، ولا شك أن له في ذلك فضلاً كبيراً جداً، ولكن هذا لا يعني تجريد العرب ومن قبلهم اليونان من الفضل، فلواضع الأساس في علم من الفضل ما للمكتشف أو للمخترع فيه. مرض الانكلستوما: إذا قلنا الدكتور محمد خليل عبد الخالق ومعنى ذلك أنه من الأطباء النادرين الذين يعنون بما جاء في الكتب الطبية القديمة ومن القليلين الذين يهمهم تطور الاكتشاف في الأمراض والعوارض التي تصيب الإنسان. وزيادة على ذلك فهو من المجددين في علم الطب، ومن الذين يعرفون كيف يقومون بواجبهم الإنساني على وجه كامل، ولسنا فيما نقوله مبالغين، بل قائلين الحقيقة ومقررين الواقع. لقد علق الدكتور حرسه الله على مقال لي نشرته في مجلة الرسالة عنابن سينا بما يلي: (. . . وأود أن ألفت النظر إلى أنابن سينا أول من اكتشف الطفيلية الموجودة في الإنسان المسماة الآن بالرهقان أو مرض الانكلستوما. وقد كان هذا الاكتشاف (القانون في الطب) في الفصل الخاص بالديدان المعوية، وهذه العدوى تصيب الآن نصف سكان العالم تقريباً. وقد بلغ ما كتب عن هذا المرض من المقالات والكتب إلى سنة ١٩٢٢، (٥٠٠٠٠) مرجع عنيت بجمعها مؤسسة ركفلر بأمريكا. وقد سمىابن سينا هذه الطفيلية باسم (الدودة المستديرة) وقد كان لي الشرف في سنة ١٩٢٢ أن قمت بفحص ما جاء في كتاب القانون في الطب عن الديدان المعوية، وأمكنني أن أقوم بتشخيصها بدقة، وتبين من هذا أن الدودة

стр. 6040

المستديرة التي ذكرهاابن سينا هي ما نسميه الآن بالانكلستوما، وقد أعاد اكتشافها ذوبيني في إيطاليا سنة ١٨٣٨ أي بعد اكتشاف ابن يسنا عنها بتسع مائة سنة تقريباً. وقد أخذ جميع المؤلفين في علم الطفيليات بهذا الرأي في المؤلفات الحديثة، وكذلك مؤسسة ركفلر كما يرى من المراجع المذكورة بعد. وكذلك كتبت هذا ليطلع عليه الأدباء ويضيفون إلى اكتشافاتابن سينا العديدة هذا الاكتشاف العظيم لمرض هو من الأمراض الكثيرة الانتشار في العالم الآن). فإذا كان الدكتور محمد خليل بك كتب هذه القطعة ليطلع عليها الأدباء فقط فأنا أعيد كتابة ما كتبه ليطلع عليه العلماء والأدباء والباحثون وتلاميذ المدارس العليا وغيرهم. ومن مقال الدكتور يتبين أن العرب لم يمهدوا فقط لمرض منتشر، بل قد سبقوا غيرهم في اكتشافه وفي معرفة الشيء الكثير عنه. ولا يسعني قبل الختام إلا أن أشكر الدكتور على اهتمامه بالتراث العربي والإسلامي في كشفه ناحية كانت غامضة ومحاطة بسحب من الإبهام، وفي فتحه باباً ظل مغلقاً قروناً عديدة، جزاه الله خيراً وأبقاه ذخراً. نابلس قدوري حافظ طوقان

стр. 6041

من ذكريات الصبى أول حب للأديب حسين شوقي كان أول حب سنة ١٩١٨ أثناء المنفى في إسبانيا. . كنا نقضي صيف ذلك العام بغرناطة في الغابة الجميلة التي تحيط بقصر الحمراء الشاهق، حيث كانت ثريا حظية الملك أبن الأحمر المنعمة المد لله تمرح بين النرجس والياسنت. وكنا نقيم في فندق شيد في الغابة نفسها حيث يستطيع الزائر أن ينعم بالراحة والسكونمع بقاءه بالقرب من ذلك القصر العربي المجيد، وكانت هذه الغابة التي غرست فوق رابية، تطل على مدينة غرناطة بمنظرها الرائع وضواحيها الفاتنة. . وكنا في أوائل فصل الصيف، فلم يحضر إلا قليل من السياح، فلم يكن بالفندق غير أسرة أحد كبار الضباط الأسبان وأسرتنا؛ فما لبثت الأسرتان أن تعارفتا بعد زمن قليل. . كان أهلي يقضون أوقات طويلة مع الضابط وزوجته يتحدثون عن جمال الطبيعة في هذا المكان: سكون الغابة، صفاء المياه التي تترقرق في الجداول الآتية من جبل (الشيرا) الذي يشرف كذلك على الحمراء وقد جلل الثلج رأسه صيف شتاء. . أما أبي فقد وجد في الضابط سميراً أنيساً، لأن الرجل كان برغم تربينه الحربية واسع الاطلاع على الأدب والتاريخ. . كما كان يشارك والدي في توجعه على تلك المدينة العربية الأندلسية العظيمة التي أضاءت العالم الغربي حقبة من الزمن، حين كانيتخبط في دياجير الجهل والهمجية، ثم ما لبثت أن اختفت فجأة في فوضى الوجود. . وكان هذا الضابط أسمر البشرة إلى حد يلفت النظر، وقد قال له أبي مرة إنه لابد أن يكون من أصل عربي، فأمن الضابط على قوله ذاكراً في شيء من الزهو أنه عربي من بني أمية الأمجاد كما تثبت ذلك شجرة نسب أسرته، إذ كان من النبلاء. . أما أنا، وكان عمري إذ ذاك ثلاثة عشر عاماً، فما كنت أحفل ببني أمية ولا بغيرهم، بل كنت أقضي الوقت في الغابة أبحث عن فراشة جميلة أضمها إلى مجموعتي. كانت تعاوني في مهمتي هذه بنت الضابط الصغرى، إذ كان له بنتان: إحداهما في العاشرة وكانت مع الأسف دميمة، ومع ذلك كنت أصطحبها في جولاتي خلال الغابة لافتقاري إلى

стр. 6042

رفيق. . أما أختها الكبرى فكانت في مقتبل العمر، وهي آية في الحسن، ببضاضتها ولونها الخمري، وعينيها السوداوين الصغيرتين الحادتين، ووجهها الذي يبسم دائماً كأنه أيام الربيع. . . وكانت هذه الفتاة الرشيقة التي تسمى خوانا، وكان أهلها يدعونها خوانيتا (تصغير خوانا) - تدليلاً ومحبة - تتكرم أحياناً بمصاحبتنا في رحلاتنا. . عندئذ كنت أحس بسعادة عظيمة تغمر قلبي وجداني، لابد أني كنت أحب خوانيتا حباً جماً إذ ذاك، فقد فقدت يوماً شالها الحريري الصغير الذي كانت تلف به عنقها في إحدى هذه الرحلات، فأخذنا نبحث عنه - نحن الثلاثة - حتى عثرت عليه أنا معلقاً على جذع شجرة، ولكني بدلاً من أن أرده إليها ألفيت نفسي أقبله، ثم وضعته خلسة في جيبي لأحتفظ به. كم كان طيباً عبيق هذا الشال! وكيف لا يكون وقد أحاط بجيد محبوبتي خوانيتا، وتنسم عبيق غدائرها الساحرة؟ وكنت في الليل حينما أرجع إلى مخدعي وتتراءى لي صورة خوانيتا فتطرد عني النوم أضم إلى صدري هذا الشال فيهدئ وجوده أعصابي ويجلب لي النوم والراحة. أردت مرة أن أقدم إليها هدية مدفوعاً في ذلك بحب الصبا الجنوني، ولكن ما الذي كنت أستطيع أن أقدمه إليها ونفقة جيبي ضئيلة لا تزيد في الشهر على ثلاثين فرنكاً إسبانياً؟ عندئذ قمت بهذه التضحية: أعطيتها مجموعة الفراش التي عانيت المشاق في جمعها! أما خوانيتا فلم تكن مع الأسف تشاركني هذا الحب. . . كم كنت أحمق حين ظننت أن فتاة كخوانيتا في العشرين من عمرها تبادل صبياً في مثل سني الحب؟ على أن خوانيتا كانت تجد تسلية كبيرة في التظاهر بحبي، فتلعب معي أدواراً مؤلمة. . فمن ذلك أنها كانت تحتفظ بيدي في يدها - أثناء الرحلات - فكنت إذا ما عدت إلى الفندق لا أغسل تلك اليد طول النهار، حتى أحتفظ براحة خوانيتا فيها، كما كنت أشمها وأقبلها خلسة من وقت إلى آخر. . . وكانت خوانيتا ترسل إلي أحياناً بعض تلك النظرات التي لا يقوى على مواجهتها قديسو إسبانيا جميعاً! وصار أهلها الذين علموا هذه الخدعية منها ينظرون إليّ بعين ملؤها العطف، بل كانوا يضطرونها أحياناً إلى مرافقتي في الغابة مع أختها. . وا أسفاه! لم أعرف الكوميديا التي كانت تلعبها خوانيتا إلا قبل رحيلنا من غرناطة بأيام قليلة! أيها القدر

стр. 6043

القاسي لماذا لم تترك لصبي مثلي لذته الموهومة وسعادته المزعومة؟ لماذا لم نرحل قبل إطلاعي على هذه الحقيقة المرة؟ وإليك كيف عرفت الخدعية: كان أحد باعت الحلوى المتجولين يمر أمام الفندق من حين إلى حين. . فنزلت ذات يوم أشتري منه شيئاً من الشكولاته لخوانيتا وأختها، كما كنت أفعل مراراً، فلما عدت إلى الفندق وصعدت إلى الحجرة التي كانت تجلس فيها الشقيقتان، وجدت بابها مفتوحاً وسمعت خوانيتا تضحك مع شاب غريب (هو ابن عمها كما علمت ذلك فيما بعد) وإذا بها تخبره بقصتي بصوت جهير ولهجة ساخرة، وتذكر له كيف كانت تلعب بعواطفي. . عندئذ سقطت الشكولاته من يدي المضطربة، وأحسست نفسي تذوب كما يذوب تمثال من الثلج تحت أشعة الشمس الحادة! كرمة ابن هاني حسين شوقي

стр. 6044

من شعر الشباب عيد الجهاد للأستاذ محمود الخفيف تزيد صباحه الذكرى جلالا … وقد لبست به الدنيا جمالا ترى في أفقهشفقاً خضيباً … ترقرق في جوانبه وسالا دم الأحرار ألبسه وشاحا … يتيه به على الزمناختيالا تخذناه من الأيام عيدا … هو النيروز والأضحىمثالا عقدنا حول مفرقه صليبا … وفرق مسيل غرته هلالا صباح تسفر الآمال فيه … فتجتاح التردد والملالا يزيدالسلمُ ساحته وقارا … ويبسط في جوانبها الظلالا ترفرف فيه أرواح الضحايا … وتقرؤنا التحية والسؤالا تطل من الغمائم سابحات … خوافق تسبق الريح انتقالا تطوف بكعبة الوادي خفافا … ولا تبغي عن الركن ارتحالا تقبل حائط الحق ابتهاجا … وتملأ ساحة البيت ابتهالا وتمسح منبراً ولدت عليه … عقيدتنا وكان لها مجالا ترى نور القضية في ذراه … وتسمع صوتها سحراً حلالا وتلمح من جلال الغار ظلا … ومن طهر الحطيم له خِلالا تطالع وجه حسَّان لديه … وتسمع في مشارفه بِلالا سيطوي الدهرَ حائطه المفدى … ويُفنى رأسُه العالي الجبالا رعى الموْلى على الأجيال يوما … بدأنا فيه للحق النظالا سيوف الظافرين به نشاوى … ونار البطشتشتعل اشتعالا دعا داعي الجهاد به فسرنا … ولم نخش الأسنة والنصالا سل الحرية الحمراء عنا … ألم نوسع أعادينا قتالا؟ ألم نرخص به المهج الغوالي … ونملأ جانب الدنيا صيالا؟ ألم نبذل غداة الروع أمنا … وأبناء وأقواتاً ومالا؟

стр. 6045

ولم نرهب من المحتل بطشا … وإعداماً ونفياً واعتقالا تطوف الشائعات بنا فنمضي … إلى الميدان لا نألو نزالا يقاسي شيخنا في الأسر ظلماً … ولكن لا يحس له كلالا يريهم في صلابته مثالا … من الإيمان ظنوه محالا وقد ألفوا من الشرق انقياداً … لسيفهمو وذلا وامتثالا وكان أعز بالأعزال جندا … وأرهف من أسنتهم مقالا لقد ترك الأماثل من بنيه … وحمل راية الحق الشبالا فما وهنوا بمصر وما استكانوا … وخاضوا الموت أياماً طوالا يُتوج هامهم شرف وفخر … وإن جال الردى فيهم وصالا وأعظم ما تكون الحرب هولا … إذا الأحرار شنوها سجالا سأذكر ما حييت صباح يومٍ … كسته شمس آذار جمالا سلخت من السنين لديه تسعاً … نعمت حيالها باللهو بالا ولكني صحوت على هتاف … وألحان وأسماء توالى رأت عيني الغريرة مهرجاناً … قد انتظم الأوانس والرجالا مشى الشبان إثرهم جموعا … خفافاً في مواكبهم عجالا يجيبون النداء ولم يحسوا … لما هتفوا به إلا خيالا وأعذب ما يكون الحق صوتا … إذا هتف الشباب به ارتجالا ولن أنسى وجوهاً سافرات … وكانت قبل غضبتها وجالا وصوتاً رن في الوادي جنونا … وقبل اليوم لم يعدُ الحجالا يزيد حنانه الأبطال عزما … ويمسح وقعه دمع الثكالي كسا الدم باطن الأيدي خضابا … وصاغ العزم في الوجنات خالا فلا يدري العدو إذا التقينا … أيخشى الليث أم يخشى الغزالا بني مصر تعالوا حدثوني … أنرضى اليوم ما نلقي منالا؟ وهل نلنا سوى الدستور مما … أردناه لنهضتنا مآلا أخذناه جهاداً واجتهاداً … ولم نأخذه نوماً واتكالا

стр. 6046

ولكنا فقدناه رضيعا … وكان الفقد غدراً واغتيالا وما أدري غداة بدا سناه … أكان حقيقة أم كان آلا أعيدوه إلى مصر غلاما … فقد لج الحنين بها وطالا سيبلغ في حضناتها صباه … ويضمن في رعايتها الكمالا تواصوا بالوفاء له وسيروا … كفانا في قضيته مطالا رأيتم كيف عاقبة التلاحي … وكيف قضيتمو العهد اقتتالا تنابذتم ودب الخلف فيكم … فنمتم عن عدوكُم اشتغالا ولولا يقظة الأبطال منكم … جنينا من ترامينا الوبالا ولم أر كالخلاف بمصر عيبا … ولم أر مثله داء عضالا ترجي مصر فينا اليوم خيراً … وترتقب الصنيعة والفعالا شهدتم أظلم الأحكام عهداً … وذقتم أسوء الأيام حالا شربتم ماءه بالأمس صابا … خذوه اليوم معسولاً زلالا

стр. 6047

المعجزة أو السهم الأخير للأستاذ سيد قطب مَنَحْتني اليومَ ما الأقدارُ قد عجزتْ … عن منحِهِ، وَتَنَاهى دونَه أَملي! منحتِني الحبَّ للدنيا التي جَهِدتْ … في أن تُميلَ لها قلبي فلمْ يَمِلِ! وكلما قرَّبتني قلت: خادعةٌ! … وكلما طمأنْتني، قلتُ: وا وجلي! ويغمُر الشكُّ نفسي كلما كَشَفتْ … عن فَاتِنٍ مِن حُلَاها، غير مبتذَلِ حتى خسرتُ من الأيَّامِ ما غَبرت … به السنونُ، وحتَّى عقَّني أجلي واستَلْهَمَتْ هذه الدنيا طبيعتَها … في مُعْجِزٍ من قواها، قاهر، حان فأبدعتْكِ جمالاً كلُّه ثِقةٌ … يؤلف الحبَّ من وحيٍ وإيمان وأودعتْكِ رحيقاً من خلاصتِها … ومنبعِ السحرِ فيها جدّ فتّان وأرسلتْكِ يقيناً في طلائِعِها … منيرةً في دُجى عقلي ووجداني فكنتِ آخرَ سهمٍٍ في كِنَانَتِهِا … وكُنتِ مُعجزةً من خَلْقِ فنانِ والآن أخلصُ للدنيا وأمنحُهَا … حبِّي، وأدركُ ما فيها من الفتن والآن أنظرُ للدنيا وأنتِ بها … كعاشقٍ، بهواها جدَّ مُفْتَتِنِ والآن أعمل للدنيا على ثقةٍ … بأنني قلبها الخفَّاق في الزمن! والآن أنصتُ للدنيا فيطربني … من صوتِها العذبِ لَحْنٌ ساحِرُ الَّلحنِ لكِ الحياةُ إذنْ ما دمتِ مانحةً … لِيَ الحياةَ بلا أجرٍ ولا ثمن!

стр. 6048

صرخة الألم بقلم فريد عين شوكه تعالَ نجددْ عهود الغرامِ … ونُحْي لياليَهُ الماضيه لياليَه الطيباتِ العذابَ … وساعاته الحلوة الغاليه وحيدَيْن فوق ضفاف الغدير … وتحت خمائله الضافيه يرفُّ علينا مَلَاك الهوى … كما رفَّت الزهرة الناديه ويسمِعُنا من سماء الخلود … أناشيده العذبة الحاليه تُهدْهِدُ أشواقنا الصارخات … وتسكن أوجاعنا النازيه وتسري مع الدم بين العروق … فتروي جوانحنا الصاديه تعال فقد عصفت بي النوى … كما تعصف الريح بالجاريه وراحت تمرِّغ في مهجتي … مخالبها الصلبة القاسيه فخلَّت فؤاديَ جمَّ الجراح … وألقت به جثة داميه تعال ودَع كل لاح مهين … يرى الحب أسطورة باليه فلو عرف المرء معنى الهوى … وشاهد فيه النوى ماهيه وذاق لديه نعيم الجِنَان … وكُبْكِبَ في ناره الحاميه وهبت عليه رياح الظنون … وثارت به الغيرة الطاغيه لما عاش يعبث بالمغرمين … ويزري بشكواهم الباكيه هو الحب لولا يداه اللتان … تفيضان بالرحمة الهاميه لما عرف الناس معنى السلام … ولا قدَّسُوا روحه الساميه كتاب بعثت به للحبيب … قلائد من مهجتي الحانيه فألقاه منتثراً في الطريق … كما تُنْثَر الزهرة الذاويه كأني به تحت عِبءِ القُمامة (م) … يشكو إلى ربِّه راميَه. .!! فريد عين شوكه

стр. 6049

العلوم خلق النظام الشمسي نظرية جينز في أصل السدم والنجوم وتكون نظامنا الشمسي بقلم فرح رفيدي قبل ٣٠٠ سنة، ولمدة ألفي سنة تقريباً، كانت الأرض تدعى سلطانة هذا الكون العجيب، وسيدة العالم كله، ومحور دوران شموسه الكثيرة. وقد جعلت ملكة الكون من أبنائها، لا لأنها كانت أهلاً لهذا اللقب، أو لأنها حقيقة كانت في ذلك المحل الرفيع من الكون، بل لأن أبناءها اغتروا بأنفسهم كثيراً، وحسبوا لوجودهم حساباً كبيراً، فاعتبروا مسكنهم مسكناً عظيماً يليق به أن يكون مركز الكون وأهم موضع فيه. والصواب أنهم لم يرعوا عن غيهم، ولم يضعوا أنفسهم في المقام الجدير بهم إلا منذ ٣٠ أو ٤٠ سنة فقط، لما عرفوا أن أرضهم هذه هي أقل من جزء من المليون من الذرة الصغيرة، بالنسبة إلى الكون كله، وأن الشمس هي بمقدار هذه الذرة فقط، وأن الإنسان نفسه هو أيضاً بمقدار يكاد لا يذكر. لنفرض أولاً ثلاثة أشياء نسلم بصحتها، ودون أن نكلف أنفسنا مشقة الخوض في برهانها وإثبات حقيقتها. أولاً: المادة مركبة من ذرات مكهربةتكهرباً إيجابياً وسلبياً، بروتونات وإلكترونات , وفي حركة دائمة، وبما أن الكهربائية تيار من الإلكترونات وحالة من أحوال الطاقة كذلك المادة هي مظهر طاقة، يمكن تحويلها لحرارة أو ضوء، كتحويل الشهب لحرارة أثناء احتكاكها السريع بدقائق الهواء. ثانياً: كل ذرة في الكون تجذب كل ذرة أخرى بقوة تختلف عكسياً بحسب مربع المسافة بينهما، وطردياً بحسب حاصل كتلتيهما فكل ذرة في الشمس تجذب كل ذرة في الأرض، وكل شيء على الأرض له تأثير على كل نجم في السماء، وهكذا لا يمكنني أن أضرب بيدي على المنضدة دون هز النجوم من مواضعها؛ ولكنه هزٌ ضعيف جداً، لا يدرك ولا بأدق الملاحظات، وهو ضعيف بمقدار صغر كتلة يدي بالنسبة إلى كتل الكواكب كلها. ثالثاً: المواد المتركبة منها الكواكب والشمس كالمواد المتركبة منها الأرض، ولكنها في

стр. 6050

الأولى تحت ظروف تختلف فيها تبعاً للحرارة والضغط. في البدء قبل أن تكون شمس أو نجوم أو أي ضوء آخر، وكانت الظلمة تخيم على سكون عميق في كل أنحاء الكون، كانت دقائق المادة الصغيرة مبعثرة ومنتشرة انتشاراً متساوياً على أجزاء الفضاء كله، وكانت البروتونات والإلكترونات تجئ وتذهب هنا وهناك في كون لا نظام فيه ولا قانون يضبطه، وكل شيء كان في ظلام دامس من فوضى الطبيعة وفي حالة غير مستقرة وعلى وشك الانقلاب لأقل حركة تبدو فيه. كان الكون حينئذٍ عديم التوازن، كقلم أوقف على رأسه، أقل اهتزاز بغير وضعه إلى وضع ثابت أكثر اتزاناً أو كآلة تحتاج إلى من يحركها، أو كدولاب على وشك الانزلاق، يحتاج لدافع يدفعه لينطلق بدورانه انطلاقاً، كان بحاجة إلى يد الله تسري فيه تياراً من ذلك الغاز المنتشر، حتى يندفع بأجمعه لأن يخلق نفسه بنفسه، وتكون حاله إلى ما هي عليه الآن. لا نعرف كيف أو أين ابتدأ التيار، ولكن أسباب ما جرى تشويش في نظام الطبيعة، حينئذٍ جعل ذلك الغاز يتجمع ويتضام ويكون من نفسه كتلاً , كبيرة وصغيرة وفي أماكن مختلفة من الفضاء، والكتل الكبيرة بعظم ما تجمع لها من المادة صار لها قوة جذب كبيرة قدرت بها أن تجمع أكثر من الغاز الذي حولها، وتتغلب بها على سرعة الذرات من أن تهرب. وحجم الكتلة يتوقف على شيئين: ثخانة الغاز وسرعة ذراته. ففي الغاز الخفيف تكون سرعة التيار ومدى توسعه أكثر من سرعته ومداه في الغاز الثقيل ولذلك تكون كمية المادة المتجمعة أكبر. وإذا كانت سريعة فإنها لا تنقاد لكتلة صغيرة لضعف جاذبيتها، كخروج ذرات الهواء عن طاعة القمر لقلة جاذبيته بالنسبة لسرعة الذرات. ففي غاز معلوم الكثافة وسرعة ذراته يكون فقط كتلاً لا ينقص الوزن فيها عن حد معين. وإن كان بعض الكتل صغيراً إلى حدٍ أن يمنعها من ادخار جاذبية كافية تقاوم بها سرعة الذرات الهاربة، فإنها لا تلبث أن تتلاشى وتنتشر في الفضاء كما كانت. والكبيرة بعكس ذلك، فان كبرها يزيد في قوة جاذبيتها التي تزيد في مادتها وحجمها، فكلما كبرت الكتلة كان طبيعياً فيها أن تتجمع وتكبر وتزداد مادة وقوة، وكلما صغرت ساعدت الأحوال على عكس ذلك. حسب هبل أحد الفلكيين أنه إذا انتشر كل غاز النجوم في الفضاء انتشاراً متساوياً في جميع جهاته، فإن كثافة ذلك الغاز

стр. 6051

حينئذ تكون قدر كثافة الماء بـ (١٠) ٣٠٠ مرة ووجد أيضاً أن سرعة الذرات في حالتها تلك تكون حول ٥٠٠ ياردة في الثانية، فوجد من ذلك أن وزن كل كتلة من الكتل المتكونة بواسطة التيار أكبر من وزن الشمس بمقدار يتراوح من ٢١ ٦٢ مليوناً إلى ٤٠٠ مليون مرة، وعندا اكتشاف الفلكيين اليوم لوجود آلاف من الأجسام التي لها هذا الثقل تحقق جيداً: أن هذه السدم التي نراها اليوم هي ذات كتل التي تكونت بتأثير ذلك التيار الابتدائي الذي حدث بين دقائق الغاز الأول. وكانت هذه السدم التي تكونت مختلفة الحجم والشكل، وكان شكل الواحدة مترتباً على متجه التيار الذي أحدثها. فان اتجه التيار إلى المركز كان الشكل كروياً وبدون حركة. وإن زاغ الاتجاه عن المركز، وهو الأكثر حدوثاً، بدأت الكتلة بحركة دوران حول محور في وسطها. وللجسم الدائر صفة حفظ قوة الاندفاع الدوري وهي إن تقلص حجم الجسم يقصر طول قطره، فتزيد سرعة دورانه. وهكذا كان في أمر الكتل المتكونة حديثاً: زاد انكماشها بسبب جاذبيتها في سرعة دورانها أكثر فأكثر. وكان أثر ذلك الدوران أن حور شكل الكتلة من الكروي إلى شكل عدسي. وكما أن دورة الأرض سببت انبعاجها عند خط الاستواء وتفرطحها عند القطرين، كذلك ازدياد سرعة دوران تلك الكتل كان يزيد في تنظيمها إلى حدٍ بعيد. وكانت إذا زادت سرعتها أكثر من ذلك لا تزيد في تسطحها فحسب، بل تبدأ بقذف غاز من مادتها ينتشر حولها في المسطح الاستوائي انتشاراً متساوياً. وهكذا حول كل كتلة تكون غاز خفيف. وله كالغاز الذي كون السدم نفسها صفة التجمع والتجزء إلى كتل تختلف قليلاً عن بعضها في الحجم والشكل، ولكنها أصغر من الكتل الأولى. وكما قدر العلماء رياضياً يتقارب وزن الواحدة منها من وزن الشمس ومعظم

стр. 6052

النجوم اللوامع. وإذا أدرنا بصرنا بالتلسكوب إلى السماء شاهدنا السدم اللولبية الشكل تبتدي بوسط غازي وتنتهي أطرافها بمجموعة من النجوم، وذلك يدل على أن أصل تكون النجوم والشمس هو من السدم. هذه النجوم الجديدة المنفصلة عن السدم الدائرة، بقيت دائرة مثلها لتحفظ قوة الاندفاع الدوري. وقد كانت ولا تزال للآن تشع في الفضاء بلا انقطاع كميات كبيرة من الضوء والحرارة تنبعث منها نتيجة لاحتراق مادتها في داخلها. فالشمس التي نستضيء ونستدفئ بها تخسر من مادتها في كل دقيقة تمر حوالي ٢٥٠ مليون طن وهذه كلها تحترق وتتحول نوراً وحرارة، فجزء قليل جداً نستمده، والباقي يذهب هباء في الفضاء. ذلك يدل على أن حجم الشمس والنجوم يقل تدريجياً، وقلة الحجم هذه تقابلها سرعة في الدوران، وتبقى السرعة في ازدياد مستمر ما دام الإشعاع في النجم مستمراً، وإذا ازدادت السرعة في بعض النجوم الكبيرة فقد نقسمها إلى قسمين متعادلين أو غير متعادلين تماماً. وبهذه الطريقة نشأت النجوم المزدوجة وقد نظن هنا أن منشأ الكواكب في المجموعة الشمسية حصل من دوران شديد في الشمس جعلها تفصل عنها هذه الأجرام حولها. ولكن الأمر غير ذلك، إذ لو قابلنا أوزان بعض النجوم المزدوجة بأوزان الكواكب السيارة، لوجدنا الفرق بعيداً، فأوزان الأولى تقرب من وزن الشمس، ووزن أحد الكواكب كالأرض أقل من جزء من المليون من وزن الشمس. وعلى ذلك فمن غير المحتمل أن يكون منشأ نظامنا الشمسي على هذه الطريقة. لتعليل منشأ نظامنا الشمسي يأتي السر جينز بطريقته المعروفة بنظرية المد وهي أن يقترب نجمان مختلفا الوزن من بعض ويكون تأثير جاذبية الكبير على الصغير شديداً بأن يرفع على سطحه مداً من مادته الغازية كرفع القمر مياه الأرض بقوة جاذبيته. ولكن اقتراب النجمين ليس بالأمر الهين أو بالشيء الذي يقع مرة ويتكرر مرات، إذ أن عظم المسافات الشاسعة التي تباعد بين نجم ونجم، تجعل أمر الاقتراب شيئاً صعباً وبعيد المدى، وقد لا يحدث لملايين من السنين تمضي، ولكنه محتمل الحدوث ولو مرة في هذا الزمن الطويل. دعنا نفرض مرور الملايين من السنين على شمسنا وهي سابحة في الفضاء وحدها بدون

стр. 6053

رفيق أو رقيب، ودعنا نفرض أن هذه المصادفة، مصادفة الاقتراب بين نجمين حدثت، وحصل هذا الشيء البعيد الوقوع والنادر الحدوث بين شمسنا ونجم أخر، ومر هذا النجم بالقرب من الشمس دون تصادم أو احتكاك، وكان كبيراً بحيث كان تأثيره قوياُ عليها، فتأثير ذلك النجم، على رأي جينز، كان أن عمل على سطح شمسنا مداً ارتفعت فيه كمية كبيرة من الغاز، وتمددت طويلاً متتبعة جهة أبعاد النجم عن الشمس، فانفصلت عنها وتكونت بشكل سيكار ثخين في الوسط ودقيق عند الطرفين، وصار هذا الغاز المنفصل وسطاً لتجمع كتل صغيرة وكبيرة ومتوسطة بقدر ما يستوعب وتستجمع من المادة التي حولها. ولصغر هذه الكتل ضعفت فيها قوة انبعاث النور والحرارة، وانطفأت شعلتها النارية، فبردت وانخفضت حرارتها تدريجياً، وتحولت الغازات أمطاراً من سوائل المعادن على سطوحها، وتقلص حجمها الغازي إلى حجم سائلي، وعند انخفاض الحرارة أكثر تجمدت السوائل. وتحول بعضها إلى مواد صلبة قاسية وانكمشت السطوح كثيراً، وتجمدت، وتكونت أجساماً معتمة، لا مصدر للحرارة أو النور فيها غير ما تستمده من الشمس أو من بعض المواد المشعة في داخلها. وجعلت حفظاً للاندفاع الدوري تدور حول الشمس دورات مختلفة في البعد والوقت. وهكذا كانت الكواكب السيارة، منها عطارد وبلوتو في طرفي السيكار، والمشتري وزحل في وسطه. وفي بدء خلق هذه الكواكب، وقبل اعتدال دوائرها وثباتها حول الشمس كما هي الآن كانت تدور بغير انتظام يربطها، أو قانون يوحدها. فكانت تارة تقترب، وتارةً تبتعد عن الشمس؛ فحدث في أثناء ذلك أنه بينما كانت الأجسام غازات ملتهبة، اقترب بعضها من الشمس إلى حد مكن الشمس أن تسحب من غازاتها كتلاً أخرى انفصلت عنها وكونت أقمارها ومن جملتها قمرنا. وهكذا من فوضى الطبيعة الأولى تكونت السدم، والسدم من جراء دورتها حول نفسها تشتت غازها وانقسمت إلى أنجم، كل نجم منها قائم بذاته، وسائر في الكون بقوة حركته واندفاعه. ومن سرعة سير هذه الكواكب ابتعدت عن بعضها أبعاد شاسعة. تكاد تعدمها حقيقة وجودها، بالنسبة لسعة الفضاء وعظمته، وصار مجرد اقتراب الواحد من الأخر من قبيل المصادفة فقط. ولكن حدث أن اقترب نجم من شمسنا، وسحب منها غازات توحدت

стр. 6054

وتجمعت كتلاً صغيرة وكبيرة. وتصلبت أجسامها وتحولت إلى كواكبنا السيارة هذه، ومن جملتها الأرض، وبمجرد اقتراب الأرض من الشمس انفصل جزء منها وكون القمر. رام الله فرح رفيدي

стр. 6055

البريد الأدبي الأدب المجري الحديث: خواصه ومميزاته نشرت (مجلة المجر الجديدة) مقالاً عن دور الشباب في تطور الأدب المجري المعاصر، فوصفت الخواص التي يتميز بها أدب الشباب سواء في الشعر أوالنثر؛ وقالت إن الأدب المجري الحديث يرجع إلى أواخر القرن الماضي، ويمتاز قبل كل شيء بالخروج عن النزعة (الغربية) التي بلغت ذروتها بالشاعر الكبير (آدي) أعظم شعراء المجر في القرن الماضي؛ كما أنه يمتاز بالإغراق في المظاهر الشعبية، والتعلق بالأصول الشقية للروح المجرية، والتأثر بالحياة الريفية. ومع ذلك فإن أساس التطور الحديث في الأدب المجري، هو شعر (آدي)؛ ومن محقق الأدب المجري المعاصر، إذا راعينا أكابر الشعراء مثل يوسف أرديلي، ويوليا الياس، وآتيلا يوزيف، ولوران زابو وأكابر القصصيين مثل آرون تمازي ويوسف نييرو، يجوز مرحلة عود على البدء. وإنها لظاهرة جديدة فقط أن تتجه الأفكار إلى استكمال الأساطير القوية الجديدة، وإلى اعتبارات الجنس والأرض والتاريخ في نوع من المظاهر الشعبية الجديدة؛ والجيل الحاضر ينظر إلى التطور القديم بهذه الروح بينما يعمل على إحياء النزعة التي أشرنا إليها، ومن ثم كانت أعظم مصادر وحيه، السياسة والمجتمع؛ وكثير من شعراء العصر يرددون قول الشاعر يوتوتوس: (إن الشاعر الذي لا تهزه عواطف عصره، يمزق أعصاب غنائه) وفي مقدمة شعراء هذه الطبقة يوسف أرديلي ويوليا إلياس. ومن يقرأ أرديلي في قصيدته الشهيرة (بلا صلاح) أو قصيدته (النجم الفريد) يشعر بأثر الرسالة التي يقول الجيل الشاب إنه يقوم بها. وليوليا إلياس قصة شعرية ظهرت أخيراً عنوانها (شباب)، وهي تفيض بالجمال الابتداعي والنزعة الغنائية، ومن نظمه أيضاً (ثلاثة شيوخ). وهو أشد من يمثل نزعة الجيل الجديد من حيث النزعة الغنائية والفردية، والطموح إلى استكمال التقاليد والتعلق بالتراث الشعبي. ومعظم هؤلاء الشبان لا يعني بالشكل، وينكرون في نوع من التحدي أناقة اللفظ أو

стр. 6056

ضخامته؛ وكثير منهم يجنح إلى القديم الساذج، وإلى الروى الشعبي، وشعرهم ينضح على العموم عن لون قومي قوي، وهم في الواقع (أبناء الشعب) ينشئون في مهاد (الفقر العذب)، وينزعون إلى بساطة اللفظ، وإلى التقاليد وإلى الأساطير وإلى كنوز الخيال الشعبي. وأما النثر، فمن أقطابه يوسف نييرو القصصي الكبير؛ وهو كاتب ذو نزعة دينية إنسانية ترجع إلى تربيته الكنسية، فقد نشأ قساً، ثم حمله تيار الأدب. وهو ريفي النزعة من حيث المادة والوصف يصور لك الوطن المجري، ولا سيما وطنه (ترانسلفانيا) في صور قوية مؤثرة، ومن أشهر قصصه (تحت نير الله) وهي في الواقع قصة حياته الكهنوتية عرضت في قالب قصصي مؤثر؛ وله مجموعة أقاصيص شهيرة من أبدع ما أخرج الأدب المجري المعاصر. ومن أقطابه آرون تمازي، وهو قصصي بارع ينزع إلى المأساة، ويلزم الطابع القومي العميق، وله مجموعة قصص تفيض سحراً وإنسانية عنوانها (كواكب ترسلفلنيا)، ومجموعة أخرى عنوانها (عصفور الصباح) يدعو فيها إلى المثل الأعلى. ومنهم جان كودولاني، وهو مصور بارع لمناظر القرية ومجتمعها. وكذلك زولتان ستنيا، فهو يصف في قصصه نجتمع الأعيان المنحل؛ وبول زابو، وهو كاتب ريفي محض وافر الطرافة والقوة. والفرق قوي واضح بين ذلك الجيل وبين الجيل المنصرم الذي كانت تغلبه النزعة (الغربية). وليس الفرق متعلقاُ بالشكل فقط، بل هنالك ثمة صورتان مختلفتان، تمثل كل منهما ناحية من الروح المجرية؛ وإلى الأولى ينتمي أبناء الأعيان والموظفين الذين متى اضطروا إلى نبذ ترف هذه الحياة، لجئوا إلى عالم الكتب ليتخذوا منه سداً بينهم وبين حياتهم المسكينة، وينتمي إلى الثانية أبناء الفلاحين وطبقة الأعيان الريفية التي تقرب منهم والساخطون على هذا المجتمع، وهم الذين يزعمون أنهم رسل الإصلاح الاجتماعي، وعلى العموم فان البون شاسع بين الكتاب الجدد وبين الجيل القديم سواء من حيث النظر إلى العالم وإلى الحياة. بسمات العدالة عني كثير من المؤرخين والكتاب بالكتابة عن المآسي القضائية، والمحاكمات الجنائية الكبرى. ولكن أحداً منهم لم يعن بالكتابة عن (الكوميديات القضائية) والوقائع والمواقف

стр. 6057

المضحكة التي تعرض أمام القضاء. وهذا ما فعله الكاتب الفرنسي (جيو لندن) الكاتب القضائي لجريدة الجورنال. وقد تخصص جيو لندن في كتابة الصور والأخبار القضائية منذ أعوام بعيدة، واشتهر بسحر أسلوبه ودقة ملاحظاته. وهو الذي يلخص أخبارالمحاكمات والقضايا الكبرى في جريدة (الجورنال). وفي كل عام يجمع أشهر المحاكمات والمآسي القضائية في مجلد خاص، ولكنه اختار هذا العام أن يترك المآسي والجنايات المثيرة، وأن بجمع المواقف القضائية الفكاهية في مجلد عنوانه (العدالة وبسماتها) وقد استقبل هذا السفر الظريف في دوائر النقد والأدب أحسن استقبال، ونوهت بما يضمه من الصور الساحرة والمواقف الشائقة، وبما يسود من قوة الملاحظة وخفة روح في العرض؛ فهناك أغرب القضايا المضحكة حقاً، وأغرب الشخصيات الساذجة التي تنسيك بسذاجاتها أحياناً خبث المجرم الخطر، وهنالك حيل النساء الماكرات تبدو واضحة أمام بساطة الرجل المتيم. وقد علق أحد النقدة على ظهور هذا الكتاب بقوله: (إنه يحمل على التفكير بأن التردد على جلسات القضاء يخلق منافسة قوية للمسرح الفكه؛ بل ربما كان ثمة عاملاً من عوامل الأزمة المسرحية؛ إن كانت ثمة أزمة). جائزة نوبل الأدبية ذكرنا في العدد الماضي أن جائزة نوبل للطب قد منحت لثلاثة من العلماء الأمريكيين. هم الأساتذة جورج نيوث، ووليم مورفي، وهوبل. ونذكر الآن أن جائزة نوبل الأدبية لسنة ١٩٣٤ قد منحت إلى الكاتب والفنان الإيطالي السنيور لويجي بيراندللو وهو كاتب مسرحي تخصص في وضع القطع التمثيلية، وتنظيم المسرح؛ وأشهر رواياته قطعة عنوانها: (ستة أشخاص يبحثون عن مؤلف)، اشتهرت في جميع المسارح الأوربية. والسنيور بيرادنللو في نحو السابعة والستين من عمره؛ وهذه هي المرة الثانية التي تمنح فيها جائزة نوبل للكتاب الإيطاليين. أستاذ شرقي يعثر على مخطوطات عربية نادرة نقل إلى الجامعة العربية من أمريكا أن الدكتور فيليب حتى من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت وأستاذ الآداب السامية في جامعة برنستن بأمريكا الآن عثر في أثناء بحثه

стр. 6058

وتنقيبه في المخطوطات الموجودة في مكتبات أمريكا المشهورة على ترجمة عربية ضافية لبحوث كلوديوس جالينوس في التشريح والطب بين خمسة آلاف مجلد من المخطوطات العربية في مكتبة جامعة برنستن. ومما قاله الدكتور حتى في وصف هذه الترجمة (إنها من أندر وأنفس المخطوطات التي سجلت في الفهارس حتى الآن) والترجمة العربية مؤرخة في سنة ١١٧٤م وقد وضعها حنين بن أسحق المسيحي النسطوري وكان يعد إمام المترجمين من اللغة اليونانية في عصره. وعثر الدكتور حتى كذلك على مخطوطة في علم التنجيم يستدل من الشارة المذهبة المرسومة على الصفحة الأولى منها أنها وضعت في الأصل للسلطان صلاح الدين الأيوبي وكانت في مكتبته، ويقول الدكتور حتى أن صلاح الدين نفسه كان يسترشد بهذه المخطوطة قبل إقدامه على منازلة الصليبيين في المعارك. وعثر أيضاً على مخطوطة في الموسيقى قد تميط اللثام عن النغمات الموسيقية التي كان يستعملها العرب قديماً. وهذه المخطوطة مزينة برسوم، وقد وضعها الفارابي الموسيقي والفيلسوف المشهور في القرن العاشر. وهناك مخطوطة عربية رابعة وجدها الدكتور حتى في جامعة برنستن وهي شرح ابن رشد فيلسوف الأندلس وأرجوزةابن سينا الطبية المشهورة لمؤلف طبي وصفه ابن جزله البغدادي في القرن الثاني عشر.

стр. 6059

الكتب الثورة العربية الكبرى تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن تأليف الأستاذ أمين سعيد هذا كتاب كبير يقع في ثلاثة مجلدات تبلغ في مجموعها ما يقرب من ألف وأربعمائة صفحة من القطع الكبير، وهو في وضعه الحالي يعتبر مرجعاً عظيماً للثورة العربية القومية منذ قيامها عقب الانقلاب العثماني ١٩٠٨ إلى الوقت الحاضر. خشي المؤلف الفاضل الأستاذ أمين سعيد كما ذكر في مقدمة كتابه النفيس أن تنسى الثورة العربية وما تخللها من حركات وما أكتنفها من ملابسات (فتضيع معالمها وتطمس آثارها ويتعذر التأليف فيها فلا يجد الكاتبون العرب في المستقبل سوى رسائل مبعثرة أو مقالات منثورة أو كتب ألفت باللغات الأجنبية وقد وضعها واضعوها لخدمة غاية معينة). لذلك تراه يضطلع بهذا العمل على ما فيه من صعوبات؛ فلابد له أن يدعم آراءه بالحجج والبراهين، وأن يسند براهينه بالوثائق والمستندات، وهذا كله مما لا يسهل جمعه وترتيبه. ولكن القارئ حين يتناول هذا السفر الجليل يحس بالدهشة لكثرة ما احتوى عليه من الوثائق والبيانات، هذا إلى ما حواه من الصور المتنوعة للأشخاص والحوادث. ولقد قسم الأستاذ المؤلف كتابه تقسيماً جيداً فجعل المجلد الأول للنضال بين العرب والترك، يضم حوادث الفترة الممتدة من إعلان الدستور العثماني عام ١٩٠٨ حتى قيام الحكومة الفيصلية في دمشق عام ١٩١٨، وجعل المجلد الثاني لتاريخ الحكومة الفيصلية من قيامها حتى سقوطها؛ ولقد أفرد به جزءاً كبيراً للثورة العراقية الكبرى وأدوارها مبيناً عوامل الثورة ومقدماتها وحروب الإنكليز في العراق والتصادم بينهم وبين الترك وما ترتب على هذا كله مع جلاء الحوادث والاهتمام بالتفاصيل كمن رآها رأي العين. أما المجلد الثالث فقد جعله لتاريخ القضية في الفترة الممتدة من عام ١٩٢١ إلى عام ١٩٣٤، أورد فيه وصفاً وافياً لتاريخ إمارة شرق الأردن مع شرح القضية الفلسطينية والوطن القومي اليهودي وبيان أخبار الثورة السورية في اتصالها السياسي الداخلي بين السوريين والفرنسيين.

стр. 6060

بذلك ترى هذا الكتاب الكبير قد اشتمل على عدة حركات قومية يتوق أبناء الشرق العربي إلى الوقوف عليها. ولعل من أعظم فوائد هذا الكتاب، أنه في طريقته المفصلة التي سار عليها، يعطي القارئ العربي فرصة نادرة ليقارن بين ما يسمعه من أحد أبناء الثورة وبين ما يشيعه عنها خصومها. هذا إلى أنه يكشف عن ناحية من نواحي نهوض الشرق عقب الحرب العظمى مبيناً إلى حد كبير وجهته وآماله. ولقد راعى المؤلف الفاضل في كتابه التسلسل التاريخي للحوادث، وختم كل حلقة بملخص حلل فيه الحوادث تحليلاً مبيناً ما طرأ على القضية من تقدم أو تأخر. وإني وإن كنت أرى اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة وسرده الحوادث الكثيرة المتنوعة أكثر من اهتمامه بالتعليق عليها وبيان مقدمتها ونتائجها، أقرر أن لطريقته هذه في موضوع كهذا متشعب النواحي محاسنها إلى جانب معايبها، فلقد هيأت للقارئ كما قدمت الفرصة ليكون لنفسه حكماً، وذلك خير مما لو اقتصر المؤلف على طائفة من الحوادث واهتم بإيراد رأيه والدفاع عنه، فان القارئ في هذه الحالة وخصوصاً من يجهل تفاصيل المسألة العربية يكون مقيداً برأيه أو على الأقل في شك منه. وسيرى القارئ العربي في كتاب الأستاذ أمين سعيد كثيراً من مواقف التضحية والبطولة، وكثيراً من مواطن الهول والصراع العنيف مما يجعل للكتاب إلى جانب ناحيته التاريخية، ناحيته الجذابة القوية، فيقبل الأدباء على مطالعته في شغف واهتمام ولذة. وإني لأنتهز هذه الفرصة فأتقدم إلى الأستاذ أمين سعيد بأجمل الثناء على ما تجلى في مؤلفه الجليل من أريحية ووطنية وهو يمثل ذلك من شباب الأمة العربية الخليق. الخفيف الخط الديواني الملكي للأستاذ مصطفى بك غزلان رئيس التوقيع بديوان جلالة الملك ازدهر الخط العربي في صدر القرن الماضي، وظهر في عالم الفن جمهرة من القادرين على إجادته وإتقانه، وكانت الأستانة يومئذ كعبة الآمال، ومرجع أفذاذ الرجال في الفنون
следующие страницы →