Полный текст (65 431 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
روح الإسلام
للدكتور محمد عوض محمد
منذ سنوات كنت اطلب العلم في جامعة لفربول. . . . . .
وفي ذلك الزمن كنت قد عاهدت نفسي وعصبة من الرفقاء، منذ نزلنا بلاد الإنكليز على ألا نألوا جهدا في إفهام القوم أمر بلادنا، واطلاعهم على مالنا من تاريخ مجيد وثقافة جليلة. فكنا نرحب بكل من جاء يستطلع منا خبرا، أو يستفتينا في أمر يمت إلى الشرق بسبب.
وفي يوم من أيام الشتاء، بعد انصرافي من إحدى المحاضرات، ابتدرتني طالبة من الطالبات بالسؤال الآتي: هل تستطيع أن تخبرني في كلمة واحدة أو في كلمات قلائل ما روح الإسلام؟ أدهشني السؤاللأول وهلة، ونظرت إلى السائلة نظرة الحائر المستفسر. فأدركت أن في السؤال شيئا من الغموض. فقالت: (اننا، مثلاً، نرى أن روح المسيحية يتمثل في لفظ واحد وهو الحب. فهذا هو لب لباب ديننا، والأساس الذي شيدت عليه صروح المسيحية كلها. فما من عقيدة ولا شعائر ولا تعاليم إلا والحب محورها الذي تدور حوله. ولا تكترث لما قد تراه مخالفا لذلك فما هو من المسيحية في شيء.) فقلت: (إنك إذن تريدين مني كلمة واحدة أو كلمات قلائل، تكون من الإسلام بمثابة كلمة الحب من المسيحية؟.) فقالت: (أجل فقد يكون روح الإسلام مثلا العدل أو القوة. .)
فأطرقت قليلا، وأنا أمعن في التفكير، لعلي أهتدي إلى جواب ترضاه وأرضاه. وخطر لي أن أشرح لها أن للإسلام أركانا خمسة. . لكني ذكرت إن في المسيحية أيضا صلاة وصياما. وخشيت أن تقول لي إن هذا من الدين بمثابة الجسم وإنها تبحث عن الروح.
قلت لها في صراحة: (إنني ما خطر لي يوما أن أبحث عن كلمة واحدة تؤدي كل ذلك المعنى الجليل الخطير. . وأنتم معشر الإنكليز قوم تحبون تبسيط كل مسألة. . ومع هذا أمهليني أتدبر الأمر، أو أسأل أهل الذكر. فلا خير في جواب عاجل لا ينطوي على الصواب.)
في مساء ذلك اليوم جلست في حجرتي مطرقا، مسندا رأسي على يدي، محدقا في مصطلى تشتعل فيه النار. كأنما كنت ألتمس الإلهام من لهيبها المندلع وقبسها المضطرم. وأطفأت المصابيح كي لا يلهيني عن التفكير ما بالحجرة من أثاث أو صور. . . . . .
стр. 632
لم أكن (علم الله) من الملمين بعلم الدين. وكنت أحس من نفسي عجزا وقصورا، عن معالجة تلك المسألة، ولكني رغم هذا رأيت أن أحاول معالجتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. . وجعلت أجهد فكري أيما إجهاد. وخيل لي أني أرى أمامي سبلا كثيرة فجعلت أسلك كلا منها، ولا أزال أتبعه إلى نهايته، ثم أعود فأسلك طريقا آخر فأجتازه إلى غايته: وكانت كل خطوة تدفعني إلى خطوة أخرى حتى أبلغ نهاية المرحلة. . .
وهكذا سلكت في تفكيري وبحثي طرقا شتى. وعجبت إذ ألفيتني أصل في كل مرة إلى غاية واحدة، ويسلمني البحث إلى شيء واحد. . فقد كان ينتهي بي التفكير دائما إلى التوحيد. . . . . .
لعل روح الإسلام إذن هو التوحيد. . وهل أراني بلغت الغاية حين رست بي سفينة الفكر على ذلك الساحل الأمين؟ أليس التوحيد أن يقصد الناس بجسدهم وبروحهم وجه الإله، ولا ينصرفوا عنه إلى سواه؟ وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله؟. . وأن نرتفع بأنفسنا عن عبادة المال والتكالب على جمعه. . وعبادة الشهوات التي تسترقنا وتذلنا. . أليس التوحيد إذن هو الذي يعلو بأنفسنا عن كل دنيء مهين، ويرقى بنا إلى سماء كلها طهر وصفاء؟
فيم التردد إذن؟ إن روح الإسلام هو التوحيد.
جالت بنفسي هذه الخواطر، وجعلت أرددها في صدري مرارا فلا تزداد إلا ثباتا ورسوخا. وخيل إلي إني اهتديت إلى إجابة صريحة (لا لبس فيها ولا إبهام) على السؤال الذي سألته صباح ذلك اليوم.
وكنت أخشى ألا ألتقي بصاحبة السؤال إلا بعد أيام، فأردت أن أرسل إليها الجواب في طي كتاب فتناولت قلما وورقا، وأوقدت المصابيح، وجعلت أسطر ما جال بخاطري في شيء من الإسهاب والتفصيل، كي لا يبقى في صدر القارئة ذرة من الشك في صحة ما استقر عليه رأيي.
وأعدت تلاوة الكتاب مرارا، واطمأننت إلى إنه يؤدي كل ما جال بنفسي أحسن الأداء. وكنت بهذا فرحا طروبا. ثم طويت الكتاب، ونهضت لأحمله إلى دار البريد.
في تلك الساعة كان المطر ينهمر مدرارا. فجلست إلى جانب النافذةانتظر عله يكف أو
стр. 633
يسكن قليلا. . وجعلتانظر إلى خارج الدار. أتأمل الغيث إذ يتساقط على أحجار الشارع الملساء، والضباب الخفيف وقد انتشر في سائر الأرجاء. والمصابيح وهي تبدو ضئيلة فاترةخلال الضباب والغيث. وكأنها أشباح اليقين وسط دياجير الشك.
لم يطل تأملي لذلك المنظر حتى عاد بي الخاطر إلى موضوع الكتاب الذي بيدي. . وانتقل بي التفكير من الإسلام إلى البلاد التي تدين بالإسلام. وجعلت أنظر بعين الوهم إلى تلك الأفكار، التي يفصل بيني وبينهاآلاف الأميال. وأخذت ترتسم أمامي صورتها شيئا فشيئا. .
ليت شعري ماذا في بلاد الإسلام من روح الإسلام؟ وماذا في بلاد التوحيد من التوحيد؟
غشيني شيء من الذهول. ورسم الوهم أمامعيني صورة مروعة مفظعة هائلة، لتلك الأقطار القاصية. .
رأيت البلاد. قد حلق فوقها عقاب البغي، باسطا عليها جناحيه، ومنشبا فيها أظفاره، وقد خضعت لسلطانه الرقاب، وعنت لخشيته الوجوه! وهلعت الأفئدة. وذلت الأعناق، ورغمت الأنوف! وانطلقت الأفواه تسبح بحمده، وتمجده، وهو لا يزداد إلا بغياً وعتواً، والأعناق لا تزداد إلا خشوعا وذلا.
وتبدلت الرؤيا بعد ذلك. . فأبصرت هيكلا عظيم البناء، لا يبلغ الطرف مداه. ورأيت الناس منطلقين إلى أبوابه الكبيرة، ليقيموا الشعائر. . زمر تسعى إثر زمر. . جموع تتجاذب وتتدافع، ويموج بعضها في بعض. . ولا تكاد الأبواب تحتويهم على سعتها. . . . . .
ثم انكشف الغطاء وأبصرت ما بداخل الهيكل. . فإذا أوثان هائلة، قد نصبت في أرجاء الهيكل. ومن دون كل صنم مذبح عظيم تقدم إليه القرابين، ويحرق عنده البخور. والناس من حولها بين قائم وقاعد وركع وساجد. .
نظرت ذات اليمين فإذا صنم جبار أصفر اللون، براق لامع، ما شككت في إنه (مامون) إله النضار. إن لم تنم عنه صورته فقد نم عنه رواده وقصاده. جنود مجندة وكتائب محتشدة. قد أقبلت على عبادته بأيد ممدودة، ووجوه تفيض شرهاً وجشعا.
وقد حمل كل عابد قربانه: هذا يقرب الشرف، وذاك يذبح الدين، والآخر يقدم الوفاء والميثاق، وذلك يقرب وطنه الذي نماه وغذاه، وصاحبه يقدم الأهل الذين أنجبوه. . . . . .
стр. 634
وها هنا شخص يحرق ضميره ومبدأه بخورا.،. وهناك آخر يضحي بما لديه من عفاف وكبرياء. . . . . .
وكأن ليس في العالم شيء أعز وأكبر من أن يكون قربانا لذلك الصنم الهائل الدميم. الذي كان يقبل القربان حيناً، ويزور عن عباده أحيانا. فلا يزيدهم نفوره وازوراره إلا تهالكا عليه، وغلواً في عبادته، وإكثاراً من الضحايا والقرابين. . . ثم نظرت إلى أطراف الهيكل، فأبصرت جموعاً أخرى عاكفة على أوثان أخر: ها هنا إله الشهوات وقد احتشدت عبيده من حوله. وهنالك وثن المناصب والجاه والناس من حوله ركع سجود. . . وفي هذه الناحية وتلك شكول وضروب من أصنام يكاد يخطئها العد، ويعجز عنها الوصف.
وألفيت نفسي بعد قليل أتنفس الصعداء، وقد إنجابت عن عيني تلك الرؤيا، ولم يبق أمام ناظري سوى الغيث المنهمر، والضباب المنتشر، وضوء المصابيح الضئيلة.
ولبثت برهة واجماً ساكنا: وقد امتلأت نفسي خزنا وغما. . . . . .
ثم نهضت ببطء شديد، وأغلقت النافذة وأسدلت الستر. وعدت إلى مجلسي بجانب الموقد. . . . . .
وأمسكت بيد مرتجفة ذلك الكتاب الذي تعبت في تسطيره وتحبيره. . . . . .
وبيد مرتجفة ألقيت به في النار. . . وجعلت أحدق فيه إذ يحور لهيبا ودخانا. . .
وأحسست بقطرات تنحدر على خدي. . فتناولت منديلي ومسحتها. . . . . . ولعلها من قطرات ذلك الغيث أصابت وجهي وأنا جالس لدى النافذة!
ألفيت الفتاة بعد أيام فأعادت السؤال فقلت لها إن كان روح النصرانية الحب، فأن روح الإسلام التوحيد.
стр. 635
الشعر والحياة الحديثة
لشاعر الهند رابندرانات تاغور
يعيش العالم الآن في عصر ثورة. فاعتقاده القديم وميله حتى نفوره في تغير وتبدل. ولم يشهد التاريخ تطوراً أصابه من التقلبات السريعة المفاجئة ما أصاب هذا التطور البادي في عقلية الجماعة والفرد. فالأخلاق تختلف، والآراء تتغاير، والاعتقادات تتباين. والجيل الجديد قد دفعته الرغبة الملحة إلى تجربة كل شيء في الحياة حتى نسي فن الحياة، فلا يملك الوقت للتفكير والتأمل، ولا يجد الفراغ للسرور الهادئ الذي يمتع به نفسه، ولا فرصة للقراءة يغذي بها روحه، وشدة الزمان وعنف الجهاد لا يسمحان لامرئ أن يفاكه شيئا لا رادة فيه ولا ثمرة، لذلك كان فن الشعرأبعد ما يكون عن الازدهار والانتشار. فالشعراء قليلون. وروائع الشعر نادرة، لأن طبيعة العصر تقتضي ذلك.
أنا لا أزعم إني أفهم ميول العصر، ولكني أسجل ما عليه الشعر العصري من حاضر سيئ وحال أليمة. ليكن السبب في ذلك متصلا بأي صورة من الصور بالحرب وأثرها في نفوس الشعوب التي صليت بنارها (وذلك ما لا أجرؤ على تأييده) فإن الأمر الواقع أن ازدهار الشعر في هذه الساعة من أصعب الأمور.
ومما لاشك فيه أن الناس لا يجدون لثقافة الشعر فراغا تركه السينما الناطق وموسيقى الجاز وذلك الحرص على أن يزدردوا في أربع وعشرين ساعة مقدارا من التجارب والاختراعات والاحساسات كان يغذي آباءنا الأولين شهوراً عدة.
على أن هذا الحال من الظواهر الطارئة التي لا تلبث أن تزول، فأن في الإنسان جزءاً جوهريا يقتضي الشعر ويتطلبه. أما وقت زوالها فذلك ما أجهله، ولكنه على أي حال لا يكون اليوم، لأن الناس أصبحوا غير أهل لتقدير العمل الفني، وإذا استطاع المسافر في قطار سريع أن يحسن التقدير لمنظر من المناظر، استطاع الرجل الذي يحيا هذه الحياة المحمومة أن يزن الحكم على قصيدة من القصائد. أن للحياة نسقا موزونا إذا أعجلته في حركته عرض الوجود كله للخطر. وقد نسى رجال اليوم ذلك فأصبحوا يركمون الإحساس فوق الإحساس دون استمتاع ولا تذوق، كالأكول الشره يبتلع اللقمة دون استمراء ولا مضغ ففاتهم بذلك خير ما في الحياة! تلك هي الحال الغالبة على كل شيء.
стр. 636
ويريبني الشك في أن مثل هذه الحال توفى بالإنسانية إلى السعادة حتى ولو حققت لها النجاح المادي، لأن هذا النجاح لا يعدو أن يصبح كل إنسان قادرا على اكتساب ثروة تضمن له ترف العيش، وتنوع له صور الحياة، ولكن الواقع أن عبادة السرعة التي احتلت المشاعر وغلبت على الأذهان تستفرغ جهد المرء في تبريزه على جاره وأخذه المهلة على منافسه، والسرعة وإن بلغت بالناس بعض النجاح لا تستطيع على ما أظن أن تجدي عليهم جمال الحياة ورخاء الصدر. فالجيل الناشئ قد جنى معرفة واسعة بالأشياء وخبرة عظيمة بالأمور، ولكنه على وشك أن يفقد حساسيته، ويوشك هذا الميل إلى الإفراط أن يطغي على العالم بأسره، لأن انتقال الأفكار من قطر إلى قطر لم يكن في زمن من الأزمان أسرع منه الآن، وقد راعني سريان هذا الداء إلى شرق الهند بسرعة غريبة. فمنذ قليل كان في البنغال جمهور عظيم قد سلم شعوره من شر الأخلاق، فكان عباد الجمال من شعراء الشياب موضع إجلالهم وتقديرهم، ودواوين شعرهم مصدرا لغبطتهم وسرورهم، ولكن الهنود اليوم قد أخذوا بأسباب الحياة الحديثة وهي كما قلت شر عل الشعر وحائل دون ازدهاره.
يزعم فريق من الناس أن تأخر الشعر نتيجة لتقدم العلوم في الثلاثين أو أربعين سنة الأخيرة وزعمهم هذا باطل، فإن نفاق العلم لا يستلزم حتماً كساد الشعر.
وإنما الخطر الحقيقي الوحيد هو أن الناس في هذه الرجات الاجتماعية الحديثة يصبحون عاجزين عن ترجمة الخواطر بالشعر، قاصرين عن إدراك الجمال في القصيد، وذلك لا ريب عرض من أعراض الهرم. ومثل هذا العرض لا يظهر في الشعوب الشابة لأن حاسة الشعر خصيصة من خصائص الشباب. على أن هذه الحاسة يفقدها المرء بسهولة إذا لم يساعدها بالثقافة والمران، ومتى فقدها فقد معها نضرة العيش وجمال الحياة.
стр. 637
فلسفة التاريخ
مقدمة
الفلسفة هي محاولة إيجاد قانون واحد شامل ينتظم الكون بأسره وتخضع له جميع الحوادث. فالعلوم تبحث عن الجزيئات والفيلسوف يستخرج من جزيئات العلم كليات الفلسفة.
وقد حاول الكثيرون أن يبحثوا في التاريخ من ناحيته الفلسفية وكدوا أذهانهم في البحث عن سبب واحد يعللون به جميع حوادث التاريخ وتطوراته من يوم ولد إلى يوم يموت فوصلوا إلى نتائج مختلفة وأسباب متشعبة.
التفسير الاقتصادي للتاريخ
كان من بين النظريات التي اهتدى إليها البحث نظرية (التفسير الاقتصادي للتاريخ) ومن أكبر دعاتها الفيلسوف الاشتراكي كارل ماركس. وخلاصة هذه النظرية أن العوامل المادية كانت دائما الدافع الأول والمباشر لكل حوادث التاريخ فالإنسان الأول لم يلجأ إلى تكوينالجماعات إلا ليسهل على نفسه سبل العيش، والجماعات لم تنقسم إلى دول وشعوب إلا لاختلاف مصالحها الاقتصادية ونشوء الدول وتطورها وسقوطها يرجع إلى أسباب اقتصادية بحتة والحروب والغزوات والهجرات لم تقم إلا على أسباب مادية خالصة.
ولأصحاب هذه النظرية شواهد تاريخية كثيرة تسند رأيهم وتعزز قولهم فالانقلاب الصناعي الذي حدث في أوروبا في القرن الثامن عشر كان له أكبر الأثر في تطور الشعور الديني عند مختلف الطبقات، وقد انتهى بضعف النزعة الدينية وتقوية شوكة الإلحاد. والحرب الأوربية الكبرى عام ١٩١٤ أقرب مثال لتأثير التطور الاقتصادي في تيار السياسة ومجراها. خرج الرجال إلى ميادين القتال فبرز النساء إلى ميادين العمل يملأن المصانع بأيديهن العاملة ويقمن بالحركة التجارية على أكمل وجه وقد قل بذلك اعتماد المرأة على الرجل، وتغير موقفها الاقتصادي نحوه فطالبت بحق التصويت. وسرعان ما احتلت مقعداً بين النواب بل وارتقت إلى كرسي الوزارة. وقد كان لهذا الانقلاب الذي طرأ على مركز المرأة الاجتماعي أثر كبير في تغيير القوانين والآداب والفنون وجميع المرافق الأخرى التي قد تبدو عديمة الاتصال بالحالة الاقتصادية. وهكذا تم تحرير المرأة عندما قل اعتمادها
стр. 638
الاقتصادي على الرجل ولم تكن لتحصل على هذه الحرية بتأثير كتابات أفلاطون وجون ستيوارت مل وغيرهما ممن ذاد عن حرية المرأة ودافع عن كرامتها. وكانت الطهارة والعفاف من فضائل المرأة الكبرى التي فرضها عليها الرجل حينما كانت تعتمد عليه، وكان تفريطها في عرضها جريمة كبرى في نظر الرجل لا تقاس بها جرائمه التي يرتكبها في هذا الاتجاه مهما كانت جليلة خطيرة، فلما تحررت المرأة قلت مسئوليتها عن عفافها وكادت تساوي مسئولية الرجل.
والواقع أن كثيرا من آدابنا العامة وفلسفتنا الخاصة يخضع لتأثير العوامل الاقتصادية كل الخضوع فالقناعة والرضا بالأمر الواقع والتواضع والخنوع فضائل إرتآها الأغنياء للفقراء وفرضوها عليهم فرضا فاتخذوها هؤلاء على مر الزمن مبادئ ثابتة لهم تحت تأثير سلطة الأغنياء وبدافع ما يسميه ماكدوجل (الشعور بالذات السلبي) - وهو شعور عكسي يدفع المرء لا إلى التغلب على غيره بل إلى الاستكانة والخضوع.
التفسير المادي للتاريخ
ومن الباحثين من كان تحت تأثير الفلسفة المادية فأرجع التاريخ إلى أسباب مادية، وإن تكن غير اقتصادية (والمادية في الفلسفة معناها أن جميع ظواهر العقل والفكر إما طبيعية أو ترجع إلى أسباب طبيعية) ومن هؤلاء بكل الذي يقرر أن المناخ هو العامل الأكبر في تقلبات الحوادث فالحضارات القديمة إنما نشأت في الجهات الحارة مثل مصر والهند وآشور وغيرها لسرعة نمو النباتات في تلك البلاد وسهولة العيش تبعا لذلك وكلما ارتقى الإنسان في سلم التطور انتقلت مراكز حضارته إلى البلاد الباردة. ويعزز لك سير المدينة شمالا من مصر إلى بلاد اليونان والرومان إلى أواسط أوربا وإنجلترا والسويد والنرويج حيث هي اليوم. ومن هؤلاء أيضا فرويد الذي يرى إن العلاقات الجنسية هي أساس كل ما يصدر عن الإنسان من حركات وأعمال. فنحن إذن نستطيع أن ننظر إلى التاريخ من عدة نواح مادية (أي طبيعية) ولكنها ليست اقتصادية ولا تتفق مع تفسير ماركس للتاريخ. ونظرية التفسير المادي للتاريخ تختلف إذن كل الاختلاف عن المادية في الفلسفة ولابد من فصل الواحدة عن الأخرى.
العواطف وأثرها في التاريخ
стр. 639
رغما عما للعوامل الاقتصادية والأسباب المادية التي ذكرناها من الأهمية العظمى في تكييف السياسة وتحديد معتقدات شعب من الشعوب فإننا لا يمكن أن نتجاهل بعض العوامل الأخرى التي كان لها أكبر الأثر في تاريخ الإنسان وحياته العامة.
(أ) وأشد هذه العوامل وضوحا وأكثرها إهمالا من جانب الاشتراكيين اتباع كارل ماركس عامل القومية، فكثيرا ما تعارضت القومية مع المصلحة الاقتصادية وتغلبت عليها فتريستا مثلا كانت تعد نفسها قبل الحرب العظمى إيطالية مع أن مصلحتها الاقتصادية كميناء تتوقف على تبعيتها للنمسا، ولكن نظراً لأن أكثر سكانها من الإيطاليين فقد كانت تضحي بفائدتها المادية في سبيل إشباع شعورها القومي. كما أن انفصال دول البلقان عن بعضها أدى إلى ضعفها الاقتصادي ومع ذلك فقد تم الانفصال تحت تأثير عوامل عاطفية قومية بحتة.
وقد كان العمال أثناء الحرب العظمى يسيرون مندفعين وراء شعورهم القومي متناسين رأيهم الاشتراكي الذي كانوا ينادون به (يجب أن يتحد العمال في جميع أنحاء العالم) تجاهل العمال هذا المبدأ حيناً، ووقفوا في ميدان القتال وجها لوجه للمحافظة على حدود الوطن وتلبية لداعي القومية. وقد يعترض أصحاب فكرة التفسير الاقتصادي على ذلك فيقولون، إن العمال كانوا يستمعون في هذا القتال لنداء أصحاب رؤوس الأموال الذين رأوا في الحرب فرصة للصيد في الماء العكر، وتكديس الأرباح والمكاسب ولكننا لا نقيم لهذا الاعتراض وزنا إذا عرفنا أن كثيراً من الرأسماليين هووا إلى الإفلاس أثناء الحرب.
(ب) ومن العواملذات الأثر البين في التاريخ المنافسة وحب السيطرة. فالمنافسة التجارية بين إنجلترا وألمانيا كانت سبباً هاماً في نشوب الحرب الكبرى، والمنافسة كما نعلم غريزة من غرائز الإنسان المتعددة تظهر بأشكال مختلفة وقد كان هذا الوجه الاقتصادي الذي ظهرت به قبيل الحرب أحد هذه الأشكال فلا يمكننا إذن أن نعد هذا السبب من أسباب الحرب من بين العوامل الاقتصادية فقد كان بوسع أصحاب الأموال من إنجليز وألمان أن يتحدوا ويتعاونوا فيجنوا من وراء ذلك الأرباح الطائلة، ولكن غريزة المنافسة غلبت عليهم فتجاهلوا مصلحتهم الاقتصادية واندفعوا وراء غرائزهم الوحشية.
هذا وقد دفعت غريزة السيطرة وحب القوة الإسكندر وقيصر ونابليون وغيرهم إلى تملك
стр. 640
ناصية العالم، ولم يكن هؤلاء الرجال يرمون إلى زيادة ثروتهم وممتلكاتهم، وإنما كانوا يشبعون غرائزهم ويبذلون أرواحهم في سبيل منافسة خصومهم والتغلب عليهم، أن الدنيا لو خلت من خصم لهم لتلمسوا المعاذير وخلقوا أسباب الخصومة خلقاً، جريا وراء النصر وحب التغلب!
وكيف يمكننا أن نتجاهل العاطفة الدينية وما كان لها من أثر في حروب دموية طويلة عند ظهور الإسلام وبين المسلمين والصليبيين. وكثيراً ما اتحدت الجماعات المختلفة بتأثير العامل الديني رغم ما كان بينها من فوارق اقتصادية وإنا لنجد العامل الكاثوليكي في أوربا يصوت لرأسمالي كاثوليكي ولا يصوت لاشتراكي ملحد رغم اتفاقه وإياه في آرائه الاقتصادية فطبقة العمال تنظر إلى رفع عماد الدين قبل أن تنظر إلى تحسين حالتها المعيشية.
الفلسفة وأثارها في التاريخ
وكثيراً ما كانت لآراء الفلاسفة نتائج عملية في توجيه السياسة. وليس أدل على ذلك مما كان لتعاليم روسو من أثر قوي في مجرى السياسة العالمية، مما أدى إلى قيام الثورة الفرنسية وما استتبعها من تطورات كما أدى إلى مناداة الولايات المتحدة بحريتها ومطالبتها باستقلالها.
علم النفس وضرورته لتفسير التاريخ
وأخيراً فأن التاريخ يحتاج كما تحتاج جميع مظاهر الحياة إلى معونة علم النفس لتفسيره وتحليل أسبابه وقد أظهرت المباحث الحديثة في هذا العلم أن الأعمال التي ترتكز على أساس من العقل والفكر ليست إلا قطرة حقيرة في خضم الأعمال التي تنبعث عن الشعور متأثرة بأسباب غير معقولة وكثيراً ما تغير وجه التاريخ لأسباب مجهولة نبعت عن دوافع لا شعورية عند بعض الزعماء وعظام الرجال، ولكن ماركس كان متأثراً بآراء علماء النفس في القرن الثامن عشر حينما كان يبحث عن أسباب معقولة يفسر بها حوادث التاريخ فهداه البحث إلى العامل الاقتصادي وعليه بنى نظريته في الاشتراكية زعماً منه أن المساواة الاقتصادية تدعو إلى إيقاف التطاحن والحرب بين البشر.
стр. 641
محمود محمود محمد. ليسانسيه في التربية والتاريخ
стр. 642
نشأة المدنية
الأستاذ زكي نجيب محمود
كان راسخا في الأذهان إلى عهد قريب أن دراسة التاريخ بعيدة كل البعد عن دقة العلوم الطبيعية، ذات القوانين الثابتة المطردة، من حيث طريقة البحث، وانتزاع الأحكام الكلية من الأمثلة الجزئية، لأنه رواية لأعمال الإنسان وسلوكه فرداً ومجتمعاً، وعلى ذلك فهو لا يخضع لقانون دقيق، كما تخضع العلوم الرياضية مثلا، ما دامت أعمال الإنسان نفسها لا تطرد ولا تستقيم مع قانون خاص، وبناء على تلك العقيدة الراسخة، لم يحاول مؤرخ في العصور الماضية (فيما نعلم) أن يستنبط من شتيت الأخبار التي يرويها التاريخ قانونا عاما ينتظم الجماعة الإنسانية، كما أستنبط الرياضيون من مختلف المظاهر الكونية مجموعة القوانين اليقينية التي لا يجد الشك إليها سبيلا.
ولكن دراسة التاريخ أخذت تخطو في العصر الحديث خطوات نحو الدقة العلمية واستخلاص القوانين العامة من الجزئيات التي تزخر بها بطون المجلدات. ومن أدق ما قرأنا في هذا الموضوع، ما كتبه توماس بكل، المؤرخ المعروف، الذي حاول في كتابه (تاريخالمدنية في إنكلترا) أن يخضع النشاط الانساني، الذي يبدو في أحداث التاريخ المختلفة، إلى نواميس ثابتة دقيقة، كالعلوم الطبيعية سواء بسواء، وكأني به قد وضع المجموعة البشرية في مخبار وأخذ يضيف إليها من المواد ألواناً مختلفة، حتى انتهى به البحث إلى تلك النتائج القيمة التي دونها في كتابه المذكور،
وسنحاول في هذا البحث أن نحلل العوامل الأساسية، والقوانين العامة، التي أنتجت المدنية الإنسانية من أحضان الهمجية الاولى، لإنها لم تنشأ حيث نشأت اعتباطا وعن طريق الصدفة العمياء، ولكنها نتائج محتومة لمقدمات طبيعية.
ولكن ما هي هذه المدنية التي نحاول أن نتتبعأسباب نشأتها؟ أليس جديراً بنا أن نلم إلمامة سريعة بمعناها أولاً، حتى يقوم البحثعلى دعامة قوية وأساس متين؟ نعم، ولكن دون ذلك البحوث المستفيضة وليس هذا المقال القصير مجالا لهذا البحث المتشعب الأطراف، والذيلا أحسب موضوعا بلغ فيه الخلاف بين الباحثين من الشدة والاتساع ما بلغه في هذا الموضوع، وأذكر أني قرأت ملاحظة طريفة أوردها الكاتب (الإنكليزي هافلوك اليس) في
стр. 643
مقال كتبه عن المدنية، حيث يقول عن هذه الكلمة إنها لم ترد في دائرة المعارف التي وضعها جماعة الانسيكلوبيديين لكثرة ما يقوم حول تعريفها من خلاف.
ولكنمهما يكن من أمر ذلك الخلاف في مدلول المدنية، الذي منشؤه تباين وجهات النظرللحياة، فأن أحداً لا ينكر إنها تعتمد في تقدمها بوجه عام على تقدم العلوم والمعارف أكثر من أي شيء آخر، وأكاد أقول في شيء من اليقين إنها عبارة عن كمية المعارف التيوصل إليها الانسان، لا أكثر ولا أقل، على الرغم من تلكالدعوى التي لا يؤيدها منطق ولا تاريخ والتي يأخذ بها بعض المفكرين في كثير من النعرة الواهية، وهي أن المدنية رهينة بتقدم الأخلاق وحدها، ويكفي أن تلقي نظرة عجلى إلى تاريخ الإنسانية منذ فجرها حتى الآن، لتعلم أن الأخلاق في العصور الأولى هي هي الأخلاق في العصر الحاضر، لم تتقدم إلا بمقدار ضئيل جداً لا يكاد يذكر، فلا يزال الصدق محموداً والكذب مرذولاً، ولا تزال الأمانة خيراً والخيانة شراً. . . أما العلوم فهي تسير كل يوم، إن لم يكن كل ساعة سيراً حثيثاً إلى الأمام.
يتضح من هذا أن المدنية في جوهرها عبارة عن المعارف الإنسانية، فإذا ما أردنا أننبحث عن الأسباب التي أدت إلى نشأة المدنية، فلنبحث عن نشأة العلوم، ماداما صنوين متلازمين، أو بعبارة أدق لأنهما شيء واحد.
حاول أن تصور لنفسك الجماعة الإنسانية في فجر التاريخ، فترى إنسانا لا يملك من الأدوات التي يستعين بها في عمله الشاق شيئا، ترى إنسانا يعمل بيده كل شيء، لا يكاد يستيقظمن نومه حتى يمشي في مناكب الأرض سعياً وراء قوته من نبات وحيوان، ويظل هذا السعي حتى يغشاه الليل بظلمته، فيركن إلى كهف يأوي إليه مهدود الجسد، فيستغرق في النعاس حتى تشرق عليه الشمس كرة أخرى، فينهض من مخدعه ليعيد في يومه سعي أمسه.
فهذا الذي يستنفد نهاره في الحصول على قوته وسائر ما تقتضيه الحياة من شئون، ويقضي ليله في جوف الكهف نائما، لا يكون لديه من الفراغما يمكنه من التفكير في خلقالسماوات والأرض، والتفكير أولى مراحل العلم، وإذن فالعلوم كامنة في ثنايا العدم، ولا يكتب لها الظهور إلى ضوء الوجود إلا إذا تبدلت الحياة غير الحياة والإنسان، فتتوفر لجماعة إنسانية
стр. 644
بيئة تساعدها على إنتاجمحصول يزيد على طعام يومها، حتى يتكون فيض إنتاجي لا يلبث أن يتجمع عند أفراد قليلين، هم الأقوياءعادة، وبذلك يستطيع ذلك النفر القوي أن يتخلص من المجهود الذي كان يبذله لتحصيل ضرورات الحياة، وإذن فقد تمتع بالفراغ الذي لابد أن يستتبع التفكير في مظاهر الكون، وهذا التفكير هو النواة الأولى للعلوم والمعارف المختلفة.
يتضح مما سبق أن الشرط الأول لنشأة العلوم - وبالتالي المدنية - هو خصوبة التربة. الذي يؤدي إلى وفرة الإنتاج بما يزيد على حاجة الاستهلاك، وأمثلة ذلك كثيرة في التاريخ، فالمدنية المصرية القديمة لم تنبت في وادي النيل إلا لخصوبة تربته، كذلك الأمة العربية كانت قبل إسلامها أقرب إلى الهمجية منها إلا أي شيء آخر، فلما جاء الإسلام، ثم تبعه انتقال الأعراب إلى الوديان الخصبة كوادي النيل ووادي دجلة والفرات، حيث الخصب والنماء والثروة أنقلب هؤلاء الأجلاف شعباً متحضراً بلغت مدنيته حداً قل أن شهد مثله التاريخ.
ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن المدنية الأوربية تختلف في أسباب نشأتها عن المدنيات القديمة، فبينا هذه تنشأ من خصوبة التربة، نرى الأولى نتيجة لاعتدال المناخ. ولم كانت المدنيات القديمة قد تأثرت بالعوامل الطبيعية وحدها، أعني إنها نتيجة لتفاعل المناخ والتربة من غير أن يتدخل الإنسان تقريبا، وخصب التربة محدود الغلة مهما أجيد استغلاله في حين أن الحضارة الأوربية لا يقف في سبيلها شيء لأنها أثر لتفاعل المناخ وذكاء الإنسان الذي لا يمكن أن نتصور له حدوداً يقف عندها، لهذا فالمدنية الأوربية أقوى أساساً وأعمق جذوراً وأبعد مدى من المدنيات القديمة جميعاً.
ولكن إذا كانت المدنية في أول أمرها (كما بينا) تابعة لخصب التربة، حتى يتوفر من المحصول الزائد ما يتجمع فيكفي فئة من الناس مؤونة العمل، وبذلك تبدأ الطبقة العلمية في الظهور، فلماذا اقتصرت المدنيات على المنطقة المدارية، حيث ظهرت في مصر والشرق الأدنى والهند وبيرو ومكسيكو، وكل هذه تكاد تكون على خط عرض واحد، نقول لماذا لم تنشأ المدنية في المنطقة الاستوائية، مع إنها وفيرة الإنتاج النباتي الذي يحقق شرط الفراغ الضروري للتفكير، فالعلم، فالمدنية؟ الجواب على ذلك سهل ميسور، وهو أن الجهات
стр. 645
الحارة لا تساعد الإنسان على التفكير والنشاط، بل من شأنها أن تقعده وتعجزه عن ضروب النشاط جميعاً، ومن جهة أخرى، فأن الوفرة النباتية الطبيعية، التي ليست ثمرة العمل الإنساني، تؤدي إلى التواكل وتعمل على خمود الذهن، لأن الحاجة أم الاختراع. وليس هناك حاجة تشحذ القوى العقلية لاكتشاف أي اختراع. إذن فأنسب مكان تظهر فيه المدنية أول عهدها، هو ذلك الذي يضطر الإنسان إلى العمل لتحصيل القوت، والذي يكون من خصبه ما يستطيع به أن يمد الإنسان بغلة تربى على حاجة الاستهلاك. ولكن قد يعود القارئ فيعترض بقوله إن هذا المناخ المعتدل الذي يبعث الإنسان على النشاط الذهني، وتلك الخصوبة التي توفر للإنسان محصولا زائداً، قد يتوفران في كثير من بقاع أوروبا مثلا، فلماذا لم تظهر المدنية في تلك الربوع في بادئ أمرها؟ هنا يتقدم (بكل) في كتابه الذي ذكرناه في أول هذا المقال، بتعليل دقيق يدعو إلى الإعجاب وإطالة النظر فهو يرى إنه لابد للمدنية في مهدها من كثرة عدد السكان بحيث يكون التفاوت عظيما بين الطبقات، حتى تستطيع الطبقة الحاكمة أن تتمتع بكامل السلطان المطلق على أفراد الشعب، فلا ينازعونها في الاستيلاء على ثمرة مجهود غيرها، وزيادة السكان بما فيها من تفاوت الطبقات، ميسورة في الجهات الدافئة دون الشمالية الباردة وإليك البيان:
لا ريب في أن الإنسان يدور مع الطعام وجوداً وعدماً فبينما تراه يتكاتف ويزدحم في البقاع الخصيبة، ترى الصحراوات خراباً لا يكاد يعمرها أحد، وهكذا يتوقف عدد السكان كثرة وقلة، على درجة خصوبة الأرض، ذلك لأنه كلما كثر الطعام كان الحصول عليه ميسوراً لكل إنسان، ومادامت غائلة الجوع مأمونة الجانب، فزيادة النسل تطرد إطراداً لا يحول دونه شيء، والعكس صحيح. أي كلما قل الطعام وعز مناله على الفقراء، تناقص السكان حتى يتكافأ عددهم مع ما تنتجه الأرض من محصول.
ولسنا بحاجة إلى ذكر ضرورة الطعام للكائن الحي لأدائه وظيفتين هامتين لا مندوحة عنهما لحفظ الحياة: فهو الذي يحفظ حرارة الجسم كما أنه يعوض ما يفنى من الأنسجة أثر القيام بالعمل، ولكنا نريد أن نرتب على ذلك نتيجة لها خطرها في موضوع بحثنا، فمن الحقائق المعروفة أن حرارة الجسم تتولد من اتحاد أكسجين الهواء الذي نتنفسه مع كربون الطعام الذي نأكله، فيولد هذا الاتحاد الحرارة اللازمة لحفظ كيان الإنسان، فلكي يحتفظ الجسم
стр. 646
بحرارته، يجب أن يناسب بين أكسجين الهواء وكربون الطعام، أي يجب أن يحصل من الطعام على مقدار يكون ما فيه من كربون متناسباً مع الأكسجين الذي يصل إليه عن طريق التنفس. ولما كان الإنسان في الجهات الباردة يتنفس أكسجيناً أكثر من زميله فيالجهات الدافئة: أولاً، لأن الهواء أكثف في الجهات الباردة فيكون مقدار الأكسجين في الشهقة الواحدة أكبر مما لو كان الهواء مخلخلا خفيفاً. وثانياً، لأن الإنسان يتنفس في الجهات الباردة مرات أكثر عدداً في كل فترة زمانية. فهذا التنفس السريع من الهواء يضاعف كمية الأكسجين التي تصل إلى الجسم في الجهات الباردة. والنتيجة اللازمة لذلك أن الإنسان في هذه الجهات يجب أن يمد جسمه بمقدار من الكربون في طعامه أكبر جداً مما يتطلبه زميله ساكن الجهات الحارة. إذن فأهل الشمال بحاجة إلى لحوم الحيوانات المختلفة لما تحتوي عليه من الكربون الذي يتطلبونه في طعامهم، مع أن أهل الجنوب يكادون يقتصرون على النباتات وحدها. ومن الحقائق العجيبة التي تلفت النظر، أن كمية الحيوان أقل جداً من كمية النبات: ومعنى هذا أن أهل الشمال لا بد أن يبذلوا أضعاف المجهود الذي يبذله أهل الجهات الدافئة للحصول على طعامهم، ولا مندوحة إلى التعرض في سبيل ذلك إلى أشق الأخطار وأعنف الصعاب، حتى أن بعض الكتاب يعلل بذلك روح المخاطرة التي تميز الأخلاق الأوربية. وإذن فالنتيجة الطبيعية لقلة الطعام في الجهات الباردة دون الجهات الحارة، زيادة السكان في الثانية أعظم من الأولى. وزيادة السكان معناها كثرة الأيدي العاملة، وكلما كثرت هذه الأيدي قلت أجورها تبعا لقانون العرض والطلب. وقلة أجور الطبقة العاملة معناها أن تتجمع الثروة في أيد قليلة (هي الفئة القوية لأن توزيع الثروة توزيع للقوة) وهكذا تزداد هذه الطائفة ثراء على حساب أجور العمال. ثم يتسع هذا الفرق ويزيد حتى يتكون في الأمة طبقتان اجتماعيتان، بينهما فارق شاسع فسيح: طبقة الملوك والأشراف، والطبقة الفقيرة العاملة. وبديهي أن هذا الفرق الاجتماعي يكون في الجهات الدافئة أكثر منه في الجهات الباردة حيث السكان قليلون بسبب قلة الطعام، فتزداد أجورهم نوعاً، وبذلك تقل الثروة التي تتجمع في أيدي الفئة القوية، وتضيق مسافة الخلف بين الطبقتين، ولعل هذا هو السبب في تمكن النزعة الاستبدادية في بلاد الشرق، ونماء الديمقراطية في ربوع الغرب. ويظهر مما سبق أن العاملين اللذين أشترطهما (بكل)
стр. 647
لقيام المدنية يتوفران في الجهات الدافئة قبل الباردة.
يحسن أن ألخص هذا التفصيل في سلسلة منطقية يسهل استيعابها حتى لا تتشعب أطراف الموضوع، فيفقد القارئ الرابطة التي تصل بعضها ببعض: زيادة السكان تتبع كثرة الطعام ولما كان الطعام الضروري للحياة أكثر في الجهات الحارة منه في الجهات الباردة فقد أزداد عدد السكان في الجهات الحارة بنسبة أكبر من الجهات الباردة ولكن ازدياد السكان يؤدي إلى قلة الأجور.
ثم يؤدي هذا بدوره إلى ازدياد الثروة عند الطبقة القوية. إذن فالطبقة غير المنتجة تظهر في الجهات الحارة قبل ظهورها في الجهات الباردة. ولما كانت نشأة العلوم (أي المدنية) رهينة بوجود هذه الطبقة غير المنتجة التي تستطيع أن تتفرغ للتفكيرفالنتيجة المنطقية لكل هذه المقدمات هي أن المدنية تشأ في الجهات الدافئة قبل نشأتها في الجهات الباردة، ولكنها إذا ما نشأت في هذه الجهات الأخيرة، كانت أقوى أساساً لما ذكرناه من إنها في تلك الجهات نتيجة لتأثير المناخ في الإنسان، في حين إنها في الجهات الدافئة نتيجة لتأثير المناخ في التربة، ولذلك نراها تسير نحو الجهات الباردة كلما ارتقت وازدادت قدمها رسوخاً، ولو أنا تصفحنا التاريخ على عجل للاحظنا لأول وهلة إنها نشأت في مصر (وهي منطقة دافئة) ثم أخذت تسير نحو الجهات الباردة شيئاً فشيئاً، فقد انتقلت إلى الشرق الأدنى، ثم إلى اليونان، ثم إلى إيطاليا، ثم إلى أواسط أوروبا، وهي الآن رابضة في شمال غربي أوروبا، ويتنبأ بعض الكتاب بأنها ربما استقرت في اسكندناوه في مستقبل أيامها، وهناك من الدلائل ما يؤيد ذلك.
لقد شرحنا فيما سبق القواعد العامة التي تتحكم في قيام المدنيات، ورأينا إنها نتيجة منطقية لمقدمات طبيعية، وإنها لا تخبط خبط عشواء في سيرها. ويجمل بنا الآن أن نطبق تلك القواعد الشاملة على نشأة المدنية المصرية زيادة في الإيضاح. ذكرنا أن بواعث المدنية هي:
(١) اعتدال الحرارة لأن الحرارة الشديدة تشل قوة التفكير
(٢) خصب التربة
وهذان الشرطان متوفران في وادي النيل، فهو في المنطقة المعتدلة الدافئة، وتربته غنية
стр. 648
بما يحمله هذا النهر المقدس من طينة كأنها النضار.
(٣) ولكنا اشترطنا أن تجود الأرض بأكثر من حاجة الاستهلاك، وهذا متوفر في مصر. فقد كان البلح والذرة هما النبات الرئيسي الذي تجود به أرض مصر جود الكريم، وبذلك يصبح تحصيل القوت ميسورا، وإذن فزيادة السكان نتيجة محتومة، إلى آخر ما يتبع ذلك من نتائج. وبعبارة واضحة، لعلها لا تدهش القارئ بعد التحليل الذي بسطناه، إن نبات الذرة في مصر هو السبب الأساسي الذي دفع المدنية المصرية إلى الظهور. ومما يؤيد هذه النتيجة أن المدنية المصرية نشأت أولاً في الوجه القبلي لأنه اصلح لإنبات الذرة، حتى يقال أن زراعته انتقلت منه إلى الوجه البحري في وقت متأخر، ولا يزال صعيد مصر يزخر بآثار تلك المدنية العظيمة التي تنهض دليلا على ذلك.
ومما يؤيد زيادة السكان، التي نتجت عن وفرة الطعام، ما ذكره هيرودت من أنه وجد في مصر عند زيارته لها عشرين ألف مدينة عامرة. وقد أدت زيادة السكان طبعاً إلى نقص الأجور وتفاوت الطبقات تفاوتا عظيماً، بلغ حد التأليه للملوك، ونزل بطبقة العمال إلى هاوية التسخير غير المأجور، كما يتضح من بناء الأهرام وما إليها.
ليست أحداث التاريخ فوضى لا ضابط لها كما يتبادر إلى الأذهان التي تقف عند النظر السطحي، ولكنها تبدو للذي يستبطن دخائلها، خاضعة لقانون محكم لا يشذ، ومنطق سليم لا عوج فيه ولا التواء.
زكي نجيب محمود
стр. 649
في الأدب العربي
القصة المصرية
للأستاذ جيب. أستاذ الأدب العربي في مدرسة اللغات الشرقية بلندن
ولقد كتب الدكتور زكي مبارك معارضة من هذا القبيل يوافق فيها على أن القصة لا يمكن أن تنشأ في مصر إلا إذا حصلت المرأة على مركز اجتماعي لائق، ويصف كتاب القصة في الأدب العربي بأنهم ينتمون إلى الطبقة الوضيعة من طبقات الأدباء، وينعى عليهم قلة خبرتهم بفنون الكتابة وعدم استقلالهم في الرأي وسطوهم على الآداب الأوروبية، وأدهى من ذلك أنهم يغرون الشباب باحتقار فنون الكتابة الأخرى، على حين إن الأدب الحقيقي الذي يتجلى فيه الصدق والدقة الفنية قد يوجد في ضروب أخرى من ضروب الكتابة كالرسالة والقصيدة. وليس من الجائز أن نحكم على الأدب العربي بما نشاهده في الأدب الفرنسي والإنجليزي، بل يجب أن نحكم عليه حسب ميول أبنائه، وحسب درجة نجاحه في التعبير عن أفكارهم وأخيلتهم وأغراضهم. ويشير الكاتب إلى أن آداب الصحافة في مصر توضح الآن كثيراً من المشاكل العلمية والروحية ومشاكل العاطفة التي تواجه المصريين، وإلى أن مراقبة الحكومة ووقوف الرجعيين بالمرصاد يحولان دون الإفاضة في توضيح تلك المشاكل. ويقول الكاتب أن هناك نقطة أخرى جديرة بالانتباه وهي أنه يجب علينا ونحن وارثو الماضي أن نستحضر ذلك الماضي ونحن نفكر في الحاضر، وأن ننظر بعين الاعتبار إلى الأساليب والطرق القديمة في الكتابة حينما نتجه نحو التجديد، فأن ذلك أجدى علينا من هذا البهرج الكاذب الذي يزيف به الأدب الحديث.
ولكن الأدب العصريفي مصر قد أثبت الآن حيويته وسار فعلا في طريق الاستقلال، وليس من الممكن أن يجدالقارئ المتوسط بغيته الآن في الأدب القديم، فإنك إذا وجهت اهتمامه مثلا إلى العقد الفريد أو إلى غيره من آثار (العصر الذهبي) فكأنك بذلك تعطيه حجراً بدل الرغيف الذي يطلبه ويصر على الحصول عليه. وإذا وقف الكتاب دون إمداده بما يطلب فأنه يتجه إلى استيراده من الخارج مهماثبت له عدم ملائمة ذلك الذي يستورده لطبيعته وحالته الاجتماعية. وقل أن يجد القارئ في المقالة أو في الموضوع الذي يعرف بالرسالة في القصيدة العادية ما يغير خياله، إذ ينقصها عنصر الخيال واللذة الحية، اللهم إلا في
стр. 650
القصيدة الشعرية المتينة فقد يكون فيها ما يدخل في دائرة الميراث الخيالي للناس.
وهكذا نرى أن المسألة في جوهرها ليست مسألة تقليد ومحاكاة لأهل الغرب، فلقد أدى أتساع التعليم إلى اتجاه ميول القراء إلى نواح أخرى. ولما نشأت تلك الحالة في أوربا عمد الكتاب إلى القصة ليقابلوا بها ميول القراء، ونستطيع أن نقول إنه ما لم يتسن للكتاب المصريين إيجاد القصة فسيستمر اتجاه القراء في مصر إلى الأدب الأوربي، فإن المقالة أو الموضوع الأدبي أقل من أن يفي بالغرض الذي يسعى إليه القراء.
أما القول بأن إدخال فن من فنون الكتابة لم يكن موجوداً من قبل قد يكون فيه مساس بكرامة الشعب الأدبية فرأي مبني على التطرف والمبالغة، وهل أدى إدخال القصة في الأدب التركي أو الهندي إلى الحط من كرامتها؟ كلا. ومن أجل ذلك نرى القصة المصرية تنشب جذورها في تربة الأدب المصري في ثبات مهما صادفت من صعاب ونكران للجميل.
ولكن القصة لا تصل إلى تمام نموها، إلا إذا وافقت بيئة البلاد الاجتماعية، ومن هنا تنشأ المشكلة الرئيسية.
إذا وضعنا جانباً تلك العوامل الاجتماعية التي تكلمنا عنها فإن كتاب القصة في مصر قد وجهوا بمشكلة أخرى أشرنا إليها في مبدأ هذا البحث وهي خلق (فن اصطلاحي حديث) للقصة. ونستطيع أن نتبين في كتابات المنفلوطي وجورجي زيدان بعض المحاولات في هذا السبيل ولكن من حيث الأسلوب فقط، الأول بطريقته والثاني بسهولة عبارته، ولكن كلاهما لم يتعرض للنقطة الأساسية، وهي الوصول إلى تمثيل الحياة الاجتماعية الراهنة تمثيلا صحيحاً في الألفاظ وطريقة التعبير عما في النفس وعلى الأخص في الحوار.
على أن هذه المهمة قد وجدت من أشتغل بها من كتاب القصص القصيرة وأقدمهم في ذلك هو محمد تيمور (١٨٢٩ - ١٩٢١) ويمنعنا ضيق المجال هنا من أن ندرس بالتفصيل آثار تلك الطائفة، ولذلك نكتفي بأن نشير نقطة من أهم النقط التي تعرضوا لها وهي الطريقة التي جروا عليها في أسلوب الحوار.
وهنا ينبغي أن نذكر أن مشكلة الأسلوب الواجب إتباعه في الحوار لم تكن مقصورة على الأدب العربي ولكنها ظهرت في كثير من آداب الممالك الأوربية وبخاصة في تلك الممالك
стр. 651
التي ذهبت فيها لغة التخاطب العادية تحت تأثير الكتابات الأدبية، وتنحصر تلك المشكلة في السؤال الآتي: هل نجعل اللغة الفصحى لغة الحوار وبذلك نجعله حواراً مصطنعاً غير طبيعي؟ أم نقتصر على اللغة الفصحى في القصص والوصف، ونستعمل العامية في الحوار، وبذلك نعرض القصة للتفكك والتنافر؟
وقد سار الكتاب في القصص التي ظهرت فيما قبل على الطريقة الأولى أعني استخدام اللغة الفصحى في الحوار لا في الترجمة فحسب (وهنا تكون المسألة طبيعية) ولكن فيما ألفه كتاب القصص من السوريين أيضاً، وذلك بذكر القارئ الأوربي ما كانت عليه القصص الأوربية أثناء نشأتها من تكلف وضعف. وتعتبر زينب في نظري أول قصة استعملت إليها اللغة العامية في الحوار، ولقد ترك ذلك أثراً في القصص القصيرة الأخرى، ونخص بالذكر منها مجموعة محمود تيمور المسماة (بالشيخ جمعة) ولقد قامت بجانب ذلك فكرة أخرى وهي أن يكون الحوار بحسب درجة تعلم المتكلم، وبذلك يراوح الكاتب أن يرواح بين اللغة الفصحى واللغة العامية هبوطاً أو صعوداً، وإذا استعمل الفصحى على لسان شخص متعلم الأدبية العالية ينبغي أن يتحاشى العبارات، لكي يتمشى ذلك مع السهولة المطلوبة والمعتادة في الحوار (ويلاحظ أن الحوار في الطبعة الثانية للشيخ جمعة قد عدل بما يتفق مع هذا المبدأ) وبهذه الطريقة يتسنى للكتاب أن يحرصوا على المظهر الطبيعي للقصة مع تضحية قليلة في الصدق والإصابة بحيث لا يصعب على القارئ أثناء مطالعة القصة أن يحول في ذهنه عبارات الحوار المكتوبة إلى ما يعرفه من عبارات الحديث المألوفة. ونحن من جهتنا نتوقع أن نشاهد تحقيق هذه النظرية في القريب، وعلى الخصوص مع أتساع التعليم الابتدائي وبفضل مجهود الأدباء.
ويبقى علينا في هذا الصدد أن نتساءل إلى أي حد قد استطاع القصصيون الحديثون في مصر أن يعبروا عن مشاكل شعبهم وحاجته وأطماعه. يمكننا أن نستنتج من البحث المتقدم أن عدد القصص التي يظهر فيها ذلك قليل جداإذا اقتصرنا على الآثار التي لها قيمة أدبية حقيقية. '
يعتبر نقولا حداد، صاحب جريدة السيدات والرجال التي نشرت فيه معظم مباحثه، أوفر القصصيين العصريين إنتاجا وهو في نظر محمود تيمور أبعدهم شهرة أيضا. وعلى الرغم
стр. 652
من أن الرجل سوري الأصل فإن لبحثهوأسلوبه صبغة مصرية اكثر مما لسواه من الكتاب السوريين، ونستطيع أن نحكم من روايته التاريخية (فرعونة العرب) أن لديه مقدرة على اجتذاب القراء إليه بما يتخلل قصته من الحركة السريعة والمواقف الرائعة. على أن خطة القصة فيها شيء من التفكك، والأشخاص تعوزهم قوة التصوير، حتى أننا نشك فيما إذا كان المؤلف قد أضاف شيئاً إلى نمو القصة المصرية من حيث الشكل أو من حيث الموضوع. وهناك قصة تاريخية أخرى تحوي الكثير من اللذة الأدبية، وتعتبر أول عمل من نوعه في الأدب المصري، تلك هي قصة (ابنة المملوك) لمؤلفها الأستاذ محمد فريد أبو حديد، وهذه القصة لا تمت بأية صلة إلى ذلك النوع من القصص التاريخية التي أخرجها زيدان، وهي من جهة أخرى تفوقها من وجوه عدة. ففي قصة ابنة المملوك قد حلت الحقيقة محل الخيال الجامح الذي تمتاز به قصص زيدان، وفضلا عن ذلك فإن تلك القصة لم تستغرقها كثرة الحوادث التاريخية، وإنما وضعت بطريقة تاريخية واضحة، وكان العصر الذي اختير لها هو فترة النزاع بين محمد علي والمماليك سنة ١٨٠٥ - ١٨٠٨ ولقد أتستطاع المؤلف أن يعرض الحوادث التاريخية في ثنايا القصة بحيث لا يجتذب التفات القارئ إليها قسراً. وحتى أهم الحوادث التاريخية في تلك الفترة وهي الحملة الإنجليزية التي وجهت إلى الإسكندرية وهزيمتها في رشيد عام ١٨٠٧، لم يشر إليها المؤلف إلا إشارة وجيزة في سطرين أو ثلاثة مع أن بطل القصة وهو فتى عربي فار من وجه الوهابيين قد صوره المؤلف على أنه قام بنصيب في تلك الحرب، ومع أن القصة لم تنجح تماماً في تجنب الجفاء الذي تمتاز به القصص التاريخية نجد على الرغم من ذلك حياة وحركة في تصوير الأشخاص. وهي فضلا عن ذلك تسترعي انتباه القارئ من فاتحتها حتى خاتمتها التي جاءت في شكل مأساة.
تأتي بعد ذلك تلك القصة التي نشرت حديثاً، وتعتبر من جميع الوجوه أهم قصة صدرت بعد زينب. وهي القصة التي طال انتظارنا إياها من المازني. وقد نشرت عام ١٩٣٠ تحت عنوان إبراهيم الكاتب. ويقول المؤلف في مقدمة القصة إن جزءاً منها كتب في عام ١٩٢٥ وإنها تمت في عام ١٩٢٦ ثم تركت بعد ذلك جانباً، وإن جزءاً من نصفها الأخير قد كتب بسرعة أثناء الطبع نظراً لفقد بعض الأصول وقد يساعدنا ذلك على تفسير الاضطراب
стр. 653
الذي سنشير إليه أثناء الكلام عنها. وقد جاء في المقدمة أيضاً بحث شيق للمشاكلالتي تكلمنا عنها. أما فيما يختص بأسلوب الحوار فإن المازني يرفض الكلام العامي لخلوه من دقة التعبير وعدم ثباته، في حين إن العبارات الفصيحة آخذةً في التقدم والتهذيب يوماً بعد يوم. ويعارض المازني أيضاً في مقدمته هيكل بيك فيما يراه من أن العوامل الاجتماعية في مصر تحول دون خلق القصة المصرية. فإن القائلين بهذا الرأي يفترضون خطأ أن القصة الغربية هي النموذج الوحيد للفن القصصي. ولكن لم لا يكون هناك قصة مصرية قائمة بذاتها تميزها مميزات خاصة؟ ويرى المازني أن الحياة الاجتماعية في مصر لا تقوم عقبة في وجه أي كاتب بارع الخيال. ويقول إننا إذا سلمنا بأن وجهة المصريين وأفكارهم فيما يتعلق بالحب، تختلف عن وجه الأوربيين في ذلك، فلا يتحتم أن يكون ذلك عقبة كأداء في سبيل القصة المصرية. ولم تكون عاطفة الحب ذاتها هي المحور الأصلي الذي تدور حوله القصة؟ ويضيف المازني أن ما يتخيله الكتاب من ضيق مجال القصة المصري، إنما هو (نوع من الهستيريا) لا أقل ولا أكثر.
على أن القصة نفسها لا تحقق ما ينتظره منها المرء بعد هذه المقدمة. وليس ذلك لأنها أخفقت في الخطة أو في تفصيل المواقف وتصوير الأشخاص أو غير ذلك من المسائل الفنية. كلا فإنها من هذه الوجوه أحسن قصة في الأدب العربي على ما أعلم، ويتجلى في هذه القصة تلك الروح التي ينفرد بها المازني من جميع معاصريه أعني تلك الرقة هاتيك الروح الفكاهية التهكمية التي تظهر في كتاباته. ويسير القصص فيها سيراً حثيثا وفي سهولة كما أن الحوار سهل طبيعي وقد جاءت الانتقادات الاجتماعية والتحليلات النفسية (التي قصد إليها المؤلف بطريقة مضمرة في ثنايا الكلام) أكثر منها صريحة واضحة. ولكنها على الرغم من ذلك (فيما عدا أشخاصها وأوضاعها) ليست قصة مصرية بالمعنى الذي يفترضه المازني نفسه، وأكبر دليل على ذلك إن بطل القصة عبارة عن شخصية غريبة لا تكاد تنطبق إلا على القليلين من المصريين، وربما كان الناشر مصيباً في أن اتفاق الاسم بين المؤلف وبطل القصة لم يكن أمراً خيالياً محضاً. والقصة ذاتها غربية في المشاعر والمثل كما هي كذلك في المسحة الأدبية وفي الموضوع الذي تدور حوله. ودراسة عاطفة الحب قائمة على أساس غربي لا شرقي وحتى المظاهر الخارجية ذاتها من حيث
стр. 654
الشكل والأسلوب تنطق بهذا الطابع الغربي، ومن أمثلة ذلك كثرة استعمال المجازاتوالجمل الغربية. وأغرب من ذلك كله جرى المؤلف على طريقة اقتباس فقرات من الإنجيل في رأس كل فصل من فصوله. ويوجد فرق محسوس في اللهجة والموضوع بين نصف القصة الأول ونصفها الثاني. أما الأول فأنه يسير في دائرة الحياة الاجتماعية المصرية ولا يمكن أن يصور ما فيه من فكاهة وعطف إلا قلم كاتب مصري. أما النصف الثاني فيستبين فيه جو آخر وتتغير فيه اللهجة الأولى تدريجياً كما لو كان أسلوب المؤلف قد تأثر بما انتاب بطل القصة في هذا النصف.
ونحن دون أن ننكر على المؤلف إصابته في الخيال، نقرر أن (إبراهيم الكاتب) (كزينب) واضحة الصلة بالرواية الغربية، ولكن ما حوته زينب من العواطف لا يروق في عين المازني الذي تتجه ميوله إلى جهة أقوى، والذي يهتم بتمثيل الحقيقة. وفي هذه الحالة نقول إن تداعي الأفكار الأدبية التي يمتاز بها فكر المازني قد صرف ذهنه إلى رواية (سانين) فأوجد صلة بين رواية المازني أو على الأقل بين جزء منها في تصوراتها وبين هذه الرواية الروسية التي ترجمها المازني تحت عنوان (ابن الطبيعة). نعم إن رواية إبراهيم الكاتب تختلف كل الاختلاف في الخطة وفي طريقة الاتساع عن قصة (سانين) ولكن شخصية إبراهيم قد استعادت بعض الشيء من شخصية سانين. وفي رواية المازني منظر يعتبرترجمة حرفية لخاتمة القصة الروسية.
ومما تقدم نرى أنالقصة المصرية كما يتجلى في كتابة كاتبين من أكبر كتابها، لا تزال دون المثل الذي رسمه لها الكتاب. ولا تصل القصة المصرية إلى كمالها، إلا بالجمع بين المقدرة الفنية التي يمتاز بها كتاب الغرب وبين الإلهام المصري. وإلى أن يصل الكتاب إلى ذلك سيظل معظم القراء المصريين مقبلين على آداب غيرهم، ولن يقف تيار الأدب الأوروبي إلا إذا تسنى للمصريين أن يخلقوا فناً جديداً من فنون الكتابة بواسطته تظهر القصة المصرية في معناها الحقيقي.
ترجمها عن الإنجليزية للرسالة: محمود الخفيف
стр. 655
ابن خلدون في مصر
للأستاذ محمد عبد الله عنان
وتحدث الفاتح طويلاً إلى المؤرخ وسأله عن أحواله وأخباره وسبب مقدمه إلى مصر وما وقع له بها، ثم سأله عن المغرب ومدنه وأحواله وسلاطينه، وطلب إليه أن يكتب له رسالة في وصف المغرب، وحدثه المؤرخ بأنه كان يسمع به ويتمنى لقاءه منذ أربعين سنة أعني منذ تألق نجمه وبزغ مجده، وشرح له طرفاً من آرائه ونظرياته الاجتماعية في العصبية والملك. ولا ريب أن مفاوضة في شأن المدينة وقعت أيضاً بين المؤرخ والفاتح واستطاع المؤرخ أن يقنع الرؤساء والفقهاء بالتسليم، فقد فتحت دمشق أبوابها للفاتح على أثر ذلك، وجاء القضاة والرؤساء وعلى رأسهم المؤرخ إلى معسكر تيمورلنك يقدمون له الخضوع والطاعة. ويقول لنا ابن خلدون إن تيمورلنك صرفهم واستبقاه حيناً، ثم أنصرف واشتغل أياما بكتابة رسالة في وصف بلاد المغرب حتى أتمها وبلغت على قوله أثنى عشرة كراسة صغيرة ثم قدمها إلى تيمورلنك فأمر بترجمتها إلى اللغة المغولية.
وكان المفهوم أن دمشق قد نجت بالتسليم من بطش الفاتح ولكن التتار احتجوا باستمرار القلعة في المقاومة فشددوا عليها الحصار حتى سلمت، ثم اقتحموا المدينة وصادروا أهلها وأوقعوا فيها السفك والعبث والنهب وأضرموا النار في معظم أحيائها وتكررت المناظر المروعة التي وقعت في حلب، على أن ابن خلدون لم يقطع صلته بالفاتح بل لبث متصلا به يتردد لزيارته خلال المحنة. وحدثه تيمورلنك ضمن ما حدث بأمر شخص تقدم إليه مدعيا بالخلافة وأنه سليل بني العباس وجرت مناقشات فقهية طويلة في شأنه أشترك فيها المؤرخ وأدلى فيها بآرائه ونظرياته في الخلافة. وقدم ابن خلدون أيضاً إلى الفاتح هدية هي (مصحف رائق وسجادة أنيقة ونسخة من البردة وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة) ولما قدمها إليه وضع تيمورلنك المصحف فوق رأسه بعد أن عرف أنه القرآن الكريم، ثم سأله عن البردة وذاق الحلوى ووزع منها على الحاضرين في مجلسه.
والتمس المؤرخ منه في هذا المجلس أماناً للقضاة والرؤساء والعمال فأجابه إلى طلبه وأصدر الأمان.
يصف لنا ابن خلدون هذه المحادثات والمقابلات التي وقعت له مع الفاتح التتري، وقد كان
стр. 656
فيها يؤدي دور المفاوض والسياسي القديم. ولكن مؤرخاً مصرياً هو ابن أياس يقدم إلينا فيذلك رواية أخرى، فيقول لنا إن الذي قام بمفاوضة تيمورلنك في تسليم دمشق هو القاضي تقي الدين بن مفلح الحنبلي، وإنه هو الذي أدلي من السور وأختاره الزعماء لتلك المهمة، لأنه كان يعرف التركية ولأنه هو الذي سعى في تسليم المدينة وأقتاد وفد القضاة إلى الفاتح وأستصدر منه الأمان وتولى تنفيذ جميع رغائبهفي جمع المال والأسلاب. ولكن ابن خلدون صريح في روايته في إنه هو المفاوض والوسيط في عقد المهادنة بين الفاتح وأهل دمشق كما قدمنا وأنه كان ممثل الرؤساء والقضاة لدى تيمورلنك ولا شك في روايته. وهي من جهة أخرى رواية ابن عربشاه الدمشقي مؤرخ تيمورلنك الذي كتب تاريخه قريباً من هذه الحوادث فهو يصف لقاء ابن خلدون للفاتح تحت أسوار دمشق على رأس العلماء والقضاة ويصور لنا قي عبارة شعرية ساحرة منظر هذا اللقاء وما تخلله من أحاديث ومناقشات. على إن صحة هذه الرواية لا تمنع من جهة أخرى أن يكون آب مفلح قد أشترك في المفاوضة وتولى تنفيذ شروط التسليم.
ولعل ابن خلدون كان يعلق على صلته بالفاتح آمالاً أخرى غير ما وفق إليه في شأن دمشق وشأن زملائه العلماء والقضاة، ولعله كان يرجو الانتظام في بطانة الفاتح والحظوة لديه والتقلب في ظل رعايته ونعمائه. على أنه لم يوفق بلا ريب إلى تحقيق مثل هذه الأمنية فلم تمضِ أسابيع قلائل حتى سأم البقاء في دمشق وذهب إلى تيمورلنك يستأذنه في العود إلى مصر. فإذن له وطلب إليه في تلك المقابلة أن يقدم إليه بغلة إذا استطاع فأهداه المؤرخ إياها وبعث إليه تيمور ثمنها فيما بعد عقب وصوله إلى مصر. وغادر المؤرخ دمشق في شهر رجب (سنة ٨٠٣) لنحو شهرين فقط من مقدمه إليها ودهمه اللصوص أثناء الطريق فسلبوه ماله ومتاعه ولكنه وصل سالماً إلى القاهرة في أوائل شعبان سنة ثلاث وثمانمائة.
وهنا يهتف المؤرخ مغتبطاً بنجاته (وحمدت الله على الخلاص) ويقول لنا أنه كتب إلى سلطان المغرب مولاه السابق يصف هذه الحوادث وما دار بينه وبين تيمورلنك ويصف له الفاتح وعظم بأسه وشاسع ملكه وروعة سلطانه.
(٣)
وما كاد ابن خلدون يستقر في القاهرة حتى أخذ يسعى للعود إلى منصب القضاء. وقد رأينا
стр. 657
إنه كان يحتفظ دائماً بكرسي التدريس في مدرسة أو اثنتين. ولكن القضاء من مناصب السلطة والنفوذ، وكان ابن خلدون يشعر وهو في ذلك الجو المشوب بكدر الخصومة والمنافسة إنه بحاجة إلى ذلك النفوذ الذي أعتاد أن يتمتع به في جميع علائقه السلطانية، وكانت المعركة التي تضطرم حول ذلك الكرسي، والتي شهدنا مظاهرها في تكرار تعيينه وعزله، تذكي بلا ريب في نفسه شهوة الظفر بذلك الكرسي، فيكون ذلك آية نصره على خصومه ومنافسيه. وكان المؤرخ قد بلغ الرابعة والسبعين يومئذ، ولكن نفسه الوثابة كانت تتطلع أبداً إلى مسند النفوذ والجاه، ويصور لنا هذه النفسية مؤرخ مصري نزيه ثقة في إشارة موجزة إذ يقول لنا في خاتمة ترجمته للمؤرخ ﵀، ما كان أحبه في المنصب) وكان ثمة شيء آخر إلى جانب هذا الشغف بالمنصب، فقد كان بين ابن خلدون وبين خصومه نضال، وكان منصب القضاء كما سنرى محور هذه المعركة، يرتفع ابن خلدون إليه كلما استطاع أن يسترد مكانته في القصر وأن يتغلب على كيد خصومه، ويفقده كلما نجحت سعاية خصومه في حقه.
عزل ابن خلدون من منصب القضاء للمرة الثانية في المحرم سنة ثلاث كما قدمنا، وذهب معزولاً في ركب السلطان إلى الشام، فاتخذ خصومه بعده عن القاهرة فرصة للدس في حقه، وزعم بعضهم إنه هلك في حوادث دمشق. ويريد المؤرخ هنا أن نفهم أن المنصب كان محفوظاً له أو أنه وعد على الأقل برده إليه من أولي الأمر، فيقول لنا أنه على أثر هذا الإرجاف في حقه عين مكانه في قضاء المالكية، جمال الدين الأقفهسي (جمادى الثانية سنة ثلاث) فلما عاد إلى مصر عدل عن ذلك، وعزل الأقفهسي، وولي ابن خلدون للمرة الثالثة في أواخر شعبان أو أوائل رمضان فلبث في منصبه زهاء عام يعمل في جو يفيض بالأحقاد والخصومة، ولكنه يقول لنا أنه لم يحفل كعادته بمصانعة الأكابر وأنه أستمر كما كان (من القيام بالحق والإعراض عن الأغراض). فاضطرمت من حوله الدسائس القديمة، واشتدت في حقه المطاعن والمثالب، وأسفرت المعركة عن النتيجة المعتادة، وعزل المؤرخ كرة أخرى في ١٤ رجب سنة أربع (٨٠٤)، وولى مكانه جمال الدين البساطي في أواخر رجب، وهو ممن شغلوا المنصب من قبل. والظاهر أن المعركة كانت هذه المرة أكثر وضوحاً وصراحةً، وإن ابن خلدون عانى من حملات خصومه ما لم يعان من قبل حتى أنه
стр. 658
طلب بعد العزل أمام الحاجب الكبير، ووجه إليه كثير من التهم، ويقول لنا ابن حجر والسخاوي في هذا الموطن: (وادعوا عليه (أي على ابن خلدون) أموراً كثيرة أكثرها لا حقيقة له، وحصل له من الإهانة مالا مزيد عليه). وهنا اشتدت المعركة بين المؤرخ وخصومه، واستحالت إلى نضال عنيف سريع الأثر، وبقي مظهرها التداول على المنصب، ولكنه أنحصر حينا بين ابن خلدون والبساطي، مما يدل على إن البساطي كان ممثل الحزب الذي يناوئ المؤرخ في هذا الدور من المعركة. والظاهر أن ابن خلدون كان يعتمد في مقاومة خصومه على عوامل وقوى ليست أقل أثراً مما يعتمدون عليه، فإنه لم يمض على ولاية البساطي نحو ثلاثة أشهر حتى عزل في أوائل ذي الحجة، وعين ابن خلدون للمرة الرابعة في ١٦ ذي الحجة، واستمر في المنصب عاماً وشهرين، ثم رجحت كفة خصومه فعزل في السابع من ربيع الأول سنة ست (٨٠٦)، وأعيد البساطي في الشهر نفسه، ثم عزل في شهر رجب سنة سبع، وأعيد ابن خلدون للمرة الخامسة في شعبانسنة سبع، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر في ٢٦ ذي القعدة من نفس العام، وأعيد خصمه القديم جمال الدين الأقفهسي فلبث ثلاثة أشهر، ثم عزل وخلفه جمال الدين التنسي لمدة يومين فقط، ثم أعيد البساطي في ربيع الأول سنة ثمان (٨٠٨) وعزل في شعبان من العام ذاته، ثم أعيد ابن خلدون للمرة السادسة فلبث في منصبه بضعة أسابيع فقط وفي السادس والعشرين من رمضان سنة ثمان وثمانمائة (١٦ مارس سنة ١٤٠٦م) توفي المؤرخ والمفكر الكبير، قاضيا للمالكية وقد بلغ الثامنة والسبعين من حياة باهرة حافلة بجليل الحوادث وروائع التفكير والابتكار، ودفن في مقبرة الصوفية خارج باب النصر وهي يومئذ من مقابر العظماء والعلماء.
ويصل ابن خلدون تدوين أخبار هذا النضال العجيب حتى عزله للمرة الخامسة في ذي القعدة سنة سبع أعنى إلى ما قبل وفاته بعدة اشهر فقط.
стр. 659
من طرائف الشعر
المنجم
للدكتور محمد عوض محمد
جلست إلى جانب المنجم … أحدق في جوفه الأقتم
ظلام رهيب (. . . وغور بعيد) … وليس إلى القاع من سلم!
فيا عجبا! أي كنز ثمي … ن تكدس في قاعه المظلم. . .؟
وأي نعيم لمن يستط … ع وصولا إلى جوفه المفعم!
وأي انتصار لمن قد يغو … ص فيخرج ما فيه من أنعم!
ومالي أحجم عما أرو … م ولا فوز في الدهر للمحجم. .
أيا نفس قد آن أن تقحمي … رهيب الخطوب وأن تقدمي!
فيا صاح هات الرشاء المتي … ن لأدليه من فم المنجم
وأنزل وسط الظلام المخي … ف نزول العقاب أو القشعم
عفاء على بؤس عيش مضى … لقد آن يا نفس أن تنعمي!
فما زلت أهبط في جندس … به الكف لا تهتدي للفم
إلى أن تحجب ضوء النها … ر وأمسيت في حالك أدهم،
أحاول جهدي التماس السبي … ل بسمع أصم وطرف عمي!
وحولي هواء رطيب كري … هـ كأني في بؤرة من دم
وكم من بخار غريب مريب … ومن نفس مدنف مسقم!
فهل مثل هذا الطريق الكري … هـ يؤدي إلى المقصد الأعظم؟
على أن صوت الرجاء المَل … ح يهيب بنفسي: لا تحجمي!
فكم نقمة طيها نعمة … وحلو تولد من علقم!
فما زلت منحدرا. . . نازلا … بصبر الجليد وعزم الكمى
ينير فؤادي ضياء الرجا … ء فلم أتراجع، ولم أهزم
وكم شدة إثرها شدة … تحملتها غير مستسلم!
وبعد عناء وسير طوي … ل إلى غاية المنجم المقتم!
стр. 660
وصلت إلى قاعة مجهدا=وقد أخذ الوهن من أعظمي!
ورحت أفتش أرجاءه … بقلب مشوق وصدر ظمي
أطوف به باحثا فاحصاً، … فأعدو هنا، وهنا أرتمي
فلم ألق كنزاً ولا شبهه، … فيا حسرة البائس المعدم!
وما كل شيء عزيز الطلا … ب بذخر ثمين ولا مغنم!
وما كل ممتنع في الخدور … حقيق بعشق الفتى المغرم!
وكم يخدع النفس بعد المنا … ل وتغتر بالغامض المبهم. .
стр. 661
الضحية
سلوت ولكن لا يزال بمهجتي … حنين إلى الماضي البعيد بعيد
وكم حاولت نفسي السلو فلم تجد … لها مذهباً الا إليك يقود
أنا الحر لكن في هواك مقيد … وفي الحب دنيا رحبة وقيود
أحن إلى عهد الدموع ولم يزل … أخو الحب يسلو تارة ويعود
ليالي. . كالأطلال ينعب بومها … لها كلما جن المساء نشيد
ترومين قربانا ينجيك من لظى … فروحي قربان وموتي عيد
حلب - عمر أبو قوس
стр. 662
الذكرى
أيتها الذكرى جزيت من دمي … أنت وإن نكأت جرحي بلسمي
ما أنت؟ هل أنت كتاب دارس … يهمس بين دفتيه هامس؟
أم طائف يهزج قيد مسمعي … إذا خلوت بالبكا كان معي
أم واعظ بالزفرات ينطق … أم شبح بناظري معلق
أم أنت في ليل الضمير ناعبه … أم ثاكل بين الضلوع نادبه
أغريت بي طيف الحبيب، مرحباً … بمن أباح مهجتي وعذباً
يزورني مع الكرى وفي السهد … يا زائراً بالقلب والجفن انعقد
أحببته لغرة مثل الضحى … وطلعة لو شامها الصبح امحى
ومقلة أهابها بين المقل … ومبسم من مشرع الخلد نهل
كأنه الوردة في ريعانها … أو نعمة البائس في أبانها
يشفي غليل المستهام إن ألم … وربما داوى الشقي بالألم
أحببته حباً على النفس غلب … وما على الصب المشوق لو أحب؟
إن الشباب نهم مذوق … نشوان من كل حلال يسرق
يلص ما يحلو له بلا وجل … ويشحذ النظرة تمضي كالأجل
ولا يبالي أحرقته ناره … وزلزلت فوق الصعيد داره
أم عانق اللذة في غلائل … وجاده صوب النعيم العاجل
أيتها الذكرى أعيدي ما غبر … ورددي ما طاب من عيشي ومر
لله أيام الصبا ما اجملا! … ودورة العمر بنا ما اعجلا!
أين لأترابي أمس ملعب … ومستراد نازح ومذهب؟
وأين عهد بالحمى لا يخلق … وكيف وهو للحياة مشرق
تغير الصحب وقوض الحمى … كأنما عشنا به توهما!
وغالت الأحلام غولة القدر … فودع السكر وجاءت الفكر
أكلما لج الأسى بخاطري … محوت بالماضي شقاء الحاضر؟
سينضب العمر فبثي سره … والحب خطى في الهواء قبره
وأسمعيني في الممات لحنه … وصوري لناظري حسنه
стр. 663
سورية. حمص. رفيق فاخوري
стр. 664
في الأدب الشرقي
في الأدب الصيني
القصة الحديثة في الأدب الصيني
مترجمة عن مجلة الشهر الفرنسية
ليست القصة الصينية بنت الأمس، وإنما يرجع مولدهاإلى عهد أسرة تشيو وكانت تسمى يومئذ (سياوشوو) أي المناسبات الضئيلة، وكتابها الأولون هم لي يوكيو، وتشو، ووانغ تسو، وتشنغ شي تسو.
فالأول كان من رجال القرن الرابع قبل الميلاد، والآخران قد نبغا بعده بقرن وقصصهم كانت تستمد موضوعاتها من الأساطير والخرافات والأمثال، ولبثت القصة في هذا الطور الابتدائي أمداً طويلاً حتى ولي الحكم أسرة (طنغ) (٦١٨ - ٩٠٧) فدبت فيها الروح وسارت في طريق الكمال.
كان العمل الروائي في الأقاصيص والحكايات يتقدم شيئاً فشيئاً خلال القرون الخالية حتى أصبح قبيل العهد (الطونغي) مسلاةأدبية. وكان القصص على شدة قصرهلا يجري على خطة مقررة فأقره كتاب العصر الطونغي في نصابه من العناية والفن فحددوا الغاية، ورسموا الطريقة وبسطوا العمل، ودققوا التفاصيل، وجودوا الأداء، حتى أصبح أجمل المظاهر في الأدب الصيني بعد أن كان موضع الزراية والاحتقار عند أشياع كونفشيوس.
كانت الأساطير وحياة النابهين في الشرف أو النابهات في الحسن موضوعالأقصوصة من أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع فكتب (ونغ تسو) (حياة مرآة قديمة) وهي أقصوصة بطلتها مرآة سحرية مغامرة صرعت ثعلبة مسحورة تحولت إلى امرأة، ثم قهرت أفعواناً ضخماً كان قد أتخذ وكره في أصل شجرة، ثم قتلت قرداً وسلحفاة فاستحالا إلى إنسانين أخذا يحاضران في العلم والسحر الخ وكل مغامرة من هذه المغامرات يحكيها القصصي بثقة، ويصدقها القارئ ببساطة. وفي النصف الأخير من القرن الثامن ظهرت أقصوصة أخرى شهيرة، وهي أقصوصة المقام في مخدة تأليف (شن كي تسي) وموضوعها أن (لو) الخالد أعطى أحد الشبان مخدة سحرية فدخل فيها ورأى رؤيا عجيبة يقصها
стр. 665
فتستغرق أعاجيبها كل الحكاية. ثم ظهرت على أثر ذلك أقاصيص الأبطال فغلبت على أذهان القصاص والقراء حتى اليوم، فالبطل ذو السيف لا يعجزه شيء ولا تنقصه موهبة فهو يطير، وله سيف يدرك ويشعر فهو في السلم يقصر ويختفي في أنف البطل أوفمه وفي الحرب يخرج ويقتل العدو على أي مسافة يريدها صاحبه، وللصينيين ولوع بهذا الضرب من القصص حتى في نهضتهم الحديثة، وبجانب أقاصيص الخوارق والأعاجيب تجد سير العظماء والأمراء محكية على نمط تاريخي أوروائي أوهجائي كسيرة (لي كوي) وسيرة (ينغ - ينغ) ولكن في النادر أن تجد في الأدب الصيني حكاية أوسيرة تقوم على الواقع وحده، فالكتاب على الجملة يميلون إلى تزيين الحقيقة بالمبالغة والتزييد فيجرهم ذلك إلى فقد الوحدة أو عدم التوازن أوخطأ المغزى.
أما القصة الطويلة ذات الفصول فلم تظهر إلا في عهد آل سونغ من ٩٦٠ - ١٢٧٩م وهم يسمونها (بنغ هويا) منشؤها في الصين كمنشئها في سائر بلاد الشرق: رجل يسمونه (المحدث) يقص على الناس في مجلس عام حكاية من الحكايات بالأجر، فمن فائدته إذن أن يطيل الحكاية ما استطاع لينتفع من ورائها في جلسات كثيرة، والجزء الذي يحكيه في جلسة من هذه الجلسات يؤلف فصلا من فصول السيرة. وظلت (الينغ هويا) على هذا النمط الأولي حتى جاء (لوبن) ١٣٣٠ - ١٤٠٠ في عهد آل يوان فجعلها فناً، كان يقتبس موضوعاته من التاريخ ولكنه يضيف إليها وقائع وأشخاصاً من عمل الخيال. وكان يصور أبطاله على نحو ما يفعل القصصيون الأوربيون ولكن أفضلها وأجملها قصته المسماة (على شاطئ البحيرة) تقع في مائة فصل وتدور على مخاطرات بطل يدعى (سونغ كيانغ) مع رفاقه المائة والسبعة (وهو شخص تاريخي ورفاقه كانوا ستة وثلاثين ليس غير) وكانوا يحتلون (اليانغ شان) ثم ثاروا على أسرة سونغ الحاكمة فهاجموا مدنها وقاتلوا جيشها ونهبوا مقاطعاتها وأصبحوا حكاماً في هذه الأرض. وهؤلاء العصاة الفتاك كانوا من خيار الناس فألجأهم إلى هذا الموقف عسف الإمبراطور ومن هاواه من الخونة.
ولم يكن هم (لوبن) أن يخلق أشخاصاً ويصف أخلاقاً وإنما كان همه فوق ذلك أن يرمي إلى غرض أخلاقي، وتلك هي الصفة الغالبة على الآداب الصينية، فالكتابة عند كتاب الصين وسيلة إلى الخلق، والشعر عند شعرائها طريق من طرق التربية. والأخلاق عند
стр. 666
(لوبن) قائمة على الديمقراطية، فهو يؤلب الأخيار المضطهدين على الأسرة الحاكمة، ويحارب الفروق الاجتماعية بين طبقات الشعب، فلا يعترف إلا بنصفين من الناس: الشجعان والأذكياء، وهؤلاء وأولئك ملزمون أن يعملوا لخير الأمة، ولا بأس أن يعيشوا عيش اللصوص وقطاع الطرق ما داموا يذودون بذلك عن المظلومين والمحرومين.
ثم ظهرت بعد ذلك طائفة كبيرة من القصص على عهد آل (منغ) من سنة ١٣٦٨ - ١٦٦٢م ولكن قصتين اثنتين من بينها تلفتان النظر وتسترعيان الخاطر وهما (حكاية رحلة إلى بلاد المغرب)، و (زهور الشر في أصيص من الذهب) فالأولى قصة وهمية كثيرة المخاطر الخارقة والأوهام العجيبة. والثانية قصة نفسية (بسيكولوجية) لمؤلف مجهول تدور على ما وقع من المخاطر الغرامية لغني من الأغنياء أسمه (سي من كنغ) وهو متبطل شهوان محصن ولكن له أخداناً كثيرات، والقصة تعرض بالتفصيل حياة هؤلاء الخليلات الخاصة، وتشتمل على فصول من الفحش والرجس والدنس ولكنها غاية في التحليل النفسي للمرأة، والدقة في وصف المشاهد، والتنويع في مساق الحوادث. وفي عهد آل (تسنغ) ظهرت أنواع كثيرة من القصة كالقصة العلمية ويمثلها قصة عنوانها (ثرثرة شيخ قروي يتشمس) للقصصي (هياكنغ كيو) من كتاب القرن السابع عشر، وقصة أخرى عنوانها (حظ الأزهار المنعكسة على الثلج) للكاتب (لي فوتشن) من رجال القرن الثامن عشر، فالأولى تخوض في أحاديث شتى عن الفلسفة والكتب القديمة وأمانة الوزراء وتقوى الأبناء والمكائد والفنون والطب والأخلاق وغير ذلك مما جعلها دائرة معارف هي إلى الدعوى والافتراء اقرب منها إلى العلم الصحيح. وأما الثانية فهي بحث علامة جليل عالج فيها كثيرا من المسائل النسائية وعلى الأخص مساواة الجنسين، وهذا في الأدب الصيني شيء جديد.
والقصة الأخلاقية ظهرت في هذا الحين، وهي تقص حكايات الممثلين والممثلات، وتصف أخلاق البغايا والمومسات، ثم ظهرت في القرن التاسع عشر القصة الهجائية فهجم بها الكتاب على الأسرة الحاكمة التي طواها الموت، ورشقوا بسهام النقد طبقة العلماء والموظفين على أن الأنواع القديمة كالأقاصيص الخرافية والقصص التحليلية وسير الأبطال استمرت تؤتي أكلها في عهد آل (تسنغ).
تلك كانت حال القصة الصينية حينما ظهرت بواكير الثورة الأدبية في القرن التاسع عشر
стр. 667
فتفتحت اليوم عن أدب حديث يشعر على حداثته بحقيقته ومصيره.
كانت الثورة الصينية ثورة سياسية واجتماعية وثقافية في وقت معاً. ففي السياسة أدت إلى سقوط الملكية وقيام الجمهورية، وفي الاجتماع أفضت إلى اقتباس الأخلاق الغربية. وفي الثقافة هدت إلى اكتشاف العلوم والأفكار الأوربية. والفضل في هذا الاكتشاف للأديبين (ين فو) (١٨٥٣ - ١٩٢١) و (لن شو) (١٨٥٢ - ١٩٢٤) فإن الأول نقل إلى الصين فلسفة (هكسلي) و (ستيوارت مل) و (سبنسر) و (سميث) و (جنكس) و (جفونس) و (ستراب) و (منتسكيو) ونقل الثاني قصص (ستيفنس) و (ديكنز) و (ولترسكوت) و (كونان دويل) و (واشنطون أرفنج) و (فكتور هوجو) و (دوماس) و (بلزاك) و (سرفنتيس) و (تولستوي) فكان لما ترجماه أثر بالغ في الفكر الصيني الحديث.
فمنذ الساعة الأولى فكر رسل الثورة الاجتماعية في اتخاذ القصة وسيلة للدعاية، وقد قال (ليانغ كي تشاو) وهو صحفي من المدرسة الحديثة: (يجب أن نبدأ اليوم بثورة في القصة، فإنا لا نستطيع أن نخلق شعباً جديداً إلا بقصة جديدة).
ولكن الصعوبة الوحيدة هي اللغة. فإن لغة الكتابة تختلف عن لغة التخاطب، ولغة التخاطب نفسها تختلف في إقليم عنها في إقليم بل في مدينة عنها في مدينة. فالمدرسة الحديثة حاولت أن تقرب بين لغة الكتابة ولغة الخطاب. ولكن أي لغة من لغات التخاطب تجعلها نموذجاً ومثلاً؟ وهل تضطلع حروف الهجاء الصينية (وهي لحسن الحظ واحدة في جميع المدن والأقاليم) بهذا الإصلاح؟ إن توحيد التعليم العام يقتضي لغة كتابية يقبلها كل الناس. واللغة المندرينية لا يمكن أن تكون على حالتها هي تلك اللغة.
ففي سنة ١٩١١م أسست الجمهورية الناشئة مجمعاً عاماً أصلح هذه اللغة وجعلها لغة وطنية، ثم وضع لها تسعاً وثلاثين علامة صوتية، تساعدها على الانتشار بين طبقات الشعب، ومنذ ذلك الحين أصبح في إمكان الكاتب أن يؤلف القطع الأدبية، ويكتبها بالحروف الصينية. فتتفق مع اللغة الوطنية، وهذه اللغة المكتوبة الجديدة التي يفهمها الصينيون على السواء قد أطلقوا عليها أسم (بوهويا) أي اللغة الواضحة. والأدب الصيني في هذه اللغة العامة لا يرجع تاريخه إلى أكثر من اثنتي عشرة سنة.
وليس هذا كل الاختلاف بين الأدب الحديث والأدب القديم. فإن الفكر الصيني قد تغير
стр. 668
جملة واحدة، فرجال المدرسة القديمة كانوا يصرون على تقليد القدماء تقليداً عقيماً جر عليهم الغرابة والتقيد والجفاف، حتى جاء في سنة ١٩١٦م أحد المحدثين وهو (هوشي) فأقترح ثماني وسائل لتجديد الأدب القديم كانت أساساً لبناء الأدب الحديث وهي (١) ألا يلمح الأدباء إلى شيء من التاريخ والأدب والأساطير في غضون النثر والنظم. (٢) ألا يستعملوا الحكم المأثورة والأمثال السائرة اتقاء للابتذال. (٣) ألا يسرفوا في البحث عن الأقيسة النحوية والمقابلات البيانية وعلى الأخص في الشعر. (٤) ألا يتجنبوا الألفاظ العامية والتراكيب الشعبية. (٥) أن يعنوا أشد العناية بالإنشاء. (٦) ألا يئنوا ما لم يحسوا في أنفسهم الحاجة إلى الأنين. (٧) أن يعتدوا بشخصياتهم فلا يقلدوا القدماء في شيء. (٨) ألا يكتبوا إلا إذا جال في خواطرهم ما يريدون أن يكتبوه.
فإذا كانت الفلسفة الصينية اليوم في وقوف، والتاريخ غير موجود، والإنتاج المسرحي قليل القيمة، والشعر لم ينطلق بعد من أسار التقليد، فأن القصة تنمو وتزدهر معتمدة في تجديدها وتأييدها على ثلاثين مجلة تحلها من صفحاتها المحل الأول، أهمها القصة الجديدة القصة الصينية الحديثة واقعية كالقصة الغربية فلا تأبه مطلقاً للتقاليد ولا تتصل بالأساطير والخوارق. وكتابها لا تعوزهم القرائح الخصبة ولبعضهم قصص جليلة الشأن عظيمة الخطر، ولكنك لا تجد فيها ذلك السحر الأخاذ، ولا ذلك الجو الأثيري النقي، ولا تلك الخفة التي كانت تميز القصة القديمة وتلونها باللون الصيني الخالص. فإن القصة الحديثة اقتبست من القصة الغربية الشكل والاصطلاح والروح أيضاً، والمشابهة شديدة بين الحكايات الحديثة في الصين وبين بعض الأقاصيص في أمريكا، وإذا قرأت حكاية (كونغ يي كي) للكاتب (لوسين) حسبتها مكتوبة بقلم شروود أندرسون.
من القصصيين المعاصرين (تشنغ تسوينغ) وهو كاتب وافر الإنتاج، ويعزون هذه الوفرة إلى أنه يشتري قصص المفلوكين من الأدباء بثمن بخس ثم ينشرها تحت اسمه. وقد انفرد بمعالجة نوع واحد من المشاكل الاجتماعية، وهو تضارب العواطف بين ثلاثة أشخاص رجلين وامرأة أوامرأتين ورجل وليس في قصصه أصالة فكرية ولا لأسلوبه قيمة أدبية ولكنه مع ذلك أكثر الكتاب قراء وأبعدهم سمعة.
ثم (كووموجو) وهو زعيم المذهب العمالي الذي يعني أتباعه بمعالجة الموضوعات
стр. 669
الخاصة بالفقراء الذين يعيشون على عملهم وهو يدير اليوم حركة الدعاية الشيوعية ضد الحكومة، ويؤلف في سبيل ذلك الأقاصيص والروايات والخطب ولكن حظها من الفن قليل. فاذا نسى السياسة وكتب للأدب تكشف لك عن قصصي سمح القريحة واضح الطريقة.
ثم (يي شاو كيون) و (يوتافو) وهما قصصيان من الطراز الأول، يعالجان غير القصة الأخلاقية، يصفان فيها جوانب الفقر والفسق والبؤس من حياة الشعب الصين في المدن الكبرى. ثم (ينغ ناغان) وهو معدود في طبقة الكتاب النابهين ولكن أرفع القصصين المحدثين ذكراً وأسماهم مكانة هو (لوسين) له مجموعتان من الأقاصيص عنوان الأولى (صرخات الحرب) وعنوان الثانية (اضطراب البال) ونتاجه على قلته موسوم بسمة الجمال والعبقرية.
وسنترجم في الأعداد المقبلة قصة له وأخرى ليانغ ناغان تمثلان الروحين الشائعين، والاتجاهين المختلفين في القصص الصيني الحديث.
стр. 670
في الأدب الغربي
بين بين
للدكتور طه حسين
الأصل في الكلام إنه وسيلة تتوسل به إلى الأعراب عما تريد أن يفهمه عنك غيرك، فهماً واضحاً جلياً لا لبس فيه ولا غموض. والكلام كله يشترك في هذا الأصل أو قل كان يشترك في هذا الأصل سواء منه ما كان شعراً وما كان نثراً، وسواء منه ما تحدث إلى العقل وما تحدث إلى القلب والشعور. فإذا خرج الكلام عن أصل البيان والتبيين هذا فكان فيه غموض أو التواء فمصدر ذلك قصور في المتكلم أو الكاتب أو قصور في السامع أو القارئ، عجز ذاك فلم يحسن الإعراب عما يريد، أو عجز هذا فلم يحسن الفهم لما لقي إليه. وقد يكون الغموض مقصوداً والالتواء متعمداً، لأن للكاتب أو الشاعر أو المتكلم غرضاً يدفعه إلى أن يتكلف الغموض ويتعمد الالتواء ولكن هذا الكلام الغامض الملتوي واجد على كل حال من يقرأه أو يسمعه فيفهمه فهماً صحيحاً مستقيماً.
هذا هو الأصل في الكلام ولكن يظهر أن الترف الفني الذي ترقى بنا الحضارة إليه، وتنتقل بنا في درجاته المختلفة يأبى أن يقر الأشياء في أصولها أو يدعها ميسرة لما خلقت له. فكما أن الأصل في الطعام والشراب الغذاء والري، ولكن الحضارة والترف قد خرجا بهما عن هذا الأصل إلى ما يتجاوز الغذاء والري، إلى غيرهما من اللذات التي يجدها الطاعمون والشاربون فقد خرج الترف الفني في هذه الأيام بالكلام عن أصله المألوف إلى شيءآخر غير البيان والتبيين، ونشأت طائفة من الكتاب والشعراء لا تكتب النثر ولا تقرض الشعر لتقول شيئاً واضحاً جلياً أو لتقول شيئاً ينتهي بعد الجهد والبناء إلى الوضوح والجلاء. وإنما تكتب وتنظم لتثير في نفسك ألواناً من المعاني وضروباً من الخواطر، ولتهيج في قلبك أشكالاً من العواطف وفنوناً من الشعور، تحسها فتلذ لها وتألم، وتبتهج لها وتضيق بها، وتفهمها حيناً وتعجز عن فهمها أحياناً، وتذهب مذاهب مقيدة غريبة متباينة في فهم هذا الكلام الذي يلقى إليك وتأويله وتخريجه فتقر ما تنتهي إليه ثم يبدو لك فتعدل عنه، ثم تقرأ هذا الكلام مرةً أخرى فإذا أنت تذهب في فهمه وتأويله وتخريجه مذاهب لم تكن قد ذهبتها من قبل، ثم تتحدث إلى من قرأ هذا الكلام نفسه فإذا هو يخالفك في الفهم كل
следующие страницы →