← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

ضخامته؛ وكثير منهم يجنح إلى القديم الساذج، وإلى الروى الشعبي، وشعرهم ينضح على العموم عن لون قومي قوي، وهم في الواقع (أبناء الشعب) ينشئون في مهاد (الفقر العذب)، وينزعون إلى بساطة اللفظ، وإلى التقاليد وإلى الأساطير وإلى كنوز الخيال الشعبي. وأما النثر، فمن أقطابه يوسف نييرو القصصي الكبير؛ وهو كاتب ذو نزعة دينية إنسانية ترجع إلى تربيته الكنسية، فقد نشأ قساً، ثم حمله تيار الأدب. وهو ريفي النزعة من حيث المادة والوصف يصور لك الوطن المجري، ولا سيما وطنه (ترانسلفانيا) في صور قوية مؤثرة، ومن أشهر قصصه (تحت نير الله) وهي في الواقع قصة حياته الكهنوتية عرضت في قالب قصصي مؤثر؛ وله مجموعة أقاصيص شهيرة من أبدع ما أخرج الأدب المجري المعاصر. ومن أقطابه آرون تمازي، وهو قصصي بارع ينزع إلى المأساة، ويلزم الطابع القومي العميق، وله مجموعة قصص تفيض سحراً وإنسانية عنوانها (كواكب ترسلفلنيا)، ومجموعة أخرى عنوانها (عصفور الصباح) يدعو فيها إلى المثل الأعلى. ومنهم جان كودولاني، وهو مصور بارع لمناظر القرية ومجتمعها. وكذلك زولتان ستنيا، فهو يصف في قصصه نجتمع الأعيان المنحل؛ وبول زابو، وهو كاتب ريفي محض وافر الطرافة والقوة. والفرق قوي واضح بين ذلك الجيل وبين الجيل المنصرم الذي كانت تغلبه النزعة (الغربية). وليس الفرق متعلقاُ بالشكل فقط، بل هنالك ثمة صورتان مختلفتان، تمثل كل منهما ناحية من الروح المجرية؛ وإلى الأولى ينتمي أبناء الأعيان والموظفين الذين متى اضطروا إلى نبذ ترف هذه الحياة، لجئوا إلى عالم الكتب ليتخذوا منه سداً بينهم وبين حياتهم المسكينة، وينتمي إلى الثانية أبناء الفلاحين وطبقة الأعيان الريفية التي تقرب منهم والساخطون على هذا المجتمع، وهم الذين يزعمون أنهم رسل الإصلاح الاجتماعي، وعلى العموم فان البون شاسع بين الكتاب الجدد وبين الجيل القديم سواء من حيث النظر إلى العالم وإلى الحياة. بسمات العدالة عني كثير من المؤرخين والكتاب بالكتابة عن المآسي القضائية، والمحاكمات الجنائية الكبرى. ولكن أحداً منهم لم يعن بالكتابة عن (الكوميديات القضائية) والوقائع والمواقف

стр. 6057

المضحكة التي تعرض أمام القضاء. وهذا ما فعله الكاتب الفرنسي (جيو لندن) الكاتب القضائي لجريدة الجورنال. وقد تخصص جيو لندن في كتابة الصور والأخبار القضائية منذ أعوام بعيدة، واشتهر بسحر أسلوبه ودقة ملاحظاته. وهو الذي يلخص أخبارالمحاكمات والقضايا الكبرى في جريدة (الجورنال). وفي كل عام يجمع أشهر المحاكمات والمآسي القضائية في مجلد خاص، ولكنه اختار هذا العام أن يترك المآسي والجنايات المثيرة، وأن بجمع المواقف القضائية الفكاهية في مجلد عنوانه (العدالة وبسماتها) وقد استقبل هذا السفر الظريف في دوائر النقد والأدب أحسن استقبال، ونوهت بما يضمه من الصور الساحرة والمواقف الشائقة، وبما يسود من قوة الملاحظة وخفة روح في العرض؛ فهناك أغرب القضايا المضحكة حقاً، وأغرب الشخصيات الساذجة التي تنسيك بسذاجاتها أحياناً خبث المجرم الخطر، وهنالك حيل النساء الماكرات تبدو واضحة أمام بساطة الرجل المتيم. وقد علق أحد النقدة على ظهور هذا الكتاب بقوله: (إنه يحمل على التفكير بأن التردد على جلسات القضاء يخلق منافسة قوية للمسرح الفكه؛ بل ربما كان ثمة عاملاً من عوامل الأزمة المسرحية؛ إن كانت ثمة أزمة). جائزة نوبل الأدبية ذكرنا في العدد الماضي أن جائزة نوبل للطب قد منحت لثلاثة من العلماء الأمريكيين. هم الأساتذة جورج نيوث، ووليم مورفي، وهوبل. ونذكر الآن أن جائزة نوبل الأدبية لسنة ١٩٣٤ قد منحت إلى الكاتب والفنان الإيطالي السنيور لويجي بيراندللو وهو كاتب مسرحي تخصص في وضع القطع التمثيلية، وتنظيم المسرح؛ وأشهر رواياته قطعة عنوانها: (ستة أشخاص يبحثون عن مؤلف)، اشتهرت في جميع المسارح الأوربية. والسنيور بيرادنللو في نحو السابعة والستين من عمره؛ وهذه هي المرة الثانية التي تمنح فيها جائزة نوبل للكتاب الإيطاليين. أستاذ شرقي يعثر على مخطوطات عربية نادرة نقل إلى الجامعة العربية من أمريكا أن الدكتور فيليب حتى من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت وأستاذ الآداب السامية في جامعة برنستن بأمريكا الآن عثر في أثناء بحثه

стр. 6058

وتنقيبه في المخطوطات الموجودة في مكتبات أمريكا المشهورة على ترجمة عربية ضافية لبحوث كلوديوس جالينوس في التشريح والطب بين خمسة آلاف مجلد من المخطوطات العربية في مكتبة جامعة برنستن. ومما قاله الدكتور حتى في وصف هذه الترجمة (إنها من أندر وأنفس المخطوطات التي سجلت في الفهارس حتى الآن) والترجمة العربية مؤرخة في سنة ١١٧٤م وقد وضعها حنين بن أسحق المسيحي النسطوري وكان يعد إمام المترجمين من اللغة اليونانية في عصره. وعثر الدكتور حتى كذلك على مخطوطة في علم التنجيم يستدل من الشارة المذهبة المرسومة على الصفحة الأولى منها أنها وضعت في الأصل للسلطان صلاح الدين الأيوبي وكانت في مكتبته، ويقول الدكتور حتى أن صلاح الدين نفسه كان يسترشد بهذه المخطوطة قبل إقدامه على منازلة الصليبيين في المعارك. وعثر أيضاً على مخطوطة في الموسيقى قد تميط اللثام عن النغمات الموسيقية التي كان يستعملها العرب قديماً. وهذه المخطوطة مزينة برسوم، وقد وضعها الفارابي الموسيقي والفيلسوف المشهور في القرن العاشر. وهناك مخطوطة عربية رابعة وجدها الدكتور حتى في جامعة برنستن وهي شرح ابن رشد فيلسوف الأندلس وأرجوزةابن سينا الطبية المشهورة لمؤلف طبي وصفه ابن جزله البغدادي في القرن الثاني عشر.

стр. 6059

الكتب الثورة العربية الكبرى تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن تأليف الأستاذ أمين سعيد هذا كتاب كبير يقع في ثلاثة مجلدات تبلغ في مجموعها ما يقرب من ألف وأربعمائة صفحة من القطع الكبير، وهو في وضعه الحالي يعتبر مرجعاً عظيماً للثورة العربية القومية منذ قيامها عقب الانقلاب العثماني ١٩٠٨ إلى الوقت الحاضر. خشي المؤلف الفاضل الأستاذ أمين سعيد كما ذكر في مقدمة كتابه النفيس أن تنسى الثورة العربية وما تخللها من حركات وما أكتنفها من ملابسات (فتضيع معالمها وتطمس آثارها ويتعذر التأليف فيها فلا يجد الكاتبون العرب في المستقبل سوى رسائل مبعثرة أو مقالات منثورة أو كتب ألفت باللغات الأجنبية وقد وضعها واضعوها لخدمة غاية معينة). لذلك تراه يضطلع بهذا العمل على ما فيه من صعوبات؛ فلابد له أن يدعم آراءه بالحجج والبراهين، وأن يسند براهينه بالوثائق والمستندات، وهذا كله مما لا يسهل جمعه وترتيبه. ولكن القارئ حين يتناول هذا السفر الجليل يحس بالدهشة لكثرة ما احتوى عليه من الوثائق والبيانات، هذا إلى ما حواه من الصور المتنوعة للأشخاص والحوادث. ولقد قسم الأستاذ المؤلف كتابه تقسيماً جيداً فجعل المجلد الأول للنضال بين العرب والترك، يضم حوادث الفترة الممتدة من إعلان الدستور العثماني عام ١٩٠٨ حتى قيام الحكومة الفيصلية في دمشق عام ١٩١٨، وجعل المجلد الثاني لتاريخ الحكومة الفيصلية من قيامها حتى سقوطها؛ ولقد أفرد به جزءاً كبيراً للثورة العراقية الكبرى وأدوارها مبيناً عوامل الثورة ومقدماتها وحروب الإنكليز في العراق والتصادم بينهم وبين الترك وما ترتب على هذا كله مع جلاء الحوادث والاهتمام بالتفاصيل كمن رآها رأي العين. أما المجلد الثالث فقد جعله لتاريخ القضية في الفترة الممتدة من عام ١٩٢١ إلى عام ١٩٣٤، أورد فيه وصفاً وافياً لتاريخ إمارة شرق الأردن مع شرح القضية الفلسطينية والوطن القومي اليهودي وبيان أخبار الثورة السورية في اتصالها السياسي الداخلي بين السوريين والفرنسيين.

стр. 6060

بذلك ترى هذا الكتاب الكبير قد اشتمل على عدة حركات قومية يتوق أبناء الشرق العربي إلى الوقوف عليها. ولعل من أعظم فوائد هذا الكتاب، أنه في طريقته المفصلة التي سار عليها، يعطي القارئ العربي فرصة نادرة ليقارن بين ما يسمعه من أحد أبناء الثورة وبين ما يشيعه عنها خصومها. هذا إلى أنه يكشف عن ناحية من نواحي نهوض الشرق عقب الحرب العظمى مبيناً إلى حد كبير وجهته وآماله. ولقد راعى المؤلف الفاضل في كتابه التسلسل التاريخي للحوادث، وختم كل حلقة بملخص حلل فيه الحوادث تحليلاً مبيناً ما طرأ على القضية من تقدم أو تأخر. وإني وإن كنت أرى اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة وسرده الحوادث الكثيرة المتنوعة أكثر من اهتمامه بالتعليق عليها وبيان مقدمتها ونتائجها، أقرر أن لطريقته هذه في موضوع كهذا متشعب النواحي محاسنها إلى جانب معايبها، فلقد هيأت للقارئ كما قدمت الفرصة ليكون لنفسه حكماً، وذلك خير مما لو اقتصر المؤلف على طائفة من الحوادث واهتم بإيراد رأيه والدفاع عنه، فان القارئ في هذه الحالة وخصوصاً من يجهل تفاصيل المسألة العربية يكون مقيداً برأيه أو على الأقل في شك منه. وسيرى القارئ العربي في كتاب الأستاذ أمين سعيد كثيراً من مواقف التضحية والبطولة، وكثيراً من مواطن الهول والصراع العنيف مما يجعل للكتاب إلى جانب ناحيته التاريخية، ناحيته الجذابة القوية، فيقبل الأدباء على مطالعته في شغف واهتمام ولذة. وإني لأنتهز هذه الفرصة فأتقدم إلى الأستاذ أمين سعيد بأجمل الثناء على ما تجلى في مؤلفه الجليل من أريحية ووطنية وهو يمثل ذلك من شباب الأمة العربية الخليق. الخفيف الخط الديواني الملكي للأستاذ مصطفى بك غزلان رئيس التوقيع بديوان جلالة الملك ازدهر الخط العربي في صدر القرن الماضي، وظهر في عالم الفن جمهرة من القادرين على إجادته وإتقانه، وكانت الأستانة يومئذ كعبة الآمال، ومرجع أفذاذ الرجال في الفنون

стр. 6061

العربية الجميلة. بلغ من ولوعهم بهذه الصناعة أن تخذها الخلفاء والسلاطين مفخرة يفخرون بإجادتها وإحسانها، وزينة يدلون بها على أساتذتها وأساطينها، فكان السلطان (محمود) يجيد خط (الثلث) (وجلي الثلث) ولا تزال (لوحته) القيمة التي خطها بقلمه الجميل تحتل الصدر من (المسجد الحسيني). وصار على أثره السلطان عبد المجيد، فكان خطاطاً وسطاً لم يبلغ شأو أبيه. . . وله قطعة كبيرة تتصدر (القبلة) في ذلك المسجد. تطاول الخط على سائر الفنون الجميلة منذ أحبه الخلفاء والسلاطين وعلت مكانته يوم أن فتحت قصور العواهل على رحباتها لكبار الخطاطين، يعلمون الخلفاء ذلك الفن الجميل. ودام للخط العربي هذا الحظ الميمون، والآستانة تصدر إلى العالم العربي من سحره الفاتن وجماله الرائع، ما خلب اللب، واستولى على النفس، حتى وفد على القاهرة المرحوم عبد الله بك زهدي بدعوة من خديو مصر إسماعيل. جاء ليكتب (الكسوة) بعد أن كتب الحرم النبوي الشريف، فلقي من لدن ولي الأمر التعضيد والتأييد. وكان يومئذ في مصر نهضة مباركة، نشأت في شخص المرحوم محمد أفندي مؤنس، ولكنها كانت في حاجة إلى إذكائها وتنميتها، فطلع (زهدي) على الناس، بخط الكسوة وسبيل أم عباس، وتداولت الأيدي بعض نماذجه في الثلث والنسخ. فكانت بادرة سعيدة، صعدت بالمرحوم مؤنس إلى الذروة العليا من ذلك الفن البديع. وكان الرجل خيراً بفطرته، فأخذ يذيع فنه على الناس ويعلمهم إياه، لا ينتظر أجراً ولا شكراً، فكانت داره يومئذ أشبه بمدرسة داخلية، يتعلم فيها الطلاب وينعمون بحديقتها الرحبة، بل يأكلون ويشرون. ومن يومئذ بدأ الخط يتحول إلى القاهرة، وكانت العناية شديدة بإتقانه وأجادته، وكان له شأو رفيع وشأن جليل في المدارس الابتدائية والثانوية بله العالية. تلك خلاصة موجزة بسطتها بين يدي القارئ، لأستطيع التحدث إليه عن فتح جديد في الخط العربي، طلع به علينا الفنان النابغة الأستاذ مصطفى بك غزلان رئيس التوقيع بديوان جلالة الملك. فقد يعرف المتتبعون لتاريخ هذا الفن أن الخط الديواني نقل فيما نقل من الآستانة إلى

стр. 6062

مصر، وكان خطاً خاصاً لا يعرفه عامة الشعب ولا يقرأه دهماء الناس، بل كان قاصراً على (الفرمانات الشاهانية) (والإرادات السنية)، التي تصدر عن السلاطين، إلى الولاة، ثم على براءات الرتب والنشانات. ولما كانت مصر يومئذ تابعة للدولة العلية، وكانت تلك الدولة هي صاحبة الحق في منح هذه الرتب، وتلك النشانات فالبراءات إذن تأتي من دار الخلافة مكتوبة ممهورة بخاتم الدولة إلى أن رخص للولاة والخديوين بمنح الرتب المحدودة القيمة، يومئذ اختير لكتابتها بعض الأتراك الذين يعرفون هذا النوع، وهم قليل حتى في الآستانة؛ فقديماً كان كتاب آل عثمان يستأثرون بهذا النوع من الخط لأنه كان الخط الرسمي للباب العالي كما قدمنا؛ ومن ثم كانوا يعدونه من الأسرار الفنية التي لا تزاع لجمهور الخطاطين، ليكون مرجعها إليهم ومفتاحها بأيديهم، أما بقية الخطوط فلها نماذج مختلفة بأقلام أساطين الفن على اختلاف مراتبهم. واليوم بفضل الرعاية الملكية، نستقبل نماذج الخط الديواني التي عكف على كتابتها وتنسيقها وتنميقها خطاط مصر الأكبر الأستاذ مصطفى غزلان بك، وأدخل عليها حسناً جديداً وذوقاً مصرياً خالصاً لا تلحظه فيما كتب بهذا الخط من الفرامانات القديمة. وقد طبعها ديوان الأوقاف الملكية، على نفقة صاحب الجلالة الملك في مطبعة المساحة طبعاً دقيقاً أنيقاً جعل هذه النماذج في موضوعها وشكلها مظهراً رائعاً من مظاهر الفن الخالد الخالص. في المصايف بقلم إبراهيم عبده للأديب إبراهيم عبده أسلوب رقيق وخواطر لطيفة يطالع بها القراء من حين إلى حين. وهذا الكتاب الذي أحدثك عنه قد انتظم الكثير من ملاحظاته وخواطره الطريفة في المصايف، وطبيعي أن تكون المصايف موضع حديث إبراهيم، فهي متلقى الناس من كل صنف ومن كل طبقة، وهي مجال واسع تقع فيه عين الأديب الناقد وخصوصاً من يهتم بالناحية الاجتماعية كالأديب المؤلف على كثير مما يثير خواطره ويرسل قلمه. افتتح

стр. 6063

المؤلف كتابه في رأس البر ثم انتقل بنا إلى السويس فبور سعيد فالإسماعيلية فالإسكندرية، وختم الكتاب بفصل رقيق هو حديث العودة. أجمل ما يحسه القارئ في هذا الكتاب تلك الروح الهادئة التي تتجلى في سطوره أشبه بالنسمة الهادئة تهب عليك في ليالي الصيف وأنت في معزل على الشاطئ. وأنك لتحس من هذا الشاب بميل شديد إلى القصص. ولقد أحسن صنعاً بإيراده خواطره في المصايف على تلك الصورة التي تجدها في كتابه، فلقد كان يأتي بها مرة على طريقة الحوار بينه وبين فتاة كان قد عرفها في الخرطوم ودار على ذكرها كتابه الأول (الحياة الثانية)، ومرة كان يتبع طريقة المراسلة، مما أبعد كتابه عن الملال وأكسبه كثيراً من الجاذبية والظرف. ولئن كان لي أن آخذ على إبراهيم شيئاً وهو في صدر حياته الأدبية فهو أنه يجتهد في تقليد أحد كبار الكتاب عندنا تقليداً يظهر في أسلوبه وفي طريقة الدخول على موضوعه وتوجيهه ويخشى منه على أصالته وشخصيته، وهو في غنى عن هذا فله كما ذكرت استعداد قوي. نعم لا جناح عليه أن يحذو حذو من تأثر به في تجويد فنه والعناية بآثاره، ولكن على أن يحتفظ مع ذلك بشخصيته وروحه. الخفيف

стр. 6064

تعليق على نقد الألحان الضائعة بقلم حسن كامل الصيرفي تناول الأستاذ الخفيف في العدد الماضي من (الرسالة) ديواني (الألحان الضائعة) فبدأ كلمته بأن أخذ على تلك الكآبة التي لزمتني في عهد من حياتي، وراح يتلمس سرها فلم يهتدإلى شيء مع أن هذا السر واضح كل الوضوح في كثير من قصائد الديوان بل من أول قصيدة إلى أخر مقطوعة فيه. ففي قصيدة (الضحية) تفسير قوي لناحية من تلك الكآبة، يؤكده قولي في القصيدة التي تليها بعنوان (الواحة المنسية): في ذمة الفن ما ردّدتُه أمداً … فضاع لحني سدَى في جوّ نكرانِ طغى عليه ضجيج القوم فانطمست … أصداؤه، وفؤادي طيّ ألحاني وفي قولي في قصيدة (اللحن الضائع): يا أغاني الربيع ما أنا إلاّ … مقطعٌ من قصيدة ضاع لحنُهْ لم تلد لي الأيامُ من يتولى … بعث لحني، وكيف يبزغ شأنه؟ أوَ بين الصخور يكتمل الصو … ت؟ محال هذا. . وكنت أظنه وفي قصيدة اللغز تظهر نواح كثيرة من سر هذه الكآبة، وتظهر فيها قوة الشباب الغلاب لا اليأس المستسلم. وأظن أن تصوير الشاعر لآلامه ليس من العيوب التي تؤخذ عليه وإلا فليس من الواجب أن تطالبه بالصدق في التعبير، وألا نؤاخذه على تزوير شعوره. ولو أطلع الناقد الفاضل على (الصورة السريعة) التي كتبتها عن حياتي في الديوان لعرف شيئاً عن سر الكآبة التي لازمت شعري في الأربع السنوات الماضية، وزادها سواداً ذلك الجحود الذي لقيته في الأدب وعبرت عنه في معظم قصائدي. ثم يرى الناقد الفاضل أن (الأديب الصيرفي قليل العناية بقوافيه وبلغته على وجه العموم). . هذا حكم يصدره ناقد فاضل لأنه عثر على بعض هنات يعثر عليها في كثير من أشعار المتقدمين والمعاصرين، ولأنه وجد محاولات عروضية مخالفة للسنة القديمة، وهي لم تضر الأدب في شيء، إن كان قد أصابه ضرر من محاولات شعراء الأندلس. . هذه الهنات التي

стр. 6065

لم يذكرها والتي يمكن لكل ناقد أن يعدها على أصابعه تجعل من صاحب الديوان رجلاً لا يهتم بلغته وقوافيه (على العموم)! إني لأهتم إذ أحاول التكلم عن أصول النقد وواجباته، ومن هذه الأصول عدم الحيدة عن الحقيقة والإنصاف، وأدعو الله أن يهدينا جميعاً أقوم السبيل. هذا وأختم تعليقي بالشكر للأستاذ الخفيف على تنويهه ببعض ما وجدني قد أحسنت فيه مما كان يرفعني - أو يرجى منه ذلك - لو أني سرت على نهجه في جميع قصائدي كما يقول. وأنا عند حسن ظنه بي يوم يتقدم بي العمر حتى يتكافأ وأدبي. حسن كامل الصيرفي

стр. 6066

العدد ٧٣ - بتاريخ: ٢٦ - ١١ - ١٩٣٤

стр. 6067

عهدٌ وأي عهد!! كان كرِعْدة الحمًّى، أو كرجفْة الزلزال، أخذ هذا البلد المسكين زهاء أربع سنين، فكدًّر من طبعه، وغيَّر من وضعه، وبدد من نظامه! هل تخيلت الجنة وقد اتسق في ظلالها الخفض، واطَّرد في مياهها النعيم، وانبلج في أجوائها الأنس، وانبسط على أرجائها السلام، يقتحمها شياطين الجحيم عَنوة، فيجعلون ظلها حروراً، وماءها مُهْلاً، وأنسها وحشة، وسلامها فتنة؟ ذلك مثل النيل وواديه قبل هذا العهد الذميم وبعده! كانت البلاد تسير مع الزمن إلى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة في النمو، وتتوثب مع الحق على العدو، فنجم فيها ناجم من الشر اعترض طريقها اعتراض اللص، ثم أثار في وجوهها الرعب فانكفأت إلى الخلف، وامتحن قلوبها بالبطش ففزعت إلى الصبر، وسلط على مُترفيها المُنى فقروا على الرِّيب؛ وراح الذئب المقَنَّع أو الطاغية الكاذب يعيث في كل ديوان، ويفتك في كل مكان، ويخْتِل في كل جماعة، حتى عطَّل سلطة الأمة، وأبطل سطوة القانون، وقوض ركن الفضيلة. تناصرت أبالسة الظلم والظلام على مشاعر هذه الأمة فتركوها من الدسائس والهواجس والأوهام في مثل الدجى الحالك، تقتل نفوسها ويقولون إنها تجاهد، وتركب رءوسها ويعلنون أنها تسير، وتضطرب في شقائها اضطراب الذبيح ويوهمون أنها تحيا؛ ثم رصدوا خزانة الدولة وجنودها وشُرَطَها وموظفيها لإقرار الشعب على الضيم، ورياضته على الاستكانة، فنسى الجندي أنه حشد لمدافعة العداة، والشُّرْطي أنه رُصد لمراقبة الجناة، والموظف أنه أُعِدَّ لتصريف الأمور، ووقفوا جهودهم على قطع هذا الشارع فلا يعبره عابر، وحصر هذا البيت فلا يزوره زائر، وتعهُّدِ هذا المحالف فلا يُخْلفُه بِر، وتَعقّب ذلك المخالف فلا يفُلته أذى!! ثم انتشر الوعيد والوعد في جنبات النفوس يستنزلانها عن الخُلق، ويفتنانها عن العقيدة، ويغريانها بالعدالة، ويحرضانها على الصداقة، حتى اشتبه الوفاء، واتُّهم القضاء، ومرضت الأهواء، وانقطعت الأسباب بين المرء وصاحبه، وانفرجت الحال بين الرجل وواجبه؛ وكل ذلك لتُثْرى جماعة ويتسلط فرْد!! لا للهِ ولا للوطن كانت هذه المِحنة! إنما كانت نزوة رَعْناء من بغي الإنسان على الإنسان!

стр. 6068

والناس لا يزالون كما كانوا في الدهر الأول يسرقون ليأكلوا، ويقتلون ليعيشوا، ويستعبدون ليسودوا، ويستبدون ليحكموا، لا يحمي الفردَ من الفرد قانون، ولا يعصم الأمةَ من الأمة معاهدة! أما الدين والمدنية والعلم والأدب والفن والأنظمة فغطاء ذهبي على الناب، وطلاء وردي على المخلب! على أن ضعف الشعوب خَدَّاع، لأنه قُوىً متفرقة في نفوس متفرقة، فإذا ما تجمَّعت ذات مرة حول القوة الزعيمة الملهِمة، كانت هي الرجفة التي تهز الأرض من حين إلى حين، وتنقل التاريخ من فصل إلى فصل! ولكن ابن آدم سَهْوان: يُذهله نجب السلطان عن صوت العبَر، كما يذهله غرور الحياة عن يقين الموت! فلا يفيق من سكرة الدنيا إلا بوكزة الداء، ولا من سَوْرة الحكم إلا بسقطة الوزارة! سيتحرَّج التاريخ من تسجيل هذا العهد وإن سجل كثيراً من أمثاله! لأن المظنون أن العالم يتقدم ولا يتأخر، ويترقى ولا ينحط؛ فكيف يجد المعاذير لقطعة من الأرض يعزلها سارقوها عن الوجود الحاضر، ثم يحاولون أن يضربوا الأسداد بينها وبين الحرية والديمقراطية، فلا ترى سيادة هذه ولا تسمع أناشيد تلك! ولكن التاريخ لا ينسى - وإن نسى الناس - أن للنظام العالمي جاذبية تجذب المتخلف، وللعدل الإلهي صيحة تُسمع الأصم، وللشعب الوديع حيوية يَقْظى تعود بالمبطل صاغراً إلى الحق، وتُفئ بالحق السليب موفوراً إلى أهله! حنانيك يا رب! لقد تألمنا حتى أشفق الألم، وصبرنا حتى جزع الصبر، وضحينا حتى أصبحنا كلنا ضحايا!! فعسى أن يشاء عدلك وتريد رحمتك ألاَّ نقاسيَ مثل هذا العهد، وألا نعانيَ مثل هذه التجربة، وألا نكابد مثل هذا البلاء! الآن أصبح الليل، وانجلت الغمة، وتهتكت سدول الظلام عن السماء الواعدة، والضياء الهادي، والأفق الممتد، والطريق القاصد! فهل ترتد الشياطين إلى قماقم سليمان، وترجع الخفافيش إلى حَوالك الغِيران، ويستقيم القوم على عمود رأيهم حتى يلحقوا الناس ويدركوا الغاية! أحمد حسن الزيات

стр. 6069

الأجنبيَّة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي أحبَّها وأحبَّتْه، حتى ذهب بها في الحب مَذْهباً قالت له فيه: (لو جاءني قلبي في صورةٍ بشريَّةٍ لأراه كما أُحِسُّه، لما اختار غير صورتك أنتَ في رقِّك وعطفك وحنانك.) وحتى ذهبتْ به في الحب مذهباًقال لها فيه: (إن الجنة لا تكون أبدعَ فناً، ولا أحسنَ جمالاً، ولا أكثرَ إمتاعاً لو خُلِقَت امرأةً يهواها رجل؛ إلا أن تكون هي أنتِ.) فقالت له: (ويكونَ هو أنتَ. . .). وتَدَلَّهتْ فيه، حتى كأنما خَلَبها عقلَها ووضع لها عقلَا من هواه؛ فكانت تقول له فيما تَبُثُّه من ذاتِ نفسها: (إن حبَّ المرأة هو ظهورُ إرادتها مُتَبرِّئةً من أنها إرادة، مُقِرَّةً أنها مع الحبيب طاعةٌ مع أمر، مُذْعِنَةً أنها قد سلّمت كبريائها لهذا الحبيب، لتراه في قوّته ذا كبريائين.) وافتتن بها حتى أخذتْ منه كلَّ مأخَذ، فملأتْ نفسَه بأشياء، وملأت عينَه من أشياء؛ فكان يقول لها في نجْواه: (إني أرى الزَمن قد انْتَسَخَ مما بيني وبينك، فإنما نحن بالحب في زمن من نَفْسينا العاشقتين لا يُسمَّى الوقتَ ولكن يسمَّى السرور، وإنما نعيشُ في أيام قلبيّةٍ لا تدلُّ على أوقاتها الساعةُ بدقائقها وثوانيها، ولكنِ السعادة بحقائقها ولذَّاتِها.) وتحابَّا ذلك الحبّ الفنّيَ العجيب الذي يكون ممتلئاً من الروحين يكادُ يفيض وينسكب، وهو مع ذلك لا يبرَحُ يطلب الزيادة، ليتخيّل من لذتها ما يتخيل السكِّيرُ في نشوتهِ إذا طفحت الكأس، فيرى بعينيه أنها ستتَّسع لأكثَرَ مما امتلأت به، فيكونُ له بالكأس وزيادتها، سُكْرُ الخمرِ وسكرُ الوهم. تحابَّا ذلك الحبّ الفَوّار في الدم، كأن فيه من دَوْرته طبيعة الفراق والتلاقي، بغير تلاقٍ ولا فراق؛ فيكونان معاً في مجلِسهما الغَزَليّ، جَنْبُهُ إلى جنبها وفَاهَا إلى فيه وكأنما هرَبَتْ ثم أدرْكَها، وكأنما فَرّتْ ثم أمسَكَها. وبين القُبْلةِ والقُبْلة هِجرانٌ وصلح، وبين اللَّفتَةِ واللّفتة غَضَبٌ ورضى. وهذا ضَرْبٌ من الحب يكون في بعض الطبائع الشاذّة المُسْرِفة التي أفرطتْ عليها الحياةُ إفراطها فَيَلِفُّ الحيوانيّةَ بالإنسانية، ويجعلُ الرجلَ والمرأةَ كبعض الأحماض الكيماوية مع

стр. 6070

بعضها؛ لا تلتقي إلا لتتمازج، ولا تتمازجُ إلا لتَتّحد، ولا تتحدُ إلا ليبتلعَ وجودُ هذا وجودَ ذاك. وضَرَب الدهرُ من ضَرباتِه، فأبغضتْه وأبغضها، وفَسَدتْ ذاتُ بينِهما، وأدبر منها ما كان مُقْبِلاً؛ فَوَثَبَ كلاهما من وجود الآخر وَثْبة فَزَعٍ هارباً على وجهه. أما هو فَسَخِطَها لعيوب نفسها، وأما هي. . . وأما هي فَتَكرَّهَتْه لمحاسن غيره، وانسَرَبَتْ أيام ذلك الحب في مسَارِبها تحت الزمن العميق الذي طَوَى ولا يزالُ يطْوي ولا يبرحُ بعد ذلك يطوي؛ كما يغورُ الماءُ في طِباق الأرض. فأصبح الرجل المسكين وقد نزلتْ تلك الأيام من نفسه منزلةَ أقاربَ وأصدقاء وأحِبّاء ماتوا بعضُهم وراءَ بعض، وتركوه ولكنهم لم يبرحوا فِكْرَه، فكانوا له مادّةَ حسرة ولَهْفة. أما هي. . . أما هي فانشقّ الزمن في فكرها بِرَجّةِ زلزلة، وابتلع تلك الأيامَ ثم التأم. . .! فحدّثنا (الدكتور محمد) رئيس جماعة الطلبة المصريين في مدينة. . . بفرنسا، قال: وانتهى إليّ أن صاحبنا هذا جاء إلى المدينة، وأنه قادمٌ من مصر، فَتَخالَجني الشوقُ إليه، ونزعتْ إلى لقائه نفسي، وما بيننا إلا معرفتي أنه مصريٌّ قَدِمَ من مصر؛ وخُيّل إليّفي تلك الساعة مما اهْتَاجني من الحنين إلى بلادي العزيزة، أن ليس بيني وبين مصرَ إلا شارعان أقطعهُما في دقائق؛ فخففتُ إليه من أقرب الطرق إلى مثواه، كما يصنع الطير إذا ترامى إلى عُشّهِ فابْتدَرَهُ من قُطْرِ الجوّ. قال: وأصبْتُه واجماً يعلوه الحزن، فتعرّفتُ إليه فما أسرَعَ ما مَلأَ من نفسي وما ملأتُ من نفسه، وكما يمَّحِي الزمانُ بين الحبيبين إذا التقيا بعد فُرْقة - يتلاشى المكانُ بين أهل الوطن الواحد إذا تلاقوا في الغرْبة. فذابت المدينةُ الكبيرة التي نحن فيها، كأنْ لم تكن شيئاً، وتجلّى سحرُ مصر في أقوى سَطوتِه وأشدها، فأخذَنا كلينا فما استشعرنْا ساعتئذٍ، إلا أن أوربا العظيمة، كأنما كانت مرسومةً على ورقة، فطويناها وأحللْنا مصرَ في محلها. وطغى علينا نازِعُ الطرَب طغياناً شديداً، فأرسلْتُ من يجمع الإخوان المصريين، واخترتُ لذلك صديقاً شاعرَ الفطرة، فَنَزا به الطربُ، فكان يدعوهم وكأنهُ يُؤذّن فيهم لإقامة الصلاة. وجاءوا يهرولون هَرْولةَ الحجيج، فلو نَطَقتِ الأرض الفرنسية التي مَشَوا عليها تلك المِشْيةَ لقالت: هذه وطْأةُ أٌسودٍ تتَخيّل خُيلاءهَا من بَغي النشاط والقوة.

стр. 6071

ألا ما أعظمَكِ يا مصر، وما أعظمَ تعنُّتَكِ في هذا السحر الفاتن! أينبغي أن يغتربَ كلُّ أهلك حتى يدركوا معنى ذلك الحديث النبويّ العظيم (مصرُ كِنانةُ الله في أرضه.) فيعرفوا أنك من عزّتك معلَّقةٌ في هذا الكون تعليقِ الكنانة في دار البطل الأرْوع؟ قال (الدكتور محمد): واجتمعنا في الدار التي أنزلُ فيها، فراع ذلك صاحبةَ مثْواي، فقلت لها: إنَّ ههنا ليلةً مصرية ستحتلُّ ليلتكم هذه في مدينتكم هذه، فلا تجزعوا. ثم دعوتها إلى مجلسنا لتشهد كيف تَسْتَعْلِنُ الروح المصرية الاجتماعية برقّتها وظرفها وحماستها، وكيف تُفسّر هذه الروحُ المصريةُ كلّ جميل من الأشياء الجميلة بشوقٍ من أشواقها الحنَّانة، وكيف تكون هذه الروحُ في جوّ موسيقيتها الطبيعية حين تُناجي أحبابها، فيجئ حديثُها بطبيعته كأنه ديباجة شاعر في صفائها وحلاوتها ورنين ألفاظها؟ وقالت السيدة الظريفة: يالها سعادة! سأتخذُ زينتي، وأصلح من شأني، وأكون بعد خمس دقائق في مصر! قال الدكتور: وأخذنا في شأننا، وكان معنا طالبٌ حسن الصوت فقام إلى البيانة وغَنى مقطوعة (طقطوقة) مصرية من هذه المقاطيع التي تُطقْطِقُ فيها النفس، فجعل يَمطُلُ صوتَهُ بآهٍ، وآه، ودار اللحنُ دورةً تأوهت فيها الكلماتُ كلُّها. ثم اعْتَوَرَ البيانة طالبٌ آخر فما شذَّ عن هذه السنَّة، وكان بعد الأول كالنائحة تُجاوب النائحة. فمالت عليّ السيدة الفرنسية وأسَرّت إليّ: أهاتان امرأتان أم رجلان. . .؟ فقلت لها: إن هذا لخنٌ تاريخي ذو مقطوعتين كانت تَتَطارحُهكليوباترة وأنطونيو، وأنطونيو وكليوباترة. فأعجبت المرأة أشد الإعجاب، وأكبرتْ منا هذا الذوقَ المصريّ أن نكرمها لوجودها في مجلسنا بألحان الملكة المصرية الجميلة، وطرِبتْ لذلك أشدَّ الطرب، ومَلَكها غرور المرأة، فجعلت تستعيد (يا لوعتي، يا شقاي، يا ضَنىَ حالي. . .) وتقول: ما كان أرقّ كليوباترة! ما كان أرقّ أنطونيو! يا لَفِتنةِالحب الملَكي!. . قال (الدكتور محمد): ثم خجلتُ والله من هذا الكلام المخنَّث، ومن تلفيقي الذي لفقته للمرأة المخدوعة؛ فانتفضْتُ انتفاضةَ من يملؤه الغضب، وقد حَمِيَ دمُه، وفي يده السيفُ الباتر، وأمامه العدو الوقْح؛ وثُرْتُ إلى البيانة فأجريتُ عليها أصابعي، وكأنّ في يدي عشرة شياطين لا عشرة أصابع، ودوّى في المكان لحنُ (اسلمي يا مصر) وجَلْجَلَ كالرعد في قبة

стр. 6072

الدنيا، تحت طِباق الغيم، بين شرار البرق. فكأنما تَزَلْزلَ المكان على السيدة الفرنسية وعلينا جميعاً، وصَرَخَ أجدادُنا يزأرونَ من أعماق التاريخ: (اسلمي يا مصر). ولما قَطَعتُ التفتُّ إليها في كبرياء تلك الموسيقى وعظمتها، وقلتُ لها: هذا هو غناؤنا نحن الشبان المصريين. ثم راجعنْا صاحبَنا الضيف، وأحفَيْناه بالمسألة، فقال بعد أن دافَعَنا طويلاً: إنه يحسن شيئاً من الموسيقى، وإن له لحناً سيُطارحنا به لنأخذه عنه. فطرِنا بلَحنه قبل أن نسمعه، وقلنا له: افعلْ متفضلاً مشكوراً، وما زلنا حتى نهض متَثاقلاً فجلس إلى البيانة وأطرق شيئاً، كأنه يُسوِّي أوتاراً في قلبه، ثم دَقَّ يتشاجَى بهذا الصوت: أضَاعَ غَدي من كان في يَدِهِ غدي … وحَطّمني من كان يَجْهَدُ في سَبْكِي فإن كنتُ لا آسى لنفسي فَمَنْ إذن؟ … وإن كنتُ لا أبكي لنفسي فمن يَبكي قال (الدكتور محمد): فكان الغناء يَعْتلجُ في قلبه اعتلاجاً، وكانت نفسه تبكي فيه بكاءها وتَغصُّ من غصتها، وكأن في الصوت فكراً حزيناً يَستعلن في همٍّ موسيقى؛ وخيل إلينا بين ذلك أن البيانة انقلبت امرأة مغنية تُطارح هذا الرجل عواطفها وأحزانها، فاجتمع من صوتهما أكملُ صوت إنساني وأجملُه وأشجاه وأرقّه. فأطَفْنا به وقلنا له: لقد كتمْتَنا نفسك حتى نَمَّ عليها ما سمعنا، وما هذا بغناء، ولكنه هموم مُلَحَّنةٌ تلحيناً، فلن ندعَك أو تُخَبِّرَنا ما كان شأنك وشأنها. فاعْتلَّ علينا ودافَعَنا جهدَه، فقلنا له: هيهات؛ والله لن نُفْلِتَكَ وقد صِرتَ في أيدينا. وإنك ما تزيدُ على أن تَعظنا بهذه القصة؛ فإن أمسكت عنها فقد أمسكتَ عن موعظتنا، وإن بخلت فما بخلتَ بقصتك بل بعلمٍ من علم الحياة نُفيدُه منك؛ وأنت ترانا نعيش هاهنا في اجتماع فاسد كلُّه قصص قلبيّة، بين نساء لا يَلْبَسنَ إلا ما يُعرّي جمالَهن، وفي رجال أفرطتْ عليهم الحرية، حتى دخل فيها مَخدعُ الزوجة. . .! قال الدكتور: ونظرت فإذا الرجل كاسِفٌ قد تَغيّر لونُه، وتبين الانكسار في وجهه، فألممت بما في نفسه، وعلمت أنه قد دهي في زوجة من هؤلاء الأوربيات اللواتي يتزوجن على أن يكون مخدع المرأة منهن حراً أن يأخذ ويدع، ويغير ويبدل، ويقسم كلمة (زوج) قسمين وثلاثة وأربعة وما شاء. . .

стр. 6073

وكأنما مسست البارود بتلك الشرارة، فانفجرت نفس الرجل عن قصة ما أفظعها! قال: يا إخواني المصريين، قبل أن أنفض لكم ذلك الخبر، أسديكم هذه النصيحة التي لم يضعها مؤلف تاريخي لسوء الحظ، إلا في الفصل الأخير من رواية شقائي: (إياكم إياكم أن تغتروا بمعاني المرأة، تحسبونها معاني الزوجة. وفرقوا بين الزوجة بخصائصها، وبين المرأة بمعانيها؛ فإن في كل زوجة امرأة، ولكن ليس في كل امرأة زوجة). واعلموا أن المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية، كهذا السحاب الملون في الشفق حين يبدو؛ له وقت محدود ثم يمسخ مسخاً؛ ولكن الزوجة في نسائيتها الاجتماعية كالشمس؛ قد يحجبها ذلك السحاب، بيد أن البقاء لها وحدها، والاعتبار لها وحدها، ولها وحدها الوقت كله. لا تتزوجوا يا إخواني المصريين بأجنبية؛ إن أجنبيةً يتزوج بها مصري هي مسدس جرائم فيه ست قذائف: الأولى: بوار امرأة مصرية وضياعها بضياع حقها في هذا الزوج. وتلك جريمة وطنية؛ فهذه واحدة. والثانية: إقحام الأخلاق الأجنبية عن طباعنا وفضائلنا - في هذا الاجتماع الشرقي، وتوهينه بها وصدعه؛ وهي جريمة أخلاقية. والثالثة: دس العروق الزائغة في دمائنا ونسلنا، وهي جريمة اجتماعية. والرابعة: التمكين للأجنبي في بيت من بيوتنا، يملكه ويحكمه ويصرفه على ما شاء؛ وهي جريمة سياسية. والخامسة: للمسلم منا إيثاره غير أخته المسلمة، ثم تحكيمه الهوى في الدين، ما يعجبه وما لا يعجبه، ثم إلقاؤه السم الديني في نبع ذريته المقبلة، ثم صيرورته خزياً لأجداده الفاتحين الذين كانوا يأخذونهن سبايا، ويجعلونهن في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد الزوجة؛ فأخذته هي رقيقاً لها، وصار معها في المنزلة الثانية أو الثالثة بعد. . . وهذه جريمة دينية. والسادسة: بعد ذلك كله، إن هذا المسكين يؤثر أسفله على أعلاه. . ولا يبالي في ذلك خمس جرائم فظيعة.

стр. 6074

وهذه السادسة جريمة إنسانية! ما كنت أحسب يا إخواني وقد رجعت بزوجتي الأوربية إلى مصر - أني أحضرت معي من أوربا آلة تصنع أحزاني ومصائبي! ولم يكن وعظني أحد بما أعظكم به الآن، ولا تنبهت بذكائي إلى أن الزوجة الأجنبية تثبت لي غربتي في بلادي! وتثبت على أني غير وطني أو غير تام الوطنية، ثم تكون مني حماقة تثبت للناس أني أحمق فيما اخترت؛ ثم تعود مشكلة دولية في بيتي، يزورها أبناء جنسها ويستزيرونها رغم أنفي وفمي ووجهي كله! ويستطيلون بالحماية، ويستترون بالامتيازات، ويرفعون ستاراً عن فصل، ويرخون ستاراً عن فصل. . وأنا وحدي أشهد الرواية. .! إن الشيطان في أوربا شيطان عالم مخترع، فقد زين لي من تلك الزوجة ثلاث نساء معاً: زوجة عقلية، وزوجة قلبية، وزوجة نفسية، ثم نفث اللعين في روعي أن المرأة الشرقية ليست فيها إلا واحدة، وهي مع ذلك ليست من هؤلاء الثلاث ولا واحدة. قال الخبيث: لأنها زوجة الجسم وحده، فلا تسمو إلى العقل، ولا تتصل بالقلب، ولا تمتزج بالنفس؛ وأنها بذلك جاهلة، غليظة الحس، خشنة الطبع، لا تكون مع المصري إلا كما تكون الأرض المصرية مع فلاحها. لعنة الله على ذلك الشيطان الرجيم العالم المخترع! ما علمت من بعد أن هذه الشرقية الجاهلة الخشنة الجافية هي كالمنجم التي تبره في ترابه، وماسه في فحمه، وجوهره في معدنه؛ وأن صعوبتها من صعوبة العفة الممتنعة، وأن خشونتها من خشونة الحب المعتز بنفسه، وأن جفاءها من جفاء الدين المتسامي على المادة؛ وأنها بجموع ذلك كان لها الصبر الذي لا يدخله العجز، وكان لها الوفاء الذي لا تلحقه الشبهة، وكان لها الإيثار الذي لا يفسده الطمع. هي جاهلة، ولها عقل الحياة في دارها؛ وغليظة الحس؛ ولها أرق ما في الزوجة لزوجها وحده؛ وخشنة الطبع، لأنها تتنزه أن تكون ملمساً ناعماً لهذا وذاك وهؤلاء وأولئك. . لا كامرأة الحب الأوربية، التي تجعل نفسها أنثى الفن، وتريد أن تعيش دائماً مع زوجها الشرقي من التفضيل والإيثار والإجلال والإباحة - في كلمة (أنا) قبل كلمة (أنت). . امرأة أنشأتها الحرب العظمى بأخلاق مخربة مدمرة تنفجر بين الوقت والوقت. عندنا يا إخواني تعدد الزوجات، يتهموننا به من عمىً وجهل وسخافة. انظروا، هل هو إلا

стр. 6075

إعلان لشرعية الرجولة والأنوثة، ودينية الحياة الزوجية في أي أشكالها؛ وهل هو إلا إعلان بطولة الرجل الشرقي الأنوف الغيور أن الزوجة تتعدد عند الرجل ولكن. . . ولكن ليس كما يقع في أوربا من أن الزوج يتعدد عند المرأة. . .! يتهموننا بتعدد المرأة على أن تكون زوجةً لها حقوقها وواجباتها، بقوة الشرع والقانون، نافذةً مؤداة، ثم لا يتهمون أنفسهم بتعدد المرأة خليلة مخادنةً ليس لها حق على أحد، ولا واجب من أحد، بل هي تتقاذفها الحياة من رجل إلى رجل، كالسكير يتقاذفه الشارع من جدار إلى جدار. لعنة الله على شيطان المدنية العالم المخترع المخنث، الذي يجعل للمرأة الأوربية بعد أن يتزوجها الرجل الشرقي أصابع (أوتوماتيكية)، ما أسرع ما تمتد في نزوة من حماقاتها إلى رجلها بالمسدس، فإذا الرصاص والقتل؛ وما أسرع ما تمتد في نزوة من عواطفها إلى عاشقها بمفتاح الدار، فإذا الخيانة والعهر! ماذا تتوقعون يا إخواني من تلك الرقيقة الناعمة، المتأنثة بكل ما فيها أنوثة تكفي رجالاً لا رجلاً واحداً، وقد ضعفت روحية الأسرة في رأيها، وابتذلت الروحية في مجتمعها ابتذالاً، فأصبح عندها الزواج للزواج على إطلاقه، لا لتكون امرأة واحدة لرجل واحد مقصورة عليه؛ وبذلك عاد الزواج حقاً في جسم المرأة دون قلبها وروحها؛ فإن كان الزوج مشئوماً منكوباً لم يستطع أن يكون رجل قلبها - فعليه أن يدع لها الحرية لتختار زوج قلبها. .! ومعنى ذلك أن تكون هذه المرأة مع الزوج الشرعي بمنزلة المرأة مع فاسق؛ ومع الفاسق بمنزلة المرأة مع الزوج الشرعي. .! وإن كان الرجل منحوساً مخيباً، وكان قد بلغ إلى قلبها زمناً ثم مله قلبها - فعليه أن يدع لها الحرية لتتنقل وتلذ بلذات الهوى، ويقول لها: شأنك بمن أحببت، فإن هذا المنحوس المخيب ليس عندها إنساناً، لكنه رواية إنسانية انتهى الفصل الجميل منها بمناظره الجميلة، وبدأ فصل آخر بحوادث غير تلك. فلمن يشهد الرواية أن يتبرم ما شاء، ويستثقل كما يشاء، ومتى شاء انصرف من الباب. .! امرأة هذه المدنية هي امرأة العاطفة؛ تتعلق باللفظ حين تلبسه العاطفة من زينتها، وإن ضاع فيه المعنى الكبير من معاني العقل، وإن فاتت به النعمة الكبيرة من نعم الحياة. تقوى العاطفة فتجئ بها إلى رجل، ثم تقوى الثانية فتذهب بها مع رجل آخر. . .! وتقيد

стр. 6076

نفسها إن شاءت، وتسرح نفسها إن شاءت؛ وما بد من أن تبلو الحياة كما يبلوها الرجل، وأن تخوض في مشاكلها؛ وإذا شاءت جعلت نفسها إحدى مشاكلها. .! ولا مندوحة من أن تتولى شأن نفسها بنفسها، فإذا خاست أو غدرت فكل ذلك عندها من أحكام نفسها، وكل ذلك رأي وحق، إذا كان محورها الذي تدور عليه هو عاطفتها وحرية هذه العاطفة، فمن هذا يقرر لها خطتها، ويملي عليها واجباتها، ويزور لها الأسماء على إرادته دون إرادتها، فيسمي لها نكد قلبها باسم فضيلة المرأة، وحرمان عاطفتها باسم واجب الزوجة الشريفة؟ ومنذا خوَّلَه الحق أن يقرر وأن يملي؟ وهذا الشرقي العتيق المأفون الذي قبلها سافرة لا تعرف روحها ولا جسمها الحجاب؛ ما باله يريد أن يضرب الحجاب على عاطفتها، ويتركها محبوسة في شرفه وحقوقه وواجباته، وإن لم تكن محجوبة في الدار؟ ما علمت يا إخواني إلا من بعد، أن الزوجة الغربية قد تكون مع زوجها الشرقي كالسائحة مع دليلها. هيهات هيهات، إنه لن يمسكها عليه، ولن يكرهها على الوفاء له، إلا أن تكون حثالة يزهد فيها حتى ذباب الناس؛ فيأسها هو يجعل هذا المسكين مطمعها، وهي مع ذلك لو خلطته بنفسها لبقيت منها ناحية لا تختلط، إذ ترى أمته دون أمتها، وجنسه دون جنسها؛ فما تسب أمة زوجها وبلاده بأقبح من هذا! أما والله إن الرجل الشرقي حين يأتي بالأجنبية لتلوين حياته بألوان الأنثى. . لا يكون اختار أزهى الألوان إلا لتلوين مصائب حياته! وقد يكون هناك ما يشذ، ولكن هذه هي القاعدة. أما قصتي يا إخواني. . . . . . . . . قال الدكتور محمد: قد حكيتها (يرحمك الله) طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 6077

٢ - محمد بك المويلحي للأستاذ عبد العزيز البشري لست أغلو إذا زعمت أنني في مطلع نشأتي الأدبية كان (مصباح الشرق) عندي هو المثل الأعلى للبيان العربي. وبهذا كنت شديد الاكباب على قراءته، وتقليب الذهن واللسان في روائع صيغه وطرائف عباراته. حتى لقد كنت أشعر أنني أترشفها ترشفاً لتدور في أعراقي وتخالط دمي، وتطبع ملكتي على هذا اللون من البيان الجزل السهل الناقد الطريف. ولكن (ما كل ما يتمنى المرء يدركه)! ولقد كنت فتى مولعاً بالصناعة، شأن أكثر نابتة المتأدبين في ذلك العهد. فلما أرسل محمد المويلحي في المصباح (أحاديث عيسى بن هشام) زادني وزاد لداتي به فتوناً. كيف تمثل لي محمد المويلحي؟: لم تكن عيني إلى هذا العهد قد وقعت قط على محمد المويلحي ولا خيار المرء في تمثل صورة من لم ير من الأناسي، وما لم يشهد من البقاع. فكانت الصورة التي جلاها علي الخيال لهذا الرجل، صورة شاب معتدل القد، وضئ الطلعة، وسيم الوجه قسيمه. وما كان ذلك البيان الجوهري ليجلو علي من الرجل غير ذلك. على أنني كنت أرى أباه إبراهيم بك الحين بعد الحين في زياراته لوالدنا، عليهما رحمة الله، وفي زيارات والدنا له (بعمارة البابلي) يوم كنت أصحبه. وكان هذا المويلحي تحفة من تحف العصر التي قل أن يجود بمثلها الزمان: قوة لسن، واشتعال ذهن، وحضور بديهة، وسطوة نكتة، وسعة علم بالزمان وأحوال الناس. أما سرعته وتوفيقه في إيراد الشاهد من عبر التاريخ، ومأثور الآداب من منثور الكلام ومنظومه، فهذا ما لم يتعلق بغباره فيه أحد. فكان مجلسه متاعاً من أعظم المتاع على أنني لم أوفق إلى رؤية المويلحي الابن مرة واحدة! وتتابعت السنون، وخلص تحرير (المصباح) إلى محمد. ثم امتحنه القدر بحادثة اعتداء يسير عليه من بعض الطيش من أبناء (الذوات) في إحدى القهوات. وانتهى الخبر إلى المرحوم الشيخ علي يوسف، وكان في صدره موجدة شديدة على محمد وعلى أبيه لما كان بينه وبينهما من كيد وصراع، فانتهز الفرصة وروى الحادثة في صورة مهولة، واستدرج

стр. 6078

الكتاب والشعراء للقول فيها، وفسح لهذا في المؤيد مكاناً عريضاً. ومن ذا الذي لم يكن موتوراً من المويلحي؟ ومن ذا الذي لم يقدر الوتر منه في مستقبل الأيام؟ وإذا كان الرجل عاجزاً على أن يخرج للمويلحي وحده، فهذه جموع الأدباء والشعراء والعلماء أيضاً قد تداكت لقتاله بكل ما في أيديها من سلاح! ألا فليتقدم لطعن المويلحي من شاء أن يتقدم، فليس على أحد في قتاله اليوم من بأس! وتثور العاصفة، ويشتد البأس، وتحمر الحدق، وأذّن النفير العام، فوثب القاعد وتحرك الساكن، وانبعث الجاثم وهب النائم. وأهاب القعديون بالمتخلف، واستحمسوا المتخاذل. وشد الجميع على قلب رجل واحد. وهل كان من المستطاع أن يصمد لهذا الجيش اللجب رجل واحد؟. لم يستطع المويلحي أن يثبت في الميدان، فأطفأ (المصباح) وأنسل إلى داره وقد ألقى يد السلام، واحتجب ولكن في انتظار الثأر وري الغلة بالانتقام!. ولقد تم للمويلحي من هذا بعض ما أراد أو كل ما أراد. فلقد كان ممن أثاروا الثائرة على الشيخ علي يوسف أيام حادث الزوجية المشهور، وفتح له في جريدة (الظاهر) باباً مثل ذلك الباب، واستدرج له أقلام الشعراء والكتاب. وواحدة لواحدةٍ كفاء. متى رأيت المويلحي، وكيف اتصلت به؟: بين سنتي ١٩٠٧، ٩٠٨، لا أذكر على التحديد، سألت صديقاً حديث العهد بصداقتي، ولكن وده للمويلحي قديم - سألته وتمنيته أن يجمع بيني وبينه، وما كان أبلغ دهشتي واغتباطي حين قال لي: إن المويلحي قد طالعه أنه يحب أن يراني، ولعله عرف بي من أيام كنت أرسل القول في الشيخ في فتنة الزوجية شعراً ونثراً. (وأسأل الله أن يغفر لي هذا). وتواعدنا أن نذهب إليه في الأصيل. وكان، ﵀، قد اتخذ مسكنه داراً من دور سعيد باشا نصر، تقع في أطراف العباسية يومئذ. وهذه الدار لا يعطي العين ظاهرها أكثر من منظر (حوش) في قرافة الأمام، فإذا جزت مداخلها انفرجت للعين حديقة واسعة قد عبِّدت طرقها تعبيداً، ونضدت أشجارها تنضيداً، وتأنقت يد البستاني في تسويتها وتنميقها، كما تأنقت يد الطبيعة في تشجيرها وتزويقها: فهذا الفل الوضيء الآلق، وهذا الورد المشرق الضاحك، وهذا النرجس تنبعث من عيونه الأسحار، وهذا الياسمين لقد استحال تنفساً في ساع الأسحار.

стр. 6079

ولقد أفرد زاوية من زوايا الحديقة للغزلان والطواويس وجماعات الطير من كل غرد صداح. ويستقبلني، رحمة الله عليه، بالبشر والتأهيل والترحيب، وإذا بي إزاء رجل حنطي اللون، بين الطويل والقصير، والسمين والهزيل؛ مستطيل الوجه، عريض الجبهة، حاد العينين، مستوي الأنف، له فم قريب إلى الفَوَهِ في غير قبح ولا استكراه. إذا تمثل واقفاً لمحت في ساقيه تقوساً خفيفاً لعله دخل عليه من أنه عالج المشي قبل أن تصلب عظامه. وله إذا تحدث صوت لا أقول خشن بل أقول جزل. فإذا أقبل على القراءة زر عينه اليسرى فبان التكرش الشديد ما بين أعلى العارض وأسفل الجبين، وهذا التكرش لا شك كان من أثر السنين، وإن كان يخفيها في المويلحي شدة عنايته بصحته، وتكلفه ألواناً من علاج البدن بمأثور الوصفات، والتزام الحمية في كثير من الأوقات، وأخذ النفس بالراحة التامة ما تستثيره أزمة من الأزمات، ولا يستدرجه مجلس لهو ولا تقنصه داعية لذة من اللذات؛ وبهذا تهيأ له أن يحيا في مثل نظرة الشباب إلى الممات. وقد تلقّاني في غرفة الاستقبال، وهي غرفة أنيقة حقاً. لقد أثثت بأفخر الأثاث وأغلاه، وأفخر من كل شئ فيها الأناقة في تصفيف الفراش والذوق التام. وقد زُينت أجبُنُها بصور كبيرة له ولأبيه، وللأميرة نازلي فاضل، وللسيد جمال الدين الأفغاني. وبلوحات خطية جميلة جرت بروائع الحكم، وأكثرها من شعر المعري. وخضنا في أحاديث من أحاديث الأدب، ولونا الكلام تلويناً حتى تجاوزنا نصف الليل، وتفارقنا وكأن حبل المودة بيننا ممدود من عشرين سنة. وتواعدنا اللقاء ما تهيأ لنا. وكذلك استمكن الإلف واستوثقت حبال الود، فما نتفارق على موعد من لقاء قريب. ولقد أعيش معه اليومين والثلاثة نقرأ عامة نهارنا وصدراً من ليلنا كتباً، أو نتذاكر أدباً. وكان ممن يختلفون إلى داره مغرب الشمس عادة بعض أقطاب العلم وأصحاب الرأي والبيان والبدائة المواتية، وأذكر منهم المرحومين عمه السيد عبد السلام باشا المويلحي (سر تجار مصر)، والسيد محمد توفيق البكري، والشيخ علي يوسف، بعد أن تصافت القلوب مما كان علق بها من الأضغان، والسيد محمد البابلي، ومحمد بك رشاد، وحافظ بك إبراهيم، وعبد الرحيم بك أحمد، وحافظ بك عوض، والسيد عبد الحميد البنان. أحياهما الله أطيب

стр. 6080

الحياة. وخذ ما شئت في أثناء هذه المجالس من أدب رائع، ومن نادرة طريفة، ومن حاضر نكتة قل أن تسخو بمثلها الأذهان. ولقد كنا نقضي معاً عامة الصيف في مدينة الإسكندرية. ولعل من أسعد هذه الأصياف ذلك الذي قضيناه معاً في فندق في ضاحية المكس خالصين للرياضة ومراجعة الكتب في مختلف الآداب، لا ننحدر إلى صلب المدينة إلا لقضاء سهرة مونقة مع آثر الصحاب. كما عشنا معاً في شتاء سنة ٩١١، ٩١٢، بضعة أشهر في دار استأجرناها في حلوان. وفي سنة ١٩١٠ قلد في ديوان (عموم) الأوقاف منصب رئيس قسم الإدارة والسكرتارية، وفي يناير من سنة ١٩١١ عينت في (قلم السكرتارية). وللمويلحي في هذا التعيين سعي غير منكور. وبهذا أصبح لي رئيساً، كما كان لي أستاذاً وصديقاً. ولقد ظل الود بيننا موصولاً حتى قبض إلى رحمة الله. نشأته ودراسته: هو السيد محمد المويلحي بن إبراهيم بك بن السيد عبد الخالق المويلحي. أصلهم من مرفأ المويلح ببلاد العرب، هبط جدودهم مصر من زمن غير قصير، وكانوا يتجرون في صناعة الحرير، وهم أهل نعمة وثراء. ولقد أتلف أبوه إبراهيم كل ما كان في يده من الأموال فلم ينزلق عنه لبينه إلا نطافٌ من الاستحقاق في بعض الأوقاف. وما أحسب محمداً تجاوز في الدراسة المنظمة التعليم الابتدائي. ثم جعل يتعلم على أبيه، ويكب على قراءة الكتب في العلوم والآداب، ثم اتصل بأئمة العلماء وأقطاب أصحاب الأدب من أمثال السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والشيخ حسين المرصفي، ومحمود باشا سامي البارودي، وغيرهم من أعلام عصره فحذق العربية وبرع فيها، وجود البيان أيما تجويد، وهيأ له جِدُّه واضطرابه في أسفاره بين الشرق والغرب تجويد اللغات الفرنسية، والتركية، والإيطالية، كما أصاب حظاً من الإنكليزية واللاتينية. وكان كثير القراءة إلى غاية الممات، فلا تكاد تقتحم عليه إلا رأيته يعالج بالتنسيق حديقته، أو يقرأ في كتاب عربي أو في كتاب يجري في إحدى هذه اللغات. ولقد سألته ذات يوم عن أحسن الفرص التي هيأت له أعظم حظ من العلم فقال: كنت في الأستانة في ضيافة رجل فاضل يدعى سليمان أفندي، وكان عنده مكتبة تعد من أفخر

стр. 6081

المكاتب الأهلية، فلبست ثيابي ذات عشية تأهباً للخروج كعادتي لأسهر في بعض ملاهي المدينة، وتفقدت كيسي فإذا هو صفر من الدرهم والدينار، فنضوت ثيابي ثانية وقلت باسم الله، ولبثت عاكفاً على قراءة الكتب لا أبرح هذه المكتبة إلا للنوم أو لغيره من حاجات الحياة. وظللت على هذه الحال ستة أشهر وبعض الشهر حتى أذن الله بالفرج، وجاءني من المال ما هيأ لي استئناف الحياة مع الناس! ومن يعرف صبر المويلحي، وشدة حمله على نفسه، لا يستطيع أن ينكر منه هذا المقال، وسألم إن شاء الله بهذه الخلة العجيبة فيه عند الكلام في عاداته وأخلاقه. وحسبي هذا الآن فقد أطلت الحديث، والى الملتقى القريب. عبد العزيز البشري

стр. 6082

صحف مطوية من التاريخ الإسلامي ٢ - العرب في غاليس وسويسره للأستاذ محمد عبد الله عنان انتشرت المستعمرات والمعاقل العربية خلال القرن العاشر في بروفانس وسافوا وبييمون وسويسره كما بينا، وبسط العرب سيادتهم على ممرات جبال الألب وعلى الحدود بين غاليس وبلاد اللونبارد (شمال إيطاليا) وبينها وبين سويسره، وبلغوا في تقدمهم في غاليس مدينة جرينوبل، واحتلوا في سويسرا ولاية فاليه ومفاوز جورا المتاخمة لبرجونية، واحتلوا في إيطاليا الشمالية ولاية ليجوريا. وكانت معاقلهم في بروفانس ولا سيما حصن (فركسنيه) قواعد غزواتهم وملاذ قوتهم وسيادتهم. والظاهر أنهم اتبعوا نفس هذه الخطة في سهول بيمون فأنشأوا فيهاسلسلة من الحصون والقلاع القوية لتكون مركز غزواتهم في بلاد اللونبارد وفي سويسره؛ فإن الرواية الكنسية التي كتبها حبر معاصر من دير نوفاليس تذكر لنا اسم حصن عربي في تلك الأنحاء وتسميه (فراشنديلوم) والمظنون أنه هو المكان الذي تعرفه الجغرافية الحديثة باسم (فراسنيتو) وهو الواقع في لومبارديا على مقربة من نهر (بو). وتقص علينا نفس هذه الرواية الكنسية أيضاً أن سيداً نصرانياً من سادة تلك الأنحاء يدعى أيمون دفعه شغف المغامرة والكسب إلى محالفة العرب، فانضم إليهم واشترك في غاراتهم الناهبة، وفي ذات يوم وقعت بين السبايا امرأة رائعة الحسن، فاستبقاها أيمون لنفسه، ولكن زعيماً عربياً استحسنها وانتزعها منه قسراً، فغضب إيمون، والتجأ إلى كونت روتبالدوس حاكم بروفانس العليا، وفاوضه سراً في محاربة العرب وإنقاذ البلاد منهم، فرحب الكونت بهذا المشروع، ودعا السادة إلى معاونته، واستطاع أن يحشد قوات كبيرة وهوجم العرب في بييمون من كل صوب ومزقوا، وسقطت قلاعهم في يد النصارى، وذهب سلطانهم في تلك الأنحاء. وتقص الرواية الكنسية أيضاً قصة مؤامرة دبرها كونراد ملك برجونية لإهلاك العرب النازلين في أملاكه، في جورا وعلى حدود برجونية، والمجر الذين كانوا يشاطرونهم يومئذ الإغارة والعيث في تلك الأنحاء. وذلك أنه كتب إلى العرب يستحثهم لقتال منافسيهم المجر، وانتزاع ما بيدهم من الأراضي والضياع والخصبة؛ وكتب مثل ذلك إلى العرب يستحثهم

стр. 6083

لقتال المجر والمعاونة على إجلائهم، وعين مكاناً للقاء الفريقين؛ فالتقت الجموع المتنافسة من العرب والمجر ونشب بينهما قتال هلك فيه كثير من الفريقين، ثم اشرف كونراد بجموعه ومزق البقية الباقية من الفريقين قتلاً وأسراً، وتضع الرواية تاريخ هذه الواقعة في سنة ٩٥٢م؛ ولكنها لا تعين مكان حدوثها. ومنذ منتصف القرن العاشر يأخذ نجم أولئك العرب المستعمرين المغامرين في الأفول، وتضمحل سيادتهم في تلك الأنحاء؛ بيد أنهم لبثوا مدى حين بعد ذلك يحتلون كثيراً من مواقع سافوا؛ ويجوبون أنحاء سويسرا كلها في طلب الغنيمة والسبي. وقد اعتادوا على حرب الجبال وحذقوا أساليبها؛ وبلغوا في توغلهم في سويسره مدينة سان جال على مقربة من بحيرة كونستاس، وانشأوا ثمة كثيراً من القلاع والأبراج التي ما زالت تقوم منها إلى اليوم بعض الأطلال والبقايا، ولبثوا حيناً في سان جال، حتى حشد رئيس ديرها حوله جمعاً من المقاتلين الأشداء، وفاجأوا العرب في جوف الليل ومزقوهم قتلاً وأسراً، وبذلك خفت وطأة الغزوات العربية في شمال سويسرا. واستمرت المستعمرات والمعاقل العربية في دوفينه وبروفانس وبعض جهات الألب؛ وكان قربها من (فركسنيه) أمنع المعاقل العربية يمدها بأسباب الجرأة والعون، ويمدها قربها من البحر دائماً بإمداد جديد من المتطوعين والمغامرين من ثغور الأندلس وأفريقية. في ذلك الحين كان أعظم أمراء النصرانية أوتو الكبير (أوتون) ملك ألمانيا، وكان أعظم أمراء الإسلام عبد الرحمن الناصر خليفة الأندلس؛ وكان للناصر مع معظم أمراء النصرانية، من إمبراطور بيزنطة إلى ملوك الشمال والغرب، علائق سياسية منظمة؛ وكانت له مع أوتو الكبير علائق ومراسلات. فلما رأى أمراء غاليس أنهم لا يستطيعون رد العرب عن أملاكهم وأراضيهم، سعوا إلى الإمبراطور أوتو زعيم النصرانية أن يعاونهم بمفاوضته الناصر زعيم الإسلام في إنقاذهم من هذا النير المزعج؛ وكان المفهوم دائماً أن حكومة قرطبة تحمي هذه المستعمرات العربية النائية وتمدها بعونها الأدبي على الأقل. فعول الإمبراطور أوتو على السعي لدى الناصر في تحقيق هذه الغاية؛ وأوفد إليه في سنة ٩٥٦ سفارة على رأسها حبر يدعى (جان) فقصد إلى أسبانيا عن طريق فرنسا، ووفد على قرطبة يحمل بعض التحف والهدايا طبقاً لرسوم العصر، واستقبل بحفاوة بالغة وأنزل في

стр. 6084

منزل خاص ريثما يستقبله الخليفة. وتتفق الروايات العربية والنصرانية في وصف مظاهر العظمة والبهاء التي كانت تبدو بها قرطبة، ويبدو بها البلاط الأموي يومئذ. وتقص علينا الرواية الكنسية المعاصرة تفاصيل هذه الرواية، فتقول: إن الناصر لم يستقبل سفير أوتو في الحال، وإنه كان يحقد على أوتو لأنه تعرض في بض مراسلاته للإسلام، ولأنه كان قد اعتقل مدى حين سفيراً نصرانياً أرسله إليه الناصر، ولذلك أمر الناصر باعتقال السفير (جان) حتى يرسل سفيراً إلى أوتو يستوثق من عواطفه ونياته نحوه؛ واختير لهذه السفارة كالعادة قس من رعايا الخليفة، وكان أوتو يومئذ يشتغل ببعض الحروب الداخلية، فأبدى تساهلاً في قبول وجهات نظر الخليفة. ولما عاد السفير، ارتاح الناصر لنتائج سفارته، وأذن برؤية سفير الإمبراطور، فاستقبل استقبالاً فخماً ظهرت فيه عظمة البلاط الأموي؛ وتحدث إلى الناصر عن الغرض من سفارته. ولا نعرف ماذا كانت نتيجة السفارة، لأن الرواية الكنسية لا تحدثنا عن ذلك؛ ولكن المرجح أن وجهة النظر التي أبدتها حكومة قرطبة هي أنها ليست لها علاقة بالمستعمرات العربية في غاليس، وأنها لا تتحمل تبعة أعمالها، ولا تستطيع أن تتدخل لديها. وهو استنتاج يؤيده صمت الرواية العربية عن ذكر أخبار هذه المستعمرات، مما يدل على أن حكومة الأندلس لم تكن تعنى كثيراً بشأنها، وإن كانت بلا ريب تنظر إلى غزواتها وتوغلها في الأراضي النصرانية بعين العطف. على أن لويتبراند، وهو مؤرخ كنسي معاصر يؤكد أن الخليفة كان يحمي هذه المستعمرات ويمدها بالتشجيع والعون. وبعد ذلك بقليل (في نحو سنة ٩٦٠) أخرج العرب من معاقلهم في آكام سان برنار؛ ولسنا نعرف تفاصيل ذلك الحادث؛ ولكن المحقق أن العرب أبدوا كعادتهم منتهى البسالة في الدفاع عن مواقعهم؛ والظاهر أيضاً أن القديس برنار (سان برنار) الذي سميت هذه الآكام باسمه كان من أبطال الموقعة التي نشبت وانتهت بجلاء العرب. واستمر العرب في دوفينه وبروفانس، وكثيراً ما دعوا إلى التدخل بين سادة هذه الأنحاء. ولما غزا الإمبراطور أوتو بلاد اللونبارد، وأخرج منها ملكها بيرانجيه، التجأ ولده أدالبرت إلى عرب (فراكسنيه) ليعاونوه في استعادة ملكه. وكان هذا التحالف بين السادة والعرب يقوي سيادة الغزاة ويدعمها كلما آذنت بالانهيار. بيد أن هذه السيادة قد أخذت في

стр. 6085

الاضمحلال منذ فقد العرب معاقلهم في بلاد الألب. وفي سنة ٩٦٥هـ أخرج العرب من مدينة جرينوبل ومن واديها الخصب (جريزبفودان) وطوردوا في تلك النواحي وساءت أحوالهم؛ وأعلن الإمبراطور أوتو بعد ذلك بعامين أو ثلاثة، وهو يومئذ في إيطاليا أنه سيتولى طرد العرب من الأراضي النصرانية، ولكنه توفي دون القيام بمشروعه. ثم دنت بوادر المعركة الحاسمة، وحدث في ذلك الحين أن حبراً كبيراً ذائع الصيت هو سان ماييل، وهو أسقف دير كلوني من أعمال برجونيه، حج إلى رومه، ولما عاد من طريق دوفينه أسره العرب المرابطون في الجبال مع جماعة كبيرة من الحاج، واشترطوا عليهم فدى فادحة؛ فدفعت بعد عناء، وأطلق سراح سان ماييل وزملاؤه. ولما عاد سان ماييل إلى مقامه دعا مواطنيه إلى إنقاذ البلاد من عيث الغزاة، وأذكى حماستهم وسخطهم، وذاعت قصة أسره وما يعانيه الحاج من شر العرب وعدوانهم، فنهض سيد من سادة تلك الأنحاء ويدعى بوبون (أو بيفون) وانتهز فرصة الحماسة العامة، وجمع حوله كثيراً من المقاتلة، وبنى حصناً في سترون على مقربة من حصن كان يملكه العرب، ولبث يتحين الفرص لمفاجأة العرب والاستيلاء على حصنهم، حتى استطاع ذات يوم أن يحمل بعض الحراس على فتح الأبواب، فتمت الخيانة، وباغت النصارى العرب في حصنهم، وقضوا عليهم قتلاً وأسراً (سنة ٩٧٢م). وفي الوقت نفسه التف النصارى في دوفينه حول زعيم يدعى جيوم، وهاجموا العرب في جميع مراكزهم وقلاعهم ومزوقهم في كل ناحية، وبذا انهارت سيادتهم في دوفينه ولم تبق إلا في بروفانس. ولما قوى جيوم وكثر جمعه، وبسط نفوذه على بورفانس وتلقب بألقاب الإمارة، واعتزم أن يخرج العرب نهائياً من تلك الأرض؛ فدعا السادة لمعاونته ومنهم كونت نيس، ورأى العرب أن العاصفة تنذر بإجتياحهم من كل ناحية، فاستجمعوا كل أهبتهم وقواهم، ونزلوا من الآكام إلى البسيط في صفوف متراصة ووقعت بينهم وبين النصارى معركة هائلة في (تورتور)؛ فهزم العرب، وارتدوا إلى قلاعهم، ولاسيما (فركسنيه) التي غدت ملاذهم الأخير؛ فطاردهم النصارى أشد مطاردة، وضيقوا الحصار عليهم؛ فحاولوا الفرار تحت جنح الليل إلى الغابات المجاورة، ولكن النصارى لحقوا بهم، وأمعنوا فيهم قتلاً وأسراً وأبقي على من استسلم منهم، وعلى المسالمين الذين كانوا

стр. 6086

يحترفون الزرع في الضياع المجاورة، وفر كثيرون من طريق البحر، وتنصر كثير منهم، وبقي نسلهم في تلك الأرض طويلاً. وهكذا سقط حصن (فراكسنتم) أو فراكسنيه سنة ٩٧٥م بعد أن لبث زهاء ثمانين سنة مركزاً قوياً للغزوات العربية في غاليس؛ وقسمت أسلاب العرب وأراضيهم بين السادة والجند الذين اشتركوا في هذه الحرب الصليبية، وانهارت سلطة العرب في تلك الأنحاء. أما المستعمرات العربية التي كانت مبعثرة في آكام الألب، فيقال أنها طوردت ومزقت في نفس الوقت، واعتنق الذين أسروا النصرانية؛ ولكن توجد رواية أخرى خلاصتها أن هذه المستعمرات لبثت في معاقلها نحو جيل آخر، حتى تولى مطاردتها وسحقها زعيم يدعى جيرولدوس. وعلى أي حال فلم تأت أواخر القرن العاشر حتى ذهبت سيادة العرب في غاليس وسويسرا؛ ولم يجب أحد في أفريقية والأندلس صريخ الغوث الذي وجهه أولئك المستعمرون البواسل إلى إخوانهم، لأن الحوادث الداخلية لم تكن تسمح يومئذ ببذل هذا العون. على أن ذلك لم يكن خاتمة الغزوات الإسلامية في تلك المياه؛ ففي سنة ١٠٠٣م، سارت حملة بحرية من مسلمي الأندلس، ونزلت بجوار أنتيب في جنوب فرنسا، واجتاحت الأراضي المجاورة. وفي سنة ١٠١٩م، نزلت حملة مسلمة أخرى في ظاهر أربونة، وحاولت أن تستولي عليها، ولكنها هزمت ومزقت. وفي سنة ١٠٤٧، هاجمت حملة أخرى جزيرة ليران الواقعة بالقرب من مرسيليا وأسرت عدداً من الرهبان. وظهر في ذلك الحين زعيم أندلسي جرئ هو مجاهد العامري أحد أمراء الطوائف، وصاحب دانية وجزائر البليار، واهتم بأمر الغزوات البحرية، فسار في أسطوله إلى مياه كورسيكا وسردانية؛ وغزا سردانية واحتل بعض أنحائها، (سنة ٤٠٥هـ - ١٠١٤م)، ولكن النصارى استردوها على الأثر؛ ولبث مجاهد العامري الذي تسميه الرواية النصرانية (موجيه) أو موسكتوس، مدى حين سيد هذه المياه يبث فيها بحملاته الرعب والروع. هذه هي قصة العرب والغزوات العربية في غاليس وبلاد اللونبارد وسويسرا، وهي قصة تغفل الرواية الإسلامية كثيراً من أدوارها ووقائعها؛ ولكنها تشغل فراغاً كبيراً في الروايات الكنسية والفرنجية المعاصرة، وهذه الروايات هي عمدتنا فيما ننقل من سير هذه الغزوات

стр. 6087

الشهيرة. ومن المحقق أنها مشبعة بروح التحامل والخصومة في كثير من المواطن؛ ولكنا نستطيع مع ذلك أن نتبين منها أهمية الدور الذي قام به أولئك المجاهدون والمغامرون المسلمون في تلك الوهاد والآكام النائية، وما كان لهم بين هاتيك الأمم من السيادة والنفوذ مدى عصور. (للبحث بقية). محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6088

بين فن التاريخ وفن الحرب ٩ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد ولا يخلو من الفائدة أن نقتبس هنا وصف المستر فلبي الذي تجول في هذه المنطقة في صيف سنة ١٩١٨، فدون مشاهداته في كتابه (البلاد العربية الوهابية) وقد وصف قرية الجبيلة الواقعة بالقرب من قرية (عقرباء) التي دارت رحى المعركة فيها بما يلي: (والقرية الآن آهلة بعدد يسير من السكان البؤساء، ومعظمها أطلال دارسة، ومقابر الصحابة على ضفة الترعة المقابلة للقرية (أي الضفة اليسرى للوادي) وعلى مسافة نحو ربع الميل منها. وقد يشاهد المسافر بقاعاً متفرقة مغروسة بأشجار الأثل (الطرفاء) تُسَري عن المرء الانقباض الذي يعتريه من إدامة النظر إلى اللون الأغبر الذي لا يتغير، وهو اللون الدائم لتلك السهول الرسوبية المترامية التي سدت الوادي. وبقرب الحي آبار كثيرة بعضها مطوي بالحجارة يستقي منه أهل الحي دائماً. أما بيوت أهل الحي فمعظمها أطلال من اللبن بلا خشب، وقد عبثت بها يد البلى ودرست آثارها الأيام. أما ما بقي منها فلا بأس بحاله، ويستدل منه على أن أهل البيوت عنوا بصيانتها فدعموها بأعمدة حجرية مشيدة بالجص لتحمل على متونها روافد السقوف. وقد شاهدت في دار منها وعاء مزدوجاً كبيراً من الملاط المغطى بطبقة من رقيقة من الصاروج (الجص) الأسمر لخزن التمور، ولا تزال جدرانه ملونة بعصارة التمر) إلى أن يقول: (ومعظم الجدران المبنية من الطين مؤزر إلى ما يقارب نصفه بأيادات من الحجر الصلد مبنية على وجه الجدار بناء منحرفاً توخوا فيها بساطة التزويق لا غير). . . ويقول في وصف جبل طويق والهضاب التي يشرف

стр. 6089

عليها: (أما ما استدار من الأرض حول تلك المنطقة فلم أجد في حياتي أرضاً مثله، فلم أعثر في أرباضه على شئ تنقبض له النفس، فتجد أمامك طريقاً معرضاً لمهاب الرياح، خالياً من الظاهرات الطبيعية، ضارباً في كافة الجهات على نمط واحد لا نهاية له، ولا يعترضه في ذلك التكوين الغريب سوى الحرف المطمئن المسمى جبل صلبوخ الواقع إلى الشمال الشرقي). وعندما يبحث في أطراف عينة عاصمة آل ابن معمر القدماء - وهي القرية الواقعة إلى غربي عقرباء، في واد ضيق - يقول: (أما ربوع عينة التي اشتهرت في قديم الزمان بجمالها وخصبها فمنبسطة على جانبي المسيل شرقاً وغرباً نحو ميلين، وقد أمست الآن قاعاً صفصفاً وأثراً بعد عين، ونبتت أدغال الأثل في البقاع التي وطئت أراضيها ومهد ثراها لغرس فسائل النخيل فيها. أما البلد الأصلي أو الحلة التي كانت يوماً موطناً لآل ابن معمر فلا تختلف عما كان حولها من الربوع الضاربة في صدر تلك المحلة الرحبة، إلا إن أطلالها الشاخصة قد شغلت بقعة وسيعة، ويمر عابر السبيل في تلك البيداء بين آونة وأخرى بأطلال البنيان القديم كالعمد المزوقة رؤوسها. وفي كل ناحية من نواحي تلك المحلة الوسيعة آبار نضب عنها الماء وهي مطوية بالحجارة والآجر وعليها أحواض مبنية بالصاروج، أما ضفاف المسيل فمدعمة بأيادات كالمسنيات على أشد ما تكون من متانة البنيان، عقدها أصحابها في وجه السيل من زمن بعيد لحبس المياه في بطن المسيل. فرحلوا عنها وتركوها وشأنها فعبثت بها يد الدهر فتداعت جدرانها وتقوض بنيانها المحكم ثم غدت تراباً فوق أنقاض بالية. وشاهدت في بعض تلك الجدران حجارة كبيرة من الصخر الصلد طول الحجر الواحد قدمان وعرضه نصف قدم) إلى أن يقول: (جزنا الأطلال وخرجنا من عينة الخربة وسلكنا طريقاً تخترق أشجار الأثل في عنفوان نموها. والمنتشرة في طول الأرض وعرضها إلى تنتهي في طرف المحلة القائمة في الناحية الغربية فولينا وجوهنا شطر المغرب صاعدين الوادي. فسار بنا الظعن يطوي صوحه صعوداً. وعرض الوادي في أسفله (أي في عقيقه) نحو الميل، وكلما ارتقى الإنسان صوح الوادي وارتفع عن عقيقه ازداد انفراج الوادي إلى أن بلغ عرضه ميلين أو ثلاثة أميال. ولما أرسلت رائد الطرف في ميمنة الوادي بدا لي شعيب في منخفض الوادي، وقد قيل لي

стр. 6090

إن هذا الوادي يأخذ في الصعود مرة أخرى إلى حوض عظيم كسيت جدرانه بالصاروج، يقع على سفح التل لحبس مياه الأمطار والمتاعب المنحدرة على جوانبه، ولم يزل حتى الآن خزاناً لري حقول القمح المزروعة في وسط الخرائب. وهناك شعيب آخر إلى يمين طريقنا يقال له شعيب عينة ينحدر من الطبقة الضيقة التي تفصل وادي حنيفة عن وادي سدوس). قوات الفريقين برغم كثرة الروايات التي تتناول حركات اليمامة والقتال في عقرباء نجد الغموض ظاهراً في معرفة قوة الفريقين. فالطبري يذكر نقلاً عن سيف بن عمر أن القوة المحاربة لدى قبائل بني حنيفة بلغت أربعين ألفاً. ولما ذكر أخبار السنة الحادية عشرة الهجرية نقل عن ذلك الراوي نفسه، وزعم أن القوة المحاربة بلغت عشرة آلاف. أما ابن حبيش فيذكر في رواية نقلها عن الواقدي مفادها أن قوة المسلمين بلغت أربعة آلاف، وقوة بني حنيفة أيضاً بلغت هذا المقدار ذاته. وفي رواية تسند إلى سيف بن عمر يزعم الراوي أن عدد القتلى من بني حنيفة بلغ عشرين ألفاً. أما المؤرخ الفارسي ميرخوندي فيزعم أن عدد القتلى في تلك الموقعة بلع سبعين ألفاً، والذين قتلوا في حديقة الموت بعد المعركة بلغ عددهم سبعين ألفاً. ولعلك أدركت أنه يصعب الوصول إلى عدد يقرب من الحقيقة بين الروايات التي تقدر قوة الحنفيين بين أربعة آلاف وأربعين ألفاً، وعدد القتلى منهم بين عشرين ألفاً إلى مائة وأربعين ألفاً. ولكن الثابت أن مسيلمة جمع أعظم قوة لمقابلة جيش المسلمين ووضعها على الحد الفاصل بين بلاد حنيفة وبلاد بني تميم، وترك القرى العامرة وراءه. وكان من مصلحة الحنفيين أن يجتمعوا تحت لواء رئيسهم للدفاع عن حيهم الذي تركوه وراء ظهورهم، ويظهر من مجرى المعركة أن عدد القتلى في قوة الحنفيين كان كبيراً. لقد قدرنا جيش بني حنيفة عند البحث في قوات الفريقين بخمسة عشر ألف مقاتل - بمعنى أن الحد الأقصى للقوة التي يستطيع الحنفيون سوقها لا يجاوز العدد المذكور. والذي يلوح لنا أن القوة التي جمعها مسيلمة في عقرباء تبلغ عشرة آلاف مقاتل.

стр. 6091

قوة المسلمين يروي الواقدي أن جيش خالد بلغ أربعة آلاف مقاتل في معركة عقرباء. وفي رواية أخرى تسند إلى عيسى بن سهل أن الجيش الذي تولى قيادته خالد لما خرج من المدينة كان بقوة أربعة آلاف مقاتل، وهذا الجيش حارب في اليمامة. والذي لا ريب فيه أن قوة جيش المسلمين بلغت أربعة آلاف مقاتل لما تركت الربذة وتقدمت نحو بزاخة وانضمت إليها قوات من بني طيء قبل المعركة. ثم زاد هذا الجيش بعد إسلام قبائل بني أسد وغطفان. ولعل قوته بلغت أكثر من خمسة آلاف لما نزل في البطاح. ومن الثابت أن جماعات من بني تميم انضمت إليه قبل أن يتوجه نحو اليمامة. وتروي لنا الأخبار أن الخليفة أبا بكر أمد الجيش بقوات من المدينة لما كان محتشداً في البطاح، وأن خالداً سبق هذا الإمداد من المدينة وانتظر وروده من البطاح. فجميع هذه الأخبار تدل على أن جيش المسلمين تضاعفت قوته بانضمام القبائل ووصول النجدة إليه قبل أن يتحرك من البطاح نحو اليمامة. وكان من البديهي أن تلتحق به القبائل متى اتصل بها خبر خيرات اليمامة ووفرة المغنم فيها. ويلوح لي أن قوة الجيش بلغت أكثر من ستة آلاف قبل حركته من البطاح. الموقف قبل الحركة لبى خالد أمر الخليفة فذهب إلى المدينة ليدافع عن عمله في قضية مالك بن نويرة، وفي رواية لسيف بن عمر أن أبا بكر أرسل عكرمة بن أبي جهل الى اليمامة لما كان خالد يحارب المرتدين في بزاخة وأمده بقوات أخرى بقيادة شرحبيل بن حسنة. والرواية تزعم أن عكرمة بدأ القتال قبل وصول شرحبيل فنكب. فأقام شرحبيل في الطريق حيث أدركه الخبر. وهذه الرواية تؤيد زعم سيف في أن الخليفة قسم جيش المسلمين في ذي القصة إلى إحدى عشرة فرقة، وعين قائداً لكل منها فوجهها إلى مناطق المرتدين. وقد سبق أن بينا فساد هذا الزعم. وفي رواية أخرى أن شرحبيل ابن حسنة الذي تلقى أمراً من الخليفة بأن ينتظر ورود خالد ولا يتحرك بادر إلى قتال مسيلمة قبل قدوم خالد فنكب وانسحب. وإذا

стр. 6092

صحت هذه الروايات يلوح لنا أن عكرمة بن أبي جهل كان يراقب اليمامة بقوة ساترة من المسلمين لما وقف خالد في البطاح، فوقعت مناوشات بينه وبين الحنفين حبطت مساعيه فيها فانسحب. أما شرحبيل بن حسنة فإنه تولى قيادة جيش المسلمين عند ذهاب خالد إلى المدينة. فبدلاً من أن ينتظر ورود خالد أسرع إلى مقاتلة الحنفيين فانكسر. ولما قدم خالد البطاح كان جيش المسلمين مرابطاً فيها، وكانت قبائل بني تميم عرضت الولاء إلا البعض منها فالتجأ إلى اليمامة. وكان بنو طيء وبنو أسد وبنو غطفان وبعض بني تميم أمدوا جيش المسلمين بالمقاتلين. أما مسيلمة فإنه جهز عدداً كبيراً من بني حنيفة وتقدم شمالاً يريد مقابلة جيش خالد. وتدل الأخبار إلى أن بعض الحنفيين كان يخابر المسلمين سراً ويطلع خالد على موقف مسيلمة. ومن الروايات ما يؤيد أن الحنفيين الذين حافظوا على إسلامهم تحفزوا للشغب على مسيلمة. الطريق الذي سلكه خالد هناك طريقان للتقدم من البطاح نحو اليمامة: طريق شرقي وطريق غربي. أما الطريق الشرقي فيتجه شرقاً أولاً ثم يمتد إلى سفح جبل طويق الغربي متوجهاً إلى الجنوب الشرقي ماراً بالأرض الجبلية، وهو الطريق الذي يصل بريدة بالزلفى ثم يمتد إلى المجمعة ومنها إلى الحوطة فثادق فسدوس؛ أما الطريق الغربي فيتوجه نحو الجنوب الشرقي فيمر بين نفود السر ونفود الشقيقة إلى أن يصل إلى الشقرة عاصمة الوشم ومنها يمتد موازياً لسفوح جبل طويق الغربية فينعطف نحو الشرق ويتسلق الجبال ويمر بثنية اليمامة حيث ينبع وادي حنيفة في غربي عينة فينتهي في عقرباء ويدخل اليمامة. والذي يلوح لنا أن خالداً سلك الطريق الغربي لاجتيازه أرضاً سهلة تجعل المدينة في ظهره. أما الطريق الشرقي فيخترق أرضاً جبلية وعرة. وقد تعرقل عليه المسير إذا أراد أهلها المقاومة فضلاً عن أنه طويل. ومن الأخبار ما ينبئ بأن طليعة جيش المسلمين باغتت بعض رجال مسيلمة في ثنية اليمامة - أي في عقبة الحيسية وهو المضيق الواقع إلى شرقي الحيسيان بين خشم الحيسية وخشم الخرشة وفيه تنقسم مياه الأمطار، فمنها ما يصب إلى الشرف ويجري في وادي

стр. 6093

حنيفة ومنها ما يصب إلى الغرب ويجري في بطن الحور. ومن جملة الأسباب التي تجعل خالداً يميل إلى سلوك الطريق الغربي قربه من قاعدة الحركات أي المدينة. فإذا ما نكب الجيش يصل إليه المدد من خلفه، وإذا ما تضايق يستطيع الإنسحاب إلى المدينة أو إلى مكة من بلاد أسد وغطفان، أو من بلاد بني عامر وهوازن. لذلك نجزم بأن جيش المسلمين سلك ذلك الطريق في مسيره نحو اليمامة. معركة عقرباء يقيناً أن معركة عقرباء من المعارك الفاصلة التي ختمت دوراً وفتحت دوراً آخر. فالمسلمون جمعوا أقصى قوتهم بقيادة أمهر قوادهم. والمرتدون حشدوا أعظم قوة في استطاعتهم جمعها في أوعر منطقة. فمجرى المعركة يدل على الغاية التي كان يستهدفها كل من الفريقين. فلو انكسر المسلمون، لا سمح الله، في هذه المعركة، لبقي العرب منزوين في جزيرتهم، واحتفظ الأكاسرة بملكهم في العراق، ولم يبك هرقل ضياع سورية. فالنبي الكاذب أسود العنسي الذي سيطر على اليمن مدة من الزمن قتل غيلة، فلم يضطر المسلمون إلى حشد قوة كبيرة للتغلب عليه. أما بنو أسد فلم يكن الصعب التغلب عليهم لتفرقة كلمة القبائل. بيد أن في عقرباء احتشدت أعظم قوة من أمنع قبيلة في أرض مستحكمة، وكان الناس يقاتلون عن حيهم، ويتفانون في سبيل نبيهم. ولما انتهت المعركة بانتصار المسلمين انكسرت مقاومة المرتدين في الأقطار الأخرى، ولم يلاق المسلمون صعوبات في تمكين الإسلام من قلوب أهلها، فخضعت البحرين، ودانت عمان ومهرة بدين الإسلام، وجددت حضرموت إسلامها، وعادت اليمن إلى حضيرة الإسلام. وكان من أثر ذلك أن اجتمعت كلمة العرب فشعروا بقوتهم فبادروا إلى الفتوح بقيادة رؤسائهم، فاندفعوا كالسيل الجارف يثلون العروش ويقضون على إمبراطورية الأكاسرة ودولة القياصرة، فلم تمر بضع سنوات على ذلك حتى كان العرب يصولون بخيولهم في بلاد خراسان شرقاً وبلاد المغرب غرباً. يتبع

стр. 6094

طه الهاشمي

стр. 6095

في الأدب الدرامي ١٥ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم: أحمد حسن الزيات تتمة الغنائية (الأوبرا ' الغنائية الغنائية هي درامة شعرية جدية أو هزلية تؤلف من الغناء والإنشاد وتأبى الحوار الكلامي، وتقبل الخوارق كالأشباح والأرواح والهواتف، وتوقع على أنغام الموسيقى، وتختلط أحياناً بالرقص، وتعنى كل العناية بالزينة والرياش. وهي غاية ما وصل إليه الجمال الفني والذوق الإنساني، لأنها مجمع الفنون الجميلة ومظهر الآداب الجليلة ومتعة النفوس ولذة الحواس بما تفيضه على العيون والآذان والأذهان من جميل الصور وحلو النغم ورائع الشعر، بله ما تقتضيه من كمال الفن الآلي لإحداث الخوارق وتغيير المناظر. فهي ولا ريب أفصح الألسنة إبانة عما بلغته القرائح من النبوغ وأدركته الفنون من النضوج في عصرها الذي مثلت فيه. على أن قوام الغنائية وفروعها هو الموسيقى والمناظر، فهي تنزل الكلام والحادث والتعقيد في المحل الثاني منها. لذلك لا تجد كلامنا عنها إلا إجمالاً يكاد يقفك عند التعريف والتقسيم. وقبل أن نأخذ في تقسيم الغنائية يحسن بي أن أنقل إليك ما قاله في هذا الصدد الفيلسوف ابن رشد في تلخيصه كتاب الشعر لآرسططاليس. وما قاله لا يدخل في موضوعنا إلا من الباب التاريخي. وهذا الملخص قد طبعه الأستاذ المستشرق (لاريجو) بمدينة فلورنسا سنة ١٨٧٣ قال: (المحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفق، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه. وهذا قد يوجد كل واحد منها منفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ، أعني
следующие страницы →