Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
قوة المسلمين
يروي الواقدي أن جيش خالد بلغ أربعة آلاف مقاتل في معركة عقرباء. وفي رواية أخرى تسند إلى عيسى بن سهل أن الجيش الذي تولى قيادته خالد لما خرج من المدينة كان بقوة أربعة آلاف مقاتل، وهذا الجيش حارب في اليمامة. والذي لا ريب فيه أن قوة جيش المسلمين بلغت أربعة آلاف مقاتل لما تركت الربذة وتقدمت نحو بزاخة وانضمت إليها قوات من بني طيء قبل المعركة. ثم زاد هذا الجيش بعد إسلام قبائل بني أسد وغطفان. ولعل قوته بلغت أكثر من خمسة آلاف لما نزل في البطاح. ومن الثابت أن جماعات من بني تميم انضمت إليه قبل أن يتوجه نحو اليمامة. وتروي لنا الأخبار أن الخليفة أبا بكر أمد الجيش بقوات من المدينة لما كان محتشداً في البطاح، وأن خالداً سبق هذا الإمداد من المدينة وانتظر وروده من البطاح. فجميع هذه الأخبار تدل على أن جيش المسلمين تضاعفت قوته بانضمام القبائل ووصول النجدة إليه قبل أن يتحرك من البطاح نحو اليمامة.
وكان من البديهي أن تلتحق به القبائل متى اتصل بها خبر خيرات اليمامة ووفرة المغنم فيها.
ويلوح لي أن قوة الجيش بلغت أكثر من ستة آلاف قبل حركته من البطاح.
الموقف قبل الحركة
لبى خالد أمر الخليفة فذهب إلى المدينة ليدافع عن عمله في قضية مالك بن نويرة، وفي رواية لسيف بن عمر أن أبا بكر أرسل عكرمة بن أبي جهل الى اليمامة لما كان خالد يحارب المرتدين في بزاخة وأمده بقوات أخرى بقيادة شرحبيل بن حسنة. والرواية تزعم أن عكرمة بدأ القتال قبل وصول شرحبيل فنكب. فأقام شرحبيل في الطريق حيث أدركه الخبر. وهذه الرواية تؤيد زعم سيف في أن الخليفة قسم جيش المسلمين في ذي القصة إلى إحدى عشرة فرقة، وعين قائداً لكل منها فوجهها إلى مناطق المرتدين. وقد سبق أن بينا فساد هذا الزعم. وفي رواية أخرى أن شرحبيل ابن حسنة الذي تلقى أمراً من الخليفة بأن ينتظر ورود خالد ولا يتحرك بادر إلى قتال مسيلمة قبل قدوم خالد فنكب وانسحب. وإذا
стр. 6092
صحت هذه الروايات يلوح لنا أن عكرمة بن أبي جهل كان يراقب اليمامة بقوة ساترة من المسلمين لما وقف خالد في البطاح، فوقعت مناوشات بينه وبين الحنفين حبطت مساعيه فيها فانسحب. أما شرحبيل بن حسنة فإنه تولى قيادة جيش المسلمين عند ذهاب خالد إلى المدينة. فبدلاً من أن ينتظر ورود خالد أسرع إلى مقاتلة الحنفيين فانكسر.
ولما قدم خالد البطاح كان جيش المسلمين مرابطاً فيها، وكانت قبائل بني تميم عرضت الولاء إلا البعض منها فالتجأ إلى اليمامة. وكان بنو طيء وبنو أسد وبنو غطفان وبعض بني تميم أمدوا جيش المسلمين بالمقاتلين.
أما مسيلمة فإنه جهز عدداً كبيراً من بني حنيفة وتقدم شمالاً يريد مقابلة جيش خالد. وتدل الأخبار إلى أن بعض الحنفيين كان يخابر المسلمين سراً ويطلع خالد على موقف مسيلمة. ومن الروايات ما يؤيد أن الحنفيين الذين حافظوا على إسلامهم تحفزوا للشغب على مسيلمة.
الطريق الذي سلكه خالد
هناك طريقان للتقدم من البطاح نحو اليمامة: طريق شرقي وطريق غربي. أما الطريق الشرقي فيتجه شرقاً أولاً ثم يمتد إلى سفح جبل طويق الغربي متوجهاً إلى الجنوب الشرقي ماراً بالأرض الجبلية، وهو الطريق الذي يصل بريدة بالزلفى ثم يمتد إلى المجمعة ومنها إلى الحوطة فثادق فسدوس؛ أما الطريق الغربي فيتوجه نحو الجنوب الشرقي فيمر بين نفود السر ونفود الشقيقة إلى أن يصل إلى الشقرة عاصمة الوشم ومنها يمتد موازياً لسفوح جبل طويق الغربية فينعطف نحو الشرق ويتسلق الجبال ويمر بثنية اليمامة حيث ينبع وادي حنيفة في غربي عينة فينتهي في عقرباء ويدخل اليمامة.
والذي يلوح لنا أن خالداً سلك الطريق الغربي لاجتيازه أرضاً سهلة تجعل المدينة في ظهره. أما الطريق الشرقي فيخترق أرضاً جبلية وعرة. وقد تعرقل عليه المسير إذا أراد أهلها المقاومة فضلاً عن أنه طويل.
ومن الأخبار ما ينبئ بأن طليعة جيش المسلمين باغتت بعض رجال مسيلمة في ثنية اليمامة - أي في عقبة الحيسية وهو المضيق الواقع إلى شرقي الحيسيان بين خشم الحيسية وخشم الخرشة وفيه تنقسم مياه الأمطار، فمنها ما يصب إلى الشرف ويجري في وادي
стр. 6093
حنيفة ومنها ما يصب إلى الغرب ويجري في بطن الحور.
ومن جملة الأسباب التي تجعل خالداً يميل إلى سلوك الطريق الغربي قربه من قاعدة الحركات أي المدينة. فإذا ما نكب الجيش يصل إليه المدد من خلفه، وإذا ما تضايق يستطيع الإنسحاب إلى المدينة أو إلى مكة من بلاد أسد وغطفان، أو من بلاد بني عامر وهوازن. لذلك نجزم بأن جيش المسلمين سلك ذلك الطريق في مسيره نحو اليمامة.
معركة عقرباء
يقيناً أن معركة عقرباء من المعارك الفاصلة التي ختمت دوراً وفتحت دوراً آخر. فالمسلمون جمعوا أقصى قوتهم بقيادة أمهر قوادهم. والمرتدون حشدوا أعظم قوة في استطاعتهم جمعها في أوعر منطقة. فمجرى المعركة يدل على الغاية التي كان يستهدفها كل من الفريقين.
فلو انكسر المسلمون، لا سمح الله، في هذه المعركة، لبقي العرب منزوين في جزيرتهم، واحتفظ الأكاسرة بملكهم في العراق، ولم يبك هرقل ضياع سورية. فالنبي الكاذب أسود العنسي الذي سيطر على اليمن مدة من الزمن قتل غيلة، فلم يضطر المسلمون إلى حشد قوة كبيرة للتغلب عليه. أما بنو أسد فلم يكن الصعب التغلب عليهم لتفرقة كلمة القبائل. بيد أن في عقرباء احتشدت أعظم قوة من أمنع قبيلة في أرض مستحكمة، وكان الناس يقاتلون عن حيهم، ويتفانون في سبيل نبيهم.
ولما انتهت المعركة بانتصار المسلمين انكسرت مقاومة المرتدين في الأقطار الأخرى، ولم يلاق المسلمون صعوبات في تمكين الإسلام من قلوب أهلها، فخضعت البحرين، ودانت عمان ومهرة بدين الإسلام، وجددت حضرموت إسلامها، وعادت اليمن إلى حضيرة الإسلام. وكان من أثر ذلك أن اجتمعت كلمة العرب فشعروا بقوتهم فبادروا إلى الفتوح بقيادة رؤسائهم، فاندفعوا كالسيل الجارف يثلون العروش ويقضون على إمبراطورية الأكاسرة ودولة القياصرة، فلم تمر بضع سنوات على ذلك حتى كان العرب يصولون بخيولهم في بلاد خراسان شرقاً وبلاد المغرب غرباً.
يتبع
стр. 6094
طه الهاشمي
стр. 6095
في الأدب الدرامي
١٥ - الرواية المسرحية
في التاريخ والفن
بقلم: أحمد حسن الزيات
تتمة
الغنائية (الأوبرا '
الغنائية
الغنائية هي درامة شعرية جدية أو هزلية تؤلف من الغناء والإنشاد وتأبى الحوار الكلامي، وتقبل الخوارق كالأشباح والأرواح والهواتف، وتوقع على أنغام الموسيقى، وتختلط أحياناً بالرقص، وتعنى كل العناية بالزينة والرياش. وهي غاية ما وصل إليه الجمال الفني والذوق الإنساني، لأنها مجمع الفنون الجميلة ومظهر الآداب الجليلة ومتعة النفوس ولذة الحواس بما تفيضه على العيون والآذان والأذهان من جميل الصور وحلو النغم ورائع الشعر، بله ما تقتضيه من كمال الفن الآلي لإحداث الخوارق وتغيير المناظر. فهي ولا ريب أفصح الألسنة إبانة عما بلغته القرائح من النبوغ وأدركته الفنون من النضوج في عصرها الذي مثلت فيه.
على أن قوام الغنائية وفروعها هو الموسيقى والمناظر، فهي تنزل الكلام والحادث والتعقيد في المحل الثاني منها. لذلك لا تجد كلامنا عنها إلا إجمالاً يكاد يقفك عند التعريف والتقسيم. وقبل أن نأخذ في تقسيم الغنائية يحسن بي أن أنقل إليك ما قاله في هذا الصدد الفيلسوف ابن رشد في تلخيصه كتاب الشعر لآرسططاليس. وما قاله لا يدخل في موضوعنا إلا من الباب التاريخي. وهذا الملخص قد طبعه الأستاذ المستشرق (لاريجو) بمدينة فلورنسا سنة ١٨٧٣ قال: (المحاكاة في الأقاويل الشعرية تكون من قبل ثلاثة أشياء: من قبل النغم المتفق، ومن قبل الوزن، ومن قبل التشبيه نفسه. وهذا قد يوجد كل واحد منها منفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير، والوزن في الرقص، والمحاكاة في اللفظ، أعني
стр. 6096
الأقاويل المخيلة الغير موزونة. وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها مثل ما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال، وهي الأشعار التي استنبطها في هذا اللسان أهل هذه الجزيرة أي الأندلس).
ولا مرية في أن أعاريض الموشحات والأزجال أنسب لنظم الغنائيات من سائر بحور الشعر لحلاوة نغمتها وسهولة توقيعها وتنوع قوافيها.
فالغنائية تنقسم باعتبار تلحينها إلى أجزاء نسردها لك دون أن نعرض لها، لأنها ليست من شأننا ولا مما يدخل في علمنا. وهي الافتتاح، والمقدمة، والإنشاد، والألحان، والمثاني، والمثالث، والمرابع، والمخامس، والخورس، والختام في نهاية كل فصل. فالافتتاح ما يسبق رفع الستار، والمقدمة ما يهيئ للعمل؛ والإنشاد نوع من الغناء يحل محل الحوار الكلامي دون أن يتقيد بوزن، والمثاني والمثالث والمرابع والمخامس قطع يزدوج فيها الصوت أو يثلث أو يربع أو يخمس، والخورس ما فوق ذلك. على أن اجتماع هذه الأجزاء ليس ضرورياً ولا جوهرياً. فالملحن يستطيع أن يغفل منها ما لا يتفق مع الرواية.
ثم تنقسم الغنائية باعتبار تأليفها إلى غنائية جدية، وهي ما كان موضوعها سامياً وعملها رائعاً وأداؤها غنائياً كله. فلا تجيز الحوار النثري وإنما تستبدل به الإنشاد، وغنائية هزلية وهي ما تجيز الحوار النثري في خلال القطع الغنائية.
الغنائية الجدية '
ليس من اليسير أن تجد لهذه الغنائية تعريفاً جامعاً لتنوعها وتفرعها، واختلاف الرأي فيها بين الفرنسيين والإيطاليين؛ فإن لكلا الشعبين نظرية فيها سار عليها ودعا إليها. ولعلنا إذا ذكرنا النظريتين تستطيع أن تقف منهما على موضوع الغنائية ومداها.
فالنظرية الفرنسية زعيمها (كينو) وهي منبنية على تقليد الملحمة في استعمال الخوارق والأعاجيب وتنوع المناظر وتعدد الصور، ونقل كل ذلك إلى عين الناظر كما تنقله الملحمة إلى ذهن القارئ. فقد يكون التأليف كله مختلقاً غريباً، ولكن في هذا الاختلاق إتفاقاً واتساقاً تنتج منهما الحقيقة، كما أن الموسيقى تظهر جمال الخوارق، والخوارق تبين إمكان الموسيقى. فأنت في جو جديد يجمع بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ويضيف إلى جمال الخيال سحر الطبيعة، وذلك كله يسير في انسجام والتئام ودقة. أما العمل الروائي فواضح
стр. 6097
يسهل عقده وحله، والحوادث يتوالد بعضها من بعض، والأهواء رقيقة تشتد حيناً ثم ترق، والأخلاق ساذجة، والمناظر متنوعة، والجاذبية قوية مؤثرة، ولكنها تتراخى أحياناً فتخفف عن الأعصاب وترفه عن النفوس.
تلك هي غنائية (كينو) ونظريته: يجمع كل ما يستطيع من الوسائل ليخلب السمع ويبهر البصر؛ وهو لذلك يستمد موضوعاته من الأساطير والسحر، فيملأ المسرح بالأعاجيب والصور، ويهيئ لنفسه الانتقال من الأرض إلى السماء ومن الجنة إلى النار مهيمناً على الطبيعة مستولياً على الوهم فاتحاً للمأساة طريق الملحمة، ليجمع بين فضائل النوعين، ويوفق بين مرمى القصيدتين.
ومزية هذه الطريفة الخرافية أن تكفي الشاعر مؤونة التفصيلات الدقيقة التي تطلبها الحقيقة، فإن الموضوعات التاريخية تقتضي جلاء الغامض وتعليل الحوادث وتقريب البعيد وإمكان المستحيل.
أما النظرية الإيطالية فزعيمها (ميتا ستاز) وهي مبنية على محاكاة الطبيعة وتوخي التأثير والبلوغ بالمحزنات الفواجع إلى حد لم تبلغه المأساة. فهو يكسو الأفق بالسواد، ويصبغ المسرح بالدم، ويسرع بحركة العمل وهو مغرق في الإشارة والإثارة بروعة الأداء وحدة الهوى. وفضل هذه النظرية على الأولى ظاهر في قوة الأثر ودقة المواقف وجمال الحقيقة وسهولة الإمكانية. لذلك عني الشعراء والموسيقيون بالتوفيق بين النظريتين والجمع بين الطريقتين ليدركوا مزايا هذه وتلك. فهم يمزجون الصور العجيبة بالرهيبة، والمواقف الطريفة بالعنيفة، والمناظر التي تسحر العين بالتي تخلب اللب.
على أن الغنائية ليست مقصورة على الخوارق والمحزنات، وإنما تتناول الأناقة الحضرية والحياة الريفية والخلق الفكه والهزل المضحك، على شرط أن يتسق كل ذلك في طبيعة حية وحركة قوية وتنوع جاذب.
الغنائية الهزلية '
أما الغنائية الهزلية فاسم يطلق اليوم على درامة جدية الموضوع فكهة الأسلوب، تخلط الغناء الشعري بالحوار النثري، وتعنى بتعقيد العمل الروائي. ومنشأ هذا النوع كان في مستهل القرن السابع عشر، ظهر أولاً في شكل ملهاة غنائية كانت تمثل في سوقين
стр. 6098
شهيرتين: (سان جرمان) و (سان لوزان). ثم أخذ مع الزمن يقترب من الغنائية الجدية بتغليب جانب الموسيقى والغناء حتى لم يبق بينهما اليوم إلا فروق سطحية شكلية أهمها الأسلوب الفكاهي. فإطلاق هذا الاسم على الغنائية التي لا نصيب للهزل فيها إطلاق غير صحيح، لأن الغنائية إنما وضعت في الأصل للدلالة على كل عمل موسيقي، ولا سيما العظيم الجدي منه. فإضافتهم صفة الهزل إليها دليل على أنهم يريدون بها عملاً أقل في العظمة، وأقرب من الهزل، وأقبل للحوار النثري. ويؤيد هذا الرأي أن الغنائية الهزلية أو الابراكوميك سليلة المهزلة (الفودفيل) ولا يفرق بينهما إلا أن ألحان المهزلة كلها معروفة مألوفة من قبل ثم تقتبس لأوزان جديدة تؤلف للرواية. أما ألحان الغنائية الهزلية فهي مصنوعة لأوزانها خاصة، ولذلك كان شعرها محكم الرصف بديع الوصف، يقوم عليه الشطر الأكبر في نجاح الرواية.
وغبرت الغنائية الهزلية حقبة من الدهر وهي خاضعة لسلطان المهزلة فلا تستطيع أن تتجاوز مداها، ولا أن ترتفع عن مستواها، وإنما كانت تستعير أساليبها الحية، وأناشيدها الطلية حتى جرؤ الملحنون على أن يطلبوا إلى المؤلفين أن يوسعوا الدائرة القديمة، وأقدموا هم أيضاً على ابتكار ألحان جديدة، واقتباس بعض المثاني والمثالث والأشكال من الغنائية الجدية ما دامت تتصل بها وتتعلق بسببها، فلما صارت الغنائية الهزلية فناً أدبياً وعملاً روائياً حقيقياً أصبح الكاتب يضع روايته حراً من كل قيد، ثم يدفعها إلى الملحن فيختار لها فكرة موسيقية تقوي التعبير عن الغرض. وهم اليوم يميلون إلى تقليل الحوار وتكثير الغناء، ورد هذا النوع إلى شكل لا يكون معه إلا درامة غنائية وملهاة غنائية لا يدخل فيها ما ليس منها حتى لا يقول فيه القائلون اليوم أنه نوع مزيف، وحتى لا يصفه (تيوفيل جوتييه) (بأنه سفيح قبيح، قد خلط بين وسيلتين متباينتين من وسائل التعبير، فجعل الممثلين يسيئون الغناء بحجة أنهم ممثلون، والمغنين يسيئون التمثيل بحجة أنهم مغنون).
على أنه بالرغم من هذا النقد الوجيه يستحق العناية والتأييد، لأنه سبب واصل بين ذوق العامة وذوق الخاصة، ودرج صاعد بالجمهور إلى الفن الموسيقي فيرفعه من حضيض (الفودفيل) إلى أوج (الأبرا).
وهنا نقف القلم معتقدين أن فيما بسطناه من قواعد الفن الدرامي بلاغاً للكاتب الشأن وسداً
стр. 6099
لنقص البيان العربي في هذا الباب.
الزيات
стр. 6100
١ - محاورات أفلاطون
معذرة سقراط
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
تمهيد
كان أفلاطون فيلسوفاً فناناً على بعد ما بين الفن والفلسفة، فقد دون أراءه كلها في أسلوب الحوار الذي بلغ من الدقة والجمال حداً وضعه في أسمى مراتب الفن. ونحن إذ نتقدم إلى القراء بهذه الترجمة لمحاوراته، إنما نلتمس العفو عما قد تصاب به تلك الآيات البينات من تشويه. على أن القارئ إذا فقد جمال الأسلوب فلن تضيع منه بإذن الله دقة المعنى وأمانة النقل.
وهذا الحوار الذي نترجمه لك اليوم، كتبه أفلاطون ليصور به دفاع سقراط عن نفسه يوم محاكمته بتهمة الإلحاد وإفساد الشباب. ولسنا ندري إلى أي حد تطابق هذه الصورة الأفلاطونية الحقيقة الواقعة. هل احتفظ أفلاطون بألفاظ سقراط نفسها أم ما يقرب منها؟ أم أنشأها إنشاء ليعبر بها عما كان يجب أن يكون من سقراط في دفاعه؟ أم هي قصة جمعت بين الطرفين، فأثبتت ما قيل وأضافت إليه ما كان يجب أن يقال؟ وسواء أكانت هذه أم هذه أم تلك، فهي على كل حال تصور روح سقراط في الحديث تصويراً دقيقاً، وتحلل نزعته تحليلاً بارعاً، فلا يسع القارئ وهو يقرأ هذا الحوار الذي دبجته براعة أفلاطون إلا أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه إنما يتلو عبارة تحركت بها نفس سقراط وجرى بها لسانه؛ فشخصيته بارزة في كل سطر من سطوره بروزاً لا يخطئه النظر، فأنت ترى لمحات من التهكم اللاذع الذي امتاز به سقراط في حديثه، وأنت تلاحظ روح التحدي جلية واضحة، والتحدي طابع معروف في شخصية سقراط. وسنرى كذلك في هذا الحوار تفككاً فلا تتصل أجزاؤه بصلة من منطق قوي، فكأنما أراد أفلاطون بهذا أن يكون أميناً في الصورة التي يقدمها عن سقراط؛ فسقراط لم يكن في حياته يعنى بمنطق الحديث. فهو إذا بدأ حواراً مع آخر لا يلبث أن يشعبه باستطراده من ناحية، وبالأسئلة العرضية التي يطرحها مناقشوه أثناء الحديث من ناحية أخرى، فيخرج الكلام آخر الأمر، وليس فيه وحدة تربطه أوله
стр. 6101
بآخره.
وقد تعمد أفلاطون في هذا الحوار أن يسوق إلى القارئ أبرز ما حدث لسقراط في حياته ليكون عنه فكرة متصلة، وقد كان أفلاطون في ذلك قديراً ماهراً، حتى لا يكاد يشعر القارئ أن تلك الحوادث أضيفت إضافة مدبرة، بل جاءت عفواً كما اقتضى منطق الحديث.
يبدأ سقراط في هذا الدفاع، أو إن شئت تعبيراً دقيقاً فقل يبدأ أفلاطون في دفاعه عن سقراط، بأن قسم المتهمين إلى قسمين: الرأي العام من ناحية، وطائفة من الأشخاص النابهين من جهة أخرى؛ ثم لخص للقضاة نقط الاتهام، وأخذ يفندها واحدة فواحدة. وعلى الرغم من هذا فقد حكم عليه بالموت. ولما طلب إليه أن يقترح حكماً - كما جرت بذلك عادة القضاء الأثيني - لتقف المحكمة موقفاً وسطاً بين الحكمين، أجاب في تهكم لاذع وحكمة نادرة. وانتهى الأمر وقضي عليه بالموت.
نص الحوار
لست أدري أيها الأثنيون كيف وقعت من نفوسكم خطب متهمي، أما أنا فقد أحسست لكلماتكم الخلابة أثراً قوياً أنسيت معه نفسي وإنهم لم يقولوا من الحق شيئاً. ولشد ما دهشت إذ ساقوا في غمر باطلهم نذيراً لكم أن تكونوا على حذر فلا تخدعكم قوة فصاحتي. يا خجلتهم مما يزعمون! فإذا نبست ببنت شفة نهضت لكم دليلاً على عي لساني وافتضح أمرهم، وإنهم بذلك عالمون، ولكنهم يمارون ولا يخجلون. أم تراهم يطلقون الفصاحة على قوة الحق؟ إذن لأشهدت أني مصقع بليغ. . ألا ما أبعد الفرق بيني وبينهم! فهم كما أنبأتكم لم ينطقوا كلمة صدق ولم يقولوا إلا كذباً، أما أني فخذوا الحق مني صراحاً، ولن أصوغها عبارة منمقة كما فعلوا، ولكني سأسوق الحديث إليكم عفو ساعته، ولست أشك في أنه الحق. فلن أقف يوماً بينكم أيها الأثنيون موقف الخطيب ما دمت حياً، فلا يرجن الآن أحد مني خطاباً، وعلي أظفر منكم بهذا الفضل: إن جاءت في دفاعي كلمات قلتها من قبل، وسمعها بعضكم في الطريق أو عند موائد الصيارفة أو في أي مكان آخر، فلا تدهشوا ولا تقاطعوا الحديث، لأنني أقف - وقد نيفت على السبعين عاماً - للمرة الأولى في ساحة القانون، فلم آلف هذا المكان، ولم أتعود تقاليده وطرائقه، فانظروا إلي نظركم إلى الغريب تلتمس له المعذرة لو جرى لسانه بلغة قومه ولهجة وطنه. وما احسبني بذلك أطلب شططاً، فدعكم من
стр. 6102
عباراتي وقبحها، وانظروا في عدالة القضية وحدها، وإذا حكم منكم قاض فليحكم بالعدل، وإذا نطق متكلم فلينطق بالحق.
ولأبدأ أولاً برد اتهام الطائفة الأولى من المدعين، ثم أستطرد إلى دعوى الفريق الثاني؛ فلقد اتهمني من قبل نفر كثير ولبثت دعاواهم الباطلة تتردد أعواماً طوالاً، وإني لأخشاهم أكثر من هذا الرجل (أنيتس) وعصبته، وإن كيدهم لعظيم، ولكن أولئك الذين نهضوا إذ كنتم أطفالاً فملكوا ألبابكم بأباطيلهم لأشد من هؤلاء خطراً، فهم يحدثونكم عن من يسمى سقراط أنه حكيم يسبح بفكره في السماء، ثم يهوي به إلى الغبراء، وأنه يخلع على الباطل رداء الحق. أولئك هم من أخشى من الأعداء، فقد أذاعوا في الناس هذا الحديث، وما أسرع ما يظن الدهماء أن هذا الضرب من المفكرين كافر بالآلهة. كثيرون هم أولئك المدعون، ودعواهم قديمة العهد، نشروها حين كنتم في سن الطفولة أو الشباب ألين انطباعاً. ولم يكادوا ينطقون بالدعوى حتى انطلقت تحمل عني في ذيلها السوء دون أن تجد لها مفنداً. وأهول من ذلك كله أن لبثت أسماؤهم مجهولة لا أعلمها لولا ذلك الشاعر الهازل الذي ساقته الظروف. وإنه لمن العسير أن أتحدث إلىأشخاص هؤلاء الهجائين الذين نفذوا إلى نفوسكم بما يحملون من ضغينة وحقد، صدر فيها بعضهم عن عقيدة، ثم ألقوا بذورها في قلوب الآخرين؛ فلا أستطيع أن أدعوهم إلى هذا المكان لأستجيبهم، فأنا إن دافعت الآن فإنما أدافع أشباحاً، وأستجيب حيث لا مجيب. وإني لأرجو أن تقبلوا ما فرضته لكم من قبل بأن الأعداء صنفان: فطائفة حديثة العهد وأخرى قديمته، وأحسبكم ترون صواب رأيي في أن أبدأ بالرد على هذه الطائفة الأخيرة، فدعواها أكثر عهداً وأكثر تردداً.
وبعد، فهاكم دفاعي، ولعلي أستطيع في هذه البرهة القصيرة التي تفضلتم بها أن أمحو شائعة السوء التي قرت عني في أذهانكم طوال هذا الزمن، وعسى أن أصيب توفيقاً إن كان في التوفيق خير لي ولكم، ولعل كلماتي تصادف منكم قبولاً حسناً. فأنا عليم أني مقدم على أمر عسير، وإني لأقدر مهمتي حق قدرها، فليقض الله بما يريد. وها أنذا أبدأ دفاعي طوعاً للقانون.
واستهل الحديث بهذا السؤال: أي ذنب جنيت حتى حامت حولي الشبهات فاجترأ مليتس أن يرفع أمري للقضاء؟ ماذا يقول على دعاة السوء؟ هاكم خلاصة ما يدعون: (قد أساء سقراط
стр. 6103
صنعاً، وهو طلعة يصعد البصر إلى السماء وما تحوي، ثم ينفذ به تحت أطباق الثرى، وهو يلبس الباطل ثوب الحق، ثم أنه يبث تعاليمه في الناس) تلك هي جريرتي، وقد شهدتم بأنفسكم في ملهاة أرستوفان كيف اصطنع شخصاً سماه سقراط جعله يجول قائلاً إنه يستطيع أن يسير في الهواء، وأخذ يلغو في موضوعات لا ازعم أني أعرف عنها كثيراً ولا قليلاً - لست أقصد بهذا أن أسئ إلى أحد من طلاب الفلسفة الطبيعية - ولكن شد ما يسوؤني أن يتهمني بها ملتيس. أيها الأثنيون! الحق الصراح أني لا أتصل بتلك الدراسة بسبب من الأسباب، ويشهد بصدق قولي كثير من الحضور، فإليهم أحتكم. انطقوا إذن يا من سمعتم حديثي وأنبثوا عني جيرانكم، هل تحدثت في مثل هذه الأبحاث كثيراً أو قليلاً؟ أنصتوا إلى جوابهم لتقطعوا بصدقي مما يقررون.
أما القول بأني معلم أتقاضى عن التعليم أجراً فباطل ليس فيه من الحق أكثر مما في سابقه، على أنني أمجد المعلم المأجور إن كان معلماً قديراً. فهؤلاء جورجياس الليونتي وبروديكوس الكيوسي وهبياس الأليزي يطوفون بالمدن يحملون الشباب على ترك بني وطنهم الذين يعلمونهم ابتغاء وجه الله ليسعوا إليهم، فلا يؤجرونهم وكفى، بل يحمدون لهم ذلك الفضل العظيم. ولقد أتاني نبأ فيلسوف من بارا يقيم في أثينا، حدثني عنه رجل صادفته، قد بذل للسوفسطائيين مالاً طائلاً، هو كالياس بن هبونيكوس. ولما أنبأني أن له ابنين سألته: لو كان ابناك يا كالياس حمارين أو بقرتين لما شق عليك أن تجد لهما مدرباً، فما أهون أن تستخدم مدرب الخيول أو فلاحاً يقومهما ويبلغ بهما حد الكمال في حدود فضيلتهما، ولكنهما إنسانان من البشر، فمن ذافكرت أن يكون لهما مؤدباً؟ أثمت من يدرك فضيلة الإنسان وسياسة البشر؟ حدثني فلا بد أن تكون قد تدبرت الأمر ما دمت والداً. فاجاب: (نعم وجدت. فسألته: من هو ذا وأين موطنه وكم يؤجر؟ فأجاب هو أفينس الباري وأجره خمسة دراهم) فقلت في نفسي: (أنعم بك يا أفينس إن كنت تملك هذه الحكمة حقاً، وتعلمها بمثل هذا الأجر الضئيل، فلو كانت لدي لزهيت وأخذني الغرور، ولكني بحق أيها الأثنيون - لا أعلم من تلك الحكمة شيئاً).
رب سائل منكم يقول: (وكيف شاعت عنك تلك التهمة يا سقراط إن لم تكن قد أتيت أمراً إداً؟ فلو كنت فرداً كسائر الناس لما ذاع لك صوت ولا دار عنك حديث. أنبئنا إذن بعلة هذا
стр. 6104
إذ يؤلمنا أن نحكم في غير صالحك) وإني لأحسب هذا تحدياً رقيقاً، وسأحاول أن أوضح لكم لم دعيت بالحكيم، ومن أين جاءتني الأحدوثة السيئة، فأرجوا أن تنصتوا لقولي، ولو أن بعضكم سيظن بي الهزل، ولكني اعترف أنني لن أقول إلا الحق خالصاً. أيها الأثنيون! إن لدي ضرباً معيناً من ضروب الحكمة، كان مصدر ما شاع من أمري، فإن سألتموني عن هذه الحكمة ما هي؟ أجبت أنها في مقدور البشر، والى هذا الحد فأنا حكيم. أما أولئك الذين كنت أتحدث عنهم فحكمتهم معجزة فوق مستوى البشر، لا أستطيع أن أصفها لأنني لا أملكها، ومن ظن أنها لدي فقد ظن باطلاً، وكان أشد ما يكون بعداً عن حقيقتي. أيها الأثنيون! أرجو أن لا تقاطعوني ولو بالغت في القول، فلست قائل هذا الذي أرويه لكم، ولكني سأنيب عني شاهداً جديراً بالثقة، ليحدثكم عن حكمتي - فسينبئكم هل أملك من الحكمة شيئاً؟ وإن كنت أملك، فما نوعها؟ - وأعني بذلك الشاهد إله دلفي. إنكم ولا ريب تعرفون (شريفون)، فهو صديقي منذ عهد الصبا، وهو صديقكم مذ ظاهركم على نفي من نفيتم ثم أعاد أدراجه معكم. كان شريفون كما تعلمون صادق الشعور في كل ما يعمل، فقد ذهب إلى معبد دلفي وسأل الراعية في جرأة لتنبئه - وأعود فأرجو أن لا تقاطعوني - سأل الراعية لتنبئه إن كان هناك من هو أحكم مني، فأجابت النبية أن ليس بين الرجال من يفضلني بحكمته. لقد مات شريفون، ولكن أخاه وهو في المحكمة بيننا، يؤيد صدق ما أروي.
وفيم أسوق إليكم هذا الخبر؟ ذلك لأنني أريد أن أتقصى لكم علة ما ذاع عني من سوء الذكر. لما أتاني جواب الراعية، قلت في نفسي: ماذا يعني الإله بهذا؟ إنه لغز لم أفهم له معنى! أنا عليم أن ليس لدي من الحكمة كثير ولا قليل، فماذا عساه يقصد بقولي أنني أحكم الناس؟ ومع ذلك فهو إله يستحيل عليه الكذب، لأن الكذب لا يستقيم مع طبيعته. ففكرت وأمعنت في التفكير، حتى انتهيت آخر الأمر إلى طريقة أحقق بها القول. اعتزمت أن أبحث عمن يكون أحكم مني، فإن صادفته أخذت سمتي نحو الإله لأرد عليه ما زعم، فأقول له: (هاك رجلاً أكثر مني حكمة، وقد زعمت أني أحكم الناس). لهذا قصدت إلى رجل من الساسة - ولا حاجة بي إلى ذكر اسمه - فقد عرف بحكمته، وامتحنته فانتهيت إلى النتيجة الآتية: لم أكد أبدأ معه الحديث حتى قرت في نفسي عقيدة لا تمحى بأنه لم يكن حكيماً حقاً،
стр. 6105
على الرغم من شهادة الكثيرين له بالحكمة، وعلى الرغم مما ظنه هو نفسه في حكمته، وقد جاوز به الغرور شهادة الشاهدين، فحاولت أن أقنعه بأن وإن يكن قد ظن في نفسه الحكمة، إلا أنه لم يكن بالحكيم الحق، فأدى به ذلك إلى الغضب مني، وشاطره في غضبه كثيرون ممن شهدوا الحوار وسمعوا الحديث، فغادرته قائلاً في نفسي: إني وإن كنت أسلم أن كلينا لا يدري شيئاً عن الخير والجمال. فإنني أفضل منه حالاً، لأنه يدعي العلم وهو لا يعلم شيئاً، وأما أنا فلا أدري ولا أزعم أنني أدري - ولعلي بهذا أفضله قليلاً. ثم قصدت إلى آخر، وكان أعرض من سابقه دعوى في الفلسفة، فانتهيت معه إلى النتيجة نفسها، وعاداني هو الآخر، وأيده في موقفه عدد كبير.
يتبع
زكي نجيب محمود
стр. 6106
كتاب الأوراق
وخطره في كتابة التاريخ
بقلم: محمد طه الحاجري
في ذمة الأدباء من أهل هذه اللغة الكريمة للأدب العربي من ناحية، وللروح العلمية السائدة من ناحية أخرى، دين لا معدل لهم عن أدائه، ولا مترخص لهم في الوفاء به، إذ كان مرجع الأمر فيه شخصيتهم المعنوية التي يظهرون بها، والى كيانهم الأدبي الذي لا حياة لهم من دونه، والى شعورهم بالروح العلمية المتغلغلة في كل عناصر الحياة ومظاهر الوجود. ثم هو متصل فوق هذا بالقومية التي نفاخر بها ونحرص على توثيق عراها وتقوية أسبابها. ذلك هو العناية بتاريخ هذا الأدب الذي تمده خمسة عشر قرناً عناية تظهر، فيما أحسب، في كتابة هذا التاريخ، وإقامته على أسس قوية من أساليب البحث العلمي، ومناهج النقد الأدبي، والتبسط في ذلك بما يطوعه الجهد الواسع، والنفس الممتد، والعزيمة القوية، والروح العلمية المتبصرة، والرغبة المتوثبة في إقامة كياننا المصري على أقوى ما تفاخر به الشعوب وتعتمد عليه الأمم، فما أحسب أن أدب أمة من الأمم بلغ من سعة المادة، وامتداد العمر، ومجاراة الحية، ومساوقة الزمن ما بلغه الأدب العربي، ثم لا أحسب أن أدب أمة من الأمم مني بما مني به هذا الأدب من إغفال أهله أن يقيموه على أسس هذا العصر.
فتاريخ الأدب عندنا علم حديث النشأة، غض التكوين، لا يكاد يرجع ميلاده إلى ما وراء الجامعة الأولى، ولا يكاد يثبت في طريقه لما يحتوشه من أسباب الضعف، وما يعوزه من عناصر الحياة، وما يحيط به من شتى العوامل التي تثبطه وتصده وتحمل عليه بما لا يحتمله الجلد القوي بله الضعيف الواهن، وإنما هي القوى الذاتية التي تمسكه، فمن أقدس الواجبات علينا لقاءه أن نمكن له الحياة، وأن نوفر له العناصر التي يقوم بها كيانه الصحيح، وهي تتلخص في أمرين لابد منهما: تقرير الأسلوب العلمي، واستجماع المادة التي يتكون منها تاريخ الأدب العربي.
أما أول الأمرين فقد كفانا مؤونته الأستاذة الأجلاء الذين شقوا لنا ذلك الطريق، ووضعوا أمامنا معالم البحث العلمي، وبصرونا بمناهج النقد والتمحيص والموازنة وما إلى ذلك.
أما المادة التاريخية فهي العنصر الأول في كتابة التاريخ، وكلما توفرت لدى الباحث،
стр. 6107
واتسعت نواحيها، وتنوعت أبوابها، وتعددت مذاهبها، وكثرت الأيدي التي تقدمها، وأخذت تضرب في شتى جهات الحياة، وتتناول الأطراف المختلفة، كان المؤرخ أكثر توفراً على بحثه، واستضاء أمامه العصر الذي يؤرخه، فأخذ يصفه وصفاً أشبه باليقين، ويقرر التيارات الأدبية فيه تقريراً أقرب إلى الحقيقة، بعد أن يكون قد نظر في أجزاء هذه المادة نظر الناقد البصير، فجعل يوازن بينها، ويقارن بين مختلف أجزائها، وليكن هناك ما يكون من التناقض في الروايات، والتضارب بين الأقوال فذلك، فيما أحسب، أدعى إلى استبطان الحقيقة المستكنة في ثنايا هذه الاختلافات، وأقرب بالباحث إلى ثلج الصدر وبرد اليقين.
والأدب العربي يملك من هذه الناحية ثروة طائلة بالرغم من عوادي الزمن، والنكبات التي أصابت المكتبة العربية في مناسبات مختلفة، ولكنها ثروة ضائعة لا تجد من يستغلها إلا قليلاً، إذ لم يقدر لها من ينشرها من قبورها، ويبعث فيها الحياة التي تعرفها، حتى يستطاع استغلالها، وإنما هي جهود ضئيلة بالنسبة إلى عظم العمل وجلال التبعة.
ولقد تقدمنا الفرنجة في هذا السبيل حتى أخجلونا وأبهظوا عاتقنا بفظلهم، وضربوا لنا خير الأمثال بما نشروا من كتب، وما قاموا به عليها من عناية بتصحيحها وفهرستها ومقارنتها، في تواضع العالم المخلص، وهدوء الباحث المستبصر. فدلوا بهذا على روح علمية ثابتة الأساس، ومعرفة حكيمة بطرائق البحث الصحيح.
لست الآن بصدد البحث عن جهود المستشرقين العظيمة المتوالية في سبيل الأدب العربي، وإنما سبيلي الآن أن أتحدث عن كتاب من خيرة الكتب التي كادت تتلاشى في غمار القرون وثنايا النسيان وعوادي الإهمال، فنشره مستشرق ناشئ، هو المستر هيورث دن، وخلع عليه هذا المظهر الذي تتجلى عليه الروح العلمية في بهائها ورونقها وجلالها. ذلك هو كتاب الأوراق لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة ٣٣٥.
والصولي إمام من خير أئمة الأدب، وكاتب من أفضل الكتاب الذين تزدهر بهم تلك الفترة من الزمن، وعالم ضليع غزير المادة، جيد الرواية، يروي عنه أبو الفرج كثيراً في أغانيه، وأستاذ جليل تخرج عليه كثير من رجالات ذلك العصر مثل أبي عبد الله محمد بن عمران المزرباني، وهمك من رجل وناهيك من عالم. وقد ترك ثروة كبيرة من الكتب الجليلة في قيمتها الأدبية والتاريخية، نقرأ بياناتها في كتب الفهارس، ثم ننطوي على أنفسنا حسرة
стр. 6108
وأسفاً على ذلك الكنز الذي طاحت به الطوائح. ولا أحسب أنه قد بقي لنا منه إلا هذا الكتاب الذي عني به المستر دن هذه العناية، وكتاب آخر في أدب الكتاب نشره منذ عشر سنوات العلامة الأثري المرحوم علي بهجت. وكان كتاب الأوراق في حكم تلك الكتب التي لا نعلم شيئاً عن مصيرها، لولا تلك الروح العلمية المتوثبة التي حفزت ذلك الشاب العالم على إخراجه للناس في ثوب علمي جليل، ومعاناة تحقيقه وتمحيصه ومقارنة رواياته، فأضاف بذلك إلى المادة التاريخية لعصر بني العباس ما هو جدير أن يضئ الطريق أمام الباحث المؤرخ في كثير من مجاهل هذا العصر ومسائله الملتوية الغامضة.
وقد نجد في ترجمة الصولي كلاماً مختلف الأطراف بين مدح وقدح، وتقدير وتشهير، ولكننا لا نشك، إذ نقرأ كتابه (الأوراق) أنه كان رجلاً عالماً يمثل الروح العلمية خير تمثيل، ويضعها فوق كل اعتبار، متثبتاً على طريقة عصره في النقد والرواية، لا يميل مع الهوى، ولا يذهب مع الخواطر، ولا يقف دون النقد والمقارنة والتمحيص.
عرض في أثناء حديثه عن أحمد بن يوسف إلى رواية تحدث ابن طيفور عنه بها، وخلط فيها، فلم يدعها الصولي تمر دون أن ينقدها بما طوع له علمه الغزير وروحه العلمية القوية، ثم كتب هذه العبارة التي نثبتها هنا لتدل على تثبته العلمي من ناحية، وعلى مظهر من مظاهر الروح العلمية في ذلك العصر، من ناحية أخرى.
(وقد رايته (يعني ابن طيفور) بالبصرة سنة سبع وسبعين ومائتين، وقدمها إلى أحمد بن علي المادرائي، وكتبت عنه مجلسين أو ثلاثة، فلما رأيته صحفياً لم أر عنده ما أريد تركته، ويعز على أن أذكر أحداً من أهل الأدب بسوء وأن أستخفه، ولكن لا بد من أن نعطي العلم حقه، ونضع الحق موضعه).
أفرأيت إلى أي حد من الإجلال والتقدير كان نظر الرجل إلى العلم والحقيقة والأدب؟
يمثل هذا الخبر الصغير الذي ينبغي أن يرجع إليه القارئ في الكتاب صفتين من أبرز صفات الصولي وكثير من علماء ذلك العصر: وهما سعة المادة، والتثبت في الرواية. وعلى هاتين الصفتين قامت عظمة السلف، وعليهما يجب أن تكون الدائم التي نقيم عليها أبحاثنا العلمية في تاريخ الأدب، فلن تغنينا كل أساليب البحث ومناهج النقد، عن سعة المادة وتوفر المصادر والتقصي فيها بكل ما يتسع له الجهد ويطوعه الإمكان.
стр. 6109
فإذا كنا نحتفي بكتاب الأوراق، فإنما ذلك لأنه صورة لتلك الشخصية العظيمة في تاريخ الأدب العربي، ومثال من خير الأمثلة عن الطريقة الأدبية لأسلافنا في معاناة الرواية ونقدها وتمحيصها. والتوفر على الجمع والمقارنة، ثم هو فوق هذا كله زيادة في المادة التاريخية، وتوطيد لأسس البحث العلمي، بالنسبة إلى عصر من أشد عصور الأدب العربي اختلاطاً واضطراباً، وأغصها بالتيارات المختلفة، والنزعات المتباينة المتشابكة.
وهذا القسم الذي نشر من كتاب الأوراق خاص بأخبار الشعراء المعاصرين، وقد سلك الصولي في تصنيفهم مسلكاً حسناً جديراً بالتنويه، ذلك أنه راعى في ذلك أسرهم: فذكر أولاً أسرة اللاحقيين، ثم أسرة أحمد بن يوسف وزير المأمون، ثم أسرة السلمي أشجع بن عمرو. وهذا نحو جديد في التصنيف الأدبي جدير بأن يغتبط به الذين يتتبعون الصفات الوراثية المشتركة، والذين يرون في الأدب صوراً لقوانين الوراثة المقررة.
وإذا كانت هذه طريقته في عرض الشعراء، لم يتقيد بذكر المشهورين منهم، ولا حبس نفسه عليهم، وقد صرح هو نفسه بهذا الاتجاه في آخر كتابه فقال: (قد جئت بأكثر أشعار هؤلاء إذ كانوا شعراء ظرافاً كتاباً لا يعرفهم الناس، ومن عرفهم لا يعرف أخبارهم. . وإنما استقصي أشعار من لا يعرفون وأخبارهم) وكذلك كان الصولي، فقد انطلق في ذكر هؤلاء الشعراء المغمورين، وسرد أخبارهم ورواية أقوالهم وأشعارهم، مما هو جدير بالرواية، حقيق أن ننعم فيه النظر، ونستخلص منه كثيراً من الحقائق التاريخية التي قد لا تتضح في مشاهير الشعراء، فقد تقيد الشهرة صاحبها بكثير من القيود التقليدية، وتنشر حوله غشاء مصنوعاً، حتى يصبح من العصر الذي يعيش فيه، صورة كثيرة التزوير والتمويه. على حين ينطلق الشاعر المغمور في سبيله يصور من نفسه وعصره وبيئته ما وسعته الحرية في التعبير، والقدرة على التصوير.
ولعل كبار الشعراء هم صور من عبقرياتهم، أكثر من أن يكونوا صوراً لعصورهم وبيئاتهم، وما تموج به من شتى النزعات ومختلف الصور والتيارات.
فكتاب الأوراق يضعون بين أيدينا إذن مصدراً عظيم الخطر من مصادر التاريخ، ويبصرنا بكثير من الحالات التي سيطرت على الأدب في ذلك العصر، بما يكتبه عن أولئك الذين انطبعوا بحياتهم، وصوروها تصويراً حراً طليقاً من قيود الشهرة.
стр. 6110
ومن قبل عني المفضل الضبي بجمع شعر الشعراء المقلين فخدم بذلك الاتجاه التاريخي الذي نتوجهه أجل خدمة، إذ كانت المفضليات أصدق صورة للعصر الجاهلي.
هذه ميزة شديدة الوضوح من ميزات كتاب الأوراق، لها خطرها فيما نقصد إليه من الدراسة الأدبية. ولست أتعرض الآن لشرح هذا الوجه من الخطورة، ولعله يتاح لنا فيما بعد أن ندرسه دراسة مفصلة تتسع لما لا تتسع له هذه الكلمة العاجلة.
ومما يستطرف ويلفت النظر في هذا الكتاب، أنه يظهرنا على أولية ذلك النوع من الشعر الذي يسميه الفرنسيون الشعر التعليمي في الأدب العربي، فنحن نرى أنه قد بدأ بأبان بن عبد الحميد اللاحقي، فقد صنع قصيدة سرد فيها أحكام الصيام على نحو ما نعرفه في منظومات العلوم. والظاهر أن أبان كان مضطلعاً بهذا النوع من الشعر، فقد نظم كذلك كتاب كليلة ودمنة، وكتاب المنطق، وكان ذلك فناً طريقاً. وقد ذكر الصولي أنه عاتب البرامكة على قلة عطائهم مع خدمته لهم وموضعه منهم، فأشار عليه الفضل أن يقول شعره في هجاء الطالبيين، فتذمم أبان، ثم قال قصيدة استطرفها الفضل، وهي لا شك طريفة. فقد سلك فيها مسلكاً عجباً من الشعر، إذ أخذ يجادل الطالبيين في دعواهم جدلاً فقهياً بحتاً مستنداً إلى أحكام الوراثة في الإسلام وما يقرره الشرع في حالات الحجب والهبة وما إلى ذلك. ولما جاء بهذه الأبيات إلى الفضل قال له: ما يرد اليوم على أمير المؤمنين شئ أعجب إليه من أبياتك.
هذا تاريخ نوع من الشعر كثير الشيوع في اللغة العربية، على أن لهذا فيما أحسب، بعض الدلالات الأخرى على بعض العوامل في ذلك العصر.
وعقد الصولي فصلاً عما روى في صحة دين أبان، وعندي أن هذه النصوص التي تروى في هذه الصدد عظيمة الخطورة في تحقيق المسألة الدينية في عصر العباسيين: ذلك الأمر الذي اضطربت فيه الأقوال واشتبهت فيه الظنون، واختلفت فيه منازع الرأي. ولا يزال في حاجة إلى التحقيق العلمي القائم على النقول الصحيحة والنقد المنزه البصير.
وبعد فما نستقصي في بيان قيمة كتاب الأوراق من ناحية التاريخ الأدبي، وحسبنا أن يكون هذا الكتاب زيادة في المادة التي ترتكز عليها أبحاثنا، وأن يكون واضعه أبو بكر الصولي، وهو من عرفنا، وأن ينشر نشراً علمياً خالصاً لوجه العلم والأدب. حتى نحتفي به، ونرحب
стр. 6111
بظهوره.
محمد طه الحاجري
стр. 6112
الشباب في أمريكا
حركته وتربيته وحياته السياسية
ومقارنته بالشباب في أوروبا
بقلم: إبراهيم إبراهيم يوسف
لا نستطيع أن نفهم الجديدة التي تملكت أفئدة أبناء الجيل الحديث في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا إذا فهمنا قبل كل شئ الفوارق الرئيسية بين الحركة العامة للشباب في أوروبا ومثيلتها في أمريكا. وأول ما يلفت النظر عدم اهتمام الشباب الأمريكي اهتماماً جدياً بالروحانيات والاجتماعيات، بينما نجد زملاؤهم في أوروبا على عكس ذلك. كذلك هم لا يعرفون التكالب على الدرس بنفس النهم الذي نجده عند الشباب الأوربيين. والواقع أن أمريكا برغم مالها من تنوع في الآداب لا تعرف حتى الساعة ما يسمى (بثورة الشباب) كتلك التي عرفناها لشباب الألمان مثلاً لنهاية القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين. وقد تكون التقاليد الاجتماعية التي توارثها الشباب الأمريكي عن سلفه والتي يرعاها كل الرعاية سبباً، إذا ما أضيف إليها مركز الشباب الاقتصادي، يحول بينه وبين تحمل عبء مسئوليات جسام. وركن الشباب إلى تلك التقاليد وراح يحافظ عليها فتجلت في حياته السياسية، ثم سرعان ما انتقلت العدوى بعد ذلك إلى كل ميدان من ميادين حياة الشباب. ورسخت هذه التقاليد في النفوس بدلاً من أن يتم التعاون على مقاومتها لتتلاشى. فمثلاً بينما كان الشباب الألماني منذ ثلاثين سنة يثور على سلطة العائلة وسلطة المدرسة ولا يأبه بسلطان الدولة ولا بسلطان الكنيسة، كان الشباب الأمريكي ينزع في نفس الوقت إلى انتهاج ما ثار عليه زميله الأوربي، وكان مما لا بد منه أن تنبذ أمريكا آراء أوربا وطرقها في تربية النشء وتبحث لها عن أسس جديدة، فاهتدت إلى جعل الدراسة العلمية في المرتبة الثانية من منهج التعليم. وما هي إلا سنوات حتى استوثق رجال التربية والتعليم في أمريكا من أن النظريات والعمليات التي سار عليها زملاؤهم في أوروبا لم تعد صالحة للعالم الجديد، فاستعاضوا عن (القوانين العامة) في علم النفس بفكرة رعاية الشباب وتهذيبه عملياً. وهم يتبعون في ذلك رأي زعيم التربية الحديثة في أمريكا المستر جون ديوي الذي
стр. 6113
تعتبر آراؤه إنجيلاً للمربين الأمريكيين. وخلاصة آرائه: أن العلم والمعرفة يجب أن ينتزعا من الحياة، وأن لا علم إلا إذا جاء عن طريق ممارسة العمل ومزاولة الأمور العملية. وهذه الأسس التي يعبر عنها (بطريق الشروع) القائمة في علم النفس على (المحاولة والخطأ). وقد يهزأ الأوربيون بهذه النظريات العملية، وهذا النوع من التربية. ولكنهم ينسون أن تربية النشء وفق هذه الأصول تكون عندهم قوة الإرادة وصحة الحكم على الأشياء. ومن أهم المبادئ المعمول بها في أمريكا لتربية النشء اعتبار الشباب وفرديته في مرتبة لا تقل عن مقام المعلم وعلمه. وكثيراً ما ينعى علماء التربية الأمريكيون على زملائهم في أوروبا التسرع في الحكم بأن الطفل له شخصية أقل خطراً من شخصية الرجل المكتمل الرجولة. ولكن علماء التربية الأوربيون يقولون هم الآخرون بأن الآراء الأمريكية تحوي جرثومة تهدد نظام التربية والتعليم من أساسه، كما أن تلك الآراء تعمل على إضعاف مركز المربي في نظر النشء وإضعاف الثقة به. ولكن الأمريكيين يقولون أن المسألة عكس ذلك تماماً. ثم إذا نظرنا إلى المدارس الأمريكية على اختلاف أنواعها، ولاحظنا تباين الأعمار في الفصول، حكمنا بأن النظام كما يفهمه الأوروبيون ليس له أثر ملموس في هذه المدارس. وكثيراً ما قال المربون الأوروبيون عند أول مشاهداتهم للشباب الأمريكي: (يا لها من فوضى!) إذ يجدون الطلبة هنالك بتوجهون بكلياتهم إلى شخص الأستاذ، أما اهتمامهم بدرسه فأمر ثانوي لديهم. ولهذا نجد بين الأساتذة والطلبة علاقة ألفة قد تبدو أشبه بالصداقة التي يضيع معها كل نظام، ولعل السر الذي يفسر لنا تلك الألفة هو أن ٩٠ % من مجموع المعلمين في المدارس الأولية والابتدائية والثانوية في كافة البلاد الأمريكية نساء. ولا يعوق المعلمة عملها لو أن لها زوجاً وكانت في مقتبل العمر. ثم هنالك ظاهرة غريبة أخرى قد لا نجد لها مثيلاً في أي بلد أوروبي، تلك هي اعتبار المدرسة والكلية مزرعة يتعهد فيها المدرسون بتربية الألفة والصداقة بين كل أفراد الشباب، ولا زالت الكليات الأمريكية برغم ما وجه إليها من نقد محافظة كل المحافظة على حياة الأخوة بين الطلاب، مانعة كل المنع تسرب دخلاء إلى حظيرة الشباب، وحتى في المدارس الابتدائية يتدرب الأطفال على معيشة أخوية كاملة المظهر، لا يعنى فيها بإتباع طريقة شحن الذهن بالعلوم.
والواقع أن المثل الأعلى وطابع التربية عند الأمريكيين هو جعل التعليم المثالي عملياً
стр. 6114
ووطنياً.
إبراهيم إبراهيم يوسف
стр. 6115
من شعر الشباب
رسالة
وردتْ وُرُودَ النافِحات رسالةٌ … هاجت كمين صبابتي وغرامي
رفّافة الصفحات يعبق نشرها … من طِيبِ عهدٍ غابر الأيامِ
مِن سالفِ اللذات لي في معهد … سلفتْ به اللذات كالأحلام
في معهد حفلٍ بأوطار الصِّبا … فيه حمدتُ على البِعادِ مُقامي
نَشَرَتهُ للعين الصحيفةُ وانجلى … في الطرس حُسْنُ صعيده المترامي
واسْتَفْتُ من بين السطور نسيمَه … ورأيتُ باسقَ سَرْحِهِ المتسامي
وَتَمَثَّلَتْ لي ساكناتُ غصونه … غِبَّ السماء نَوَاديَ الأكمامِ
وذكرتُ فيه كلَّ ماضي بُكرة … طَلَعَتْ تألَّقُ في الضياء الطامي
طالعتُ فيها الشمس تسكب ضوَءها … تِبْراً على الأنجادِ والأعلامِ
وعشيةٍ خَشَعَت كأنَّ نسيمها … مُتَوَجِّسٌ من عودة الإظلامِ
راقبتُ فيها الليلَ مِن مُسْتَشْرَفي … يطغَى على الأَغوار والآطامِ
إني لأَهوى فيه كلَّ طريفةٍ … حاولتُها وهَمَامَةٍ ومرامِ
وأُحب أيَّاماً به وليالياً … موصولةَ الألطاف بالأنعامِ
وأحب أشعاراً نظمتَ عقودها … في ذلك الوادي النضير النامي
ما زلتُ أذْكُرُ كلما رَجَّعْتُها … أُفُقاً جَرَى مِن سحر إلهامي
من مائِه الرَّقراق أو أزهاره … قد صُغْتُها أو فَجْرِهِ البَسَّامِ
قد كان حَفلاً بالقوافي جَوُّه … في حَالتَيه: الصَّحْو والإرْزَامِ
ما ازْدَادَ إلاَّ فِتْنَةً ومَلاحَةً … لشُرُوق شمسٍ أو هُتُون غمام
يهفو لذكراه الفؤَاد إذا جَرَتْ … وتثور أشواقي له وهيامي
ويجيئهُ مني السَّلامُ وإن أَنل … أقصى الأماني جئْتُه وسلامي
فخري أبو السعود
стр. 6116
تاجرة!!
دعته إلى العش عصفورة … بتغريدها المطلق الساحر
شكت قبله وحشة الانفراد … على ذلك الفَنَنِ الزاهر
وطول المقام بلا صاحب … تفئ إلى جنحه القادر
يشاطرها واجبات الحياة … ويحمل من عبئها الواقر
ويمنحها عائدات الوداد … وتمنحه جذوة الشاعر
تفيض حناناً إلى قربه … ويسعد في حبه القاسر
قضى زمناَ شادياً لاهباً … بأحلامه هادئ الخاطر
يروح إلى الأيك جم النشاط … فينعم في ظله الناضر
وينهل من مائه المستطاب … ويستاف من عرفه العاطر
دعاه الصبا ولباناته … فلبى نداء الصبا الغامر
وفارق أحلامه الساحرات … إلى صرحها الوارف العامر
إلى حيث يقطف آماله … ثماراً ويجني جَنَى الصابر
إلى حيث يملأ ما قد خلا … من القلب في الزمن الغابر
فلما أتاها رأى أنها … تهيب بذي الثروة الكاثر
وقد جعلت نفسها سلعةً … كسلعة صاحبنا التاجر
فهذا يسوم وذاك يزيد … وذا يتقي صفقة الخاسر
فعاد إلى أيكه نادباً … بذلك من جده العاثر
إذا ما الزواج غدا سلعة … فأنت على تركه عاذري
جنين - فلسطين ح. أ
стр. 6117
عرس في مأتم
واعَجَبَاً للمرء في جَهْلِهِ … وهو أخو اللُّبِّ شقيقُ النُّهى
يُمعِنُ في غَفْلَتِهِ حالماً … وَيَحسِبُ الضِلَّةَ كلَّ الهدى
يَطوي شقاء العمرِ في سَكْرَةٍ … نشوانَ يُغريه رفيفُ الرُّؤى
وهمانُ كلَّ العمرِ ما إن يعي … سرَّ الدُّنى. يا بؤسَه لو وعى!
يا سرَّه! أيةُ أُلعوبَةٍ … هَيِّنَةٍ في كفِّ هذي الدُّنى
وسرَّ هذا الكونِ من شاعرٍ … مُسْتَعْجَمِ اللفظِ غريبِ اللُّغى
شَيَّعتُ بالأمْسِ رُفاتِ الصِّبا … في لوعةِ الثُكلِ ومُرِّ الجوى
يقولُ لي صحْبِيَ في فَرحَةٍ … هَوِّن على نفسِك بعضَ الأسى
لله قَلبُ المرءِ من غامِضٍ … يُحَيِّرُ اللُبَّ ويُعْيِي الحِجى
يَبكي لِما يُضحِك حيناً وقد … يُضْحِكُهُ ما يَستَفزُّ البُكا
تراه كالدَّمعِ همى رقَّة … طَوراً وطَوراً كَحَرونِ الصَّفا
هذا الشبابُ الجَهمُ ما عِندَهُ؟ … أثَمَّ مِنْ بارِقَةٍ تُرتَجى
صَحراؤهُ مُرمِضةٌ رَحْبَةٌ … وكُلُّ شَئٍ موحِشٌ في الفلا
لا بُلبُلٌ يُطرِبُ إمّا شدا … ولا رُبى يَعبَقُ فيها الشَّذى
أقطَعُ وَحدي عَرضَها راكباً … صَهوَةَ آمالي، أسيرَ القضا
أضْرِبُ في آفاقِها حائِراً … أجري وما لِلجَرْيِ مِنْ مُنْتَهى
أَخُبُّ لا مُؤْنِسَ في وَحدَتي … تِلكَ ولا مِن سامرٍ في الدُّجى
ظمآن! إنْ آلٌ بدا مَرَّةً … بَذلتُ خلفَ الآلِ كلَّ القُوى
يَحِفُّ بي مِنْ أنسُرٍ مَوْكِبٌ … يَرْقُبُ أنْ يأتي عليَّ الرَّدى
تُرى أأنجو سالماً؟ أم تُرى … أهوى صَرِيعاً جَاهِداً للثرى
وَفِتْيَةٍ همُّهُمُ مَلْعَبٌ … وكُلُّهم كالزَّهر غَضُّ الصِّبا
ضَمَّتهُمُ للعِلمِ فَيْنَانَةٌ … كما يضم الدَّوحُ سِربَ القَطا
مِثلِ الظِبا في مَرَحٍ دائمٍ … يَحيَون في أحلامِهم والمُنى
يا فَرَحَة الأطفالِ! لَو أَنَّها … تدومُ للإنسانِ طُولَ المَدى
يأتي عليها الدهرُ مُستأسِداً … يُشهِرُ غَضبَان نُيوبَ الأذى
стр. 6118
يا رحمة الله لِعهدِ الصبا … من حُلُمٍ ما رَفَّ حتى اختفى
تَقولُ لي النَّفسُ وقد هالَها … أن تَجِدَ العهدَ الحبيبَ انطَوى
أهكذا الأيامُ مجنونةٌ … مسرعةٌ في سيرِها والسرى
دمشق
أمجد الطرابلسي
стр. 6119
غيرة. . .
ذهبتُ كي أوقظه … من غفوة لم تنجل
فكان في ضجعته … طفلاً من الهمَّ خَلِ
عليه من شرخ الصبا … أبهى الثياب والحلى
بل كان مثل ملك … سمح تدانى من عل
وقد وجدتُ وجهه … في النوم في تهلل
ما باله منشرحاً … كأنه في غزل؟
بمن تراه يحتفي … في نومه وينجلي؟
عندئذ ألفيتني … غَيرَانَ قلبي يصطلي
فلم أدعه ناعماً … في نومه المسترسل
بل هبَّ مذعوراً علي … عواصف من قبلي
كرمة ابن هانئ
حسين شوقي
стр. 6120
لونجفلو
الشاعر الأميركي الملهم
بقلم: مأمون اياسي
لا شك أن (هنري وودسورثو لونجفلو) الشاعر الأميركي النابه غني عن التعريف إلى قراء الإنجليزية، وأن قصته الشعرية (ايفانجلين) تعد في طليعة الآثار الأدبية الخالدة التي خلفها، وخدمة لمن لم يقرأوا هذا الشاعر العبقري رأينا أن نكتب هذه النبذة عنه فنقدم لهم بذلك أحد الشعراء العالميين الذين يقدمهم الشعب الأميركي.
ولد (لونجفلو) في ٢٧ فبراير في سنة ١٨٠٧ في مدينة (بورتلاند) في ولاية (مين) وقضى طفولته وصباه في بيت واقع في شارع (الكونجرس) ما زال إلى الآن محفوظاً على حاله الأولى عندما كان يعيش فيه الشاعر العظيم. ويحج إلى ذلك البيت آلاف من الناس الذين يذهبون إلى (بورتلاند) في كل صيف، ويدخلون إليه للتفرج على كل غرفة من غرفه، وعلى مطبخه الذي ما زالت الأواني الثقيلة مبعثرة على مواقده منذ مائة عام ونيف. ثم يصعدون إلى غرفة في الدور الثالث ليروا السرير الخشبي الذي كان ينام عليه (لونجفلو) ويطلوا من النافذة التي كان يرى منها المنارة الموصوفين في إحدى قصائده.
وكانت (بورتلاند) مدينة موافقة لفتى له روح (لونجفلو) الحساسة الرقيقة، إذ كانت شوارعها الطويلة المظللة بالأشجار الوارفة، وأحراجها المكتظة، وشاطئها الشعري الهادئ ميداناً خصباً لخياله الواسع.
كان (لونجفلو) في السادسة من عمره عندما عاد من المدرسة يوماً وناول والده شهادة - لم تزل محفوظة للآن - كتبت فيها معلمته بأنه تلميذ مجتهد وأخلاقه قويمة. وبعد ذلك بسبعة أعوام عندما كان في الثالثة عشر من عمره كتب قصيدة يصف فيها إحدى المواقع المشهورة بين الأميركيين والهنود الحمر. وكان على ثقة تامة بأنها جديرة بالنشر، فاستجمع شجاعته ورماها في صندوق إحدى الجرائد، ولكن رئيس تحرير تلك الجريدة لم يوافقه على رأيه فكان نصيبها سلة المهملات. فما كان من الشاعر الصغير، وقد جرحت كبرياؤه، إلا أن أرسل القصيدة إلى جريدة منافسة فنشرتها. وقد قال بعد سنين عديدة بأن الشعور الذي استولى عليه عندما رأى أول شعر له مطبوعاً لم يعاوده بعد ذلك لدى نشر أي شعر
стр. 6121
آخر.
وكانت حياته المدرسية بعد ذلك نجاحاً مضطرداً وتفوقاً يثير الإعجاب. وعندما أتم علومه في جامعة (بودوان) راح يلتمس من والده إرساله لقضاء سنة في جامعة (هارفارد) واعترف له بما يجول بخاطره من آمال قائلاً: (الحقيقة يا والدي هي أنني أطمع في مستقبل أدبي حافل. إن نفسي لتتحرق شوقاً إلى ذلك) ولكن والده نصحه بأن يفكر في صنعة تكفل له عيشه غير صنعة الأدب. وأرغم الشاب على النزول على إرادة والده والعمل بنصيحته، فدخل كلية الحقوق. ولكن أحد المفتشين سمعه مرة يلقي ترجمة لمقطوعة من أصعب آثار (هوراس) فأعجب به، وعندما كانت الإدارة تفكر في إدخال فرع جديد للغات الحديثة في برنامج الجامعة وقع اختيار ولاة الأمر على (لونجفلو) ليكون أستاذاً لذلك الفرع، ولما يتخط عامه التاسع عشر، ولكنهم اشترطوا عليه أن يمضي ثلاث سنوات في أوروبا فيدرس لغاتها ثم يعود. ووافق والده على تزويده بالمال الكافي للقيام برحلته، وأبحر الأستاذ الشاب إلى أوروبا بقلب مفعم حياةً وأملاً، فقضى ثلاث سنوات متنقلاً بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا وإنجلترا، فدرس لغاتها وأحوال أهلها وطرق تفكيرهم، ثم عاد ليقوم بأعباء منصبه بنشاط وحماس، ويتقاضى تسعمائة دولار في كل شهر (وهذا المبلغ كان يعد ثروة في ذلك الحين).
لم يكن تدريسه في جامعة (بودوان) وإدارة مكتبتها ليعوق (لونجفلو) عن الكتابة شعراً ونثراً، فواصل جهوده في النظم والتأليف، ولكن كتاباته اقتصرت إلى حد ما على الموضوعات التي كان يدرسها.
وثبت اسم الشاعر في عالم الشهرة حتى أن إدارة جامعة (هارفارد) طلبت إليه أن يتولى رياسة فرعها للغات الحديثة عندما استقال أستاذها. فقرر (لونجفلو) القيام برحلة ثانية إلى أوربا استزادة في درس اللغات والآداب. وعندما كان في هولندة وصله نعي امرأته فواصل أبحاثه بقلب مثقل بالهم والحزن.
وهنالك نادرة تحكى عنه عندما عاد من أوروبا ليتولى عمله في (هارفارد)، وكان في الثلاثين من عمره، ولكن هيئته لم تكن لتدل على ذلك، فذهب إلى (بنسيون) ليستأجر غرفة فيه، فنظرت إليه صاحبة (البنسيون) من رأسه إلى قدمه وقالت له: (أنا لا أقبل تلامذة
стр. 6122
عندي) ولكنه قال لها (لست تلميذاً). أنا الأستاذ (لونجفلو). فما كان من السيدة إلا أن قالت له وهي تفتح الباب على مصراعيه: (إذا كنت مؤلف (وراء البحار) فتفضل على الرحب والسعة) - (ووراء البحار) هو الكتاب الذي وضعه أثر رحلته الأولى إلى أوربا، ووصف فيه تلك السلسلة من الأسفار في بلدانها - وقادته السيدة إلى غرفة في الزاوية الشرقية في منزلها قائلة: (كانت هذه غرفة الجنرال وشنجطن ويمكنك أن تنزل فيها.) وبقيت تلك الغرفة مسكنه طوال السبع عشرة سنة التي قضاها في (هارفارد).
وفي سنة ١٨٤٢ قام برحلته الثالثة إلى القارة الأوربية. وبعد ذلك بسنة تزوج مرة ثانية وقضى ثماني عشرة سنة في هدوء بين أطفاله وعائلته وأصحابه والقصائد التي كان ينظمها تترى.
دعي الكاتب المعروف (ناثانيال هوثورن) مرة إلى الغداء على مائدة (لونجفلو) مع صديق للأول. ودار الحديث على الغداء حول قصة جرت وقائعها بين (نوفاسكوتيا) - وهي شبه جزيرة ملحقة بكندا - والولايات الأمريكية الشرقية. فقال صديق (هوثورن) مخاطباً (لونجفلو) (أنا أجرب أن أقنع (هوثورن) بكتابة قصة عن الحادثة، ولكنه لا يرى فيها فكرة لقصة).
فسأله (لونجفلو) أن يسرد على مسامعه تلك الحادثة عله يجد فيها المواد لقصيدة أو أنشودة.
ولخص له الصديق الحادث بقوله: (كانت مقاطعة (نوفاسكوتيا) التي كان يسميها الفرنسيون (أكادي) تنتقل من أيدي الفرنسيين إلى الإنجليز ثم يسترجعها الفرنسيون، وهكذا إلى سنة ١٧١٣، إذ انتقلت إلى الإنجليز بموجب معاهدة (أوترخت) وهي باقية تحت سلطتهم إلى يومنا هذا. وكان يغلب على سكانها الدم الفرنسي. فنشأت عداوة بين العنصرين الإنجليزي والفرنسي، أدت إلى منازعات ومناوشات دائمة. وتفاقمت الحال في شبه الجزيرة حتى أصبح من الصعب جداً على الحكومة تهدئتها، فاستنبطت حيلة لم تجد أنفع منها في تلك الأحوال، وهي نقل (الأكادييين) إلى جهات أخرى من أمريكا الشمالية حتى لا يتيسر لهم الاجتماع بالسكان الإنجليز. وكانت الطريقة الني نقل بواسطتها أولئك المساكين غاية في الغلظة والفظاظة. طلب الحاكم إلى جميع الرجال والفتيان الذين تزيد سنهم على العشر سنوات أن يجتمعوا في الكنيسة، لأنه سيذيع عليهم أوامر هامة من السلطة. واجتمع الرجال
стр. 6123
والفتيان، وهم يتساءلون عما أوجب حشدهم بتلك الطريقة، وما أن دخلوا الكنيسة حتى حاصرتهم الجنود من الخارج، وألقى الكاهن على مسامعهم الأمر الرهيب بصوت ملأه حنواً ورأفة. وفي مدة قصيرة كانت السفن حاضرة على الشواطئ، فحشد فيها السكان بطريقة عسكرية قاسية كان من نتائجها أن تفرقت أسر كثيرة، وأضاع أفرادها بعضهم بعضاً.
وكان بين الذين نقلوا إلى الولايات الشرقية فتى وصبية كان الكاهن قد عقد قرانهما في ذلك الصباح فقط. فأضاع أحدهما الآخر، وبقيت (إيفانجلين) تجوب السهول والقفار وتقطع الأنهار، وتنام الليالي على الطوى كل حياتها باحثة عن (جابريال) إلى أن انخرطت في سلك الممرضات، بعد أن قطعت الأمل في وجوده، فإذا بها يوماً تلتقي به بين المرضى، فعرفته برغم التغير العظيم الذي طرأ عليه. وكانت صدمة عنيفة أودت بحياته لضعفه، وأودت بحياتها هي لسرورها وحزنها المتعاقبين.
وما انتهى الصديق من سرد قصته حتى التفت (لونجفلو) إلى (هوثورن) قائلاً: (أتعدني بألا تكتب شيئاً عن هذه الحادثة حتى أنتهي من نظم قصيدتي؟) ووعد (هوثورن) وبدأ (لونجفلو) في نظم القصيدة التي خلد فيها بطلي ذلك الحادث، فخلداه بدورهما، وجعلت (ايفانجلين) اسمه يطبع بحروف كبيرة على صفحات الجرائد، وتتوارد عليه رسائل الإعجاب تترى.
ومن الغريب أن (لونجفلو) لم ير قط مشاهد قصيدته، مع أن الوصف فيها كان مطابقاً للحقيقة كما شهد الذين سكنوا تلك الأمكنة
وقد اقتبست من قصة (ايفانجلين) رواية سينمائية أخرجت في عهد السينما الصامتة، وقامت بالدور الأول فيها الممثلة المكسيكية الفاتنة (دولوريس دليرو).
بيروت
مأمون اياسي
стр. 6124
العلوم
لمحة في تاريخ الرياضيات
بقلم محمد المبارك
بكالوريوس في العلوم
اجتازت العلوم الرياضية كغيرها من العلوم أدواراً ثلاثة: دوراً إلهياً ودوراً تجريبياً عملياً، ودوراً نظرياً مجرداً
فكانت فكرة القوة الميكانيكية فكرة إلهية تعزى إلى الآلهة في جميع حالاتها في تلك الأزمان التي كانت تنسب فيها جميع الحوادث إلى الآلهة المتعددة حينئذ بصورة مباشرة، وكذلك كانت الأشكال الهندسية مقدسة، وللأعداد خواص يعتقد بتأثيرها، ومع ذلك فقد أخذت الحقائق الرياضية تتولد تدريجاً بالحدس مستمدة من العمل والتجربة اللذين هما مصدران من مصادر الإلهام، وينبوعان يستقي منهما العقل البشري أفكاره في كل زمان. وعلى هذا النحو اكتشف كثير من النظريات والحقائق الرياضية، كنظرية مساواة مربع الوتر لمربعي الضلعين القائمين في المثلث القائم.
وكثيراً ما أدت أغراض عملية إلى حقائق نظرية كانت لها خطورة في نشوء العلم وتطوره؛ فعملية المساحة عند قدماء المصريين أدت إلى اكتشاف كثير من الحقائق الرياضية. كما أن الفينيقيين اضطروا إلى الحساب استعانة به على أمر تجارتهم، وكذلك لجأ إليه الكلدانيون لمزاولتهم الفلك والتنجيم.
على أن أكثر الأمور العملية كانت تشوبها أمور دينية، فعملية المساحة عند المصريين كانت مهمة دينية يقام لها حفل يحضره الملك. ولا يخفى كذلك أن الفلك عند الكلدانيين لم يكن منفصلاً عن التنجيم. فبسبب هذه العوامل اكتشفت بعض قواعد عملية، لم تصل إلى درجة يؤبه لها من اليقين العلمي، وكثيراً ما كانت تقريبية غير مضبوطة، عرفت بفضل التجربة - ولا أعني بالتجربة في كل ما تقدم القيام بعمل يقصد منه اكتشاف قضية علمية أو إثباتها كما يفهم منها اليوم، بل أريد منها ما يصادفه الإنسان من المشاهدات والملاحظات أثناء القيام بأعماله الحيوية - فكانت الهندسة في تلك العصور الغابرة عبارة عن مجموعة
стр. 6125
طرق لا رابطة بينها لحل المسائل العملية التي تستوجبها الحياة آنئذ، كمعرفة كون كل مثلث تتناسب أضلاعه فيما بينها كتناسب الأعداد: ٣، ٤، ٥ قائم الزاوية. فبإنشاء هذا المثلث يمكن الحصول على مستقيمين متعامدين. هذا وإن كثيراً من تلك القواعد تقريبي كما قلنا ليس له قيمة علمية؛ مثال ذلك أن المصريين كانوا إذا أرادوا مسح شكل رباعي ضربوا نصف مجموع ضلعين متقابلين منه في نصف مجموع الآخرين، مع أن هذا العمل لا يصح إلا في المربع والمستطيل، وكذا إذا أرادوا معرفة مساحة المثلث أخذ نصف جُداء أكبر أضلاعه في أصغرها.
وأما البرهان على تلك القواعد العملية فلم يروا في أنفسهم حاجة إليه، واكتفوا بالمشاهدة الحسية، ثم أخذوا بعد ذلك يبرهنون على المسائل ببراهين تجريبية تستند إلى الواقع، لا على المحاكمة المنطقية، أو على تمهيدات يقدمونها دون أن يبرهنوا عليها كأنها بديهية بنفسها، وقد بقيت طريقة البرهان مدة طويلة على هذه الحال.
وأما الحساب فأحرى أن يكون في صبغة عملية بعيداً عن الصبغة العلمية، إذ هو أكثر تجريداً من الهندسة، ولذا لم يتم منه حينئذ إلا ما مست إليه الحاجة في الحياة من القواعد البسيطة جداً التي تكاد لا تستحق أن يطلق عليها أسم قواعد إلا بالإضافة إلى عصرها، فكان المصريون إذا أرادوا ضرب عدد في ثلاثة أضافوه إلى ضعفه، أو في سبعة، أضافوه إلى ضعفه، ثم ضعفوا الحاصل وأضافوا العدد إليه، كما أن القسمة كانت بالطرح المتوالي، فلم يكن لهذه العمليات قواعد نظرية.
هذا مجمل حال الرياضيات في العصور القديمة، فلنبحث الآن بالتفصيل عما عرض لكل علم منها من الأطوار المتباينة من حين نشوئها إلى بلوغها تلك الدرجة العالية التي وصلت إليها في العصور الحديثة، ملاحظين في هذا البحث تقسيم العلوم الرياضية إلى ثلاثة أقسام.
(١) الرياضيات المشخصة، وتشمل الهندسة والميكانيك.
(٢) الرياضيات المجردة، وهي على قسمين:
(أ) ما يبحث في الكم المنفصل ويشمل علم العدد والجبر.
(ب) ما يبحث في الكم المتصل ويشمل الهندسة التحليلية وحساب التوابع وحساب اللانهايات
стр. 6126
(٣) الرياضيات التطبيقية، وتشمل المثلثات والهندسة الوصفية وحساب الاحتمالات.
وسنقتصر في بحثنا على أهم فروع الرياضيات تاركين البحث فيما هو في الحقيقة ملحق بهذه الفروع المهمة ومشتق منها ومبتدئين بأقسام الرياضيات المشخصة، إذ هي أقدم في الظهور وأسرع في التقدم.
(١) الرياضيات المشخصة:
الهندسة: إن ما تركه اليونان من الآثار في هذا العلم يدلنا على أنهم أول من صاغ الهندسة في قالب علمي، فقد أخذت طريقة البرهان في عهدهم شكلاً عقلياً مجرداً. وربما كان فيثاغورس (٥٥٠ ق. م) أول من أقام البراهين العقلية وحررها من صبغتها العملية التجريبية القديمة. وإليه والى تلاميذه يرجع الفضل في أكثر مسائل كتاب الأصول لأقليدس، والنظرية المنسوبة إليه في المثلث القائم مشهورة، ولا يعلم على التحقيق كيف كان برهانه عليها. وأما أقليدس (٢٨٠ ق. م) فقد حرر الهندسة، ونظم نظرياتها، وهذب براهينها. وكان كتابه إلى ما قبل عهد النهضة الأخيرة أجمع كتاب في هذا العلم، وقد رتبه على الطريقة الاستنتاجية. قال أبو نصر الفارابي في (إحصاء العلوم): (والنظر فيها - يعني الهندسة - على طريقين: طريق التحليل وطريق التركيب، والأقدمون من أهل هذا العلم كان يجمعون في كتبهم بين الطريقين، إلا أقليدس فإنه نظم ما في كتابه على طريق التركيب وحده) ويظهر أن أقليدس لم يكن مؤلفاً لكتاب الأصول، وإنما كان محرراً ومهذباً. وعلى هذا القول الفيلسوف يعقوب الكندي والفيلسوف اليوناني ديدوخوس برقلس وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية جماعة كثيرون منهم أبو الوفاء محمد بن محمد البوزجاني وثابت بن قرة، وحرره أيضاً جماعة تصرفوا فيه إيجازاً وضبطاً وإيضاحاً وبسطاً، والأشهر مما حرروه تحرير العلامة نصير الدين محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة ٦٧٢هـ وهو أحسن تحرير له في العربية وهو مطبوع طبعاً لا بأس به، يتألف من خمس عشرة مقالة، ويحتوي على ٤٦٨ نظرية في الهندسة المسطحة والمجسمة، ونظريات الحساب مطبقة على الأشكال الهندسية، كل ذلك مما لا يختلف كثيراً عما يقرأ في المدارس الثانوية اليوم لا في الكمية ولا في الكيفية. وبلغ عدد من اشتغل في هذا الكتاب من المسلمين من ناقل ومحرر وشارح ومختصر أكثر من خمسة وعشرين عالماً.
стр. 6127
وقد ألف المسلمون كثيراً في الهندسة، ونقلوا عن اليونانية كثيراً من كتبها، وزادوا كثيراً من النظريات، وبرهنوا على كثير من القضايا التي لم يبرهن عليها في عهد اليونان. فقد ألف محمد بن الحسن بن الهيثم خمسة وعشرين كتاباً في الرياضيات منها رسالة في برهان الشكل الذي قدمه أرخميدس في قسمة الزاوية ثلاثة أقسام ولم يبرهن عليه. وكتاب في تحليل المسائل الهندسية وشرح لأصول أقليدس وغيرها مما هو مذكور في كتاب طبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة (ج: ٢ص: ٩٠).
وقد حفظت العربية بعض كتب اليونان الهندسية التي لم يبق إلا ترجمتها العربية مثل كتاب الكرات لمنالاوس والخلاصة أن الهندسة وصلت في عهد اليونان ثم في عهد العرب إلى درجة من التجريد النظري لا يستهان بها.
الميكانيك: نشأ علم الميكانيك بالتدريج من الأمور العملية، وقد درس أريسطو بعض مسائله، ولكن بصورة عملية مغلوطة أحياناً. وأرخميدس أول من أسس أركان الميكانيك النظري، ولكنه كان يعد النظر في الآلات التي يستعان بها في الحياة المادية صناعة خسيسة يترفع العلم عن البحث فيها. وكان العرب يسمون هذا العلم علم الحيل، قال الفارابي في تعريفه: (إنه يبحث في مطابقة جميع ما يبرهن وجوده في التعاليم - أي العلوم الرياضية - على الأجسام الطبيعية).
ولم يصل هذا العلم عند اليونان والعرب إلى درجة تذكر، فقد كان علماً عملياً، ولم يتم تأسيسه إلا في العصور المتأخرة، ويرجع الفضل في تقدمه الأخير إلى سيمون ستيفن وديكارت من علماء القرن السابع عشر، فهما اللذان فكرا في تمثيل القوة بشعاع هندسي، ودراسة مبحث القوى بصورة هندسية مما أدى إلى تطور عظيم في هذا العلم. ثم توسع بعد ذلك في هذه الأبحاث لاجرانج في كتابه الميكانيك التحليلي سنة ١٧٨٧.
ولم يكن تطور علم الميكانيك واحداً في جميع أقسامه، فقد درس أرخميدس توازن القوى، وتأخر مبحث الحركة والقوى المسببة لها حتى درسه غليلو سنة ١٦٣٨، ومبحث الحركة مستقلة عن القوة حتى درسه أمبير سنة ١٨٣٤، ويلاحظ أن تطور هذا العلم كان متصاعد التعميم. فمبحث توازن القوى أخص من مبحث الحركة والقوى، كما أن هذا أخص من مبحث الحركة.
стр. 6128
(٣) الرياضيات المجددة:
علم العدد وهو أكثر العلوم الرياضية تجريداً، ولذلك كان أبطأها ترقياً وتطوراً. ففكرة العدد التي هي أساس هذا العلم لم تستقر إلا بعد تطورات طويلة تقلبت فيها البشرية. فالإنسان في حالته الابتدائية لا يدرك منها سوى الوحدة والكثرة، فهو يعلم الواحد والاثنين والكثير، ولا يفرق بين العدد والمعدود، ولربما اختلفت أسماء الأعداد باختلاف معدوداتها، إذ ليس للعدد المجرد مفهوم عنده، ولذلك يستعين بأصابعه وكثير من أعضائه أو بالحصى والأحجار في التعداد، ومن ثمة كان اعتبار العشرة والعشرين أساساً في الترقيم بحسب أصابع اليدين أو أصابع اليدين والرجلين عند الأقوام الحفاة الأقدام.
وكان اليونان يفرقون بين الحساب العملي والحساب النظري، ومع ذلك كان علم الحساب عندهميبحث عما للأعداد من الخواص الغريبة مما نقل منه الكثير إلى العربية، ولا أعني بالخواص الغريبة هنا السحرية ولكن العملية، كمساواة كل عدد لنصف حاشيتيه، أي العدد الذي قبله والعدد الذي بعده، وكالخواص التي يذكرونها لهذه الأعداد (وهي سلسلة هندسية أساسها الاثنان ومبدؤها الواحد): ١، ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢ من أنك إذا جمعت الأعداد من الواحد إلى أي عدد منها يكون الحاصل أنقص من العدد الذي انتهيت إليه بواحد، فلو جمعت الواحد والاثنين والأربعة بلغت سبعة، وهي أقل من الثمانية بواحد، ويسمون كل عدد من هذه السلسلة (ما عدا الواحد طبعاً) زوج الزوج، وهو الذي إذا قسمته على اثنين بصورة متوالية تنتهي إلى الواحد.
وقد تأخر هذا العلم لأسباب، منها فقدان أصول حسنة للتعداد عند اليونان، فقد كانت طريقتهم في كتابة الأعداد صعبة المسلك يتعسر بواسطتها إجراء العمليات الحسابية، وهي الطريقة التي يستعملها الغربيون اليوم في بعض المواضع ويسمون أرقامها الأرقام الرومانية وهي هذه , , , , , , , بالعربية: ١، ٥، ١٠، ٥٠، ١٠٠، ٥٠٠، ١٠٠٠.
ومن أسباب تأخرهم أنهم كانوا يسلكون في إثبات المسائل العددية طرقاً هندسية، وعلى هذا سار أقليدس في أصوله، فلم يفصل العدد عن المقادير الهندسية. ومنها أيضاً فقدان الإشارات والرموز في العمليات الحسابية. والخطوة العظيمة التي خطاها هذا العلم هي
стр. 6129
أصول التعداد على أساس العشرة. ولذلك كان من أعظم مآثر المسلمين في الرياضيات نقل الحساب الهندي والأرقام الهندية من الهند إلى سائر نواحي العالم. وهم يسمونها أرقاماً هندية، لأنهم نقلوها عن الهنود، والغربيون يسمونها عربية لأنهم نقلوها عن العرب. وأول من أخذ تلك الأرقام عن الهنود واستعملها في مؤلفاته محمد بن موسى الخوارزمي (في القرن التاسع للميلاد).
قال الزوزني في كتابه تاريخ الحكماء: (ومما وصل إلينا من علومهم - يعني الهند - حساب العدد الذي بسطه أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي وهو أوجز حساب وأخصره، وأقربه تناولاً وأسهله مأخذاً، يشهد للهند بذكاء الخواطر وحسن التوليد وبراعة الاختيار والاختراع) ومن اسمه اشتق الغربيون لفظة كانت تدل على الطريقة العشرية في الحساب، وقد مزج الخوارزمي بين ما تمكن من الوصول إليه من أصول الحساب عند الهنود وأصول الحساب عند اليونان، واستخرج من ذلك الحساب والجبر العربي، وهو أول من ألف في الجبر، وقد انتشرت مؤلفاته في أوروبا في القرن الثاني عشر للميلاد حيث ترجمها إلى اللاتينية
الجبر: كثيراً ما يذكر بأن ديوفنطس (في القرن الثالث للميلاد) أول مشتغل بالجبر، مع أن جل ما وصل إليه أنه كان يستعمل حروفاً في العمليات الحسابية يأخذها من الألفاظ الدالة على العملية المراد إجراؤها.
واستعمال الحروف للدلالة على المقادير كان معروفاً منذ أريسطو، وكان ديوفنطس يرمز للمجهول ولقواه حتى القوة السادسة، ولمقلوب هذه المقادير وللوحدة بحروف مختزلة من أسمائها اليونانية، ويتبع كل رمز بأمثاله العددية، ففي ذات الحدود الكثيرة الحدود الموجبة مرتبة بجانب والسالبة بجانب آخر يفصل بينهما بهذه الدالة على الطرح والتي هي مأخوذة من كلمة يونانية تدل على الطرح.
فالمقدار الجبري: س٦ - ٦س٥ + ١٥س٤ - ٢٠س٣ + ١٥س٢ - ٦س + ١
يكتب هكذا:
فالحرف على التكعيب أعني القوة الثالثة مأخوذ من
كلمة والحرف الدال على التربيع أعني القوة الثانية
стр. 6130
مأخوذ من كلمة والحرف على الوحدة مأخو من
كلمة
وكذلك للمساواة والجذر رموز حرفية تدل عليها مأخوذة من ألفاظها اليونانية، كما أن قواعد ضرب المقادير الجبرية ذات الحدود الكثيرة مع اعتبار الجهة، أعني الموجب والسالب كانت معروفة لدى ديوفنطس.
وأما العرب فلم يستعملوا الرموز الحرفية، وإنما استعملوا كلمات بأجمعها دون اختصار، وهم الذين وضعوا رمز الكسر فجعلوا صورته أو بسطه في الأعلى ومخرجه أو مقامه في الأسفل يفصل بينهما خط أفقي، على حين أن ديوفنطس كان يجعلها على عكس هذا الوضع، والبيزنطيون يضعون المخرج فوق الصورة كما نضع نحن الآن القوة أو الأس فوق العدد.
والعرب يرمزون للمجهول بكلمة شئ. قال بهاء الدين العاملي في كتابه خلاصة الحساب: (يسمى المجهول شيئاً ومضروبه في نفسه مالاً، وفيه كعباً، وفيه مال المال، وفيه مال الكعب، وفيه كعب الكعب إلى غير النهاية) ويسمون مقلوب هذه المقادير جزء الشيء وجزء المال وجزء الكعب وهكذا. ولنضع بجانب كل منها مصطلحه الحالي:
شئ: س، جزء الشيء: س١
مال: س٢، جزء المال: س٢١
كعب: س٣، جزء الكعب: س٣١
مال المال: س٤، جزء مال المال: س٤١
مال الكعب: س٥، جزء مال الكعب: س٥١
كعب الكعب: س٦، جزء كعب الكعب: س٦١
следующие страницы →