← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

(٣) الرياضيات التطبيقية، وتشمل المثلثات والهندسة الوصفية وحساب الاحتمالات. وسنقتصر في بحثنا على أهم فروع الرياضيات تاركين البحث فيما هو في الحقيقة ملحق بهذه الفروع المهمة ومشتق منها ومبتدئين بأقسام الرياضيات المشخصة، إذ هي أقدم في الظهور وأسرع في التقدم. (١) الرياضيات المشخصة: الهندسة: إن ما تركه اليونان من الآثار في هذا العلم يدلنا على أنهم أول من صاغ الهندسة في قالب علمي، فقد أخذت طريقة البرهان في عهدهم شكلاً عقلياً مجرداً. وربما كان فيثاغورس (٥٥٠ ق. م) أول من أقام البراهين العقلية وحررها من صبغتها العملية التجريبية القديمة. وإليه والى تلاميذه يرجع الفضل في أكثر مسائل كتاب الأصول لأقليدس، والنظرية المنسوبة إليه في المثلث القائم مشهورة، ولا يعلم على التحقيق كيف كان برهانه عليها. وأما أقليدس (٢٨٠ ق. م) فقد حرر الهندسة، ونظم نظرياتها، وهذب براهينها. وكان كتابه إلى ما قبل عهد النهضة الأخيرة أجمع كتاب في هذا العلم، وقد رتبه على الطريقة الاستنتاجية. قال أبو نصر الفارابي في (إحصاء العلوم): (والنظر فيها - يعني الهندسة - على طريقين: طريق التحليل وطريق التركيب، والأقدمون من أهل هذا العلم كان يجمعون في كتبهم بين الطريقين، إلا أقليدس فإنه نظم ما في كتابه على طريق التركيب وحده) ويظهر أن أقليدس لم يكن مؤلفاً لكتاب الأصول، وإنما كان محرراً ومهذباً. وعلى هذا القول الفيلسوف يعقوب الكندي والفيلسوف اليوناني ديدوخوس برقلس وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية جماعة كثيرون منهم أبو الوفاء محمد بن محمد البوزجاني وثابت بن قرة، وحرره أيضاً جماعة تصرفوا فيه إيجازاً وضبطاً وإيضاحاً وبسطاً، والأشهر مما حرروه تحرير العلامة نصير الدين محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة ٦٧٢هـ وهو أحسن تحرير له في العربية وهو مطبوع طبعاً لا بأس به، يتألف من خمس عشرة مقالة، ويحتوي على ٤٦٨ نظرية في الهندسة المسطحة والمجسمة، ونظريات الحساب مطبقة على الأشكال الهندسية، كل ذلك مما لا يختلف كثيراً عما يقرأ في المدارس الثانوية اليوم لا في الكمية ولا في الكيفية. وبلغ عدد من اشتغل في هذا الكتاب من المسلمين من ناقل ومحرر وشارح ومختصر أكثر من خمسة وعشرين عالماً.

стр. 6127

وقد ألف المسلمون كثيراً في الهندسة، ونقلوا عن اليونانية كثيراً من كتبها، وزادوا كثيراً من النظريات، وبرهنوا على كثير من القضايا التي لم يبرهن عليها في عهد اليونان. فقد ألف محمد بن الحسن بن الهيثم خمسة وعشرين كتاباً في الرياضيات منها رسالة في برهان الشكل الذي قدمه أرخميدس في قسمة الزاوية ثلاثة أقسام ولم يبرهن عليه. وكتاب في تحليل المسائل الهندسية وشرح لأصول أقليدس وغيرها مما هو مذكور في كتاب طبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة (ج: ٢ص: ٩٠). وقد حفظت العربية بعض كتب اليونان الهندسية التي لم يبق إلا ترجمتها العربية مثل كتاب الكرات لمنالاوس والخلاصة أن الهندسة وصلت في عهد اليونان ثم في عهد العرب إلى درجة من التجريد النظري لا يستهان بها. الميكانيك: نشأ علم الميكانيك بالتدريج من الأمور العملية، وقد درس أريسطو بعض مسائله، ولكن بصورة عملية مغلوطة أحياناً. وأرخميدس أول من أسس أركان الميكانيك النظري، ولكنه كان يعد النظر في الآلات التي يستعان بها في الحياة المادية صناعة خسيسة يترفع العلم عن البحث فيها. وكان العرب يسمون هذا العلم علم الحيل، قال الفارابي في تعريفه: (إنه يبحث في مطابقة جميع ما يبرهن وجوده في التعاليم - أي العلوم الرياضية - على الأجسام الطبيعية). ولم يصل هذا العلم عند اليونان والعرب إلى درجة تذكر، فقد كان علماً عملياً، ولم يتم تأسيسه إلا في العصور المتأخرة، ويرجع الفضل في تقدمه الأخير إلى سيمون ستيفن وديكارت من علماء القرن السابع عشر، فهما اللذان فكرا في تمثيل القوة بشعاع هندسي، ودراسة مبحث القوى بصورة هندسية مما أدى إلى تطور عظيم في هذا العلم. ثم توسع بعد ذلك في هذه الأبحاث لاجرانج في كتابه الميكانيك التحليلي سنة ١٧٨٧. ولم يكن تطور علم الميكانيك واحداً في جميع أقسامه، فقد درس أرخميدس توازن القوى، وتأخر مبحث الحركة والقوى المسببة لها حتى درسه غليلو سنة ١٦٣٨، ومبحث الحركة مستقلة عن القوة حتى درسه أمبير سنة ١٨٣٤، ويلاحظ أن تطور هذا العلم كان متصاعد التعميم. فمبحث توازن القوى أخص من مبحث الحركة والقوى، كما أن هذا أخص من مبحث الحركة.

стр. 6128

(٣) الرياضيات المجددة: علم العدد وهو أكثر العلوم الرياضية تجريداً، ولذلك كان أبطأها ترقياً وتطوراً. ففكرة العدد التي هي أساس هذا العلم لم تستقر إلا بعد تطورات طويلة تقلبت فيها البشرية. فالإنسان في حالته الابتدائية لا يدرك منها سوى الوحدة والكثرة، فهو يعلم الواحد والاثنين والكثير، ولا يفرق بين العدد والمعدود، ولربما اختلفت أسماء الأعداد باختلاف معدوداتها، إذ ليس للعدد المجرد مفهوم عنده، ولذلك يستعين بأصابعه وكثير من أعضائه أو بالحصى والأحجار في التعداد، ومن ثمة كان اعتبار العشرة والعشرين أساساً في الترقيم بحسب أصابع اليدين أو أصابع اليدين والرجلين عند الأقوام الحفاة الأقدام. وكان اليونان يفرقون بين الحساب العملي والحساب النظري، ومع ذلك كان علم الحساب عندهميبحث عما للأعداد من الخواص الغريبة مما نقل منه الكثير إلى العربية، ولا أعني بالخواص الغريبة هنا السحرية ولكن العملية، كمساواة كل عدد لنصف حاشيتيه، أي العدد الذي قبله والعدد الذي بعده، وكالخواص التي يذكرونها لهذه الأعداد (وهي سلسلة هندسية أساسها الاثنان ومبدؤها الواحد): ١، ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢ من أنك إذا جمعت الأعداد من الواحد إلى أي عدد منها يكون الحاصل أنقص من العدد الذي انتهيت إليه بواحد، فلو جمعت الواحد والاثنين والأربعة بلغت سبعة، وهي أقل من الثمانية بواحد، ويسمون كل عدد من هذه السلسلة (ما عدا الواحد طبعاً) زوج الزوج، وهو الذي إذا قسمته على اثنين بصورة متوالية تنتهي إلى الواحد. وقد تأخر هذا العلم لأسباب، منها فقدان أصول حسنة للتعداد عند اليونان، فقد كانت طريقتهم في كتابة الأعداد صعبة المسلك يتعسر بواسطتها إجراء العمليات الحسابية، وهي الطريقة التي يستعملها الغربيون اليوم في بعض المواضع ويسمون أرقامها الأرقام الرومانية وهي هذه , , , , , , , بالعربية: ١، ٥، ١٠، ٥٠، ١٠٠، ٥٠٠، ١٠٠٠. ومن أسباب تأخرهم أنهم كانوا يسلكون في إثبات المسائل العددية طرقاً هندسية، وعلى هذا سار أقليدس في أصوله، فلم يفصل العدد عن المقادير الهندسية. ومنها أيضاً فقدان الإشارات والرموز في العمليات الحسابية. والخطوة العظيمة التي خطاها هذا العلم هي

стр. 6129

أصول التعداد على أساس العشرة. ولذلك كان من أعظم مآثر المسلمين في الرياضيات نقل الحساب الهندي والأرقام الهندية من الهند إلى سائر نواحي العالم. وهم يسمونها أرقاماً هندية، لأنهم نقلوها عن الهنود، والغربيون يسمونها عربية لأنهم نقلوها عن العرب. وأول من أخذ تلك الأرقام عن الهنود واستعملها في مؤلفاته محمد بن موسى الخوارزمي (في القرن التاسع للميلاد). قال الزوزني في كتابه تاريخ الحكماء: (ومما وصل إلينا من علومهم - يعني الهند - حساب العدد الذي بسطه أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي وهو أوجز حساب وأخصره، وأقربه تناولاً وأسهله مأخذاً، يشهد للهند بذكاء الخواطر وحسن التوليد وبراعة الاختيار والاختراع) ومن اسمه اشتق الغربيون لفظة كانت تدل على الطريقة العشرية في الحساب، وقد مزج الخوارزمي بين ما تمكن من الوصول إليه من أصول الحساب عند الهنود وأصول الحساب عند اليونان، واستخرج من ذلك الحساب والجبر العربي، وهو أول من ألف في الجبر، وقد انتشرت مؤلفاته في أوروبا في القرن الثاني عشر للميلاد حيث ترجمها إلى اللاتينية الجبر: كثيراً ما يذكر بأن ديوفنطس (في القرن الثالث للميلاد) أول مشتغل بالجبر، مع أن جل ما وصل إليه أنه كان يستعمل حروفاً في العمليات الحسابية يأخذها من الألفاظ الدالة على العملية المراد إجراؤها. واستعمال الحروف للدلالة على المقادير كان معروفاً منذ أريسطو، وكان ديوفنطس يرمز للمجهول ولقواه حتى القوة السادسة، ولمقلوب هذه المقادير وللوحدة بحروف مختزلة من أسمائها اليونانية، ويتبع كل رمز بأمثاله العددية، ففي ذات الحدود الكثيرة الحدود الموجبة مرتبة بجانب والسالبة بجانب آخر يفصل بينهما بهذه الدالة على الطرح والتي هي مأخوذة من كلمة يونانية تدل على الطرح. فالمقدار الجبري: س٦ - ٦س٥ + ١٥س٤ - ٢٠س٣ + ١٥س٢ - ٦س + ١ يكتب هكذا: فالحرف على التكعيب أعني القوة الثالثة مأخوذ من كلمة والحرف الدال على التربيع أعني القوة الثانية

стр. 6130

مأخوذ من كلمة والحرف على الوحدة مأخو من كلمة وكذلك للمساواة والجذر رموز حرفية تدل عليها مأخوذة من ألفاظها اليونانية، كما أن قواعد ضرب المقادير الجبرية ذات الحدود الكثيرة مع اعتبار الجهة، أعني الموجب والسالب كانت معروفة لدى ديوفنطس. وأما العرب فلم يستعملوا الرموز الحرفية، وإنما استعملوا كلمات بأجمعها دون اختصار، وهم الذين وضعوا رمز الكسر فجعلوا صورته أو بسطه في الأعلى ومخرجه أو مقامه في الأسفل يفصل بينهما خط أفقي، على حين أن ديوفنطس كان يجعلها على عكس هذا الوضع، والبيزنطيون يضعون المخرج فوق الصورة كما نضع نحن الآن القوة أو الأس فوق العدد. والعرب يرمزون للمجهول بكلمة شئ. قال بهاء الدين العاملي في كتابه خلاصة الحساب: (يسمى المجهول شيئاً ومضروبه في نفسه مالاً، وفيه كعباً، وفيه مال المال، وفيه مال الكعب، وفيه كعب الكعب إلى غير النهاية) ويسمون مقلوب هذه المقادير جزء الشيء وجزء المال وجزء الكعب وهكذا. ولنضع بجانب كل منها مصطلحه الحالي: شئ: س، جزء الشيء: س١ مال: س٢، جزء المال: س٢١ كعب: س٣، جزء الكعب: س٣١ مال المال: س٤، جزء مال المال: س٤١ مال الكعب: س٥، جزء مال الكعب: س٥١ كعب الكعب: س٦، جزء كعب الكعب: س٦١

стр. 6131

فيقال مثلاً للرمز س١١ مال كعب كعب الكعب ولمقلوبه جزء مال كعب كعب الكعب، وكذلك كانوا يعملون قاعدة ضرب هذه القوى أو هذه الأجناس كما كانوا يسمونها بعضها ببعض، وقسمتها مع اعتبار الجهة، فيجمعون الأسس أو يطرحونها. وقد ذكر العاملي في كتابه المذكور قواعد ضربها ثم قال: (وإن كان - يعني في إحدى المضروبين - استثناء، يسمى المستثنى منه زائداً والمستثنى ناقصاً وضرب الزائد في مثله والناقص في مثله زائداً والمختلفين ناقص، فمضروب عشرة وشئ في عشرة إلا شئ مائة إلا مالاً). وفي اصطلاحنا: (١٠ + س) (١٠ - س) =١٠٠ - س٢ وبعد أن أورد أمثلة عديدة على الضرب قال: (تفرض المجهول شيئاً وتعمل ما تضمنه السؤال إلى أن تنتهي إلى المعادلة، فالطرف ذو الاستثناء يكمل ويزاد مثل ذلك على الطرف الآخر وهو الجبر، والأجناس المتجانسة المتساوية في الطرفين تسقط، وهو المقابلة) ثم قسم المعادلات إلى سنة أنواع وبين كل واحدة وطريقة حلها وأتبع ذلك بمسائل منها هذه: (رمح مركوز في حوض، والخارج عن الماء منه خمسة أذرع مال مع ثبات طرفه حتى لاقى رأسه سطح المكان، فكان البعد بين مطلعه من الماء وموضع ملاقاة رأسه له عشرة أذرع فكم طول الرمح؟ - أقول توضيحاً لكلامه: الرمح هو (م ب) والخارج عن الماء منه هو ب جـ=٥ أذرع، أثبت في مب وأدير حتى صار رأسه ب في ت ت والطول جـ ت=١٠ أذرع - جـ م نفرض الغائب في الماء شيئاً، فالرمح خمسة وشئ، ولا ريب أنه بعد الميل وتر قائمة أحد ضلعيها عشرة أذرع، والآخر قدر الغائب منه، أعني الشيء، فمربع الرمح أعني خمسة وعشرين ومالاً وعشرة أشياء، مساو لمربعي العشرة والشيء أعني مائة ومالاً. وبعد إسقاط المشترك يبقى عشرة أشياء معادلة لخمسة وسبعين والخارج من القسمة سبعة ونصف، فالرمح اثنا عشر ذراعاً ونصف ذراع). وعلى حسب اصطلاحنا تجري المعادلة هكذا:

стр. 6132

(٥ + س) ٢=١٠ ٢ + س٢ ٢٥ + س٢ + ١٠س=١٠٠ + س٢ ١٠س=٧٥ س=٧. ٥ والذي توصلوا إليه في الجبر هو حل المعادلات من الدرجة الثانية، وقد ذكر الأمير شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي أن عمر بن إبراهيم بسط حل المعادلات من الدرجة الثالثة، ولم نر ذلك فيما بين أيدينا من كتب المتقدمين كالياسمينية وخلاصة الحساب وشروحها، ولا ندري من عمر بن إبراهيم هذا هل هو الخيام الفيلسوف الفارسي المشهور أم غيره؟ وعلى كل فعسى أن يقيض الله لهذا السر من يكشفه. هذه نبذة يسيرة من الجبر العربي يتضح منها أن هذا العلم وصل في عصور المدنية الإسلامية إلى شئ كثير من التجريد برغم فقدان الإشارات والرموز واستعمال الألفاظ الدالة على المجهولات دون اختزالها. ولما انتقل الجبر إلى أوروبا بواسطة المسلمين عم استعمال الحروف بطبيعة الأمر وبتأثير بعض العلماء كفرنسوافيت (١٥٤٠ - ١٦٠٣) وديكارت. أما الإشارات التي نستعملها اليوم فهي متأخرة الظهور، فإشارة الناقص (-) ترجع إلى القرن الثالث عشر، ولا يعلم أصلها ومصدرها، وإشارة الزائد (+) ترجع إلى القرن الرابع عشر، إذ شاع استعمالها في ألمانيا، على حين أن علماء إيطاليا ظلوا مدة يستعملون للزائد والناقص حرفي , من كلمتي , وأما إشارة المساواة=فهي من اقتراح العالم الإنجليزي سنة ١٥٥٦، وقد اتخذها نيوتن وواليس، فعم استعمالها في إنكلترا، على حين أن ديكارت في فرنسا كان يستعمل هذه الإشارة ? وكثير غيره كانوا يستعملون لذلك خطين رأسيين متوازيين هكذا: الأس أو قوة الرفع: أول من أشاع استعمالها على الشكل المعروف الآن ديكارت، ولكن منشأها يرجع إلى عهد أقدم من ذلك، وكان علماء هولندا يكتبون الأس في دائرة صغيرة فوق العدد المرفوع. وأما إشارة الجذر الدالة على درجة الجذر فهي متأخرة أيضاً، فقد كان ديكارت نفسه

стр. 6133

يستعمل للجذر التربيعي هذه الإشارة: ? وللتكعيبي هذه: ? فحرف يدل على التكعيب الذي هو درجة الجذر من كلمة ومن المستبعد أن تكون هذه الإشارة كما يزعم البعض جيماً عربية مقلوبة (ح) اختزالاً لكلمة جذر، فليس لهذا القول من مؤيد تاريخي، وهاهي الكتب العربية القديمة في الرياضيات الموجودة الآن خلو منها. الأقواس: هي كذلك متأخرة الظهور، ففي النصف الأول من القرن السابع عشر كانوا يضعون خطاً أفقياً فوق الحدود التي يراد أجراء عملية واحدة عليها، ولا يزال هذا الاستعمال في المجذورات وأما الإشارات الثانوية كإشارة الضرب والقسمة فلم يتم وضعها كذلك إلا بعد ظهور الجبر الحديث. ويرجع الفضل في ظهور الجبر الحديث إلى فرانسوا فييت، فهو أول من أجرى العمليات الجبرية مع استعمال الحروف والإشارات، وقد أراد أن يستبدل كلمة جبر (البربرية) كما يقول بكلمة تحليل ولكن هذه التسمية الجديدة لم تلق نجاحاً، وإنما بقيت كلمة تحليل منصرفة إلى فروع أخرى من الرياضيات. وجملة القول أن ترقي الطريقة الرمزية في الرياضيات وذيوع الإشارات والرموز أدى إلى ترقٍ عظيم في العلوم الرياضية، بل إلى ظهور فروع جديدة كالهندسة التحليلية. الهندسة التحليلية وحساب التوابع إن علم الجبر أدى تدريجياً إلى استعمال الحروف للدلالة على المقادير إلى فكرة التتابع وقد كان اليونان كما تقدم يعبرون عن القيم العددية بأطوال هندسية، وبذلك تمكنوا من حل بعض المسائل الجبرية هندسياً، وهم وإن كانوا لم يتوصلوا إلى المفهوم العام للإحداثيات فدراستهم للقطوع المخروطية الناقص والزائد والمكافئ شبيهة جداً بالهندسة التحليلية، فقد كانوا بعد تعريف هذه القطوع ينسبون نقاطه إلى قطر أو محور، ويحصلون على علاقة بين الفاصلة والترتيب وعلى كل فإنهم درسوا خواص بعض المنحنيات بقصد حل المسائل، ولفقدان مفهوم الموجب والسالب للكميات لم يتمكنوا من التوسع في ذلك. وهذه الفكرة أعني فكرة التتابع إنما وجدت واضحة للمرة الأولى في كتابات نيقولا اورسم في القرن الرابع، إلا أنه اقتصر على الكميات الموجبة. وقد كان لفرانسوا فييت أثر بيّن

стр. 6134

في رقي الهندسة التحليلية التي ظهرت ظهورها الرائع أخيراً على يد ديكارت سنة ١٦٣٧، ومع هذا فقد احتوت هندسة ديكارت على مسائل تقريبية أو غير مضبوطة. (٣) وأما الرياضيات التطبيقية فهي متفرعة عما تقدم ذكره من أقسام الرياضيات ومتأخرة في النشوء والظهور، إذ أنها كانت مبعثرة مندمجة في العلوم التي كانت منبعها الأصلي، ولم تنسلخ عنها وتظهر بالصورة التي هي عليها الآن إلا في العصرين الأخيرين، هذا إذا استثنينا المثلثات التي اتسعت بقسميها المستوية والكروية منذ عهد قديم لشدة الحاجة إليها في الحسابات الفلكية. وللعلامة نصير الدين الطوسي كتاب في المثلثات الكروية اسمه شكل القطاع وقد اشتغل في هذا العلم غيره من المتقدمين كأبي ريحان البيروني وأبي الوفاء محمد البوزجاني وأبي جعفر الخازن وأبي فضل الله التبريزي، فقد ألفوا فيه كثيراً ووضعوا نظريات جمة هي من أهم نظريات هذا العلم. ومما هو جدير بالذكر في تاريخ المثلثات أن أبا ريحان البيروني هو أول من اعتبر نصف قطر الدائرة واحداً قياسياً في أبحاث المثلثات. هذه صورة مجملة من تاريخ العلوم الرياضية يتبين لنا منها أن المدنية الإسلامية حلقة هامة من حلقات هذا التاريخ وركن أساسي عظيم في هذا البناء، فالمسلمون هم الذين وضعوا علم الجبر وحفظوا تراث اليونان، وهم الذين نقلوا عن الهنود الأرقام ونظام كتابتها المعروف اليوم، وتعهدوا كل ذلك بالعناية شرحاً وتهذيباً وتنقيحاُ وتوسيعاً، وأحدثوا كثيراً من الأوضاع، وتوسعوا في كثير من الأبحاث، ووضعوا كثيراً من النظريات، فكان لقريحتهم الفياضة أثر بين لا يزال العلم يحفظه لهم، ومآثر خالدة لا تني المدنية العلمية عن الإشادة بها، وبالجملة فليس من شك في أن ما خلدوه من الآثار في هذه العلوم كان تمهيداً مباشراً لما حدث فيها من التقدم والرقي في العصور الحديثة. دمشق محمد المبارك بكالوريوس في العلوم

стр. 6135

البريد الأدبي اليابان سنة ١٩٣٤ تثير نهضة اليابان العسكرية والاقتصادية في الأمم الغربية أيما اهتمام وجزع، ذلك لأنها تسير بخطى الجبابرة، ولا تقف عند حد، وتحمل في طريقها كل شئ. كانت اليابان قبل خمسين عاماً فقط محصورة في جزائرها لا يزيد عدد سكانها على ثلاثين مليوناً؛ أما اليوم فهي إمبراطورية عظيمة، تسيطر على كوريا ومنشوريا وقسم من منغوليا، ويبلغ سكانها وسكان الأراضي التي تسيطر عليها نحو مائة وعشرين مليوناً. وقد أصدر الكاتب الفرنسي موريس لاشان عن اليابان ونهضتها تحقيقاً جامعاً في كتاب عنوانه (اليابان سنة ١٩٣٤) وفيه يلقي الضياء على بعض الحقائق المدهشة؛ فإن اليابان مثلاً ما زالت تجمع بين روحها وتقاليدها القديمة وبين روح الدولة الحديث؛ وما زالت صور الإقطاع والعبودية القديمة تثقل كاهل الشعب؛ والشعب ترغمه التقاليد والتراث الروحي القديم وحب الإمبراطور على الخضوع والطاعة، وهو يضطرم بنوع من الاشتراكية الوطنية. ويلاحظ الكاتب أيضاً أن قوى الشعب الياباني كلها، والإمبراطور، والجيش والبحرية، وأقطاب العهد القديم من جهة وقوى الرأسمالية، وكل الجموع البائسة التي يغص بها المعمل من جهة أخرى، كلها تعمل في نفس الاتجاه وبنفس الروح، ولنفس الغاية، وهي افتتاح أسواق الصين، والسيطرة على المحيط الهادئ، بل هي في الواقع غزو العالم كله؛ وقد غزت اليابان بالفعل جزائر الهند الشرقية، وأخذت تهدد قاعدة سنغافورة، وأستراليا، ووصلت تجارتها إلى شواطئ المحيط الهندي، ونفذت إلى بلاد الحبشة، وجازت مضيق عدن وقناة السويس، وانتشرت على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ويتوقع المسيو لاشان أن النزاع قد يضطرم عما قريب بين اليابان وأمريكا؛ ولكن يجب لاضطرامه أن يقع حادث ما؛ ومثل هذا الحادث قد يكون أول انتصار اليابان على الصين، أو انتصارها على الروسيا، أو تنازعها مع الصين والروسيا على تحقيق الإمبراطورية الكبرى التي تسعى اليابان إلى تحقيقها باسم الشعوب الصفراء، ذلك أن شعوب الصين المختلفة قد ترغم غداً على أن ترى في اليابان ما رأته الأمم الجرمانية من قبل في بروسيا، أعني زعيماً ومعلماً وقائداً.

стр. 6136

ذكرى العلامة الطبيعي بريم تحتفل الهيئات العلمية الألمانية بالذكرى الخمسينية لوفاة العلامة الطبيعي الألماني الفرد أدموند بريم، وقد ولد بريم في تيرنجن في فبراير سنة ١٨٢٩، وكان أبوه قساً يعنى بتربية الطيور ودرس خواصها، فنشأ ولده بريم شغوفاً بهذه الناحية من الدرس، وفي سن الثانية عشرة سافر إلى أفريقية مع البارون فون ميلر في رحلة علمية دراسية، ومر بالقاهرة يومئذ (سنة ١٨٤٧) فصادف بها الزلزال الشهير الذي وقع فيها عندئذ وكاد يهلك؛ ثم سافرت البعثة إلى النوبة والسودان، واصطادت كثيراً من الحيوانات المختلفة؛ وعكف بريم على دراسة خواصها المادية والروحية، وفي أثناء عوده إلى القاهرة كانت بعثة (لبوبة) الشهيرة (بجيته) فكان يطوف بها الشوارع ذلولاً مطيعة، ثم عاد بريم من القاهرة بعد عامين إلى السفر مرة أخرى مع أخيه وزميل آخر، واعتزموا اختراق السودان حتى منابع النيل، ولكن البعثة كانت غير موفقة، إذ غرق أخوه في النيل، ونفدت موارد البعثة، وعندئذ أمده حاكم السودان لهتيل باشا بشيء من المال ليتابع رحلته على ضفاف النيل الأزرق، وهناك اصطاد كثيراً من الحيوانات وأنفق نحو خمسة أعوام في هذه الرحلة، واكتشف فيها كثيراً من الحقائق العلمية؛ ثم عاد إلى ألمانيا، وانكب على دراسة العلوم الطبيعية؛ ونال إجازة الدكتوراه من جامعة بينا في علم الحيوان سنة ١٨٥٦ وانتخب عضواً في الأكاديمية البروسية الملكية، وأخذ منذ ذلك الحين يكتب عن حياة الحيوان؛ ثم قام برحلة في أسبانيا، وأخرى في لايلاند وجزائر لوفوثن؛ ثم قام برحلة أخرى في شمال الحبشة في سنة ١٨٦٢، وكتب كتباً عن هذه الرحلات والمباحث كلها. ولما عاد إلى ألمانيا كتب مع زميلين له كتاباً مصوراً عن حياة الحيوان في ستة مجلدات اختص منها هو بأربعة؛ وعين مديراً لحديقة الحيوانات في برلين وهمبورج مدى حين. ولكن شغف البحث حمله مرة أخرى، فسافر إلى سيبيريا الشرقية، وكاد يهلك في هذه المرة، وسافر إلى أمريكا الشمالية سنة ١٨٨٣، ولما عاد إلى ألمانيا لم يمكث طويلاً حتى توفي في ١٠ نوفمبر سنة ١٨٨٤. وكتاب بريم عن حياة الحيوان من أشهر الآثار وأقيمها في هذا الموضوع، وهو يعتبر أستاذ موضوعه في العلم الألماني؛ ولم يسبقه، بل ولم يأت من بعده أحد استطاع مثله أن ينفذ إلى روح الحيوان وإدراكه، وقد ترجم أثره إلى جميع اللغات.

стр. 6137

عيد الأكاديمية الفرنسية مضى اليوم على تأسيس الأكاديمية الفرنسية ثلاثمائة عام كاملة؛ ذلك لأنها أنشئت في عهد لويس الثالث عشر، في أوائل سنة ١٦٣٥؛ أسسها جماعة من النبلاء الأدباء برعاية الكردينال ريشيليو الحبر السياسي وزير لويس الثالث عشر، فكانت من خالد آثاره، وسيجري الاحتفال بهذه الذكرى بمنتهى البساطة، ويقام لذلك معرض في المكتبة الوطنية في شهر يونيه القادمة؛ وستعرض فيه طائفة من الوثائق الخطية الشهيرة الخاصة بالأكاديمية، ومنها مسودة الخطبة الأولى التي أعدها السيد بول هاي صاحب الشاتليه لإلقائها في أول جلسة للجماعة العلمية في ٥ فبراير سنة ١٦٣٥. وقد تساءلت إحدى الصحف الأدبية الكبرى بهذه المناسبة عما إذا كان المسيو رنيه دوميك سكرتير الأكاديمية يقبل أن يضم هذا المعرض التذكاري بعض الصور الرمزية المضحكة التي أوحى بها تقاعد الأكاديمية عند إصدار (قاموسها) الشهير، وما وقعت فيه من الأغلاط النحوية، ومنها اللوحة الشهيرة التي رسمها (فيرتبير) وعنوانها (دفن قاموس الأكاديمية)؟ البترول من ماء البحر كتب المهندس الفرنسي مسيو ساهير إلى الحكومة الفرنسية ينبئها بأنه وصل إلى طريقة لاستخراج البترول من ماء البحر العادي، وأنه على استعداد لأن يبيعها سر هذه الطريقة نظير ٢٥ مليوناً من الجنيهات. وقد قالت جريدة (الماتان) في تعليقها على هذا النبأ إن المهندس ساهير واثق كل الثقة من طريقته، وأنه دعا إلى معمله بمدينة (روين) بعض الخبراء في وزارة الحربية والطيران ليشهدوا التجربة. وقال مسيو ساهير في حديث له مع مندوب (الماتان) أنه لاحظ أن المناطق الغنية بالبترول توجد بها عدة كميات كبيرة من الماء الملح. وأن هذه الملاحظة هي أساس الفكرة التي أوصلته إلى استخراج البترول من ماء البحر، لأنها دلته على أن الماء الملح لا بد أن يكون من العناصر الأساسية. الأدب وسيلة للتفاهم الدولي

стр. 6138

أذاعت إحدى دور النشر الكبرى في برلين أنها تخصص جائزة قدرها عشرون ألف مارك (نحو ١٥٠٠ جنيه) لمن يضع أحسن كتاب قصصي عن مسألة التفاهم بين فرنسا وألمانيا. والمفهوم أن إنشاء هذه الجائزة كان بإيعاز من وزارة الدعوة؛ وقد وافق وزير الدعوة الهير جيبلز على أن يكون الهر هانز بلونك رئيس الجمعية الاشتراكية الوطنية (الهتلرية) للكتاب الألمان هو الحكم الوحيد في فحص الكتب المقدمة وتخصيص الجائزة. وقد علقت الصحف الفرنسية على هذا النبأ بأنه من بعض أساليب الدعوة الهتلرية التي يراد بها إخفاء نياتها الحقيقية نحو الاستعداد للحرب.

стр. 6139

القصص عمامة الأفندي للأستاذ محمد سعيد العريان طال بنا انتظار صاحبنا (المأذون) في هذه الليلة حتى دقت العاشرة ولم يجئ، وكنا نرقب مقدمه علينا كل مساء رقبة المشتاق، فما تخلف منذ عرفناه ليلة، وإنه ليقدم فيحل البشر ويستخفنا السرور، سرور النفس بدعابته، وسرور المعدة بحلواه؛ فقلما كان يوافينا إلا ومعه هدية من عرس نتوزعها بيننا. ولم يكن لمقدمه ميعاد، فإنه لعلى تجوال دائم يتأبط دفتره من دار إلى دار، رسول سلام وحب، أو رسول فرقة وقطيعة!. وتوزعتنا الظنون من غيبته، وحسبناه قد أصاب الليلة حظاً من عرس، فبخل علينا بحلواه ومرق إلى الدار؛ فما كنا لنتركه حين يقدم علينا إلا فارغ الجيب من الحلوى وغير الحلوى مما يجمع من الأعراس، وما كان ليتركنا إلا فارغةً رءوسنا من كثرة ما نضحك من دعابته وهزله. وإنه لشاب ضُحَكَة جرئ على النكتة، ليس فيه زماتة الشيوخ من أهل هذه الطائفة. وتهيأنا لاستقباله بفيض من النكات المصنوعة، لعلنا ننال منه لقاء ما كان يشبعنا كل مساء من عبث ودعابة؛ فقد كان له في كل ليلة هدف من الجلساء يتندر عليه ويتخذه ضُحْكَة فما ينصرف منه إلا مغضباً فيترضاه في غد!. وجاء بعد قليل، فحيا وجلس، ولكنه كان عابساً مبهوراً ما يكاد جفنه يطرف؛ فحسبنا من وراء مظهره العابس نكتة مبتكرة، فما عهدناه يألم في الحياة لشيء، وإن الهموم لتصطرع عن يمينه وعن شماله. وهممنا به نتناوله بما أعددنا له من عبث، فإذا كلماتنا تتساقط حواليه ولا تصيبه، وظل على حاله من الغضب والعبوس وسرت إلينا نفسه، وتقمصنا مما به روح الكآبة والوحشة؛ فأمسكنا عن الحديث لحظات. ورفع الشيخ رأسه بعد هنيهة، وتحركت شفتاه بكلام، فتقصفنا عليه نستمع لما يقول وسأل: (ما لديكم من أنباء صاحبنا عاطف؟). قلنا: (لقد انقطع عن نادينا منذ زمان بعيد، فلعله على شغل ببعض شأنه؛ وإن لذات الحياة لحبيبة إليه، فما نراه قد منع لقاءنا إلا لهو آثره علينا، أو لذة دعته فلباها؛ أو لعله يتفيأ من

стр. 6140

دنياه الجديدة ظلال الحب والسعادة). قال: (بل دنياه الجديدة، ولكن ليس فيها من السعادة والحب إلا ظلهما؛ ولكن مكابدة الأحزان، وألم الوحدة، ومشقة الحرمان، وظلام اليأس!). ورنت كلماته في أذني رنيناً مفزعاً سمعت صداه في قلبي؛ فقد توثقت صلتي بعاطف صبياً وغلاماً وشاباً؛ فأي أمل كان يجيش في تلك النفس، وأي روح كان يحمل ذلك الجسد، وأي حيوية كانت تصطرع من ذلك الشاب! فما كربني كرب ونظرته إلا عادت الحياة في عيني باسمة نضرة، وما أهمني هم فلقيته إلا تعلمت منه فلسفة الرضى بما هو كائن، وكان من بهائه وإشراق طلعته، إلى كماله وعفته - كأنه فتنة مستحيية. . . وأخذ الشيخ يقص علينا من نبئه، ونحن نستمع إليه في صمت. كان عاطف على ما انبسط له من النعمة، وما اتفق له من حسن الرأي - لا يؤمل في الزواج إلا من فتاة ذات مال. ولقد كان عجيباً عندنا أن يكون على هذا الرأي، وهو من نعرف من شباب الجيل الجديد؛ ولكنا لم نكن لنستطيع على ما نسرف في مهاجمة رأيه - أن نصرفه عن بعض ما كان يعتقد. وراح في سبيل غايته يبحث عن الزوجة الغنية على أبواب المجلس الحسبي. . .! ووجدها بعد إذ جد فأعيا؛ ولم تكن جميلة، ولكنها كانت بعيدة عن الدمامة؛ وكانت جاهلة، ولكنها من بنات الحاضرة. وقد مات أبواها وخلفا لها قصراً وضيعة، وأخاً يقوم عليها وعلى الضيعة جميعاً. واستوثق الفتى من غنى صاحبته، فأقبل يخطبها إلى أخيها وقد اجتمعت له الأسباب. وأدى المهر؛ مهر الضيعة والقصر والعروس. . وعقد له على فتاته. لقد غبطناه يومئذ على النعمة، نعمة الثروة والجاه والزواج، وما عنانا كم دفع وكم أنفق؛ فقد كنا على ثقة بأن حبته مردودة إليه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. ورحنا نتهم أنفسنا بفساد النظر وأفن الرأي وسوء التدبير. ومضى أسبوع، وشهر، وأشهر، وأوشك العام أن ينتصف. وعاطف متهلل الوجه، ضاحك السن، يحلم بالغد القريب يوم تزف زوجته إليه، وتزف ثروتها إلى خزانته. . . وسعى إلى

стр. 6141

صهره يستعجله، فإذا هو يبسط له المدى، ويفسح الأجل، ويستشفع بالتقاليد. . . وعاد الفتى إلى نفسه يطمئنها ويترضاها. وما عليه من ذاك؟ أليست ستزف إليه لا محالة في يوم قريب أو بعيد؟ بلى؛ وإنها لزوجته، ما في ذلك شك ولا إنكار؛ فلا عليه أن ينتظر! ودار دولاب الزمن فأتم دورة، وراح الفتى يستنجز صهره الوعد، فقابله وهو يبتسم، وبسط له وجهه ومجلسه، وأخذ يتنقل به في الحديث من فن إلى فن حتى زالت وحشته، وأنست روحه، فودعه ولم يظفر بجواب. . .! وتولت الأيام بعضها في أعقاب بعض، وتصرمت الأشهر شهراً في اذيال شهر؛ وما يزال صاحبنا يراوح بين جنبيه في فراش الوحدة، وعروسها هناك من دونها الأبواب والحارس العتيد! ومل الفتى مقامه، وضاقت به نفسه؛ فراح يطلب التعجيل في الزفاف فيلحف، وأخو الفتاة في هدوء مطمئن يبعد له الأجل ويتعذر بالظروف! - (أي ظروف؟ لقد مر عامان مذ تزوجت، فمن لي على الحياة أحتمل بردها وحرورها وحدي، وما أنا عزب فأنطلق حيث أشاء، ولا زوج فآوي إلى بيتي ألتمس هدوء النفس وبرد الراحة!) وعاد الأخ يعتذر ويجدد الميعاد، وهو يربت على كتف الزوج الغاضب. وخرج عاطف من الدار والقدر تغلي في رأسه؛ لقد ابتدأ يعرف ما هنالك، ولكنه لم يجرؤ على التصريح. أيكون ذلك من قوانين البر، أهو كذلك ناموس الرحمة والعدل؛ أيعضل الأخ أخته فيحرمها الاستمتاع بالحياة من أجل المال، من أجل مالها الذي يخشى أن يفلت من يده إلى الزوج يتصرف فيه كيف يشاء! وما يضيره من ذلك وإن له لضعف ما تملك أخته المسكينة، وإن ماله ليكفيه ويفضل عن حاجته، ولكن. . . أين هو الفضل منذ سنوات؟ لكأنما هو مستخدم على أن يجمع المال فيبدده هنا وهناك، وما له من ذلك إلا اللقمة، وما تمتاز كثيراً من لقمة الفقير؛ وإلا الثوب، وإنك لترى الثياب الغالية يزهى بها من هم دونه من عامة الناس! أما فضل المال فله مصرف من وراء ذلك: على المرأة والكأس والقمار. . .

стр. 6142

وهم عاطف أن يعود فيصرخ في وجهه بما عرف من أمره وسوء تدبيره، ولكنه كظم الغيظ على ألم وضيق. وتلاقيا بعد أيام، وكانت القدر ما تزال تغلي؛ فعلا الزبد يترشش مصرحاً عن غضب مغيظ. . وافترق الرجلان على خصومة وعداء. . .! ودق عاطف باب المحكمة لعلها أن تحمل زوجته على (الطاعة) أين هي المسكينة؟ وعلى طاعة هي أم على عصيان؟ إنه لم يرها إلا مرسومة في ورقة، أتراها في الأحياء، أم هي من وراء جدران سجنها جثة بلا روح، وجسد بلا عاطفة، وطاعة بلا إرادة، ومعدة بلا وجدان. .! ويحك أيتها المسكينة! أتشعرين أنك في الأحياء؟ لعل في الموتى من هم أقرب منك إلى الحياة، لأنهم يعيشون من عواطف أهليهم في عواطف حية وحب مشبوب. .! وفي المحكمة رأى الفتى عروسه لأول ما يراها، وقد جاءت تسعى عن أمر أخيها تطالب زوجها بالنفقة والكسوة والمأوى! ياللسخرية! أضاق بها أخوها طاعمة كاسية من مالها عند! فيدفعها إلى القضاء تلتمس القوت واللباس. .! وكان بينهما ما يكون دائماً بين زوجين يعرفان المحكمة الشرعية؛ وفي كل يوم بينهما جلسة للقضاء، وكل منهما يفتن في الكيد والإغاظة، والغالب منهما من ينال من صاحبه من غير عائدة عليه، والمال يتسرب من بين أيديهما للمحامي والكاتب ورسوم الدعاوى وأجر الشهود. .! وامتدت بينهما الفتنة، ولجت بهما الخصومة، وطالت إجراءات التقاضي، وتصرمت سنوات. وأخذ الزوج المسكين يبيعما يملك قطعة بعد قطعة، وفاء لنفقة الزوجة ونفقة القضاء؛ وأوشك الزوج الذي راح يطلب الغنى من تحت أقدام امرأة أن تصفر يداه. . .! واصطلحا في النهاية على الطلاق. . .! قال المأذون: (وقلت للفتاة: أأنت على نية إبرائه رغبة في الطلاق؟ وزاغت نظرة الضحية العذراء من هنا إلى هناك، حتى استقرت على الرجل الجالس

стр. 6143

هناك، ثم نكست رأسها. ولم تجب. قلت: إنما أنت تفصلين في أمر مستقبلك، فليس هنا لأحد عليك سلطان. فحدقت فيّ طويلاً كأنما تلتمس المعونة، ثم حولت النظر إلى أخيها فإذا في عينيه كلام طويل، فأطرقت وهي تقول في همس: (نعم لقد أبرأته. . . .!) والتفت إليها الرجل يصوب النظر ويصعده، ثم نطق بالكلمة الفاصلة. . .! وتحولت إلى الرجل فأنكرته، وأقسم لكأنما لم أكن أعرفه من قبل، وما كان في بالي أنه صديقي عاطف. لقد انطفأ بريق عينيه كأنما ينظر من خلف زجاجة؛ وغاض ماء الشباب من وجهه، فما تراه إلا كوردة الخريف؛ وقد أطلق لحيته، كأنما تركت لطمات القدر في عارضيه سواد حظه؛ وكانت في يده سبحة، أحسبه كان يحصي عليها همومه وأحزان نفسه؛ وما رأيت شيئأ أبيض - فيما رأيت - إلا عمامته. . .!). قلنا: (عمامته؟. . عهدنا به لا يلبس إلا الطربوش. . .!). قال: (نعم عمامته، فاستأنوا. . . قلت له: ما فعلت بك الأيام يا عاطف؟ قال: ذاك ما ترى. ولقد أقسمت أن أفرغ لله، فلم تعد لي في الزواج إربة، ولن تراني إلا بين المسجد والبيت حتى ألقى منيتي! حسبي، حسبي ما لقيت من دنياي. . .! وانكب على سبحته يتمتم والحبات تتساقط في الخيط واحدة فوق واحدة، ورأسه يهتز كأنه يقول: كذلك تتعاقب الأيام كما تتساقط الحبات حبة وراء حبة، حتى تكون النهاية، حتى يكون الموت. .! وما وجدت عندي جواباً إلا أن أتحول وأدعه حيث يجلس يداعب سبحته. أتراه كان يذكر الله، أم يسب الدنيا. . .!). لقد راح المسكين يبحث عن الزوجة الغنية ليضاعف بمالها ماله، فآب فقيراً من مالها ومن ماله؛ وذهب يسعى لأن يضاعف بالزواج مسرات الشباب، فرده الزواج شيخاً في الثلاثين! محمد سعيد العريان صيد الغزال بقلم: شفيق نقاش في صباح يوم من أيام أغسطس العصيبة، كانت الغزالة ترعى في جبل البازين تقضم

стр. 6144

الأعشاب اللينة برقة وهناءة، وتلفت جيدها محدقة في فطيمها الصغير، ورفيقها الوحيد في هذه الوهاد القفرة، وهو مضطجع قريباً منها على فراش وثير من البجلة. لقد أخذت البقع العفراء الساحرة تغشى جلده الناعم فتكسبه روعة وبهاء؛ فهي معجبة به، تحنو عليه، وتحيطه بنظرات العطف كلما بدرت منه حركة دلت على خوف أو ألم، وهو يتحفز للوثوب خلفها وجلاً كلما خطرت مبتعدة في طلب العشب. صورة رائعة للأمومة التي تعطر جو الحياة الكئيبة، والثقة التي تخفف من شقائها. رفعت الغزالة رأسها بسرعة البرق، هل سمعت صوتاً؟ ربما كان ذلك حفيف الرياح الجنوبية تخترق الغابة؛ فالسكون الرهيب مخيم على الوادي، والسكينة سائدة في كل مكان. رنت الظبية بطرفها، وألقت نظرة اطمئنان على رشأها ثم تابعت رعيها. وفجأة رفعت جيدها واشرأبت تجيل الطرف في أنحاء الغابة، وهي ترتجف من الخوف. . . هناك صدى صراخ متواصل يخترق الوادي، أصغت قليلاً فتأكد لديها نباح كلب يدنو رويداً من كناسها الأمين. كان الوقت كافياً لمرحلة طويلة تطويها مبتعدة عن الصيادين. ولكن وحيدها الظبي الألوف، وأنيسها في هذه الوحشة، فمن ينقذه؟ هو لا يستطيع اللحاق بها، فلمن تكل أمره، ولمن تتركه؟. . . تنابحت الكلاب غير بعيد، وتجلى للغزالة الخطر المحدق بهما، فوثبت بعض خطوات إلى الوادي تبحث عن ملجأ أو مهرب! وهب رشأها مذعوراً وهو يبغم متعجباً. أغربت الظبية ثم ألقت نظرة وراءها، فرأته يتتبعها بسيره البطيء، وهو يتعثر متألماً من الجذوع الخاوية على الأرض، والأشواك التي تعترض سبيله. تابعت الأم سيرها واستمر وحيدها لاحقاً بها يتعثر ويستغيث، لأن البون أصبح شاسعاً بينهما - كائن صغير من مخلوقات الله لا يقوى على احتمال الألم والخوف والتعب، فوقع على الأرض! تصايحت الكلاب وتقاربت، واشتد نباحها. وأحدق الموت بهذين البريئين من كل جانب؛ فدنت المسكينة من صغيرها تلحس بلسانها بشرته الرقيقة الناعمة، واضطجع هو آمناً بقربها، مطمئناً بعودتها، ثم ما لبث أن أغمض أجفانه من التعب. فكرت الغزالة في تخليص صغيرها من مخالب الكلاب ورصاص الصيادين، وكأن صوتاً

стр. 6145

أهاب بها فرفعت رأسها، وفتحت منخريها، وحدقت طويلاً في مصدر الصوت، ثم نفرت مقتحمة الغابة، قاصدة ناحية أعدائها. ولما اقتربت منهم وتأكد لديها اكتشافهم لها واقتفاؤهم أثرها، غيرت وجهتها وشرقت بهم مبتعدة عن ولدها فأصبح في مأمن من الشر. تضاءل النباح ورائها، فوثقت من فوزها، وولت وجهها شطر الشمال تود القيام بدورة تعيدها حيث تركت فطيمها، ولكنها ما عتمت أن سمعت صوتاً جديداً يقابلها، فانطلقت إلى الأمام تجتاز الوادي. هذه صلصلة أجراس القرية تدوي في الفضاء، ويتجاوب صداها، لقد أصبحت على مقربة من أكواخ الفلاحين. هنا أيضاً أعداء جدد لم تحلم بهم. سدت في وجهها الطرق، وأغلقت المفاوز، وأحاط بها الصيادون من كل جانب - رحمتك اللهم! ألم تدع للشفقة مكاناً في ذلك الوادي الزاهر حين خلقته؟ ولا للرحمة موضعاً في تلك القلوب حيث كونتها؟ الكلاب تفاجئها من كل ناحية، وسكان القرية يطاردونها رجالاً ونساءً وأطفالاً، يود كل منهم لو يظفر بها غنيمة باردة. تذكرت الظبية طلاها فتجدد أملها بلقائه، وسلكت طريق القرية مرغمة بين نبوح الفلاحين ودوي البارود. اعترضتها بحيرة قريبة، فألقت نفسها في الماء تشق صفحته، وتسبح بقوة عجيبة، لقد خارت قواها، ولم تعد سيقانها الضئيلة تساعدها على المضي في طريق النجاة. لكن الأمل العذب - سر الحياة - كان يهيب بها دائماً لاقتحام تلك الغمرات، حتى وصلت الشاطئ فأبرت مطمئنة، وتمثلت أنيسها يبحث عنها في وحشته، فهرعت تريد احتضانه، ولكن هل نجت المسكينة من هذا العذاب الطويل؟ صياد جديد كان يترصدها فاستقبلها برصاص بندقيته فوقعت جثة هامدة. . (عن الإنكليزية بتصرف) شفيق نفاس

стр. 6146

العدد ٧٤ - بتاريخ: ٠٣ - ١٢ - ١٩٣٤

стр. 6147

دارٌ تَبلى!. . . دار تَبلى! وكانت إلى الأمس القريب دار الأمة! عليها نزل وحي الوطنية، ومنها انبعث صوت الحرية، وفيها انبثق فجر النهضة، وبها وُلد معنى الاستقلال. كانت ملجأ الخلافة في الآستانة، ومفزع الخديوية في القاهرة، ومخالفة الاستعمار في لندن، ومثابة الإسلام في العالم كله! تجمعت فيها للأمة رغائب، ونشأت بها للشباب آمال، وخفقت عليها للجهاد (ألوية)، وسمعت مصر في أفنيتها للمرة الأولى أصوات بَنيها الخُلَّص يهتفون باسمها، ويهزجون بمجدها، ويزفرون من الحفيظة لاستعبادها، ويستنجزون الغاصب المحتل وعدوه الممطول وعهده الفاجر! ثم كانت (عكاظ) للبلاغة الخطابية، و (فورم) للمساجلة السياسية، و (كعبة) يتجه أليها أبرياء الصدر من مخامرة الوطن، وأنقياء الصحيفة من ممالأة العدو تلك هي دار اللواء، ونادى مصطفى كامل! تمر اليوم بمكانها من شارع (الدواوين) فتجد هذا الأثر الضخم والتاريخ الحافل تُعفيه الأحداث والنوازل! كأنها لم تكن في عهدها الداني قلب مصر النابض، وعزم نشئها الناهض، ومنارة أمرها الهادية! أتى البلى عليها أتُّى البلى فنكر أعلامها وأخفقت صداها! كأنها لم تنفض عن الوادي غبار الحمول، ولم تمسح عن الأجفان فتور الوسن! وكأن مصطفى لم يسجل على أركانها أول صيحة بالجلاء، وأول رغبة في الدستور، وأول غضبة للحرية!!. ولكن الزمن الدوار القهار يحطم كل ما برأ الله وصور الناس من شخص وشيء، فلا يظهر على بأسه إلا الفكرة، ولا يخلد على رغمه إلا العقيدة. ألا فاسلمى على رغم هذا البلى يا دار! فأن لك في كل قلب آية مسطورة، وفي كل تاريخ صفحة منشورة، وفي كل جيل نشيداً يعطف القلوب إلى الحق، ويلفت العيون إلى النور، ويهدي النفوس الشاردة إلى الغرض الأسمى والسبيل القصد. ومن الذي ينسى ومضة الروح الإلهي في ذلك الجسد الضارع، فيفور فورة الجبارين، ويصمد صمود الرُسل، ويقوم في وحدة النبي وإيمان الشهيد يجاهد الإشراك بمصر، والكفران بالأمة، ويقارع بالحجج الثائرة الملزمة طغيان إنجلترا وهي يومئذ علة العلل ودولة الدول؟ أم من الذي ينسى خفقة التضحية القدسية في ذلك الشباب العليل، فيحرك ساكن شعبه

стр. 6148

بوجيب قلبه، ويضئ ظلام يومه بوميض روحه، ويذكى خمود عزمه بحرارة دمه، ثم يزهد في المال والجاه والحكم زهادة الحكيم، فيحيا للمبدأ والفكرة، ويموت للقدوة والعبرة؟ على إخلاص مصطفى وإيثار فريد وصدق سعد تسير اليوم هذه القافلة! حتى إذا كذب الرائد، ومكر الدليل، وخامر الحادي، انبلج في جوانب الطريق شعاع من هذه الأرواح البرَّة، فيجلو العمى، ويكشف الضلال، ويفضح المكيدة! وقد ماتوا رضوان الله عليهم ميتة الأنبياء، لا (عمائر) تحجب سماء المدن، ولا (دوائر) تشغل أرض القرى! لقد ملكوا وما تركوا! إنما ورثونا حفظ الكرامة وإن أرهقنا الظلم، وطلب الحرية وإن أجهدنا الطغيان، ورعاية الحق وإن خدعنا الباطل! كانت قافلتنا تسير باسم الله يا دار! تسير على ضوء من مبادئ الزعماء لا يخبو ولا ينكسر، فأصبحنا ذات يوم وإذا سيرها يثقل ونظامها يضطرب! فالتفتنا فإذا عصبة منا تسربلوا بالنار وتدرعوا بالحديد، ثم ولوا وجوههم إلى الخلف، وأخذوا بمؤخر القافلة جذباً وجراً، حتى لتكاد عواتقهم تهى، ومفاصلهم تنسرق، وانبث في الركب دعاة الرجعية وسماسرة الطغيان، يلبسون عليه الأمر، ويوهمونه أن هؤلاء هم القادة، وأن هذه الوجهة وعلى تلك الحال الأليمة لبثنا أربع سنين يتجاذبنا الوراء والأمام، ويتنازعنا النور والظلام، حتى ضعضع الصبر الأبى وثاقة الطاغية فخر صريعاً ليديه وفمه. تقوض صرح الظلام والظلم أول أمس يا دار! فانتشر ما كان يحجبه من نور، وسرى ما كان يصده من نسيم، وعدنا إلى نهج الحياة شامتين بمن هوَوا من أعاليه وثوَوا تحت أنقاضه! لقد أبلاه عدل الحوادث كما أبلاك ظلمها، وستبقى على الأبد آثارك المعنوية وآثاره! فأما آثارك فتبقى بركة على الناس، وحجة على البغي، وتفسيراً لمعنى البطولة؛ وأما آثاره فستبقى لعنةً في فم الدهر، ودمامة في وجه التاريخ، ووضاعة في كبر الإنسانية! ألا فاسلمى على رغم هذا البلى يا الدار! فان لك في كل ذهن صورة، وفي كل نفس ذكرى، وفي كل غمرة من غمرات الجهاد روحاً تمسك القوى، وتلهم الصبر، وتعين على مخاوف الطريق! احمد حسن الزيات

стр. 6149

قلت لنفسي. . . وقالت لي. . . للأستاذ مصطفى الرافعي قلت لنفسي: ويحك يا نفسُ! ما لي أتحاملُ عليك؛ فإذا وفيتِ بما في وسعك أردتُ منك ما فوقه وكلفتُك أن تسعى؛ فلا أزال أُعْنِتُكِ من بعد كمال فيما هو أكملُ منه، وبعد الحسن فيما هو الأحسن، وما أنفك أُجهدكِ كلما راجعك النشاط، وأُضنيك كلما ثابت القوة؛ فان تكن لك همومٌ فأناأكبرُها، وإذا ساورتك الأحزانُ فأكثرُها مما أجلبُ عليك. أنت يا نفس سائرة على النهج وأنا أعتسفُ بك، أريد الطيران لا السير، وأبتغى عمل الأعمار في عُمر، وأستحثُّك من كل هجعة راحةٍ بفجرٍ يمتد منه نهارٌ مضطرب؛ وكأنى لك زمن يُمادُّ بعضه بعضاً، فما يبرح ينبثق عليك من ظلامٍ بنورٍ ومن نورٍ بظلامٍ؛ ليهيأ لك القوة التي تمتد بك في التاريخ من بعد، فتذهبي حين تذهبين، ويعيش قلبك في العالم سارياً بكلمات أفراحه وأحزانه. وقالت لي النفس: أما أنا فإني معك دأباً كالحبيبة الوفية لمن تحب؛ ترى خضوعها أحياناً هو أحسن المقاومة. وأما أنت فإذا لم تكن تتعب ولا تزال تتعب، فكيف تدلني أنك تتقدم ولا تزال تتقدم؟ ليست دنياك يا صاحبي ما تجده من غيرك، بل ما توجده بنفسك؛ فان لم تزد شيئاً على الدنيا كنت أنت زائداً على الدنيا، وأن لم تدعها أحسن مما وجدتها، فقد وجدتها وما وجدتك، وفي نفسك أول حدود دنياك وآخر حدودها. وقد تكون دنيا بعض الناس حانوتاً صغيراً، ودنيا الآخر كالقرية الململمة، ودنيا بعضهم كالمدينة الكبيرة؛ أما دنيا العظيم فقارة بأكملها، وإذا انفرد امتد في الدنيا فكان هو الدنيا. والقوة يا صاحبي تغتذي بالتعب والمعاناة؛ فما عانيته اليوم حركةً من جسمك، ألفيته غداً في جسمك قوة من قُوى اللحم والدم. وساعة الراحة بعد أيام من التعب، هي في لذتها أيام من الراحة بعد تعب ساعة. وما أشبه الحي في هذه الدنيا ووَشك انقطاعه منها - بمن خُلق ليعيش ثلاثة أيام معدودة عليه ساعاتها ودقائقها وثوانيها؛ أفتُراه يغفل فيقدرها ثلاثة أعوام، ويذهب يسرف فيها ضروباً من لهوه ولعبه ومجونه، إلا إذا كان أحمق أحمق إلى نهاية الحمق؟ أتعب تعبك يا صاحبي، ففي الناس تعب مخلوق من عمله، فهو لين هين مسوًّى تسوية؛ وفيهم تعب خالق عمله، فهو جبار متمرد له القهر والغلبة. وأنت إنما تكد لتسمو بروحك إلى هموم الحقيقة العالية، وتسمو بجسمك إلى مشقات الروح العظيمة؛ يا صاحبي ليس تعباً

стр. 6150

في حفر الأرض ولكنه تعب في حفر الكنز. إتعب يا صاحبي تعبك؛ فان عناء الروح هو عُمرها، فأعمالك عمرك الروحاني، كعمر الجسم للجسم؛ وأحدهما عمر ما يعيش، والآخر عمر ما سيعيش. قلت لنفسي: فقد مللت أشياء وتبرمت بأشياء. وأن عمل التغيير في الدنيا لهو هدم لها كلما بُنيت، ثم بناؤها كلما هدمت: فما من شيء إلا هو قائم في الساعة الواحدة بصورتين معاً؛ وكم من صديق خلطته بالنفس يذهب فيها ذهاب الماء في الماء، حتى إذا مر يوم، أو عهد كاليوم، رأيت في مكانه إنساناً خيالياً كمسألة من مسائل النجاة فيها قولان. . .! فهو يحتمل تأويل ما أظن به من خير، وما أتوقع به من شر! وكم من اسم جميل إذا هَجَس في خاطري قلت: آه، هذا الذي كان. . .! أما والله إن ثياب الناس لتجعلهم أكثر تشابهاً في رأى النفس، مما تجعلهم وجوههم التي لا تختلف في رأي العين. وإني لأرى العالم أحيانا كالقطار السريع منطلقاً يركبه وليس فيه من يقوده. ورأى الغفلة المفرطة قد بلغت من هذا الناس مبلغ من يظن أنه حي في الحياة (كالموظف تحت التجربة). فإذا قضى المدة قيل له: ابدأ من ألان؛ كأنه إذا عاش يتعلم الخير والشر، ويدرك ما يصلح وما لا يصلح، وانتهى من عمره إلى النهاية المحدودة - رجع من بعدها يعيش منتظماً على استواءٍ واستقامة، وفي إدراك وتمييز. مع أن الخرافة نفسها لم تقبل قط أن يعد منها في أوهام الحياة أن رجلاً بلغ الثمانين أو التسعين وحان أجله فأصبحوا لم يجدوه ميتاً في فراشه، بل وجوده مولوداً في فراشه. . .! وقالت لي النفس: وأنت ما شأنك بالناس والعالم؟ يا هذا، ليس لمصباح الطريق أن يقول: (إن الطريق مظلم) إنما قوله إذا أراد كلاماً أن يقول: (هأنذا مضيء.) والحكيم لا يضجر ولا يضيق ولا يتململ، كما أنه لا يسخف ولا يطيش ولا يسترسل في كذب الوهم؛ فان هذا كله أثر الحياة البهيمية في هذه البهيمة الإنسانية، لا أثر الروح القوية في إنسانها. والحيوان هو الذي يجوع ويشبع لا النفس. وبين كل شيئين مما يعتورُ الحيوانية كالخلو والامتلاء، واللذة والألم - تعمل قوى الحيوان أشياءها الكثيرة التي تتسلط بها على النفس لتحطها من مرتبةٍ مرتبةٍ إلى أن تجعلها كنفوس الحيوان؛ ولهذا كان أول الحكمة ضبط الأدوات الحيوانية في الجسم، كما توضع اليد على مفاتيح القطار المنطلق يتسعر مرجله ويغلي.

стр. 6151

إعمل يا صاحبي عملك؛ فإذا رأيت في العاملين من يضجر فلا تضجر مثله، بل خذ اطمئنانه إلى اطمئنانك، ودعه يخلو وتضاعف أنت. أنه ليوشك أن يكون في الناس ناسٌ (كالبنوك): هذه مستودعات للمال تحفظه وتخرج منه وتثمِّره، وتلك مستودعات للفضائل تحفظها وتخرج منها وتزيدها. وإفلاس رجل من أهل المال هو إطلاق النكبة مسدسها على رجل تقتله؛ ولكن إفلاس (بنك) هو إطلاق النكبة يدفعها الكبير على مدينة تدمرها. قلت لنفسي: فما أشد الألم في تحويل هذا الجسد إلى شبه روح مع الروح! تلك هي المعجزة التي لا توجد في غير الأنبياء، ولكن العمل لها يجعلها كأنها موجودة. والأسد المحبوس محبوسة فيه قوته وطباعه؛ فان زال الوجود الحديدي من حوله، أو وهنت ناحية منه انطلق الوحش. والرجل الفاضل فاضل مادام في قفصه الفكري، وهو مادام في هذا القفص فعليه أن يكون دائماً نموذجاً معرضاً للتنقيح الممكن في النفس الإنسانية، تصيبه السيئة من الناس لتختبر فيه الحسنة، وتبلوه الخيانة لتجد الوفاء، ويكسر به البغض ليقابله بالحب، وتأتيه اللغة لتجد المغفرة؛ وله قلب لا يتعب فيبلغ منزلةً إلا ابتدأ التعب ليبلغ منزلةً أعلى منها، وله فكر كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها. وقات لي النفس: إن من فاق الناس بنفسه الكبيرة كانت عظمته في أن يفوق نفسه الكبيرة؛ إن الشيء النهائي لا يوجد إلا في الصغائر والشر، أما الخير والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى فهذه حقائق أزلية وجدت لنفسها؛ كالهواء يتنفسه كل الأحياء على هذه الأرض ولا ينتهي، ولا يعرف أين ينتهي؛ وكما ينبعث النور من الشمس والكواكب إلى هذه الأرض، يشبه أن تكون تلك الصفات منبعثة إلى النفوس من أنوار الملائكة، وبهذا كان أكبر الناس حظاً منها هم الأنبياء المتصلين بتلك الأنوار. ومن رحمة الله أن جعل في كل النفوس الإنسانية أصلاً صغيراً، يجمع فكرة الخير والكمال وعظائم النفس والجمال الأسنى، وقد تعظمُ فيه هذه الصفات كلها أو بعضها، وقد تصغر فيه بعضها أو كلها. ألا وهو الحب. لابد أن تمر كل حياةٍ إنسانية في نوع من أنواع الحب؛ من رقة النفس ورحمتها، إلى هوى النفس وعشقها. وإذا بلغ الحب أن يكون عشقاً، وضع يده على المفاتيح العصبية للنفس،

стр. 6152

وفتح للعظائم والمعجزات أبوابها؛ حتى إنه ليجعل الخرافة الفارغة معجزة دقيقة، ويملأ الحياة بمعان لم تكن فيها من قبل، ويصبح سر هذا الحب لا ينتهي؟ إذ هو سر لا يدرك ولا يعرف. أجهد جهدك يا صاحبي، فما هو قفصك الفكري ذلك الشعاع الذي يحسبك، ولكنه صقل النفس لتتلقى الأنوار، ولا بد للمرآة من ظاهر غير ظاهر الحجر. قلت لنفسي: فما أشده مضضاً أعانيه! إن أمري ليذهب فرطاً. أكلما ابتغيت من الحياة مرحاً أطرب له وأهتز، جاءتني بفكرة أستكدُ فيها وأدأب. أهذا السرور الذي لا يزال يقع بين الناس هو الذي لا يكاد يقع لي. وهل أنا شجرة في مغرسها؛ تنمو صاعدةً بفروعها، ونازلةً بجذورها غير أنها لا تبرح مكانها. أو أنا تمثال على قاعدته؛ لا يتزحزح عنها إلا ساعة لا يكون تمثالاً، ولا يدعها حتى تدعه معاني العظمة التي نصب لها؟ وقالت لي النفس: ويحك! لا تطلب في كونك الصغير ما لي فيه؛ إن الناس لو ارتفعوا إلى السماء وتقلبوا فيها كما يسيح أهلُ قارةٍمن الأرض في قارةٍ غيرها، وابتغوا أن يحملوا معهم مما هناك تذكاراً صغيراً إلى الأرض - لوجدوا أصغر ما هنالك أكبر من الأرض كلها. فأنت سائح في سموات. أنت كالنائم؛ له أن يرى وليس له أن يأخذ شيئاً مما يرى، إلا وصفه، وحكمته، والسرور بما التذَّ منه، والألم بما توجع له. لن تكون في الأرض شجرةٌ برجلين تذهب هنا وههنا، ولكن الشجرة ترسل أثمارها يتناقلها الناس، وهي تُبدع الثمار إبداع المؤلف العبقري ما يؤلفه بأشد الكد وأعظم الجهد، مطلقة ضميرها في الفكرة الصغيرة، تعقدها شيئاًثم يعود عليها بالزيادة، ولا تزال كل وقت تعود عليها، حتى تستفرغ أقصى القوة، ثم يكون سرورها في أن تهب فائدتها، لأنها لذلك وُجِدت. إن في الشجرة طبيعة صادقة لا شهوة مكذوبة، فالحياة فيها على حقيقتها؛ وأكثر ما تكون الحياة في الإنسان على مجازِها، وشرط المجاز الخيال والمبالغة والتلوين. ولكن متى اختار الله رجلاً فأقر فيه سراً من أسرار الطبيعة الصادقة، ووهب له العاطفة القادرة التي تصنع ثمارها - فقد غرسه شجرة في منبتها لا مفر ولا مندوحة. وقد يخيل له ضعف طبيعته

стр. 6153

البشرية أحياناً أن نضرة المجد التي تعلوه وتتألق حوله كشعاع الكوكب - هي تعبه وضجره، أو أثر إنخذالهِ وألمهِ ومسكنته. وهذا من شقاء العقل، فانه دائما يضيف شيئاً إلى شيء، ويخلط معنى، ولا يترك حقيقة على ما هي؛ كأن فيه ما في الطفل من غريزة التقليد، والعقل لا يرى أمامه إلا الإلهية، فهو يقلدها في مداخلة الأشياء بعضها في بعض، لإيجاد الأسرار بعضها من بعض. ومن ثم كانت الحقيقةُ الصريحةُ الثابتةُ مدعاة للملل العقلي في الإنسان، لا يكاد يقيم عليها أو يتقيد بها، فما نال شيئاً إلا ليطمع في غيره، وما فاز بلذة إلا ليزهد فيها، وأجل ما أحبه الإنسان مع كل صواب من جزء من الخطأ، فان هو لم يجد خطأ في شيء اِئْتفكَ لنفسه الخطأ المضحك في شبه رواية خيالية. إنه لشعر سخيف بالغ السخافة أن يتخيل الغريق مفكراً في صيد سمكةٍ رآها. . . ولكن هذا من أبلغ البلاغة عند العقل الذي يبحث عن وهم يضيفه إلى هذه الحقيقة ليضحك منها، كما يبحث لنفسه أحياناً في أجمل حقائق اللذة عن ألم يتألم به ليَعبَسَ فيه! قلت لنفسي: فهل ينبغي لي أن أحرق دمي لأني أفكر، وهل أضل دائماً بهذا التفكير كالذي ينظر في وجه حسناء بمنظار مكبر لا يريه ذلك الوجه المعشوق إلا ثقوباً وتخريماً كأنه خشبةٌ نزعت منها مسامير غليظة. . .! فلا يجد المسكين هذه الحقيقة إلا ليفقد ذلك الجمال. وهل بُدٌ من الشبه بين بعض الناس وبين ما ارْتصد له من عمل؛ فلا يكون الحوذيُّ حوذياً إلا لشبه بين نفسه وبين الخيل والبغال والحمير. . .؟ وقالت لي النفس: إن فأس الحطاب لا تكون من أداة الطبيب، فخذ لكل شيء أداته، وكن جاهلاً أحياناً، ولكن مثل الجهل الذي يصنع لوجه الطفل بشاشته الدائمة فهذا الجهل هو أكبر علم الشعور الدقيق المرهف، ولولاه لهلك الأنبياء والحكماء والشعراء غماً وكمداً، ولكانوا في هذا الوجود، على هذه الأرض، بين هذه الحقائق - كالذي قيد وحبس في رهجٍ تثيره القدم والخف والحافر؛ لا يتنفس إلا الغبار يثار من حوله إلى أن يقضى عليه اجهل جهلك يا صاحبي في هذه الشهوات الخسيسة؛ فأنها العلم الخبيث الذي يفسد الروح، واعرف كيف تقول لروحك الطفلة في ملائكيتها حين تساورك الشهوات: (هذا ليس لي؛ هذا لا ينبغي لي).

стр. 6154

إن الروح الكبيرة هي في حقيقتها الطفل الملائكي. وعِلمُ خسائس الحياة يجعل للإنسان في كل خسيسةٍ نفساً تتعلق بها، فيكون المسكين بين نفسين وثلاث وأربع، إلى ثلاثين وأربعين، كلهن يتنازعنه فيضيع بهذه الكثرة، ويصبح بعضه بلاءً على بعض، وتشغله الفضول، فيعود لها كالمزبلة لما أُلقى فيها، ويمحق في نفسه الطبيعية حس الفرح بجمال الطبيعة، كما يُمحق في المزبلة معنى النظافة ومعنى الحس بها. هذه الأنفس الخيالية في هذا الإنسان المنكود، هي الأرواح التي ينفخُها في مصائبه، فتجعلها مصائب حية تعيش في وجوده وتعمل فيه أعمالها، ولولاها لماتت في نفسه مطامع كثيرة، فماتت له مصائب كثيرة. انظر بالروح الشاعرة، تَرَ الكون كله في سمائه وأرضه انسجاماً واحداً ليس فيه إلا الجمال والسحر وفتنة الطرب، وانظر بالعقل العالم، فلن ترى في الكون كله إلا مواد علم الطبيعة والكيمياء. ومدى الروح جمال الكون كله؛ ومدى العقل قطعة من حجر أو عظمة من حيوان، أو نسيجةٌ من نبات، أو فلذةٌ من معدن، وما أشبهها. أجهل جهلك يا صاحبي؛ ففي كل حسنٍ غزلٌ، بشرط ألا تكون العاشق الطامع، وإلا أصبت في كل حسنٍ هماً ومشغلة. . .! قلت لنفسي: إلى الآن لم أقل لك ذلك المعنى الذي كتمته عنك. وقالت لي النفس: وإلى الآن لم أقل لك إلا جواب ذلك الذي كتمته عنى. . .؟ طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 6155

٣ - محمد بك المويلحي الأستاذ عبد العزيز البشري تتمة في نشأته ودراسته لقد عرفت مما قصصنا عليك أن هذا الرجل وإن نشأ عظامياً بما لبيته من الغني والحسب، فقد نشأ عصامياً بما حصل من العلم والأدب. اتكأ على نفسه فأكب على الكتب دائرها ومجفوِّها. ولعل أكثر نظره إنما كان في كتب التاريخ والسير، ولو قد وقع لك صدر من آثار أبيه وآثاره لرأيت لهما في مواطن الاستشهاد فطنه عجيبة، إلى دقائق دقيقة، مما يعلق بزوايا التاريخ أو بحواشيه، قل أن يفطن لها أكثر القارئين، وقل أن يحفل بها أو يعلقها من يفطن إليها من الدارسين. على أنها قد يكون لها في دواعي الكلام مقام عظيم، وكثيراً ما ترفعه درجاتٍ على درجات. كذلك اعتمد محمد في تحصيل العلم والآداب على الاتصال بصدور أهل الفضل يصاحبهم ويلابسهم، ويلازم مجالسهم، ويشهد محاضراتهم ومقاولاتهم. كذلك داخل رجال الحكم وأصحاب السياسة في مصر وفي الآستانة فعرف أساليبهم، وأدرك مذاهبهم. ولم ينكسر على هذا وهذا؛ بل لقد صاحب كذلك أهل الظرف وأصحاب البدائه وشاركهم في أسمارهم، ودخل معهم في مناقلاتهم ومنادراتهم. وعالج البيان من صدر شبابه، يصقل له أبوه القول، وبقرب له مصطفى اللفظ، ويأخذه بتجويد النسج، ويهديه إلى مضارب العلم. وسرعان ما نضج وأدرك، وجرى قلمه بالبيان حلواً متيناً نيراً، ووقع من فنون المعاني على أجلها وأكرمها. ونهج لنفسه أسلوباً خاصاً به إن تأثر فيه بأحد، فبالأسبقين من أعلام الكتاب فكان منه بذلك كله الأديب التام. واحترف صنعة القلم، واشترك في تحرير جريدة المقطم بضع سنين على ما أضن. ولا

стр. 6156

أحسبه قد شارك أباه في تحرير الصحف التي أخرجها في عهد المرحوم الخديوي إسماعيل، فتاريخها إن لم يكن أبعد من مولده، فهو أبعد في أرجح الظن، من حمله القلم والله أعلم! وكان أبوه، رحمة الله عليهما، كثير الاختلاف إلى الآستانة مثوى الخلافة يومئذ، فكان يصحبه في بعض هذه الرحلات، وقلد إبراهيم بك في زمن السلطان عبد الحميد منصب المستشار لوزارة المعارف العثمانية، وأقام فيه بضع سنين، لعلها تسع إن صدقتني ذاكرتي؛ فقضى محمد في الآستانة هذه السنين. ولما اعتزل المرحوم إسماعيل باشا إمارة مصر، وآثر المقام في إيطاليا دعا بإبراهيم بك ليؤنسه ويسامره، ويخدمه في بعض مساعيه عند السلطان. فحمل معه ولده وأقاما في نابولي في قصر إسماعيل بضع سنين. ومن هنا تدرك كيف حذق محمد لغة التليان. ولقد طاف كثيراً ببلاد أوربا، إما موفداً من أبيه في بعض مساعيه، وإما متفرجاً متنزهاً. وله في وصف مؤتمر باريس سنة ١٩٠٠ مقال بارع بديع، كان ينشر منجماً في مصباح الشرق وطاف كذلك بالبلاد السورية، وزار المدينة المنورة ووصف القبر الشريف أحسن وصف وأبدعه، ونشره في جريدة المؤيد. واستقر المويلحيان أخيراً في مصر ما يبرحانها إلا للنزهة والرياضة. وأصدر صحيفة (مصباح الشرق). وقد مرت بك صفتها في أول مقال. ثم طواها كما ذكرت لك، واعتكف في داره لا يلى عملاً عاماً: حتى عين في سنة ١٩١٠ رئيساً لقسم الإدارة والسكرتارية في ديوان (عموم) الأوقاف، وأزيل عن هذا المنصب بعد إذ قامت الحرب العظمى، وتبدلت الحال، لأسباب لا يحتمل ذكرها هذا المقال. فعاد إلى اعتكافه لا يتدلى إلى البلد إلا في قضاء حاجة، أو مساهرة من يستطيب مجالستهم من الصحاب، وظل كذلك إلى الشكاة التي مات فيها، عليه رحمة الله. وكانت وفاته في يوم ١٠ مارس سنة ١٩٣٠. أخلاق المويلحي وعاداته: قبل أن أطرق هذا الباب من مسيرة الرجل يحسن بي أن أقرر أنه لم يكن على حظ من نطاقة اللسان؛ بل لقد كان يعتريه في بعض الحديث ما يشبه الحبسة؛ بل لقد تتعثر الكلمة في حلقه فلا يستطيع أن يلفظها إلا بمط عنقه، كأنما يمرئ لها مجرى الصوت. ومن أهم ما يلفت النظر في خلاله أنه كان أقل خلق الله تأثراً بما يغمر المرء من متعارف

стр. 6157

الناس ومصطلحهم في عاداتهم وتقاليدهم وسائر أسبابهم؛ بل لقد كان له نظره الخاص في الأشياء، وكان له حكمه الخاص عليها، وهو إنما يأخذ نفسه بما يصح عنده من هذه الأحكام، لا يبالي أحداً، ولا يتأثر، كما قلت، بأثر خارجي، ولو كان مما انعقد عليه إجماع الناس، وإذا كنت قد نعته (بالفيلسوف) فإنما أعنى هذه الصفة فيه. فإنني لم أكد أرى رجلاً لاءم كل الملاءمة بين رأيه في أسباب الحياة، وشدة تحريه أخذ النفس بأحكام هذا الرأي، كما بان لي من خلة هذا الرجل بحكم ملابستي له السنين الطوال. ولقد كانت له آراء في كثير من الأشياء لقد تبدو غربيةً حتى يظن أن في طريقة تفكيره شيئاً من الشذوذ والانحراف. وما أُحيلُ هذا إلا على أنه لا يخف لمطاوعة الناس في كل ما يستوي من الإدراك للناس! ثم لقد كان رجلاً يرجح عقله ذكاءه. وإنه ليحتاج في تفهُّم دقائق المعاني إلى شيء من المطاولة والتدبير. على أنها بعد هذا تتسق لذهنه مدركة ناضجة، لا كما تخطر لحداد الذكاء (خطرة البرق بدا ثم اضمحل)! كذلك كان مما يلفت النظر في شأن المويلحي أنه شديد الإستيحاش من الناس، فلا تراه يستريح بالحديث إلى من لا يعرف منهم ولم يألف، ولقد يكون في مجلس يجمع الصفوة من خلانه، ومعهم رجل لا يعرفه، فإذا هو يفتر وينقبض حتى يكاد (وحش في المجلس). وعلى هذا لقد كان يكره، بالطبع، الدخول في زحمة الناس، والترائي للجماهير، وما إلى هذا من مقتضيات الظهور. ومن أجل صفات هذا الرجل حدة العزم، وقوة الصبر، وشدة الحمل على النفس. فما إن رأيته يوماً شاكياً ولا مظهراً للبرم بالحياة مهما كرثه تصرف الحياة. ولقد يكثر المال في يده فيبسطها، إلى ما يقرب من السرف في النفقة في حاجاته، وإصابة ما يحلو له من المتسع واللذائذ. ولقد يرق المال في يده، فيلزم داره الشهرين والثلاثة لا يبرحها أبداً، متجملاً في عامة شأنه بما عنده مهما يبلغ من القلة، لا يسأل أحداً عوناً ولا يطالع الصديق بحاجة. كذلك كان من أجل صفاته الصدق في القول، ولقد عاشرته ما عاشرته، فما أذكر والذي نفسي بيده، أنني أحصيت عليه كذبة واحدة قط، ولا من ذلك النوع الذي يتورط فيه المرء في مصانعة الناس ومجاملتهم، فان ألحت التقاليد عليه في شيء من هذا سكت أو ورّى.

стр. 6158

ولقد أذكر أنه قابل ولي الأمر الأسبق في يوم من أيام رمضان، فسأله أصائم أنت يا محمد بك؟ فأجاب من فوره (والله ما أكذبش عليك يا أفندينا)! فضحك ملء شدقيه من هذا الجواب. ثم لقد كان، ﵀، شديد العناية بالنظافة في جميع ملابساته، متأنقاً عظيم التأنق في كل شيء، يحب الزهر ويكلف به، ويحسن تأليفه وتصنيفه، ولا يمس إلا أزكى العطر وأغلاه وكان شديد الاحتفال للطعام، مبالغاً في التأنق فيه. ولربما طالع طاهيه المرات العديدة في مطبخه، يتقدم إليه بأن يفعل بهذا اللون كذا وكذا، ويصنع بتلك الصفحة كيت وكيت، وهو بهذا حق خبير. فإذا قُرِّب إليه طعامه اجتمع له اجتماع شهوانٍ يلتذ به أيَّما التذاذ. على أنه مع هذا كان حسن الأكل، يلتزم في تناوله ومضغه وإزلاقه أعلى الآداب. وكان رجلاً طباً، كأن طول تمرينه في النقد الكتابي قد طبعه على النقد في كل شيء، وأنضج ملكته فيه، فلا تراه يتخذ شيئاً في أي سبب من أسبابه إلا إذا فحص ونقد تخيّر، فما يكاد يخدع على أمر أبداً! وهو، بعد، يحب النكتة البارعة ويحتفل لها. على أنه إذا وصل المجلس بينه وبين أصحابه ممن حذقوا هذا الفن ويرعوا فيه من أمثال المرحومين السيد محمد البابلي، ومحمد بك رشاد، ومحمد بك رأفت، لم يكن في الغالب هو المنشئ للنكتة والمبتكر لها. ولكنها ما تكاد تسقط من فم غيره حتى يتولاّها بالتخريج والمط والتوليد والتلوين؛ فما ينتهي أحد في ذاك منتهاه. ومهما يكن من شيء فان هذا الرجل كان من أوسع الناس علماً بطباع المصريين وأخلاقهم وعاداتهم ومداخل أمورهم، على اختلاف طبقاتهم وتفاوت مراتبهم. فإذا تحدث في هذا الباب فحديث المتمكن الخبير. ومما ينبغي أن يذكر له، ويختّم به هذا الحديث، أنه رجل لم يجد الإلحاد ولا الزيغ إلى قلبه السبيل؛ بل لقد كان مؤمناً شديد الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، والحمد لله رب العالمين. فان رأيت منه شيئاً من الانحراف في تخريج مسألة جزئية من مسائل الدين، فأحِل الأمر على مجرد الخطأ في الاجتهاد والتأويل. ﵀ واسعة، وغفر لنا وله، وأحسن جزائه في دار الجزاء. عبد العزيز البشري

стр. 6159

صفحة من التاريخ مأساة وقعة انبابة للأستاذ محمد فريد أبو حديد علة الشرق هاهي: حاكم يسطو ويعبث بالقطيع الذي هو حارسه، ويبطش به بطش الذئب إذا عدا في غيبة الحارس الأمين، فتجفل الشياه ذات اليمين وذات الشمال. ويتقدم من هنا أو من هناك كلب جريء يحاول أن يدفع الغائلة عن شياهه. فإذا هو يرى سيده الحارس هو الذي يبطش ويفتك. فيضع ذيله بين رجليه، ويكتم عواءه في حنجرته، ويجري إلى ناحية يكشر عن أنيابه منفرداً وهو متخاذل مهدود العزيمة. لو كان ذلك العادي ذئباً حقيقياً لما وضع الكلب المسكين ذيله بين رجليه، بل لرفع ذيله وعدا عامداً إلى رقبة ذلك الذئب وأنجى منه القطيع. فأما والذي يفتك بالقطيع هو حارسه، وأما والذي يبطش به هو الرجل الذي اعتاد أن يحمل هراوة ويسطو بها على رأسه يكاد يحطمه، فأمر آخر. وللكلب كل العذر إذا هو التمس العافية في مهرب من مهارب المرعى، أو في مكمن من مكامن الوادي. ولا لوم عليه إذا هو فعل. كان (خوارزم شاه) حاكم خوارزم (أو بلاد ما بين سيحون وجيحون) في أوائل القرن الثالث عشر المسيحي، حاكماً جباراً عاتياً. وكان لا يتردد عن مظلمة، ولا يحجم عن إيقاع. فكم مثلَّ بتجار من بلاده، وسجن وعذب ونهب. وكم مثل بتجار من بلاد جيرانه التتار، وسجن وعذب ونهب. ولم يقف أذاه عند هذا الحد، بل تعدى إلى الدولة التي هو حاكمها، ففت في عضدها وخضد شوكتها، وحطم عودها حتى صارت بلاده شعباً مشدوهاً وحكومة منحلة مضيعة. ثم كانت الكائنة التي لابد منها في بلاد مثل بلاده، فأغارت جيوش جنكيز خان على أطرافها فعجمتها، فإذا هي رخوة جوفاء، فتقدمت فيها وأوغلت، فلم تجد من الطاغية إلا جباناً، ولم تر منه إلا حرصاً على نفسه وماله وأهله. فما هو إلا أن رأى الجد من أعدائه، وأحس بما كان لابد منه من ضعف ومن عجز، حتى ترك البلاد وهرب إلى مأمن ليلتجئ أليه، وبقى الناس حيارى بعد هربه يحاولون الدفاع وما لهم به من قوة، ويرجون النجاة وأنى لهم ذلك وقد اقتلع الطاغية جذور القوة من الشعب لتلين له قناته، فلانت قناة الشعب له حقيقة، ولم يستطع أن يقاوم طغيانه ما بقى للطغيان، حتى إذا ما أتاه العدو وألفى نفسه

стр. 6160

عاجزاً، ترك ذلك الشعب المسكين وهو أعزل ذليل عاجز عن حماية نفسه. فكانت الكارثة، وذهب الطاغية وشعبه كلاهما ضحية لعواقب الطغيان. هذه سُنة الطغاة أبداً، وهذه سنة الكون منذ نشأَ. وما كان للقرن الثامن عشر أن يحيد عن سنة الكون التي نكبت خوارزم في القرن الثالث عشر. فقد كانت مصر في القرن الثامن عشر تحت طاغيتين من طغاة البشر: مراد وإبراهيم، وكانا كسائر الطغاة قصيرة النظر مفلولي العزيمة، لا همة لهما إلا في صغائر الأمور والأنانية. ولسنا بسبيل وصف ما كان عليه حكمهما من الميل والاعوجاج، ولا ما كان عليه خلقهما من الشناعة والفظاعة، فقد يكون لهذا حديث آخر، وإنما نقصد من كلمتنا هذه وصف حال البلاد عندما أزمت الأزمة التي كان لا محيد عنها، ووقعت النكبة التي كان لابد منها من وراء حكمها. جاء الفرنسيون إلى ثغر الإسكندرية، وأصبح الصباح وإذا أهل ذلك الثغر يرون الجنود يخالطونهم، ويترددون فيما بينهم. وكان الفرنسيون يحملون سلاحاً عجيباً غريباً، لا عهد لأهل الثغر به، فما كان عهدهم بالجنود إلا هؤلاء (الانكشارية) الذين يقيمون في القلاع بين ظهرانيهم يدخنون الشبقات الطوال، ويطولون شواربهم، ويعلون أصواتهم بالسباب، ويمدون أيديهم بالأذى، ولا يحملون من السلاح إلا تلك البنادق العتيقة الرثة التي أكلها الصدأ وعفي عليها القدم. وتقدم الانكشارية نحو الجنود الفرنج ليدفعوهم عن الإسكندرية، فما هي إلا جولة قصيرة حتى رموا بما في أيديهم من الأسلحة العتيقة، وهرب من استطاع منهم الهرب إلى حيث يجد لنفسه مأمناً. ورأى أهل الإسكندرية إن هؤلاء الجنود ليسوا سوى شوكة في جوانبهم في السلم، فإذا حل الحرب فهم لا يدفعون أذى ولا يرجى منهم غير الأذى. فوقفوا بعضهم يشجع البعض، وأحدهم يساعد الآخر، يحاولون أن يلتمسوا لأنفسهم الحماية بسواعدهم. فتحصنوا في المنازل وجعلوا في كل ركن متراساً، وفي كل حائط مرصداً. غير أنهم واحسرتاه أرادوا الدفاع ولم يستطيعوه، فإذا بالعدو يحصدهم حصداً، ويدك بيوتهم دكاً، ويجتاح متاريسهم اجتياحاً. فسلموا للعدو ونزلوا على حكمه، وصار الفرنسيون في ساعة أصحاب الإسكندرية.

стр. 6161

ثم تقدم الجيش الفرنسي المنصور إلى طريق القاهرة، وسمع طاغيتا الدولة بسيره، فأجمعا أمرهما على أن يسير مراد ليلقاه، فيشتت شمله بصدمة من صدمات فرسانه الشجعان. وخرج من القاهرة منتفخ الأوداج كبراً، ممتلئ النفس إدلالاً وغروراً. وجعل الناس يُسائلون أنفسهم ماذا عساه يفعل، ويأبى هو إلا أن يرد بالازدراء على ذلك التساؤل قائلاً: (سنحطم ذلك الجيش المغير تحت سنابك خيولنا) وسار حتى بلغ شبراخيت أو قريباً منها، وهنالك لاحت له طلائع الجيش الفرنسي. ثم كان الاصطدام، ولطم لطمة خفيفة فلم يصبر عليها، بل هرب فزعاً، واضمحلت كبرياؤه، وذاب إدلاله كما يذوب الثلج في الحر، وأسرع راجعاً إلى العاصمة لعله يأتنس بمن هنالك من جنود زميله إبراهيم، أو ينتصر بمن هنالك من الشعب المصري الذي طالما أوقع به في طغيانه وجبروته. فلما بلغ مصر وقف ببقايا جيشه عند (انبابه)، وأرسل إلى القاهرة يستنجد ويستمد، فنودي على أهل القاهرة بالنفير والتجهيز للدفاع. وهكذا لم يجد الطاغيتان أخيراً أن لهما غنى عن الشعب، وعلما بعد أن وقعت الواقعة أن الملجأ الأخير إنما يكون إلى هؤلاء العامة، وقد كانا في أيام السلم لا يقيمان لهم وزناً ولا يفكران فيهم إلا من أجل أموال يبتزانها، أو من أجل كبريائهما يغذيانها، أو من أجل نفسيهما الطاغيتين يشبعان شهوة طغيانهما. ولكن كان الشعب واحسرتاه قد قتله الطغيان: فأجاب دعوة النفير وجعل يستعد للدفاع، ولكنها إجابة المضني الذي أجهده الضنى، واستعداد النزيف قد خارت قواه من طول ما أريق من دمائه، فما يكاد يعتمد على رجليه حتى يخر إلى الأرض مهدوداً متهالكاً. أغلق الناس (دكاكينهم) وهجروا أسواقهم، وخرجوا جميعاً إلى بولاق يجمع بعضهم من بعض ما عندهم من المال الضئيل، فأما من عنده فضلة من ماله فقد تطوع بالإنفاق على غيره، وبذل السلاح والطعام لمن يحتاج إليه. وهم في كل ذلك يتلفتون لعلهم يرون هؤلاء الألي كانوا بالأمس يشمخون بأنوفهم عتوا وكبراً، فلا يجدون إلا باحثاً منهم عن أمر نفسه، أو منهمكا في نقل متاعه وأمواله إلى حيث يكون آمناً عليها من النهب أو المصادرة. وأبصر الناس ذلك فلم يثنهم عن التقدم نحو واجبهم وهم في غير عدة. لا بل ما هو أكثر

стр. 6162

من ذلك، قد تقدموا وهم غير أكفاء ولا مدربين في أمور الحرب، إذ طالما قد وقف الطغاة بينهم وبين أداء حق الدفاع عن الوطن، خوفاً منهم أن يجعلوا لهم في أمر بلادهم رأياً، أو في حكم وطنهم شأناً. وتقدم شعب مصر نحو الجهاد الوطني، وأكثرهم أعزل لا علم له بالحرب، ولا بما تستلزمه من جهد أو من دربة. حتى لقد خرج بعضهم بالنبابيت، لا يحسبون ذلك إلا مغنياً عنهم في معمعان ذلك الجهاد. ووقف الطغاة ينظرون ما صنعت أيديهم، ومع ذلك لم تنفطر قلوبهم أسى مما يشهدون، ولم يبخعوا نفوسهم على آثار ما اجترمت حكومتهم في البلاد. بل ظلوا وهم (حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم، مغترون بجمعهم. محترقون لشأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم، مغمورون في غفلتهم). وقدم جيش فرنسا بعد قليل إلى انبابة، فتقدمت إليه جماعة من العسكر ليصدم الجيش المغير مرة أخرى بهجمتها العنيفة. فدفعوا الخيل في صدر الجيش المقبل، ولكن لشد ما عجبوا إذ رأواذلك الجيش، لا يتمزق لصدمتهم، ولا ينصدع من هجمتهم، فعادوا مذعورين، وستة آلاف من الجيش الفرنسي تضرب في اقفائهم، حتى بلغوا متاريس مراد بك، فانضموا إليه وقد دب الرعب في قلوبهم. سار الجيش الفرنسي المتقدم وراء المنهزمين، وانقسم على أسلوبه وطريقته، ثم دار على نظامه وخطته، فإذا متاريس مراد بك محصورة وسط نيران الجيش الفرنسي، وإذا النار تنصب على المصريين من خلف ومن قدام. وكان فزع، وكانت مذبحة، وما هي إلا ساعة أو أقل من ساعة، حتى انجلى الغبار وارتفع القتام عن حطام الجيش المصري، بعضها ملقى فوق اليابس، وبعضها يتخبط في ماء النهر، وفلول أسارى في أيدي العدو، والنقع الثائر من جهة الجنوب يخفي وراءه الطاغية (مراد)، وهو هارب نحو الجيزة حرصاً على حياته. وسمع من في الجانب الشرق من النيل بضجة الحرب، ورأوا ما اندلع فيها من لهب، وما تردد فيها من قصف يشبه قصف الرعد، فلم تثبت نفوسهم بما لا عهد لهم به، وإن كانوا حريصين على أن يجاهدوا ويجالدوا، وخانهم الجلد وإن كانت نفوسهم تواقة إلى أن يثبتوا ويصبروا. والذعر متى استولى على النفس، لم يبق فيها محل لثبات ولا لصبر، ولم يترك

стр. 6163

في القلب موضعاً لحفاظ ولا لحمية. فركبوا رءوسهم وهاموا على وجوههم، بعضهم ناج بنفسه لا يلوي على شيء، وبعضهم استطاع أن يثبت نفسه ليخرج بأهله وحرمه، وأقبل عليهم الليل، وهم فوضى مشردون مشدوهون، يحسبون كل ضجة صوت مطارد، ويخشون أن يكون كل متردد في الظلام عدواً مقبلا بسفك الدماء وهتك الأعراض. وهكذا شهدت أهرام مصر كيف تتم للطاغية جريمته بنكبة شاملة، لا يبقى فيها بر ولا فاجر، ولا يسلم منها الظالم ولا الضحية محمد فريد أبو حديد

стр. 6164

صحف مطوية من التاريخ الإسلامي ٣ - العرب في غاليس وسويسرا للأستاذ محمد عبد الله عنان تتمة البحث أتينا فيما تقدم على أخبار الغزوات والمستعمرات المسلمة في غاليس ولومبارديا وسويسرا منذ أواخر القرن الثامن الميلادي حتى جلاء المسلمين نهائياً عن تلك الوهاد والسهول في أواخر القرن العاشر، ونحاول الآن أن نعرض طرفاً من العوامل والظروف التي أحاطت بتلك الغزوات، وطرفاً من الآثار التي خلفتها في البلاد والأمم التي كانت ميداناً لها. ينكر بعض مؤرخي الغرب على تلك الفتوحات والغزوات العربية والإسلامية بوجه عام خاصة الاستقرار والإنشاء، ويقولون إنها كانت في الغالب حملات ناهبة تقوم على رغبة الكسب وتحصيل الغنائم، ولا ريب أن ظمأ المغنم، وشغفالمغامرة، وما إليها من لذة الاستكشاف والسيادة كانت من أهم العوامل التي قامت عليها هذه الغزوات؛ وتلك هي العوامل الخالدة التي تقوم عليها فتوحات الأمم منذ أقدم العصور؛ ولكن من الحق أيضاً أن نقول إن نزعة الجهاد لم تكن بعيدة عن تلك الغزوات، وإن كثيراً من أولئك المغامرين البواسل كانت تحفزهم الحماسة الدينية وفكرة الجهاد في سبيل الله؛ وقد كانت هذه العصابات الغازية المستعمرة تعمل في الغالب لحساب نفسها، ولكنها كانت تعمل ملحوظة بعطف الحكومات والأمم الإسلامية التي تنتمي إليها، وكانت تؤدي إلى تلك الحكومات خدمات جليلة بما كانت تقوم به من إزعاج الحكومات والأمم النصرانية وإضعاف جيوشها ومواردها، ومن المحقق أيضاً أن نزعة الاستقرار والإنشاء لم تكن بعيدة عن أذهان الغزاة، بل كان يحفزهم مثل ذلك الروح الاستعماري القوي الذي دفع الأمم الغربية في العصر الحديث إلى افتتاح الأمم المتأخرة واستعمارها؛ وقد استقروا بالفعلواستعمرواحيث مهدت لهم الكثرة والقوة سبل البقاء، كما فعلوا في أقريطش، حيث استقروا بها بعد افتتاحها، زهاء قرن وثلث القرن (٨٢٧ - ٩٦١م) ونشروا بها الإسلام والحضارة الإسلامية؛ وكذلك استقروا مدى حين في بارى وفي تارانت من ثغور إيطاليا الجنوبية، وفي راجوازا

стр. 6165

(رغوس) من ثغور الأدرياتيك الشرقية، وكان لهم على شواطئ قلورية (جنوب إيطاليا) مستعمرات زاهرة لبثت حلية هذه المياه عصراً. هذا ولسنا نتحدث عن دولة الإسلام في إسبانيا، ولا دولة الإسلام في صقلية، لأننا نخص بهذا الحديث غزوات الجماعات والعصبات المسلمة التي كانت تعمل لحساب نفسها مستقلة عن الحكومات. ويبالغ المؤرخون الغربيون أيضاً في تصوير الآثار المخربة لتلك الغزوات الإسلامية، وما كانت تقترن به من ضروب العنف والسفك، ولكن العنف والقسوة والسفك والتخريب لم تكن خاصة بالغزوات الإسلامية، وإنما كانت من خواص العصر ذاته؛ ولم تكن الغزوات النصرانية للأراضي الإسلامية أقل عنفاً وسفكاً؛ ويكفي أن نشير هنا إلى الحملات الصليبية التي لبثت مدى عصور تحمل إلى الأمم الإسلامية أروع صنوف الدمار والسفك؛ بل يكفي أن نشير إلى ما كانت ترتكبه البعوث الاستعمارية الحديثة، والإنكليزية والفرنسية، في الدنيا الجديدة من صنوف القسوة والسفك، وما ترتكبه اليوم بعض الأمم الأوربية (المتمدنة) من الجرائم المروعة في أفريقية وآسياباسم المدينة والاستعمار. والآن لنر ماذا خلفته الغزوات الإسلامية في هذه الأنحاء من الآثار المادية والاجتماعية. ومن المحقق أن هذه الآثار لا تكاد ترى اليوم، ولا يشعر بها إلا الباحث المنقب، ويلاحظ أولا أن الفتوحات العربية الأولى في غاليس وأكوتين لم يطل أمدها أكثر من نصف قرن، ولم تكن الحضارة الإسلامية في أسبانيا قد تكونت وتفتحت بعد. ثم كانت الغزوات اللاحقة التي فصلنا أخبارها، والتي كانت أقرب إلى المغامرات المؤقتة منها إلى الفتوح المستقرة، فلم تتح للغزاة فرص الاستقرار والعمل السلمي، لأنهم كانوا في مراكزهم النائية متفرقين يشغلون قبل كل شيء بالدفاع عن مراكزهم وأنفسهم. بيد أن هذه الغزوات المحلية المتقطعة، وهذه المستعمرات العربية النائية خلفت وراءها في الأراضي المفتوحة بعض الآثار الهامة المادية والمعنوية. ومن ذلك ما كشفته المباحث الأثرية منذ القرن الماضي على شواطئ خليج سان تروبيه من أطلال الحصون العربية القديمة التي كانت قائمة في تلك الأرض، والتي لا تزال قائمة في بعض آكام الألب الفرنسية والسويسرية، وهي تدل على ما كان للغزاة من الحذق والبراعة في فن التحصينات والمنشآت الحربية؛ وهنالك في جنوب فرنسا، وفي بعض أنحاء إيطاليا
следующие страницы →