Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
ثم تقدم الجيش الفرنسي المنصور إلى طريق القاهرة، وسمع طاغيتا الدولة بسيره، فأجمعا أمرهما على أن يسير مراد ليلقاه، فيشتت شمله بصدمة من صدمات فرسانه الشجعان. وخرج من القاهرة منتفخ الأوداج كبراً، ممتلئ النفس إدلالاً وغروراً. وجعل الناس يُسائلون أنفسهم ماذا عساه يفعل، ويأبى هو إلا أن يرد بالازدراء على ذلك التساؤل قائلاً: (سنحطم ذلك الجيش المغير تحت سنابك خيولنا) وسار حتى بلغ شبراخيت أو قريباً منها، وهنالك لاحت له طلائع الجيش الفرنسي. ثم كان الاصطدام، ولطم لطمة خفيفة فلم يصبر عليها، بل هرب فزعاً، واضمحلت كبرياؤه، وذاب إدلاله كما يذوب الثلج في الحر، وأسرع راجعاً إلى العاصمة لعله يأتنس بمن هنالك من جنود زميله إبراهيم، أو ينتصر بمن هنالك من الشعب المصري الذي طالما أوقع به في طغيانه وجبروته. فلما بلغ مصر وقف ببقايا جيشه عند
(انبابه)، وأرسل إلى القاهرة يستنجد ويستمد، فنودي على أهل القاهرة بالنفير والتجهيز للدفاع. وهكذا لم يجد الطاغيتان أخيراً أن لهما غنى عن الشعب، وعلما بعد أن وقعت الواقعة أن الملجأ الأخير إنما يكون إلى هؤلاء العامة، وقد كانا في أيام السلم لا يقيمان لهم وزناً ولا
يفكران فيهم إلا من أجل أموال يبتزانها، أو من أجل كبريائهما يغذيانها، أو من أجل نفسيهما الطاغيتين يشبعان شهوة طغيانهما.
ولكن كان الشعب واحسرتاه قد قتله الطغيان: فأجاب دعوة النفير وجعل يستعد للدفاع، ولكنها إجابة المضني الذي أجهده الضنى، واستعداد النزيف قد خارت قواه من طول ما أريق من دمائه، فما يكاد يعتمد على رجليه حتى يخر إلى الأرض مهدوداً متهالكاً.
أغلق الناس (دكاكينهم) وهجروا أسواقهم، وخرجوا جميعاً إلى بولاق يجمع بعضهم من بعض ما عندهم من المال الضئيل، فأما من عنده فضلة من ماله فقد تطوع بالإنفاق على غيره، وبذل السلاح والطعام لمن يحتاج إليه. وهم في كل ذلك يتلفتون لعلهم يرون هؤلاء الألي كانوا بالأمس يشمخون بأنوفهم عتوا وكبراً، فلا يجدون إلا باحثاً منهم عن أمر نفسه، أو منهمكا في نقل متاعه وأمواله إلى حيث يكون آمناً عليها من النهب أو المصادرة.
وأبصر الناس ذلك فلم يثنهم عن التقدم نحو واجبهم وهم في غير عدة. لا بل ما هو أكثر
стр. 6162
من ذلك، قد تقدموا وهم غير أكفاء ولا مدربين في أمور الحرب، إذ طالما قد وقف الطغاة بينهم وبين أداء حق الدفاع عن الوطن، خوفاً منهم أن يجعلوا لهم في أمر بلادهم رأياً، أو في حكم وطنهم شأناً. وتقدم شعب مصر نحو الجهاد الوطني، وأكثرهم أعزل لا علم له بالحرب، ولا بما تستلزمه من جهد أو من دربة. حتى لقد خرج بعضهم بالنبابيت، لا يحسبون ذلك إلا مغنياً عنهم في معمعان ذلك الجهاد.
ووقف الطغاة ينظرون ما صنعت أيديهم، ومع ذلك لم تنفطر قلوبهم أسى مما يشهدون، ولم يبخعوا نفوسهم على آثار ما اجترمت حكومتهم في البلاد. بل ظلوا وهم (حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم، مغترون بجمعهم. محترقون لشأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم، مغمورون في غفلتهم).
وقدم جيش فرنسا بعد قليل إلى انبابة، فتقدمت إليه جماعة من العسكر ليصدم الجيش المغير مرة أخرى بهجمتها العنيفة. فدفعوا الخيل في صدر الجيش المقبل، ولكن لشد ما عجبوا إذ رأواذلك الجيش، لا يتمزق لصدمتهم، ولا ينصدع من هجمتهم، فعادوا مذعورين، وستة آلاف من الجيش الفرنسي تضرب في اقفائهم، حتى بلغوا متاريس مراد بك، فانضموا إليه وقد دب الرعب في قلوبهم.
سار الجيش الفرنسي المتقدم وراء المنهزمين، وانقسم على أسلوبه وطريقته، ثم دار على نظامه وخطته، فإذا متاريس مراد بك محصورة وسط نيران الجيش الفرنسي، وإذا النار تنصب على المصريين من خلف ومن قدام. وكان فزع، وكانت مذبحة، وما هي إلا ساعة أو أقل من ساعة، حتى انجلى الغبار وارتفع القتام عن حطام الجيش المصري، بعضها ملقى فوق اليابس، وبعضها يتخبط في ماء النهر، وفلول أسارى في أيدي العدو، والنقع الثائر من جهة الجنوب يخفي وراءه الطاغية (مراد)، وهو هارب نحو الجيزة حرصاً على حياته.
وسمع من في الجانب الشرق من النيل بضجة الحرب، ورأوا ما اندلع فيها من لهب، وما تردد فيها من قصف يشبه قصف الرعد، فلم تثبت نفوسهم بما لا عهد لهم به، وإن كانوا حريصين على أن يجاهدوا ويجالدوا، وخانهم الجلد وإن كانت نفوسهم تواقة إلى أن يثبتوا ويصبروا. والذعر متى استولى على النفس، لم يبق فيها محل لثبات ولا لصبر، ولم يترك
стр. 6163
في القلب موضعاً لحفاظ ولا لحمية. فركبوا رءوسهم وهاموا على وجوههم، بعضهم ناج بنفسه لا يلوي على شيء، وبعضهم استطاع أن يثبت نفسه ليخرج بأهله وحرمه، وأقبل عليهم الليل، وهم فوضى مشردون مشدوهون، يحسبون كل ضجة صوت مطارد، ويخشون أن يكون كل متردد في الظلام عدواً مقبلا بسفك الدماء وهتك الأعراض. وهكذا شهدت أهرام مصر كيف تتم للطاغية جريمته بنكبة شاملة، لا يبقى فيها بر ولا فاجر، ولا يسلم منها الظالم ولا الضحية
محمد فريد أبو حديد
стр. 6164
صحف مطوية من التاريخ الإسلامي
٣ - العرب في غاليس وسويسرا
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمة البحث
أتينا فيما تقدم على أخبار الغزوات والمستعمرات المسلمة في غاليس ولومبارديا وسويسرا منذ أواخر القرن الثامن الميلادي حتى جلاء المسلمين نهائياً عن تلك الوهاد والسهول في أواخر القرن العاشر، ونحاول الآن أن نعرض طرفاً من العوامل والظروف التي أحاطت بتلك الغزوات، وطرفاً من الآثار التي خلفتها في البلاد والأمم التي كانت ميداناً لها.
ينكر بعض مؤرخي الغرب على تلك الفتوحات والغزوات العربية والإسلامية بوجه عام خاصة الاستقرار والإنشاء، ويقولون إنها كانت في الغالب حملات ناهبة تقوم على رغبة الكسب وتحصيل الغنائم، ولا ريب أن ظمأ المغنم، وشغفالمغامرة، وما إليها من لذة الاستكشاف والسيادة كانت من أهم العوامل التي قامت عليها هذه الغزوات؛ وتلك هي العوامل الخالدة التي تقوم عليها فتوحات الأمم منذ أقدم العصور؛ ولكن من الحق أيضاً أن نقول إن نزعة الجهاد لم تكن بعيدة عن تلك الغزوات، وإن كثيراً من أولئك المغامرين البواسل كانت تحفزهم الحماسة الدينية وفكرة الجهاد في سبيل الله؛ وقد كانت هذه العصابات الغازية المستعمرة تعمل في الغالب لحساب نفسها، ولكنها كانت تعمل ملحوظة بعطف الحكومات والأمم الإسلامية التي تنتمي إليها، وكانت تؤدي إلى تلك الحكومات خدمات جليلة بما كانت تقوم به من إزعاج الحكومات والأمم النصرانية وإضعاف جيوشها ومواردها، ومن المحقق أيضاً أن نزعة الاستقرار والإنشاء لم تكن بعيدة عن أذهان الغزاة، بل كان يحفزهم مثل ذلك الروح الاستعماري القوي الذي دفع الأمم الغربية في العصر الحديث إلى افتتاح الأمم المتأخرة واستعمارها؛ وقد استقروا بالفعلواستعمرواحيث مهدت لهم الكثرة والقوة سبل البقاء، كما فعلوا في أقريطش، حيث استقروا بها بعد افتتاحها، زهاء قرن وثلث القرن (٨٢٧ - ٩٦١م) ونشروا بها الإسلام والحضارة الإسلامية؛ وكذلك استقروا مدى حين في بارى وفي تارانت من ثغور إيطاليا الجنوبية، وفي راجوازا
стр. 6165
(رغوس) من ثغور الأدرياتيك الشرقية، وكان لهم على شواطئ قلورية (جنوب إيطاليا) مستعمرات زاهرة لبثت حلية هذه المياه عصراً. هذا ولسنا نتحدث عن دولة الإسلام في إسبانيا، ولا دولة الإسلام في صقلية، لأننا نخص بهذا الحديث غزوات الجماعات والعصبات المسلمة التي كانت تعمل لحساب نفسها مستقلة عن الحكومات.
ويبالغ المؤرخون الغربيون أيضاً في تصوير الآثار المخربة لتلك الغزوات الإسلامية، وما كانت تقترن به من ضروب العنف والسفك، ولكن العنف والقسوة والسفك والتخريب لم تكن خاصة بالغزوات الإسلامية، وإنما كانت من خواص العصر ذاته؛ ولم تكن الغزوات النصرانية للأراضي الإسلامية أقل عنفاً وسفكاً؛ ويكفي أن نشير هنا إلى الحملات الصليبية التي لبثت مدى عصور تحمل إلى الأمم الإسلامية أروع صنوف الدمار والسفك؛ بل يكفي أن نشير إلى ما كانت ترتكبه البعوث الاستعمارية الحديثة، والإنكليزية والفرنسية، في الدنيا الجديدة من صنوف القسوة والسفك، وما ترتكبه اليوم بعض الأمم الأوربية (المتمدنة) من الجرائم المروعة في أفريقية وآسياباسم المدينة والاستعمار.
والآن لنر ماذا خلفته الغزوات الإسلامية في هذه الأنحاء من الآثار المادية والاجتماعية. ومن المحقق أن هذه الآثار لا تكاد ترى اليوم، ولا يشعر بها إلا الباحث المنقب، ويلاحظ أولا أن الفتوحات العربية الأولى في غاليس وأكوتين لم يطل أمدها أكثر من نصف قرن، ولم تكن الحضارة الإسلامية في أسبانيا قد تكونت وتفتحت بعد. ثم كانت الغزوات اللاحقة التي فصلنا أخبارها، والتي كانت أقرب إلى المغامرات المؤقتة منها إلى الفتوح المستقرة، فلم تتح للغزاة فرص الاستقرار والعمل السلمي، لأنهم كانوا في مراكزهم النائية متفرقين يشغلون قبل كل شيء بالدفاع عن مراكزهم وأنفسهم. بيد أن هذه الغزوات المحلية المتقطعة، وهذه المستعمرات العربية النائية خلفت وراءها في الأراضي المفتوحة بعض الآثار الهامة المادية والمعنوية. ومن ذلك ما كشفته المباحث الأثرية منذ القرن الماضي على شواطئ خليج سان تروبيه من أطلال الحصون العربية القديمة التي كانت قائمة في تلك الأرض، والتي لا تزال قائمة في بعض آكام الألب الفرنسية والسويسرية، وهي تدل على ما كان للغزاة من الحذق والبراعة في
فن التحصينات والمنشآت الحربية؛ وهنالك في جنوب فرنسا، وفي بعض أنحاء إيطاليا
стр. 6166
الشمالية والجنوبية، عدد كبير من الأبراج القائمة فوق الآكام والربى، يدل ظاهرها على أنها كانت تستعمل لأغراض حربية؛ ويرى البعض أن هذه الأبراج إنما هي آثار عربية من مخلفات الغزاة، كانت تبني لعقد حلقات الاتصال وتسهيل حركات الدفاع فيما بينهم؛ ومن المعروف أن العرب منذ فتوحاتهم الأولى في سبتمانيا (لا نجدوك) أعنى منذ أوائل القرن الثامن، كانوا ينشئون في الأراضي المفتوحة حصوناً وأبراجاً تسمى (بالرباط). بيد أن فريقاً آخر من الباحثين يرى بالعكس أن هذه الأبراج إنما كانت من إنشاء أبناء الأرض المفتوحة، أقاموها أيام اشتداد خطر الغزوات العربية ليستعينوا بها على رد الغزاة.
وقد ظفرت المباحث الأثرية أيضاً بالعثور على كثير من القطع الذهبية والفضية (المداليات) في أنحاء كثيرة من لا نجدوك وبروفانس، وثبت أنها من مخلفات العرب، وأنها كانت تستعمل للتعامل مكان النقود، ولكنها لا تحمل اسماً ولا تاريخاً، ولا يمكن تعيين عهد سكها، وإن كانت بذلك تدل على أنها ترجع إلى عصر الغزوات الأولى. ووجدت أيضاً في الأعوام الأخيرة في منطقة تور سيوفٌ ودروع قبل إنها عربية من مخلفات الواقعة الشهيرة التي نشبت في تلك السهول بين العرب والفرنج (بلاط الشهداء)
ومن الحقائق التي لاشك فيها أثر العرب في الزراعة؛ فقد رأينا أن كثيراً من الغزاة تخلفوا عن إخوانهم واستقروا في تلك الأرض وزرعوها. ومن المعروف أن العرب حولوا وديان إسبانيا المجدبة إلى حدائق وغياض زاهرة، ونقلوا إليها مختلف الغراس من الشرق، وأنشئوا بها القناطر العظيمة؛ وقد حمل هؤلاء الغزاة المغامرون إلى جنوب فرنسا كثيراً من خبرتهم الزراعية، ونقلوا لسكان تلك الأنحاء؛ ويقال إن (القمح الأسمر) الذي هو الآن من أهم محاصيل فرنسا إنما هو من مخلفات العرب، وهم الذين حملوا بذوره وكانوا أول من زرعوه بفرنسا؛ والمرجح أيضاً أنهم هم الذين حملوا فسائل النخيل من إسبانيا وأفريقية إلى شواطئ الريفييرا. ومن آثارهم الصناعية، استخراج (القطران) الذي تطلى به قاع السفن ويحميها من العطب، فهم الذين علموه لأهل بروفانس، وما زال عندهم من الصناعات الذائعة، ومازال اسمه الفرنسي ينم عن أصله العربي.
ومن الحقائق الثابتة أيضاً فضل العرب في تحسين نسل الخيل في تلك الأنحاء، ومازال في جنوب فرنسا جهات تشتهر بجمال خيولها ونبل أرومتها، ولا سيما في (كاماراج)، وفي
стр. 6167
مقاطعة (لاند) من أعمال غسقونية؛ ومن المحقق أن هذه الخيول الأصيلة الجميلة إنما هي من سلالة الخيول العربية التي أحضرها الفرسان المسلمون معهم إلى تلك الأنحاء. ولا ننسى ما للدم العربي من أثر في بعض أنحاء جنوب فرنسا، فقد رأينا العرب أنشئوا بعض المستعمرات الزراعية وتزوجوا من نساء تلك الأرض وتناسلوا فيها؛ ولما تغلب عليهم النصارى، وأخرجوا نهائياً من تلك الأرض، تنصر كثير منهم ممن أسروا، وأرغموا على افتداء حياتهم وأسرهم بالتنصر؛ وقد لبث أبناء هؤلاء العرب المنتصرين عصوراً في تلك البلاد، يشتغلون بالزراعة والتجارة، حتى جرفهم تيار التطور واندمجوا أخيراً في المجتمع النصراني، واختفت كل آثارهم وخواصهم العربية.، وما زالت ثمة في بروفانس في وادي الرون على مقربة من ليون، كذلك في بيجور على مقربة من جبال البرنيه، جماعات فرنسية تتكلم لهجات غريبة، ولها أخلاق وتقاليد خاصة، ويظن البعض أنها ترجع إلى أصل عربي؛ ولكن البحث يرجح أنها ترجع إلى بعض قبائل النور الذين استقروا في تلك الأنحاء منذ عصور.
هذا، وأما عن الآثار الاجتماعية، فانه يلاحظ في بعض جهات بروفانس التي استقر فيها العرب مدى حين، أن لسكانها بعض التقاليد الخاصة، ومن ذلك أنواع معينة من الرقص، يظن أنها ترجع إلى أصل عربي. أن أعظم آثار العرب الاجتماعية في جنوب فرنسا، يبدو في تطور الحركة الفكرية في العصور الوسطى، فقد كان للعرب أثر عظيم في تكوين النزعة الشعرية في الجنوب، وظهر أثر هذه النزعة واضحاً في الحركة الأدبية التي تعرف بحركة التروبادور والتي ظهرت في جنوب فرنسا وفي شمال أسبانيا وشمال إيطاليا منذ القرن الحادي عشر، وقوامها القريض الحربي والغنائي، وزعماؤها فرسان شعراء وفنانون. أضف إلى ذلك أن تأثير الحضارة الإسلامية في سير حضارة أوربا الجنوبية لم يقف عند هذا العصر ولا عند هذه الحدود، فقد استمرت العلائق بعد ذلك طويلاً بين مسلمي الأندلس، والأمم النصرانية المجاورة، وكان للحضارة الأندلسية في تطورها الاجتماعي أعظم الآثار.
ولقد لبثت ذكرى العرب وذكرى الغزوات العربية في فرنسا تثير مدى القرن الثامن في نفوس النصارى أعظم ضروب السخط والروع، وتقدمها إلينا الرواية الكنسية المعاصرة في
стр. 6168
أشنع الصور؛ فلما ظهرت عصابات النورمان والمجر، وغزت فرنسا من الشرق والغرب، رأى النصارى من عيثهم وسفكهم أهوالاً لا تذكر بجانبها أهوال الغزوات الإسلامية، وارتفعت ذكرى العرب، وأضحت تقترن بكل ما هو عظيم ضخم، يقول رينو: (إن ذكرى الغزوات النورمانية والمجرية لا توجد إلا في الكتب. ولكن ما السر في أن ذكرى العرب مازالت ماثلة في جميع الأذهان؟ لقد ظهر العرب في فرنسا قبل النورمان والمجر، واستطاعت إقامتهم بها بعد الغزوات النورمانية والمجرية. وإن غزوات العرب الأولى ليطبعها طابع من العظمة، حتى أننا لا نستطيع أن نتلو أخبارها دون تأثر. ذلك أن العرب، دونالنورمان والمجر، ساروا مدى آماد في طليعة الحضارة؛ ثم انهم لبثوا بعد أن غادروا أرضنا، موضع الروع في شواطئنا، وأخيراً لأن المعارك التي اضطلعوا بها أيام الصلبين في إسبانيا وأفريقية وآسيا، أسبغت على أسمهم بهاء جديداً. بيد أن هذه العوامل كلها قد لا تكفي لتعليل المكانة العظيمة التييتبوأها الاسم العربي في أوربا وفي أذهان المجتمع الأوربي. إما السبب الحقيقي لهذه الظاهرة المدهشة، فهو الأثر الذي بثه قصص الفروسية في العصور الوسطى، وهو أثر لا يزال ملموساً إلى يومنا.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 6169
في يوم ماطر
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
كانت السماء مطبقة على الأرض، والمطر يسح حثيثاً متداركاً يكاد من شدته يقشر القطران، والماء يسيل على جانبيالطريق ويتدافع ويرتفع له مثل الموج، وكان أمام نافذتي بوابة عريضة وقفت على عتبتها فتاة تتقي المطر في ظُلتها. وكانتترتدي ثوباً مشرقاً بين الحمرة والبياض كأنما استعارت صبغته المزدوجة من الشمس الغاربة والقمر الطالع. وكانت فيه كأنها مِقطَعٌ أو مثال فصل الثوب على قده لعرضه على العيون، فمحاسنها كلها مجلوّة، وخطوط قوامها اللين مرسومة، وقد أجتمع طرفان منه على سرتها وانعقد على صفة وردة كبيرة، وتدلتعلى مدار خصرها الهضيم ذلاذل تكاد تمس قدميها الدقيقتين؛ أما صدرها فأطاف به شيء لا أدري ما صفته كان ثديها الناهدان يبدوان من تحته كأنهما في كأسين، أو كأنهما موجتان متناوحتان حجزتا وحيل بينهما وبين التسرب والانسياب. ولم يكن أفتن من منظرها وهي واقفة ترقب انقطاع المطر، وكان معي في البيت صاحب يحمل مظلة جميلة غالية، لا تفارق يده في صيف شتاء، ولا ليل ولا نهار، فكأنها قطعة منه، أو امتداد لذراعها، فغافلته وحملتها، ومضيت بها إلى هذه الفتاةووضعتها في يمينها، وارتددت عنها بلا كلام. فلما أفاقت من دهشتها كنت قد غبت عن عينها. وآن لصاحبي أن يخرج، فنظر فلم يجد المظلة، فتلفت هنا وهنا ثم سأل فقلت: (أترى هذه البوابة؟ كانت هنا فتاة جميلة تخشى على نفسها وعلى ثيابها من المطر فلم يسعني إلا أنجدها. . .). فسأل: (أعطيتها المـ. . . .
قلت: (ألم أقل لك إنك ذكي؟ بل أنت أيضاً ذو مروءة ونجدة وشهامة).
قال: (ولكن مظلتي؟ كيف أخرج الآن. . . . وفي هذا المطر أيضاً؟).
قلت: (إنها بلا شك تشكر لك هذا الصنيع الجميل، فأنت سعيد بذلك، فليتني كنت صاحبها - أعني المظلة!).
قال: (ولكن ماذا أصنع؟ كيف أخرج؟ إن هذا شيء. .). قلت: (يا صاحبي. إن الإيثار حميد، ولأثرة ذميمة).
فقال: (تعطي مظلتي لفتاة؟ أما إن هذا لغريب!).
стр. 6170
قلت: (يا صاحبي. لو رأيتها لما قلت (فتاة) بهذه اللهجة التي أنكرها ولا أرضى عنها. إنها فتاة رائعة. وإني لرجل متزن الأعصاب في العادة، ولكني أرجو أن تثق أنها فتنتني. وإني لآسف على حرمانك هذه المظلة الثمينة - أو التي كانت ثمينة منذ أربع سنوات - ولتكن عليك أن تتعزى بأن التي تحملها الآن أجمل فتاة على ظهر هذه الأرض، وأنك أنت سبب سعادتها في هذه اللحظة، وأن اسمك سيخلد في التاريخ، وأنى لو كنت شاعراً لقلت أبياتاً أخلد فيها صنيعك الحسن هذا، وإن أبنائي سيحفون بي كل ليلة ويطلبون أن أقص عليهم كيف فقد صاحبي العظيم مظلته الغالية. . .).
ولم أتم خطبتي لأنه خرج مغضباً، فأمسكت وحمدت الله!
وحمل إلى البريد رسالة غريبة هذا نصها بعد الديباجة المألوفة: (إن ما أقرأه لك يحملني على الثقة بأنك لن تخيب رجائي فيك. فهل لك أن تقابلني أمام باب (جروبي) الساعة السابعة من مساء اليوم؟ ولا أجرؤ أن أبدو لك حتى تبدو لي، فإذا صدق ظني فيك فلعلك تتفضل بأن تضع في عروتك زهرة من زهور (الأرواله) البيضاء، لأعرفك بها، وزيادة في الحيطة أرجو أن تقول لي (لا مطر غداً) فأقول لك (لم ولماذا وكيف يكون ذلك) فلا تنس).
ولم يكن على الرسالة توقيع، فلم أشك في أنها فتاة مصرية لم تألف أن تدخل (جروبي) وتجلس في حديقته، ولكنها تسمع باسمه فهي تقف عند بابه، فما يعقل أن يكون كل هذا الحرص والحذر من رجل، واطمأنت نفسي بعد أن خلصت إلى هذه النتيجة، وشكرت الحظ الذي أبعد عني صاحبي قبل أن تردني هذه الرسالة، بدقائق، ولو أنه كان معي لأطلعته عليها بلا أدنى ريب، ولكان المحقق أن يسبقني إلى باب (جروبي) فيطردني بوجوده، عنه. واشتريت الزهرة المطلوبة، ووضعتها في العروة، وأخرجت منديلاً وظلت أرفع يدي به وهو منشور إلى أنفي لأحجب هذه الزهرة عن العيون، فقد كانت كبيرة وأنا أخجل أن أضع على صدري زهراً ولو كان في حجم الحمصة، ووقفت بباب جروبي أتأمل الداخلين والداخلات، والخارجين والخارجات، وأشاور نفسي وأسألها كيف أقدم على خطاب من لا أعرف؟
ولم يكن ثم بد من الإقدام، فما اشتريت الزهرة البيضاء الكبيرة وغرستها فوق حبة قلبي
стр. 6171
لأعرض نفسي على الأنظار، فتوكلت على الله، على أنى - كما لا أحتاج أن أقول - أهملت العجائز وتركتهن يرحن ويجئن كما يشأن دون أن أكلف نفسي حتى النظر إليهن، وأقبلت فتاة رشيقة تتلفت كالمترددة فتمنيت أن تكون هي ودنوت منها وقلت:
(معذرة. واغتفري لي تطفلي، لا مطر غداً!).
فنظرت إلى باسمة وقالت:
(باردون؟).
فقلت لنفسي: (ليست بها. وقد غلطت والله يا ولد، فاخرج من هذا المأزق بسرعة) فتبالهت وسألتها بغير العربية:
(إنما كنت أسأل هل هذا جروبي؟).
فقالت وهي تبتسم: (طبعاً. . . الاسم مكتوب. . .)
فبلعت ريقي وشكرتها وارتددت عنها.
وأقبلت أُخرى أعذب منها - بلا شك - وأظرف على التحقيق، وأولى بأن ترؤف بي إذا غلطت فيها، وكانت تتأمل إعلانات وصوراً لشركة بواخر هناك، فدعوت الله أن يجعلها من نصيبي، وأقبلت بلا تمهيد:
(مطر غداً)
فقالت بعربية محطمة، استحى أن أثبتها بنصها: (شيء غريب! متأكد؟)
قلت: (ثقي بي. أني نشرة جوية متنقلة. . . مرصد إنساني متجول. . .)
قالت: (ظاهر. . أشكرك. . .)
قلت: (هذا واجبي. . . فلا أستحق شكراً)
قالت: (إنك تؤديه بذمة. . لقد رأيتك الآن تخاطب سيدة هناك. . . وهذه أخرى آتية، فاسمح لي ألا أحول بينك وبين عملك)
قلت: (لم يكذب ظني)
قالت: (كيف؟)
قلت: (كنت موقناً أنك أظرف من تلك التي هزئت وأخجلتني)
فسألتني: (هل أنت على موعد مع مجهولة؟)
стр. 6172
قلت: (أصبت. . .)
قالت: (مسكين!. . لعلها هذه) وأشارت فالتفت فإذا فتاتي - أعني الفتاة التي تفضلت عليها بمظلة صاحبي، فقلت:
(اخفيني عنها لحظة حتى تمر. . . تظاهري بأنك صديقتي دقيقة واحدة. . أرجو)
فضحكت وقالت: (لماذا تخشاها؟ هل خنت لها عهداً؟ لا بأس. تعال)
ووضعت ذراعها في ذراعي وهممنا بأن نسير، وإذا بفتاتي تصيح ورائي:
(من فضلك. . . من فضلك. . . ألا تذكرني. . إني مدينة لك بالشكر، لقد تركتني فجأة كما ظهرت لي فجأة، فلم أدر أين اختفيت، فهل تسمح لي باسمك وعنوانك لأعيد إليك المظلة؟)
فقلت: (هذا شيء تافه. . . لا تفكري فيه)
قالت (ولكني لا أستطيع أن أبقيها عندي وأحرمك)
قلت: (ثقي أنك لا تحرميني شيئاً فأنها ليست لي، بل لصاحب)
قالت: (ما أرقه!)
قلت: (إنه على نقيض ذلك. . أبعد ما يكون عن الرقة)
قالت: (هذا أدعى لردها إليه)
قلت: (لقد انتهى الأمر. سرقت مظلته وأعطيتك إياها، وعرف ما كان، وغضب وشال نفسه وحطها، ولم يبق هناك شيء آخر يمكنه أن يصنعه، فلا تكترثي له ولا تفكري فيه)
قالت بعطف: (مسكين!)
قلت: (لقد كنت أنا المسكين، وكانت هذه المظلة تفقأ عيني كلما رأيتها، فالآن أمنت، وفي وسمي أن ألقاه وأنا مطمئن، من غير أن يؤذي بصري منظر المظلة)
قالت وهي تضحك: (على كل حال لابد من ردها إليه ولك وله الشكر)
فكتبت لها الاسم والعنوان، ولم يفتني أن أحذرها من مقابلته، ولم يبق بعد ذلك ما يقال، فهممت بتوديعها وإذا برجل همٍ هرم يدنو مني وينظر إلى الزهرة التي على صدري ثم يقول وهو يفرك كفيه:
(هل سمعتك تقول لا مطر غداً!)
فحدقت فيه متردداً، ثم رفعت يدي إلى الزهرة فأخرجتها من العروة ورميتها على الأرض،
стр. 6173
فلم ينهزم وقال:
(لم ولماذا وكيف يكون ذلك؟). فكاد عقلي يطير، فتناولت ذراعي الفتاتين وأوليت الرجل ظهري ومضيت بهما عنه، وهما ذاهلتان تنظران إلي ولا تفهمان، غير أن هذا لم يمنع الرجل أن يمشي ورائي وهو يصيح:
(لم ولماذا وكيف يكون ذلك؟)
فقلت لفتاتي: (لم يبق إلا أن نجري، فهل تقدران على ذلك؟)
وجرينا مسافة ونحن نضحك، فلما أمنا أن يدركنا وقفنا وقصصت عليهما الخبر، فسألتني فتاة المظلة:
(ولكن ماذا يريد منك؟)
قلت: (لا أعرف، ولا أحب أن أعرف. .)
قالت: (ألا يحسن أن تتبين؟)
قلت: (أتبين؟ أليس حسبي ما منيت به من خيبة الأمل. ومع ذلك قد عوضني الله خيراً. . . هيا بنا لنستريح. . .)
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 6174
بين فن التاريخ وفن الحرب
١٠ - خالد بن الوليد في حروب الردة
للفريق طه باشا الهاشمي
رئيس أركان الجيش العراقي
(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهاأنا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)
خالد بن الوليد
خطة خالد
لاشك في أن خالداً كان يقدر حرج الموقف في قتاله أهل اليمامة. وكان يعلم أنه مقدم على أمر يتوقف عليه نجاح الإسلام أو خيبته. فالبلاد وعرة، والقرى فيها منيعة، والناس ملتفتون حول داعيهم، معتصمون بحيهم، وعددهم كثير، وسلاحهم يضرب به المثل
لذلك لم يقدم على الحركة قبل أن تصله النجدة الموفدة من المدينة. وأراد أن يمهد سبيل الظفر بالتدابير السياسية وذلك:
أولاً - باستمالة التميميين في اليمامة إلى جانبه
ثانياً - بتفريق رؤساء سجاح عن مسيلمة
وثالثاً - باستخدام المسلمين من بني حنيفة للمشاغبة على مسيلمة
والأخبار تدل على أنه أرسل الكتب إلى التميميين ليتركوا جانب مسيلمة فوفق إلى ذلك، كما أنه ساق قوة خيالة لمقاتلة رؤساء سجاح الثلاثة وهم عقة وهذيل وزياد، ففرق رجالهم واضطرهم إلى العودة إلى حي بني تغلب في الشمال. وأن المسلمين من بني حنيفة ثاروا على مسيلمة وشاغبوا عليه، ولعل عكرمة بن أبي جهل أراد أن يستفيد من المشاغبين فقاتل رجال مسيلمة فلم ينتصر، وكانت الأخبار تأتي خالداً وتنبئه بما في اليمامة
أما خطته العسكرية فكانت ترمي إلى الزحف إلى اليمامة على أقصر طريق، والهجوم على جيش مسيلمة أينما لقيه
عاد خالد من المدينة إلى البطاح في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية، وكان الجيش
стр. 6175
مجتمعاً فيها ينتظر أمر الحركة. وقضى خالد مدة قصيرة في البطاح يترقب ورود المدد من المدينة، فكانت القبائل تمد جيشه برجاله، فالتحق به رجال من بني أسد وتميم وبني عامر، وكانت الأخبار ترد إليه من اليمامة منبئة بأحوالها. وآخر من وصل إليه ابن عمير اليشكري فأطلع خالداً على جلية الأمر في اليمامة.
ساحة القتال
اختار مسليمة موقع عقرباء لجيشه، وهذا الموقع على الحدود الفاصلة بين اليمامة وبلاد بني تميم، وهو مفتاح لموضع من أخطر المواضع السوقية بين مقاطعة العارض ومرتفعات المحمل وجبل طويق
وبالقرب من هذا الموقع تقوم قرية جبيلة الحديثة، وقد بحث فيه (فلبي) في كتابه الآنف الذكر قال: (وإذا تأملت الوادي (أي وادي حنيفة) عند جبيلة - وجبيلة هذه أحد منازل بني حنيفة من قديم الزمان، وإليهم نسب الوادي وفي سمائه أرتفع لواء صيتهم فسمي بوادي حنيفة - لألفيته وهدة من الأرض قريبة القرار، واسعة الجوانب، تكتنفها المهابط المطمئنة الجرداء من كل حدب وصوب، وللوادي عقيق يضيق شيئاً فشيئاً حتى تراه قد غاض في بطن مجرى نشزت على ضفافه الطنوف الشواخص على النحو المتقدم وصفه. فالقرية أذن مفتاح لموضع من أخطر المواضع السوقية وأعظمها شأناً، واقعة بين مساكن العارض ومرتفعات المحمل وطويق. وقيل في هذا المكان وقعت معركة فاصلة من معارك التاريخ الإسلامي، دارت فيها رحى القتال بين أصحاب النبي وبعض المؤمنين من رجاله، وبين مسيلمة نبي حريملة الكذاب وقواته، وكان النصر فيها حليف المسلمين بعد أن خسروا آنئذ في سبيل دينهم القويم نحو سبعين من نخبة الصحابة، وهم الرجال الخلص الذين اصطفاهم النبي فأودع في صدورهم تعاليمه الشفوية. .) إلى أن قال: (لا تزال قبور الصحابة الذين استشهدوا في تلك المعركة ظاهرة إلى يومنا هذا، مهجورة في منبطح من غرين نهر عميق صفا ماؤه واقع على مقربة من القرية. وقد رأيت القبور أيام زيارتي لها ومروري بها وقد بليت وتحاتت بتأثير الزوابع وفعل الأعاصير، وقد نجم عن ذلك أن تفتحت جوانب الكثير منها، فظهرت فيها ثُغر فاغرة أفواهها نحو الوادي. ولم يزد ارتفاع الرسوب الغريني على ثلاث أو أربع أقدام فوق القبور. فلنا إذن من ذلك أحد الأمرين: إما أن الغرين قد رسب من
стр. 6176
قبل في المكان الموجود الآن فيه وبات مستواه على ما هو عليه بطبيعة الحال قبل معركة جبيلة. ولا غرو في أن الأمر الثاني هو الافتراض المحتمل وقوعه).
وصف الموضع:
يظهر من مطالعة الخريطة أن المحل الذي اختاره مسيلمة لقبول المعركة واقع في جنوبي العقدة التي تتشعب منها الجبال وتمتد في جهات مختلفة وتشرف على رؤوس الوديان المتدفقة من أرجائها والتي منها ما يجري نحو الشمال ويغذي وادي الخفس، ومنها ما يجري نحو الشرق ويتغذى وادي حنيفة، ومنها ما يجري نحو الغرب ويغذى بطين الحور. وقد اجتمعت قريتا عينة وسدوس وجبيلة حول هذه العقدة. وتعلو في وسطها رابيتا الأبكين: الرابية الغربية الشرقية، والغربية أعلى من الشرقية إذ يبلغ ارتفاعها عن السطح البحر (٣٢٠٠) قدم، وعن وادي حنيفة الذي يجري في جنوبها (٢٠٠) قدم. وفي شرقي الأبكين جبل رامة يمتد من الغرب
إلى الشرق، وهذا الجبل مع جبل الأبكين يفصلان بين شعيب سدوس ووادي حنيفة. فالشعيب في الشمال ينبع من غربي سدوس ويجري نحو الشرق فيترك على ضفافه سدوس وحزوة، ويلتقي بشعاب كثيرة أخرى تصب جميعاً في وادي الخفس. والوادي الثاني يجري في الجنوب. وإلى الشرق جبيلة يرتفع جبل صلبوخ. فكأن الجبال الثلاثة - الأبكين ورامة وصلبوخا - متصل بعضها ببعض ومحيطة بموضع جبيلة كالقوس
ويصف المستر فلبي المنظر قرب الأبكين فيقول: (وقفنا نتأمل بطحاء طويق الفسيحة الأرجاء، فألفينا مشهدها رائعاً مهيباً، وتتخللها الهضاب المتموجة والأودية السحيقة. وإنا لكذلك إذ لاحت مني التفاتة إلى الشمال فشاهدت على مسافة ميلين من بسطة أرضاً انطوي تحتها واد فسيح تحدرت جوانبه وانقطعت مجامعه عند حوض الخفس الواقعة فيه واحة سدوس - تلك الواحة الغضة الرائعة المشهورة بجمالها الفتان - كنا نراها ونرى فيها كل صغيرة وكبيرة، ونحن واقفون في مكاننا كأنها أمامنا وعلى مقربة منا، ولكنها ويا للأسف لم تكن على استقامتنا، فشق عليَّ زيارتها لبعد طريقنا عنها. وقد شاهدت بساتين النخيل ممتدة على طوار الينبوع الدافق مسافة ميل تقريباً في عرض قدرت معدله بين ٢٠٠ و٣٠٠ ياردة) إلى أن نقول: (ورأيت على مدى البصر إلى الجهة الشمالية الشرقية نجد مرتفعات
стр. 6177
العرمة، وقد بدت بلون أدكن، ونظرت إلى الشمال الغربي وادي حريملة، وهو فرع آخر من فروع حوض الخفس، وقد انفصل عن فرع سدوس بجرف متسع المتون مرتفعها، ورأيت في الجهة الجنوبية الغربية صدع جرف طويق فبدت من موضعه عقبة الحيسية. وإلى الجنوب وراء خط وادي الحيسية، وجرف الملاقي تمتد ظهور طويق العريضة في الفضاء الأغبس الفسيح)
وعندما يبحث في ثنية اليمامة يقول: (وبعد مسير سبعة أميال (على موازاة الأبكين) وصلنا إلى عقبة الحيسية المعتبرة منبع وادي حنيفة، فوجدنا أشجار السنط منتشرة حولها، وكان ارتفاعنا عن مستوى سطح البحر في هذه البقعة نحو٣٢٠٠ قدم، وكانت المسافة بيننا وبين البطين (بطين الحور) نحو٤٦ ميلاً. وقد استطعت أن أشاهد من هذا المكان وادي حنيفة بأسره آخذاً إلى الجنوب حتى اليمامة، وهذا بون شاسع يربو طوله على ١٠٠ ميل، وتأخذ فيه الأرض في الانخفاض تدريجاً إلى أن يبلغ ١٩٠٠ قدم. ولم أجد عند الصبب من المناظر الطبيعة ما يحملني منها على الإطناب في الوصف، وشاهدنا هناك الأرض أمامنا وقد انحدرت بهيئة مثلث فسيح الأرجاء، ضلعاه لهبان منفرجان من جرف طويق ومنته طرفاهما بأنفين بارزين أحدهما خشم خرشة في الجنوب، والآخر خشم الحيسية في الشمال، وتمتد بين هذين الأنفين قاعدة المثلث بشكل جناح ناشز من الحجارة الرملية الجرداء المغراء يسمونه المرقى في جانبه الأبعد يهبط شديد الاندحار ينتهي إلى وادي البطن. أما صدر شعيب هشة فهو في منبعه يتغلغل صبباً بين جدران منهره متمعجاً في عقيق ضيق، ثم يأخذ بعد حين في الاتساع على متون المنحدرات حتى إذا بلغ الحاشية الغربية من جناح المرقى ينفرج في بطن المحلة الخصبة ثم ينثني فيجد له مثيلاً في خلال الحواجز الصخرية فيتسرب منها إلى وادي البطين. وعلى نحو أربعة أميال من منبع وادي حنيفة نجد ما بقى من آثار ديار الهشة، وهي لا تتعدى بعض بساتين النخيل المتفرقة وثلاث آبار دائمة المياه، اثنتان منها مطويتان بالحجارة غزيرتا الماء دائمة الورد، يبلغ عمق كل بئر منها نحو قامتين، ويظهر لون الماء عند استقائه من البئر أطحل بتأثير الطبقة المتحجرة المستبطنة قرار البئر، وإذا ترك الماء وشأنه قليلاً ركد فيه الغرين فصفا وراق. وطعمه لذيذ عذب جداً. وينفرد آل قحطان بالاستفادة من هذه البئر) إلى أن يقول: (وليس في عقبة
стр. 6178
الحيسية صخور حرشاء تقف عثرة في سبيل الإبل. وربما كانت أسهل عقبات طويق مسلكاً، لذا فضلت على غيرها باتخاذها طريقاً للحج، وهو الطريق الذي سلكناه لما غادرنا الرياض من حيث ينحدر هذا الطريق إلى الضرمة).
الحركة من البطاح إلى اليمامة:
وبعد أن اجتمعت قوات المسلمين في البطاح واطلع خالد على موقف الحنفيين قرر التقدم تحو مسيلمة. وكان قبل ذلك قد رتب جيشه، فكانت نواته على ما نعلم الأنصار والمهاجرين والقبائل الضاربة بين المدينة ومكة. فقسم الجيش إلى فرق: فرقة من الأنصار، وفرقة من المهاجرين، وألفت كل قبيلة فرقة. وناط بأبي حذيفة وزيد ابن الخطاب قيادة المهاجرين، وبثابت بن قيس وبر بن مالك قيادة الأنصار. أما القبائل فكانت بقيادة رؤسائها.
ويروي أبو بشر الدولابي في كتاب التاريخ أن معركة عقرباء وقعت في شهر ربيع الأول للسنة الثانية عشر للهجرية، وأول هذا الشهر يقابل أوائل شهر أيار ٦٣٣ ميلادية. وتبلغ المسافة بين البطاح وعقرباء زهاء ٣٥٠ كيلومتراً، أي مسيرة عشرة أيام بجيش كبير على أقل تقدير. فيظهر من ذلك أن خالداً ترك البطاح في نهاية شهر نيسان أو في أوائل شهر أيار. فكانت خطة خالد ترمي إلى الزحف تواً إلى اليمامة، على أن يهجم على جيش مسيلمة أينما لقيه. وكان يعلم أن مسيلمة متأهب للمقابلة على حدود بلاده. لذلك قدّم أمامه مقدمة من بني طئ بقيادة عدي بن حاتم، وعين لها فرات بن حيان دليلاً، وسلك طريق الوشم نحو الشقرة. وأرسل إلى الأمام مكنف بن زيد الخيل وأخاه ليتجسسا الأخبار
ولم يشأ أن يترك خط الانسحاب معرضاً للخطر، لذلك أقام سليطاً مع قوة في البطاح ليكون ردءاً له من القبائل. وتزعم الرواية أن أبا بكر أمد خالداً بسليط ليكون ردءاً له لئلا يأتيه أحد من ظهره. أما مسيلمة فلما علم بمسير خالد نحوه تقدم بجيشه من اليمامة نحو الشمال وعسكر في عقرباء بجميع قواته منتظراً ورود جيش المسلمين متأهباً للمقاومة الشديدة. وكانت أخبار انتصار المسلمين على أهل الردة قد سبقت جيش المسلمين فألقت الرعب في قلوب الحنفيين. وتقدم جيش المسلمين على الطريق المذكور وكانت المقدمة تسبقه وتستطلع الأحوال.
يتبع
стр. 6179
طه الهاشمي
стр. 6180
٢ - محاولات أفلاطون
معذرة سقراط
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
أخذت ألتمس الناس رجلاً فرجلاً وأنا عالم بما أثيره في الناس من غضب كنت آسف له وأخشاه، ولكنها ضرورة لم يكن عن المضي فيها محيص. إنها كلمة الله، ويجب أن أُحلها من اعتباري المكان الأسمى، فقلت لنفسي: لابد أن أحاور أدعياء العلم جميعاً لعلي أفهم ما قصدت إليه الراعية. وأقسم لكم أيها الأثينيون أغلظ القسم - فواجبي أن أقول الحق - إنني قد انتهيت من البحث إلى ما رويت، وقد صادفت فيمن هم دون هؤلاء مقاماً رجالاً بلغوا من الحكمة ما لم يبلغه هؤلاء. وسأقص عليكم حديث تجوالي وما عانيت خلاله لتحقيق ما قالته الراعية. تركت رجال السياسة وقصدت إلى الشعراء، سواء في ذلك شعراء المأساة أو الأغاني الحماسية أو ما شئتم من صنوف الشعر، وقلت في نفسي: إن الأمر لا ريب مكشوف لدى الشعراء فسأجدني بازائهم أشد جهلاً. ثم جمعت طائفة مختارة من أروع ما سطرت أقلامهم، وحملتها إليهم أستفسرهم إياها لعلي أفيد عندهم شيئاً. أفأنتم مصدقون ما أقول؟ واخجلتاه! أكاد أستحيمن القول لولا أني مضطر إليه، فليس بينكم من لا يستطيع أن يقول في شعرهم أكثر مما قالوا هم وهم ناظموه. عندئذ أدركت على الفور أن الشعراء لا يصدرون في الشعر عن حكمة، ولكنه ضرب من النبوغ والوحي. إنهم كالقديسين أو الأنبياء الذين ينطقون بالآيات الرائعات وهم لا يفقهون معناها. هكذا رأيت الشعراء، ورأيت فوق ذلك أنهم يعتقدون في أنفسهم الحكمة فيما لا يملكون فيه من الحكمة شيئاً استناداً إلى شاعريتهم القوية. فخلفت الشعراء وقد علمت أني أرفع منهم مقاماً، فقد فضلني عليهم ما فضلني على رجال السياسة. وأخيراً قصدت إلى الصناع، وكنت أظنني جاهلاً بما يتصل بالصناعة من علم، وكنت أحسب أن لدي هؤلاء الصناع مجموعة طريفة من المعارف، وقد ألفيتني مصيباً فيما ظننت، إذ كانوا يعلمون كثيراً مما كنت أجهله، فكانوا في ذلك أحكم مني بلا ريب.
ولكني رأيت حتى مهرة الصناع قد تردوا فيما تردى فيه الشعراء من خطأ، فتوهموا أنهم ما داموا أكفاء في صناعتهم فلابد أن يكونوا ملمين بكل ضروب المعرفة السامية، فذهبت سيئة
стр. 6181
الغرور بحسنة الحكمة. لهذا ساءلت نفسي بالنيابة عن الراعية: أكنت أحب أن أظل كما أنا، لا أملك ما يملكون من علم، ولا أكبو فيما كبوا فيه من الخطأ، أم كنت أحب أن أكون شبههم في العلم والجهل على السواء؟ فأجبت نفسي، وأجبت الراعية: إنني خير منهم حالاً
وهذا الذي انتهيت إليه قد حرك العداوة في قلوب نفر من أشد الناس سوءاً وخطراً، كما نسج حولي طائفة من الدعاوى الباطلة. ولقد جرى الناس على تسميتي بالحكيم إذ خيل إليهم أنني ما فتئت أحمل الحكمة التي كانت تعوزهم. ولكن الله - أيها الأثينيون - هو الحكيم الأوحد، ولعل الله حين أجرى على لسان راعيته ما نطقت به، أراد أن الحكمة في البشر ضئيلة أو معدومة. إنه لم يتحدث قصداً عن سقراط، إنما ضرب باسمي مثلاً، كأنما أراد أن يقول إن من يدرك كما أدرك سقراط أن حكمته في حقيقة الأمر لا تساوي شيئاً، يكون أحكم الناس. فأنا كما تروني أسير وفقاً لما يرسمه لي الله، أفتش عن الحكمة في كل من يدعيها، لا أبالي أكان من أبناء الوطن أم غريباً، فان لم أجده كما أدعى، صارحته بجهله كما أمرتني الراعية. ولقد انصرفت إلى هذا الواجب انصرافاً لم يبق لي معه من الوقت ما أبذله فيما يشغل باب العامة، أو أنفقته في شئوني الخاصة؛ وهكذا كرست حياتي لله فعشت فقيراً معدماً
أما أن الشبان الأثرياء الذين لا تضنيهم شواغل الحياة كثيراً، قد التفوا حولي، فهم قد جاءوا يسعون من تلقاء أنفسهم، ليشهدوا امتحان الأدعياء؛ وكثيراً ما انطلقوا بدورهم يلتمسون أدعياء الحكمة ليجروا عليهم التجربة نفسها. وما أكثر ما صادفوا رجالاً ظنوا في أنفسهم العلم، فإذا بهم لا يعلمون إلا قليلاً، أو هم لا يعلمون شيئاً؛ فلا يلبث هؤلاء الذين امتحنهم الشبان أن يصبوا عليّ جام غضبهم، وأنفسهم أحق بهذا الغضب، ويستنزلون اللعنة على سقراط لأنه أفسد الشبان. فان سألهم سائل فيم هذه اللعنة، وأي جريرة أتى، وأي رذيلة علم، لما حاروا جواباً، لأنهم لا يعرفون لغضبهم سبباً. ولكي يستروا علائم الحيرة تراهم يعيدون التهم المعروفة التي قذف بها الفلاسفة جميعاً، من أنهم يعلّمون ما يتصل بالسحاب، وما هو دفين تحت الثرى، وأنهم كافرون بالآلهة، وأنهم يُلبسون الباطل صورة الحق؛ والحقيقة أنهم جاهلون ويأبون الاعتراف بجهلهم المكشوف. ولما كانت تلك الفئة كثيرة طامعة نشيطة، وقد تصدوا جميعاً للنزال بما لهم من ألسنة حداد تلعب بالنفوس، فقد ملأوا أسماعكم بهذا
стр. 6182
الاتهام الباطل. وكان أن ناصبني العداء هؤلاء المدعون الثلاثة: مليتس، وأنيتس، وليقون. فقد ناهضني مليتس ليمثل جماعة الشعراء، وأنتيس ليمثل طبقة الصناع، وليقون ليمثل الخطباء. وأنني كما قدمت لا آمل في أن أمحو في لحظة كل ما علق بي من تهم باطلة. أيها الأثينيون! لقد رويت لكم الحق كل الحق، لم أُخف شيئاً، ولم أشوه شيئاً، ومع هذا فأنا أعلم أن صراحتي في الحديث ستصدكم عني، وما هذا الصد إلا برهان على أني أقول الحق. تلك هي دعواهم وذاك منشؤها، ولن تسفر هذه المحاكمة ولا أية محاكمة مقبلة عن غير هذا
حسبي هذا دفاعاً للفريق الأول من المدعين. وهأنذا أتوجه الآن بالحديث نحو الطائفة الأخرى وعلى رأسيهم مليتس، ذلك الرجل الطيب، الوطني، كما يقول عن نفسه. وسأحاول أن أدفع عن نفسي ما أتهمني به هذا الفريق الجديد. وجدير بنا أن نبدأ بتلخيص دعواهم، فماذا يزعمون؟ إنهم يقولون: أن سقراط فاعل للرذيلة، مفسد للشباب، كافر بآلهة الدولة، وله معبودات اصطنعها لنفسه خاصة. تلك هي دعواهم، وسبيلنا الآن أن نناقشها تفصيلاً.
أما الزعم بأني فاعل للرذيلة مفسد للشباب، فأنا أقرر أيها الأثينيون عن هذا الرجل مليتس، أنه هو صاحب رذيلة. ورذيلته أنه يتفكه حيث يجب الجد، وهو لا يرى غضاضة في أن يسوق الناس إلى ساحة القضاء متستراً وراء الحماسة المصطنعة والاهتمام المتكلف بأمور لا تعنيه بشيء؛ وسأقيم لكم الدليل على صدق هذا
- اقترب مني يا مليتس لألقي عليك سؤالاً. هل تفكر طويلاً في إصلاح الشباب؟
- نعم، إني أفعل
- أذن فقل للقضاة من هو مصلح الشبان، فأنت لابد عالم به ما دمت قد عانيت آلاماً في اكتشاف مفسدهم، فها أنت ذا قد سقتني إلى القضاء متهماً. تكلم إذن وقل للقضاة من هو مصلح الشبان. وما لي أراك يا مليتس لا تحير جواباً؟! أفليس هذا دليلاً قاطعاً، مزرياً بك، يؤيد ما ذكرته من أن أمر الشبان لا يعنيك في شيء؟ تكلم يا صديقي وحدثنا عن مقوم الشباب!
- هي القوانين
- ولكن ليست القوانين هي ما عنيت يا سيدي، إنما أردت أن أعرف ذلك الشخص الذي
стр. 6183
يحفظ القوانين قبل كل شيء
- هم من ترى في المحكمة من قضاة يا سقراط
- ماذا تريد أن تقول يا مليتس؟ أتعني أن القضاة قادرون على تعليم الشبان وإصلاحهم؟
- لست أشك في أنهم كذلك
- أكلهم كذلك، أم بعضهم دون بعض
- القضاة جميعاً
- قسماً بالآلهة إن هذا الخبر سار. إذن فهناك طائفة من المصلحين، وماذا تقول في النظارة؟ أهم يصلحون الشباب؟
- نعم هم يفعلون
- وأعضاء الشورى كذلك؟
- نعم أنهم كذلك يصلحون
- ولكن قد يكون رجال الدين لهم مفسدين؟ أم هم كذلك يقومون الشباب؟
- إنهم كذلك من المصلحين
- إذن فكل الأثينيين يصلحون الشبان ويرفعون من قدرهم، ما عداي. فأنا وحدي الذي أفسدت الشباب. أهذا ما أردت أن تقول؟
- وذلك ما أؤيده بكل قوتي
- يالبؤسي إذن إن صح ما تقول!. ولكني أُريد أن أسألك سؤالاً: أيصح هذا القول كذلك على الجياد؟ أيمكن أن يقدم لهم الأذى فرد واحد، بينما يقدم الخير العالم أجمع؟ ألست ترى العكس هو الصحيح؟ فرجل واحد يستطيع أن يعمل لها الخير، أو قل هي فئة قليلة، وأعني أن مروض الجياد هو الذي يقدم لها الخير، أما بقية الناس الذين يستخدمونها في أعمالهم فهم لها مسيئون. أليس هذا صحيحاً يا مليتس بالنسبة إلى الجياد وكل أنواع الحيوان؟ نعم ولا ريب، سواء رضيت أنت وأنيتس أم لم ترضيا، فذلك لا يعنينا. اللهم أنعم بحياة الشبان لو كان عليهم مفسد واحد فحسب. وكانت بقية العالم مصلحين. وأنت يا مليتس، لقد أقمت لنا الدليل ناصعاً على إنك لم تكن تفكر في الشبان؛ فإهمالك إياهم واضح حتى فيما ذكرت في صحيفة الدعوى. والآن يا مليتس، لابد أن أسألك سؤالاً آخر: أيهما خير، أن يكون أبناء
стр. 6184
وطنك الذين تعيش بينهم فاسدين أم صالحين؟ أجب يا صاح فذاك سؤال ميسور الجواب! ألا يقدم الصالحون الخير لجيرانهم بينما يسئ إليهم الفاسدون؟
- نعم ولا ريب
- وهل هناك إنسان يفضل أن يساء إليه على أن يُحسن إليه ممن يعيش بينهم؟ أجب يا صديقي، فالقانون يتطلب منك الجواب. أيحب أحد أن يصيبه الضر؟
- كلا ولا ريب
- وأنت حين تتهمني بإفساد الشبان والحط من شأنهم، أتزعم أني أتعمد ذلك الإفساد يجئ عني عفواً؟
- أنا أزعم أنه إفساد مقصود
- ولكنك اعترفت الآن أن الرجل الصالح يقدم الخير لجيرانه، وأن الفاسد يقدم لهم الشر، أفتظن أن هذه الحقيقة قد أدركتها حكمتك البالغة وأنت لا تزال من الحياة في هذه السن الباكرة، وأنا، وقد بلغت من الكبر عتياً، مازلت أخبط في ظلام الجهل فلا أعلم أني أفسدت أولئك الذين أعيش بينهم فيغلب أن يصيبني منهم الضرر؟ أفاكون عالماً بهذا ومع ذلك أفسدهم، وأفسدهم متعمداً؟ هذا ما تقوله أنت، فلا أحسبك مقنعني به ولا مقنعاً به كائناً من كان. إحدى إثنتين: إما إنني لا أفسد الشبان، أو أنني أفسدهم من غير عمد؛ وسواء أصحت هذه أم تلك فأنت كاذب في كلتا الحالتين
فان كانت جريمتي بغير عمد فلا يحاسب عليها القانون، وكان خليقاً بك أن تسدي لي النصح خالصاً، محذراً ومؤنباً في رفق ولين، فان انتصحت بك، أقلعت ولا ريب عما كنت آتيه بغير قصد؛ ولكنك أبيت لي نصحاً وتعليماً، وآثرت أن تجئ به متهماً في ساحة القضاء، وهي محل العقاب لا مكان التعليم
لقد تبين لكم أيها الأثينيون أنه لا يعنيه أمر الشبان في كثير ولا قليل، ولكني مازلت أود يا مليتس أن أعرف منك فيم كان إصراري على إفساد الشباب؟ لعلك تعني كما يبدو من اتهامك أني حملتهم على إنكار الآلهة التي اعترفت بها الدولة، ليقدسوا في مكانها معبودات جديدة أو قوى روحانية. أليست هذه هي الدروس التي زعمت أني أفسدت بها الشباب؟
- نعم، هذا ما أقوله وأؤكده
стр. 6185
- إذن فقل لي يا مليتس، وقل للمحكمة في عبارة واضحة، أي آلهة أردت في دعواك، لأنني حتى الساعة لا أفهم ما تأخذه عليَ. أكنت أعلم الناس الأيمان بآلهة معينة؟ وإن كان هذا فهم مؤمنون بآلهة ما، ولم أكن إذن كافراً تمام الكفران. إنك لم تشر إلى ذلك في الدعوى واكتفيت بالقول أنها ليست نفس الآلهة التي تعترف بها المدينة. ما تهمتي؟ أهي الدعوة إلى آلهة مخالفة أم تزعم أني ملحد ومعلم للإلحاد؟
- أردت الأخيرة، فأنت ملحد غاية الإلحاد
- هذا قول عجيب لم نعهده يا مليتس، ماذا تعني به؟ ألست أومن بإلهي الشمس والقمر، وهي عقيدة سائدة بين الناس جميعاً!
- إني أؤكد لكم أيها القضاة أنه لا يؤمن بهما، فهو يقول إن الشمس كتلة من الحجر، وأن القمر مصنوع من تراب!
يتبع
زكي نجيب محمود
стр. 6186
ذكرى ميلاد
عند الثلاثين
للأستاذ محمد سعيد العريان
لشد ما أعياني السُرى!
منذ تسع وعشرين أصعد في الجبل وما بلغت. أتراني إلى القمة أدب دبيبي، أم قد جاوزتها وما أدري، فأنا منحدر أتدلف من جانبها إلى بطن الوادي. .؟
يكتفني الغيب فما أعرف أين يومي من أمسه ومن غده. أما أمس فقد خلعته عني، وطوته الأيام طي مرقعةٍ بالية فما تراه إلا خُلقاناً مركومة كالميت لفَّته أكفانُه. وهل الماضي إلا الجزءُ الذي مات منا؟
وأما الغد. . . فمن لي بما هناك؟ إن الأحلام لتكذب، فما أحسبها كانت تتراءى لي إلا دنيا غير دنياي ليس من أيامها يومي ولا غدي
هذه الأيام صرعى على مدرجة الزمن، وما تزال المنى تصطرع في رأسي!
يا لي من الأيام! لشد ما كانت تسخر مني إذ تمد لي أسباب المنى، حتى إذا هممتُ لم تكن عثراتي إلا أيامي!
اِنقشعي أيتها الغيوم واكشفي لي عما وراءك؛ إن لي أمنيةً هناك!
إني لأراني كأنما لَبِسَني النوم، فأنا من الرؤيا في دنيا غير التي أعرف، وناسٍ غير هذه الناس، وثَمَّت طفلٌ يعدو خلف فراشة، أتراه مُدرِكُها؟
لقد آب فارغ اليد، ولكن على شفتيه ابتسامة!
وأقبل يتعرفني وما كانت به إلى من حاجة
قال: (من أنت؟)
قلت: (أما تعرفني؟)
قال: (نعم، فمن تكون؟)
قلت: (فأنظر في مرآتك لعلك واجدٌ فيها الجواب.)
ونَظَر ونظرتُ من خلفه، فما كان في المرآة إلا وجه الطفل الضاحك
ولوى رأسه وعاد ينظر إلي ويقول:
стр. 6187
- (لستَ هناك، وما أُراني أعرفك ولا تعرفك مرآتي)
ورفت الفراشة فانطلق يعدو وراءها والابتسامة على شفتيه!
يا طفولتي التي فرت بأسعد أيام الحياة، ليتكِ كنت تعرفين!
وعاد الطفل فتى يخطر ريان الوجه مشرق الجبين، فأزْوَرَّ إذ رآني على الطريق
قلت: (أتنكرني يا فتى؟ فإنني صاحبك!)
قال: (متى؟ فما أضنني عرفتك!)
قلت: (ذاك يوم التقينا على السفح والشمس ضاحية، وتصاوير الزهر ترف من أجنحة الفراشة)
وابتسم الفتى ومر بيمناه على جبينه وهو يقول:
- (لعلي أذكر من بَعدُ!)
وانطلق يغني جذلان
يا نضارة الصبي وبكرة الشباب، ليتك إذ توليت عابثة ناعمة بالحرية - كنت تدرين من هناك!
وأقبل من بعدُ شاب يبتسم. ما أشبه بصاحبه!
قلت: (هاأنت ذاك، أما تعرفني؟)
قال: (كأني رأيتك من قبل، بربك من تكون؟)
قلت: (فانك ما تزال تنكرني على ما صحبتُك زماناً ولمّا يَنقض عهد طويل!)
ولم أجد جوابي؛ فقد لوى الشاب رأسه يتابع بعينيه فتاةً تخطر، ثم انطلق مُهطعاً وراءها ونفسي تتبعه
يا الله! لكأنها هي. . .!
وتلاشى الوجود من أمامي فلم أعد أرى غير وجه ضاحك، وطلعةٍ مشرقة، وعينين تُشعان النور من وجه الفتاة
ورأيتها تدنو مني وفي وجهها كلام. . .
قلت: (أما تزالين تذكرين يا فتاة؟ يا للنفس العطوف!)
قالت: (أئنهُ لأنت؟ لله صبْرُك!)
стр. 6188
وانقضت كلماتها على صدري بالهم والوحشة والعذاب، وكأنما أجتمع منها تاريخ سبع سنين طوال، ما يزال في القلب منهن جراحٌ تنزف!
وانثالت الذكريات على نفسي تتمثل من مشاهدها قصة غرام ثائر، أغْفَلَها مُنشِئها قبل أن يبلغ بها إلى نهاية
ورحت أنكت الأرض بالعصا، كأني أفتش تحت التراب عن الجزء الذي مات من قلبي! ورأيت ظلها على الأرض، فاستحيت أن أرفع رأسي وفي عيني دموع!
يا للشباب من حب بلا رجاء! أؤضيع أنضر أيام الحياة مصبوباً على نفسي، أبحث عن أهون ما في الحياة؟
وأين الرجولة إن بذلت شبابي ونفسي لأعدو في ظل فتاة؟
أُتُراها تَجدُ فَقْدِي؟
إن المرأة للرجل إن هي إلا وحيُ المجد ومطلعُ الأمل، فإذا عادت لهفةً ودموعا فما هي امرأة، ولكنها اليأس والحرمان والخيبة!
وتذكَّرْتُ صاحبي الذي أنفلت مني مُهطعاً إلى فتاته، فإذا هي أمامي والفتاة إلى جانبه ذراعاً إلى ذراع
قال: (ما تقول لنفسك؟)
قلت: (أوَ تسمع هَمْس النفس ونجوى الضمير؟)
قال: (قد علمت بعض هذه النجوى. . . أفكنت تتحدث بما تتحدث إلى نفسك، لو لم تكن هذه الشعراتُ البيض تخفي وتلوح في فوْدَيكَ؟)
قلت: (أوَ تراها؟. . . فاسأل صاحبتَك عن خبرها؛ فهل جاءك أن هذا الشيب الباكر يدلّ إلا على شباب القلب؟ ما أحسبك تَعْلمُ حتى تُنْبِئَكَ الشعرةُ البيضاء!)
واستضحك الفتى والفتاة. . .!
وتلاشى الوجود ثانية من أمامي! وإذا أنا في دنيا غير دنياي، وناسٍ غير هذه الناس؛ وإذا المرآة أمامي تجلو لي ما تجلو (الخيالة)، وكأنما اجتمع بها في زمان ومكان تاريخي كله على الأرض منذ تسع وعشرين بماضيه وحاضره، وران ضبابُ أنفاسي على ثلث المرآة
وإذا فيما ظهر لي من المرآة طفل يعدو خلف فراشة، ما ينفك يقفز ويثب
стр. 6189
وغلام يخطر مغنياً جذلان، ما يعنيه إلا الكرة يرتق فتوقها، واللّدات من الصبيان يتجاذب وإياهم أسباب المسرة في الحارة وعلى ناصية الطريق
وشاب باسم الثغر منبسط الأسارير دنياه هذه الفتاة، له منها في النهار مشغلة وفي الليل مشغلة. ثم. . . ثم هذا الوجه الذي يعرفه صحابتي، على شفتيه ابتسامة عابسة، وفي عينيه سر يبالغ في الاستخفاء، ومن وراء جبينه أماني تصطرع، ودنيا يموج بعضها في بعض
ليت شعري أهذه هي الحياة، أليس فيها أحسن مما رأيت، أهذا كل ما هناك؟
يا ضيعة المنى إن كان الغد يوماً مكرراً مما فات!
أين المثل الأعلى الذي جهدت في تخيله، وأعياني الكد في البلوغ إليه؟ أترى البشرية الضالة قد حطمت تمثاله، وخربت هيكله، أم لا يزال قائماً هناك مختبئاً خلف الغد؟
محمد سعيد العريان
стр. 6190
ذكريات
دمه العربي. . .
للأديب حسين شوقي
حينما كنت في باريس أتلقى دراسة القانون تعرفت بالفندق الذي كنت أقيم فيه بالحي اللاتيني (حي الطلبة) بطالب أسباني، وقد دفعتني إلى حب التعرف به معرفتي اللغة الأسبانية، (فقد قضيت خمس سنوات بأسبانيا)، والميل إلى التمرن عليها. . كذلك جذبتني إليه سيماه العربية كسمرة بشرته، وعيونه السوداء، وهي في حدتها كعيون البدو في الصحراء، وجذبتني إليه اسمه العذب الذي ينتهي بحرف (الثاء) إذ كان يدعى مونيوث، وهذا الحرف لا يوجد على ما أعلم - إلا في اللغة العربية، فورثته الأسبانية عنها. . كنا نقضي الليل أنا وهو في كثير من الأحيان، في مقهى ليلي جميل يديره بعض الصينيين بالحي اللاتيني، ذلك الحي الذي لم يكن تخلى بعد لحى مونبرناس (حي الشعراء والفنانين) عن إمارة الليل. .
وكان مجلسنا يضم أيضاً طالبين أسبانيين، وطالباً أخر من جزر الفلبين. .
وا آسفاه على تلك الليالي الغابرة التي قضيناها في المتاع واللهو! بينما كنا ذات ليلة جالسين كالعادة في المقهى ننعم بالرقص والموسيقى، إذا بأحد الشبان يصفع صديقته وقد رآها تتبادل النظرات غير المشروعة مع شاب آخر. . فغضب مونيوث لهذا المنظر، وهم بالتدخل في الأمر لولا أننا أمسكنا بسترته لأننا كنا نخالفه الرأي اشفاقاً على العاشق المخدوع الذي لم يقدم على عمله في اعتقادنا، إلا تحت سلطان الغيرة. . وقد دفعنا هذا الحادث إلى الخوض في موضوع الغيرة فأطبق رأينا على أنها شعور طبيعي يلازم الحب، وعلى أنه مقياس حرارته الصادق، بخلاف مونيوث الذي كان يرى في الغيرة شعوراً أولياً همجياً يمكن القضاء عليه بالتربية والتهذيب كما قضت المدينة من قبل على بعض عيوب البشر الأولى. .
فقال عندئذ فرناندو - الطالب الفلبيني - موجهاً الكلام لمونيوث:
إذا كنت يا صديقي لا تغار فما بالك تحجب عنا حبيبتك نانيت؟
فبُهت مونيوث لهذا السؤال المفاجئ وتلعثم قائلاً:
стр. 6191
أنا لا أحجب نانيت بل هي التي تعرض عن الحضور لأنها لا تحب الرقص. .
فصاح ريكاردوا، أحد الطالبين الآخرين:
يا للعذراء! هل هناك فتاة تبغض الرقص؟ إن رجلي البائستين لم تعودا تحملانني من كثرة ما رقصت مع صديقتي سيمون!
فقلت بدوري لمونيوث:
ولكني لم أشاهد صديقتك نانت هذه!
فتدخل فرناندو قائلاً: إنه يخاف عليها يا عزيزي كما تخاف القطة على صغارها
ثم استمررت موجهاً كلامي لمونيوث:
لا يمكن إلا أن تكون غيوراً يا صديقي، ففي عروقك الدم. الشرقي العربي الفائر. .
ولكن مونيوث أصر على إنكاره الغيرة كما أنكر الدم العربي، واعداً إحضار نانيت معه في أقرب فرصة. . .
ولكن مونيوث طبعاً لم يف بوعده. .
تعرفت بعد ذلك بأيام بنانيت هذه بالفندق، إذ أتت لتزور مونيوث وكان إذ ذاك معتل الصحة، فعذرت عندئذ صديقي لحرصه على نانيت، لأنها كانت جميلة إلى حد بعيد، بشعرها الذهبي المنفوش، وعينيها الخضراوين اللتين كأنهما عينا قطة أنقرية. . ولما كنا في ذلك الوقت في أواخر شهر ديسمبر، وضعنا ذات ليلة برنامج سهرة في ليلة رأس السنة، ووعدنا مونيوث باصطحابه نانيت في تجوالنا تلك الليلة بمقاهي باريس الليلية. . على أننا شككنا في هذا الوعد أيضاً. . ولكن حينما جاءت الليلة الموعودة، أقبلت نانيت متأبطة ذراع صديقها! بدأنا طوافنا بالذهاب إلى ملهى (الطاحونة الحمراء) حيث كانت الممثلة الأسبانية الرشيقة (راكل ملر) تخلب الباريسيين بصوتها الشجي ورقصها السماوي. . ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مقهى قريب من (الطاحونة الحمراء) يديرها بعض أشراف الروس الذين هاجروا من بلادهم على أثر قيام النظام الشيوعي في روسيا؛ وكان المحل غاصاً بالأجانب والفرنسيين على سواء الذين أتوا ليستقبلوا السنة القادمة بين المرح والسرور عساها تأتي لهم بالسعادة. . .؟!
جلسنا في البار الذي كان مرتفعاً حتى نستطيع أن نشرف على المرقص بأجمعه. . ثم
стр. 6192
شهدت بعض أصدقائي من المصريين جالسين بالقرب من حلبة الرقص، فانتقلت إلى مائدتهم لتحيتهم. . . ولكن لم يمضي زمن طويل على وجودي معهم حتى سمعنا جلبة قوية آتية من جهة البار، فذهبت لفوري إلى هناك فإذا بأصدقائي الأسبان يتشاجرون مع بعض الفتية الفرنسيين، وقد تمكن الحاضرون من تفريقهم بعد جهد كبير دون الالتجاء إلى البوليس. . أما سبب المعركة فكان نانيت! والمحرك الأول هو مونيوث!
غازل شاب فرنسي جميل نانيت، ولكن مونيوث لم يفعل شيئاً وقتئذ برغم ملاحظته الأمر، وذلك عملاً بمبادئه السلمية وتغلباً على الغيرة المرذولة! ولكن مونيوث المسكين لم يطق صبراً حينما شاهد نانيت تبتسم بدورها لمغازلها، فأفلت منه جواد الغيرة الجامح. . فأمسك مونيوث بكرسي وقذف به الشاب الفرنسي عندئذ هب بعض الفرنسيين الحاضرين للدفاع عن مواطنهم، وكان بغض الفرنسيين للأجانب شديداً في ذلك العهد، فهب الأسبان بطبيعة الحال للدفاع عن مونيوث.
انتقلنا بعد ذلك إلى صيدلية ضمدت فيها الجراح وأهمها جرح بليغ في شفة مونيوث السفلى، إذ كنا عازمين على السهر إلى آخر الليل حتى لا نستقبل السنة الجديدة بمثل هذا الحادث المكدر. . ثم قصفنا طويلاً في أحياء باريس المختلفة.
سألت مونيوث ونحن في طريق العودة إلى الفندق ألا يزال ينكر الغيرة ولا يؤمن بدمه الشرقي العربي؟ فأومأ برأسه اعترافاً بهزيمته أمام الغيرة، وبما يخالط دمه الأسباني من دم عربي حر. . واكتفيت بهذا الإيماء، فان الكلام كان يؤلمه، لأن فمه لا يزال دامياً، ولعل قلب مونيوث المسكين كان أدمى من فمه!. .
كرمة ابن هانئ
حسين شوقي
стр. 6193
من شعر الشباب
الطائر السجين
للأستاذ محمود الخفيف
راسف في القيد موصول الأنين … مطرق الهامة في يأس حزين
تلمح الحيرة في نظرته … نظرة اللوعة والغيظ الدفين
وترى الثورة في إذعانه … وهو بالأذعان من قبل ضنين
ناسل الريش نحيلشاحب … ذابل المقلة محزون الجبين
ساهم طوراً وطوراً راقص … رقصة المُوثَق بين الموثقين
سائل عن ذنبه في حسرة … وسكوت هو كالنطق مبين
نائح في يأسه ملتمس … رحمة الغادين بعد الرائحين
يحسب الراني إليه مشفقاً … يعرف الرأفة بالمستضعفين
فيرجى الغوث في إقباله … ولقد يرجى مع اليأس اليقين
فإذا مر به في غلظة … وجمود عاد مكروب الحنين
يتمنى الموت في محنته … ضجعةُ الموت خلاص اليائسين
وإذا أبصر سرباً عابراً … وهو في السجن رهين مستكين
هز للطير جناحيه كما … جرّر الأغلال في الأسر سجين
نسى القضبان في لهفته … ومضى يسبح بين السابحين
رده السقف سريعاً فهوى … طارف العينين مكتوم الأنين
وكسا ريش جناحيه دم … من جراح الصدر أو نضح الوتين
وإذا غنى لديه طائر … لم يذق قبلُ عذاب الراسفين
بلغت لوعته غايتها … وتوالى النوح والدمع السخين
يعرف المحزون أقصى حزنه … حين يمسي في قبيل ضاحكين
أيها العاني برغمي أن أرى … ما تلاقي من عذابٍ وشجون
أيها الطائر ما لي حيلة … ليت من صادوك يوماً يشفقون
حسبوا أنك فيهم ناعم … أولا تأكل مما يأكلون
стр. 6194
أولا تمسي لديهم آمناً … وترى الإحسان فيما يصنعون
قفص تصدح فيه سالماً … أين من زينته سود الوُكون
وصحاف وشراب طاهر … وهدوء لم ينله المترفون
قسماً لو حاسبوا أنفسهم … لمضوا عن ذنبهم يستغفرون
أين هذا القيد من حرية … هي أحلى لك مما يصفون
تجد القسوة فيما أحكموا … ومعاني الظلم فيما يدعون
وتعاف الضيم في نعمتهم … ولو اسْطَعت تخيرت المنون
وترى الشهد لديهم علقماً … وهمو عن غيهم لا يرجعون
رب يوم عضك الجوع به … كان أشهى لك مما يبذلون
أين ما تلقاه في أغلالهم … من ظلال كنت فيها وعيون؟
وفضاء كنت فيه مطلقاً … ومقيل لك في وكر مصون
وطعام لم يكن ذا غصة … لم يكدره لديك الطاعمون
أترى القضبان في قسوتها … كوثير العشب أو خضر الغصون؟
يا عدو الأسر في فطرته … يا طليقاً بات في القيد رهين
أن تأملت لما تلقى به … لن تراهم بك يوماً حافلين
كنت في جوك حراً آمناً … فتلقتك شباك الصائدين
قتل الإنسان ما أظلمه! … دأبه العدوان والغدر المهين
يكره الظلم إذا ما مسه … وهو أن يأمنه شر الظالمين
يتحدى الطير في أجوائها … ويصيد الوحش في الغار الكنين
أو لم يكف ضحايا بغيه … من بنيه الوادعين الآمنين؟
يا أسيراً يذرف الدمع دما … لست في بلواك معدوم القرين
كم سجين بات يبكي حظه … مثلما تبكي، ويبكي الناظرين
هذه الدنيا لعمري قفص … لبنيها العُزل المستضعفين
قد قرأنا الظلم في غابرها … في فتوح الغاصبين الناهبين
فكرهناه ونددنا به … وبرئنا من ظلال الغابرين
стр. 6195
أولا نمرح في أصفاده … ونراه اليوم في المستعمرين؟
وإذا الناس على فطرتهم … ولئن راق خيال الواهمين
وإذا العدل سراب لامع … طالما بتنا به منخدعين
قف بهذا الشرق وانظر كم ترى … فيه من بغى ومن حكم لعين
اسأل الوادي عن محتله … وفلسطين عن المغتصبين
وأذكر الهند ففي محنتها … حجة تنسخ قول المبطلين
دخل السجن بريئاً شيخها … ساخراً من باطل المستكبرين
حمل العبء على أسقامه … وكفاه لو دروا عبء السنين
ويميناً لو نسوا أطماعهم … لجثوا بين يديه نادمين
وكأيِّن في الورى من آية … ويمرون عليها معرضين!
يعرف الأغلال من كلبدها … وعرفناها كراماً صابرين
جرب المحتل فينا وكرهُ … ورمانا ببنينا الغادرين
وأتى الثورة من مقتلها … فوقفنا دونها مستبسلين
فرمانا بلظى من ناره … وسقطنا عشرات ومئين
وافتدينا الحق في هودجه … واحتشدنا حوله مستشهدين
ورفعنا فوقه رايته … وتزاحمنا عليها مقسمين
ورأى الغاصب أنا لم نكن … بالخياليين أو باللاعبين
ضاقت الأنفس حيناً وبدت … نذر الرجفة للمستهزئين
والتقى الأشبال في غضبتهم … ومشوا نحو المنايا طائعين
أيقظوا الثورة لولا حكمة … من بنيها السابقين الأولين
أفسدوا كيد المحيطين بهم … فأتوا غِيرانَهم منكفئين
قسماً ما أجلَّوها خشية … ولئن طال حديث المرجفين
ليس من يبذل طوعا دمه … بالذي يرهب بأس المعتدين
كمنت فيهم، فان لم ينتهوا … بعثوها في غد مستأنفين
محمود الخفيف
стр. 6196
حنين إلى الوطن
للشاعر الحجازي أبى يعرب المدني
أحن إلى ذكريات الحجاز … حنين الفطيم إلى ظِئره
أحن إليه حنين الحما … م إذا ما تغرب عن وكره
إذا هب من جانبيه النسيم … تروَّحت دنياي في نشره
يرفرف روحي على ساحليه … فيغترف الشعر من بحره
وما ذبل الوجد حتى يجف … لسان القصائد عن ذكره
ألا ما سقى الله أرض الحج … از بوطفاء تغدق في قُطره
ويا حبذا أن يفيق الحجاز … فيا طال ما نام في سكره
إذا ثاب ثابت جميع البلاد … وسارت إلى المجد في إثره
يقال تباشيره أقبلت … طلائها الغر في فجره
وأنَّى له أمل أن يفيق … وقد يأس الناس من أمره؟
وما ارتبتُ حتى رأيت الزمـ … ان يسوّل لي اليأس من مكره
وغيري إذا ازورَّ عنه المنى … تشَفَّع بالدمع في عذره
أناتي تبَسَّم تحت القطوب … إذا ما تذمرتُ من شره
وأطلب حقي بحد الحسام … إذا نام ذو الثأر عن وتره
إلى أن تلين قناة الزمان … ويعدل إذ ذاك عن جوره
стр. 6197
لويدجي
صاحب جائزة نوبل لعام ١٩٣٤
منح الكاتب الإيطالي بيراندللو جائزة نوبل للآداب، فجاء ذلك القرار برهاناً جديداً قوياً على خطر الدور التجديدي الذي أداه بيراندللو في تطور المسرح الإيطالي المعاصر. فقد كان المسرح الإيطالي منذ عام ١٨٧٠ حتى الحرب العالمية يعاني تدهوراً شديداً حتى دفع ذلك الناقد بنجمان كريمو إلى أن يعتبر المسرح الإيطالي أثناء هذه الفترة الطويلة خارجاً عن دائرة الأدب الصحيح. والواقع أن من العسير أن يشعر الإنسان بوجود فن مسرحي في إيطاليا خلال نصف القرن الذي سبق الحرب العظمى إلا بأعمال الكاتب الكبير جبرييل دانونزيو، وبعض أعمال عدد من الكتاب مثل وبراكو وسمبنللي
لم يكن التأليف المسرحي ضعيفاً فحسب، بل إن محاولات الكتاب
الخائرة كانت تعيش كَلاً على الآداب الأجنبية، وتمعن في تقليد الكتاب
الفرنسيين، وأخصهم دوماس الصغير وأوجييه. ثم الكتاب الروس
والكاتب النرويجي ابسن فيما بعد
وكان المسرح الإيطالي في هذه الفترة من العبودية، بحيث كانيتغير بتغير العوامل المؤثرة فيه. فعندما قوى المسرح في فرنسا، لقى ذلك التغير صداه السريع في المسرح الإيطالي فسادت روح المؤلفين، وكانت هذه الروح من القوة بحيث تشبه الثورة على فن دوماس وأوجييه اللذين كانا يطبعان المسرح الإيطالي بطابعهما حتى ذلك الوقت
على أن التحرر من سيادة فن دوماس وأوجييه لم يكن إلا بنقل السيادة من يد إلى أخرى، وكانت هذه اليد هي فن ابسن الذي يغذي المسرح الواقعي الإيطالي بمشاكله التي يعالجها، وبمواقف أبطاله حتى أوائل الحرب الماضية. كان للمسرح الواقعي بعض القوة، إلا أن تكرار معالجة المشاكل التي عالجها ابسن في قصصه خلق نوعاً من الملل الشديد فقامت محاولات جديدة لبناء مسرح كان من زعمائه قبل الحرب سمبنللي، وبعد الحرب أركول (١٨٨٢ - ١٩٢١). على أن هذا المسرح أيضاً لم يؤد إلى الغرض المنشود، لأنه بالغ في رومانتيكيته حتى كانت قصصه أشبه بالأساطير القديمة، وكان أظهر عوامل الضعف فيه
стр. 6198
انطفاء الأسلوب وخطأ التحليل. لذا ظل الرجاء معقوداً على طبقة أخرى من الكتاب حتى لاحت شمس النهضة الجديدة على يد (المسرح الساخر)
الذي كانت فكرته نواة أدب بيراندللو، فاليه يرجع الفضل الأول في تحرير القصة المسرحية لإيطالية مما يسمى الفكرة التي خلقتها النظرة الواقعية والرجوع بالقصة إلى معالجة الموضوعات وتحليل العواطف والنزعات الإنسانية بطريقة أكثر حرية وانطلاقاً
طريقة تقوم على أساس من الدعابة والسخرية
وجاء بعد ذلك بيراندللو فاستطاع بعبقريته أن يبني على تراث (المسرح الساخر) فلسفة خاصة هي وليدة تجاربه في الحياة، وآلامه النفسية، وقراءاته الواسعة. وأن يركز هذه الفلسفة في مذهب فني عرف باسم (مذهب الدعابة) باسم (مذهب بيراندللو) الذي رفع به مسرح بلاده بعد انحطاط نيف على نصف قرن كامل
لقد بلغ بيراندللو الآن سن الشيخوخة، ففي شهر يونيو الماضي أتم السابعة والستين. وقد ابتدأ الكتابة وهو في العشرين من عمره. وكان إنتاجه من الغزارة بحيث أنه كتب إلى الآن أربعة مائة أقصوصة، وعشر قصص، وثلاثين رواية مسرحية ومع كل ذلك كان اسمه منذ عشرة أعوام يكاد يكون مجهولاً في عالم الآداب، على أن بيراندللو قد استطاع في الأعوام الأخيرة - بفنه المسرحي على الخصوص - أن يشق طريقه إلى المجد، ويكون له أتباعاً في أوربا بأسرها. وأن ينال أخيراً أعظم الجوائز الأدبية في العالم أجمع.
ولد بيراندللو في بلدة بجزيرة صقلية في اليوم الثامن والعشرين من شهر يونيو عام ١٨٦٧. وعند ما شب درس الأدب في روما. ثم سافر إلى ألمانيا حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة بن ولما عاد إلى بلاده عين أستاذاً في (المدرسة العليا للبنات) بروما، وبقى فيها أربعة وعشرين عاماً من عام ١٨٩٧ إلى ١٩٢١. ابتدأ بيراندللو حياته الأدبية قصصياً يكتب القصص الطويلة والقصيرة، ولكنه تحول فيما بعد إلى الكتابة المسرحية فلقي عن طريقها سبيله إلى الشهرة العالمية. وقد كتب بيراندللو من القصص الطويلة (١٩٠٤) (١٩١١) و (١٩٢٤) و , , (١٩٢٦) وغيرها. أما قصصه القصيرة فأنها تظهر تدريجياً مجموعة تحت عنوان رئيسي ثابت هو (حكايات لعام) وأشهر هذه المجموعات
стр. 6199
أما الروايات المسرحية فقد ابتدأ بيراندللو الكتابة فيها عام ١٩١٢، فكتب رواياته
و' (١٩١٣) ثم (١٩١٤). على أن هذه الروايات كانت في الواقع بمثابة الخطوات الأولى لفنه الذي لم يزدهر إلا ابتداء من عام١٩١٧ حين كتب رواية وتوالت بعد هذه الرواية رواياته المسرحية الرائعة التي أشهرها ' (١٩١٨) و ' , و (١٩١٩) , ' (١٩٢٠) و ' و (١٩٢١) (١٩٢٢) ' (١٩٢٣) (١٩٢٥) (١٩٢٦) ' (١٩٢٧) الخ. . . .
كان أظهر ما يميز فن بيراندللو منذ قصصه الأولى ميله إلى الدعابة، إليها بغريزته كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً. على أن فكرة بيراندللو عن الدعابة قد تطورت وتحددت بتحوله إلى المسرح واهتمامه على الأخص بكتابة الروايات المسرحية ونبوغه فيها. فقد كان بيراندللو
في البداية يلجأ إلى الدعابة إجابة لنداء طبيعته الساخرة. لكنه أقتصر فيما بعد - وخصوصاً في مسرحه - إلى اختيار الموضوعات التي تثير حقاً سخرية المرء ودعابته. ثم جعل بعد ذلك من هذه الموضوعات مجالاً واسعاً لإطفاء ظمئه الطبيعي في حب الدعابة. وقد اتفق النقاد على أن عبقرية بيراندللو هي من مهارته الفائقة في حسن اختيار هذه الموضوعات وتوخي الصدق فيها
ويجب أن نلاحظ أن رواية بيراندللو لا تصلها بالرواية الهزلية صلة؛ ذلك أن الناحية النقدية هي الغرض الأسمى من الرواية، فهي لم توضع لتبعث الضحك والمرح إلى نفوس المشاهدين كما هو الحال في الرواية الهزلية، بل لتكشف لهم بطريقة تحليلية لاذعة عن حقيقة الطبيعة البشرية ونواحي الصراع بينها وبين تقاليد المجتمع وموجباته. وقد كتب بيراندللو عام ١٩٢٠ يشرح ذلك قال:
(إنني أعتقد أن الحياة مهزلة محزنة. لأننا نرى في داخلها دافعاً خفياً لا ندري سببه يدفعنا إلى أن نخدع أنفسنا على الدوام، فنخلق لنا شخصيات وأفكاراً تختلف باختلاف كل فرد. ثم لا نلبث أن يبدو لنا أن ما فعلنا ليس إلا وهما وخديعة. إن فني ممتلئ بالشفقة الحارة على أولئك الذين يخدعون أنفسهم. على أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن ألحق بهذه الشفقة سخريةً قاسيةً من الأقدار التي تفرض على الإنسان فرضاً هذا الغش والخديعة)
стр. 6200
وفن بيراندللو يعالج مشكلة من أكبر مشاكل الطبيعة البشرية. تلك هي مشكلة (الشخصية)؛ فكم ينتاب شخصياتنا كل يوم من التغير والتقلب! وكم يعاني الإنسان في علاقاته بسائر الناس الذين يختلف بعضهم عن بعض في العادات والطباع، فيرى المرء نفسه مرغماً أن يلبس مع كل فرد ولكل حادث ولكل زمن شخصية جديدة حتى يستطيع الحياة في هذا العالم. فبيراندللو حين معالجته لمشكلة الشخصية تراه يقارن بين طبيعة الإنسان وما تميله عليه مقتضيات البيئة ومظاهر الحياة وبين ما يتبع ذلك من صراع، وما يتخلل ذلك الصراع من رياء الحياة الإنسانية وصغائرها
يريد بيراندللو أن لكل إنسان شخصيتين كامنتين فيه، هما أبداً في تناقض مستمر وحرب دائمة
أولاهما: (حيوانيته) أي شخصيته الطبيعية بغرائزها وشهواتها
وثانيتهما: (إنسانيته) أي شخصيته الاجتماعية التي تحتم عليه أن يخضع للتقاليد والأوضاع والمبادئ الجامدة، وكل ما اصطلح المجتمع على تمجيده وتقديسه
ويرى بيراندللو أيضاً أن الفرد يعتبر في حالته الطبيعية حين يتبع غرائزه وشهواته و (حيوانيته)، فان خالف ذلك وحاول أن يكون (إنساناً) يتقيد بنظم مخصوصة، ويخضع تصرفاته لقواعد مرعية، فهو في نظره قد خرج على طبيعته، وأوقف سير (حياته الحقيقة) ليدخل (حياته الوهمية) التي يتصور أنها الحياة الحقيقية وهنا يجب أن نتساءل: ما الذي يرغم الإنسان أن ينتقل من (حياته الحقيقية) إلى (حياته الوهمية) أو من (حيوانيته) إلى (إنسانيته)؟
إنه الضمير. الضمير في نظر بيراندللو هو الذي يفرق بين الإنسان والحيوان، وبين والإنسان والنبات. الضمير الذي يولد معنا يوم ميلادنا، ويصاحبنا حتى الموت هو الذي يفسر حياتنا. هو الذي يقيدنا بالأوضاع، ويخضعها لناموس الخطأ والصواب. ولكن هل استطاع الضمير أن يكبح غرائز الإنسان وشهواته ويمنعها عن الظهور والانفجار بين حين وآخر؟ لا. لم يستطع الضمير ذلك. فحيوانية الإنسان لا تزال كامنة فيه تتلمس الخروج كلما وجدت الفرصة المناسبة. وكثيراً ما تستبد بصاحبها وتعميه وتسيره في الطريق الذي تشاء. والذي يرى بيراندللو أن كل شقاء الإنسان النفسي إنما هو وليد وجود
следующие страницы →