← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

حنين إلى الوطن للشاعر الحجازي أبى يعرب المدني أحن إلى ذكريات الحجاز … حنين الفطيم إلى ظِئره أحن إليه حنين الحما … م إذا ما تغرب عن وكره إذا هب من جانبيه النسيم … تروَّحت دنياي في نشره يرفرف روحي على ساحليه … فيغترف الشعر من بحره وما ذبل الوجد حتى يجف … لسان القصائد عن ذكره ألا ما سقى الله أرض الحج … از بوطفاء تغدق في قُطره ويا حبذا أن يفيق الحجاز … فيا طال ما نام في سكره إذا ثاب ثابت جميع البلاد … وسارت إلى المجد في إثره يقال تباشيره أقبلت … طلائها الغر في فجره وأنَّى له أمل أن يفيق … وقد يأس الناس من أمره؟ وما ارتبتُ حتى رأيت الزمـ … ان يسوّل لي اليأس من مكره وغيري إذا ازورَّ عنه المنى … تشَفَّع بالدمع في عذره أناتي تبَسَّم تحت القطوب … إذا ما تذمرتُ من شره وأطلب حقي بحد الحسام … إذا نام ذو الثأر عن وتره إلى أن تلين قناة الزمان … ويعدل إذ ذاك عن جوره

стр. 6197

لويدجي صاحب جائزة نوبل لعام ١٩٣٤ منح الكاتب الإيطالي بيراندللو جائزة نوبل للآداب، فجاء ذلك القرار برهاناً جديداً قوياً على خطر الدور التجديدي الذي أداه بيراندللو في تطور المسرح الإيطالي المعاصر. فقد كان المسرح الإيطالي منذ عام ١٨٧٠ حتى الحرب العالمية يعاني تدهوراً شديداً حتى دفع ذلك الناقد بنجمان كريمو إلى أن يعتبر المسرح الإيطالي أثناء هذه الفترة الطويلة خارجاً عن دائرة الأدب الصحيح. والواقع أن من العسير أن يشعر الإنسان بوجود فن مسرحي في إيطاليا خلال نصف القرن الذي سبق الحرب العظمى إلا بأعمال الكاتب الكبير جبرييل دانونزيو، وبعض أعمال عدد من الكتاب مثل وبراكو وسمبنللي لم يكن التأليف المسرحي ضعيفاً فحسب، بل إن محاولات الكتاب الخائرة كانت تعيش كَلاً على الآداب الأجنبية، وتمعن في تقليد الكتاب الفرنسيين، وأخصهم دوماس الصغير وأوجييه. ثم الكتاب الروس والكاتب النرويجي ابسن فيما بعد وكان المسرح الإيطالي في هذه الفترة من العبودية، بحيث كانيتغير بتغير العوامل المؤثرة فيه. فعندما قوى المسرح في فرنسا، لقى ذلك التغير صداه السريع في المسرح الإيطالي فسادت روح المؤلفين، وكانت هذه الروح من القوة بحيث تشبه الثورة على فن دوماس وأوجييه اللذين كانا يطبعان المسرح الإيطالي بطابعهما حتى ذلك الوقت على أن التحرر من سيادة فن دوماس وأوجييه لم يكن إلا بنقل السيادة من يد إلى أخرى، وكانت هذه اليد هي فن ابسن الذي يغذي المسرح الواقعي الإيطالي بمشاكله التي يعالجها، وبمواقف أبطاله حتى أوائل الحرب الماضية. كان للمسرح الواقعي بعض القوة، إلا أن تكرار معالجة المشاكل التي عالجها ابسن في قصصه خلق نوعاً من الملل الشديد فقامت محاولات جديدة لبناء مسرح كان من زعمائه قبل الحرب سمبنللي، وبعد الحرب أركول (١٨٨٢ - ١٩٢١). على أن هذا المسرح أيضاً لم يؤد إلى الغرض المنشود، لأنه بالغ في رومانتيكيته حتى كانت قصصه أشبه بالأساطير القديمة، وكان أظهر عوامل الضعف فيه

стр. 6198

انطفاء الأسلوب وخطأ التحليل. لذا ظل الرجاء معقوداً على طبقة أخرى من الكتاب حتى لاحت شمس النهضة الجديدة على يد (المسرح الساخر) الذي كانت فكرته نواة أدب بيراندللو، فاليه يرجع الفضل الأول في تحرير القصة المسرحية لإيطالية مما يسمى الفكرة التي خلقتها النظرة الواقعية والرجوع بالقصة إلى معالجة الموضوعات وتحليل العواطف والنزعات الإنسانية بطريقة أكثر حرية وانطلاقاً طريقة تقوم على أساس من الدعابة والسخرية وجاء بعد ذلك بيراندللو فاستطاع بعبقريته أن يبني على تراث (المسرح الساخر) فلسفة خاصة هي وليدة تجاربه في الحياة، وآلامه النفسية، وقراءاته الواسعة. وأن يركز هذه الفلسفة في مذهب فني عرف باسم (مذهب الدعابة) باسم (مذهب بيراندللو) الذي رفع به مسرح بلاده بعد انحطاط نيف على نصف قرن كامل لقد بلغ بيراندللو الآن سن الشيخوخة، ففي شهر يونيو الماضي أتم السابعة والستين. وقد ابتدأ الكتابة وهو في العشرين من عمره. وكان إنتاجه من الغزارة بحيث أنه كتب إلى الآن أربعة مائة أقصوصة، وعشر قصص، وثلاثين رواية مسرحية ومع كل ذلك كان اسمه منذ عشرة أعوام يكاد يكون مجهولاً في عالم الآداب، على أن بيراندللو قد استطاع في الأعوام الأخيرة - بفنه المسرحي على الخصوص - أن يشق طريقه إلى المجد، ويكون له أتباعاً في أوربا بأسرها. وأن ينال أخيراً أعظم الجوائز الأدبية في العالم أجمع. ولد بيراندللو في بلدة بجزيرة صقلية في اليوم الثامن والعشرين من شهر يونيو عام ١٨٦٧. وعند ما شب درس الأدب في روما. ثم سافر إلى ألمانيا حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة بن ولما عاد إلى بلاده عين أستاذاً في (المدرسة العليا للبنات) بروما، وبقى فيها أربعة وعشرين عاماً من عام ١٨٩٧ إلى ١٩٢١. ابتدأ بيراندللو حياته الأدبية قصصياً يكتب القصص الطويلة والقصيرة، ولكنه تحول فيما بعد إلى الكتابة المسرحية فلقي عن طريقها سبيله إلى الشهرة العالمية. وقد كتب بيراندللو من القصص الطويلة (١٩٠٤) (١٩١١) و (١٩٢٤) و , , (١٩٢٦) وغيرها. أما قصصه القصيرة فأنها تظهر تدريجياً مجموعة تحت عنوان رئيسي ثابت هو (حكايات لعام) وأشهر هذه المجموعات

стр. 6199

أما الروايات المسرحية فقد ابتدأ بيراندللو الكتابة فيها عام ١٩١٢، فكتب رواياته و' (١٩١٣) ثم (١٩١٤). على أن هذه الروايات كانت في الواقع بمثابة الخطوات الأولى لفنه الذي لم يزدهر إلا ابتداء من عام١٩١٧ حين كتب رواية وتوالت بعد هذه الرواية رواياته المسرحية الرائعة التي أشهرها ' (١٩١٨) و ' , و (١٩١٩) , ' (١٩٢٠) و ' و (١٩٢١) (١٩٢٢) ' (١٩٢٣) (١٩٢٥) (١٩٢٦) ' (١٩٢٧) الخ. . . . كان أظهر ما يميز فن بيراندللو منذ قصصه الأولى ميله إلى الدعابة، إليها بغريزته كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً. على أن فكرة بيراندللو عن الدعابة قد تطورت وتحددت بتحوله إلى المسرح واهتمامه على الأخص بكتابة الروايات المسرحية ونبوغه فيها. فقد كان بيراندللو في البداية يلجأ إلى الدعابة إجابة لنداء طبيعته الساخرة. لكنه أقتصر فيما بعد - وخصوصاً في مسرحه - إلى اختيار الموضوعات التي تثير حقاً سخرية المرء ودعابته. ثم جعل بعد ذلك من هذه الموضوعات مجالاً واسعاً لإطفاء ظمئه الطبيعي في حب الدعابة. وقد اتفق النقاد على أن عبقرية بيراندللو هي من مهارته الفائقة في حسن اختيار هذه الموضوعات وتوخي الصدق فيها ويجب أن نلاحظ أن رواية بيراندللو لا تصلها بالرواية الهزلية صلة؛ ذلك أن الناحية النقدية هي الغرض الأسمى من الرواية، فهي لم توضع لتبعث الضحك والمرح إلى نفوس المشاهدين كما هو الحال في الرواية الهزلية، بل لتكشف لهم بطريقة تحليلية لاذعة عن حقيقة الطبيعة البشرية ونواحي الصراع بينها وبين تقاليد المجتمع وموجباته. وقد كتب بيراندللو عام ١٩٢٠ يشرح ذلك قال: (إنني أعتقد أن الحياة مهزلة محزنة. لأننا نرى في داخلها دافعاً خفياً لا ندري سببه يدفعنا إلى أن نخدع أنفسنا على الدوام، فنخلق لنا شخصيات وأفكاراً تختلف باختلاف كل فرد. ثم لا نلبث أن يبدو لنا أن ما فعلنا ليس إلا وهما وخديعة. إن فني ممتلئ بالشفقة الحارة على أولئك الذين يخدعون أنفسهم. على أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن ألحق بهذه الشفقة سخريةً قاسيةً من الأقدار التي تفرض على الإنسان فرضاً هذا الغش والخديعة)

стр. 6200

وفن بيراندللو يعالج مشكلة من أكبر مشاكل الطبيعة البشرية. تلك هي مشكلة (الشخصية)؛ فكم ينتاب شخصياتنا كل يوم من التغير والتقلب! وكم يعاني الإنسان في علاقاته بسائر الناس الذين يختلف بعضهم عن بعض في العادات والطباع، فيرى المرء نفسه مرغماً أن يلبس مع كل فرد ولكل حادث ولكل زمن شخصية جديدة حتى يستطيع الحياة في هذا العالم. فبيراندللو حين معالجته لمشكلة الشخصية تراه يقارن بين طبيعة الإنسان وما تميله عليه مقتضيات البيئة ومظاهر الحياة وبين ما يتبع ذلك من صراع، وما يتخلل ذلك الصراع من رياء الحياة الإنسانية وصغائرها يريد بيراندللو أن لكل إنسان شخصيتين كامنتين فيه، هما أبداً في تناقض مستمر وحرب دائمة أولاهما: (حيوانيته) أي شخصيته الطبيعية بغرائزها وشهواتها وثانيتهما: (إنسانيته) أي شخصيته الاجتماعية التي تحتم عليه أن يخضع للتقاليد والأوضاع والمبادئ الجامدة، وكل ما اصطلح المجتمع على تمجيده وتقديسه ويرى بيراندللو أيضاً أن الفرد يعتبر في حالته الطبيعية حين يتبع غرائزه وشهواته و (حيوانيته)، فان خالف ذلك وحاول أن يكون (إنساناً) يتقيد بنظم مخصوصة، ويخضع تصرفاته لقواعد مرعية، فهو في نظره قد خرج على طبيعته، وأوقف سير (حياته الحقيقة) ليدخل (حياته الوهمية) التي يتصور أنها الحياة الحقيقية وهنا يجب أن نتساءل: ما الذي يرغم الإنسان أن ينتقل من (حياته الحقيقية) إلى (حياته الوهمية) أو من (حيوانيته) إلى (إنسانيته)؟ إنه الضمير. الضمير في نظر بيراندللو هو الذي يفرق بين الإنسان والحيوان، وبين والإنسان والنبات. الضمير الذي يولد معنا يوم ميلادنا، ويصاحبنا حتى الموت هو الذي يفسر حياتنا. هو الذي يقيدنا بالأوضاع، ويخضعها لناموس الخطأ والصواب. ولكن هل استطاع الضمير أن يكبح غرائز الإنسان وشهواته ويمنعها عن الظهور والانفجار بين حين وآخر؟ لا. لم يستطع الضمير ذلك. فحيوانية الإنسان لا تزال كامنة فيه تتلمس الخروج كلما وجدت الفرصة المناسبة. وكثيراً ما تستبد بصاحبها وتعميه وتسيره في الطريق الذي تشاء. والذي يرى بيراندللو أن كل شقاء الإنسان النفسي إنما هو وليد وجود

стр. 6201

الضمير. فقد أراد الضمير أن يكبل الطبيعة الإنسانية بسلاسل التقاليد والأوضاع الاجتماعية، بينما الضمير لا يعرف التقاليد، ولا يخضع للأوضاع. فلا الضمير إذاً استطاع أن يميت (حيوانية) الفرد فتسود (إنسانيته) على الدوام، ولا هو سمح لهذه الحيوانية أن تتحقق وفق هواها ليحيا الإنسان (حياته الحقيقية). وكانت نتيجة ذلك نشوء هذا الكفاح الدائم بين شخصية الإنسان الطبيعية وشخصيته الاجتماعية، أي بين حيوانيته وإنسانيته هذا الكفاح القاسي بين الشخصيتين الكائنتين في كل منا هو الذي يخلق الهم الممتزج بالابتسام، والتشاؤم الممتزج بالسخرية، وذلك هو أظهر ما يميز فن بيراندللو ويطبعه بطابع خاص، على أن هذا الطابع الخاص لم يمنعه من أن يكون ملتقى عدة تيارات فكرية كان لها تأثير كبير في تفكيره. فغرابة شخصيات القصص تذكرنا بقصص الكاتب الروسي دستويفسكي والكاتب النرويجي إبسن. وطريقة تحليل نفسيات الأبطال والبطلات المضطرين الحائرين بين الحقيقة والخيال تبين لنا بأجلى بيان الأثر العظيم لنظريات العالم النفسي فرويد عن (اللاشعور) أو ما يسمونه (العقل الباطن)، والعالم انشتين عن (النسبية)، والفيلسوف برجون عن (الحركة)؛ كذلك فيها كثير من (ذاتية) الكاتب القصصي مارسل بروست على أن هذا الكفاح يختلف نوعه في نظر بيراندللو عند الرجل والمرأة. فالرجل تتغلب عليه (شخصيته الاجتماعية) وهو لذلك يحاول جهده أن ينظم حياته ويخضعها قدر الطاقة لأوضاع المجتمع. أما المرأة فتغلب عليها (شخصيتها الطبيعية) وهي لذلك أقل من الرجل قدرة على سيادة نفسها وتقييد غرائزها وميولها. على أن هذا الاستعداد لدى كل من الرجل والمرأة هو عند بيراندللو أمر نسبي ومؤقت. فالرجل لا يستطيع أن يمنع (شخصيته الحقيقية) من أن تحطم أحياناً القالب الاجتماعي الذي وضع نفسه فيه كما في قصتي (شهوة الشرف) ' (هنري الرابع). وكذلك المرأة التي تسيرها طبيعتها تود من وقت إلى آخر أن تكبح جماح عواطفها وشهواتها كما في قصة: فأزمة بيراندللو المسرحية تحدث عن اصطدام شخصيتي كل فرد، وهي تختلف - على ضوء ما ذكرنا - عند أبطال قصصه (أي الرجال) عنها عن بطلاته (أي النساء). فالأزمة

стр. 6202

تحدث عند الأبطال - وهم كما سبق يخلصون للوضع الاجتماعي - إما حين يظهر لهم فجأة أنهم يحيون (حياة وهمية) على خلاف ما كانوا يتصورون، حياة تخالف كل ما جبلت عليه (شخصيتهم الحقيقية)، إما حين تنفجر هذه الشخصية الحقيقة مرة واحدة وتخرجهم عن الوضع التقليدي الذي كانوا يحيون فيه. . . أما الأزمة عند البطلات فبالعكس تحدث حين يرين أنفسهم مرغمات على الخضوع لوضع مخصوص أو فكرة مخصصة كما في قصة: , ' حيث نرى بطلة القصة مضطرة إلى مجاراة أبنتها - التي تظن أن أمها ماتت - في اعتقادها أنها زوجة أبيها. وفي الفصول الأولى من روايات بيراندللو المسرحية، نرى حوادث القصة غامضة أشبه ما تكون بالقصص البوليسية. وكل حوادث القصة تحدث في هذه الفصول الأولى. فإذا ما جاء الفصل الثاني - وهو أعظم فصول القصة شأناً - ابتدأ دور (التنبه) وفي الفصل الثالث - وهو عادة أقصر كثيراً من الفصلين الأولين - يكمل دور (التنبه) ويكون ذلك مصحوباً غالباً بحركة مسرحية عنيفة تحل بها العقدة المسرحية فنواحي التجديد في مسرح بيراندللو: أولاً: أن القصة لا تبلغ حدتها في الفصل الذي يقوى فيه (الحادث) في الفصل الذي تقوى فيه (المعرفة) ثانياً: أن القصة ترمي إلى إثارة المشاهدين عن طريق (اكتشاف) حقيقة كانت مجهولة عن طريق (الحركة). ومن الحق أن نذكر ما يوجهه النقاد إلى فن بيراندللو. فقد أتهمه ناقدوه بأن رواياته لا ترتفع عن مستوى الدرام، بل عن مستوى الميلودرام. وأنه أختار لقصصه موضوعات هي من التعقيد بحيث كان من العسير التصديق بإمكانيتها في الحياة الإنسانية الواقعة، وأخيراً أن روايته لا تخلو من بعض الملل لأن بيراندللو كان فيها (مفكراً) أكثر من اللازم على أنه مهما قيل في فن بيراندللو فانه لا يمكن إنكار أهمية مسرحياته وأثرها التجديدي في المسرح العالمي مما جعل بعض قصصه الشهيرة يترجم إلى خمسة عشرة لغة أجنبية. كما أن بيراندللو هو الكاتب الإيطالي الوحيد الذي استطاع أن يحل المعضلة التي اعترضت كل الكتاب الإيطاليين منذ عام ١٨٧٠ ألا وهي كتابة عمل أدبي يعالج موضوعات ويرسم شخصيات قومية بحتة وينال في الوقت نفسه إعجاباً عالمياً. فكأن

стр. 6203

بيراندللو بنيله جائزة نوبل قد نال فخراً مضاعفاً. إذ بلغ مجده الأسمى وحقق أملاً عزيزاً من آمال وطنه. علي كامل

стр. 6204

البريد الأدبي ذكرى الموسيقي بوتشيني مضت عشرة أعوام كاملة على وفاة الموسيقي الإيطالي الأشهر جاكومو بوتشيني، فقد توفي في ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٢٤، ولكن اسمه وفنه وموسيقاه ما زالت تملأ الأذهان والأسماع. واليوم تذكر دوائر الفن والموسيقي بوتشيني، وتكتب عنه وعن فنه الفصول والبحوث الفياضة. وكان مولد الموسيقي الكبير في سنة ١٨٥٨؛ ودرس على أكابر أستاذة عصره مثل بازيني وبانكيلي، ولبث مدى عصر أعظم شخصية في الموسيقى الإيطالية والموسيقى الغربية بصفة عامة، وكان يشغل في إيطاليا نفس المركز الذي كان يشغله معاصره فاجنر في ألمانيا، ويوهان شتراوس في النمسا. ويعتبره النقاد الفنيون ثالث أقطاب التأليف الموسيقي في العالم كله، فأولهم فاجنر، وثانيهم فردي، وهو الثالث. وقد نالت أوبراته الموسيقية شهرة عظيمة، ولا سيما (مانون لسكو) و (البوهيمية) و (لاتوسكا) و (مدام بترفلاي) وهي تجمع إلى نزعة روزيني وفردي الغنائية، نزعة حديثة إلى التعبير؛ وكان بوتشيني موسيقي الحب المعذب، وأروع قطعه ما كان يمثل القلوب الكليمة البائسة؛ ذلك لأنه كان في حياته الغرامية منكوداً معذباً، وكان دائماً طائر القلب والعواطف، لا يكاد ينضج في قلبه غرام، حتى يسارع إلى غرام جديد. وكان صعب الرضى فيما يتعلق بالنصوص، لا يكاد يعجبه نص مهما كان من الروعة، ولهذا كان يجوب القارة باحثاً عن النصوص المختارة لتلحينها، وقد غضب يوماً إذ أفلت منه قطعة لبيير لوئيس انتزعها منه الفرد برينو، وأفلتت منه أيضاً (بلياس ومليزند) لماترلنك، ولكنه ظفر (بتوسكا) وهي من تأليف فكتوريان ساردو، بيد أنه لم يكن راضياً عنها كل الرضى، وقد ألف لها بعض أناشيد من عنده، ويروى أنه اضطر (اليكا) مؤلف (البوهيمية) إلى حذف مناظر برمتها، وتغيير كثير من النصوص. وقد تزوج بوتشيني من مدام (الفيرا بونتوري) بعد فضيحة غرامية طويلة، وكانت الفيرا زوجة للسنيور بونتوري، ولكنه هام بها رغم زواجها، وبادلته الحب، وحملت منه، ثم فرت إليه، ولم يستطع أن يتزوجها إلا بعد وفاة زوجها. وكان بوتشيني مع ذلك يبحث عن مخاطرات غرامية جديدة كلما أصابه السأم، ثم يعود يائساً فيرتمي بين أحضان الفيرا

стр. 6205

وقد توفي بوتشيني في بروسل، في ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٢٤، بعد مرض طويل، ودفن حسب وصيته في قصره في توري دللاجو (شمالي إيطاليا)، ولما توفيت زوجته الفيرا في سنة ١٩٣٠ دفنت معه في نفس قبره. مكتبة نابوليون وآثاره الخطية عرضت أخيراً في دار التحف المعروفة (باوتيل دروو) بباريس مجموعة فريدة حافلة لآثار الإمبراطور نابليون بونابرت ومخطوطاته الشخصية؛ وهذه المجموعة التي يملكها المسيو (برويه) والتي لا تضارعها أية مجموعة أخرى من آثار الإمبراطور، تعرض الآن للبيع، وفيها عشرات من الذخائر والتحف البونابارتية في عصر الإمبراطورية، ومعظمها مما احتوته مكتبة الإمبراطور الشهيرة في قصر مالزون من الكتب النادرة الممهورة بتوقيع الإمبراطور، والوثائق الحربية والسياسية النادرة؛ وهي تعرض تاريخ نابليون كله منذ كان ضابطاً صغيراً في حصن فالانس حتى وفاته في جزيرة سنت هيلانة سنة ١٨٢١، ومنها رسائل شخصية تصور ما كان عليه الإمبراطور من وفرة في السلطان والعزم؛ ومنها رسائل غرامية كتبها نابليون إلى (جوزفين بوهارنيه) التي غدت زوجته الإمبراطورة فيما بعد؛ وفيها يبدو القائد العظيم محباً ذلولاً يخضع لسلطان الهوى خضوع الطفل، وكان أهم ما لفت النظر منها رسالة كتبت على ورق أخضر بتاريخ يوليو سنة ١٧٩٦ وفيها يخاطب نابليون جوزفين بما يأتي: (ألست روح حياتي، وعاطفته قلبي؟ إني أؤمل أن أظفر منك برسالة هذا المساء؛ وأنت تعلمين يا عزيزتي جوزفين أي سعادة أنها لرسائلك، وإني لعلى يقين أنك تغتبطين بكتابتها. . . سأسافر هذا المساء إلى جبال التيرول، في فيرونا، ومن هناك إلى مانتوا ثم إلى ميلان، لأظفر ثمة بقبلة، فأنت تؤكدين لي أن القبلات ثمة ليست باردة ولكنها محرقة. . . ماذا تصنعين في هذه الساعة؟ إنك تنامين أليس كذلك. وأنا لست بجانبك لكي أستنشق تنفسك، أتأمل ظرف محاسنك، أغمرك بالقبلات. إن الليالي بعيدة عندك طويلة، ذابلة محزنة؛ إلى جانبك يأسف المرء أن ليس الليل بخالد، فوداعاً أيتها الحسناء الرقيقة، التي لا مثيل لها، والتي تسمو إلى السماء؛ وألف قبلة ناعمة، في كل مكان، في كل مكان. . .

стр. 6206

وقد أثار عرض هذه المجموعة في الدوائر الفنية والأرستقراطية اهتماماً عظيماً، وهرعت الجموع إلى (أوتيل دروو)، تتنافس في اقتناء هذه الذخائر، ومنها كتب وسمت بشعار الإمبراطور، ومنها كتب كانت لقادته واخوته، وآله فمتى نعنى في المشرق بآثار عظمائنا، ومتى نعتبرها ذخائر مقدسة يتنافس المتنافسون في اقتنائها؟ ومتى تخرج إلى الضياء قبل كل شيء؟ جائزة نوبل للكيمياء سبق أن أشرنا إلى أن جائزة نوبل الطبية منحت هذا العام لثلاثة من علماء الطب في أمريكا، وأن جائزة نوبل الأدبية منحت إلى الكاتب المسرحي الإيطالي بيراندللو. ونذكر الآن أن جائزة نوبل للكيمياء عن سنة ١٩٣٤ قد منحت أيضاً إلى أمريكي هو الأستاذ هارولد كليتون يور أحد أساتذة جامعة كولومبيا الشهيرة بنيويورك، وذلك لأجل مباحثه واكتشافاته الخاصة بالهيدروجين الثقيل؛ وبذلك تكون أمريكا قد ظفرت هذا العام بجائزتين من جوائز نوبل هذا وأما جائزة نوبل عن العلوم الطبيعية فقد تقرر أن يوقف منحها هذا العام، وأن ترجأ إلى العام القادم، لأنه لم يتقدم لنيلها من العلماء من هو جدير بنيلها.

стр. 6207

القصص من الأدب التركي الزواج المبارك ترجمة الآنسة (فتاة الفرات) كنت سائراً يوماً وأحد رفاقي في شارع (بك اوغلي) أحد شوارع الآستانة الجميلة. وكان رفيقي على عادته يحدثني أحاديث مختلفة، يحدثني عن نفسه وعن غيره أحاديث منها ما يقبل ومنها ما يمج ويرد. وبينا هو يهدر في حديثه وقف فجأة وصاح: - إلى أين؟ التفت فإذا هو يكلم رجلاً طويل القامة محدودب الظهر، وكأنه قد تعب من الحياة؛ أسمر اللون، قد طال شعر رأسه ولحيته حتى خرجا عن الحد المألوف، عليه بذلة لا يعلم إلا الله ما لونها، قد أثر فيها الغسل الكثير حتى اختلطت ألوانها وتهلهل نسجها. فقال له رفيقي: - ألا يزال الحال على ما نعهد؟ فهز الرجل رأسه علامة الإيجاب وارتسمت على ثغره ابتسامة الترح لا ابتسامة الفرح. فقال له رفيقي: - بارك الله فيهم. وانصرف عنه ثم ألتفت إلي وقال هل أقص عليك قصة هذا الرجل؟ فقلت له على مضض: - هات ما عندك فأخذ يقص علي قصة الرجل، يقصها بصورة مونقة، لها من إشاراته اللطيفة ومن بيانه البديع خير حلية وأبدعها. قال: هذا الرجل من لداتي في السن، ومن رفاقي في العمل، كنا مأموري حساب في مصنع حديدي ونحن في نهاية العقد الثاني من عمرنا، وكان مرتبه الشهري أربعة دنانير، ولكنه كان بالرغم من قلة المرتب ذا زي حسن وهندام جميل، فإذا ظهر زي كان أسبق الناس إليه. كان زيه أحسن أزيائنا جميعاً، وكان يفوقونا طراً في

стр. 6208

العناية بثيابه وجسمه، فكان يحلق ذقنه في كل يومين مرة، وكان مغرماً باللهو كثيراً، فإذا كان يوم الاثنين جاءنا بكل طريف من أحاديث لهوه ومرحه في بياض يوم الأحد وسواد ليله، ولم نكن نجد عند أحد ما نجد عنده من أخبار معارض الصور ومسارح التمثيل والمتنزهات. جاء في يوم جمعة صباحاً إلى الدائرة وهو تحفة في هندامه وآية في زيه؛ كان في رجله حذاء لماع قد جعل حوله قطعة جوخ من قماش بنطلونه، وحول رقبته عقدة من قماش أزرق اللون قد ربطها ربطة جميلة، وجعل في وسطها دبوساً ماسياً على شكل نحلة جناحاها من ياقوت، لعله قد ورثه عن أمه، ومن جيببه الخارجي تدلى منديل حريري ذو ألوان جميلة، وفي صدره سلسلة ساعة ذهبية رأسها في عروة صدارته وطرفها الآخر في جيبها، وفي إصبعه خاتم زمردي، وفي رأسه طربوش صغير قاتم الحمرة يختال بلذة لارتفاعه فوق ذلك الهندام الجميل. فاجتمعنا حوله ضاحكين نسأله عن سر هندامه الجميل وتأنقه الشديد في هذا اليوم، فقال: - سأذهب اليوم إلى منتزه (كاغدخانه)، وكل ما أرجوه منكم أن تكونوا عوناً لي على الرئيس ليسمح لي بالذهاب، فان التأخر يضرني كل الضرر. ثم مد يده إلى جيب معطفه وأخرج محفظة أوراقه وسحب من بينها ورقة (حمراء) اللون لوح لنا بها وهو يبتسم ويقارب ما بين جفنيه وينظر إلينا نظرة ذات مغزى، ولكنه ظن علينا بسر تلك الورقة، وأهمنا ما أهمه، وأحببنا أن ينعم ذلك اليوم بنزهة، فذهب أصدقاء أحد الرئيس إليه، وما زال به يكلمه في شأنه حتى سمح له بالذهاب في ذلك اليوم، وكاد صاحبنا يجن حين علم ذلك. فكان يصفق بيديه ويخالف بين رجليه، وقفز إلى الشارع وهو يقول: - سأقص عليكم غداً ما يكون في هذا اليوم كنا ننظر إليه نظر حسد ممض، وننظر إليه نظر المحبوس في غرفة مظلمة يؤدي عملاً شاقاً، إلى رجل حر، طليق، يسرح ويمرح كما يحب ويختار أما هو فطار كما يطير العصفور أفلت من القفص. . . عاد في اليوم الثاني إلى عمله بهندامه المألوف، فاجتمعنا حوله نسأله بإصرار عن سر الورقة (الحمراء) وعن أخبار النزهة في (كاغدخانه)، فلزم السكوت مع أنه هو الذي وعدنا بأن يقص علينا ما يجري معه هناك! كان لا يجيبنا إلا بقوله:

стр. 6209

- لا شيء، لا شيء. . . ويبتسم ابتساماً يدل على أن لديه أشياء كثيرة، لكنه يود إخفاءها عنا. فلما قطعنا الأمل من إفشائه سر الورقة وأخبار النزهة عاد كل منا إلى مكانه وأقبل على عمله. أخذت ألاحظه ملاحظة خفيفة فرأيته بين آونة وأخرى يستتر خلف دفتره الذي أمامه ويفتح محفظته ويلقي على ما فيها نظرة تنم عن غبطة وسرور. ثم رأيت ورقة (زرقاء) بجانب (الحمراء)، فقلت له وهو يلقي خلسة نظرته المعتادة على ما في محفظته: - أراك تهئ نزهة أخرى في (كاغدخانه)؟ فأجابني ضاحكاً: - ربما. . . بعد هذا الأسبوع أصبح رفيقي ينتحل أسباباً يسمح له معها الرئيس بالتغيب أيام الجمع، فكان يذهب إلى منتزه (كاغدخانه) يقضي أيام الأحد والجمع هناك، ولكنه خلافاً لعاداته لا يقص علينا أخبار نزهاته ورياضته. كنت ألاحظه دائماً من حيث لا يشعر بي، فرأيت محفظته قد امتلأت بالأوراق (البنفسجية والخضراء، والصفراء) بجانب (الزرقاء والحمراء). فقلت في نفسي، كأن رفيقي يستعرض الألوان متخيراً، وسنرى أي لون يختاره في النهاية ويستقر عليه رأيه. وبعد مدة علمنا اللون الذي وقع عليه اختياره. . . . جاءنا في صباح يوم بادي القلق ظاهر الاضطراب، فأخذ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً يحاول أن يتكلم ويفضي إلينا بشيء ولكنه لا يقدر، ثم نظر إلى وجه كل واحد على حدة وقال: - سأقول لكم شيئاً حولنا جميعاً أنظارنا إليه، وكنت واثقاً أن ما سيقوله يتعلق بالأوراق الملونة التي في محفظته وقال: - سأتزوج. . . فصعقنا لهذه الكلمة كأنها قنبلة سقطت علينا من السقف، واستتلى فقال بكل جد: - سئمت هذه الحياة، حياة الوحدة، وعزمت على أن أستريح، إن ملازمة غرفة البيت والاشتغال بالعيال والأطفال خير من قضاء الليالي الطوال في أماكن اللهو ومحال الفجور. فقلت له:

стр. 6210

- أن مسألة الأطفال مسألة ثانية، والمهم الآن أن نعرف من هم العيال؟ فأجابني بكل جد: - إنها موافقة لي تمام الموافقة، إنها ليست غنية، وأنا لست من طلاب الغنى في الزواج، ستأتيني بثيابها فقط، إن والدي مازال يشكو من الوحدة بعد وفاة والدتي، ويقول إن كل بيت يحتاج إلى امرأة، فسأسبقه وأتزوج قبله، هذا كل ما هنالك. فقلت له: - لابد من صلة متينة بين هذا الزواج وبين الأوراق الملونة؟ فلم بصدق ما قلت ولا أنكر ما ادعيت، أنه سكت، وكيف ينكر ما لا يقبل الإنكار؟ سمعنا هذا منه وسكتنا، ولم يظهر بيننا من يخالفه في رأيه الذي أعتزم عليه، ولا يقول له: إن الإقدام على الزواج مع مرتب ضئيل لا يتجاوز الأربعة دنانير كل شهر، لا يدل على رأي حسن وفكر مستقيم، وأن الزواج لو كان يترتب على كل رؤية يعقبها ميل لكان الزواج عبارة عن سلسلة لها أول وليس لها آخر كان العقد وكان الزفاف، وكانت الحفلات الشائقة التي نعمنا فيها بنعيم صديقنا. وبعد غياب أسبوع عاد إلى عمله وأول كلمة قالها هي: - إني سعيد. . . نعم كان سعيداً. . . كنا نعرف ذلك من الطيش الذي أظهره باستدانته من هنا وهناك نقوداً أنفقها في حفلات العرس. كنا نتحقق سعادته حينما نرى الصيارفة عند باب الدائرة في أكثر الأحيان. . . وحينما نراه يوم أخذ المرتب غارقاً يفكر وقلمه بيده يكتب أعداد ويمحو أخرى. . . لم نره مسروراً إلا أسبوعاً واحداً فقط. ثم جعلت ألاحظ أن خطوط الهم والتفكير أخذت تظهر على جبينه، ولكنه مع ذلك كان بين آونة وأخرى يقول لنا: - إنني سعيد. . . كأنه يحاول بذلك أن يخدع نفسه، أو كأنه يريد أن يخدعنا سمعته في أحد الأيام وقد أخذ الموظفون يستعدون للذهاب إلى منازلهم للغداء يقول: - إني اليوم أشعر بفتور في جسمي لا أقدر معه على الذهاب إلى البيت للطعام، لذلك سأبقى هنا وسأتناول شيئاً من الخبز والجبن. وفي اليوم الثاني أتى بعلبة صغيرة ووضعها في درج مكتبه ثم أخرجها عند الظهر وقال:

стр. 6211

- لقد رأيت أهل البيت يقددون لحماً فاشتهيت أن أجعل منه غدائي هذا اليوم. كأنه يريد أن يعتذر عن عدم ذهابه إلى البيت ليتناول فيه طعام الغداء على حسب العادة، عند ذلك قوى عندي الشعور بسعادته وقلت: - حقاً أنه سعيد. . . أصبح بعد ذلك اليوم لا يخرج ظهراً إلى البيت لتناول طعام الغداء، ولا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك إلى رفقائه، وأصبح في أكثر الأحيان يأكل الخبز والجبن لا يزيد عليهما، وربما أتى معه من البيت بسمك محمر، أو لحم مقدد، قد صر ذلك في جريدة، وربما عدل عن اللحم إلى البيض المسلوق. رأيته يوماً يفتح قماشاً فوق منضدته ويقلبه بين يديه ويتأمله مفكراً، فلما وقع نظره على نظري رفع قطعة القماش بيده وقال لي: - ألا تعجبك هذه القطعة لمعطف نسائي! إنها حقيرة في نظرها لأن ثمنها ثلاثة دنانير! لقد أقدم على شراء معطف بثلاثة دنانير مع أن مرتبه الشهري أربعة فقط! ومع هذا فهي ساخطة وتعدها حقيرة. . . يا للغرابة!. . لم أر من اللياقة أن أجيبه بما يجب، فأرسلت زفرة من أعماق قلبي وقلت: - انه سعيد وسعيد. . .! في اليوم الثاني أخذنا مرتباتنا، وبينما كنا خارجين من الدائرة كان أحد الصيارفة في انتظاره عند الباب فتعلق به وطالبه بنقوده صائحاً معربداً، فدفعه عنه، ولكن الصيرفي أخذ بتلابيبه، ولم يرض أن يتركه حتى يدفع له كل ما عليه، فتخلص منه بعد جهد، وعاد إلينا قائلاً كأنه بكلامه يريد أن يخفف وقع المنظر في نفوسنا: - يا له من وقح! كأني قد أنكرت ماله علي من دين، فهو يطالبني بهذه الشدة! فقلت في نفسي: ستدفع إليه بلا شك، وما الذي يقوله هذا النذل فيك إذا أنت لم تأخذ من المرتب إلا ثمن المعطف الذي قدمته للفتاة التي عبثت بلبك بوريقاتها الزاهية، وإلا نفقاتك البيتية والخصوصية، ثم قدمت إليه الباقي جملة واحدة؟! كان يفقد نشاطه بالتدريج، لقد حل مكان النشاط سكون وفتور، أما اعتناؤه بزيه وهندامه فكان يقل شيئاً فشيئاً، ولكنا مع ذلك كنا أحياناً نرى دبوسه الماسي فوق عقدة رقبته، وخاتمه الزمردي في إصبعه، وسلسلة الساعة على صدره. أما الثياب فكان يقضي داخل الحلة الواحدة فصلاً كاملاً، وكان لا يبدل

стр. 6212

قميصه إلا نادراً، وظهر عليه انقباض، فربما مرت عليه أيام لا يحرك شفته إلا بكلمة. كنا نشعر نحن أن وراء هذا التبدل ما وراءه من حياة بيتية مضطربة. . . . إلا أنه جاءنا يوماً على غير عادته فرحاً مستبشراً فقال لنا عند دخوله: - هنئوني، لقد رزقت اليوم فتاة. ثم نظر إلى تقويم الأوقات وكتب في دفتره: ١٥ آذار ١٣٠٠. هنأه كلنا بالمولود الجديد وأنا من جملتهم وقلت: - ها قد جاء دور الأطفال بعد العيال. جاءني بعد أسبوع وقال والحمرة تعلو وجهه: - هل عندك دينار تقرضني إياه؟ ثم أردف قائلاً من غير أن يترك مجالاً لرد طلبه: - يجب علي أن أدفعه إلى القابلة. لقد سمعت الدينار في جيبي يزفر زفرة حرى. ولكن لم يكن في استطاعتي أن أرد طلبه، فأعطيته الدينار. ومن الغريب أنه منذ ذاك الحين أخذ يعاملني معاملة باردة، ويقابلني بوجه جاف، مع أنه لم يكن ثمة حاجة إلى ذلك، لأني منذ ناولته (الدينار) نفضت يدي منه. لقد تغير حال رفيقنا وازداد اضطراباً بعد أن صار أباً. دخل يوماً إلى الدائرة وهو يقول: - ألا تسألون ما حل بي؟ فأخذنا ننظر إليه بقلق وننتظر أن يذكر لنا ما حل به، ففتح حينذاك ملفاً صغيراً بيده وأخرج منه علبة صغيرة سوداء فرفع غطائها وأرانا إياها فإذا فيها: ثدي صناعي. وقال: - إن زوجتي لن ترضع أبنتها بعد الآن، سنرضعها بالثدي الصناعي، فهل تدرون لماذا؟ حينذاك توقف عن إتمام كلامه كأنه كان يتردد بين أن يقول وبين أن يسكت ثم قال وهو خجل: - لأنها حامل! كان ينظر ألينا باضطراب، وكان منظره مؤلماً ومضحكاً معاً رأيته يوماً عند طعام الظهر أخرج قطعة (كعك) وقطعة من جبن (القشقاوان) وأخذ يأكلهما وهو يتمتم قائلاً: - أنت تجوع وابنتك في البيت تأكل مرق اللحم الدسم أخذت علائم الحزن ترتسم على محياه وتظهر بأجلى مظاهرها، وبدت على وجهه معاني مؤلمة حزينة لبعد عهده بالموسى، وكان كثيراً ما يكلم نفسه كالمجانين، وكثيراً ما يشتغل بحسابه الخاص - حساب الدين - عن حساب الدائرة، ويسافر بفكره إلى أقصى حدود الخيال.

стр. 6213

عدنا يوماً من الغداء إلى الدائرة فرأيناه يخيط بطانة معطفه، ذلك المعطف الذي صاحبه زمناً طويلاً، فخجل منا وقال: - أن زوجتي مريضة لذلك أنا أخيط ثيابي بيدي. إنه لم يقل الحقيقة لأنه ما كان يخيط بطانة معطفه المفتوقة، بل كان يرفو بطانته التي تهلهل نسجها لطول الأيام. حينما ذكر لنا خبر ولادة المولود الثاني لم يكن فرحاً مستبشراً كما كان في أول مرة بل قال: - لقد رزقت اليوم غلاماً. ثم نظر إلى تقويم الأوقات وأخرج دفتره من جيبه وكتب فيه: ١٢ نيسان ١٣٠١ لم نره بعد ذلك شكاً أو تبرم، ولكنه كظم كل ذلك في قلبه صابراً مستسلماً لقضاء الله وقدره. سعينا مع الرفاق عند رئيس الشركة ليزيد راتبه فلم نفلح، وكان جواب الشركة: - أن أولاد الموظفين ليسوا من صنع معاملها حتى تتكفل بهم. أربعة الدنانير للزوجين وللولدين. . . . صار طعامه عند الظهر الخبز والجبن بصورة منتظمة، ولم نعد نراه في منتزه ولا متفرج، وأنزل نوع تبغه الذي يدخنه درجة ثم درجات، وأصبح كثير النظر في أوراق الحساب، وفي آخر أحد الشهور زاره الصيرفي الملح يطالبه بالدين فصاح به: - لن أعطيك، لن أعطيك شيئاً، افعل ما تشاء. لقد كان قبل اليوم يكلمه سراً، أما اليوم فهو يكلمه علناً، لأنه لم يعد يخجل منا. جاءنا في صباح أحد الأيام وبيده علبة فيها ثدي صناعي. فقلت له: - ما هذا؟ فقال: - لا شيء كأنه خجل أن يقول ما قاله أولاً، وفي ذاك النهار لم يزاول عملاً، ولكنه جعل رأسه بين يديه واسترسل في أفكاره حتى المساء، لا ينظر إلى شيء ولا إلى أحد. ولاحت مني التفاته إليه أحد الأيام فإذا هو ينظر إلى تقويم الأوقات ثم يخرج دفتره من جيبه؛ فقلت له: - هل من قيد جديد لزائر جديد؟ فأرسل نفساً قصيراً وكتب في الدفتر: ١٠ مايس ١٣٠٢

стр. 6214

ثم قال وهو ينظر إلي مبتسماً ابتسامة مؤلمة: - لقد رزقت اليوم فتاة أخرى كنت أنا أشعر من أعماق نفسي بألم من كثرة أولاد هذا الرفيق، أما هو فكان يبكي من فرط تألمه، فحول عينيه عني وأقبل على عمله. أخرج يوماً ساعته من جيبه وفصل عنها سلسلتها الذهبية ولفها بورقة، فقلت في نفسي: - لن نرى السلسلة الذهبية بعد الآن. إن رفيقي لم يدفع ثمن القهوة في هذا الشهر، وأصبح منذ ذاك اليوم يشربها مرة واحدة في النهار بدلاً من ثلاث مرات. ساءت حال الرجل وأشتد به الضيق، وظهرت ملابسه ملوثة ببقع الحبر، واستحال لونها، وتهلهل نسجها ووهى، فكنت إذا رأيته على هذا الحال رثيت له وبكيت عليه. ولقد دخل علي يوماً وعليه حلة جديدة لم أرها عليه قبلاً، ففرحت لذلك، إلا أن فرحي لم يطل، فقد قال لي غير خجل مني: - إنها قديمة، ولكني صبغتها فصارت جديدة. وبعد هذا الاعتراف أصبحنا صفيين، وزال ما بيننا من الفتور الذي سببه (الدينار) واتخذني كاتماً لأسراره، يبثني آلامه وأحزانه. لقد سرد علي تدريجاً كل آلامه في الحياة. فذكر لي أولاً مبدأ صلته بزوجته وأساس هيامه بها، وأن ذلك كان في منتزه (كاغدخانه)، وبسبب تلك الأوراق الملونة. . . وأنه كان يأمل أن ينعم بالاقتران بها، إلا أنه لم ينعم بذلك إلا أسبوعاً واحداً وأتى بعد ذلك الشقاء. . .، ثم تجلت بعد ذلك حياة البؤس من اجتماع فقره وفقرها، فكان بينهما نزاع سببه عدم تمكنه من تأدية نفقاتها وطلباتها. . . ثم الأولاد. . . وعاد إلى زوجته فقال: - أنها لما رأت نفسها محرومة مما تشتهي من ملبس ومأكل ومشرب أخذت تعامله معاملة قاسية لا تطاق، ولكن ماذا يعمل هو إزاء ذلك، وهاهو لم يلبس بذلة جديدة منذ تزوج حتى الآن، وأن ياقته قد تمزقت فقلبها على قفاها لأنه لا يجد غيرها ولا يستطيع الوصول إليه، على أنه قد عزم على أن يتخذها من مشمع كيلا يتمزق سريعاً، وها أن ولديه الاثنين قد كبرا، وهما في حاجة إلى ثياب وإلى أحذية لا يجدها. وكان بعد ذلك اليوم الذي نفض فيه جعبته أمامي، يسمعني كل يوم فصلاً من فصول حياته المؤلمة. نظر إلي يوماً وهو يريني قماشاً لأبنته الكبرى وقال: - سأقول لك شيئاً. ثم عاد وقال:

стр. 6215

- لن أقول لأنك لا تصدق إلا إني عرفت ما يقصده حينما رأيت دفتره في يده ونظره في تقويم الأوقات، لقد كتب في دفتره: ٨ حزيران ١٣٠٣ فقلت له: - أطفل أيضاً؟ قال: نعم غلام، وقد أصبحوا أربعة. ثم قال وهو يبتسم: - أنهم لا يخطئون نوبتهم: فتاة ثم غلام، ثم فتاة ثم غلام، وهكذا. . كان يضحك ولكن كان قلبه يبكي. فقال لي في نفس ذلك اليوم: إن الدخان يؤثر في صدره ويؤذيه، وهو يرغب ي تركه لو يستطيع. أدركت ما يقصده المسكين من ترك الدخان، فتأملت له كثيراً حتى كدت أبكي. رزق ولداً آخر، فصار الأولاد خمسة، وفي ذلك اليوم خرجت نفسه من يده، فانه ما كان يدخل الدائرة ويجلس إلى منضدته حتى أخرج دفتره وكتب فيه وهو ينشج نشيجاً وهو يفتت الكبد ويصدع القلب: ٥ تموز ١٣٠٤ فقال بعض رفقائنا الجفاة ساخراً منه: - ضع أرقاماً متسلسلة بجانب أولادك كيلا تنسى عددهم. . . كانت الخامسة فتاة على الترتيب المعتاد. بعد ذلك بقيت معه ثلاث سنين في الوظيفة رأيته فيها ثلاث مرات يكتب في دفتره، كتب فيه بجانب اسم فتاة وغلامين: ١٤ آب ١٣٠٥، ٨ أيلول ١٣٠٦، ١٤ تشرين الأول ١٣٠٧ كأن الدهر كان يريد مداعبة هذا الرجل الفقير المسكين فهو يقذفه مصراً في كل سنتين بفتاة وغلام. . . لقد خلت محفظته من الأوراق (الملونة) بعد أن كانت تغص بها، ولم يبقى فيها غير دفتر صغير فيه صحيفة كاملة لتواريخ أولاده. بعد أن قيد تاريخ ولادة الولد الثامن. . . ألقى نظرة فاحصة إلى آخرها ثم جاء إلينا وقال: - تعالوا لأريكم اتفاقاً غريباً. فاجتمعنا حوله فقال: - اقرأوا من أعلى الصحيفة حتى أسفلها فقرأنا فإذا فيها: آذار، نيسان، مايس، حزيران، تموز، آب، أيلول، تشرين الأول ثم أخذ يشرح لنا مكان الغرابة في ذلك فقال:

стр. 6216

- انظروا إن بين كل ولد من أولادي ورفيقه ثلاثة عشر شهراً لا تزيد، لذلك كانت شهور ولادتهم متعاقبة لا فاصل بينها فقال أحدنا مستهزئاً أيضاً: - الآن جاء صاحب تشرين الأول! وسيأتيك أربع آخرون حتى شباط. وفيه تنتهي المجموعة ويكمل عددهم (اثني عشر) لقد مضى على خروجي من خدمة الشركة أربع سنوات لم أر خلالها هذا الرفيق القديم، فلما رأيته اليوم سألته عن حاله فإذا (سيل) الأولاد لا يزال كما كان. وعلى ذلك فان (شباط) قد وضع (هديته) وتمت المجموعة التي بشر بها، مع أن المسكين لا يزال يلبس الثياب التي كانت منذ أربع سنين، وربما كان مرتبه لا يزال (أربعة دنانير). هنا انتهت القصة التي رواها رفيقي فودعته وركبت الترام إلى بيتي، وأنا أفكر في ذلك الرجل المسكين وسوء طالعه، وأستنزل الرحمة والرضوان على جدث دفين معرة النعمان. حلب فتاة الفرات

стр. 6217

الكتب (الخطابة): تأليف محمد أبو زهر (الأدب العربي في آثار أعلامه): وضع لجنة من أدباء لبنان (نسمات الأصيل): تأليف عبد العزيز رمضان وعبد الفتاح العشري (الثعابين): تأليف الدكتور حسين فرج زين الدين (ابنة استريا): تعريب محمد عبد الفتاح إبراهيم (ظلال القمر): نظم أحمد مخيمر تدل هذه المجموعة من الكتب، فضلاً عما تظهر من نشاط التأليف في العالم العربي، على بعض مظاهر الحركة الفكرية عندنا، من حيث تشعبها واتجاهها ومقدار ما دخل عليها من تطور في طريقة عرض الآراء وبسطها وتوجيهها، وما دخل على المشاعر من آثار التجديد. أما أولها فبحث قيم في الخطابة وأصولها وتاريخها في أزهر عصورها عند العرب، اضطلع بوضعه الأستاذ محمد أبو زهرة أستاذ تاريخ الخطابة بكلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية، وهو كتاب كبير يقع في نحو أربعمائة صفحة من القطع الكبير جعله مؤلفه قسمين، فتناول في القسم الأول أصول الخطابة، فعرف هذا العلم وبين علاقته بالمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع، ثم تكلم عن فائدة الخطابة وطرق تحصيلها وقواعدها كالإيجاد والأدلة وموضعها الذاتية والعرضية، وآداب الخطيب وصفاته وما يتخللها من إثارة الأهواء والميول واستغلال العواطف، وغير ذلك من أصول هذا العلم كالتنسيق وما يدخل فيه من مقدمة وإثبات، ثم التعبير وحسن الأداء وما يصحبهما من موقف الخطيب وإشاراته وصوته، ولم يفته أن يبين في وضوح أنواع الخطب من سياسة ومن قضائية حتى الوعظ الديني والمحاضرات العلمية والخطب العسكرية. . الخ وفي القسم الثاني تكلم عن تاريخ الخطابة في العصر الجاهلي وصدر الإسلام، وفي العصر الأموي وصدر

стр. 6218

العصر العباسي مع إيراد نماذج لكل من هاتيك العصور. فأنت ترى أنه بحث قيم جدير بالثناء، كما ترى أنه موضوع طريف في مسألة لها أهميتها وخصوصاً في عصرنا هذا. عصر الرقي الاجتماعي والاتصال الفكري، عصر المجادلات السياسية والمناقشات البرلمانية والمحاضرات العلمية والوعظية في المجتمعات والنوادي وفي الراديو وغيره. وأني وأن كنت أشايع المؤلف الفاضل في رأيه أن الخطابة ملكة وهبة وطبيعية، فأني أرى معه أيضاً أن الأصول والقواعد الفنية لابد منها حتى للموهوبين، فما أبدع الجمع بين الاستعداد الفطري والأوضاع الفنية، هذا ولو لم يقتصر الأستاذ الفاضل على الخطابة عند العرب فتناول الخطابة عند أمم الغرب لكان موضوعه أتم، وكانت فائدته أعم، إذ تتسنى بذلك المقارنة. ولا شك أن ما طرأ على الأمم من تغيير في نظم الاجتماع وطرق التفكير قد أدخل على الخطابة في العصر الحاضر عناصر أخرى جديرة بالبحث، والمؤلف كما يظهر في كتابه جدير بأن يفرد لها رسالة أخرى لا يتقيد فيها ببرنامج الدراسة وحدوده. وأما الكتاب الثاني فعبارة عن نصوص منتخبة من النظم والنثر وفقاً لمنهاج البكالوريا اللبنانية قام بوضعه الأساتذة واصف بارودي، وفؤاد افرام البستاني، وخليل تقي الدين، وفي يدي الآن الجزء الأول منه، ويشمل الجاهلية وعصر صدر الإسلام، ويقع في نيف ومائتي صفحة من القطع الكبير، وقد طبع طبعاً أنيقاً في بيروت، أختار مؤلفوه الأفاضل من عصر الجاهلية شيئاً من أشعار امرئ القيس وطرفة بن العبد وزهير وعنترة والنابغة الذبياني مع إيراد ترجمة قصيرة لكل منهم، وبيان ظروف معلقته، واختاروا من عصر صدر الإسلام للأخطل وفرزدق وجرير وعمر بن أبي ربيعة والحجاج بن يوسف وعبد الحميد الكاتب، على نحو ما فعلوه في العصر الجاهلي مع الإشارة هنا إلى الدواوين أو المؤلفات. وقد يظن القارئ أن مثل هذا العمل قليل الخطر، ولكن الواقع أنه من أدق الأعمال الأدبية، فالاختيار يحتاج إلى توخي الفائدة وإلى التقيد بالذوق العام، ومراعاة سن القارئ ودرجة استعداده، ثم ملاحظة القطع المختارة ومقدار دلالتها على تفكير صاحبها ونوازعه في الشعر والكتابة وما ينعكس فيها من أخلاقه وصفاته، وهذا بلا شك يزيد في قيمة النصوص، فالنصوص كما لا يخفى أمر لابد منه لدراسة الأدب وتذوقه، وهي الخطوة السابقة للنقد بل الأساسية له. هذا وكثير من النصوص ما تزيد قيمته في نفس الجمهور بحسب من أختارها لا من حيث هي

стр. 6219

في ذاتها. فإذا كان من يختار سليم الذوق طليعاً في فنه، جاءت مختاراته على قدر منزلته، وهذه النصوص التي أحدثك عنها تدل على ذوق وفن عظيمين. وتجد ثالث تلك الكتب من نوع سابقه فهو عبارة عن مختارات من النظم والنثر، غير أنه يختلف عنه في طريقته، فلم يراع فيه ترتيب ولا تبويب، كما لم ينظر فيه إلى درس أو غاية فنية اللهم إلا الاستمتاع والغداء العقلي الذي يستمد من الآثار الأدبية عامة أياً كان شكلها أو موضوعها، وإنك لتجد فيه المقالة المعربة إلى جانب القطعة المختارة، إلى جانب الترجمة لشاعر أو كاتب، إلى قطع شعرية قديمة وحديثة متناثرة هنا وهناك دون أن تستطيع أن تعرف السر في اختيارها، اللهم إلا أنها قد أعجبت مختاريها، وبينما تجد بعض القطع منسوبة إلى أصحابها من أعلام الشعراء والكتاب تجد غيرها غفلا من كل إشارة، وتكاد لا تساوي شيئاً في معناها أو في أسلوبها. لذلك يحق لي أن أعتب في رفق على الأديبين المختارين عدم تنظيم كتابهما، فان فيه الكثير من التحف الأدبية لو أنها عرضت بطريقة منظمة لكان ذلك أجمل وأدعى إلى الاستمتاع والانتفاع. أما كتاب الثعابين فهو بحث يتناول الثعابين عامة والأنواع المصرية منها خاصة، قام بتأليفه أستاذ متخصص في علم الحيوان هو الدكتور حسين فرج زين الدين، وإن اختيار المؤلف الفاضل لهذا الموضوع الذي لم يسبقه إليه غيره في اللغة العربية، لدليل واضح يضاف إلى كثير غيره من الأدلة على مجاراة المصرين غيرهم من أمم الغرب في التخصص العلمي، وتناول المسائل العلمية على أمثل الطرق، والكتاب مملوء بالصور الدقيقة لأنواع الثعابين، والمصري منها خاصة، ولن أجد في وصفه أحسن مما قاله في مقدمته الفريق الدكتور أمين باشا المعلوف (قرأت الكتاب من أوله إلى أخره فوجدته مكتوباً بلغة علمية فصيحة، وأسلوب علمي سهل المنال، مما يثبت أن اللغة العربية غير قاصرة عن التعبير العلمي لمن أراده. هذا من جهة اللغة، أما العلم فقد بحث المؤلف الثعابين بحثاً وافياً ولا سيما ما كان منها في مصر وما جاورها وذكر أسمائها العربية الفصيحة والعامية، وإذا لم يجد لها اسماً فصيحاً ذكر الاسم العامي. وبحث في الحيات والإنسان وأنواع الحيات وأشكالها بوجه عام ثم بحث في تشريحها. . . الخ ثم بحث في السم وأنواعه وأعراض

стр. 6220

التسمم والمصل في علاج الملدوغين). ونحن نتقدم بجزيل الثناء للدكتور المؤلف على مجهوده المحمود. وأقدم للقارئ بعد ذلك تلك القصة المعربة وهي (ابنة استريا) وتقع في جزأين، ولقد نشرت تباعاً في جريدة الأهرام ومعربها هو الأستاذ محمد عبد الفتاح إبراهيم، أما مؤلفها فهو الروائي الإنكليزي الذائع الصيت فيلبس اوبنهايم، صاحب الروايات المحبوبة عند جمهور القراء في الإمبراطورية البريطانية، وليس لدى الأصل الإنكليزي حتى أستطيع أن أحكم على ما إذا كان التعريب جيداً، غير أني أجد في جودة العبارة وسلامتها من الركاكة ما يرجح عندي هذا، أما موضوع القصة فموضوع غرامي ساحر ملئ بكثير من المواقف المدهشة والأوصاف الساحرة. (كتبه اوبنهايم بعد أن زار جزيرة (استريا) وسط المحيط الجنوبي وسمع القصة بأذنيه). يبقى الكتاب الأخير (ظلال القمر) وهو ديوان صغير الحجم يقع في نحو تسعين صفحة للأديب أحمد مخيمر، مطبوع طبعاً أنيقاً على ورق جيد، ومحلى بعدة صور ريفية بديعة. وتدور معظم قصائده على وصف المناظر الريفية، وهي نزعة أحمدها للشاعر الفاضل فقد تناول البيئة المصرية المحبوبة، ولم يجر كغيره وراء أخيلة وصور لا تمت إلينا بصلة، ولذلك تلمس في شعره الروح القروية الرقيقة. وكثير من قصائده في القمر والحقول يقنعك بأن الشاعر لا يعرف التكلف، وحبذا لو اتجه شعراؤنا إلى الريف المصري فوصفوا جماله واستلهموا سحره، واستوحوا صفاءه وبهجته. ولكني إذ أغتبط بنزعة الشاعر من حيث الموضوع أقرر مع الأسف أنه كثيراً ما يسف في شعره إسفافاً قد يقربه به من الابتذال، ولكنه يسمو أحياناً سمواً يبشر بأنه مع الصبر والتجويد قد يأتي في المستقبل بما يجعل منه شاعراً مصري الروح والعاطفة. الخفيف ١

стр. 6221

العدد ٧٥ - بتاريخ: ١٠ - ١٢ - ١٩٣٤

стр. 6222

إلى القرية يا بك. . . أهلاً وسهلاً بعلي بك!. . . كيف حالك؟. . . آنست هنا وأوحشت هناك!. . منذ كم سنة لم أرك؟. . . نعم أكثر من ست سنين!. . . وكان هذا اللقاء المفاجئ في ميدان إبراهيم أمام (النيوبار)، فمال بنا الشيخ في حماسة الشوق ودهشة المفاجأة إلى مجلس من مجالس هذا المقهى الحاشد، ثم أخذ يسألني عن أمري حتى نقع نفسه ونضح وده. فلما طال بنا نفس الحديث عطفته مترفقاً إلى عمره المفقود، فذاكرته عهود القرية أيام الشمل جامع والحبل واصل والدار نادية! فكانت إرسال هذه الذكر - وا أسفاه - ترتد عن شعوره الأصم ارتداد الأمواج عن صخور الساحل! لقد خفت الماضي في ذاكرته خفوت المحتضر؛ فرجعه البعيد لا يكاد يبين إلا في نظرة قصيرة من عينه المنتفخة، أو نفثة طويلة من نرجيلته المكركرة. لشد ما صنعت المدينة بهذا الرجل! كان مكتنز اللحم فترهل، ومشبوب اللون فانكفأ، وخفيف الحركة فثقلته الأملاح، وطليق المشية فقيدته العلل؛ ثم كان يعقد مجلسه في القرية فيكون في جلالته ديوان عرش، وفي مهابته جلسة محكمة! يلقي النظرة مثقلة بالدلائل فتأخذها العيون وعداً لا يخلف، أو وعيداً لا يشفق، أو عاطفة لا تكذب، ويرسل الكلمة موقرة بالمعاني فتلقفُها الآذان أمراً لا يرد، وقانوناً لا يخالف، ورأياً لا ينقض، فأصبح في زحمة القاهرة قطعة من الوجود المتطفل، يتسكع في الطريق، أو يتقمع في القهوة، أو يتمطى في البيت، وليس له رأي في أمور الناس، ولا أثر في جهاد العيش، ولا شأن في طبقات المجتمع؛ وكان بليل اللسان حافل الخاطر إذا تحدث إلى الفلاحين في شؤون الفلاحة، فلما حاول مناقلة المدنيين أحاديث السياسة والأدب والاجتماع، قعد به الجهل عن مجاوراتهم، فغلب الوجوم على نفسه، وختم العي على فمه!

стр. 6223

تخاذل حديث (البك) واسترخي حتى انقلب إلى أنة موجعة وشكوى أليمة! قال وهو يطلب من الغلام جمرة ترسل النار في النرجيلة الخامدة: منذ حبَّب إليَّ أبنائي - وهم في المدارس كما تعلم - أن أنقل البيت من القرية إلى الحاضرة، انقلب وجودي رأساً على عقب! فأنا أحيا كالغريب، وأعْمَه كالشريد، وأمشي كالتائه. نقصت غلة الأرض لإتكائي في زرعها على الناس، وزادت أكلاف العيش لاعتمادي في الوجاهة على الشرف، وفدحتني أعباء الديون فأنا من شواغلها في غصة لا تساغ وكربة لا تنسلي، وفسدت على سياسة الأسرة، فالبنون لا يريدون العمل في غير الحكومة، والبنات لا يرغبن الزواج في غير المدينة، والزوجة تأبى إلا أن تكون كزوجة فلان باشا: لها في كل يوم ملهى، وفي كل أسبوع وليمة، وفي كل شهر (مودة)، وفي كل عام مصيف. فأنا يا صديقي مذبذب العيش بين هنا وهناك، لم أستفد من مزايا الحضر من أتساق الأمر واطراد الحياة، ولم أستعد محامد الريف من سعادة النفس وبساطة العيش وخلوص الفطرة وصحة الدين وسلامة الثروة؛ فهل تطمئن على هذا الحال نفس. وهل تشرق في هذا الوجود سعادة؟ فقلت له وقد تمثل في خاطري ما دهى القرية وأصاب الأمة من أمثال هذا الرجل: لو أن سراة الريف استقبلوا من أمرك ما استدبرت لما كانوا على أنفسهم شراً وعلى قراهم جنابة. فانك لو بقيت في قريتك، وقمت كما كنت تقوم على تدبير ثروتك، وعاد بنوك من الكلية فاستثمروا علمهم فيها، ونشروا مدينته وثقافتهم بين ربوعها وأهليها، ورجع بناتك من المدرسة فبثثن في نسائها النظام والتدبير والذوق بالإرشاد والقدوة، ثم فعل غيرك ما فعلت، إذن لوفر فيها الرزق، وورف عليها الأمن، وانتقل إليها العلم، وتذوق أهلها المساكين جمال الحضارة ونعيم الصحة ولذة المعرفة، وشعرت أنت في هذه البيئة شعور الغبطة والرضا، لأنك أعنت فريقاً من ضعاف الناس على أن ينعموا بحياتهم ويقوموا بواجباتهم على الوجه الأكمل. ولكن أكثر القرويين متى ارتجع كثيراً من المال، أو شدا قليلاً من العلم، أغلق (المضيفة)، وخرب (الدوار)، وخلف القرية للفاقة والجهالة والمرض. فلولا أشعة من نور الأزهر الخالد تنتشر في هذه القرى فتدعو إلى الله، وتهدي إلى الحق، لظل الريف وساكنوه على الحال

стр. 6224

التي عثر فيها بطلائع الإنسان. أنت لا تزال عميد أسرة مجيدة، لها في سياسة الأمة صحائف مشرقة، وفي ثروة البلاد جهود موفقة، فافزع إلى ماضيك، واستصرخ عزيمة الجنس فيك، واستعد سلطانك على أهلك وبنيك، ثم عد إلى مسقط رأسك ومهبط نفسك ومنبت عواطفك ومنشأ هواك ومرتع صباك وموطن مجدك ومدفن جدودك! عد إلى القرية يا بك!! احمد حسن الزيات

стр. 6225

شهرٌ للثورة. . . فلسفة الصيام للأستاذ مصطفى صادق الرافعي لم أقرأ لأحد قولاً شافياً في فلسفة الصوم وحكمته؛ أما منفعته للجسم وأنه نوع من الطب له، وباب من السياسة في تدبيره، فقد فرغ الأطباء من تحقيق القول في ذلك؛ وكأن أيام هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثين حبة تؤخذ في كل سنة لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم؛ ولكنا الآن لسنا بصدد من هذا، وإنما نستوحي تلك الحقيقة الإسلامية الكبرى التي شرعت هذا الشرع لسياسة الحقائق الأرضية الصغيرة، عاملة على استمرار الفكرة الإنسانية فيها، كي لا تتبدل النفس على تغير الحوادث وتبدلها، ولكيلا تجهل الدنيا معاني الترقيع إذا أتت على هذه الدنيا معاني التمزيق. من معجزات القرآن الكريم أنه يدخر في الألفاظ المعروفة في كل زمن حقائق غير معروفة لكل زمن، فيجليها لوقتها حين يضج الزمان العلمي في متاهته وحيرته، فيشْغَبُ على التاريخ وأهله مستخفاً بالأديان، ويذهب يتتبع الحقائق ويستقصي في فنون المعرفة، ليستخلص من بين كفر وإيمان ديناً طبيعياً سائغاً، يتناول الحياة أول ما يتناول فيضبطها بأسرار العلم، ويوجهها بالعلم إلى غايته الصحيحة، ويضاعف قواها بأساليبه الطبيعية، ليحقق في إنسانية العالم هذه الشيئية المجهولة التي تتوهمها المذاهب الاجتماعية، ولم يهتد إليها مذهب منها ولا قاربَها؛ فما برحت سعادة الاجتماع كالتجربة العلمية بين أيدي علمائها لم يحققوها ولم ييأسوا منها، وبقيت تلك المذاهب كعقارب الساعة في دورتها، تبدأ من حيث تبدأ ثم لا تنتهي إلا إلى حيثُ تبدأ. يضطرب الاشتراكيون في أوربا، وقد عجزوا عجز من يحاول تغيير الإنسان بزيادة ونقص في أعصابه؛ ولا يزال مذهبهم في الدنيا مذهب كتب ورسائل. ولو أنهم تدبروا حكمة الصوم في الإسلام، لرأوا هذا الشهر نظاماً عملياً من أقوى وأبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة؛ فهذا الصوم فقرٌ إجباريٌ تفرضه الشريعة على الناس فرضاً ليتساوى الجميع في بواطنهم، سواء منهم من ملك المليون من الدنانير، ومن ملك القرش الواحد، ومن لم يملك شيئاً؛ كما يتساوى الناس جميعاً في ذهاب كبريائهم الإنسانية بالصلاة التي يفرضها الإسلام

стр. 6226

على كل مسلم؛ وفي ذهاب تفاوتهم الاجتماعي بالحج الذي يفرضه على من استطاع. فقرٌ إجباريٌ يراد به أشعار النفس الإنسانية بطريقة عمليةٍ واضحةٍ كل الوضوح أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة. ولو حقَّقْتَ رأيت الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم، ولا بأنسابهم، ولا بمراتبهم، ولا بما ملكوا؛ وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطون على العقل والعاطفة؛ فمن البطن نكبة الإنسانية، وهو العقل العملي على الأرض؛ وإذا اختلف البطن والدماغ في ضرورة مد البطن مده من قُوى الهضم فلم يُبقِ ولم يَذَرْ. ومن ههنا يتناوله الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب، ويجعل الناس فيه سواءً ليس بجميعهم إلا شعور واحد وحس واحد وطبيعة واحدة، ويحكم الأمر فيحول بين هذا البطن وبين المادة، ويبالغ في إحكامه فيمسك حَواشيَه العصبيةَ في الجسم كله يمنعها تغذيتها ولذتها حتى نفثةً من دخينة. وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يعلم الرحمة ويدعو إليها، فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة هي كل ما في مذهب الاشتراكية من الحق، وهي تلك الفكرة التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته، واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته؛ ومن هذين: (الاطمئنان والمساواة) يكون هدوء الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا الاجتماع الإنساني. وإذا أنت نزعت هذه الفكرة من الاشتراكية بقى هذا المذهب كلُّه عبثاً من العبث في محاولة جعْل التاريخ الإنساني تاريخاً لا طبيعة له. من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم، إذ يبالغ أشد المبالغة، ويدقق كل التدقيق، في منع الغداء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها الطاقة. فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس، ولا طريقة غيرها إلا النكبات والكوارث، فهما طريقتان كما ترى: مبصرةٌ وعمياء، وخاصةٌ وعامة، وعلى نظامٍ وعلى فجأة ومتى تحققت رحمة الجائع الغني للجائع الفقير، أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ، وحكم الوازع النفسي على المادة؛ فيسمع الغني في ضميره

стр. 6227

صوت الفقير يقول: (أعطني.) ثم لا يسمع منه طلباً من الرجاء، بل طلباً من الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه كما يواسي المبتلى من كل في مثل بلائه. أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يوماً في كل سنة، ليحل في محله تاريخ النفس؟ وأنا مستيقن أن هناك نسبة رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهراً كاملاً من كل اثني عشر شهراً، وأن هذه النسبة متحققة في أعمال الجسم للنفس؛ كأنه الشهر الصحي الذي يفرضه الطب في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة، لأحداث الترميم العصبي في الجسم؛ ولعل ذلك آتٍ من العلاقة بين دورة الدم في الجسم الإنساني وبين القمر منذ يكون هلالاً إلى يدخل في المحاق؛ إذ تنفتح العروق وتربو في النصف الأول من الشهر كأنها في (مدّ) من نور القمر ما دام هذا النور إلى زيادة، ثم يراجعها (الجَزْرُ) في النصف الثاني حتى كأن للدم إضاءةً وظلاما. وإذا ثبت أن القمر أثراً في الأمراض العصبية، وفي مدّ الدم وجزْره، فهذا من أعجب الحكمة في أن يكون الصيام شهراً قمرياً دون غيره. وفي تَرَائي الهلالِ ووجوبِ الصوم لرؤيته معنى دقيقٌ آخر، وهو - مع إثبات رؤية الهلال وإعلانُها - إثبات الإرادة وإعلانُها، كأنما انبعث أولُ الشعاع السماوي في التنبه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبِر. وهنا حكمة كبيرة من حِكَم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي الذي يدرب الصائم على أن يمتنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته. ويبقيه مصراً على الامتناع متهيئاً له بعزيمته، صابراً عليه بأخلاق الصبر، مزاولاً في كل ذلك أفضل طريقةٍ نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة. وإدراك هذه القوة من الإرادة العملية منزلة اجتماعية سامية هي في الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم؛ ففي هذين تعرض الفكرة مارةً مرورها، ولكنها في الإرادة تعرض لتستقر وتتحقق. فانظر في أي قانون من القوانين، وفي أية أمة من الأمم، تجد ثلاثين يوماً من كل سنة قد فُرِضت فرضاً لتربية إدارة الشعب ومزاولته فكرة نفسية واحدة بخصائصها ومُلابساتها حتى تستقر وترسخ وتعود جزءاً من عمل الإنسان، لا خيالاً يمر برأسه مراً؟ أليست هذه هي إتاحة الفرصة العملية التي جعلوها أساساً في تكوين الإرادة؟ وهل تبلغ

стр. 6228

الإرادة فيما تبلغ، أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مذعنةً لفكره، منقادة للوازع النفسي فيه، مصرفة بالحس الديني المسيطر على النفس ومشاعرها؟ أما والله لو عم الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعاً لآل معناه أن يكون إجماعاً من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهراً كاملاً في السنة، لتطهير العالم من رذائله وفساده، ومحق الأثرة والبخل فيه، وطرح المسألة النفسية ليتدارسها أهل الأرض دراسة عمليةً مدة هذا الشهر بطوله، فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر، وليفهم في طبيعة جسمه - لا في الكتب - معاني الصبر والثبات والإرادة، وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان؛ فيحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة. شهر هو أيام قلبية في الزمن، متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله: (هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي) فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما فرغ هو، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو. وما أجمل وأبدع أن تظهر الحياة في العالم كله - ولو يوماً واحداً - حاملة في يدها السبحة. . .! فكيف بها على ذلك شهراً من كل سنة؟ أنها والله طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس؛ وتطهير الاجتماع من خسائس العقل المادي؛ ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ظاهرها بالقوانين، والمحررة من قوانين في باطنها - إلى قانون من باطنها نفسه يطهر مشاعرها، ويسمو بإحساسها، ويصرفها إلى معاني إنسانيتها، ويهذب من زيادتها، ويحذف كثيراً من فضولها، حتى يرجع بها إلى نحو من براءة الطفولة، فيجعلها صافية مشرقة بما يجتذب إليها من معاني الخير والصفاء والإشراق. إذ كان من عمل الفكرة الثابتة في النفس أن تدعو إليها ما يلائمها ويتصل بطبيعتها من الفكر الأخرى. والنفس في هذا الشهر محتسبة في فكرة الخير وحدها، فهي تبني بنائها من ذلك ما استطاعت. هذا على الحقيقة ليس شهراً من الأشهر، بل هو فصل نفساني كفصول الطبيعة في

стр. 6229

دورانها. ولهو والله أشبه بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي من طبيعته السحب والغيث، ومن عمله إمداد الحياة بوسائل لها ما بعدها إلى آخر السنة، ومن رياضته أن يكسبها الصلابة والانكماش والخفة، ومن غايته إعداد الطبيعة للتفتح عن جمال باطنها في الربيع الذي يتلوه. عجيب جداً أن هذا الشهر الذي يدخر فيه الجسم من قواه المعنوية فيودعها مصرف روحانيته ليجد منها عند الشدائد مدد الصبر والثبات والعزم والجلد والخشونة - عجيب جداً أن هذا الشهر الاقتصادي هو من السنة كفائدة ٨ و٣١ في المائة. . . فكأنه يسجل في الأعصاب المؤمن حساب قوته وربحه، فله في كل سنة زيادة ٨ و٣١ من قوته المعنوية الروحانية. وسحر العظائم في هذه الدنيا إنما يكون في الأمة التي تعرف كيف تدخر هذه القوة وتوفرها لتستمد عند الحاجة، وذلك هو سر أسلافنا الأولين الذين كانوا يجدون على الفقر في دمائهم وأعصابهم ما تجد الجيوش العظمى اليوم في مخازن العتاد والأسلحة والذخيرة. كل ما ذكرته في هذا المقال من فلسفة الصوم فإنما استخرجته من هذه الآية الكريمة: (كتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين مِن قَبْلِكم، لعلكم تَتَّقُون.) وقد فهمها العلماء جميعاً على أنها معنى (التقوى) أما أنا فأولتها من (الاتقِّاء) فبالصوم يتقي المرء على نفسه أن يكون كالحيوان الذي شريعته معدته، وألا يعامل الدنيا إلا بمواد هذه الشريعة؛ ويتقي المجتمع على إنسانيته وطبيعته مثل ذلك، فلا يكون إنسان مع إنسان كحمار مع إنسان يبيعه القوة كلها بالقليل من العلف. وبالصوم يتقي هذا وهذا ما بين يديه وما خلفه، فان ما بين يديه هو الحاضر من طباعه وأخلاقه، وما خلفه هو الجيل الذي سيرث من هذا الطباع والأخلاق، فيعمل بنفسه في الحاضر، ويعمل بالحاضر في الآتي. وكل ما شرحناه فهو اتقاء ضرر لجلب منفعة، واتقاء رذيلة لجلب فضيلة، وبهذا التأويل تتوجه الآية الكريمة جهةً فلسفية عالية لا يأتي البيان ولا العلم ولا الفلسفة بأوجز ولا أكمل

стр. 6230

من لفظها؛ ويتوجه الصيام على أن شريعة اجتماعية إنسانية عامة، يتقي بها الاجتماع شرور نفسه، ولن يتهذب العالم إلا إذا كان له من القوانين النافذة هذا القانون العام الذي أسمه الصوم ومعناه (قانون البطن). . . . ألا ما أعظمك يا شهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسماك (مدرسة الثلاثين يوماً). طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 6231

نظرية الاستقلال القومي وتطبيقها على التاريخ المصري للأستاذ محمد عبد الله عنان أشارت إحدى الصحف الإنكليزية الكبرى أثناء حديثها أخيراً عن الشؤون المصرية، إلى نظرية تاريخية قديمة ترددها ألسنة الاستعمار في كل مناسبة، وهي أن مصر لم تكن مستقلة في أي عصر من عصور تاريخها. وترمي ألسنة الاستعمار بترويج هذه النظرية إلى غرض واضح، وهو أن مصر التي لم تتمتع خلال هذه الآماد الطويلة من تاريخها بنعمة الاستقلال والحرية، ليست جديرة بأن تتخذ مكانها بين الأمم المستقلة، وأن حكم التاريخ يقضي عليها بأن تكون دائماً مسودة دائماً لغيرها من الأمم القوية؛ فلماذا لا تكون إنكلترا هي الدولة التي تنفذ على مصر حكم التاريخ الخالد؟ ولماذا تحاول مصر أن تغالب قدرها، وطبيعتها كأمة استعبدت مدى الأحقاب تنافي طبائع الحرية والاستقلال؟ وهذه نظرية باطلة بلا ريب، يهدمها حكم التاريخ النزيه الحق؛ ولكنها أيضاً نظرية خطرة؛ وترويجها في العالم المتمدن يضر بالقضية المصرية ضرراً بليغاً، ويسيء إلى تراث مصر التاريخي، وإلى سمعتها كأمة ناهضة تطمح إلى تحقيق استقلالها. ومن الأسف أن هذا القول الباطل في تصوير التاريخ المصري، يروج لها في مصر ذاتها، ويتأثر به الكثير ممن يطغي على أذهانهم وعواطفهم سيل الثقافة الأجنبية، ولا يعرفون شيئاً من تاريخ بلادهم. بل من الأسف أن هذه النظرية الاستعمارية الخطرة، ما زالت تمثل في تعليم التاريخ في بلادنا وفي معاهدنا، لأن برامج التعليم الرسمية ما زالت بعيدة عن التحرر من أغلال المؤثرات الأجنبية، بعيدة عن رعاية النواحي القومية. ولهذا نرى أن نعرض بهذه المناسبة إلى بحث هذه النظرية لنرى حظها من التطبيق على عصور التاريخ المصري. وأول ما يلفت النظر ذلك التصوير الخاطئ الذي يصور به تعاقب العصور والدول على مصر؛ فمصر حسبما تقول النظرية، قد غادرت منذ أيام الفراعنة عهد الحريات القومية إلى الأبد، وتعاقبت عليها الدول الغالبة تباعاً، فافتتحها الفرس، ثم اليونان، ثم الرومان، ثم العرب في سلسلة متصلة من السيادة الأجنبية، وتعاقبت عليها بعد ذلك دول إسلامية أجنبية من الشرق والغرب ودول المماليك المختلفة حتى كان

стр. 6232

الفتح التركي، فاستمرت تحت السيادة التركية حتى كان الفتح الفرنسي وظهور محمد علي؛ ولم يطل أمد استقلالها عندئذ، حتى عادت فوقعت في قبضة الإنكليز، واتصلت بذلك حلقات استعبادها الطويل. وتصوير أدوار التاريخ المصري على هذا النحو تصوير خاطئ من الوجهة العلمية، وتصوير مغرض وضعه الكتاب الغربيون منذ أوائل القرن الماضي - وهم أول من كتب عن تاريخ مصر في العصر الحديث - ومعظمهم متأثر بنزعة الغرب إلى استعمار الشرق، وتبرير هذه النزعة بالعوامل التاريخية والاقتصادية ونشر المدينة الحديثة. وقد كان لدعواهم أثر كبير في معظم ما كتب عن مصر؛ بل لقد تأثر بها الكتاب المصريون أنفسهم، وتأثرت بها دراسة التاريخ في مصر وبرامجه الرسمية؛ وأضحى واجباً علينا أن نحارب هذه النظرية الخطرة في كل مناسبة، وأن نبين خطأها من الناحية العلمية. لقد توالت على مصر حقاً عصور طويلة من الغلبة والاستعباد، ولكنها تمتعت أيضاً بعصور طويلة من الحرية والاستقلال والسؤدد القومي. وقد قطعت مصر أيام الفراعنة آماداً بعيدة في ظل الحريات القومية والاستقلال المطلق، وكانت سيدة إمبراطورية مصرية تمتد من قلب السودان إلى الشام؛ وكان لها في تلك العصور من القوة والعظمة والمدنية الزاهرة، ما لم تتمتع به أية أمة من الأمم الغابرة. وإذا كانت مصر قد سقطت في عصور الانحلال فريسة النير الأجنبي، واستمرت ترزح نحو الف وخمسمائة عام تحت نير الهكسوس والفرس واليونان والرومان، فقد تمتعت بحرياتها واستقلالها قبل ذلك آلاف السنين. ويبدو خطأ نظرية الكتاب الغربيين بنوع خاص في الحكم على تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي، فهم لا يكتفون باعتبار هذا الفتح بدء عصر جديد من الاستعباد بالنسبة لمصر، بل يرون أن مصر كانت طوال الدول الإسلامية التي تعاقبت عليها، أمة مسودة خاضعة لنير الحكم الأجنبي، ويعتبرون هذه الدول كلها، دولا غازية سيدة؛ وهو خطأ كبير في فهم الحقائق التاريخية وفي تصويرها. ويجب أن نذكر أولاً أن الأمة المصرية لبثت أيام الفرس واليونان والرومان تحتفظ بطابعها الفرعوني القديم، وأن هذه الدول الغازية لم تستطع أن تجعل من الأمة المصرية المغلوبة وحدة من وحداتها الاجتماعية، وأن كانت مصر قد

стр. 6233

تأثرت بلا ريب بنفوذ هذه الدول وحضارتها؛ وعلى هذا فقد كانت مصر في هذه العصور أمة مغلوبة حقاً، ولكن تحتفظ باستقلالها كوحدة اجتماعية. بل لقد استطاعت مصر أن تحتفظ بهذا الاستقلال الاجتماعي، حتى بعد أن أرغمت على اعتناق النصرانية، ولم تندمج قط في الإمبراطورية الرومانية، كما اندمجت أمم وشعوب أخرى. ولكن الأمة المصرية شهدت منذ الفتح الإسلامي تطوراً جوهرياً في تكوينها الاجتماعي؛ فقد استطاع العرب في أقل من قرن أن ينشئوا منها أمة إسلامية، وأن يجعلوا منها وحدة اجتماعية من وحدات الإمبراطورية الإسلامية الكبرى؛ واندمج الغالب والمغلوب في أمة جديدة موحدة تدين بالإسلام وشرائعه، وتتكلم بلغته، وتضطرم بروحه؛ ولم يأت القرن الثالث من الهجرة حتى أضحى التمييز عسيراً بين السلالة العربية النازحة، وبين السلالة المصرية المسلمة. وكانت مصر حتى منتصف القرن الثالث ولاية من ولايات الخلافة؛ ولكنها استطاعت من ذلك الحين أن تنزع إلى الاستقلال في ظل الدولة الإسلامية الكبرى، على يد بعض الحكام والقادة الخارجين على الخلافة؛ وبدأت من ذلك الحين سلسلة الدول الإسلامية المستقلة في مصر. وهنا تعرض النقطة الجوهرية. هل كانت مصر سيدة أم مسودة في ظل هذه الدول؟ وهل كانت مصر الفاطمية والأيوبية، ومصر في عهد أسر المماليك المختلفة حتى الفتح العثماني، أمة مستقلة أم كانت ترزح تحت النير الأجنبي؟ وجوابنا مصر كانت في تلك العصور أمة مستقلة تتمتع بكامل حرياتها القومية، وكانت أمة سيدة لا مسودة، تسير في ميدان الحرب والسلام من ظفر إلى ظفر. أما هذه الدول الأجنبية المسلمة التي كانت تتبوأ السلطان والحكم، فلم تكن أكثر من أسر نازحة أو مستقرة تبوأت الرياسة لأصولها الملوكية أو لمؤهلاتها الخاصة؛ ولم تكن تتولى هذه الرياسة لحسابها الخاص، وإنما كانت تتولاها لحساب الأمة المصرية، وتعمل باسمها وبتأييدها، فكانت تغدو بعد استقرارها أسراً مصرية خالصة ليس لها مركز للرياسة غير مصر، وليست لها أمة أخرى تمثلها غير مصر؛ وحتى الدولة الفاطمية التي دخلت مصر غازية، لم تشذ بعد استقرارها عن هذه القاعدة، فكانت مصر هي مركز الدولة الفاطمية ومستقرها، وغدت الخلافة الفاطمية مصرية بعد أن كانت مغربية؛ ومنذ الدولة الأيوبية حتى الفتح العثماني تظهر الأسر السلطانية في مصر ذاتها،

стр. 6234

بين القادة والأمراء النابهين؛ ولم تكن تلك العروش والأسر التي قادت الأمة المصرية منذ الدولة الفاطمية إلى الظفر في ميادين الحرب، وإلى مراتب العظمة والهناء في ميادين السلام والحضارة، سوى عروش وأسر مصرية أو متمصرة، تعمل جميعاً لمصر وباسمها، ولم تكن تلك الجيوش الباسلة التي لبثت أكثر من قرنين تتلقى ضربات الحملات الصليبية في مصر والشام، وتبث أعمالها وانتصاراتها الروع في أمم الغرب، سوى جيوش مصرية تقودها تلك الأسر التي ارتضتها لزعامتها؛ على أن تلك الأسر الملوكية ذاتها لم تلبت غير بعيد أن فقدت زعامتها السياسية، وأصبحت خاضعة في التعيين والعزل لرأي الأمة المصرية ممثلة في زعامتها الدينية والفكرية؛ وأنه لمن التعسف أن تخرج من حظيرة الأمة المصرية أسراً نبهت فيها، وتولت زعامتها بحكم تراثها الموروث آماداً، وعملت لمصر ولم تعمل لسواها، ولم يبق لها من صبغتها الأجنبية سوى ذكريات المنشأ والماضي. كانت مصر الإسلامية إذا، مذ تقلص عنها ظل الخلافة، أمة مستقلة، وكانت مصر الإسلامية أمة مستقلة حين غزاها الترك العثمانيين وحطموا بها صرح حضارة إسلامية زاهرة تكدست على مر العصور؛ ولقد كان الفتح العثماني عملاً همجياً، كما كانت فتوح القبائل البربرية لرومة وأقطار الدولة الرومانية؛ ولم يكن عملاً إنشائياً، كما كان الفتح الإسلامي؛ على أن مصر استطاعت في ظل أولئك الوندال أن تسترد غير بعيد كثيراً من مظاهر استقلالها المحلي؛ ولم يأت القرن الثامن عشر حتى أصبحت السيادة العثمانية على مصر سيادة اسمية، كل ما يهم الحكام الترك منها أن يستدروا بعض الموارد والأموال من الشعب المحكوم. ولا حاجة بنا للقول بأن مصر استردت كامل استقلالها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأن كانت قد عادت فانضوت تحت لواء أسرة جديدة. مما تقدم يبدو تصوير النظرية الغربية لعصور التاريخ المصري بأنها سيادات أجنبية متعاقبة، واستعباد متصل للأمة المصرية، تعسفاً لا يؤيده منطق الحقائق التاريخية؛ ولو طبقناً هذه النظرية الخاطئة على التاريخ القومي لبعض الأمم الأوربية العريقة في الاستقلال والحرية لا نهينا في شأنها إلى مثل ما ينتهي الكتاب الغربيون في شأن مصر. ولنتخذ فرنسا مثلاً، فقد نزحت إليها عقب انهيار الدولة الرومانية قبائل غازية من الشمال،

стр. 6235

وأقام بها (الميروفنجية) على يد زعيمهم كلوفيس، منذ القرن السادس مملكة جديدة هي مملكة الفرنج، ولما انحلت أسرة الميروفنجية، قامت بأمر الفرنج الأسرة (الكارلية) القوية، وانتزعت عرش الفرنج، واستمرت في زعامة فرنسا حتى أواخر القرن التاسع، ونبغ فيها أميران من أعظم أمراء النصرانية هما كارل مارتل الذي رد العرب في بلاط الشهداء (سنة ٧٣٢م) وكارل الأكبر (شارلمان) أعظم ملوك الغرب في عصره؛ وكان الميروفنجية والكارلية كلاهما من القبائل الألمانية الشمالية، فهل نعتبر أن فرنسا كانت في هذه العصور أمة مستعبدة ترزح تحت حكم النير الأجنبي، لأن أسراً أجنبية نزحت إليها، واستقرت بها، وتولت زعامتها، وعملت لحسابها وباسمها؟ وهل نعتبر نابليون (وهو إيطالي الجنس والأصل) فاتحاً لفرنسا مغتصباً لعرشها وزعامتها، ونعتبر أن فرنسا كانت في عصره خاضعة للحكم الأجنبي؟ ونستطيع أن نلاحظ بهذه المناسبة أيضاً أن أدولف هتلر زعيم ألمانيا وسيد مصيرها اليوم، إنما هو أجنبي نمساوي المولد والنشأة؛ ومن المعروف أن الأسرة التي تتولى عرش إنكلترا اليوم، إنما ترجع إلى أصل ألماني، وأن معظم الأسر الملوكية الأوربية ترجع إلى أصول أجنبية، وإذا كانت هذه الأسر اليوم لا تتمتع بمثل ما كنت تتمتع به أسر السلاطين من السلطة المطلقة، فذلك لأن روح العصر قد تطورت، وغاضت روح العصور الوسطى، وانتهت الأمم بأن جعلت من العروش رمزاً قومياً ليس غير. وإذا كانت مصر قد رزحت تحت نير الحكم الأجنبي في بعض أدوار تاريخها، فهي لم تشذ في ذلك عن معظم الأمم الغربية التي تتمتع اليوم بكامل حريتها واستقلالها، ولنضرب لذلك مثلاً بأمة عظيمة هي إيطاليا، التي لم تتمتع باستقلالها إلا منذ أواخر القرن الماضي، والتي لبثت طوال العصور الوسطى والحديثة مسرحاً لمطامع الدول والعروش الأجنبية، ولم تستقل فيها سوى البندقية وبعض الجمهوريات الصغيرة. ولنضرب مثلاً آخر باليونان، وقد لبثت زهاء ألفي عام ترزح تحت نير الحكم الأجنبي، منذ الرومان فالبنادقة فالترك، ولم تنل حريتها القومية إلا منذ قرن فقط، ولم تنلها إلا بمؤازرة أوربا النصرانية؛ وهناك غير إيطاليا واليونان؛ وهناك هولندا والبلجيك، وهناك بولونيا التي لبثت ثلاثمائة عام ممزقة بين دول ثلاث من جيرانها، وهنالك رومانيا والمجر، وتشيكوسلوفاكيا، فهذه كلها أمم حديثة في
следующие страницы →