← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

نظرية الاستقلال القومي وتطبيقها على التاريخ المصري للأستاذ محمد عبد الله عنان أشارت إحدى الصحف الإنكليزية الكبرى أثناء حديثها أخيراً عن الشؤون المصرية، إلى نظرية تاريخية قديمة ترددها ألسنة الاستعمار في كل مناسبة، وهي أن مصر لم تكن مستقلة في أي عصر من عصور تاريخها. وترمي ألسنة الاستعمار بترويج هذه النظرية إلى غرض واضح، وهو أن مصر التي لم تتمتع خلال هذه الآماد الطويلة من تاريخها بنعمة الاستقلال والحرية، ليست جديرة بأن تتخذ مكانها بين الأمم المستقلة، وأن حكم التاريخ يقضي عليها بأن تكون دائماً مسودة دائماً لغيرها من الأمم القوية؛ فلماذا لا تكون إنكلترا هي الدولة التي تنفذ على مصر حكم التاريخ الخالد؟ ولماذا تحاول مصر أن تغالب قدرها، وطبيعتها كأمة استعبدت مدى الأحقاب تنافي طبائع الحرية والاستقلال؟ وهذه نظرية باطلة بلا ريب، يهدمها حكم التاريخ النزيه الحق؛ ولكنها أيضاً نظرية خطرة؛ وترويجها في العالم المتمدن يضر بالقضية المصرية ضرراً بليغاً، ويسيء إلى تراث مصر التاريخي، وإلى سمعتها كأمة ناهضة تطمح إلى تحقيق استقلالها. ومن الأسف أن هذا القول الباطل في تصوير التاريخ المصري، يروج لها في مصر ذاتها، ويتأثر به الكثير ممن يطغي على أذهانهم وعواطفهم سيل الثقافة الأجنبية، ولا يعرفون شيئاً من تاريخ بلادهم. بل من الأسف أن هذه النظرية الاستعمارية الخطرة، ما زالت تمثل في تعليم التاريخ في بلادنا وفي معاهدنا، لأن برامج التعليم الرسمية ما زالت بعيدة عن التحرر من أغلال المؤثرات الأجنبية، بعيدة عن رعاية النواحي القومية. ولهذا نرى أن نعرض بهذه المناسبة إلى بحث هذه النظرية لنرى حظها من التطبيق على عصور التاريخ المصري. وأول ما يلفت النظر ذلك التصوير الخاطئ الذي يصور به تعاقب العصور والدول على مصر؛ فمصر حسبما تقول النظرية، قد غادرت منذ أيام الفراعنة عهد الحريات القومية إلى الأبد، وتعاقبت عليها الدول الغالبة تباعاً، فافتتحها الفرس، ثم اليونان، ثم الرومان، ثم العرب في سلسلة متصلة من السيادة الأجنبية، وتعاقبت عليها بعد ذلك دول إسلامية أجنبية من الشرق والغرب ودول المماليك المختلفة حتى كان

стр. 6232

الفتح التركي، فاستمرت تحت السيادة التركية حتى كان الفتح الفرنسي وظهور محمد علي؛ ولم يطل أمد استقلالها عندئذ، حتى عادت فوقعت في قبضة الإنكليز، واتصلت بذلك حلقات استعبادها الطويل. وتصوير أدوار التاريخ المصري على هذا النحو تصوير خاطئ من الوجهة العلمية، وتصوير مغرض وضعه الكتاب الغربيون منذ أوائل القرن الماضي - وهم أول من كتب عن تاريخ مصر في العصر الحديث - ومعظمهم متأثر بنزعة الغرب إلى استعمار الشرق، وتبرير هذه النزعة بالعوامل التاريخية والاقتصادية ونشر المدينة الحديثة. وقد كان لدعواهم أثر كبير في معظم ما كتب عن مصر؛ بل لقد تأثر بها الكتاب المصريون أنفسهم، وتأثرت بها دراسة التاريخ في مصر وبرامجه الرسمية؛ وأضحى واجباً علينا أن نحارب هذه النظرية الخطرة في كل مناسبة، وأن نبين خطأها من الناحية العلمية. لقد توالت على مصر حقاً عصور طويلة من الغلبة والاستعباد، ولكنها تمتعت أيضاً بعصور طويلة من الحرية والاستقلال والسؤدد القومي. وقد قطعت مصر أيام الفراعنة آماداً بعيدة في ظل الحريات القومية والاستقلال المطلق، وكانت سيدة إمبراطورية مصرية تمتد من قلب السودان إلى الشام؛ وكان لها في تلك العصور من القوة والعظمة والمدنية الزاهرة، ما لم تتمتع به أية أمة من الأمم الغابرة. وإذا كانت مصر قد سقطت في عصور الانحلال فريسة النير الأجنبي، واستمرت ترزح نحو الف وخمسمائة عام تحت نير الهكسوس والفرس واليونان والرومان، فقد تمتعت بحرياتها واستقلالها قبل ذلك آلاف السنين. ويبدو خطأ نظرية الكتاب الغربيين بنوع خاص في الحكم على تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي، فهم لا يكتفون باعتبار هذا الفتح بدء عصر جديد من الاستعباد بالنسبة لمصر، بل يرون أن مصر كانت طوال الدول الإسلامية التي تعاقبت عليها، أمة مسودة خاضعة لنير الحكم الأجنبي، ويعتبرون هذه الدول كلها، دولا غازية سيدة؛ وهو خطأ كبير في فهم الحقائق التاريخية وفي تصويرها. ويجب أن نذكر أولاً أن الأمة المصرية لبثت أيام الفرس واليونان والرومان تحتفظ بطابعها الفرعوني القديم، وأن هذه الدول الغازية لم تستطع أن تجعل من الأمة المصرية المغلوبة وحدة من وحداتها الاجتماعية، وأن كانت مصر قد

стр. 6233

تأثرت بلا ريب بنفوذ هذه الدول وحضارتها؛ وعلى هذا فقد كانت مصر في هذه العصور أمة مغلوبة حقاً، ولكن تحتفظ باستقلالها كوحدة اجتماعية. بل لقد استطاعت مصر أن تحتفظ بهذا الاستقلال الاجتماعي، حتى بعد أن أرغمت على اعتناق النصرانية، ولم تندمج قط في الإمبراطورية الرومانية، كما اندمجت أمم وشعوب أخرى. ولكن الأمة المصرية شهدت منذ الفتح الإسلامي تطوراً جوهرياً في تكوينها الاجتماعي؛ فقد استطاع العرب في أقل من قرن أن ينشئوا منها أمة إسلامية، وأن يجعلوا منها وحدة اجتماعية من وحدات الإمبراطورية الإسلامية الكبرى؛ واندمج الغالب والمغلوب في أمة جديدة موحدة تدين بالإسلام وشرائعه، وتتكلم بلغته، وتضطرم بروحه؛ ولم يأت القرن الثالث من الهجرة حتى أضحى التمييز عسيراً بين السلالة العربية النازحة، وبين السلالة المصرية المسلمة. وكانت مصر حتى منتصف القرن الثالث ولاية من ولايات الخلافة؛ ولكنها استطاعت من ذلك الحين أن تنزع إلى الاستقلال في ظل الدولة الإسلامية الكبرى، على يد بعض الحكام والقادة الخارجين على الخلافة؛ وبدأت من ذلك الحين سلسلة الدول الإسلامية المستقلة في مصر. وهنا تعرض النقطة الجوهرية. هل كانت مصر سيدة أم مسودة في ظل هذه الدول؟ وهل كانت مصر الفاطمية والأيوبية، ومصر في عهد أسر المماليك المختلفة حتى الفتح العثماني، أمة مستقلة أم كانت ترزح تحت النير الأجنبي؟ وجوابنا مصر كانت في تلك العصور أمة مستقلة تتمتع بكامل حرياتها القومية، وكانت أمة سيدة لا مسودة، تسير في ميدان الحرب والسلام من ظفر إلى ظفر. أما هذه الدول الأجنبية المسلمة التي كانت تتبوأ السلطان والحكم، فلم تكن أكثر من أسر نازحة أو مستقرة تبوأت الرياسة لأصولها الملوكية أو لمؤهلاتها الخاصة؛ ولم تكن تتولى هذه الرياسة لحسابها الخاص، وإنما كانت تتولاها لحساب الأمة المصرية، وتعمل باسمها وبتأييدها، فكانت تغدو بعد استقرارها أسراً مصرية خالصة ليس لها مركز للرياسة غير مصر، وليست لها أمة أخرى تمثلها غير مصر؛ وحتى الدولة الفاطمية التي دخلت مصر غازية، لم تشذ بعد استقرارها عن هذه القاعدة، فكانت مصر هي مركز الدولة الفاطمية ومستقرها، وغدت الخلافة الفاطمية مصرية بعد أن كانت مغربية؛ ومنذ الدولة الأيوبية حتى الفتح العثماني تظهر الأسر السلطانية في مصر ذاتها،

стр. 6234

بين القادة والأمراء النابهين؛ ولم تكن تلك العروش والأسر التي قادت الأمة المصرية منذ الدولة الفاطمية إلى الظفر في ميادين الحرب، وإلى مراتب العظمة والهناء في ميادين السلام والحضارة، سوى عروش وأسر مصرية أو متمصرة، تعمل جميعاً لمصر وباسمها، ولم تكن تلك الجيوش الباسلة التي لبثت أكثر من قرنين تتلقى ضربات الحملات الصليبية في مصر والشام، وتبث أعمالها وانتصاراتها الروع في أمم الغرب، سوى جيوش مصرية تقودها تلك الأسر التي ارتضتها لزعامتها؛ على أن تلك الأسر الملوكية ذاتها لم تلبت غير بعيد أن فقدت زعامتها السياسية، وأصبحت خاضعة في التعيين والعزل لرأي الأمة المصرية ممثلة في زعامتها الدينية والفكرية؛ وأنه لمن التعسف أن تخرج من حظيرة الأمة المصرية أسراً نبهت فيها، وتولت زعامتها بحكم تراثها الموروث آماداً، وعملت لمصر ولم تعمل لسواها، ولم يبق لها من صبغتها الأجنبية سوى ذكريات المنشأ والماضي. كانت مصر الإسلامية إذا، مذ تقلص عنها ظل الخلافة، أمة مستقلة، وكانت مصر الإسلامية أمة مستقلة حين غزاها الترك العثمانيين وحطموا بها صرح حضارة إسلامية زاهرة تكدست على مر العصور؛ ولقد كان الفتح العثماني عملاً همجياً، كما كانت فتوح القبائل البربرية لرومة وأقطار الدولة الرومانية؛ ولم يكن عملاً إنشائياً، كما كان الفتح الإسلامي؛ على أن مصر استطاعت في ظل أولئك الوندال أن تسترد غير بعيد كثيراً من مظاهر استقلالها المحلي؛ ولم يأت القرن الثامن عشر حتى أصبحت السيادة العثمانية على مصر سيادة اسمية، كل ما يهم الحكام الترك منها أن يستدروا بعض الموارد والأموال من الشعب المحكوم. ولا حاجة بنا للقول بأن مصر استردت كامل استقلالها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأن كانت قد عادت فانضوت تحت لواء أسرة جديدة. مما تقدم يبدو تصوير النظرية الغربية لعصور التاريخ المصري بأنها سيادات أجنبية متعاقبة، واستعباد متصل للأمة المصرية، تعسفاً لا يؤيده منطق الحقائق التاريخية؛ ولو طبقناً هذه النظرية الخاطئة على التاريخ القومي لبعض الأمم الأوربية العريقة في الاستقلال والحرية لا نهينا في شأنها إلى مثل ما ينتهي الكتاب الغربيون في شأن مصر. ولنتخذ فرنسا مثلاً، فقد نزحت إليها عقب انهيار الدولة الرومانية قبائل غازية من الشمال،

стр. 6235

وأقام بها (الميروفنجية) على يد زعيمهم كلوفيس، منذ القرن السادس مملكة جديدة هي مملكة الفرنج، ولما انحلت أسرة الميروفنجية، قامت بأمر الفرنج الأسرة (الكارلية) القوية، وانتزعت عرش الفرنج، واستمرت في زعامة فرنسا حتى أواخر القرن التاسع، ونبغ فيها أميران من أعظم أمراء النصرانية هما كارل مارتل الذي رد العرب في بلاط الشهداء (سنة ٧٣٢م) وكارل الأكبر (شارلمان) أعظم ملوك الغرب في عصره؛ وكان الميروفنجية والكارلية كلاهما من القبائل الألمانية الشمالية، فهل نعتبر أن فرنسا كانت في هذه العصور أمة مستعبدة ترزح تحت حكم النير الأجنبي، لأن أسراً أجنبية نزحت إليها، واستقرت بها، وتولت زعامتها، وعملت لحسابها وباسمها؟ وهل نعتبر نابليون (وهو إيطالي الجنس والأصل) فاتحاً لفرنسا مغتصباً لعرشها وزعامتها، ونعتبر أن فرنسا كانت في عصره خاضعة للحكم الأجنبي؟ ونستطيع أن نلاحظ بهذه المناسبة أيضاً أن أدولف هتلر زعيم ألمانيا وسيد مصيرها اليوم، إنما هو أجنبي نمساوي المولد والنشأة؛ ومن المعروف أن الأسرة التي تتولى عرش إنكلترا اليوم، إنما ترجع إلى أصل ألماني، وأن معظم الأسر الملوكية الأوربية ترجع إلى أصول أجنبية، وإذا كانت هذه الأسر اليوم لا تتمتع بمثل ما كنت تتمتع به أسر السلاطين من السلطة المطلقة، فذلك لأن روح العصر قد تطورت، وغاضت روح العصور الوسطى، وانتهت الأمم بأن جعلت من العروش رمزاً قومياً ليس غير. وإذا كانت مصر قد رزحت تحت نير الحكم الأجنبي في بعض أدوار تاريخها، فهي لم تشذ في ذلك عن معظم الأمم الغربية التي تتمتع اليوم بكامل حريتها واستقلالها، ولنضرب لذلك مثلاً بأمة عظيمة هي إيطاليا، التي لم تتمتع باستقلالها إلا منذ أواخر القرن الماضي، والتي لبثت طوال العصور الوسطى والحديثة مسرحاً لمطامع الدول والعروش الأجنبية، ولم تستقل فيها سوى البندقية وبعض الجمهوريات الصغيرة. ولنضرب مثلاً آخر باليونان، وقد لبثت زهاء ألفي عام ترزح تحت نير الحكم الأجنبي، منذ الرومان فالبنادقة فالترك، ولم تنل حريتها القومية إلا منذ قرن فقط، ولم تنلها إلا بمؤازرة أوربا النصرانية؛ وهناك غير إيطاليا واليونان؛ وهناك هولندا والبلجيك، وهناك بولونيا التي لبثت ثلاثمائة عام ممزقة بين دول ثلاث من جيرانها، وهنالك رومانيا والمجر، وتشيكوسلوفاكيا، فهذه كلها أمم حديثة في

стр. 6236

الاستقلال والحريات القومية، ولم يقل إنسان إنها من أجل ذلك تستحق أن يسلب استقلالها وأن تسكن إلى نير المتغلب إلى الأبد. والخلاصة أننا كلما تأملنا هذه النظرية الاستعمارية في تصوير أدوار التاريخ المصري، كلما بدا بطلانها وتعسفها وما يحفزها من الغرض والهوى. فليستعرض الشباب المصري على تاريخ بلاده، كلما طرقت آذانه هذه النغمة الغادرة. فتاريخ مصر، كتاريخ الأمم العظيمة، حافل بمواطن الفخار والمجد، وعصور الحرية والاستقلال. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6237

جزيرة العرب صفحة مجيدة من تاريخها القديم بقلم الأستاذ رزوق عيسى كلمة عرب وأصل معناها. المكتشفات الحديثة. الكتابات الأثرية. ملكة سبأ والسبئيون. معين والمعينيون. اكتشاف أسماء ٣٢ ملكاً. التجارة القديمة وطرق المواصلات. اللبان والأطياب. المعارف والعلوم في الجاهلية. التقاليد والروايات القديمة. الإله أونيس. الأنباط. وطن الساميين الأول. الحروف الهجائية العربية أقدم من الحروف الفينيقية. شهادة من التواريخ القديمة العهد. ذهب اللغويون والمؤرخون في معنى كلمة عرب مذاهب متعددة، فمنهم من قال إنهم تسموا باسم جدهم يعرب بن قحطان، وذهب فريق إلى أن العرب مشتقة من (عربا) وهي مفقودة في العربية إلا أنها موجودة في العبرية والآرامية بمعنى البادية والصحراء، ومنهم من زعم أن كلمة (عرباء) وردت في العربية بمعنى خالص في قولهم العرب العرباء أي العرب الخلص، وهم أهل البادية؛ وقال آخرون إن اسم العرب وبلادهم التي تدعى جزيرة العرب مشتق من لفظة (عربة) وهي أرض بتهامة دعيت بذلك أخذاً من يعرب بن قحطان جد العرب الأولين، وفي فلسطين موضع يسمى عربة أيضاً كما جاء مراصد الاطلاع. والأقرب إلى الصواب أن لفظة عرب مشتقة من (أوربي) الشمرية بمعنى سكان الخيام، فأن كلمة أور - أو - أورو التي أصبحت في عصر البابليين والآشوريين بمعنى مدينة كان يراد بها في عهد الشمريين الخيمة، ثم أطلقت على الدار من باب التوسع. وهذا الاشتقاق ليس ببعيد، لأن العرب من أعرق الشعوب في القدم، وقد عاصروا جميع الأمم المعروفة في التاريخ كالشمريين والآكديين، والبابليين، والكلدان، والآشوريين، والميتانيين، والحثيين، والمصريين، والفرس، واليونان، والرومان. وكانت بلاد العرب تعرف عند الآشوريين باسم أريبي وأهلها أوربي أو أوروبي، ومعناها ديار ساكني الخيام. جزيرة العرب قديمة جداً، ولا تفوقها في القدم ديار مصر وبابل، وقد جاء في كتاب مصادر البشر لمؤلفه صموئيل لينغ الإنكليزي ما نصه: (عثرنا مؤخراً في أصقاع عربية على أنباء آثار وكتابات ربما ضارعت في قدمها أنباء بلاد مصر والكلدان، فقد كانت بلاد العرب، ولم

стр. 6238

تزل، من الأقطار المجهولة الوعرة، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة حينما أصبحت مقدسة في نظر أصحابها، ولا يجوز للرواد والرحالين الأجانب أن يطئوا أرضها، قصد الاكتشاف والتنقيب في طلولها الدوارس). وقد توفق نفر من السياح الأوربيين وعلمائهم إلى التوغل في بلاد العرب، بعد أن خاطروا بحياتهم وقاسوا من المشاق والأهوال ما لا يوصف، بيد أنهم نالوا مبتغاهم أخيراً، واكتشفوا مواقع المدن القديمة، ونسخوا كتابات عديدة وجدوها مطمورة في الأنقاض ومسطورة على الجدران المتداعية. وفي متاحف أوربا ودور كتبها آثار البلاد العربية المنقوشة على الحجر، وعلى ألواح نحاسية، وعددها يبلغ اليوم نحو ثلاثة آلاف عادية. ومن العلماء الذين جاهدوا جهاد الأبطال في الوقوف على مجاهل هذه البلاد الدكتور غلازر فأنه راد الديار العربية الجنوبية ثلاث مرات، ونسخ في خلالها من الصور والكتابات التي عثر عليها في رحلاته ١٠٣١ صورة حملها معه إلى مسقط رأسه، وبينها آثار نفسية، ولأكثرها فائدة تاريخية عظيمة، إذ وقفت علماء الآثار على ما كانوا يجهلونه من تاريخ هذه البلاد ومدينتها في جاهليتها. لقد استفاد الباحثون المدققون فوائد شتى من أنباء تلك الكتابات ومن غيرها أيضاً، حتى تسنى لهم أن يكشفوا النقاب عن أصل السكان القدماء، ويزيلوا الغموض والإبهام عن تاريخهم ويستقصوا أخبار الأمم الغابرة، وما كانت عليه البلاد العربية من الحضارة والتجارة في العصور العريقة في القدم، واليك ما قاله الأستاذ سايس: (إن ماضي تاريخ شبه جزيرة العرب المظلم قد انبثق فجره بغتة فسطعت أشعته وأنارت وجه المسكونة، فقد وجدنا أن البلاد العربية كانت قبل عصر صاحب الشريعة الإسلامية بزمن مديد أرض الثقافة والأدب والحكمة، وكانت موقع ممالك ودول قوية بلغت شأواً بعيداً في تاريخ العالم القديم، وانتشرت في ربوعها تجارة واسعة) إلى آخر ذلك المقال البديع. إن زيارة ملكة سبأ أورشليم ومثولها بين يدي سليمان ملك إسرائيل تعد من اللمع الأولى الواردة في الأخبار القديمة، وقد جاء ذكرها في سفر الملوك من التوراة، وكانت تلك الملكة العربية، ويظهر أنها قدمت من ديار كانت لها حضارة عريقة في القدم، ولها سطوة عظيمة بين الأمم، والهدايا التي قدمتها إلى سليمانتدل على أنها جلبت من حاصلات قطر اشتهر

стр. 6239

بلبانه وأطايبه، وهذا القطر واقع في جنوب بلاد العرب، وقد عرف باسم سبأ أو شبأ في تاريخ العالم القديم. انتشرت تجارة هذه المملكة القديمة العهد في أقطار العالم، امتدت إلى بلاد الحبشة والصومال حتى ساحل أفريقيا الشرقي، والكتابات الآشورية تؤكد ذلك، فقد ورد فيها أن سبأ كانت مملكة عظيمة في القرن الثامن قبل الميلاد، وكانت تخومها تحاد تخوم مملكة نينوى من جهة الشمال في عصر (ثغلث فلاسر) وسرجون الثالث، فيستفاد من هذا النبأ وغيره أن بلاد العرب كانت مملكة قديمة جداً، وقد تدرج الحكم فيها من الملوك الكهنة وحكومات المدن المستقلة ودويلات وإمارات إلى اتحاد مملكة عظيمة واسعة الأطراف فسيحة الأرجاء كالتطور السياسي الذي نشأ في مصر وفي بلاد الكلدان. وكان الملوك الكهنة يعرفون باسم (مكارب) كما جاء في بعض الآثار، وواحدهم (مكرب) ويراد به رئيس كهنة السبئيين. وتدل هذه الكلمة على أن الحكم الأول كان عبارة عن دولة تحت رياسة الله (طقراسيه)، هذا ولفظة سبأ اسم آله أطلق على بقعة في بلاد عربية، كما أطلقت كلمة أشور على صقع في بين النهرين وتفيد معنى الآله. ورد في بعض العاديات أن مملكة سبأ القديمة تأسست على أنقاض دولة أقدم منها عهداً نشأت في هذا الاقليم وعرفت باسم معين، فقد عثر الباحثون المنقبون على أسماء ٣٢ ملكاً من السبئيين والمعينيين، وهذا عدد كبير لا يستهان به، بالنسبة إلى قلة المكتشفات الأثرية في تلك الأصقاع. وجاء في بعض الكتابات أن سلطة بعض الملوك المعينيين لم تكن محصورة في المنطقة الجنوبية بل منتشرة في كل بلاد العرب حتى تخوم سورية ومصر؛ ويؤيد ذلك كل التأييد عثور المنقبين على ثلاثة أسماء من أولئك الملوك في أطلال تيماء الوارد ذكرها في العهد القديم من التوراة في الطريق المؤيدة إلى بلاد الشام وسيناء. وفي البلاد العربية الجنوبية وجدت صحيفة نذر جاء فيها أن أصحابها يشكرون الآله (اطار) على نجاتهم من الحرب الناشبة بين حاكم الجنوب وبين حاكم الشمال، وخلاصهم من القتال الواقع بين مظة ومصر، ويحمدون الآله على عودتهم سالمين إلى مسقط رأسهم مدينة قوران؛ وأصحاب هذه الكتابة يصرحون بأنهم كانوا تابعين لملك معين المدعو (رابي - يدعى - ياثي) وهو أحد حكام بلاد تسار وأشور ووراء ضفة النهر.

стр. 6240

لقد ورد اسم تسار مراراً عديدة في الآثار المصرية كحصن قائم في جهة الحدود العربية، وموقعه يمثل اليوم طرفاً من قناة السويس. هذا وكتابة أخرى تشير إلى غزة، ويظهر من مضمونها أن سلطة الحكام المعينيين امتدت إلى أردم فبلغت فلسطين وما جاورها من البقاع، والقبائل القاطنة فيها خضعت لسلطانهم. وقد أسست المعاقل في البراري والقفار للمحافظة على طرق المواصلات، وأنشئت المدن العظيمة في تلك الأصقاع النائية لتوسيع نطاق التجارة والعمران منذ القدم، لأن سيل التجارة بين الشرق والغرب كان متدفقاً بعضه يجري بطريق البحر الأحمر وبطريق خليج فارس، ومن أطراف هذه المياه الشرقية ينتقل إلى البحر المتوسط، وبعضه يسير في طريق القوافل مجتازاً آسيا. وكان الاستيلاء على أحدها هذه الطرق يعد طريقة ناجحة في ترويج التجارة وباباً للمواصلات مع ممالك عديدة، فان سليمان ملك إسرائيل لما عقد معاهدة مع مدينة صور أخذت تجارة مملكته تنتشر انتشاراً مطرداً حتى بلغت شأناً عظيماً، ونالت شهرة واسعة، فقصدها التجار الأجانب من كل فج وناحية، والحروب التي وقعت بين المصريين والآشوريين والحثيين والعيلاميين والبابليين كان منشؤها السيطرة على طرق المواصلات، ليتسنى للدولة القابضة على أزمة تلك المسالك أن تروج تجارة بلادها أولاً ثم تفرض الضريبة على البضائع والأموال التي تمر في أراضيها، وبهذه الوسيلة يزداد إيرادها وتقوى شوكتها. كان للبلاد العربية موقع تجاري مهم، وكانت مركز اتصال بين الشرق والغرب تحميه الصحاري الرملية الوعرة من هجوم الأعداء وتوغلهم في قلب الجزيرة، وتكتنفه البحور فتدفع عنه غارات الدول؛ وكان للأصقاع الجنوبية تجارة واسعة وشهرة عظيمة، فان اللبان والأطايب كانت تصدر بمقادير كبيرة تنفق في أسواق العالم المعروف في ذلك الزمن القديم، وكانت توقد في الهياكل والمذابح والمعابد في قصور الملوك والأمراء وفي دور الأغنياء، ولم يمكن الاستغناء عنها بوجه من الوجوه، لأنها كانت مفروضة في الديانات القديمة كالقرابين والذبائح. فإذا تناولنا مثلاً هيكل سليمان نجد أن فيه كانت تقرب الذبائح ويوقد البخور لتستعطف (يهوه) رب الجنود، ومثل ذلك كان يجري في ألوف من الهياكل والمعابد المنبثة في أطراف آسيا، وكان يجلب معظم اللبان والأطياب المستهلكة في الأماكن

стр. 6241

المقدسة من بلاد العرب. وقد ذهب الكاتب المحقق صموئيل لينغ أن سبب رواج تجارة اللبان والأطياب في الشرق كان لتعطير هواء الهياكل والمذابح والمعابد حيث يكثر فيها ذبح الذبائح وإهراق دماء الكبوش والعجول وتنتشر في أطرافها غازات فينتن المكان ويفسد الهواء؛ ومما لا ريب فيه أن أحسن اللبان وأنفسه كان يجلب من بلاد العرب. وقد عثر أحد المنقبين على صفيحة جاء فيها (إن الروائح العطرية والأطياب السبئية يفوح شذا عبيرها في السواحل العربية الميمونة). أن للمكتشفات الأثرية في بلاد العرب فوائد جمة لأنها وقفت طائفة من العلماء البارزين على كثير من أنباء هذه الأمصار وعادات أهلها وأسباب اتساع التجارة التي كانوا يتعاطونها مع الديار الدانية والقاصية. وقد أرشدتنا كتابات العاديات إلى أن بلاد العرب عريقة في القدم، ومن ربوعها نزح طوائف من الناس ومصروا دياراً أخر. وكان للبلاد العربية حضارة وعلم وأدب، ولكتابها حروف هجاء خاصة بهم، وأسلوب كتاباتهم يرتقي إلى عهد الكتابة المصرية القديمة وإلى الخط المسماري؛ وقد سبقت بأزمنة طويلة أقدم صور الكتابات بالحروف الفينيقية. وفي عام ١٨١٠ اكتشف سيتزن أول كتابة عربية فنسخها ونظمها وصفها حسب الحروف الحميرية المنسوبة إلى حمير. وقد قال العلماء إن لغة تلك الكتابة كانت سامية، وحروف هجائها تماثل الحروف الحبشية، ويظهر أنها معدلة على الحروف الفينيقية وهي مكتوبة بصورة عمودية بدلاً من الأفقية. وقد أدت مكتشفات وأبحاث الدكتور غلازر إلى أن الكتابة الحميرية قائمة على نوعين أو مجموعتين من الكتابة: فالأولى كانت أقدم من الثانية، وتتضمن حركات أصلية وصور وأشكالاً نحوية وقد عهدها المستشرقون كتابة معينية، بينما قالوا عن الكتابة الثانية إنها سبئية، لأن لهجتها وصورة كتابتها تدل على أنها أحدث عهداً من شقيقتها. وظهر ظهوراً بيناً أن قواعد الصرف والنحو وأنواع العلوم والآداب العلمية المعينية سبقت آداب وعلوم السبئيين بزمن وافٍ بحيث أصبحت الأخيرة قابلة لتغيرات عديدة طرأت على مفردات لهجتها ومحصت صرفها ونحوها من الشوائب والزوائد، وليس في هذا التبدل العجيب يد أجنبية فعلت فعلها الأدبي في فتوحها هذه البلاد، بل يرى جمهور المحققين أن القبائل

стр. 6242

العربية تطورت أحوالها بجهودها وانتقلت من منزلة إلى أخرى بفعل تدرج عناصرها في سلم النشوء والارتقاء حسب سنة الطبيعة. أن مملكة السبئيين يرجع عهد تاريخ حضارتها إلى عصر سليمان ملك إسرائيل، أي قبل الميلاد بألف سنة؛ وقد كانت موجودة قبل هذا الزمن بقرون عديدة، لأن جدول أسماء أثنين وثلاثين ملكاً من المعينيين والسبئيين يدل دلالة واضحة على رسوخ قدم هذه الديار في الحضارة والعمران. ومن المرجح أن المكتشفات المقبلة ستقف أبناء هذا العصر على كثير من الأمور التي كان يجهلها أسلافهم. نعم أن أقدم الكتابات المكتشفة تشير إلى حضارة وتجارة وعلم وأدب بزغت أنوارها في ديار قيدار وسالع قبل عهد التاريخ، وعليه قال أحد الأثريين: يجب أن تصف بلاد العرب في مصاف ديار مصر والكلدان لأنها إحدى الممالك القديمة التي ظهر فيها جماعات من القبائل أبلغوها إلى ذروة الحضارة والسؤدد منذ العصور المتوغلة في القدم، وقد نطقت بعض العاديات شهادة صادقة، وهي أن جنوب بلاد العرب يرتقي عهد مدنيته إلى عصر سرجون وإلى منيس. تشير روايات قديمة وتنبئ أسانيد أثرية عند بلاد العرب الجنوبية أو عن البلاد المتصلة بساحل أفريقية من جهة الشمال الشرقي بأنها كانت مصدر الحضارات الأخرى، فقد جاء في أساطير البابليين أن الآله (أونيس) وهو إله الثقافة عندهم كان يخرج من الخليج الأرثري أي خليج فارس ويهذب الكلدان القدماء، وهو أول من علمهم العلوم ولقنهم الفنون وشهد قدماء الفينيقيين، وقالوا أن منشأهم كان من جزر البحرين الواقعة في الخليج المشار إليه. هذا والمصريون كانوا ينظرون إلى البنط بكل احترام، ويجلون قدرهم ويرفعون منزلتهم فوق الأمم الأخرى. ومن المؤكد الثابت أن موقع هذه الديار كان يمثل بلاد العرب السعيدة وأرض السومال. وقد ذهب أهل مصر في ذلك العهد إلى أن مصدر ثقافتهم وينبوع آدابهم ومعارفهم ومدنيتهم لم يكن في مصر العليا والسفلى بل في مصر الوسطى في أبيدوس حيث حكم توت وأوزيريس، وهناك مضيق يفصل النيل عن البحر الأحمر، وهذه الشقة الضيقة من الأرض كانت من أهم وأعظم طرق المواصلات التجارية بين البلاد العربية ومصر. كانت أواصر الألفة والاتحاد متينة بين المصريين والبنطيين منذ الأزمنة القديمة، وهذه

стр. 6243

قضية تؤيدها الكتابات المصرية القديمة العهد، فان ما دون في بطون الأسفار عن حسن الجوار بين هاتين المملكتين يخالف ما جاء مسطوراً على الحجر من عبارات النفور والكراهية الموجهة إلى سائر الأمم المجاورة لمصر كالحيثيين والليبيين والزنوج وغيرهم؛ فأن المصريين كانوا يلقبونهم بالبرابرة، والوحوش الضارية، والأوغاد والأنذال، وهذه شهادة ناطقة ثبت ما كان للعرب القدماء من الشهامة وعزت النفس وإغاثة الملهوفين. وقد جاء منقوراً في بعض الآثار أن طائفة من السفن التجارية أبحرت إلى ديار البنط في عصر الملكة العظيمة (هتسو) وهي إحدى ملكات الدولة التاسعة عشرة، وكانت الغاية من تلك السفرة مبادلة البضائع بين القطرين دلالة على الولاء والصفاء. وعادت تلك السفن إلى مصر مشحونة بالسلع النفيسة، حتى أن ملك تلك الديار وزوجه رافقا ذلك الأسطول التجاري، وحملا معهما هدايا لا نظير لها إلى فرعون مصر. ويظهر أن محالفة تجارية كانت معقودة بين البلادين، وأن سفن هاتين الدولتين تمخر في البحر الأحمر وفي سواحل أفريقية منذ القدم. أن رسوم رؤساء البنط الطبيعية المنقورة على الأنصاب المصرية تشبه كل الشبه الرسوم الطبقة المالكة في ديار مصر في عصورها الأولى، وجميع الأدلة تحملنا على الاعتقاد أن وطن الساميين الأول كان في الجنوب الغربي من آسيا. وقد ذهب جماعة من المؤرخين إلى أن جزيرة العرب كانت مهد الأقوام السامية قبل عصر التاريخ، فأن الباحث يرى أثارهم ظاهرة في كل صقع كشعب مهاجر أو فاتح أو غاز سكان بلاد أخرى أقدم منهم عهداً ويختلفون عنهم في اللسان والعادات والعنصر؛ غير أن الأمر لم يكن كذلك في بلاد العرب، فأن أهاليها كانوا أصليين فيها. فإذا أخذنا مثلاً ديار الكلدان والآشوريين نراها تمثل أقواماً وشعوباً وأمماً جاء عنهم في الأسانيد القديمة وفي الروايات المأثورة أنهم كانوا قد وفدوا على بين النهرين من الجنوب عن طريق خليج فارس، وعلى طريق بادية الشام من بلاد العرب، فأخذ هؤلاء النازحون شيئاً فشيئاً يتحدون بالشعب الشمري والأكدي بالمصاهرة؛ وبعد مرور أجيال عديدة تغلب العنصر السامي العربي على سائر العناصر، وأصبح سيد هذه الديار، وأسس حضارة جديدة في عصر حمورابي ملك بابل العظيم الممدود أول من جمع وسن الشرائع في العالم القديم. بيد أن

стр. 6244

العنصر السامي لم يؤثر في حضارة المصريين القدماء، لأن الساميين لم يحتلوا بلادهم احتلالاً طويلاً، بل كانوا يحملون عليهم حملات متواصلة؛ وقبل أن ترسخ أقدامهم في تلك الربوع كانوا يردون على أعقابهم مدحورين. أما في سورية وفلسطين فكان الفينيقيون والكنعانيون والعبريون، وهؤلاء الأقوام لم يكونوا بالسكان الأولين، لأنهم حينما احتلوا هذه البقاع وجدوا فيها عناصر أخرى كل كالأموريين والحيثيين واليبوسيين، وأصل هذه الشعوب يرجع إلى السكان الأصليين المنتمين إلى طائفة من القبائل المنقرضة المعروفة في التاريخ القديم باسم زاموميم، ومن هؤلاء من وفد إلى هذه الديار من خليج فارس ومنهم من تخوم بلاد العرب. يجد المنقب في بلاد العرب العنصر السامي سائداً منذ الأزمنة القديمة، ولا يجد له أثراً في صقع آخر في ذلك العهد العهيد، فقد انتشرت لغته وسارت عاداته وعمت الديار المجاورة لبلاده، ثم تدرجت حضارته السابقة لمملكة المعينيين العريقة في القدم وذلك في أواخر العصر الحجري وأوائل عصر النحاس. وهنا يشاهد الباحث العصريين مشتبكين متلازمين؛ فقد أنتقل القناصون والسماكون من عصر الانحطاط إلى عصر التجدد، فبلغوا مستوى ثقافة حديثة وحياة اجتماعية عالية، إذ أصبحوا فلاحين وزارعين ورعاة غنم وتجاراً وصناعاً. لنرجع من تلك الحضارة القديمة ولنعد النظر في اكتشاف الكتابة المعينية التي تدلنا على وجود حروف هجائية أقدم عهداً من الحروف الفينيقية التي اشتهرت في العالم القيم بأنها الحروف الأولى التي استنبطت لغاية تدوين الأفكار وصيانتها من الاندثار والطموس. وقد أجمع أهل التحقيق والتدقيق على أن حروف الهجاء اليونانية والرومانية وسائر حروف هجاء الأمم الحديثة مقتبسة كلها أما رأساً أو بوسيلة من الوسائل من مخترعيها الفينيقيين، غير أن كتابة المعينيين كشفت اللثام عن صور كتابة أقدم عهداً من جميع الكتابات التي ظهرت وانتشرت في ذلك الحين، ومن ثم فقد ذهب بعض العلماء الواقفين على أصل اللغة وتركيبها وتاريخها إلى أن الحروف الفينيقية مشتقة من الحروف المعينية. لا شك في أن اللغة المعينية وحروفها أقدم عهداً بكثير من لغة الساميين وكتاباتهم، ومن المحتمل أن العناصر السامية اختارت تلك الحروف بعد أن عدلتها وهذبتها حسب طبيعتها وميلها. وكان للمقتبسين علاقات تجارية ومواصلات بريدية مستمرة تحمل على ظهور

стр. 6245

الجمال فتخترق القوافل صحاري بلاد العرب وتعود حاملة لبانها وطيوبها وأفاويهها وآدابها ومعارفها، ولا يعقل أن تلك الأقوام استمرت جاهلة استعمال حروف الهجاء حتى اقتبستها فينيقية من مصر ونشرتها في أطراف المعمور. وقد أيد الأستاذ سايس هذا الرأي بقوله (أنه إذا ذهبنا إلى أن مصدر الحروف ومنشأها كان في بلاد العرب يكون أحسن حل لهذه المعضلة) لأن أسماء صور الحروف الفينيقية ليس فيها أدنى شبه في كثير من الأحوال للرموز والإشارات التي تدل عليها، فأن تناولنا - مثلاً - الحرف الأول وهو ألف (ثور) فأن رسم الألف يشابه كل المشابهة رأس ذلك الحيوان في الكتابة المعينيية، هذا وإن أمعنا النظر في الحروف الهيروغليفية وهي الحروف المصرية القديمة فلا نجد شبهاً لذلك الحرف. أن المكتشفات واللقي المقبلة في بلاد العرب ستوقفنا على أنباء الشعوب التي سكنت تلك الأصقاع ومصرتها قبل عصر التاريخ، فقد كانت بلاد الكنعانيين متحضرة قبل حملة الإسرائيليين عليها وتدويخها، وكان لهم حروف هجاء وآداب خاصة بهم تعد أقدم عهداً من الكتابة الفينيقية وآدابها. وهذا التنقيب في ديار العرب وفلسطين سيكشف النقاب عن وقائع وأنباء لا تزال مطمورة في أنقاض المدن القديمة التي تضارع بل ربما تفوق في قدمها بلاد مصر والكلدان، وهي تنتظر بفروغ صبر معاول المنقبين لتنبشها من مدافنها وتنشرها في عالم الظهور لكي ترى نور الشمس الساطعة، بعد أن احتجبت عنها قروناً عديدة. بغداد رزوق عيسى

стр. 6246

عقوبة الإعدام رأي الفريد روكو وزير حقانية إيطاليا للأستاذ محمود خيرت في سنة ١٨٥١ ساق بعض الحراس الفرنسيين شاباً في العقد الثالث من عمره إلى المقصلة تنفيذاً للحكم الصادر عليه. وما كاد يقترب منها وتقع عليها عيناه حتى اضطرب وجن، فوقف وكأنه تسمر في الأرض، وأخذ الحراس يدفعونه إليها دفعاً، وهو يقاومهم مقاومة الجبار اليائس، وكان وافر الجسم مفتول الساعدين قوي العضلات. وكان الناس من حولهم ينظرون إلى هذا الصراع بين قوتين غير متعادلتين تريد إحداهما للأخرى الموت، وتريد هذه لنفسها الحياة. حتى إذا مضت على ذلك نحو ساعة والحراس كلما تقدموا به نحو المقصلة خطوة رجع هو بهم إلى الوراء خطوتين، خارت قواهم ولم يجدوا خيراً من أن يعودوا أدراجهم به، والناس يظنون أن الأمر وقف عند هذا الحد، وكأن كابوساً أرتفع عن صدورهم بعد ما رأوه من هول الموقف، وما كان إلا صراعاً عنيفاً بين حياة وموت. ولكن الجنود عادوا به في المساء بعد أن ضاعفوا عددهم، وبعد أن أحكموا وثاقه حيث نفذوا الحكم فيه. وكان من بين من حضروا هذا المشهد المثير شارل هوجو، وكان من أنصار إلغاء عقوبة الإعدام، فوصف ما رآه وأفاض في شناعته في جريدة الحادث ولكن النائب العام وجه إليه هو ومدير الجريدة تهمة تعمد احتقار القانون. أما شارل فقد كان الذي تولى الدفاع عنه أبوه فكتور هوجو الكاتب الكبير، وإذا ذكرنا فكتور هوجو فقد ذكرنا قوة الجنان، وسحر البيان، وذلاقة اللسان، ولا سيما أنه إنما كان يدافع عن ولده وفلذة كبده، حتى أنه قال في بعض ما تناول دفاعه: (أنا المجرم دون ولدي، لأني أنا الذي وقفته هذا الموقف، وكنت من خمس وعشرين سنة لا آلو جهداً في محاربة عقوبة الإعدام. وقد عز علي أن لا أكون نصيراً للحياة البشرية أطلب احترامها والإبقاء عليها، منادياً ذلك في كل وقت وعند كل مقام بأعلى صوتي وبملء فمي، لأن عقوبة الإعدام بقية من بقايا الدم بالدم شريعة الوحشية الأولى). وقد كان هناك غير فكتور هوجو كثيرون من أنصار هذه العقيدة، وأكبر حججهم في شناعة هذه العقوبة إن إعدام المجرمين فوق أنه مناف لقواعد الرحمة، وأن العقوبة يجب أن

стр. 6247

يراعي فيها الإصلاح لا الانتقام، فان منظره يقسي قلوب الناس، ويبذر فيها بذور الغلظة والتوحش. ولكن كيف نسى هؤلاء المفكرون أن الثورة الفرنسية نفسها التي قررت حقوق الإنسان، والتي يشيد بذكرها فكتور هوجو وغيره لم تقم إلا على الدم، وكيف يريدون أن تشمل السفاكين رحمة القانون وقد وطئوا بأقدامهم هذه الرحمة وهم يقتلون. ألا أن شريعة الدم بالدم، لم تكن أثراً من آثار الوحشية الأولى، وإنما كانت سبباً شريفاً من أسباب العدل، وأثراً محموداً من آثار الرحمة لا بالمجرمين ولكن بالناس أجمعين. إن طبيعة الحياة نفسها تقضي ببتر العضو الفاسد من الجسد حتى لا يتعدى فساده إليه، فكيف نقبل هذا في الجسم الواحد ولا نقبله في جسم المجتمع كله، بل أن قواعد الفهم تربأ بنا أن نسلم إفلات المجرم من حكم القانون لا يشجعه على السير في شروره وقد استمر أطعم العدوان وأمن غوائل العقوبة. وعلى كل حال فأن عقوبة الإعدام برغم محاولة هؤلاء الأنصار لا تزال قائمة، مع أنها أبطلت في فرنسا مرة، وفي إيطاليا بعدها مرة أخرى. (ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم. . . ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب). ومع ذلك فهذا رأي المسيو الأفريد روكو بصدد هذا البحث، وحسبنا أنه من أئمة التشريع في إيطاليا، وهو وزير حقانيتها قال: (لما أن كانت إيطاليا من أندر الدول التي ألغيت عقوبة الإعدام سألني كثيرون عما إذا كان إلغاؤها عاد بالفائدة على مجتمعنا؟ وقبل أن أخوض في الرد على السائلين أسجل هذا الحادث الغريب، وهو أننا أخذنا هذا التشريع عن الفرنسيين برغم أنهم بعد أن جربوه عدلوا عنه للنتائج الخطيرة التي ترتبت عليه. أخذناه عنهم على سبيل التجربة نحن أيضاً، وكان ذلك في عهد لم يكن يخطر ببالنا قيام نظام الفاشستية فيما بعد، وعلى كل حال فأن هذا الإصلاح الذي فكر الشارع الإيطالي في إدخاله على قوانيننا الجنائية لم يجرنا إلى الفشل الذي أصاب جيراننا من إدخاله على قوانينهم. ولكن يلاحظ أن هبوط نسبة الجرائم بعد هذا التعديل لا يمكن في الواقع إرجاعه إلى مجرد إلغاء هذه العقوبة ونحن نرى انخفاضها في كثير من البلدان التي جرت قوانينها على إعدام القتلة. على أننا مع ذلك غير آسفين لسن تشريع كهذا هو مما لا شك فيه اتجاه محمود نحو الرفق بالإنسانية. بل أن أنصاره عندنا لم يحذوا حذو روبسبيير الذي أرسل كما نعلم آلاف

стр. 6248

الأبرياء إلى المقصلة، وهو الذي كان يشيد بذكره ويعتبر بقاء عقوبة الإعدام ضرباً من ضروب الوحشية. وقد دل إحصاء عدد الجرائم التي كانت تستوجب هذه العقوبة بعد الحرب الكبرى على اطراد في هبوط النسبة التي أشرنا إليها، فأن عدد حوادث القتل من سنة ١٩١٩ إلى ١٩٢٠ ينيف إلى ستة آلاف حادثة، ولكن هذا العدد هبط في السنة الأخيرة إلى أكثر بقليل من ألفين، إلا أن جزءاً كبيراً من هذا العدد الأخير يتعلق بالجرائم التي لا يمكن لأية عقوبة مهما كانت من الشدة أن تحول دون وقوعها كالجرائم التي أساسها الشهوات الثائرة وما يترتب عليها كما يسميها الفرنسيون، لأنها بطبيعتها لا مناص من وقوعها؛ فالرجال والنساء إذا لدغتهم الغيرة أو خدعوا في حب وجدوا كل شيء تقع عيونهم عليه مصبوغاً بالدم، فلا يلبثون أن يندفعوا إلى الأثم مهما وقفت بينه وبينهم كل عقوبات الدنيا، حتى أن محلّفي محاكم البلدان اللاتينية أصبحوا على اعتقاد ثابت بأن هذه الجرائم لا يمكن تجنبها؛ ولذلك فهم يقضون في الغالب لبراءة من يساقون إلى ارتكابها. على أنني كنت أميل إلى هذا الاتجاه - لأن هذه الجرائم لا تخلو دائماً من ظروف مخففة تحيط بها - إلا أنني أرى أن تعليل هذه الأحكام دائماً باضطراب الحواس عند ارتكابها فيه كثير من التطرف. ذلك لأن لكل عقوبة بشرية دائماً وجهين يجب ملاحظتها فإذا ما نظرنا إلى الجريمة من حيث الفرد الذي أقدم عليها في ذاته كان ما ذهب إليه لمبروزو من عدم قيام المسؤولية الجنائية بسبب ما يحيط به مقبولاً، لأنه وإن كان حراً فيما فعل إلا أنه ما كان في مقدوره أن يفلت من تأثير الأسباب الباطنة الراسخة فيه. وفي هذا الموقف يجب اعتبار العقوبة كوسيلة من وسائل إصلاحه لا كعقوبة يراعى أن يتساوى أثرها مع أثر الجرم الذي أقدم عليه. وفي الواقع كيف يسوغ لك أن تعدم شخصاً كان في جرم تحت سلطان قانون الوراثة، أو تأثير البيئة، أو كانت نفسه فقيرة من أسباب التهذيب والتربية، بغير أن تكون قاسياً عليه بعيداً عن إنصافه؟ أما إذا اعتبرناه عضواً في جسم المجتمع الذي يعيش فيه، فمؤاخذته على هذا الاعتبار يجب أن يكون لها صفة العقوبة التي يستحقها وأن كانت صارمة. وإذا سألتني الآن رأيي في ضرورة عقوبة الإعدام، أجبتك بأنها يمكن أن تكون كذلك في

стр. 6249

أغلب الأحوال. بل إنني لأعلم أن كثيراً من الجرائم الوحشية التي تستحق الإعدام كان يمكن ألا تقع لو أن هذه العقوبة الشديدة قائمة كالجرائم التي تقع من الفوضويين. وقد ذكرني هذا البحث بحادثة ضمنها القصصي الفرنسي جول فيرن في أحد كتبه تتلخص في أن بعض المهاجرين كادوا يغرقون على مقربة من إحدى جزر المحيط الهادي، ولم يكن على ظهرها غير فيلسوف فوضوي نفر من العالم وفر منه إليها. فلما أقبلوا عليه أكرمهم ودعاهم إلى اعتناق مذهبه. ولكن أسباب الحياة تغيرت بعد قليل ودب الخلاف فيما بينهم، فلم ير لنشر السلام بينهم إلا أن يفرض عليهم إرادته فرضاً فكان مثله فيهم كمثل الحاكم المستبد (ديكتاتور). وهذه الغاية لا تبعد عن نظريتي في العقوبة كثيراً، فالأحكام التي يقررها قانوننا الجنائي أشبه بهذا الحاكم، بغيرها لا يكون هناك أمن على الحياة، وإنما تكون الفوضى. .) محمود خيرت بقلم قضايا المالية

стр. 6250

مقتل شاعر للأستاذ علي الطنطاوي أفاق (هُدْبَة بن خَشْرَمَ) وما يدري أصبح أم مساء، وما يعلم من أمر الحياة شيئاً. . ولقد غبر عليه سبعة أعوام ما رأى فيها وضح النهار، ولا اجتلى صفحة السماء. كأنما هو نصف حي، وكأن حياته (مختصر حياة). . فالسنوات السبع بنعيمها وبؤسها، وليلها ونهارها، ليلة واحدة، طالت وامتدت، ثم لا يكون صبحها إلا الموت. . والدنيا على ربحها وسعتها، وجمالها وجلالها، غرفة ضيقة فيها أكثر معاني القبر. . . وما بعدها إلا القبر! ونظر يميناً، ونظر شمالاً، وجعل ينفض المكان بعينه، فلا يبصر إلا الظلام، وحاول النهوض فجذبته إلى الأرض سلاسل غليظة، شدوه بها إلى حلقةٍ متينة. . . سمع صَلصَلة الحديد في عنقه ويديه، فعاد إلى نفسه يذكر ما كان من أمره، ويستعيد قصته كلها، ويرى كيف. . . دخلت عليه أخته فاطمة، وبيدها المِجْمَر، فقال لها: - ويحك ما هذا؟ - هذا لك! قم أستجمر، إنما أنت من النساء - وما ذاك لا أمّ لك؟ - فقالت: أنت قابع في كسر الخيمة كما تقبع العجوز، وهذا زيادة يتغزل في أختك، ويرسل فيها الشعر يفضحها به في العرب - ماذا؟ زيادة؟ - زيادة! نعم. زيادة يهتك نسائك، ويفري عرضك. . . فوثب هُدبة يقول: زيادة يهتك نسائي ويفري عرضي؟. . والله لأجأنَّه بهذا السيف. فقامت إليه تعنفه وتلومه: - والله ما علمت أنكمجنون إلا الساعة! أتعمد إلى ابن عمك فتقتله، فتحقق ما قاله فيّ، وتنصرف بسبّة الدهر؟ قلْ في أخته (أم قاسم) مثل ما قال الخبيث في أختك، فإذا بدأك بالشر، جزيته به شراً - إذاً لأجعلنها والله أحدوثة الأبد - شأنك بها يومئذ. . .

стр. 6251

وكان ما ظنت فاطمة قبيّت زيادة هدبه وأهل بيته، وهم عنه غافلون، فضرب هدبه على ساعده، وشج أباه خرشماً. وانصرف يقول: شججنا خرشماً في الرأس عشراً … ووقفنا هديبةً إذ أتانا فثارت ثائرة هدبة، فتقلد سيفه وأنصرف لا يلوى على شيء، حتى وجد زيادة فجلله به فقتله. ولما سكت عنه الغضب، ورأى انه قتل رجلاً مسلماً ندم وجعل يلوم نفسه ويقرعها: - ويل لي! ماذا صنعت اعتمدت إلى أبن عمي فقتلته، ومن قتل نفساً مؤمنة فكأنما قتل الناس جميعاً. فعلتها من أجل هفوة لا تقدم ولا تؤخر: يا نفسُ ما أضلك وأشقاك! ألم يردعك دين؟ ألم يحجزك إيمان؟ ألم تُنَهْنِه من عزمك جهنم؟ ماذا تقولين لربك غداً؟ وانطلق يقول لها هذا وشبهه حتى طلع الفجر. . . وكان الغد، فإذا عبد الرحمن (أخو زيادة) عند أمير المدينة سعيد بن العاص يشكو إليه قتل أخيه. وأحضر سعيد هُدبَة، فلم ينكر ولم يكذب. . . وكره سعيد أن يقتل هدبة، وهو الشاعر المتقدم، لسان بادية الحجاز، وهو أخو ثلاثة كلهم شاعر: حوط وسيحان والواسع. . . وهو الفارس الكريم المحبوب. . ولم يكن يستطيع أن يعفو أو يغير حكم الله. فبعث بهما سعيد إلى (معاوية) وكان معاوية ظنيناً بهذا الشاعر أن يعرضه على القتل، ولكن حكم الله فوق هوى أمير المؤمنين. . . فلما مثلا بين يديه، قال عبد الرحمن: - أشكو إليك يا أمير المؤمنين مظلمتي، وقتلي أخي، وترويع نسوتي! فقال معاوية: - يا هُدبَة! قُلْ - فقال هدبة (مرتجلاً): ألا يا لقومي للنوائب والدهر … وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري وللأرض كم من صالح قد … تلمأت عليه فوارته بلماعة قفر فلا تتقي ذا هيبة لجلاله … ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر حتى قال: رُمينا فرامينا فصادف رمينا … منايا رجال في كتاب وفي قدر

стр. 6252

فلما رأينا إنما هي ضربة من … السيف أو إغضاء عين على وتر عمدنا إلى أمر لا يعير والدي … خزايته ولا يُسب به قبري وأنت أمير المؤمنين فما لنا … ورائك من معدى ولا عنك من قصر فان تك من أموالنا لم نضق … بها ذراعاً، وإن صبر فنصبر للصبر فقال معاوية: - أراك أقررت بقتلك صاحبهم وكره أن يقتله، وما كان له أن يعفو، ففكر ثم قال لعبد الرحمن: - هل لزيادة ولد؟ - قال: نعم، المسور، وهو غلام صغير لم يبلغ، وأنا عمه وولي دم أبيه - قال: أنك لا تؤمَنُ على أخذ الدية أو قتل الرجل بغير حق. والمسوّر أحق بدم أبيه، فليرد هدبة إلى المدينة، فليجلس بها حتى يرشد المسور فيكون له حكمه في القاتل وتنبه هُدْبة وسمع مرة ثانية صَلصَلة الحديد، وأحس بدنو الساعة التي يقف فيها على شفير الهاوية فأما إلى الموت، وإما إلى حياة. فجزع واضطرب، ثم أدركه من نعمة الإيمان ما يدرك كل مؤمن حاق به الخطر، فسكن وأطمئن، وراح يهدئ نفسه ويسكنها. . . ويقول: عسى الكرب الذي أمسيت … فيه يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف، ويفك عان … ويأبى أهله النائي الغريب فلما كان صباح تلك الليلة، لم يسمع في المدينة إلا نبأ واحد، يجري على كل لسان، ويلج كل أذن: - اليوم يوم هُدبة - اليوم يسلم إلى المسوّر بن زيادة ليحكم فيه - إنه سيقتله - بل سيعفو - لن يعفو عنه - لن يقتله. . . . وخرج الناس أرسالاً إلى الحرّة، فلم ير مثله من يوم، خلت فيه المدينة إلا من شيخ فانٍ أو امرأة عاجزة، وانتقلت بأهلها إلى الحرّة. . . . وما هي حتى جيء بالرجل وهو مثقل بالحديد، وقد صدئ عليه وحجزه في جسمه، وبليت من دونه ثيابه. فماج الناس وإزدحموا بالمناكب، واشرأبت الأعناق، وارتاع النساء وأجفلن وعرتهن رعدة. . . ثم قاضت منهم العيون شفقة ورحمة

стр. 6253

ثم انتهى به إلى الحرة، وقد جلس فيها الأمير سعيد بن العاص ووجهاء المدينة، وأقيم المسوّر ليقول كلمته. وقام إليه رسول معاوية فعرض عليه عشر ديات من خالص مال أمير المؤمنين، فأباها، فعرض عليه سعيد ووجهاء المدينة أضعافها فأبى إلا قتل هُدبة. . . فاصفرت وجوه الناس، وودوا لو حالوا بالقوة بين هُدبة وبين القتل، ولكن حجزهم احترام الحق، ومنعتهم هيبة الدين فلبثوا صامتين كأن على رؤوسهم الطير، ونظروا إلى هُدبة. فرفع رأسه وأنشد بصوت شجي رائع: ألا عللاني قبل نوح النوائح … وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح وقبل غد يا لهف قلبي من غد … إذا راح أصحابي ولست برائح إذا راح أصحابي تفيض نفسي … وغودرت في لحدٍ على صفائحي يقولون هل أصلحتم لأخيكم وما … القبر في الأرض الفضاء بصالح فضج النسوة بالبكاء، وماج الناس، فأشار إليهم فأسكتهم، وخاطب امرأته وكانت من أجمل النساء وكان أجدع: أقلّي على اللوم يا أم بوزعا … ولا تجزعي مما أصاب فأوجعا ولا تنكحي أن فرّق الدهر بيننا … أغمم القفا والوجه ليس بأنزعا ضروباً بلحييه على عظم زوره … إذا الناس هشوا للفعال تقنعاً وحلى بذي أكرومة وحمية … وصبر إذا ما الدهر عضّ فأسرعا وعَرَى الناس صمت عميق، وأقبلوا ينظرون بماذا تجيب هذه المرأة: أتفي وهي الشابة الجميلة الفاتنة لرجل أجدع هو الساعة ميت، وتقيم علي عهده، وتحرم على نفسها من أجله الرجال، أم هي تعده وتمنيه، حتى إذا مات انطلقت فتزوجت؟ وجعلوا يتهامسون، ويتقولون. . . أما هي، فلم يكن منها إلا أن مالت إلى رجل، فسألته شيئاً، ثم أرسلت ملحفتها على وجهها هُنية، ثم عادت فإذا. . . فإذا هي قد جدعت أنفها، وقطعت شفتيها. . . وقالت: يا هُدبة! أتراني متزوجة بعد ما ترى؟. . فقال: لا، الآن طاب الموت، ثم أستأذن في ركعتين فصلاهما وخفف، ثم التفت إلى من حضر، وقال: والله لولا أن يظن بي الجزع لأطلتها، فقد كنت محتاجاً إلى إطالتهما

стр. 6254

ثم تقدم من المسوّر وقال: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني قد أيتمتك صغيراً وأرملت أمك شابة. . . علي الطنطاوي

стр. 6255

بين فن التاريخ وفن الحرب ١١ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء). خالد بن الوليد فوصلت المقدمة مساء إلى القرب من ثنية اليمامة ولقيت مفرزة من بني حنيفة نياماً في أسفل العقبة فباغتهم وأسرتهم؛ وكانت هذه المفرزة مؤلفة من ستين رجلاً بقيادة مجاعة بن مرارة أحد رؤساء بني حنيفة والروايات جميعاً متفقة على أن مجاعة خرج من اليمامة على رأس سرية يطلب بثأر له في بني عامر وبني تميم، لأن بني عامر منعوه من أن يتزوج خولة بنت جعفر. وبعد أن باغت بني عامر عاد بخولة ووقف في أسفل العقبة مع رجاله ليبيت ليلته هناك وإذا المسلمون يباغتونه ويقودونه مع رجال أسرى إلى خالد والذي يلوح لنا أن مجاعة كان يراقب مجيء جيش المسلمين من الثنية - أي عقبة الحيسية -. ويظهر أن قوة المسلمين باغتته دون أن يستطيع التملص منها، فلما وقف أمام خالد زعم أنه خرج للثأر وتزعم الروايات أن خالداً قتل رجال مجاعة لتأكده كفرهم، واستبقى مجاعة ليستفيد منه في حركاته على مسيلمة. فيما ترى هل تواطأ مجاعة مع خالد على مسيلمة، أو أنه تأكد نصر المسلمين فأراد أن يسوخ موقفه أمامهم فعرض الخدمة على خالد؟ أو أنه خرج برجاله ليلتحق بجيش المسلمين فيدلهم على عورات أعداهم؟ ذلك ما لا نعلمه العلم الأكيد. والمحقق أن مجاعة ظل محجوراً عليه في معسكر خالد وقام بالواسطة بين خالد وبني حنيفة لعقد الصلح بعد انكسار جيشهم في عقرباء، فأفاد الفريقين بتلك الوساطة. ولا بد أن خالداً استجوب مجاعة فاستقى منه جميع الأخبار الموثوق بها عن مسيلمة وجيشه، فعلم منه أن

стр. 6256

مسيلمة ينتظر وروده في عقرباء. المعركة في رواية تقلها ابن حبيش أن خالداً لما تثبت من عسكرة جيش مسيلمة في عقرباء شاور أصحابه في الأمر فأشاروا عليه جميعهم أن يتقدم نحو عقرباء. وكانت الأخبار تنم على أن طليعة الحنفيين يقودها الرحال، وهو من رؤساء بني حنيفة، فتقدم خالد حينئذ بجيشه نحو العدو. فجعل أبا حذيفة على الميمنة وشجاع ابن وهب على الميسرة، وكان زيد بن الخطاب يحمل راية المهاجرين، وثابت بن قيس يحمل راية الأنصار. وعزل خالد براً بن مالك من قيادة الخيالة وأحل من محله أسامة بن زيد أما جيش بن مسيلمة فكان موالياً وجهه شطر الشمال الغربي ومترتباً في سهل عقرباء بين جبل صلبوخ ووادي حنيفة. فيستدل من ذلك على أن الأرض كانت صالحة لاتخاذ نظام القتال ولحركة الخيالة، وتنم الروايات على أن ريحاً جنوبية مغبرة هبت في وجه المسلمين وزحزحتهم عن مكانهم في القتال - أي أن جبهة المسلمين كانت موجهة نحو الجنوب الشرقي. ويظهر أن قوة الرحال انسحبت لما رأت المسلمين قادمين نحوها. وكان جيش مسيلمة مرتباً على الأسلوب الشائع ومنقسماً إلى ثلاثة أقسام: الميمنة والميسرة والقلب - ولم يكن الضعن خلفه لأن قرى بن حنيفة كانت في الخلف على ما نعلم وكان محكم بن طفيل - وهو من أجل رؤساء بني حنيفة شأناً على الميمنة، وعلى الميسرة، وشرحبيل بن مسيلمة يقود القلب. فكان مسيلمة وراء القلب يراقب مجرى القتال. وبعد أن قضى المسلمين ليلتهم في عقبة الحيسية - أي ثنية اليمامة - واستوثق خالد من أمر مجاعة، تحرك الجيش صباحاً وكانت الشقة بينه وبين عقرباء مسير يوم. وفي رواية نقلها الطبري أن الموقع الذي باغت المسلمين فيه مجاعة بن مرارة يبعد عن عسكر مسيلمة مسير ليلة. والحقيقة أن المسافة بين العقبة وعقرباء لا تزيد عن خمسة وعشرين ميلاً - أي مسير يوم من ذلك الزمن والظاهر أن خالداً قضى ليلته التي سبقت يوم المعركة قريباً من جيش مسيلمة، لأن المعركة بدأت صباحاً واستمرت إلى العصر. وكان الموقع الذي أختاره كثيباً مشرفاً على اليمامة كما ينقله الطبري. وسبق أن رأينا من وصف فلبي لرابية الأبكين أنها تشرف على وادي حنيفة وتتسلط على الأرض الممتدة إلى الجنوب. فالأرض

стр. 6257

في الشمال تتسلط على الأرض في الجنوب، وكان لوضع الأرض على هذه الصورة فائدة لجيش المسلمين وليس لدينا معلومات عن تعبئة المسلمين في ميدان القتال، وتدل الأخبار على أن أبا حذيفة كان يقود الميمنة وشجاعا الميسرة ويزيد بن الخطاب القلب وأسامة بن زيد الخيالة. فهل كان كل من المهاجرين والأنصار على مجنبة من المجنبتين، وكانت القبائل في القلب؟ أو أن المهاجرين والأنصار كانوا في القلب وكانت القبائل في المجنبتين؟ أو أن المهاجرين كانوا في القلب مع قبائل الحجاز، وكان الأنصار على إحدى المجنبتين وكانت قبائل البادية في المجنبة الأخرى؟ هذه أسئلة يصعب الإجابة عنها. والواضح من مجرى القتال أن إحدى المجنبتين (ولعلها الميسرة) انهزمت فتلاها القلب ووصل إلى الخيام في الضعن. وأن أهل القرى - المهاجرين والأنصار وأهل الحجاز - عزوا هذه الهزيمة التي كادت تقضي على المسلمين إلى أهل البادية. فلنا من ذلك أن أهل البادية كانوا في الميسرة، وكان المهاجرون مع بعض قبائل الحي في الميمنة، والأنصار مع البعض الآخر من قبائل الحجاز في القلب. ويظهر أن الخيالة كانت في الأمام فانسحبت إلى الميسرة لتراقب الوادي، وكان الضعن وراء القلب وفيه الخيام والنساء. ووقف خالد بن الوليد وراء القلب يراقب سير القتال. صفحات القتال نشبت المعركة صباحاً واستمرت إلى العصر. فبذل الفريقان قصاراهما لتغلب أحدهما على الآخر واقتتلا اقتتالاً شديداً. وكما يقول الطبري كانت الحرب لم يلق المسلمون مثلها قط. وجرى القتال في ثلاث صفحات: تغلب الحنفيون في الصفحة الأولى على المسلمين وأزاحوهم إلى الضعن وكادوا ينتصرون عليهم. وفي الصفحة الثانية كر المسلمون راجعين فتغلبوا على أعدائهم فأزاحوهم من المحل الذي وصلوا إليه. وبعد أن تضافرت جهودهم استطاعوا أن يهزموا الحنفيين. وفي الصفحة الثالثة اعتصم الحنفيون في الحديقة فحاصرها المسلمون من كل صوب ودخلوها عنوة وقضوا على البقية الباقية من الحنفيين. ونذكر فيما يلي مجرى القتال في كل صفحة من الصفحات الثلاث: الصفحة الأولى

стр. 6258

بدأ القتال صباحاً بتحميس القواد رجالهم بالكلمات المأثورة والخطب الحماسية. فنادى شرحبيل بن مسيلمة في رجاله قائلاً: (يا بني حنيفة اليوم يوم الغيرة، إن هزمتم تستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات. قاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم) وكان أول القتال براز بين الفريقين كما جرت عليه عادة العرب، فقتل في هذا البراز الرحال بم عنفوة الذي كان في طليعة الحنفيين قبل القتال. وكان على الميسرة قتلة زيد بن الخطاب، ويظهر رؤساء آخرين من بني حنيفة قتلوا في البراز مما حمل الطبري على القول: (قتل الرحال وأهل البصائر من بني حنيفة) وبدلاً من أن يوهن هذا القتل عزائم بني حنيفة شدد عزيمتهم فتذامروا وحمل كل قوم في ناحية. ويلوح من مجرى القتال أن الضربة كانت قوية من الجانب الأيمن على ميسرة المسلمين فزحزحتها من محلها وتراجعت منكسرة لا تلوي عن شيء. فأثر ذلك في موقف القلب فرجع متقهقراً وبنو حنيفة يطاردونه إلى أن وصلوا إلى المعسكر فقطعوا إطناب الخيام ومن الروايات ما يزعم أن ريحاً جنوبية مغبرة هبت في وجوه المسلمين فضعضعت صفوفهم، فاستفاد بنو حنيفة منها فهزموا المسلمين حتى أزاحوهم من محلهم وطاردوهم إلى المعسكر فدخلوا في الفسطاط فرعبلوه بالسيوف والروايات متفقة على أن بعض الأعداء دخل خيمة خالد بن الوليد وكان فيها مجاعة مكبلاً بالحديد قيد مراقبة أم تميم التي تزوجها خالد بعد قتله مالك بن نويرة. فأراد الحنفيون إنقاذ مجاعة فهموا بقتل أم تميم إلا أنه منعهم من ذلك. فقال لهم: (لا تتشاغلوا في المعسكر، ودونكم الرجال) ففي مثل هذا الموقف الحرج برز خالد إلى الميدان شاهراً حسامه تشجيعاً للمسلمين ومنادياً بشعار (يا محمدآه!). ويكاد المؤرخون جميعاً يتفقون على أن خالداً بفراسته وبطولته أنقذ الموقف. ولولا قيادة خالد وجلادة الصحابة الذين لقوا حتفهم بعد أن أظهروا للمسلمين أمثلة حسنة، لدارت الدائرة على المسلمين ولا ريب. الصفحة الثانية تبدأ الصفحة الثانية بدعوة الرؤساء من المسلمين إلى الثبات في محلهم والكر بعد ذلك على الأعداء

стр. 6259

فثابت بن قيس الذي كان يقود الأنصار كان ينادي الأنصار قائلاً: (بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين، هكذا عني حتى أريكم الجلاد) وقال زيد بن الخطاب الذي كان يقود القلب حين انكشف الناس عن رحالهم - أي المعسكر -: (لا تحوز بعد الرحال) وقام البراء أخو أنس بن مالك ينادي قائلاً (أنا البراء ابن مالك. هلم إلي) أما أبو حذيفة الذي كان يقود الميمنة فكان ينادي قائلاً: (يا أهل القرآن! زينوا القرآن بالفعال). وفي مثل هذا الوقت العصيب تدبر خالد الموقف ففكر في حيلة يعيد بها نخوة المسلمين، ويزيد حماستهم، ولا سيما لما رأى أهل القرى يحينون أهل البادية وهؤلاء يحينون أهل القرى وتكاد الروايات جميعاً تتفق على أن القبائل من أهل البادية انهزموا أول مرة فألقوا الوهن في صفوف المسلمين. والظاهر من نتائج المعركة أن أهل القرى ثبتوا (فاستحر بهم القتل) كما يذكر الطبري. وكان التدبير الذي توصل إليهخالد لينقذ الموقف ويتغلب على عدوه منحصراً في أمرين: أولاً - فصل أهل القرية عن أهل القبائل، ووضع كل فريق منهم في جانب. فكان الأنصار والمهاجرين وأهل القرى الآخرون في جانب، والقبائل في جانب آخر. لأن انهزام المسلمين أوقع الخلل في تركيب المعركة، فاختلطت الميسرة بالقلب، والقلب بالميمنة، وتخلى الناس عن رؤسائهم ثانياً - طلب من كل جانب أن يمتاز، وذلك لما رأى أهل لقرى يعزون سبب الخيبة إلى القبائل، والقبائل تعزو الخيبة إلى أهل القرى. وفي هذا تناحر لدى الفريقين، وإذا ما اشتد التناحر يؤدي إلى التقاعس فصرخ في المسلمين طالباً منهم أن يمتازوا ليتبين من أين يأتي الخلل. وكان يريد بذلك أن تبرز الفرق فلا ينسب إليها ذلة الانكسار. ونال بذلك ما أراد. فأمتاز أهل القرى والبوادي؛ وامتازت القبائل من أهل البادية، فوقف بنو كل أب على رايتهم كما يذكر الطبري. فتولى خالد بنفسه قيادة صفوف أهل القرى، فقاموا جميعاً قومة واحدة فقاتلوا قتال الأبطال. وكان خالد في أول الصف يشجع المسلمين ببطولته ولا يقابله أحد إلا قتله. وكان يفتش عن مسيلمة ليقتله، لأنه عرف أن الحرب لا تركد إلا موته، وأن بني حنيفة لا تحفل إلا بقتله. وكان من أمر ذلك أن تشجع المسلمون فصدوا العدو

стр. 6260

ويذكر الواقدي أن زيد بن الخطاب كان يحمل راية المسلمين فلما رأى أصحابه ينصرفون من أطرافه قال: (والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو ألقى الله فأكلمه بحجتي؛ عضوا على أضراسكم أيها الناس! واضربوا في عدوكم وامضوا قدماً) ولم يزل يشجع أصحابه إلى أن قتل والراية في يده، فأخذها أبو حذيفة، فجادل بسيفه حتى قتل فنادى في قومه (العزة لله ولرسوله ولأحزابه. أروني كما أريكم) ثم جلد في الأعداء وقاتل حتى قتل. وتسلم راية المسلمين سالم مولى أبي حذيفة، وظل يناضل عنها إلى أن قتل، فتسلمها آخرون وقتلوا وإزاء هذه الجهود المتضافرة والأمثلة المشجعة تمكن المسلمون من أن يزحزحوا الأعداء من مكانهم حتى أزاحوهم تماماً، فأخذوا يطاردونهم. وفي مثل هذا الحين أخذ محكم بن الطفل المدعو بحكم اليمامة يشجع بني حنيفة منادياً: (يا معشر بني حنيفة الآن والله ستحقب الكرائم غير رضيات، وينكحن غير حصينات، فما عندكم من حسب فأخرجوه). فقاتل قتالاً شديداً أما أهل اليمامة فلما رأوا المسلمين يركبونهم صرخوا في وجه مسيلمة قائلين له: (أينما كنت تعدنا؟) فأجابهم قائلاً: (قاتلوا عن أحسابكم)، ولما رأى المحكم أن الدائرة دارت على بني حنيفة صاح فيهم: الحديقة! الحديقة! يريد بذلك أن يتحصنوا فيها ويقاوموا المسلمين. فانسحبوا إلى الحديقة واعتصموا بها. ويظهر أن المحكم لم يتمكن من الوصول إليها لأن عبد الرحمن أبن أبي بكر رماه بسهم فقتله. يتبع طه الهاشمي

стр. 6261

٣ - محاولات أفلاطون معذرة سقراط ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود - لعلك يا صديقي مليتس تريد أناكسجوراس بهذا الاتهام. ويظهر أنك تسيء الظن بالقضاة، فتحسبهم بلغوا من الجهالة حداً لا يعرفون معه أن تلك آراء مسطورة في كتب أناكسوجراس الكلازوميني، وهي مليئة بمثلها. وتلك التعاليم هي التي يقال أن سقراط قد أوحى بها إلى الشبان، والواقع أنهم عرفوها من المسرح الذي كثيراً ما يعرضها، وأجر المسرح لا يزيد على دراخمة واحدة، ففي مقدور الناس جميعاً أن يشهدوها بهذا الأجر الزهيد، ثم يهزئون من سقراط كلما نسب إلى نفسه تلك الأعاجيب، ولكن حدثني يا مليتس، أفتظن حقاً أني لا أومن باله ما؟ - أقسم بزفس أنك لا تؤمن بكائن من كان - أنت كاذب يا مليتس، ولا تستطيع أنت نفسك أن تصدق هذا القول، ولست أشك أيها الأثينيون في أن مليتس هذا مستهتر وقح، كتب هذه الدعوى بروح من الحقد والطيش والغرور، ألم يبتكر هذه الألعوبة ابتكاراً ليقدمني بها إلى المحاكمة؟ كأنما قال لنفسه: سأرى هل يستطيع هذا الحكيم سقراط أن يكشف عن هذا التناقض المحبوك، أم أني خادعه كما سأخدع بقية الناس؟ فهو كما أرى يناقض نفسه بنفسه في الدعوى فكأنه يقول قد أجرم سقراط لأنه كافر بالآلهة، ولأنه مؤمن بهم، وتلك مهزلة ولا ريب أيها الأثينيون! أنه متناقض لا تستقيم روايته، وأحب أن نتعاون جميعاً على تحقيقها، وعليك يا مليتس أن تجيب - وأعيد الرجاء ألا تقاطعوني إذا تكلمت بأسلوبي المعهود - يا ملتيس! هل جاز لإنسان مرة أن يعتقد بوجود ما يتصل بالبشر من أشياء، دون أن يعتقد بوجود البشر أنفسهم؟ أني أحب منهم - أيها الأثينيون - أن يجيب، وألا يعمد دائماً إلى المقاطعة. هل أعتقد إنسان مرة وجود صفات الجياد دون الجياد نفسها؟ أو وجود نغمات القيثارة دون العزف عليها؟ أن كنت تأبى أن تجيب بنفسك يا صديقي، فسأجيب لك وللمحكمة. كلا! لم يفعل ذلك إنسان. والآن، هل لك أن تجيب على هذا السؤال الثاني: أيستطيع إنسان أن يؤمن برسول روحي إلهي، ولا يؤمن بالأرواح نفسها أو بأشباه الآلهة؟

стр. 6262

- أنه لا يستطيع - يسرني أن أحصل منك بعون المحكمة على هذا الجواب، ولكنك قد أقسمت في دعواك أنني أثق وأعتقد في رسل روحية إلهية وسواءً أكانت تلك الرسل قديمة أم محدثة، فأنا على أية حال أومن بها كما قلت وأقسمت في صحيفة الدعوة. ولكن إذا كنت أعتقد بموجودات آلهية، أفلا يلزم أن أعتقد بالأرواح وأشباه الآلهة التي بحثها؟ أليس هذا حقاً؟ ما لي أراك صامتاً؟ أن الصمت معناه الرضى. فما هذه الأرواح وأشباه الآلهة؟ أنها أما أن تكون آلهة، أو أبناء آلهة، أليس كذلك؟ - نعم هو كذلك - وإذن فهذا موضوع التناقض المحبوك الذي أشرت إليه، فأشباه الآلهة أو الأرواح هي آلهة، وقد زعمت عني أول الأمر أني كافر بالآلهة، ثم هاأنت ذا تضيف أني مؤمن بها، لأني مؤمن بأشباها. ولا يضيرنا أن تكون هذه الأشباه أبناء للآلهة غير شرعيين، فسواء أعقبتها الآلهة من الشياطين أو من أمهات أخريات كما يظن، فوجودها يتضمن بالضرورة - كما ترون جميعاً - وجود آبائها، وإلا كنت كمن يثبت وجود البغال وينكر وجود الجياد والحمير. لا يمكن أن يكون هذا الهراء يا مليتس إلا تدبيراً منك لتبلوني به، ولقد سقته في دعواك لأنك لم تجد حقاً تتهمني به. ولكن لن يجوز على من يملك ذرة من فهم، قولك هذا بأن رجلاً يعتقد في أشياء إلهية، هي فوق مستوى البشر، ولا يؤمن في الوقت نفسه بأن هناك آلهة وأشباه آلهة وأبطالاً. حسبي ما قلته رداً لدعوى مليتس، فلا حاجة لي إلى دفاع قوي بعد هذا، ولكني كما ذكرت من قبل لابد أن يكون لي أعداء كثيرون وسيكون ذلك دافعي إلى الموت لو قضى علي به، لست أشكو في هذا، فليس الأمر قاصراً على مليتس وأنتيس، ولكنه الحقد الذي يأكل القلوب، ويغري الناس بتشويه السمعة، فكثيراً ما أدى ذلك برجال إلى الموت، وكثيراً ما سيقضي بالموت على رجال، فلست بحمد الله أخر هؤلاء سيقول أحدكم: إلا تخجل يا سقراط من حياة تؤدي بك إلى موت مباغت، وعلى ذلك أجيب في رفق: أنت مخطئ يا هذا، فإذا كان الرجل خيراً في أي ناحية منه، فلا ينبغي أن يتدبر أمر حياته أو موته، ولا يجوز أن يهتم إلا بأمر واحد، وذلك أن يرى هل هو فيما يعمل مخطأ أم مصيب، وهل يقدم في حياته خيراً أم شراً. أترى أذن أن الأبطال الذين سقطوا في

стр. 6263

طروادة لم يحسنوا صنعاً؛ فذلك أبن ثيتس الذي أستصغر الخطر وأزدراه حينما قرنه بما يثلم الشرف. ولما قالت له أمه الآلهة، وهو يتحفز لقتل هكتور بأنه لو قتله أنتقاماً لصاحبه باتروكلس، فسيدركه هو نفسه الموت. ثم قالت: (أن القدر يترصدك بعد هكتور) فلما سمع هذا، أحتقر الخطر احتقارا، ولم يخشاهما كما يخشى أن يحيا الحياة يدنسها العار دون أن ينتقم لصديقه، فأجاب: (ذريني أموت بعد موته، فأنتقم من عدوي، فذلك خير من الحياة فوق هذه السفن، فأظل عاراً على جبين الدهر تنوء بحمله الأرض) هل فكر أخيل في الموت أو الخطر؟ فمهما يكن موقف الرجل، سواء اختار لنفسه ذلك الموضع أم أقامه فيه قائده، فلا بد أن يلزمه ساعة الخطر، ولا يجوز أن يفكر في الموت أو في أي شيء أخر غير دنس العار. إن هذا أيها الأثينيون لقول حق بني أثينا! كم كان سلوكي عجيباً، لو أني عصيت الله فيما يأمرني به - كما أعتقد - بأن أؤدي رسالة الفلسفة بدراسة نفسي ودراسة الناس، وفررت بما كلفني به خشية الموت أو ما شئت من هول، وأنا الذي حين أمرني القواد الذين اخترتموهم للقيادة في بوتيديا، وأمفيبوليس ودليوم، لزمت موضعي، كأي رجل آخر، أواجه الموت. ما كان أعجب ذلك، وما كان أحقني بأن أساق إلى المحكمة بتهمة الكفر بالآلهة، وكم كنت عندئذ أكون بعيداً عن المحكمة، مدعياً إياها خاطئاً، لو أنني عصيت الراعية خوفاً من الموت؟ فلست خشية الموت من الحكمة الصحيحة في شيء، بل هي في الواقع إدعاء بها، لأنه تظاهر بمعرفة ما تستحيل معرفته، فما يدريك ألا يكون الموت خيراً عظيماً، ذلك الذي يلقاه الناس بالجزع كأنه أعظم الشرور؟ أليس ذلك توهماً بالعلم، وهو ضرب من الجهل الشائن؟ وهنا أراني أسمى مقاماً من مستوى البشر، وربما ظننت أني في هذا الأمر أحكم الناس جميعاً - فما دمت لا أعلم عن هذه الحياة إلا قليلاً، فلا أفرض في نفسي العلم، وإنما أعلم علم اليقين أن من ظلم من هو أرفع منه أو عصاه، سواء أكان ذلك إنساناً أم آلها، فقد أرتكب إثماً وعاراً، ويستحيل علي أن أتحاشى ما يجوز أن يكون فيه الخير وأخشاه، لأقدم على شر مؤكد؛ ولهذا لو أنكم أطلقتم الآن سراحي، ورفضتم نصح أنيتس، الذي قال بوجوب إعدامي بعد إذ وجه إلي الاتهام، لأني لو أفلت فسيصيب الفساد والدمار أبنائكم باستماعهم لما أقول. لو قلتم لي يا سقراط، أننا سنطلق سراحك هذه المرة ولن نأبه لأنتيس، على شرط واحد، وذلك أن

стр. 6264

تقف البحث والتفكير فلا تعود إليهما مرة أخرى، ولو شاهدناك تفعل ذلك أنزلنا بك الموت، إن كان هذا الشرط إخلاء سبيلي أجبت بما يأتي: أيها الأثينيون! أنا أحبكم وأمجدكم، ولكني لابد أن أطيع الله أكثر مما أطيعكم، فلن أمسك عن اتخاذ الفلسفة وتعليمها ما دامت حياً قوياً، أسائل بطريقتي أياً صادفت بأسلوبي، وأهيب به قائلاً: ما لي أراك يا صاح تعني ما وسعتك العناية بجمع المال، وصيانة الشرف، وذيوع الصوت، ولا تنشد من الحكمة والحق وتهذيب النفس إلا أقلها، فهي لا تصادف من عنايتك قليلاً ولا تزن عندك فتيلاً، وأنت ابن أثينا، مدينة العظمة والقوة والحكمة؟ ألا يخجلك ذلك؟ فأن أجاب محدثي قائلاً: بلى، ولكني معني بها، فلن أخلي سبيله ليمضي من فوره، بل أسائله وأناقشه وأعيد معه النقاش، فان رأيته خلواً من الفضيلة، وأنه يقف منها عند الحد القول والادعاء، أخذت في تأنيبه، لأنه يحقر ما هو جليل، ويسمو بما هو دنئ وضيع؛ سأقول لذلك لكل من صادفه، سواء أكان شاباً أم كان شيخاً، غريباً أم كان من الوطن، لكني سأخص بعنايتي بني وطني، لأنهم أخواني، تلك كلمة الله فاعلموها. ولا أحسب الدولة قد ظفرت من الخير بأكثر مما قمت به ابتغاء مرضاة الله، وما فعلت إلا أن أهبت بكم جميعاً، شيباً وشباناً، أن انصرفوا إلى أنفسكم وما تملكون، وبادروا أولاً بتهذيب أنفسكم تهذيباً كاملاً، وهاأنذا أعلنكم أن الفضيلة لا تشترى بالمال، ولكنها هي المعين الذي يتدفق منه المال ويفيض بالخير جميعاً، سواء في ذلك خير الفرد وخير المجموع. ذلك مذهبي، فان كان هذا فاسداً للشبان، فاللهم إني مود بالشباب إلى الدمار! أما أن زعم أحدكم أن ليس مذهبي هو ذاك، فهو إنما يزعم باطلاً. أيها الأثينيون! سواء لدي أصدعتم بما يأمركم به أنيتس أم فعلتم بغير ما يشير، وسواء أأصبت عندكم البراءة أم لم أصبها، فاعلموا أني لن أبدل من أمري شيئاً، ولو قضيتم علي بالموت مراراً أيها الأثينيون! لا تقاطعوني وأصغوا إلى قولي، فقد عودتموني أن تسمعوا الحديث حتى ختامه، وإن لكم لفيه خيراً. أحب أن أفيض لكم بما عندي، فان بعثكم على البكاء فارجوا ألا تفعلوا. أريد أن أصارحكم أن لو قضيتم على بالموت فسيصيبكم من الضر أكثر مما يصيبني. إن مليتس وأنيتس لن يؤذياني، لأنهما لا يستطيعان، فليس من طبائع الأشياء أن يؤذي فاسد من هو أصلح منه، نعم، ربما استطاع له موتاً أو نفياً أو تجريداً من حقوقه

стр. 6265

المدنية، وقد يبدو له كما يبدو للناس جميعاً، أنه يكون بذلك قد أنزل به أفدح البلاء، ولكني لا أرى ذلك الرأي، فأهول به مصاباً هذا الشر الذي يقدم عليه أنيتس - بأن يقضي على حياة إنسان بغير حق. لست أكلمكم الآن - أيها الأثينيون - من أجل نفسي كما قد تظنون، ولكني من أجلكم، حتى لا تسيئوا إلى الله، أو تكفروا بنعمته بحكمكم علي، فليس يسيراً أن تجدوا لي ضريباً إذا قضيتم علي بالموت، وإن جاز أن أسوق إليكم هذا التشبيه المضحك، لقلت أني ضرب من الذباب الخبيث، أنزله الله على الأمة، التي هي بمثابة جواد لنبيل عظيم، ثقيل الحركة لضخامته، ولا بد له في حياته من حافز. أنا تلك الذبابة الخبيثة التي أرسلها الله إلى الأمة، فلا شاغل لي متى كنت وأنى كنت، إلا أن أثير نفوسكم بالإقناع والتأنيب، ولما كان من العسير أن تجدوا لي ضريباً فنصيحتي لكم أن تدخروا حياتي. نعم قد أكون مزعجكم كلما باغتكم فأيقظتكم من نعاسكم العميق، ولكم أن تأملوا، إذا ما صفعتموني صفعة الموت، كما ينصح أنيتس، - وما أهون ذلك عليكم - أن يهدأ لكم الرقاد لكم حياتكم، ما لم يبعث الله لكم ذبابة أخرى، إشفاقاً عليكم. إنما أنني جئتكم من عند الله فهذه آيته: لو كنت نكرة من الناس لما رضيت مطمئناً، بإهمال شؤون عيشي إهمالاً طوال تلك السنين، لأخصص نفسي لكم، فقد جئتكم واحداً فواحداً، شأن الوالد أو الأخ الأكبر، فأحملكم على الفضيلة حملاً، وليس ذلك ما عهدناه في طبيعة البشر. ولو كنت قد أفدت من ذلك أجراً أو جزاء لكان لذلك مدلول آخر، ولكن هل تجرؤ وقاحة المدعين أن تدعي أني قد أخذت أجراً أو سعيت إليه؟ أنهم لم يفعلوا، لأنهم لن يجدوا لذلك دليلاً. أما أنا فعندي ما يؤيد صحة ما أقول. وحسني بالفقر دليلاً. يتبع زكي نجيب محمود

стр. 6266

٣ - مصطفى كمال سيرة حياته للكاتب الإنجليزي أرمسترونج تلخيص وتعليق حنفي غالي وعاش مصطفى كمال مع أمه في سالونيك بعد وفاة زوجها الذي كان يعضه وينفر منه، وهناك حاول أن ينشئ مع زملائه من صغار الضباط فرعاً لجمعية الوطن، فأخفق لأنهم كانوا في ريبة من أمره، فلم يؤيده ولم يعارضوه، كأنما كانوا يريدون أن يقفوا على حقيقته ويتبينوا أمره قبل أن يتوصلوا به ويتعاونوا معه في أمثال هذه المغامرات. وأخيراً أرسل إليه أحدهم أن بسالونيك جمعية ثورية كبيرة تدعى جمعية الاتحاد والترقي، يجتمع أعضاؤها في منازل بعض اليهود من رعايا إيطاليا، فيستطيعون أن يدبروا الخطط، ويتشاوروا في أمرهم بمأمن من بطش الحكومة، ومنجاة من عيون الخليفة، وبعد أن اختبرت الجمعية إخلاص بطلنا، وأنست منه نفساً ثائرة وقلباً قلقاً، دعته إلى الانضمام إليها فتم لها ما تريد. وانخرط مصطفى في سلك أعضائها، فألفى نفسه في جو لا يلائمه ولا يتفق وميوله، إذ رأى من حوله أشخاصاً يتحدثون في أمور لا تعنيه ولا تتصل بتركيا التي يحبها ويفني في سبيلها، فما يهمه من متاعب اليهود وما يلاقونه من اضطهاد في روسيا، فهو تركي قبل كل شيء، وهو معتز بتركيته تياه بها، ولا غرض له سوى إنقاذ تركيا من استبداد الخليفة ومطامع الدول الأجنبية، وفضلا عن ذلك فهو ما زال في الجمعية (أخاً) صغيراً، عليه أن يتلقى الأوامر بالطاعة والإذعان، وعليه أن ينفذها بأمانة ونشاط. وهذا ما لا يرضى بطلنا الذي خلق ليأمر ويسود لا ليأتمر ويخضع، فبرم بالجمعية وسخط عليها، وأخذ ينقدها نقداً حاداً قارصاً غير متلطف فيه ولا متهاون قائلاً: إنه يسمع مناقشات بيزنطية لا يعززها عمل حاسم، وهو يريد خطة محكمة دقيقة، ينفذها بكل ما وسعه من جهد، وكل ما في نفسه من حرارة الأيمان والوطنية، ولم يكن يرعى للرؤساء حرمة أو مقاماً، فمن هم أولئك الذين يستأثرون بالنفوذ ويستبدون بالأمر دونه؟ أأنور ذلك المجازف المتهور، أم جمال ذلك المظلم العقل المضطرب الذهن، أم داود ذلك اليهودي الدنيء الذي

стр. 6267

أنقلب مسلماً، أم نيازي ذلك الألباني فاقد التوازن، أم طلعت ذلك الموظف المصلحي والدب البطيء، فهكذا كان يراهم بطلنا، ويرى نفسه فوقهم أجمعين، وهكذا نرى العظماء شديدي الأنانية عظام الثقة بأنفسهم، وهي صفة لابد منها لمن يتطلعون إلى مسابح الأفلاك. أما من ضعفت ثقته بنفسه، وتنحني عن نفسه لغيره، فليقنع أذن بمدارج الأسماك. وكان يخاطبهم مخاطبة الأستاذ لتلميذه، وحدث ذات مرة أن كانوا يتحدثون عن جمال ويمتدحون وطنيته فقاطعهم مصطفى كمال متهكماً بهم، وأخذ يلقي عليهم درساً عن العظمة الحقيقية. فلما التقى بجمال في اليوم التالي صارحه برأيه فيه قائلاً له أنه طالب شهرة، وألقي عليه ما ألقي على زملائه بالأمس. وقد كان زملائه الضباط يبغضونه لاعتداده بنفسه واستصغاره لشأنهم وسخرهم منهم، كما كان اليهود لا يثقون به، فلم يرتقي إلى مراكز الماسونية العليا وظل بعيداً عن مركز القيادة أو مبعداً عنه ولم يكن في البيت أيسر نفساً ولا ألين جانباً، ولم يكن يسمح لأحد غير أمه أن ينتقده، وكان مع ذلك يأبى عليها التدخل في عمله أو المساس بكبريائه. وقد اجتمع في يوم من الأيام ببعض زملائه بالمنزل، فأخذ الخدم يتسمعون حديثهم من وراء الأبواب وأخبروا أمه، فعارضت فكرته، فحاول أن يقنعها بصوابها، فركبت رأسها وأصرت على رأيها، وما كان الاثنان ليتفقا، فقد كانت هي امرأة صادقة الإيمان وثيقة الإخلاص لقديمها، بينما أبنها لم يكن يؤمن بشيء أو يجل شيئاً على الإطلاق؛ وأخيراً سايرت الأم الرؤوم ولدها العزيز في طريقه برغم اعتقادها في خطئه، خشية أن يهجر المنزل فيشق عليها فراقه، ولكنها ظلت تحذره سوء المنقلب وظلام المصير، قائلة: أن من الحمق التآمر بالخليفة والدين وقد سئم بطلنا الحياة المنزلية بما يثقلها من ثرثرة الأقارب، وتجسس النساء، وفضول الخدم، إذ لم يكن أبغض إليه من الحد من حريته، فهم يريد أن يكون سيد نفسه مهما كلفه ذلك من مشقة وثمن، فهجر المنزل، ولكن ظل حبل الود متصلاً بينه وبين أمه، فكان يزورها ويصغي إليها. وكان ينفق بياض النهار مكباً على عمله، كما كان ينفق معظم لياليه في المقاهي حيث يجتمع بزملائه أحياناً أو يذهبون إلى مكان خفي بعيد، حيث يشربون ويدخنون ويدبرون الخطط للثورة المقبلة. على أن بطلنا لم يكن ليرضى أن يكون جندياً خاملاً مغموراً، بل يريد أن يكون قائداً له شرف النصر وفخار الغلبة والقهر، ولم يكن يحب

стр. 6268

الرؤساء أن يقربوه منهم، فقل على توالي الأيام اتصاله بالجمعية واشتراكه في أعمالها، وأصبح أكثر ميلاً للعزلة والصمت. وبينما كان بطلنا في بعده وعزلته إذا بالثورة تثب من غير إنذار، فسار نيازي على رأس فئة قليلة من الثائرين إلى جبال مقدونيا الجنوبية متحدياً الحكومة، وحذا حذوه أنور، وأصدر في الحال منشوراً يعلن فيه الثورة أما بطلنا فظل في سكونه وعزلته، وأبى أن يشاركهم، إذ لم يكن من طبعه المغامرة في مشروع إلا إذا كان متين الأساس مقدراً له بعض النجاح؛ ولكن هذه المغامرة الجنونية نجحت بأعجوبة، وساعد على ذلك سخط رجال الجيش على الحكومة لتأخر مرتباتهم، فأبى بعضهم أن يحارب بني وطنهم، وأنضم آخرون إلى الثوار فسقطت حكومة الظلم كما تسقط أوراق الشجر أمام الريح الضعيفة، وقبل عبد الحميد الحكم الدستوري قائلاً: أنه كان يعمل لهذه الغاية من عهد بعيد!! انحنى باللائمة على مستشاريه، وألقى عليهم تبعت الماضي الفاسد. وألغي الجاسوسية، ورحب بالثوار وعاد نيازي وأنور، وقد أسكرتهم نشوة الانتصار، وتوجت رؤوسهم أكاليل الغار، فأستقبلهم الشعب بحماسة فائقة تجل عن الوصف، وقد لقيهما مصطفى برفقة بعض زملائه، وقف الجميع في شرفة أحد فنادق سالونيك، وأعلن أنور منها الدستور على الشعب الذي يرمقه بعين الإعجاب والإجلال، ووقف من خلفه مصطفى وأن ما به من الهم والحسد ليكاد يقطع قلبه ويذهب بنفسه. وقد عاد إلى الأستانة جميع من نفاهم عبد الحميد، وأخذوا يتنازعون السلطة والحكم، وأرسل أنور ملحقاً حربياً في سفارة برلين، أما نيازي فعاد إلى ألبانيا حيث اغتيل، أما مصطفى كمال فأرسل على رأس بعثة ليتفقد حال حامية طرابلس، ويكتب عنها تقريراً لحكومة الأستانة وقد خشيت دول أوربا أن يستعيد الأتراك قوتهم، فانتهزت فرصة هذه الفتنة الداخلية لتصفى مع الأتراك حسابها، فاستولت النمسا على البوسنة والهرسك، احتلت اليونان كريد، وأعلنت بلغاريا استقلالها تظاهرها لروسيا أما في داخل الإمبراطورية فقد شبت الثورة ببلاد العرب وألبانيا، وأحتدم النزاع بين والمسلمين والمسيحيين اشرأبت الرجعية بعمقها تريد استعادة سلطانها البائد، فلجأت إلى الجيش والشعب لأثارته على أولئك اليهود والملاحدة الذين يريدون هدم الدين، وتقويض

стр. 6269

خلافة المسلمين، ونجحت هذه الدعاية الخداعة البراقة، وثار الجنود في الأستانة، وقتلوا ضباطهم أو سجنوهم، وأعلنوا إخلاصهم للدين وولاءهم لأمير المؤمنين، واستولوا على الأستانة وطردوا منها أعضاء الجمعية، فلجئوا إلى محمود شوكت قائد الجيش بمقدونيا فتردد بادئ الأمر لأنه كان من المقربين إلى عبد الحميد، ولكنهم وفقوا أخيراً إلى إغرائه بمساعدتهم والعمل معهم فسير أنور - وكان قد عاد مسرعاً من برلين - على رأس فرقة من الفرسان كما ناط بمصطفى - وكان قد عاد من طرابلس - رئاسة أركان الحرب، وتقدم الجميع نحو الآستانة فقضوا على الثورة الداخلية، وقبضوا على عبد الحميد ووضعوه في (فيلا) صغيرة بسالونيك تحت رقابة الضابط فتحي المقدوني وأعادوا الجمعية إلى الحكم وكان أنور إبان هذه الحوادث، الشخصية الفذة، والبطل البارز، ترمقه العيون بالإعجاب والحب، لأنه كان جندياً مقداماً جريئاً، كثير الاتجاه إلى الجمهورية، فأتته الشهرة وسعت أليه، بينما ذهب مصطفى كمال في غمار النسيان والإهمال، إذ لم يحظ بإعجاب الشعب لتردده، ولم يكسب رضاء الرؤساء لصلفه، حتى قالوا عنه (أنه ذو كفاية ممتازة، ولكنه جامد النسيم، كثير التمرد على كل أمر، قارص النقد لكل شخص، شديد الغرور، لا يميل إليه أحد، وهو كثير الاعتداد برأيه، لا يشرف معه أحداً في الأمر) وأبعدوه عن الحكم وأبقوه في منصبه، فأكب على واجبه يؤديه بهمة ونشاط، وأخذ يدرس تاريخ نابليون وفون ملتكه. ثم رقي في سنة ١٩١١ إلى رياسة أركان حرب القسم الثالث من الجيش بمقدونيا وقد أرسل في بعثه حربية إلى باريس تحت أشراف الجنرال علي رضا، وأعجب رئيسه به وأثنى عليه. ولما عاد أنيط به الإشراف على مدرسة الضباط بسالونيك، وبرغم كون بطلنا جندياً بفطرته فقد كان يتطلع بنظره إلى السياسة دائماً، ويحاول أن يجرب طالعه فيها، فلم يرضه هذا المنصب، وأخذ ينقد زعماء جمعية الاتحاد والترقي نقداً لاذعاً في غير تحفظ ولا خشية قائلاً أنهم ليسوا جديرين بالحكم، وأن الدول أخذ طمعها يشتد ويدها تطول عن ذي قبل، ولا سيما ألمانيا التي قبضت على مرافق البلاد الحيوية وسيطرت على سكة حديد بغداد. أما في الداخل فلا يزال السخط عاماً والفقر والبؤس مخيمين، ويجب القيام بعمل حاسم لإصلاح الحال. وأخذ الضباط يصغون إليه ويستمعون له ويلتفون حوله

стр. 6270

فأرضى هذا كبريائه، وأصبح يشعر أنه ذو مكانة وخطر، وأنه يقترب رويداً رويدا من قيادة حركة ذات شأن، ونمى هذا إلى سمع محمود شوكت، وكان يعرف بطلنا ويقدر خطره، لاسيما في البلقان مصدر كل فتنة ومهد كل حركة، فنقله إلى منصب أخر، وكان شوكت في تصرفه هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد سهل المنصب الجديد بطلنا بلوغ دعوته إلى أنصار أكثر من ذي قبل، ولم يخفه تهديد شوكت ووعيده، وظل في مهاجمته للرجال الجمعية وحملته عليهم غير خائف ولا متحفظ، كما أخذ يستحث أنصاره على طرد الأجانب لتصبح (تركيا للأتراك) ولقد عظم خطر بطلنا حتى كتب أعوان الحكومة إليها ينذرونها ويحذرونها منه ويستحثونها على تدارك الأمر، وطلبت الجمعية معاقبته، فبعث إليه شوكت يتهمه بأنه يحرض الجنود على الثورة، فرد عليه رداً لم يكف في نظر شوكت لدحض التهمة ونفيها عنه، كذلك لم يجد شوكت أدلة قوية تثبت إدانته فنقله إلى المكتب الحربي في الآستانة ليبعده عن البلقان مستودع البارود ومنبع الخطر وليستطيع ومراقبة حركاته ويتبع خطواته، فلم يرده هذا عن خطته، وأخذ يتقرب من بعض سياسي الجمعية الذين كانوا يبغضون الألمان ويمقتون سفيرهم صديق أنور الذي أخذ يعمل بنشاط وكياسة بجعل تركيا آلة في يد ألمانيا، وأخذوهم يشجعونه بعض الشيء، إذا رأوا إمكان استخدامه ضد أنور عند الحاجة، ولكنه مع ذلك لم يستغيث ولم يقربوه كل القرب لذهابه بنفسه، فحز ذلك في نفسه وألمه أشد الألم وبينما هو يجاهد خصومه ويجاهدونه إذا بإيطاليا تنزل جنودها في طرابلس وتحتل الساحل. حنفي غالي
следующие страницы →