← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

٣ - مصطفى كمال سيرة حياته للكاتب الإنجليزي أرمسترونج تلخيص وتعليق حنفي غالي وعاش مصطفى كمال مع أمه في سالونيك بعد وفاة زوجها الذي كان يعضه وينفر منه، وهناك حاول أن ينشئ مع زملائه من صغار الضباط فرعاً لجمعية الوطن، فأخفق لأنهم كانوا في ريبة من أمره، فلم يؤيده ولم يعارضوه، كأنما كانوا يريدون أن يقفوا على حقيقته ويتبينوا أمره قبل أن يتوصلوا به ويتعاونوا معه في أمثال هذه المغامرات. وأخيراً أرسل إليه أحدهم أن بسالونيك جمعية ثورية كبيرة تدعى جمعية الاتحاد والترقي، يجتمع أعضاؤها في منازل بعض اليهود من رعايا إيطاليا، فيستطيعون أن يدبروا الخطط، ويتشاوروا في أمرهم بمأمن من بطش الحكومة، ومنجاة من عيون الخليفة، وبعد أن اختبرت الجمعية إخلاص بطلنا، وأنست منه نفساً ثائرة وقلباً قلقاً، دعته إلى الانضمام إليها فتم لها ما تريد. وانخرط مصطفى في سلك أعضائها، فألفى نفسه في جو لا يلائمه ولا يتفق وميوله، إذ رأى من حوله أشخاصاً يتحدثون في أمور لا تعنيه ولا تتصل بتركيا التي يحبها ويفني في سبيلها، فما يهمه من متاعب اليهود وما يلاقونه من اضطهاد في روسيا، فهو تركي قبل كل شيء، وهو معتز بتركيته تياه بها، ولا غرض له سوى إنقاذ تركيا من استبداد الخليفة ومطامع الدول الأجنبية، وفضلا عن ذلك فهو ما زال في الجمعية (أخاً) صغيراً، عليه أن يتلقى الأوامر بالطاعة والإذعان، وعليه أن ينفذها بأمانة ونشاط. وهذا ما لا يرضى بطلنا الذي خلق ليأمر ويسود لا ليأتمر ويخضع، فبرم بالجمعية وسخط عليها، وأخذ ينقدها نقداً حاداً قارصاً غير متلطف فيه ولا متهاون قائلاً: إنه يسمع مناقشات بيزنطية لا يعززها عمل حاسم، وهو يريد خطة محكمة دقيقة، ينفذها بكل ما وسعه من جهد، وكل ما في نفسه من حرارة الأيمان والوطنية، ولم يكن يرعى للرؤساء حرمة أو مقاماً، فمن هم أولئك الذين يستأثرون بالنفوذ ويستبدون بالأمر دونه؟ أأنور ذلك المجازف المتهور، أم جمال ذلك المظلم العقل المضطرب الذهن، أم داود ذلك اليهودي الدنيء الذي

стр. 6267

أنقلب مسلماً، أم نيازي ذلك الألباني فاقد التوازن، أم طلعت ذلك الموظف المصلحي والدب البطيء، فهكذا كان يراهم بطلنا، ويرى نفسه فوقهم أجمعين، وهكذا نرى العظماء شديدي الأنانية عظام الثقة بأنفسهم، وهي صفة لابد منها لمن يتطلعون إلى مسابح الأفلاك. أما من ضعفت ثقته بنفسه، وتنحني عن نفسه لغيره، فليقنع أذن بمدارج الأسماك. وكان يخاطبهم مخاطبة الأستاذ لتلميذه، وحدث ذات مرة أن كانوا يتحدثون عن جمال ويمتدحون وطنيته فقاطعهم مصطفى كمال متهكماً بهم، وأخذ يلقي عليهم درساً عن العظمة الحقيقية. فلما التقى بجمال في اليوم التالي صارحه برأيه فيه قائلاً له أنه طالب شهرة، وألقي عليه ما ألقي على زملائه بالأمس. وقد كان زملائه الضباط يبغضونه لاعتداده بنفسه واستصغاره لشأنهم وسخرهم منهم، كما كان اليهود لا يثقون به، فلم يرتقي إلى مراكز الماسونية العليا وظل بعيداً عن مركز القيادة أو مبعداً عنه ولم يكن في البيت أيسر نفساً ولا ألين جانباً، ولم يكن يسمح لأحد غير أمه أن ينتقده، وكان مع ذلك يأبى عليها التدخل في عمله أو المساس بكبريائه. وقد اجتمع في يوم من الأيام ببعض زملائه بالمنزل، فأخذ الخدم يتسمعون حديثهم من وراء الأبواب وأخبروا أمه، فعارضت فكرته، فحاول أن يقنعها بصوابها، فركبت رأسها وأصرت على رأيها، وما كان الاثنان ليتفقا، فقد كانت هي امرأة صادقة الإيمان وثيقة الإخلاص لقديمها، بينما أبنها لم يكن يؤمن بشيء أو يجل شيئاً على الإطلاق؛ وأخيراً سايرت الأم الرؤوم ولدها العزيز في طريقه برغم اعتقادها في خطئه، خشية أن يهجر المنزل فيشق عليها فراقه، ولكنها ظلت تحذره سوء المنقلب وظلام المصير، قائلة: أن من الحمق التآمر بالخليفة والدين وقد سئم بطلنا الحياة المنزلية بما يثقلها من ثرثرة الأقارب، وتجسس النساء، وفضول الخدم، إذ لم يكن أبغض إليه من الحد من حريته، فهم يريد أن يكون سيد نفسه مهما كلفه ذلك من مشقة وثمن، فهجر المنزل، ولكن ظل حبل الود متصلاً بينه وبين أمه، فكان يزورها ويصغي إليها. وكان ينفق بياض النهار مكباً على عمله، كما كان ينفق معظم لياليه في المقاهي حيث يجتمع بزملائه أحياناً أو يذهبون إلى مكان خفي بعيد، حيث يشربون ويدخنون ويدبرون الخطط للثورة المقبلة. على أن بطلنا لم يكن ليرضى أن يكون جندياً خاملاً مغموراً، بل يريد أن يكون قائداً له شرف النصر وفخار الغلبة والقهر، ولم يكن يحب

стр. 6268

الرؤساء أن يقربوه منهم، فقل على توالي الأيام اتصاله بالجمعية واشتراكه في أعمالها، وأصبح أكثر ميلاً للعزلة والصمت. وبينما كان بطلنا في بعده وعزلته إذا بالثورة تثب من غير إنذار، فسار نيازي على رأس فئة قليلة من الثائرين إلى جبال مقدونيا الجنوبية متحدياً الحكومة، وحذا حذوه أنور، وأصدر في الحال منشوراً يعلن فيه الثورة أما بطلنا فظل في سكونه وعزلته، وأبى أن يشاركهم، إذ لم يكن من طبعه المغامرة في مشروع إلا إذا كان متين الأساس مقدراً له بعض النجاح؛ ولكن هذه المغامرة الجنونية نجحت بأعجوبة، وساعد على ذلك سخط رجال الجيش على الحكومة لتأخر مرتباتهم، فأبى بعضهم أن يحارب بني وطنهم، وأنضم آخرون إلى الثوار فسقطت حكومة الظلم كما تسقط أوراق الشجر أمام الريح الضعيفة، وقبل عبد الحميد الحكم الدستوري قائلاً: أنه كان يعمل لهذه الغاية من عهد بعيد!! انحنى باللائمة على مستشاريه، وألقى عليهم تبعت الماضي الفاسد. وألغي الجاسوسية، ورحب بالثوار وعاد نيازي وأنور، وقد أسكرتهم نشوة الانتصار، وتوجت رؤوسهم أكاليل الغار، فأستقبلهم الشعب بحماسة فائقة تجل عن الوصف، وقد لقيهما مصطفى برفقة بعض زملائه، وقف الجميع في شرفة أحد فنادق سالونيك، وأعلن أنور منها الدستور على الشعب الذي يرمقه بعين الإعجاب والإجلال، ووقف من خلفه مصطفى وأن ما به من الهم والحسد ليكاد يقطع قلبه ويذهب بنفسه. وقد عاد إلى الأستانة جميع من نفاهم عبد الحميد، وأخذوا يتنازعون السلطة والحكم، وأرسل أنور ملحقاً حربياً في سفارة برلين، أما نيازي فعاد إلى ألبانيا حيث اغتيل، أما مصطفى كمال فأرسل على رأس بعثة ليتفقد حال حامية طرابلس، ويكتب عنها تقريراً لحكومة الأستانة وقد خشيت دول أوربا أن يستعيد الأتراك قوتهم، فانتهزت فرصة هذه الفتنة الداخلية لتصفى مع الأتراك حسابها، فاستولت النمسا على البوسنة والهرسك، احتلت اليونان كريد، وأعلنت بلغاريا استقلالها تظاهرها لروسيا أما في داخل الإمبراطورية فقد شبت الثورة ببلاد العرب وألبانيا، وأحتدم النزاع بين والمسلمين والمسيحيين اشرأبت الرجعية بعمقها تريد استعادة سلطانها البائد، فلجأت إلى الجيش والشعب لأثارته على أولئك اليهود والملاحدة الذين يريدون هدم الدين، وتقويض

стр. 6269

خلافة المسلمين، ونجحت هذه الدعاية الخداعة البراقة، وثار الجنود في الأستانة، وقتلوا ضباطهم أو سجنوهم، وأعلنوا إخلاصهم للدين وولاءهم لأمير المؤمنين، واستولوا على الأستانة وطردوا منها أعضاء الجمعية، فلجئوا إلى محمود شوكت قائد الجيش بمقدونيا فتردد بادئ الأمر لأنه كان من المقربين إلى عبد الحميد، ولكنهم وفقوا أخيراً إلى إغرائه بمساعدتهم والعمل معهم فسير أنور - وكان قد عاد مسرعاً من برلين - على رأس فرقة من الفرسان كما ناط بمصطفى - وكان قد عاد من طرابلس - رئاسة أركان الحرب، وتقدم الجميع نحو الآستانة فقضوا على الثورة الداخلية، وقبضوا على عبد الحميد ووضعوه في (فيلا) صغيرة بسالونيك تحت رقابة الضابط فتحي المقدوني وأعادوا الجمعية إلى الحكم وكان أنور إبان هذه الحوادث، الشخصية الفذة، والبطل البارز، ترمقه العيون بالإعجاب والحب، لأنه كان جندياً مقداماً جريئاً، كثير الاتجاه إلى الجمهورية، فأتته الشهرة وسعت أليه، بينما ذهب مصطفى كمال في غمار النسيان والإهمال، إذ لم يحظ بإعجاب الشعب لتردده، ولم يكسب رضاء الرؤساء لصلفه، حتى قالوا عنه (أنه ذو كفاية ممتازة، ولكنه جامد النسيم، كثير التمرد على كل أمر، قارص النقد لكل شخص، شديد الغرور، لا يميل إليه أحد، وهو كثير الاعتداد برأيه، لا يشرف معه أحداً في الأمر) وأبعدوه عن الحكم وأبقوه في منصبه، فأكب على واجبه يؤديه بهمة ونشاط، وأخذ يدرس تاريخ نابليون وفون ملتكه. ثم رقي في سنة ١٩١١ إلى رياسة أركان حرب القسم الثالث من الجيش بمقدونيا وقد أرسل في بعثه حربية إلى باريس تحت أشراف الجنرال علي رضا، وأعجب رئيسه به وأثنى عليه. ولما عاد أنيط به الإشراف على مدرسة الضباط بسالونيك، وبرغم كون بطلنا جندياً بفطرته فقد كان يتطلع بنظره إلى السياسة دائماً، ويحاول أن يجرب طالعه فيها، فلم يرضه هذا المنصب، وأخذ ينقد زعماء جمعية الاتحاد والترقي نقداً لاذعاً في غير تحفظ ولا خشية قائلاً أنهم ليسوا جديرين بالحكم، وأن الدول أخذ طمعها يشتد ويدها تطول عن ذي قبل، ولا سيما ألمانيا التي قبضت على مرافق البلاد الحيوية وسيطرت على سكة حديد بغداد. أما في الداخل فلا يزال السخط عاماً والفقر والبؤس مخيمين، ويجب القيام بعمل حاسم لإصلاح الحال. وأخذ الضباط يصغون إليه ويستمعون له ويلتفون حوله

стр. 6270

فأرضى هذا كبريائه، وأصبح يشعر أنه ذو مكانة وخطر، وأنه يقترب رويداً رويدا من قيادة حركة ذات شأن، ونمى هذا إلى سمع محمود شوكت، وكان يعرف بطلنا ويقدر خطره، لاسيما في البلقان مصدر كل فتنة ومهد كل حركة، فنقله إلى منصب أخر، وكان شوكت في تصرفه هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد سهل المنصب الجديد بطلنا بلوغ دعوته إلى أنصار أكثر من ذي قبل، ولم يخفه تهديد شوكت ووعيده، وظل في مهاجمته للرجال الجمعية وحملته عليهم غير خائف ولا متحفظ، كما أخذ يستحث أنصاره على طرد الأجانب لتصبح (تركيا للأتراك) ولقد عظم خطر بطلنا حتى كتب أعوان الحكومة إليها ينذرونها ويحذرونها منه ويستحثونها على تدارك الأمر، وطلبت الجمعية معاقبته، فبعث إليه شوكت يتهمه بأنه يحرض الجنود على الثورة، فرد عليه رداً لم يكف في نظر شوكت لدحض التهمة ونفيها عنه، كذلك لم يجد شوكت أدلة قوية تثبت إدانته فنقله إلى المكتب الحربي في الآستانة ليبعده عن البلقان مستودع البارود ومنبع الخطر وليستطيع ومراقبة حركاته ويتبع خطواته، فلم يرده هذا عن خطته، وأخذ يتقرب من بعض سياسي الجمعية الذين كانوا يبغضون الألمان ويمقتون سفيرهم صديق أنور الذي أخذ يعمل بنشاط وكياسة بجعل تركيا آلة في يد ألمانيا، وأخذوهم يشجعونه بعض الشيء، إذا رأوا إمكان استخدامه ضد أنور عند الحاجة، ولكنه مع ذلك لم يستغيث ولم يقربوه كل القرب لذهابه بنفسه، فحز ذلك في نفسه وألمه أشد الألم وبينما هو يجاهد خصومه ويجاهدونه إذا بإيطاليا تنزل جنودها في طرابلس وتحتل الساحل. حنفي غالي

стр. 6271

الشمس في الطلوع للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي الشمس قد طلعت بوجه أروع … فوقفت مبهوتاً لحسن المطلع وجه كما تهوى الطبيعة سافر … ماإنْ عليه سوى السَّني من برقع في موكب فخم يزيد جلاله … لمع الأشعة في الفضاء الأوسع هي في علاية أوْجها وشعاعها … في كل ما تبدو له من موقع بيضاء لولا ما بها من وخزة … لذَّاعةٍ من حسنها لم أشبع إني أدين بحسنها لا كالذي … أملي عليه جهلُه ألاَّ يعي مرت تعاورها الدهور وحسنها … أبداً جديد بالشباب الممتع أنظر إليها فهي تحكي غادةً … ترنو إليك من المحل الأرفع ولقد بدت في خليعٍ من ضوئها … أحسن بها لما بدت في الخليع تجري بلا تعب إلى الغايات … في صمم على لقم الطريق المَهْيع لا تحرم الأرض الضياء فان جلت … عن موضع منها بدت في موضع تمتد من شغفٍ لها الأنظار من … حَسْرى تكل من العياء وضُلَّع ظهرت على متن السحاب كأنها … نارٌ تُشب على كثيبٍ أسفع ولقد عَلَتها وهي تبرح أُفقها … وَطْفاءُ حانيةٌ حُنُوَّ المُرضع ودنا يطوف بها الغمام كمُصْطلٍ … با النار يُذكى جمرها أو مُزمع قد كان في القرصُ أحمر فاتحاً … حتى أختفى في العارض المتجمّع أما الغيوم فتلك بعد تراكم … أخذته بين صدورها والأذرع صورٌ محببّةٌ وليس بمنكرٍ … حِوجُ الحياة إلى الجمال الأرْوع الشمس في طول النهار نجيَّتي … والشمس حيث ذهبتُ ذاهبةٌ معي وكأنما بيني وبين شعاعها … نسبٌ قديمُ ما لأوّله أعي ما ذرَّ قرنُ الشمس إلاَّ أهتزّ من … فرح فؤادٌ تحتويه أضلعي الصبح لما أبيضَّ من أنورها … أخنى على ضوء النجوم اللُمّع والصبح بعد الليل يحكي ضوؤه … أملاً لذيلاً بعد يأس موجع

стр. 6272

ولقد تيقضت العيونُ من الكرى … ولفظن أحلام النفوس الهُجّع قد كان ليلاً قد تضاعف دَجْوه … والليلُ يُذكى الحزن في المتفجَّع ثم انجلى متأخراً عما له … قد كان في طغيانه من موقع وبدت عليه ذِلَّةٌ فكأنما … صفعته كفُّ الصبح فوق الأخدع لا تحزني مما لقيت من الأذى … ما أنت مني يا نجوم بأضْيع أما الحياة فأنها لجميلة بك يا … (ذُكاء) وأن أقضَّت مضجعي يا حبذا لو أنني من بعد ما … أرْدَى يكون إليك يوماً مرجعي أني لأرجو أن تُطلِّى من علٍ … حتى تَرَى عند النهاية مصرعي لا َضْيَر أن أبكَى الدجى عيني فقد … مسح ابتسامُكِ في النهاية أدمعي أقلعتُ عن حبِّ الحسان جميعها … إلاّ هواكِ فلستُ عنه بِمُقْلِع بالشمس في الأفق البعيد تغزّلي … لا بالعقيق ورامتين ولَعْلَع جميل صدقي الزهاوي

стр. 6273

عمرو بن العاص والزعيم المصري للشاعر الاسكندري عبد اللطيف النشار حدثونا أن عمراً … حينما أخضع مصرا عاهدوا الأقباط عهداً … حفظوه فاستمرا وكذا المصريُّ إن قا … ل وإن عاهد برا غير من شذ، ومن شذ … فلا ينقض أمرا شذ عن أقباط مصرٍ … رجلاً ناوأ عَمرا ألب الروم عليه … وأثار الحرب غدرا وقضى الله لعمرو … فأباد الجيش ذعرا فمولون وقتلى … وفلول الجيش أسرى وأتى الخائن في الأس … ري وقد أحرج صدرا أي عذر ينفع الي … وم إذا ما رام عذرا؟ ورأى عمرو حليفاً … خانه بغياً وكفرا وأستشار الصحب فيه … فقضوا بالقتل صبرا قال أدهى الناس عمرو … قولة ترفع عمرا: بل ستحيا فأبغ ما شئ … ت بنا سراً وجهرا بأمثال الألي جئ … ت بهم فائت بأسرى وما مضى الخائن في ذل … وقد شاهد كبرا ليس كل البطش بطشاً … ليس كل الصبر صبرا

стр. 6274

حسب قلبي بقلم فريد عين شوكة هات ما شئت من جفاكَ وهجرِك … أن في القلب ما يقوم بعذرك وشح يا حبيبُ - وجهك - عني … حين تهفو عيناي فيه لسحرك وأغمر السكون بالحبور مع الغير … وعبس إذا استرحتُ لبشرك وأستهِنْ بالهوى وضق بيَ ذرعا … حين أشكو إليك، يا ضيقَ صدرك! ضاع قلبي لديك، يا لفؤادي … منك لما نبذته خلف ظهرك! هان شأني عليك رغم سُموِّي … واعتزازي مدى الحياة بقدرك وأن البلبل الذي بك غنَّى … والنسيم الذي يَضُوع بعطرك يا نجىَّ الضمير حتى لدى الرَّو … ع أما آن أن أمرَّ بفكرك؟ يا كثير العقوق للعاشق المُضْ … ني أرحني فقد عييتُ بهجرك قد ترشفتُ حلو عطفك عاماً … وتجرعت بعدهكأس مُرِّك وتربعت في رضاك مريعاً … ثم شردت في مهامه قفرك صارخاً في الدجى البهيم وغيري … يستشف الآمال في ضوء فجرك وإذا أنت مستريح لغيري … وفؤادي ما يستريح لغيرك! أيهذا الحبيب عذرك أني … لم أزل رغم ثورتي طوع أمرك أنا كالطائر السجين فمهما … هاجني الوحيد لم أزل رهن سرك حسب قلبي في ذلك الغضب القات … ل ما مرَّ من رضاك وبرِّك

стр. 6275

نجوم السينما للأستاذ فخري أبو السعود عوِّذ فؤادك من بوادر فتنةٍ … مجلُوةٍ في مَعرِضَ الأشباحِ ما القلبُ إلا بضعةٌ لو قُسَّمت … لم تكفِ أسرابَ الْمَها يا صاحٍ أو تُوفِ ما بالمشهد الخلاَّب من … فتنٍ ومن غُررٍ ومن أوضاح ماذا تُبين الشّاشةُ البيضاء من … سحرٍ وراَء سرابٍها اللمَّاح؟ تجلو خيالات الجمال كأنها … أطياف أحلامٍ يراها الصَّاحي تُبدي لعينكَ كلَّ أغيَد شادنٍ … سابٍ وكلَّ مُغرِّدٍ صدَّاح جمعت ملاحات الشعوب جميعها … كالطير من مُتفرِّقِ الأدواح من بضةٍ تزري بكل خميصة … وخميصةٍ تُزري بكلِّ رداح وغضيضةٍ تُصبي بساجي طرفها … ولبيقةٍ تُغري بثغرِ أقاح وقسيمةٍ تسبي بوحفٍ فاحمٍ … داجٍ وفجرٍ دونه مُنصاح ووضيئةٍ شقراء تقنعُ كلَّ ذي … بصر بأنَّ الحُسن شعرٌ ضاح إن الطبيعة ما تزال سخية … بالحسن تُوليه عطاء سماح أبداً مُوكلةٌ بهاتيك الدًّمى … تشتقُّها من حُسنِها الوضّاح هذى حَوَاريَّاتُ كل مدينة … للناظرين تجمعَّت في ساح خَلَعت عليهنَّ الطبيعةُ حُسنها … بأناملٍ في البَذل غير شِحاح وسَخت عليهن الحضارةُ بالحُلي … فَرَفلْنَ في الوضّاء والفيّاح دوماً تبدَّلُ حالةً من حالةٍ … ما بين جدّ تارةً ومزاح بينا تُرى في ثوب زوجٍ ناشزٍ … يخشى أذاها الناظرون وَقاح حتى تكون غداً بتولاً أقبلت … في طُهر أرادنٍ وَسمْتِ صلاح وتجود أحياناً - وغيرُ فؤادها … عرَف الأسى - بالمدمع السَّحَّاح من مثلُ هاتيك النجوم تزوَّداً … من بهجة الدنيا بكل صُراح؟ حاكَينَ أقمارَ السماء تعدُّداً … وبَذَذْنَها في الحسْنِ والإصْباح وتَخِذْنَ هذا العمر يوم رياضةٍ … ومتاع ألبابٍ وصرف مِراح

стр. 6276

وتركن في جهلاتها وضلالها … دُنيا تلاحٍ دائمٍ وكفاح من لاعنٍ للشَّرِ وهو مُثيرُه … ومُدجَّجٍ يدعو لنزع سلاح بين الحياة وبين تمثيلٍ لها … لا تثقُلُ الدنيا على الأرْواحِ

стр. 6277

طفت بالحمراء للأديب حسين شوقي طفت بالحمراء والقلب كليم … أسأل الحمراء عن سادتها قلت: يا حمراء لم زهر النجوم … لا تضيء اليوم في هالاتها قالت الحمراء: دع هذه الذكر … لا تذكرني بما مرَّ وفات أفل الأقمارُ عني واندثرْ … زمَنَ العز ودهرُ المكرمات

стр. 6278

إلى مؤتمر الفردوسي ١ - بين القاهرة وطوس للدكتور عبد الوهاب عزام أطوى حديث السفر بين القاهرة وبغداد، فقد وصفت هذه المراحل من قبل في الكلام عن سفرتي إلى مدينة العباسين، وليس في هذه المراحل من جديد إلا السيارات الضخام التي تعبر بادية الشام بين المدينتين الخالدتين: دمشق وبغداد. أعدت شركات عربية، وأخرى أوربية، سيارات كباراً تسع واحدتها أكثر من عشرين راكباً في مقاعد وثيرة، تريح المسافر صاحياً وتمكنه من الإغفاء حتى يغلبه النوم. ركبنا إحدى هذه السيارات، ففصلنا من دمشق صبيحة الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة (الخامس والعشرين من سبتمبر سنة ١٩٣٤) وبلغنا بغداد والساعة تسع من صباح الأربعاء بعد سفر ستة وعشرين ساعة فهذه بغداد العظيمة في جمالها وكبريائها، تزدحم فيها حادثات التاريخ أكثر من ازدحام أهلها، وتزخر فيها ذكرى الماضي أعظم من زخور دجلتها. والله بغداد، ما يستقر بها فكر زائرها حتى يحلق في أرجاء العصور، وثنايا التاريخ أمداً بعيداً. فما يفتأ البصر يترامى بين الرصافة والكرخ، يبتغي أن يقع على موكب من مواكب الخلفاء، أو مجلس من مجالس العلماء، أو حفل للأدباء والشعراء. ففي كل نظرة ذكرى خليفة، وفي كل فكرة حديث فيلسوف أو عالم أو شاعر ثم يقع الفكر وقوع الطائر بعد طول التدويم، فيستريح من بغداد الحاضرة إلى أمة قد أخذت للمجد أهبتها، وأعدت للعظائم عدتها، وعرفت بين الأمم غايتها، وشقت بين الخطوب سبيلها. فسارت في مواقع من الهمة القعساء، والعزة الشماء. تحدوها عزة إسلامية، وأنفة عربية. قد آلت لتسيرن سيرتها حتى تبلغ غايتها. وسير الله يمينها، ويعنو الزمان لأمرها. وما جهد هذا الدهر إلا هزيمة … إذا نازلت عزم الكرام كتائبه ذلكم ماضٍ مجيد يمد حاضراً مجيداً، ذلكم تاريخ يتدفق من قمم المجد الشاهقة في مجرى العزمات الماضية، إلى المستقبل الوضاء. ومن ذا يصد السيل إذا هدر، أو من ذا يرد على الله القدر؟ بل من يسلسل البحر بأمواجه، ويرد الحر الأبي عن منهاجه؟ سلام يا دار

стр. 6279

السلام! رعاك الله في كل خطوة، وخار لك في كل عزمة. دار السلام لا عداك المجد … وارفة ظلاله تمتد ولا حدا نجمك إلا السعد … موصولة الآجال بالآجال لابسةمجددالقرون أن حديث بغداد لا ينفد، وحبها في القلوب لا يحد. وإنك أيها القلم لأعجز من أن تخط الزمان الماجد، والتاريخ الخالد، والخطوب والعبر، والقضاء والقدر، في هذه الأسطر. فحدث عن الرحلة إلى طوس؛ وحسبك أن تحمل (الرسالة) هذه الرسالة لبثنا ببغداد من صبح الأربعاء إلى عشية السبت، في حفارة إخوان كرام، وسرور بدار السلام. ويوم السبت ركبنا نحن والوفود التي قدمت إلى بغداد في طريقها إلى طهران، قطار الليل نؤمّ خانقين. والمسافة بين خانقين وبغداد زهاء مائة ميل، ولكن قطار خانقين المتمهل يقطعها في عشر ساعات، فيمكن المسافر أن ينام ملء جفونه حتى يصبح. برحنا بغداد والساعة ست مساء، وودعنا على المحطة القائم بأعمال المفوضية المصرية حافظ بك عامر، ووزير إيران في بغداد. وسافر معنا الأديب الفاضل أحمد حامد الصراف مندوب العراق إلى مؤتمر الفردوسي. وكان المندوب الثاني الشاعر الكبير الزهاوي، قد سبقنا إلى خانقين في سيارة. وصحبنا في القطار إلى منتصف الطريق الأخ الهمام إبراهيم الواعظ المحامي، وكان ذاهبا إلى كركوك، فما زلنا في إكرامه واحتفائه حتى افترقنا؛ أهدي إلى وإلى الأستاذ العبادي ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي النجفي، فكان خير زاد للمسافر. ولما وقف بنا القطار على محطة باب الشيخ ببغداد اشترى لنا قلة بغدادية روينا بها في سفرنا. وقلل بغداد نقية الطينة، سريعة التبريد، تمنيت أن أحمل بعضها إلى مصر فلم يتيسر لي، وهي أمنية أعجزت الأستاذ الزيات من قبل بلغنا خانقين والساعة أربع من الصباح، فبقينا في القطار حتى أسفر النهار، فنزلنا وحملنا أمتعتنا إلى حجرة من حجرات المحطة، استبد بها الأستاذ الصراف فشاركناه فيها. ولبثنا ننتظر قدوم مندوبي الحكومة الإيرانية حتى جاء القنصل الإيراني، وآقاي روشن المهماندار، الذي كان طليعة ركبنا في رحلتنا كلها. وعلمنا حينئذ أن موعد السفر غد، أول أكتوبر فتفرقنا. ذهب جماعة إلى دار القنصل، وآخرون إلى المنازل أخرى. ودعنا صديقنا

стр. 6280

الصراف إلى دار صديقه عبد القادر صالح، معاون جمرك خانقين، وكلمه بالتلفون، فأرسل سيارته، فذهبنا إلى الدار فإذا فتى نبيل من فتيان العراق، وكم في العراق من فتى نبيل! فلبثنا في ضيافته إلى صبيحة يوم الثاني، وسعدنا بصحبة موظفي خانقين الكرام، واحمدنا هذا التأخر الذي أتاح لنا هذه السعادة وخانقين مدينة صغيرة على حدود العراق، وعلى طريق خراسان، يمر بها نهر حلوان (حلوان جاي) ويسمى نهر ألوند، وهو فرع من نهر ديالى أحد روافد دجلة. وعند المدينة قنطرة كبيرة من أثار الساسانيين. وقد وصفها ياقوت في المعجم. وكانت المدينة في العصور الإسلامية الأولى معروفة بالتمر والغلة، ولا تزال كثيرة التمر. وقد مدح أبن المعتز نبيذها. وقال عتبة بن الوعل التغلبي: ويوم ببا جسري كيوم مقيلة إذا … ما اشتهى الغازي الشراب وهجرا ويوم بأعلى خانقين شربته … وحلوان حلوان الجبال وتسترا وفي خانقين حبس كسرى برويز النعمان بن المنذر حتى مات. ويوم الاثنين أجتمع المندوبين عند محطة خانقين، وجاء آخرون من بغداد منهم أستاذي سيردنسن روس، والشاعر الإنكليزي درنكووتر، وعبد الكريم أفندي الحسيني، والدكتور نظام الدين مندوبا حيدر أياد. وتقسمنا السيارات فركبت أنا والأستاذ العبادي والأديب الصراف معاً، وكانت صحبة الصراف فألا سعيداً في هذه السفرة، فقد نعمنا بحديثه وإنشاده من الشعر العربي والفارسي وتغنيه بالأغاني المصرية. كنا كما تمادى بنا السير وماطلنا المدى، قلنا هات يا صراف، فانطلق ينشد من محفوظه الذي لا ينفد، فيدوي صوته على الجبال الشاهقة، وفي السهول الفسيحة، فننشط له نشاط الإبل للحداء. وسنذكر بعد طرفا من حديث الصراف. سرنا إلى الحدود في طريق معبدة مقيرة، فوقفنا قليلاً؛ وجاء إلينا رسول إيراني فرحب بنا وأعطانا دليلاً مكتوباً بالفارسية والفرنسية، فيه طرف من أخبار البلاد التي نمر بها بين خانقين وطوس. وهناك تركت الرفيقين الكريمين، وركبت مع صديقي عبد الكريم الحسيني مندوب حيدر أياد، إذ كان في سيارة وحده فأردنا أن نؤنسه في السفر بلغنا قصر شيرين بعد نصف ساعة، فتوقفنا لشرب الشاي على الطريق. وقصر شيرين مدينة صغيرة على طريق خراسان، وعلى نهر حلوان، سميت باسم القصر الذي بناه

стр. 6281

كسرى برويز (٥٩٠ - ٦٢٨م) لامرأته شيرين ولا تزال أطلال قصور كسرى قائمة إلى الشمال والشرق من المدينة. وقد وصفها ياقوت فقال: (وفيه أبنية عظيمة شاهقة يكل الطرف عن تحديدها، ويضيق الفكر عن الإحاطة بها؛ وهي أيونات كثيرة متصلة، وخلوات وخزائن، وقصور وعقود، ومنتزهات ومستشرفات، وأروقة وميادين، ومصايد وحجرات، تدل على طول وقوة). ولا تزال ذكرى كسرى وشيرين وعاشقها فرهاد الزائر، والمغني بلهبذ تطيف بها الخرابات، وأساطيرهم تسمع في هذه الأرجاء وحلوان المدينة القديمة المذكورة في الأخبار والأشعار قريبة من قصر شيرين. وكانت مدينة كبيرة عامرة ثم خربت منذ القرن الثامن، فلم يبقى منها إلا أطلال دراسة، ونخلتا حلوان وقصصهما وما قيل فيهما من الأشعار من الأحاديث الذائعة. يتبع عبد الوهاب عزام

стр. 6282

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ١ - تطور الحركة الفلسفة في ألمانيا للأستاذ خليل هنداوي فصول لم نرد بها التحدث عن الفلسفة للفلسفة، ولكنا أردنا بها أن تبدي تأثير الفلسفة في تطوير الأدب الألماني، وما كان لأصحاب الفلسفة من فضل عميم على هذا التطور الذي أصاب جميع حقوله الأدبية. الكاتب تمهيد الفلسفة الألمانية قبل (كانت) كانت تستمد ألمانيا مادة فلسفتها وأدبها من فرنسا طيلة القرن السابع عشر، والفلسفة الديكارتية هي الفلسفة التي كانت تتطارحها الجامعات الألمانية، (وليبنيز) (١٦٤٦ - ١٧١٦) هو أول فيلسوف استطاع أن يبث الحياة في عروق الفلسفة الألمانية ويذهب بها في مضمار التقدم شوطاً بعيداً، كتب الفلسفة باللغة اللاتينية طوراً، وطوراً بالفرنسية، وهما اللغتان السائدتان يومئذ، ولعل شيوعهما واستئثارهما بالكتابات الفلسفية كان يقرب كثيراً بين المفكرين والأدباء حتى يغدو هذا التقريب أحد الأسباب العاملة على تشييد صرح اللغة وتزينه وتجميله بما يستطيع فكر ناهض أن يضعه؛ ولكن علة (ليبنيز) أنه كان يتناول المسائل الفلسفية كمادة فنية تلهو بها نفسه، وهو خلال ذلك قد يعالج المسائل الكبرى، كمسألة الحياة والوجود، وقد يوفق في الإجابة عنها توفيقاً كبيراً، ولكنه كان واحداً من كثيرين ممن يعالجون الفلسفة، ولا يعملون على لم أفكارهم حتى تكون مذهباً خاصاً يضم منها الآراء الناضجة وفكرتهم الخاصة في الحياة؛ وجل ما وصل إليه في فلسفته أن عالج الجبر والاختبار، ومعرفة الله وعلمه بالمستقبل، والعناية الإلهية ووجود الشر، وألف مذهبه في الذي يرضى عن الوجود ويحبب الوجود إلى الإنسان، هذا المذهب الذي سخر منه (فولتير) في مقطوعته زلزال (ليزبونة) وفي روايته (كانديد)، وخير كتب ليبنيز الخالدة كتابه وفي هذا الكتاب يعلن انفصاله عن المذاهب المتقدمة ومروقه من مذهب ديكارت

стр. 6283

الذي جعل من الكون جزأين: أحدهما عالم الأرواح والآخر عالم الأجساد، فجاء ليبنيز ونقض هذا المذهب، وأحل محله مذهب (الجزء الفرد الذي لا يتجزأ ولا يفنى، وشأنه في مذهبه هذا كشأنه في غيره يفتقر إلى ترتيب وتوفيق وتوحيد وهذا العمل الذي كانت تفتقر إليه آثار (ليبنيز) إنما أتمَّه وشذَّبه من بعده الفيلسوف الصارم (وولف) الذي نزع عن فلسفة ليبنيز الخيال والشعر وشد وثاقها بالحقيقة، ونفي عنها شيئاً وزاد عليها شيئاً حتى غدت أجزاؤها متآلفة متداخلة كأنها أعضاء في جسد واحد. وقد كان له تأثيره العظيم في الأدب الألماني والفلسفة الألمانية بشهادة الفيلسوف (كانت)، لأنه هو الذي خلق في الألمانية لغةً للفلسفة خاصة، وهو الذي فتح آفاقاً واسعة في التعبير والأداء لمن بعده، فهان على هؤلاء أن يجلوا وأن يحلقوا ما استطاعوا؛ ومن هؤلاء (كانت) نفسه، الذي كانت له صفحات خاصة تشدو بالمزايا التي أسداها (وولف) إلى الأدب وإلى الفلسفة على أن الأندية الفلسفية قد تغض بصرها عن كل ما شاد هؤلاء في صرح الفلسفة، وتعتقد أن الفلسفة الألمانية إنما كانت قبل (كانت) غيهباً ممدوداً، وأن الذي محا هذا الغيهب وبعث النور في خلاله هو الفيلسوف العظيم (كانت) الذي تزعزعت له الأندية الفلسفية والأدبية، وكانت له فيهما جولات يعزى إليها كل ما غمر الحقل الأدبي والفلسفي - في ألمانيا - من خصب ومن إنتاج. كانت ١٧٢٤ - ١٨٠٤ حياته: فلسفته: تأثيره حياته كان (كانت) في التاسعة من عمره حين فقد والده، فكفلته أمه ونشأته تنشئة عالية، فدرس في بدء عهد اللاهوت، كما هو العهد في دراسات تلك العصور، ثم درس الرياضيات، ثم الفلسفة، حتى إذا أتم عهد الدراسة عرض له هم المعيشة، الهم الذي كان يوقر ظهره في جميع أدوار حياته، فرضى بأن يدرس في مواطن خاصة، وهو خلال ذلك يتفرغ إلى الدرس، ويلم بجميع العلوم التي توائم الفلسفة. وفي عام (١٧٧٠) أُسند إليه كرسي خاص لتدريس الفلسفة، وقد عاد أمره إلى الضيق، وحريته إلى الإرهاق في عهد فردريك غليوم، إذ تدافعت عليه الوشايات يخلقها حسد القوم؛ ولكنه ظل مثابراً على العمل حتى عام

стр. 6284

(١٧٩٧). وقد كان لعهده هذا التأثير بليغ في نفوس طلابه الذين جالت براعاتهم من بعده في صحف الأدب والفلسفة، وهو الذي يوصي زملاءه في إحدى محاضراته: (بأن يحذروا كل الحذر من أن يلقوا في نفوس طلابهم أن العلم بالغ أوج الكمال، أو أن يعلموهم ما هي ماهية الفلسفة، وإنما ينبغي لهم أن يلقونهم كيف يتفلسفون، وأن يساعدوهم - لا أن يحملونهم على ظهورهم - إذا أرادوا أن يعلموهم الدروج على الأقدام). والحق يقال أن (كانت) لم يخلق إلا ليعيش فيلسوفاً، ولم يلاق منه مذهبه إلا قريناً يحيا به ومعه، ناهيك ببعض مآثر رواها عنه القوم، تدل على ما أتصف به كانت من حب العمل والنظام والتوقيت ومواصلة الجهود الجبارة في سبيل دراساته المتتالية، فقد كان الرجل موفقاً كل التوفيق بين مذهبه وسلوكه؛ قد سن لكل شيء نظاماً، وأتبع هذا النظام كأنه الرسول يأمر وهو أول من يأتمر وكان آخر كلمة له هذه الكلمة حين لقي حتفه عام ١٨٠٤: (أنه حسن!) كأنما يريد أن يقول (لقد عشت كما كنت أود أن أعيش) فلسفته بدأت فلسفة (كانت) تنمو شيئاً فشيئاً شأن كل فلسفة، وإنما تميزت من غيرها بطابع الاستقلال الذي انتحى بها ناحية جديدة، فقد تأثر كانت بمن تقدمه من الفلاسفة وأتخذ غذاءه العقلي منه، وما كاد ينشأ ويترعرع ويشتد ساعده حتى أعلن انفصاله عنه ونهج منهجاً جديداً أختطه لنفسه. وفي كتابه (آراء في التقويم الحقيقي للقوات الحية) حيث أراد أن يوفق في الفلسفة الطبيعية بين لبينيز وديكارت يقول: (قد أتمثل أن هنالك لحظات لا يقنع الإنسان فيها أن يعتمد على قوته، أن هذا الاعتماد ليولد فينا جهوداً متواصلة ويمنحها سبيلاً يفيدها في سعيها نحو الحقيقة، وجميل بنا أن ننخدع ألف مرة، لأن الضال المنخدع ليعمل على خدعة العلم أكثر ممن لا يسلك ألا السبيل المطروقة. . . أنني هنالك سأطأ. . . ولقد سلكت السبيل التي أردت أن أتبعها. . . سأسلكها ولم يقف سيري أحد) أن هذه الثقة المطلقة بالنفس بدأ يظهر فضل إنتاجها في فلسفة (كانت) لأنها فرضت عليه أن يخط سبيلاً جديدة، ويطلع على الناس بمدرسة للفلسفة جديدة، وهل كان العصاميون ألا أبناء اعتمادهم على نفسهم؟ وقد ظهر أول إنتاجه في كتابه (تاريخ الطبيعة العالمي، ومنهج

стр. 6285

السماء العام وتجربة على الأصل الميكانيكي للعالم حسب قوانين نيوتن)، فكتابه هذا هو تجربة ميكانيكية سماوية مؤسسة على علم الطبيعة. فالعالم نيوتن لم يسن إلا قانون الحركات السماوية. وعندما أتى على درس أصل هذه الحركات ناط الأصل بالإرادة الإلهية التي يعن لها كل شيء، ولكن (كانت) أدرك أن القانون الذي أفاد في تعين مذهب الوجود، ينبغي له أن يحلل مركباته، وأن القوات التي تحفظ الوجود ينبغي ألا تختلف عن القوات التي أبدعت الوجود. وأخيراً يفترض في بيان أصل الوجود أن مادة متشابهة مؤلفة من أجزاء متشابهة تقودها حركة دائرة، وهي تتشكل وتتنوع بحسب ما يحتوي باطنها من قوة وفاعلية، ثم يصف الخلاء (أو الفراغ)، وقد استحال جواً غائماً، وشموساً وسيارات وأقماراً، ولكنه في الحقيقة لم يزد شيئاً، إلا أنه سار بالمسألة التي وقف نيوتن عليها، وهذه المسألة المبهمة هي عديمة الحل في ذاتها، إذا ليست الحياة إلا العمل الدائم نقبله على وضعه؛ وفصول أخرى جاءت في الكتاب تغمرها أنفاس شعرية تبدي لنا (كانت) في عهد كان لا يفر من عاطفته، وقد تراه في بعض صفحاته يسوق إليك نظريات قد أستغلها (لابلاس) نفسه بعد خمسين عاماً. كانت العلوم الطبيعية هي شغل (كانت) في جميع أدوار حياته، وهذه العلوم هي التي فتحت لنفسه أفقاً جديداً تركها لا يقنعها مدى الأفق الضيق الذي تخلقه المدرسة، حتى إذا مرت عليه أعوام عاد إليه حنينه إلى الفلسفة المقصودة بذاتها، فحارب المذاهب الهندسية التي تعنى بالبراهين المنطقية ولا تعنى بالبراهين العملية، وقد وضع كتاباً خاصاً ناضل به أصحاب العلم النظري يستشهد (كانت) بكلمة لأرسطو (ترانا حين نكون شيوخاً نعيش سواء في هذا العالم نفسه، ولكننا عندما نسترسل في الأحلام والأوهام كل منا له عالمه. . . ثم يقول: (وحين يبني الناس دعائم الوجود كل بحسب رغبته، فليأذنوا لنا بأن نقول: أن هؤلاء الناس يحلمون! ولكن هل يدفعنا هذا إلى القول: أن كل علم نظري فاسد؟ لا. لأن العلم النظري قد يسد حاجة من حاجات عقلنا، ولكنه لم يكن ناجحاً مفيداً إلا إذا كان موثقاً بحبال معرفتنا. ويقول كانت: أن العلم النظري له عملان: يجيبنا في الأول على أسئلة كثيرة يخلقها العقل الطامح إلى كشف أسرار الوجود، وهاهنا يكثر انخداعنا بنتائج تأتينا على غير ما نتوقع؛ وفي العمل الثاني يبين لنا ماهية المسألة التي نعالجها وموضوعها من حدود إدراكاتنا، وإمكان

стр. 6286

اتصالها أو استحالته بتجاربنا ومعارفنا. وعلى هذا نرى العلم النظري إنما هو معرفة لحدود العقل البشري، وهو كل البيت الصغير ترى حدوده دائماً كثيرة، وإنما ينبغي لهذا العلم أن يكون أكثر شغفاً بالمعرفة، وأشد صيانة لما يملكه، لأن ذلك أجدى عليه من إنتصارات جديدة يركض ورائها ركضاً أعمى لا يغنيه شيئاً هذا هو رأي كانت في العلم النظري، وهذا الرأي نفسه هو الذي خلق كتابه (نقد العقل الخالص) هذا الكتاب الذي أظهر مزية (كانت) وعلو كعبه في الفلسفة، وكان له التأثير العميق في فلسفة أوربا الحديثة. خليل هنداوي

стр. 6287

العلوم في تاريخ الرياضيات للأستاذ محمد محمد السيد للأستاذ قدري طوقان آثار مشكورة في الإبانة عن فضل العرب في الرياضيات والعلوم، ومقاله الأخير في الرسالة يكشف عن بعض آثر العرب في تلك الناحية. إلا أنه يلوح لي أن حرصه على إنصاف العرب يكاد يدفع به إلى إسناد الفضل لغير أهله، خذ مثلاً حساب التفاضل والتكامل. فالمعروف في تاريخ الرياضيات أن يودكسوس (حوالي ٤٠٠ق م) وأرشميدس (حوالي ٢٥٠ق م) وغيرهما كانوا سباقين في استعمال طرق تقرب من طرق التكامل في إيجاد المساحات والحجوم. فأرشميدس مثلاً أعطى مساحة أي قطعة من قطع مكافئ وأوجد مركز الثقل لصفائح ذات أشكال مختلفة. . الخ وفي كتابه نسب إلى ديمقراطيس (حوالي ٤٥٠ق م) بأنه أول رياضي قرر المعادلة الصحيحة لحجم الهرم أو المخروط بتقسيم كل إلى شرائح صغيرة فإذا كان بعض مؤلفي العرب قد نسجوا على منوال رياضي اليونان في حل مسائل عن المساحات والحجوم، فهم لا يستحقون لذلك فضل المبتكر. لو أن فضلهم في الدرس والمثابرة مشكور غير منكور على كل حال ومثل ذلك يقال عن دوران الأرض. فقد أبان الأستاذ بحق أن الفكرة قديمة. فقد تنازعها كثيرون من أعلام اليونان تأييداً وتفنيداً. فإذا ظهر من العرب من يأخذ بها أو من ينكرها، ففضله في ذلك لا يعدو فضل الحكم يختار من بين الآراء المختلفة أحدهما بدون أن يأتي بجديد من الحيثيات مؤيداً أو مفنداً جاء في تاريخ الرياضيات لبول أن أحد كتاب العرب في الأندلس ويدعى (؟) (عاش في طليطلة حوالي ١٠٨٠م) قال بحركة الكواكب في قطع ناقص. ولكن معاصريه أنكروا قوله لمخالفته لبطليموس. ومن المعلوم أن يوحنا كبلر هو الذي توطد على يديه هذا الرأي حوالي ١٦٠٠م، ولكنه لم يشهر رأيه ولم يقتنع به ولم يدافع عنه إلا بعد مشاهدات وأبحاث استغرقت أعواماً عديدة. ولا شك أن فضل كشف هذه الحقيقة يجب أن يستأثر به كبلر وحده دون غيره. في الرأي نفسه عار عما يعززه، لا يقدم ولا يؤخر في العلم. ولكن

стр. 6288

المشاهدات والأدلة هي التي يقوم عليها الاقتناع والإقناع ومن المشهور في كتب الرياضيات والعلوم أن جهد اليونان ثم العرب في العلوم الرياضية كان مقصوراً على الجانب النظري. ولم يكن للتجربة والمشاهدة أثر فعال في كسب المعلومات إلا بعد عصر الأحياء في أواسط أوربا. صحيح أن آثر العرب لا ينكر في الكيمياء والطب. ولكن تجاربهم في الفيزياء والرياضة التطبيقية نادرة. وحتى هذا النادر مختف في طيات الكتب القديمة ينتظر كولمبس جديداً لكشفه ولذلك قرأت بشغف ما كتبه الأستاذ خاصاً بالجاذبية، ومن أن العرب أخذوا فكرة الجذب عن اليونان (وزادوا عليها ووضعوا بعض القوانين بسقوط الأجسام)، فإذا كان العرب قد وضعوا حقاً بعض القوانين لسقوط الأجسام، فمعنى هذا أنهم سبقوا في ذلك غاليلو وتجربته الشهيرة التي أجراها من برج بيزا. والتي يقول علماء التاريخ بأهميتها في القضاء نهائياً على ما قال به اليونان من اختلاف سرعة سقوط الأجسام الثقيلة عن الخفيفة. فإذا كانت هناك تجارب في هذا الشأن أجراها علماء العرب فتفصيلها يضيف زيادة ذات بال إلى المعروف المشهور عن فضلهم على العلوم والمعارف. ولعل الأستاذ يدلي بما وصل إليه علمه في هذا الشأن ومثل ذلك يقال عما جاء في مقال الأستاذ عن (أبن حمزة المغربي) واستعماله في بحوثه عن المتواليات الهندسية طرقاً تقرب من اللوغارتمات فمن المفيد نشر فضل هذا الباحث وآثاره في هذه الناحية بالتفصيل خدمة التاريخ. في المقال النفيس الذي ظهر في العدد التالي من الرسالة فصل الأستاذ المبارك آثر العرب في الرياضيات، ولكن فضل العرب في الجبر يحتاج بعض الإبانة فقد ذكر الأستاذ أن العرب لم يستعملوا رموزاً حرفية في معادلاتهم الجبرية، وإنما استعملوا كلمات بأجمعها دون اختصار، ولعل الأستاذ قصد الخوارزمي دون غيره في هذه الفقرة. وإلا فمن المؤلفين العرب من استعمل الرموز كما تستعمل في الجبر اليوم. ففي مؤلف للقاصدي (توفي سنة ١٤٨٦م أو ١٤٧٧م). عنوانه (كشف الستار عن علم الغبار) كان يستعمل في المعادلات الجبرية الرمز (س) للمجهول (أول كلمة شيء) والرمز (م) (لربما كان أول كلمة مال) لمربعه، والرمز (ربما كان الكاف أي مثل) لعلامة التساوي. فمثلاً المعادلة

стр. 6289

٦٣ يقصد بها ٣س٢=١٢س + ٦٣ كذلك جاء في هذا المؤلف أيضاً استعمال الرمز (جـ) (أول كلمة جذر) علامة الجذر التربيعي فكان يكتب ويقصد بها الجذر التربيعي للعدد ٤٨ ولا شك أن هذا الاستعمال، إن صح، يعزز الأصل العربي للاصطلاح المذكور وهو ما ينكره الأستاذ المبارك أما حل العرب لمعادلات الدرجة الثانية جبرياً فلا فضل لهم فيه، فقد سبقهم فقد سبقهم ديوفانتس والهنود في ذلك. ولكن يرجح أنهم اقتبسوا حلهم من الهنود. إذ لم تكن أعمال ديوفانتس قد وصلت إلى علمهم بعد ولكن العرب أضافوا حلولاً هندسية لمعادلات الدرجة الثانية من ابتكارهم. كذلك فعلوا في معادلات الدرجة الثالثة إذ أعطى كل من المهني (؟) وأبي جعفر الخازن وأبي الجود وعمر الخيام حلولاً هندسية لمعادلات الدرجة الثالثة وقد حل عمر الخيام معادلات من الدرجة الثالثة من الصور الآتية س٣ + ب٢ س=ب٢ جـ ، س٣ + أس٢=جـ٣ ، س٣ + أس٢ + ب٢ س=ب٢ جـ حيث أ، ب، جـ أعداد صحيحة موجبة. وحل أيضاً المعادلة من الدرجة الرابعة الآتية (١٠٠ - س٢) (١٠ - س) ٢=٨١٠٠ وكذلك أعطى ثابت بن قرة حلاً هندسياً لبعض صور معادلات الدرجة الثالثة (وهو في هذا يسبق عمر الخيام) وقد يكون من المفيد أن ألفت نظر الأستاذ فيما يختص بإشارة الناقص التي تستعمل للطرح إلى أصل محتمل لها وهو (النقطة التي كان يستعملها الهنود ويضعونها فوق الكميات المطروحة. وقد تكون علامة ناقص من الشرطة التي كانت توضع فوق الكتابات القديمة دليل ضياع أحرف منها. . .). طنطا محمد محمد السيد مدرس

стр. 6290

البريد الأدبي الأدب البلغاري الأدب البلغاري من الآداب الأوربية الفتية التي نشأت وازدهرت بسرعة مدهشة؛ فالأدب البلغاري الحديث يرجع إلى نحو ثلث القرن فقط، أي إلى عهد الاستقلال القومي، ومع ذلك فقد سارت هذه النهضة الأدبية واستكملت عناصر النضج بسرعة. وقد نشر الكاتب البلغاري نيكولاي دونتشيف أخيراً كتاباً بالفرنسية عنوانه (المؤثرات الأجنبية في الأدب البلغاري) استعرض فيه مراحل الحركة الفكرية في بلغاريا وخواصها؛ وملخص بحثه أن هذه الحركة على فتوتها قد استطاعت أن تستكمل عناصر ثقافة تامة؛ ومن الطبيعي أن تتجه قبل كل شيء نحو المثل والأماني السلافية، على أنها لم تهمل الاقتباس من مختلف الآداب الأوربية التي تستطيع الانتفاع بها؛ وقد ألفت الحركة لسانها وروحها في الوطن البلغاري، ولم تتدخلالمؤثرات الأجنبية إلا لتصوغ أو توجه هذه المادة القوية الأصيلة، ولكنها لك تحولها قط عن طرافتها وتقدمها الطبيعي وقد استطاعت الحركة الفكرية البلغارية في مبادلاتها مع آداب الأمم الأخرى أن تنفذ إلى جميع نواحي الشعر والنثر والخواص النفسية، وجميع مظاهر التفكير البشري؛ ويشرح دونتشيف في كتابه مختلف التيارات التي اندمجت في المجرى القوي الذي أوحى به الاستقلال القومي، ويبين كيف أن هذا الأدب الفتي الذي أستعاد كل ثروته اللغوية، قد تحول إلى مادة غنية تضم كل ما وهبته الأمم المجاورة أو كل ما بثته فيها والأدب البلغاري لا يزال بلغارياً في روحه وجوهره، وذلك رغم تأثره بالآداب الروسية والفرنسية والألمانية، مما يدل على قوته وحيويته؛ فهو لم يخضع قط لهذه المؤثرات خضوع العبد المساق، وهو ليس مقلداً ولا ناقلاً فقط؛ وكل ما هنالك أنه كالتلميذ الذي يستقي من أستاذه، ليصوغ ما يأخذه في معدن عبقريته المستقيلة، وهو لا يقتبس إلا ما يفيد في تغذية قلبه وروحه، ويرفض كل ما هو سطحي أو مصطنع؛ وكل ما يخرجه يتميز بطابعه الخاص، بحيث لا يطغي عليه أي طابع آخر، وهذا الازدهار نتيجة طبيعية لحركة لا تدور حول نفسها عبثاً، ولكنها تفتح صدورها لكل الرياح التي تهب عليها من كل مكان يتفتح فيه الذهن البشري، فتزداد في ذلك نماء وخصباً

стр. 6291

ولم يبق الأدب البلغاري مجهولاً بعد في أوربا الوسطى والغربية. فقد ترجم الكثير من الآثار البلغارية، إلى الألمانية والإنكليزية؛ وظهرت قطع مسرحية بلغارية في أثوابها المترجمة على الكثير من المسارح الأوربية. في الأكاديمية الفرنسية خلت منذ حين أربعة كراسي في الأكاديمية الفرنسية على أثر وفاة المسيو بوانكاريه ومسيو بارتو، ومن قبلها مسيو كاميل جوليان المؤرخ، والماريشال ليوثي، وقد أنتخب أخيراً مكان كاميل جوليان المسيو ليون بيرار السياسي والخطيب الأشهر، وانتخب مكان الماريشال ليوثيزميله الماريشال فرانش دسبريه. وأما كرسي المسيو بارتو، فأنهم يرشحون له مسيو دومرج رئيس الجمهورية الأسبق ورئيس الوزارة السابق؛ وهنالك إجماع على انتخابه فيما لو قدم ترشيحه، غير أنه لم يعرف رأيه في ذلك الاقتراح بعد وستعقد الأكاديمية جلستها التالية في يوم ٢٠ ديسمبر الحالي؛ ويلقي مسيو بول فاليري خطاب الافتتاح وتوزع بعض الجوائز الأدبية. مؤلف جديد عن نابليون صدرت كتب عديدة جامعة بمختلف اللغات عن نابليون بونابرت وعن عصره؛ وصدر أخيراً مؤلف جديد بقلم المؤرخ الفرنسي الكبير (لوي مادلان) عنوانه (نابليون) ويدرس مسيو لوي مادلان نابليون من ناحية جديدة، هي ناحية (المنشئ على الطريقة الرومانية). وكان من أشهر الدراسات التي صدرت عن نابليون في العهد الأخير دراسة لأميل لودفيج الكاتب الألماني يدرس فيها نابليون من نواحيه الشخصية والإنسانية، ولكن دراسة لودفيج يغلب عليها الطابع المسرحي، وهو الذي يغلب على معظم كتابات لودفيج، أما بحث لوي مادلان، فيغلب عليه الطابع النفسي والعلمي. وهو يرى في نابليون (لاتينياً) وارثاً للإمبراطور شارلمان؛ ويراه إمبراطوراً من طراز روماني، نام منذ عصر ماركوس أورلويس، ثم نهض فرأى العالم حوله أنقاضاً وأطلالاً؛ ولكنه بدلاً من أن يتخذ رومة مركزاً لبنائه أتخذ باريس وجزيرة فرنسا في نظره نواة مركزية لاتحاد أوربي جامع، ولكنه لم يكن يرمي إلى طبع أوربا بالطابع الفرنسي، بل كان يرى في حريات الشعوب التي تتألف منها

стр. 6292

الإمبراطورية الشاسعة ما كان يراها الرومان ثم هل كان نابليون فرنسياً؟ لقد كان يشعر أنه فرنسي؛ ولم يكن في قوله: (إني أريد أن أثوي على ضفاف السين إلى جانب أولئك الفرنسيين الذين شد ما أحببتهم) ما يدل على شعوره بأنه أجنبي؛ وإنما كان شعوره أنه (روماني). وقد جاء هذا الروماني في أواخر القرن الثامن عشر، والعالم من حوله أطلال ممزقة، فأراد أن يوحي نوعاً من (العالم الروماني) الذي يعتقد أنه ما زال حياً يمكن إنقاذه. أكاديمية الأدب الفكاهي لعل من الشائق أن يعرف القراء أنه توجد في باريس جمعية أدبية تسمى (أكاديمية الأدب الفكاهي) وأن هذه الجمعية تتزعم حركة الكتابة الفكاهية، وتمنح الكتاب الفكهين جوائز أدبية، وتشجع بذلك على إنشاء الأدب الفكاهي ونهضته، وقد وضعت هذه الجمعية أخيراً مكافأة قدرها خمسمائة فرنك (سبعة جنيهات) لمن يضع أحسن قصة فكاهية لا تزيد على ثلاثمائة سطر، ولا تقل على ثلاثمائة سطر، ولا تقل عن مائتين وخمسين، (وستعنى الجمعية بنشرها في صفيحة باريسية كبرى)، وتشمل هذه الجمعية أيضاً برعايتها أصحاب الفن الفكاهي مصوري الصور الهزلية (الكاريكاتير)، ومن إليهم الفنانين. الشفاليير ديون ظهر أخيراً كتاب الكاتب الفرنسي جان جاك بروسون عنوانه (الشفاليير ديون) , ويتناول هذا الكتاب موضوعاً مدهشاً لا زال لغزاً من ألغاز التاريخ والمجتمع، هو شخصية لم يتفق المؤرخون على جنسها؛ هل كان الشفالييه ديون رجلاً أم امرأة؟ ويجب أن تعرف أن هذا الشخص المشكل قد عاش في عصر لويس الخامس عشر، وكان يتبوأ مركزاً هاماً في البلاط وفي سياسة الدولة وقد عرف الشفالييه ديون أولا بأنه رجل، وتولى بهذه الصفة بعض المناصب، ولكنه كان فتى ناعماً خلاباً يضارع في الحسن ورقة المحيا والتقاطيع أجمل فتاة، وكان إذا مثل في الحفلات الراقصة يرتدي دائماً ثياباً نسوية فيبدو كأنه امرأة فاتنة؛ وكان في أحيان كثيرة يرتدي هذه الثياب ويؤثر الظهور بها؛ وكان يتسلل بهذا الزي إلى أعمق المجتمعات

стр. 6293

الرفيعة، وإلى غرف الأميرات والملكات؛ ولما وقف لويس الخامس عشر على مسلكه قضى بأن يعتبر امرأة، وأن يرتدي الثياب النسوية دائماً؛ ثم خشي لويس الخامس عشر من دسائسه فأمر بسجنه في قلعة؛ ولما أطلق سراحه فر إلى إنكلترا، وأحترف تدريس المبارزة، وظهر في المجتمع اللندني بأنه أستاذ بارع في الفن؛ ولما توفي فحصه بعض الأطباء، فيقال أنهم وجدوه رجلاً كامل الأعضاء والرجولة ولكن شخصية الشفالييه ما زالت غامضة. هذه هي القصة التي يعالجها المسيو بروسون في مؤلفه الشائق، ويفضل مسيو بروسون أن يعتبر الشفالييه امرأة ذات خواص غير عادية، وأن صفة الأنوثة هي الأصيلة فيه. ويورد في كتابه كثيراً من السير العجيبة عن هذه الحياة المدهشة التي لبثت تثير دهشة المجتمع الفرنسي مدى حين. الإذاعة اللاسلكية العربية إن محطات الإذاعة التي تذيع باللغة العربية اليوم هي: المحطة المصرية وموجتها وقوتها ومواعيدها معروفة ومحطة الجزائر وموجتها ٣١٨ , ٨ متر وقوتها ١٢ , ٥ ك ووتذيع باللغة العربية يومي الاثنين والأربعاء من الساعة ٢٠ إلى الساعة ٢٠ , ٤٥ ويوم الثلاثاء من الساعة ٢٤ إلى الساعة ٤ , ٤٥، ويوم الخميس من الساعة ٢٣. ٥ بحساب الزمن في مصر ومحطة الرباط بالمغرب وموجتها ٤٩٩. ١ وقوتها ٦. ٥ ك ووتذيع بالعربية ساعة في كل يوم من الأيام الأحد والثلاثاء والخميس والجمعة من الساعة ٢١ ومحطة باري بإيطاليا وموجتها ٢٨٣. ٣ م وقوتها ٢٠ ك ووتذيع بالعربية ربع ساعة في كل يوم من أيام السبت والثلاثاء والخميس من الساعة ٢٠. ٣٠ ولا تذيع إلا الأخبار فقط وتلاحظ مجلة العالم الأدبي التونسية التي ننقل عنها هذا البيان أن محطة الإذاعة المصرية إنما قصرت عن مجاراة المحطات العالمية الأخرى لعاملين اثنين أولهما ضعف قوتها، فقد جعلوها ٢٠ ك ووالعالم العربي منتشر من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والأمة ذات اللسان المنتشر لن تكتفي بأقل من (٦٠ ك و)؛ وثانيهما أن موجتها ذات مقياس مشترك لعاصمة البلجيك، وذلك ولا شك يؤثر في قوتها ويزيد من اضطرابها وهما ملاحظتان جديرتان بالنظر.

стр. 6294

القصص من الفن القصصي الحديث حقيبة القدر للقصصي الألماني: لدفج باور كان جورج شاباً هادئ الطبع فاضل الخلق، لم يكد يخرج من أزمة بسيطة انتابته حتى استقل القطار قاصداً بلدة صغيرة يشغل فيها وظيفة متواضعة وكان كل شئ يبدو لجورج عادياً لا خطر له، وقد مرت سنو عمره دون أن تتخللها مغامرة، أو يمتريها حادث خطير يهز حياته التي كانت أشبه بحياة أبناء الطبقة الوسطى، وعندما بلغ القطار عند منتصف الليل المكان الذي يقصده جورج أخذ حقيبته من الغرفة المكتظة التي كان يجلس فيها مولياً وجهه شطر حياته الجديدة. وصل جورج إلى الفندق الصغير الذي عزم على الإقامة فيه، وعندما ذهب إلى سريره لينام نظر إلى الحقيبة، ولكنها لم تكن هي بذاتها على أن جورج خشي أن يكون مخطئاً في تقديره، فحاول أن يفتحها بالمفتاح الذي لديه ولكن عبثاً حاول. على أنه عندما ضاعف جهده انفتحت فجأة. وكانت أول نظرة ألقاها كافية أن تثبت أنه لم يكن مخطئاً. نعم كانت الحقيبة لشخص آخر أما حقيبته الأصلية وما فيها من سقط المتاع وهو كل ما يملكه فقط كانت في ذلك الوقت تجوب الآفاق المجهولة حيث لا صاحب لها. ووجد جورج نفسه - وهو الذي لم يصادف في حياته يحتاج لحلها - عاجزاً منذ اللحظة الأولى على أن يجمع في ذهنه فكرتين أثناء ذهوله ودهشه. ما العمل الآن؟ كيف يستطيع الحصول على البذلة التي يرتديها أيام الآحاد وعلى زوج حذائه الثاني وسائر ملابسه؟ كان جورج يأمل أن يجد في محتويات الحقيبة بعض المعلومات عن مالكها الحقيقي الذي قد يكون هو الآخر مستاءً من استبدال حقيبته بأخرى، لذا شرع جورج يبحث أثناء تفتيشه في الملابس المتسخة عما يدله على الشخص الذي أخذ حقيبته وشعر تحت يديه برزمة من الأوراق، فلما جذبها وجدها سلسلة من الخطابات والرسائل البرقية، وأفلتت هذه الرزمة من يد جورج فانتشرت على أرض الغرفة

стр. 6295

رزمة من الأوراق المالية من كل نوع لم يعرف جورج من هذه الأوراق الغريبة المتعددة الألوان إلا عددا ضئيلاً. وجمع جورج الأوراق المالية واستمر في البحث، فاكتشف في قاع الحقيبة المفروشة بالورق ما يشبه وسادة منتفخة من الأوراق المالية المختلفة. ونظر جورج حواليه وقد انتابه العجب منتظراً شخصاً يأتي إليه من ذلك الحلم اللذيذ المخيف في وقت واحد. على أنه لم يأت أحد وبقيت الأوراق في موضعها دون أن تختفي، كما لو كان الأمر حلماً من الأحلام. لم يكن جورج قد رأى من قبل مثل هذا القدر من المال. أخذ يعده وكان حبه للنظام يجعله يضع كل نوع من الأوراق على حده، دون أن يعرف بالضبط قيمة كل منها، على أنه بعد بعض دقائق أن ما أمامه مقدراً بالعملة الذهبية، يتراوح بين مليون ونصف ومليونين. وكان يستطيع حينئذ أن يقول لنفسه إن محتويات حقيبته قد دفع لها ثمن أكثر من الثمن الذي تساويه. على أن هذه الفكرة لم تخطر بباله. وكل ما كان يضايقه فكرة الاتصال بصاحب هذه الكنوز، واستبدال كل من الحقيبتين بالأخرى. فقال لنفسه: - لعل من الخطابات ما يدل على اسم صاحب الحقيبة وعنوانه. كان جورج شاباً ذا خلق قويم، لذا كانت فكرة البحث في الخطابات التي تكتب إليه تضايقه وتؤلمه. على أنه في هذا الظرف كانت الضرورة ومصلحة كل من الطرفين تحتمان عليه أن يفعل ذلك. لذا شرع يقرأ. قرأ جورج الخطابات فعرف من القراءة أشياء كثيرة لم يعرفها طوال الثلاثة والعشرين عاماً التي قضاها في هذا العالم: أشياء لم تكن تخطر له ببال. لم يستطع جورج أن يفهم جيداً هذه الخطابات فقد شرع منذ ابتدأ في خطاباته بالتلميحات والكلمات السرية والمصطلحات. على أنه استطاع أن يدرك أن هذه الأوراق المالية هي ملك أحد لصوص الفنادق ذو النفوذ الواسع، وكان تصل إليه من شركائه ومن صديقة عزيزة كل أنواع المعلومات والإرشادات. ولمعت أمام عيني جورج أسماء كثير من الأماكن والبلدان الأجنبية التي تمتاز بغناها ورفاهيتها، وفي بلدة (كان) على الخصوص استطاع ذلك اللص الخطير أن يلعب دوراً رائعاً مع السائحين الأمريكيين. وفهم جورج من آخر خطاب أرسلته صديقة ذلك اللص إليه أنه يريد أن يضع حداً لمقامراته ويلجأ إلى الراحة والعزلة. فقد كان الاثنان

стр. 6296

يملكان ثروة كافية وكانا يستطيعان أن يعيشا من الآن حتى آخر العمر عيشة مدنية مريحة، فقد كانت الحلي قد بيعت بثمن ضخم، ولم يبق إلا قفل من الزمرد كان يمكن أن يباع بخمسين ألف فرنك لولا أنه كان من المحتم أن تنتهي عملية البيع خفية وبأسرع ما يمكن. ولذلك بيع بثمن غير مناسب. وعرف جورج أثناء قراءته أن كل شئ قد أعد وأن السعادة الأكيدة كانت تنتظر الصديقين بعد محن عديدة وأخطار لا عدد لها أمكن التغلب عليها بمهارة وشجاعة. ووضع جورج رأسه في الماء البارد. كان من اللازم أن يتخذ قراراً. فقد كان واثقاً على الأقل أن صاحب الحقيبة سوف لا يأتي إليه ليستبدل حقيبته بالأخرى لأنه لا يحب أن يقبض عليه، كان أكثر الأمور احتمالاً إذن أن يلوذ اللص هارباً ببذلة جورج وحذائه وملابسه التي منها عدد من القمصان الجديدة كان يحبها جورج ويفتخر بها. وأن يقع العبء كله على كتفي جورج وحده. فهذه الحقيبة التي لديه تجعله هو الذي اخترق الجدران والأسطح، وهو الذي تسلح بالليل البهيم والمسدس في قبضته ليدخل الفنادق الفاخرة فيحطم صناديق الجواهر الموضوعة إلى جانب أصدقاءها السابحين في نومهم. على أن هذا اللص كان أيضاً بالنسبة لجورج المحسن المجهول، فقد ترك له ثمرة حياته الإجرامية المفعمة بالمغامرات، فبعد أن أراد ختام هذه الحياة والفراغ من هذه المهمة وبعد أن وثق من الغد ورقد في القطار يستريح مجهوداً مكدوداً، أخذ جورج حقيبته دون أن يدري ولا بد أن ذلك اللص الخطير قد ثار في تلك اللحظة غاضباً يسخط حيناً ويقسم حيناً آخر لا يعرف إلى من يشكو لاعناً ذلك السائح الخطير الذي خدعه وانتزع منه قائمة أعماله كلها. تلك القائمة التي ضحى من أجلها كثيراً ولاقى في سبيلها الأهوال على أن هذا السارق القدير ليس في الواقع إلا شاباً من أسرة متوسطة فاضل الخلق طاهر الذيل، لم يكد يقع في هذه المشكلة الخطيرة حتى أحس في عقله البسيط رعباً فضيعاً وعذاباً مضنياً. واتخذ جورج قراراً سريعاً وقام لفوره وأغلق الحقيبة وتقدم نحو باب الغرفة متجهاً إلى مركز البوليس ليعرض مسألته: وقد أحس وهو يفعل ذلك بالهم والحسرة، ولكنه كان يعزي نفسه في المكافأة التي يمكن أن يحصل عليها بسبب تبليغه ومساعدته في القبض على ذلك اللص الخطير. وأخذ يحسب ما سوف يناله من المال لو كانت هذه المكافأة خمسة أو ستة

стр. 6297

في المائة. وجد جورج نفسه أمام دائرة البوليس، ونظر إلى الجرس متأملاً مفكراً، ولم يكد يضع إصبعه على الزر حتى تبدد حلمه في الغنى والجاه. على أنه بالرغم من ذلك سوف يدخن - عندما يقبض المكافأة - نوعاً من السجائر أغلى ثمناً من النوع الذي يدخنه، وتذكر - وهو يدق الجرس - والديه الكريمين المتوفيين، وتذكر معهما تلك الدروس القيمة التي كان يتلقاها منهما؛ وتذكر أيضاً تلك العبارة (أن المال المكتسب عن طريق غير شريف لا يأتي بفائدة). وكان يقول لنفسه أيضاً: أن البوليس سوف يعثر عليه يوماً من الأيام. لقد دفعه كل ذلك إلى أن يدق الجرس بغير قوة ولا عزم، ولكنه دق الجرس والسلام. وأنتظر. . . ولكن لم يجبه أحد. ودق للمرة الثانية وأستمر واضعاً إصبعه على الزر انبعث صوت شخص نائم يسأله ماذا يريد، طالباً منه أن يعود في اليوم التالي، لأن دائرة البوليس لا تفتح أثناء الليل. وسمع في ذلك الوقت صوتاً صارخاً هو صوت نافذة تقفل بعنف. عندما رجع جورج إلى الفندق بدا له فجأةً أن مشيئة علوية هي التي أرادت ألا تسلم الحقيقة إلى دائرة البوليس. فقد فعل كل ما يستطيع حتى أنه عرض نفسه للخطر ولكن الله لم يشأ، لذا ترك جورج كل فكرة في الذهاب إلى دائرة البوليس وأعتقد أنه يجب أن يكون أكثر شجاعة وجرأة. ومرة واحدة وجد نفسه عازماً على الاحتفاظ بالمال. ولم لا؟ ليس هو الذي سرقه، كما أنه ليس من الأجرام أن يأخذ الإنسان من لص خطير مالاً حصل عليه بطريقة غير شرعية. وأحس جورج دفعة واحدة بإحساس جديد وأكتشف في قلبه راحة خفية كانت ولا شك نتيجة شعوره بأنه غني. وفكر جورج في كل تفاصيل حياته المستقبلة. سوف لا يرجع مطلقاً إلى منزله. كذلك من البديهي أن لا يبقى في تلك البلدة الصغيرة، فسينتاب أهلها العجب والرعب حين يرون التغيرات الكبيرة في عاداته ومعيشته على أن جورج لم يكن يعرف في الواقع ما سوف يفعله بكل تلك الثروة الهائلة، فهذا شيء جديد لم يتعلمه من قبل ولم يهيئ نفسه له. وهو الآن يريد أن يستعد لتلك الحياة الجديدة ويتخذ لها أهبتها بعد أن أختاره الحظ الزاهر يتمتع ذلك اللص الخطير الذي ولد ليكون طول حياته سيئ الحظ منكود الطالع. وعندما بلغ جورج المحطة ليستقل القطار فكر في ذلك المحسن المجهول تبدو عليه عاطفة

стр. 6298

الاعتراف بالجميل. بل كان يغمره سرور من يلتذ بإيلام الغير. وبعد أشهر كان جورج يسكن قصراً على ساحل الريفييرا، وكان يرتدي أفخر الملابس وأنقها، وقد أصبح الجاه عنده أمراً طبيعياً جداً على أنه في داخل نفسه كان يشعر بالضيق. وكان كلما فكر في أمره وجد نفسه ليس أكثر سعادة من ذي قبل وفي ذلك اليوم عندما أوشكت عينه أن تغمض سمع وقع أقدام وضجة في ردهة القصر. ما الذي يحدث؟ لبس جورج بيجامته الحريرية وخرج من الغرفة. لم يحدث شيء غير عادي، فقد قبض على أحد لصوص الفنادق في اللحظة التي كان يفتح فيها باب غرفة نوم جورج. ورأى جورج وجه الرجل الذي كان رجال البوليس السري والخدم يمسكونه بقسوة ويسوقونه أمامهم. وبدأ لجورج أنه رأى ذلك الوجه. ولكن أين؟ وسرعان ما تذكر وقد ملأه الوجل: أنه الشخص الذي كان يحتل المعقد المقابل له في القطار يوم وقع حادث الحقيبة الشهير وأبتسم جورج ابتسامة صفراء وألقى بنفسه ثانية على سريره، على نومه طول تلك الليلة كان قلقاً مضطرباً. علي كامل

стр. 6299

بعض الكتب الجديدة (الأدب العربي وتأريخه في العصر الجاهلي) للأستاذ محمد هاشم عطية (شهيرات التونسيات) للأستاذ حسن حسني عبد الوهاب (أيام بغداد) للأستاذ أمين سعيد ألف الكتاب الأول الأستاذ محمد فاضل عطية المدرس بدار العلوم، لينتفع به طلاب هذه المدرسة وطلاب كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية وقد جعله قسمين يقعان معاً في نحو أربعمائة صفحة كبيرة. ففي القسم الأول تكلم الأستاذ أولاً عن معنى كلمة الأدب ومنشأها، ثم حدد العصر الجاهلي وأنتقل إلى أقوال العلماء في الأدب الجاهلي، فأورد طرفاً منها في معرض التدليل على صلاحية هذا الأدب ليكون مرآة للحياة الجاهلية، ثم تكلم عن تاريخ الأدب والمراد منه وفائدته وعلاقته بالتاريخ العام، ودرس جزيرة العرب وأصل العرب وطبقاتهم، ونشأت اللغة عامة والعربية خاصة وخصائص اللغة العربية، ومعارف العرب في الجاهلية، والنثر الجاهلي والشعر الجاهلي وخواصهما؛ ثم درس المعلقات درساً مفصلاً. وأما القسم الثاني من الكتاب فقد جعله للتراجم بعد أن مهد له بفصل ممتع في النقد الأدبي وتاريخه وأصوله، وترجمة فيه لامرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى ولبيد وطرفة وعبيد أبن الأبرص وأوس بن حجر وأمية أبن أبي الصلت فالكتاب كما ترى من وصفه حسن الترتيب حافل بالمعلومات التي لابد منها لطالب الأدب، وهو في شكله المدرسي هذا كفيل بأن يفيد جمهور المثقفين من غير الطلاب؛ بيد أن هذا الشكل أو هذا الوضع المراعي فيه مناهج الدراسة قد حال بين الأستاذ على رغم ما يبدو من متانته وضلاعته وسعة إطلاعه، وبينما كان يتطلبه الكثير من الموضوعات من البسط والاستيعاب، ومن أمثلة تلك الموضوعات مسألة الانتحال والرواية والحياة الاجتماعية للعرب، فهما موضوعان أساسيان في مثل هذا الكتاب وكثيراً ما يحول التقيد بالبرنامج بين المؤلف وبين ما يريد، فيجعل بحثه خاصاً أكثر منه عاماً إلى إيراد المعلومات المتنوعة أقرب منه إلى التحليل والاستقصاء والاستدلال، ولا سيما في المسائل العامة التي يبني

стр. 6300

عليها فهم الأدب فهماً صحيحاً، وهذا واضح في القسم الأول من الكتاب، أما في القسم الثاني حيث سمح المنهاج للأستاذ بالتحليل والدرس الدقيق، فقد تجلت براعته وأصالته وحسن ذوقه. فإذا نحن نقدنا الكتاب في شكله الحالي ككتاب مدرسي لا يسعنا إلا أن نضعه في عداد الكتب المدرسية الممتازة، كما لا يفوتنا أن نرجو الأستاذ الفاضل أن يستغل عامه ومقدرته في بسط ما أجمل في رسالة أخرى تنفع المتأدبين عامة. أنتقل بالقارئ بعد ذلك إلى البحث الطريف، الذي أضطلع به الأستاذ العالم التونسي الفاضل حسن حسني عبد الوهاب، وهو بحث تاريخي أدبي في حياة النساء النوابغ بالقطر التونسي من الفتح الإسلامي إلى الزمان الحاضر. ذكر الأستاذ في مقدمة كتابه أن ما دعاه إلى وضعه ما جرى من حديث بينه وبين صديق له حول الكتاب المسمى (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) وقد أشار عليه صديقه أن يضع كتاباً في شهيرات التونسيات، فهزته إلى هذا العمل عاطفة قوية كان ثمرتها هذا الكتاب الذي أحدثك عنه. فقد تكلم فيه الأستاذ عن نابغات النساء في تونس في الدور العربي، والدور الأغلبي، والدور العبيدي والدور الصنهاجي، والدور الحفصي، والدور التركي، والدور الحسيني، وترجم في هذه الأدوار جميعاً لعدد من كرائم السيدات، مبيناً مآثرهن وأدبهم في حديث طلي وعبارة قوية. ولن تقف أهمية هذا الكتاب عند الترجمة لهؤلاء الأوانس، بل أنك لتجد المؤلف الفاضل يربط الموضوع بالتاريخ في مهارة وكياسة، فتجد في كل دور من هذه الأدوار التي مر ذكرها ظلاً للعصر الذي يقع فيه، وتطالع ألواناً مختلفة من الألوان الحياة الاجتماعية، ومألوف العادات والتقاليد، هذا فضلاً عما كان يبثه المؤلف في ثنايا الكتاب من الحكمة والأدب والموعظة الحسنة، والطرف الأدبية، مما هو جدير بمن كان له مثل أريحيته وأدبيته، وإني إذ أقدم هذا المؤلف الطريف للجمهور القراء في العالم العربي أمل أن يحذو حذوه المؤلفون في الشرق، فما أحوجنا في نهضتنا الحديثة إلى المثل العليا في عالم المرأة، وما أجدرنا أن ندفع عنها تلك الاتهامات القاسية التي توجه إلى المرأة الشرقية في غير تحرج ولا استحياء، وفي كثير من الجهل والإدعاء. أما أيام بغداد فهو كما يعرفه الأستاذ المؤلف أمين سعيد، وصف شامل لنهضة العراق الحديثة ولمعالمه التاريخية، والقارئ يذكر أن الرسالة قد قدمت إلى قارئها منذ وقت قريب

стр. 6301

كتاباً كبيراً للأستاذ المؤلف هو (الثورة العربية الكبرى). ومن هذين الكتابين تدرك مقدار اهتمام الأستاذ أمين بالشرق العربي ومدى حماسته له. أما هذا الكتاب فيقع في نحو مائتين وخمسين صفحة، جيد الطبع متين الورق، وكسائر كتب الرحلات يجمع بين اللذة والفائدة ولا سيما أن موضوعه العراق، ذلك القطر الفذ في تاريخه. أفتتحه المؤلف الفاضل بفصل في النقد في بلاد العرب، ثم بأخر في سكة حديد فلسطين والاستعمار الصهيوني، وبعد ذلك تبتدأ رحلته في فصل عنوانه إلى بغداد، فينتزعك من وسطك ويسير بك إلى تلك البلاد، فإذا أنت معه على ضريح المغفور له الملك فيصل، ثم إذا بك كأنك ترى حفلة التأبين الكبرى، فوصف الأستاذ دقيق، والموضوع ذاته يستهويك ويحيطك بجو خيالي ملئ بالصور. وقد حافظ الأستاذ على هذه الدقة في وصف جميع الأماكن التي زارها والحفلات التي حضرها، ثم أنه لم يقتصر على الوصف وعلى إيراد ما رأى، بل تراه يحدثك عن بعض المسائل الهامة في العراق كالعمران في بغداد والمدرسة العسكرية في الكرادة ونهضة التعليم في تلك الديار؛ وما هو أهم من ذلك كمدى نفوذ الإنكليز هناك ومعسكراتهم ومطارداتهم، وأخيراً تراه يحدثك عن الآشوريين وأحوالهم حديث من رآهم وخبرهم بنفسه وأنا وأن لم أرى العراق أحس أنني قد استفدت من هذا الوصف، ووقفت به على كثير من المسائل التي كنت أجهلها والتي كانت تشغل ذهني كما أني استمتعت به كما لو كنت أرى هاتيك الصور على الشاشة البيضاء، إما من حيث مطابقة ما ذكر الأستاذ للواقع ومقدار إحاطته بضروب الإصلاح والتعمير في العراق، فأمر في ذلك متروك للقارئ العراقي ولمن زار العراق من أبناء وأهل الأقطار العربية. الخفيف ١

стр. 6302

العدد ٧٦ - بتاريخ: ١٧ - ١٢ - ١٩٣٤

стр. 6303

أثر السياسة الحزبية في الأخلاق للأستاذ عبد العزيز البشري لقد عاهدت نفسي من عهد غير قريب ألا أعالج عملاً سياسيا من أي نوع كان، وأن أكتم قلمي فلا يتنفس بحديث السياسة أبدا، فأنني لم أصب من هذه السياسة إلا شراً كبيراً، ولعلي لم أجد بها على وطني خيراً كثيراً، بل لقد يراني بعض الناس صنعت في هذا الباب شراً كثيراً. فان كنت كذلك حقاً فأسأل الله أن يغفر لي ما أسأت من حيث ابتغيت الإحسان. والله ذو الفضل العظيم. ومهما يكن من شيء فإنني عاهدت نفسي على ألا أعالج حديث السياسة، وقد صدقتها ما عاهدت. على أنني أرى صدري يجيش اليوم بكلام يقتضيني واجب الذمة الوطنية أن أنفثه نفثاً وإلاً مزق صدري تمزيقاَ. وهذا كلام قد يظهر لبعض الناس في صور أحاديث السياسة، ولو قد تفطن هؤلاء إلى ما أريد لأدركوا أنه ليس كذلك، أو أنه، على الأقل، ليس من ذلك النوع الذي أخذت نفسي بألا أخوض فيه أو أتناوله بأي علاج إنما أخذت نفسي، في الواقع، بهجران السياسة الحزبية، فلا أخب في فتنة ولا أضع. وليس معنى هذا أنني لا أدلي برأي أراه في مصالحة بلدي، أو أنصح به لقومي، أو أنصح به عن معشري إذا كانت الجلى وتربدت وجوه الحادثات. فأنني إن فعلت فقد عطلت مصريتي، وأتمت في حق بلادي، وكنت مختلسا لشرف الانتساب إلى هذا الوطن. وأستغفر الله العظيم من هذا الذنب العظيم! على أنني من يوم ذلك العهد لا أدع فرصة للحديث في شأن الوطن إلا تحدثت، وهذا الراديو أحاضر منه كل أسبوع، وهذه صحف شتى، ومجلات مختلفة الألوان أرسل القول فيها كلها، فأتناول الموضوعات الاجتماعية، والأخلاقية، والأقتصادية، بل إنني لألح على بعض موظفي الحكومة بالنقد القاسي على تصرفهم فيما بين أيديهم من الشؤون العامة. فإذا عد هذا كله من السياسة، فهي ليست السياسة التي جمعت العزم على هجرها من ذلك العهد البعيد والموضوع الذي أتناوله بالكلام اليوم هو أثر السياسة في الأخلاق العامة، لا ألحظ في حديثي حزباً معيناً ولا أظاهر شيعة من الشيع السياسية القائمة في البلاد. وسيرى القارئ

стр. 6304

أنه أشبه بالبحوث الاجتماعية منه بالبحوث السياسية: مما لا شك فيه أنه كان لتلون الحكومات التي تعاقبت على مصر في السنين الخيرة، واختلافها في النزعات السياسية وتفرقها في الأهواء الحزبية أثر بعيد جداً في الأخلاق العامة. وأشد ما كان هذا الأثر في الموظفين عامة وفي بعض أعيان البلاد تعاقبت الشيع السياسية الحزبية في الحكم، وتداولته مرات متعددة. وكان من سوء الحظ أن المسألة السياسية الكبرى لم تستقر على حال، فكان هذا مدعاة إلى التناحر والتطاحن بين النزعات المختلفة، فكلما وليت طائفة أمر الحكم، والحكم عندنا أصبح في هذه الظروف يدخل فيه معنى الحرب، رأت نفسها في أشد الحاجة إلى الاستعانة بمن تثق بهم، وتعتمد على صدق ولائهم لها من الموظفين. وسرعان ما تعمد إلى إقصاء قوم وتقريب قوم، ورفع جماعة وخفض آخرين، لا تأخذها في هذا أية هوادة، وهل تأخذ القائد الهوادة فيمن قبله من الجند إذا حمى الوطيس واستحر القتال؟ فإذا زالت عن الحكم هذه الطائفة أو أزيلت، أسرع من يليها فيه فأقصى من قربت، وقرب من أقصت، ووضع من رفعت، ورفع من وضعت، وهكذا دواليك. وربما تطاولت القسوة في هذا التناحر الحزبي إلى تخريب الدور وتجويع العيال، حتى أصبح الموظفون وكأنهم ليسوا مستوين في الدواوين على مكاتبهم، بل على منضدة قمار، تدور الحظوظ فيها في اللحظة بالفقر واليسار، وبالغنى والإعسار!. اللهم إن الموظف المصري قبل كل شيء إنسان يحرص كل الحرص على أن يعيش. وإنما وسيلته إلى العيش ما يجري عليه من الوظيفة الشهرية يقيم بها شأنه ويعود بها على شمله ثم إنه لا يرى سبيلاً إلى عصمة المنصب إلا إذا استراح رؤساؤه بالثقة اليه، وهو لا يظفر بهذه الثقة منهم إلا إذا أرضاهم وطاوعهم، وعمل بكل جهده على استخراج عطفهم وإيثارهم. وقد عرفت أن الحكم الحزبي، وخاصة في هذه المرحلة التي تجوزها البلاد، قد يقتضي الموظف الإداري، على وجه خاص، شيئاً من الانحراف عن النهج والعنت على القوانين. فان هو فعل فقد فسق عن واجب الذمة وخان الأمانة، وإن هو آثر الصدق في الخدمة العامة، وتهد في جميع أسبابه بهدى القانون فلأمه الهبل!. ثم إنه ليعلم ليس بالظن أن دوام الحال من المحال، وأن هذه الحكومة التي يعمل في ولايتها

стр. 6305

لا بد زائلة إن في قريب وإن في بعيد. وأنه ستخلفها حكومة أخرى تعاقب أولياء هذه الحكومة على ما شيعوا وما صانعوا. ولقد تكون هذه الحكومة عادلة نزيهة، فهي إن تجاوزت عن هوى الموظف إلى الحكومة السابقة، فأنها لا تتجاوز عما قارف في سبيل مصانعتها من إيذاء الناس والكيد لهم والخروج على أحكام القوانين أما أن نطلب إلى الموظفين جميعا أن يصبروا على المكروه أشد المكروه في سبيل الحق وإيثار طاعة القانون، وأن يعصوا أمر رؤسائهم في طاعة الواجب، فيستهدفوا بهذا لطردهم، وحبس أرزاقهم عنهم، وإجاعة من يعولون من الأهل والولد، أما أن تقتضي هذا جميع الموظفين فضرب من العبث، وأقول إنه ضرب من العبث لأنه قد شهد بكذبه الواقع المحسوس، فأكثر الموظفين الكثير جداً، مع الآسف العظيم، قد نزلوا عند ما تطلب منهم الحكومات المختلفة، وفي بعض هذا الذي يطلب منهم ما لا يرتضيه العدل، ولا يستريح إليه القانون، وأقلهم القليل جداً الذين صبروا على الأذى وصابروا، وآثروا على متاع الدنيا إراحة الذمة وإرضاء الضمير إذن فالموظف، واعني من تتصل الوسائل السياسية الحزبية بعمله، مضطر في سبيل عصمة عيشه إلى مصانعه الحكومة القائمة، ولو أدت هذه المصانعة إلى مخالفة حكم الذمة والقانون. ثم إنه في الوقت نفسه ليحسب للمستقبل كل حساب، فتراه لا يني عن العمل له أيضا. أي أنه لكي يعيش ويسلم من المكروه يجب عليه أن يجمع بين الضدين، وأن يسعى في وقت واحد في طريقين متخالفتين، وإنه لن يبلغ هذا المدى إلا إذا بذل في سبيله ما شاءت ضعة النفس، وفسولة الطبع، وإهدار الكرامة، وتميع الأخلاق، وإهراق ماء الوجوه، وفساد الذمة، أن تبلغ! هذا الموقف لقد يقتضي هذا الموظف المسكين أن يكون له وجهان، ولسانان، وذمتان، وهويان؛ يلقى هؤلاء بواحد من أولئك، ويلقى أولئك بواحد من هؤلاء. فهو يظاهر الحكومة القائمة في إعلانه وجهره، وهو يمد أسباب الهوى للشيعة المقبلة في خفائه وسره، ولا يزال هذا شأنه ما تعاقبت الحكومات الحزبية، حتى كادت تفرى الأخلاق فريا، وتبرى الكرامات بريا، وحتى لقد نجم في بلادنا هذا الفن المحقور المرذول: فن الحرص، بكل ما اتسع له الذرع، واتسع له الخلق والكرامة، على المناصب الحكومية، فشاع به فينا أبلغ ما عرف من
следующие страницы →