← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

كتاباً كبيراً للأستاذ المؤلف هو (الثورة العربية الكبرى). ومن هذين الكتابين تدرك مقدار اهتمام الأستاذ أمين بالشرق العربي ومدى حماسته له. أما هذا الكتاب فيقع في نحو مائتين وخمسين صفحة، جيد الطبع متين الورق، وكسائر كتب الرحلات يجمع بين اللذة والفائدة ولا سيما أن موضوعه العراق، ذلك القطر الفذ في تاريخه. أفتتحه المؤلف الفاضل بفصل في النقد في بلاد العرب، ثم بأخر في سكة حديد فلسطين والاستعمار الصهيوني، وبعد ذلك تبتدأ رحلته في فصل عنوانه إلى بغداد، فينتزعك من وسطك ويسير بك إلى تلك البلاد، فإذا أنت معه على ضريح المغفور له الملك فيصل، ثم إذا بك كأنك ترى حفلة التأبين الكبرى، فوصف الأستاذ دقيق، والموضوع ذاته يستهويك ويحيطك بجو خيالي ملئ بالصور. وقد حافظ الأستاذ على هذه الدقة في وصف جميع الأماكن التي زارها والحفلات التي حضرها، ثم أنه لم يقتصر على الوصف وعلى إيراد ما رأى، بل تراه يحدثك عن بعض المسائل الهامة في العراق كالعمران في بغداد والمدرسة العسكرية في الكرادة ونهضة التعليم في تلك الديار؛ وما هو أهم من ذلك كمدى نفوذ الإنكليز هناك ومعسكراتهم ومطارداتهم، وأخيراً تراه يحدثك عن الآشوريين وأحوالهم حديث من رآهم وخبرهم بنفسه وأنا وأن لم أرى العراق أحس أنني قد استفدت من هذا الوصف، ووقفت به على كثير من المسائل التي كنت أجهلها والتي كانت تشغل ذهني كما أني استمتعت به كما لو كنت أرى هاتيك الصور على الشاشة البيضاء، إما من حيث مطابقة ما ذكر الأستاذ للواقع ومقدار إحاطته بضروب الإصلاح والتعمير في العراق، فأمر في ذلك متروك للقارئ العراقي ولمن زار العراق من أبناء وأهل الأقطار العربية. الخفيف ١

стр. 6302

العدد ٧٦ - بتاريخ: ١٧ - ١٢ - ١٩٣٤

стр. 6303

أثر السياسة الحزبية في الأخلاق للأستاذ عبد العزيز البشري لقد عاهدت نفسي من عهد غير قريب ألا أعالج عملاً سياسيا من أي نوع كان، وأن أكتم قلمي فلا يتنفس بحديث السياسة أبدا، فأنني لم أصب من هذه السياسة إلا شراً كبيراً، ولعلي لم أجد بها على وطني خيراً كثيراً، بل لقد يراني بعض الناس صنعت في هذا الباب شراً كثيراً. فان كنت كذلك حقاً فأسأل الله أن يغفر لي ما أسأت من حيث ابتغيت الإحسان. والله ذو الفضل العظيم. ومهما يكن من شيء فإنني عاهدت نفسي على ألا أعالج حديث السياسة، وقد صدقتها ما عاهدت. على أنني أرى صدري يجيش اليوم بكلام يقتضيني واجب الذمة الوطنية أن أنفثه نفثاً وإلاً مزق صدري تمزيقاَ. وهذا كلام قد يظهر لبعض الناس في صور أحاديث السياسة، ولو قد تفطن هؤلاء إلى ما أريد لأدركوا أنه ليس كذلك، أو أنه، على الأقل، ليس من ذلك النوع الذي أخذت نفسي بألا أخوض فيه أو أتناوله بأي علاج إنما أخذت نفسي، في الواقع، بهجران السياسة الحزبية، فلا أخب في فتنة ولا أضع. وليس معنى هذا أنني لا أدلي برأي أراه في مصالحة بلدي، أو أنصح به لقومي، أو أنصح به عن معشري إذا كانت الجلى وتربدت وجوه الحادثات. فأنني إن فعلت فقد عطلت مصريتي، وأتمت في حق بلادي، وكنت مختلسا لشرف الانتساب إلى هذا الوطن. وأستغفر الله العظيم من هذا الذنب العظيم! على أنني من يوم ذلك العهد لا أدع فرصة للحديث في شأن الوطن إلا تحدثت، وهذا الراديو أحاضر منه كل أسبوع، وهذه صحف شتى، ومجلات مختلفة الألوان أرسل القول فيها كلها، فأتناول الموضوعات الاجتماعية، والأخلاقية، والأقتصادية، بل إنني لألح على بعض موظفي الحكومة بالنقد القاسي على تصرفهم فيما بين أيديهم من الشؤون العامة. فإذا عد هذا كله من السياسة، فهي ليست السياسة التي جمعت العزم على هجرها من ذلك العهد البعيد والموضوع الذي أتناوله بالكلام اليوم هو أثر السياسة في الأخلاق العامة، لا ألحظ في حديثي حزباً معيناً ولا أظاهر شيعة من الشيع السياسية القائمة في البلاد. وسيرى القارئ

стр. 6304

أنه أشبه بالبحوث الاجتماعية منه بالبحوث السياسية: مما لا شك فيه أنه كان لتلون الحكومات التي تعاقبت على مصر في السنين الخيرة، واختلافها في النزعات السياسية وتفرقها في الأهواء الحزبية أثر بعيد جداً في الأخلاق العامة. وأشد ما كان هذا الأثر في الموظفين عامة وفي بعض أعيان البلاد تعاقبت الشيع السياسية الحزبية في الحكم، وتداولته مرات متعددة. وكان من سوء الحظ أن المسألة السياسية الكبرى لم تستقر على حال، فكان هذا مدعاة إلى التناحر والتطاحن بين النزعات المختلفة، فكلما وليت طائفة أمر الحكم، والحكم عندنا أصبح في هذه الظروف يدخل فيه معنى الحرب، رأت نفسها في أشد الحاجة إلى الاستعانة بمن تثق بهم، وتعتمد على صدق ولائهم لها من الموظفين. وسرعان ما تعمد إلى إقصاء قوم وتقريب قوم، ورفع جماعة وخفض آخرين، لا تأخذها في هذا أية هوادة، وهل تأخذ القائد الهوادة فيمن قبله من الجند إذا حمى الوطيس واستحر القتال؟ فإذا زالت عن الحكم هذه الطائفة أو أزيلت، أسرع من يليها فيه فأقصى من قربت، وقرب من أقصت، ووضع من رفعت، ورفع من وضعت، وهكذا دواليك. وربما تطاولت القسوة في هذا التناحر الحزبي إلى تخريب الدور وتجويع العيال، حتى أصبح الموظفون وكأنهم ليسوا مستوين في الدواوين على مكاتبهم، بل على منضدة قمار، تدور الحظوظ فيها في اللحظة بالفقر واليسار، وبالغنى والإعسار!. اللهم إن الموظف المصري قبل كل شيء إنسان يحرص كل الحرص على أن يعيش. وإنما وسيلته إلى العيش ما يجري عليه من الوظيفة الشهرية يقيم بها شأنه ويعود بها على شمله ثم إنه لا يرى سبيلاً إلى عصمة المنصب إلا إذا استراح رؤساؤه بالثقة اليه، وهو لا يظفر بهذه الثقة منهم إلا إذا أرضاهم وطاوعهم، وعمل بكل جهده على استخراج عطفهم وإيثارهم. وقد عرفت أن الحكم الحزبي، وخاصة في هذه المرحلة التي تجوزها البلاد، قد يقتضي الموظف الإداري، على وجه خاص، شيئاً من الانحراف عن النهج والعنت على القوانين. فان هو فعل فقد فسق عن واجب الذمة وخان الأمانة، وإن هو آثر الصدق في الخدمة العامة، وتهد في جميع أسبابه بهدى القانون فلأمه الهبل!. ثم إنه ليعلم ليس بالظن أن دوام الحال من المحال، وأن هذه الحكومة التي يعمل في ولايتها

стр. 6305

لا بد زائلة إن في قريب وإن في بعيد. وأنه ستخلفها حكومة أخرى تعاقب أولياء هذه الحكومة على ما شيعوا وما صانعوا. ولقد تكون هذه الحكومة عادلة نزيهة، فهي إن تجاوزت عن هوى الموظف إلى الحكومة السابقة، فأنها لا تتجاوز عما قارف في سبيل مصانعتها من إيذاء الناس والكيد لهم والخروج على أحكام القوانين أما أن نطلب إلى الموظفين جميعا أن يصبروا على المكروه أشد المكروه في سبيل الحق وإيثار طاعة القانون، وأن يعصوا أمر رؤسائهم في طاعة الواجب، فيستهدفوا بهذا لطردهم، وحبس أرزاقهم عنهم، وإجاعة من يعولون من الأهل والولد، أما أن تقتضي هذا جميع الموظفين فضرب من العبث، وأقول إنه ضرب من العبث لأنه قد شهد بكذبه الواقع المحسوس، فأكثر الموظفين الكثير جداً، مع الآسف العظيم، قد نزلوا عند ما تطلب منهم الحكومات المختلفة، وفي بعض هذا الذي يطلب منهم ما لا يرتضيه العدل، ولا يستريح إليه القانون، وأقلهم القليل جداً الذين صبروا على الأذى وصابروا، وآثروا على متاع الدنيا إراحة الذمة وإرضاء الضمير إذن فالموظف، واعني من تتصل الوسائل السياسية الحزبية بعمله، مضطر في سبيل عصمة عيشه إلى مصانعه الحكومة القائمة، ولو أدت هذه المصانعة إلى مخالفة حكم الذمة والقانون. ثم إنه في الوقت نفسه ليحسب للمستقبل كل حساب، فتراه لا يني عن العمل له أيضا. أي أنه لكي يعيش ويسلم من المكروه يجب عليه أن يجمع بين الضدين، وأن يسعى في وقت واحد في طريقين متخالفتين، وإنه لن يبلغ هذا المدى إلا إذا بذل في سبيله ما شاءت ضعة النفس، وفسولة الطبع، وإهدار الكرامة، وتميع الأخلاق، وإهراق ماء الوجوه، وفساد الذمة، أن تبلغ! هذا الموقف لقد يقتضي هذا الموظف المسكين أن يكون له وجهان، ولسانان، وذمتان، وهويان؛ يلقى هؤلاء بواحد من أولئك، ويلقى أولئك بواحد من هؤلاء. فهو يظاهر الحكومة القائمة في إعلانه وجهره، وهو يمد أسباب الهوى للشيعة المقبلة في خفائه وسره، ولا يزال هذا شأنه ما تعاقبت الحكومات الحزبية، حتى كادت تفرى الأخلاق فريا، وتبرى الكرامات بريا، وحتى لقد نجم في بلادنا هذا الفن المحقور المرذول: فن الحرص، بكل ما اتسع له الذرع، واتسع له الخلق والكرامة، على المناصب الحكومية، فشاع به فينا أبلغ ما عرف من

стр. 6306

خلة النفاق والرياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لست، شهد الله، ألوم في هذا أحداً، ولا أحمل الوزر فيه قوماً، ولكنني إنما أحيل الأمر كله على الظروف، ولعنة الله على هذه الظروف! حسبي اليوم هذا القدر، وإني لعائد إلى الكلام في هذا الباب كرة أخرى إن شاء الله. عبد العزيز البشري

стр. 6307

٢ - كلمة وكليمة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي رب قانون تحكم به أمة؛ ولو أنهم حاكموه لاعتبروه كالشروع في قتل هذه الأمة إذا كان القاضي صاحب دين وذكاء وفهم وضمير؛ فكثيراً ما يرى نفسه محكوماً عليه أن يحكم على الناس. . . . أصبحت الأخلاق الشرقية في هذه المدينة الفاسدة كمرقعة الفقير المعدم، حيث لا تجد رقعة لا بد أن تجد فتقا. . . . أضيع الأمم يختلف أبناؤها. فكيف بمن يختلفون حتى في كيف يختلفون. . . .؟ من مضحكات السياسة إنشاؤها أحزابا يقوم بعضها كما تغرس الخشبة لتكون شجرة مثمرة. . . . يأتي الغرور من ضعف النظر إلى الحقيقة؛ لو أن للنملة عيناً وسئلت عن الذبابة كيف تراها؟ لقالت هذا فيل عظيم. . . . في الضرورات السياسية لا يحفل أهل السياسة أن يصدقوا أو يكذبوا فيما يعلنون إلى الناس؛ ولكن أكبر همهم أن يقدموا دائماً الكلمة الملائمة للوقت إذا كانت المصلحة في السياسة هي المبدأ؛ فمعنى ذلك أن عدم المبدأ هو في ذاته مصلحة السياسة ليس الفقر اختلالاً في الناس؛ إن الفقر على التحقيق هو اختلال في القوانين معنى فرض الزكاة في الشريعة الإسلامية أن أفقر الصعاليك في الدنيا له أن يقول لأعظم ملوك المال: قدم لي دفاترك. . . مثل مذهب الاشتراكية في وهم توزيع المال، ومذهب الإسلام في الزكاة، مثل رجلين مر أحدهما بغريق يختبط في اللج، فاستغاثة الغريق، فنظر فإذا حبل ملقى على الشاطئ، ولكنه صاح بالهالك: أنت والله في نفسي أكبر منزلة من أن أخرجك بالحبل فأنا ذاهب أبحث لك عن زورق. . . . ومر الثاني فألقى له الحبل فنجا التمدن والفقر كصاحبين معا ذي رجلين وأعرج يمشيان في طريق؛ كلما انفسحت خطوات الأول زادت عثرات الآخر

стр. 6308

التلسكوب العظيم في استكشاف معاني الحب قد يكون دمعة ينظر الحب دائماً بعين واحدة، فيرى جانباً ويعمى عن جانب؛ ولا ينظر بعينيه معاً إلا حين يريد أن يتبين طريقه لينصرف. . . . تتكبر المرأة على كل ما يشعرها بضعفها؛ فمن هنا تبلغ المرأة آخر كبريائها في أوائل حبها إذا صاحبت عاشقاً فليس لك أن تبدأه كلما لقيته إلا بأحد سؤالين: ما هي خرافتك اليوم؟ أو ما هي حماقتك اليوم. . . .؟ متى نظرت المرأة إلى رجل تعجب به كانت نظراتها الأولى متحيرة قلقة غير مطمئنة؛ معناها: هل هو أنت؟ فإذا داخلها الجب واطمأنت جاءت نظراتها مسترسلة متدللة، متأنثة، معناها: هو أنت لا يضحك الحيوان إذ كان لا يفهم إلا فهماً واحداً؛ ويضحك الإنسان لأنه حرم هذا الفهم الواحد. أهو البلاء وعلاجه؛ أم النعمة وبلاؤها؛ أم هذا مرة وهذه مرة؟ لا يكثر الضحك إلا الأبله الذي يفهم الشيء فهما يمسخه شيئا آخر؛ وإلإ العامي الفارغ الذي لا يفهم الأشياء إلا ممسوخة؛ وإلا الفيلسوف الساخر المركب في طباعه من الفيلسوف والأبله والعامي. . . يمنع الهم ونحوه من الضحك إذ كانت هذه حقائق صريحة في النفس لا تفهم أبداً على وجهين لا تكون امرأة معشوقة رجل إلا وهو يراها وحدها النساء جميعاً؛ ولا يكون رجل معشوق امرأة إلا وهي تراه وحده كل الرجال. فالحب وحدانية لا تقبل الشرك، ومن ههنا يتأله يولد المولود من رجل وامرأة ولن يكون من ثلاثة؛ ولهذا لن يكون في الحب الصحيح ثلاثة أبداً قد تحب المرأة رجلين، أو يحب الرجل امرأتين، ولكن هذا ليس حباً، إن هو إلا كبر في العربة جعلها تحتاج إلى جوادين. . . لعل من حكم الحجاب في الإسلام أن العشق إذا انتهى إلى الزواج فقلما يكون إلا تمهيداً لولادة إفراط عصبي في قوة أو ضعف أو بلادة أو. . أو رذيلة ابن المرأة العجوز عجوز حتى في الطفولة، وابن الشابة شاب حتى في الكهولة؛ فيا ضيعة

стр. 6309

الإنسانية من تأخير الزواج! اكثر النساء على نصف الذكاء الساحر في الرجل ينبغي أن يكون في عقله، ويكون النصف الآخر في البنك. . . عندما ما تكون الساعة هي ساعة انتظر الشيء المحبوب، يكون قلب المنتظر من زحمة الدقائق كالذي يشق طريقاً زاحمه الناس فيه الذليل في رأي الحب من إذا هجرته المرأة كان هجرها إياه عقوبته، والعزيز في رأي الجب من إذا هجرته المرأة كان هجرها إياه عقوبتها اليوم الذي يكون قلبياً محضاً يبقى له دائماً باق لا ينتهي؛ ولهذا لا يزال الحب الطاهر كأنه في بقية من أوله مهما تقادم لا يعرف الطفل تاريخه من الزمن وما فيه، ولكن من بيت أهله ومن فيه؛ فأمس واليوم وغدا هي كلها عنده أمس الذي يكبر شيئا فشيئا. . . ابن الطفولة إنما هو ابن حالة من حالات الحياة لا ابن زمن، وهذا سر السعادة يالها عجيبة! إن الصوفي إذا فاز في حبه الإلهي رأى نفسه باقياً في الزمن بلا بقاء يعلمه، وفانياً عن الزمن بلا فناء يشعر به؛ وذلك بعينه ما يراه العاشق إذا خاب في حبه الإنساني. . . الفرق بين كاتب متعفف وبين كاتب متعهر أن الأول مثقل بواجب، والآخر مثقل به ذلك الواجب. . . كانت الشفقة هي الأصل في كل موضع استهزاء فما تستهزئ إلا بخطأ أو ضعف أو عجز؛ ولكن شعور الحيوان بقدرته على حيوان آخر، أو بانتصاره، أو بامتيازه؛ هو في الإنسان أصل ذلك الاستهزاء كما يضر أهل الشر غيرهم إذا عملوا الشر، يضر أهل الخير غيرهم إذا لم يعملوا الخير طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 6310

الدعوة إلى القصص علام تقوم وماذا أنتجت؟ للأستاذ محمد عبد الله عنان يجوز الأدب العربي اليوم حركة تطور وتجديد لا ريب في قوتها وأهميتها؛ والحركات الفكرية، كالحركات السياسية، عرضة للإغراق والتطرف، ولا سيما قبل أن تبلغ مرحلة النضج والاستقرار؛ وقد كانت حركتنا الأدبية عرضة لبعض هذه المظاهر المتطرفة؛ فقد أفرط البعض مثلا في التحدث عن الجديد والقديم دون أن يسفر هذا الجدل الخالد عن معان واضحة أو نتائج عملية؛ وقد زعم البعض أن التجديد هو إغفال الماضي كله، والسير وراء التفكير الغربي في حركة تقليد عمياء؛ وظهرت في الأعوام الأخيرة في حركتنا الأدبية خاصة تطرف أخرى، هي الإغراق في التحدث عن القصة وكتابة القصة، وفي تقدير المكانة التي يجب أن يتبوأها القصص في أدبنا؛ ويذهب بعض أصحاب هذا الحديث إلى أن القصص هو اعظم وأجمل وأقيم ما في الأدب الغربي، فيجب أن يكون له مثل هذه المكانة في أدبنا، ويجب أن ينصرف الكتاب إلى تأليف القصة حتى يصبح لنا تراث قصصي عريض مثلما في الأدب الغربي وهذا قول يحتاج إلى بيان ومناقشة. نعم إن القصص يتبوأ في الآداب الغربية الحديثة أسمى مكانة؛ ولكنه ليس كل شيء في هذه الآداب، وليس هو أعظم شيء فيها؛ وإنما يتخذ القصص هذه المكانة في آداب عظيمة تفتحت فيها جميع نواحي التفكير والفن ونضجت، واتصلت مراحل نموها وتطورها مدى عصور. وللقصص الرفيع في هذه الحضارات والآداب العظيمة مهمة سامية أخرى غير متاع القراءة والرياضة العقلية، هي المعاونة في تربية النشء وتكوينه، وتكوين الأخلاق والخلال الفاضلة، والدعوة إلى المثل العليا. والقصص يتخذ أداة للتعبير عن خفايا النفس البشرية، وصياغة العواطف النبيلة والعبر المؤثرة، كما يتخذ أداة لعرض ما في اللغة القومية من كنوز البيان الساحر. وإنا لنتساءل أولاً: هل يفهم القصص في أدبنا على هذا النحو؟ وهل استطعنا بعد كل هذا الضجيج أن نخرج في ميدان القصص ما يمكن أن يرتفع، في فنه وفي قيمته الأدبية، إلى هذا المستوى؟ وهل نضجت حركتنا الأدبية واستكملت كل ما ينقصها من النواحي والعناصر التي يجب

стр. 6311

أن تمثل في كل الآداب العظيمة فلم يبق أمامنا إلا أن نعالج القصص وان نحسنه؟ إن القصص لم يتبوأ مكانته الرفيعة في الآداب الغربية ألا في العصر الحديث حينما ازدهرت هذه الآداب، واستكملت عناصرها الجوهرية. نعم إن القصص وجد في الآداب القديمة منذ اقدم العصور؛ ولكنه لم يشغل في الآداب القديمة ذلك الفراغ الشاسع الذي يشغله في الآداب الحديثة، وقد كان فوق ذلك من نوع خاص، قصصاً دينياً أو قصص بطولة أو فروسة قومية، ولم يخرج قصص العصور الوسطى في الآداب الغربية عن هذه الدائرة. ولنا مثل هذا القصص في أدبنا العربي القديم؛ ولكن الحركة الفكرية اضمحلت في الشرق في الوقت الذي نهضت فيه في الغرب وأخذت تتفتح في سائر النواحي وتنمو بخطى عظيمة؛ وبينما كانت الآداب الغربية تغزو ميادين جديدة، منها ميدان القصص، إذا بالحضارة الإسلامية والآداب العربية تخبو وتتراجع أمام الغزوات البربرية التي قام بها التتار والترك في سائر أنحاء العالم الإسلامي؛ ولما افتتح الترك مصر، وهي يومئذ ملاذ التفكير الإسلامي، لقيت الآداب العربية ضربتها القاضية، وركدت ريحها زهاء ثلاثة قرون، وتخلفت عن الآداب الغربية في كل نواحي التقدم؛ ولم تستطع أن تنهض من سباتها الطويل إلا بعد أن تقلص عنها ظل هذا النير البربري وما نراه اليوم من نقص في نواحي حركتنا الفكرية، إنما هو من أثر هذا الاضطهاد الذي أصابها مدى هذه الأحقاب الطويلة؛ والقصص إحدى هذه النواحي، بيد انه ليس أهمها وأحقها بالعناية؛ فهنالك نواح أخرى في أدبنا لم تنضج ولم تستقر، وهنالك في ميادين العلوم والفنون نقص واضح، والقصص الرفيع عنوان حركات فكرية نضجت واستقرت وازدهرت فيها مختلف نواحي الثقافة والفنون. وقد يظهر القصص في آداب أمم وحضارات متأخرة، ولكنه يكون قصصاً ساذجاً تنقصه عناصر الفن والتفكير. وإذا كان من المسلم به أن حركتنا الفكرية لا زالت بحاجة إلى استكمال كثير من العناصر الجوهرية، فليس مما يقويها ويدعمها، أن ننصرف إلى نواح دون أخرى، وأن نؤثر بعض هذه النواحي بالأهمية والخطورة، وأن نصورها خلاصة الفن والأدب، وكل شيء فيهما، على نحو ما يصور البعض كتابة القصص، فمثل هذا الإغراق لا يخدم قضية الأدب والثقافة؛ ولكنه بالعكس يجنى عليها إذا أثمر ثمره في الأذهان والأقلام الناشئة. وهذا ما يلوح لنا أنه

стр. 6312

يحدث اليوم في حركتنا الأدبية؛ فقد ذهب أصحاب الدعوة إلى القصص في تصوير أهميته وقيمته الأدبية إلى حدود بعيدة، وتأثر بهذه الدعوة المغرقة كثير من الشباب الذين لم يستكملوا كل عناصر الثقافة القوية، فانصرفوا إلى قراءة القصص والى كتابته، حتى أصبحنا أمام سيل من القصص الساذج الغث يشغل وقت الشباب والناشئين والآن لنر ماذا كانت نتائج هذه الدعوة، وهل أسفرت حقاً من الوجهة الأدبية عن نتائج تذكر. وأول ما يلفت النظر هو كثرة القصص التي تغمر الصحف والمجلات. ولكن الكمية ليست هي كل ما في الإنتاج الأدبي، وإنما يهم النوع قبل كل شيء؛ ومن الزعم الباطل أن يقال إننا استطعنا أن نخرج حتى اليوم آثاراً قصصية ترتفع في قيمتها الأدبية والفنية إلى مستوى القصص الغربي؛ وقد نظفر بآثار قليلة تمتاز بشيء من القوة والطرافة، ولكنها مع ذلك تحمل طابع المجهود الأول، وينقصها كثير من العناصر الفنية؛ أما الكثرة الساحقة من هذا القصص الذي يغمر اليوم ميدان أدبنا، فليست لها أية قيمة أدبية تذكر؛ ويلاحظ أولاً أن كثيراً من القصص الذي يبدو في ثوب التأليف إنما هو قصص منقول عن الأدب الغربي، يصاغ في أثواب مصرية لكي تضيع معالمه، ولكنه ينم دائما على حقيقته؛ ولا نلمس في هذا القصص الناشئ أية لمحة من الفن الحقيقي أو الخيال الشائق؛ ثم هو لا يكاد يحظى بأي قسط من البيان القوي، بل يعرض دائماً في أساليب ضعيفة ينقصها روح التعبير القوي، ويبدو فيها أثر التقليد والنقل واضحاً؛ ولسنا ندري ماذا تكون القيمة الأدبية لقصص عاطل عن مزايا الفن والخيال والبيان معاً، وكل ما فيه أنه قصص فقط؛ أضف إلى ذلك أن هذا السيل المتصل من القصص ينقصه عنصر التوجيه والثقافة، فهو لا يتجه إلى غاية ثقافية معينة، ولا تحدوه أية مثل اجتماعية، أو أخلاقية محترمة ولقد قام القصص الغربي في معظم الأحيان على تراث التاريخ والحضارة، وما زال في كل أمة معرضاً قوياً للتاريخ القومي والحياة الاجتماعية القومية، ولكن ما هي المواد التي يستقي منها كتاب (القصص) عندنا؟ وأي نواح من حياتنا الاجتماعية أو تاريخنا القومي استطاعوا أن يعرضوه؟ إنهم في الواقع يعرضون صوراً باهتة من الحياة الاجتماعية الغربية، ويحاولون أن ينسبوها للحياة الاجتماعية المصرية. ذلك لأنهم مقلدون ناقلون في الغالب، يندفعون وراء نزعة لم تقم على الدرس الصحيح؛ وهل قصص الحب المبتذل،

стр. 6313

ومناظر المسارح والملاهي والمراقص، ومقابلات السينما والشاطئ (البلاج)، والمراسلات الغرامية السخيفة، هي كل ما في الحياة الاجتماعية المصرية؟ ولقد كان لنا ثمة مادة بديعة للقصص في تاريخنا القومي، فهو حافل بصنوف المآسي الملوكية والشعبية، والحوادث والمواقف الشائقة، فهل فطن أحد من كتاب القصص إلى هذا الكنز الزاخر والمورد الخصب؟ ولقد قلنا انهم يزعمون أن الرجوع إلى الماضي ينافي دعوة (التجديد) التي يضجون بها، ولا يستطيعون فهمها أو تحديد معانيها، فهم لذلك لا يعنون بالتنقيب في تراثنا الغابر؛ ولكن الواقع انهم لا يفعلون ذلك تعففاً أو قصداً وإنما هو القصور وانقطاع الصلة الروحية لديهم بين مراحل الأدب الذين يزعمون أنهم طلائعه. والبحث يجشمهم جهوداً لا يستطيعون الاضطلاع بها. على أن القصص الرفيع في الآداب الغربية يفسح أكبر مجال لمآسي التاريخ وحوادثه. ويكفي أن نذكر بعض الأسماء لتأييد هذه الحقيقة، فقد كان التاريخ وحده تقريباً مادة شيللر في جميع قصصه المسرحية؛ وكان أروع ما أخرجه سنكيفتش قصته التاريخية الرومانية (كوفاديس) التي تعتبر من أعظم ما أخرج القصص الغربي؛ وكتب لورد ليتون (أيام بامبياي الأخيرة)، وكتبت جورج اليوت (رومولا) وعرض إسكندر ديما مراحل التاريخ الفرنسي في سلسلة من القصص التاريخية البديعة. بل لقد ألفى بعض أكابر كتاب الغرب في تاريخنا، وفي التاريخ الإسلامي مادة نفيسة؛ فكتب تشارلس كنجسلي (هيباسيا) عن العصر اليوناني الروماني في مصر، وكتب اسكوت (ايفانهو) عن بعض حوادث الحروب الصليبية، وصاغ فون هامار ولاهارب مصرع البرامكة في قالب قصصي بديع، وكتب شاتوبريان (آخر بني سراج) إلى غير ذلك مما يضيق المقام بذكره والخلاصة أننا كلما تأملنا هذه الدعوة الصاخبة إلى كتابه القصص واعتباره كل ما في الأدب من قيم ونفيس، وتأملنا ما انتهت إليه من النتائج العملية، ألفينا فراغاً في كل ناحية، وألفينا فشلاً مطبقاً. والفشل دائماً حليف كل نزعة أو حركة لا تقوم على قواعد صحيحة، ولا تتوسل إلى غاياتها بالوسائل الطبيعية؛ وقد فشلت هذه الحركة المغرقة، لأنها قصدت أن تبتدئ حيث يجب الانتهاء، ولم تسر في مراحل التدرج؛ جنباً إلى جنب مع باقي نواحي الحركة الأدبية؛ ولم تقم بالأخص على الدرس والبحث، وإنما قامت على عوامل وبواعث

стр. 6314

مصطنعة. أراد فريق من كتابنا أن يصبحوا بين الأمس واليوم من أساتذة القصص، وأن يناهضوا كتاب القصص الغربيين الذين كونتهم حضارة وآداب وثقافات مؤثلة متصلة المراحل، وتصورا أنهم يستطيعون تحقيق هذه الغاية بإخراج هذه القطع الركيكة الذابلة التي تنقصها كل عناصر الفن والخيال والبيان ونحن نقدر قيمة القصص ورفيع مكانته في الأدب الغربي، ولكنا نود فقط أن نعرض الأمور على حقيقتها، وأن نلفت النظر إلى ما يترتب على هذا الإغراق في شأن القصص من الآثار السيئة في حركتنا الأدبية، وهي لم تستكمل بعد كل عناصر النضج والاستقرار. ولقد كان الاندفاع في هذا التيار على هذا النحو من وجوه الضعف في حركتنا الأدبية؛ لأنه يستغرق جهوداً كان خليقاً أن تصرف في نواحي أخرى؛ ولقد كان الجهد كبيراً مستفيضاً، ولكن دون تبصر وتمكن، فجاء الغم ضئيلاً يدعوا إلى الرثاء. ومن المبالغة أن نقول إننا قد استطعنا أن نغزو بعد ميدان القصص الرفيع، أو إننا أخرجنا تراثاً قصصياً يجدر بالتقدير والاحترام. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6315

أين انتم يا أحبائي؟ للأستاذ محمد سعيد العريان الغد. . . . إن الغد ليتراءى لي خلف ضباب المنى كأني من توهمه أستعيد تاريخا غبر لا يفصلني منه إلا ما فات من أيامي: وإني لأرى من خلفه ثلاثة أحباب كأنما كنا معاً ثم افترقنا إلى ميعاد! هأنذا في الفلك مرتفق إلى حافته، والموج من حولي يعج ويصخب، والنسيم يصافح خدي فأسمع في دمدمته أصداء ذكرى بعيدة، طوفت ما طوفت ثم عادت تترامى إلى أذني خافتة من طول ما أعيت في مجاهل الزمان. . .! وهاهي ذي إلى جانبي في الفلك مرتفقة إلى ذراعي، قد عطفها علي خوف البحر لتلتمس الأمان من قربي، فما ركبت البحر من قبل ولا كان لها بهدهدة الفلك عهد قلت لها: (أتخشين البحر؟) قالت: (بل أخشى الفراق!) قلت: (فإنني إلى جانبك فما يفزعك؟) قالت: (حبذا أن يكون هذا حقيقة! أهذا هو البحر، وتلك هي السماء، وهذا أنت؟ فما بي خوف البحر وإنك إلى جانبي، ولكني أريد لك أن تعيش!) وهدأ البحر واملست صفحته، وراح الفلك يشق الماء في لين وخفة، وإن له لموسيقى هادئة فيها عذوبة الأمل الواثق ونشوة السعادة الراضية وثابت إلى نفسها، فراحت تنقل الطرف من هنا إلى هناك وفي ابتسامتها معان من الغبطة وفي عينيها نظرات. . . قالت: (أتسمع إلى هذه الموسيقى؟ فإنها لمن نفسي وفي نفسي!) قلت: (ما أحب إلي أن أبقى إلى جانبك الدهر نستمع إلى أغاني الحب في خرير الماء وهمس النسيم، ونمتد في أحلام السعادة ما امتدت بنا الحياة!) قالت: (أئنك لتقرأ ما في نفسي، فما أعدل بما نحن فيه أن يكون لي الملك! أرأيت في الحياة ملكاً يعدل قلبين يؤلف بينهما الحب؟) ورأيت على الشاطئ القريب قصراً قائماً، تلوح النعمة من شرفاته ويستعلن الغنى

стр. 6316

قلت: (أفلا تودين أن يكون لنا هذا القصر، نعيش للحب في افيائه ونستظل منه بوارف السعادة؟) قالت: (ما أتمنى لهذا الحب أن يتعلق من أوهام الأرض بمثل ذاك! ليتني وإياك على رمث في البحر ليس لنا إلا البحر، أو في كوخ من قش على حدود الدنيا ليس لنا إلا حدود الدنيا، أو كهف من جبل في طريق الصحراء ليس لنا إلا الصحراء، فهناك سمو الحب لا حيث ترى الآن. .! ما لنا وللناس يا حبيبي نطاولهم بالطين والتراب؟ وإنما الحب قلب لقلب، ودنيا من وراء الدنيا. أنا وأنت هما كل الناس، ويومنا هو الزمان، ومجلسنا العين في العين، والجنب إلى الجنب، هو الدنيا كلها ما تتسع لغيره، ولا تمتد لسواه؟ ورسا بنا الفلك على خضراء مزهرة، فانسابت هي في الطريق على حذر ورقبة، وخلفتني هناك أنتظر. . . باويح الشباب من أحلامه! متى تعود إلى جانبي، فنعيش الروح للروح، والنفس للنفس؟ لقد طالت بها النوى وما آبت ومضيت أتوكأ على نفسي في ظلال الروض، أتمثلها في كل منعطف وكل ثنية، وإن عيني لتأخذان الطريق، وإن الزهرة لتهمس في أذن أختها: (لقد كانت هنا ثم لم تكن!)، وإن الغصن الناضر ليشير بإصبعه إلى هناك؛ وكل شيء من حوله قد مسته الحياة، ونفخ فيه الحب روحا من روحه، إلا. . . إلا قلبي؟ وتهاويت على مقعد بين ملتف الحدائق، فأغمضت عيني وإنني ليقظان، وسمعت من خلل الغصون حمامة تقول لأختها (انظري! هل يعرف السلام من عرف الحب؟) ودقت بجناحيها فطرفت عيني، ثم علت فأمعنت في الجو تصعيدا، وإن عبارتها لترن في آذني؛ وفتحت عيني فإذا هي إلى جانبي. .! قلت: (أهذا أنت يا حبيبي! ما أصبرك على البعاد!) قالت: (فانك ما تزال هنا، لقد كنت على يقين بأنك تنتظر!) قلت: (وأين لي أن ألتمس السعادة في غير دنياك، وكيف لي أن أمل الثواء هنا، ومعي خيالك، وأنا منك على ميعاد؟) وذهبنا نخطر جنبا إلى جنب، وإن قلبي ليتحدث، وإن قلبها ليجيب، وإن المنى لتبتسم!

стр. 6317

وطوينا الطريق في خطوات، وإذا نحن في بيت يجمع من أمرنا ما تفرق، نطل من شرفاته على ذلك النهر الذي شهد بكرة هذا الحب ووعى ذكريات هذا الغرام، وإن له لحديقة تزهر فيها الأماني وتتفتح الأحلام ورحنا نمرح في جنبات الدار كأسعد عاشقين أتم عليهما الحب نعمته وأسبغ أمنه. فإذا دنا المساء فذراعها إلى ذراعي في الحدائق الفينانة والملاعب الساهرة؛ فما في الناس إلا من يعرفنا فيتمنى ويرانا فيغبطنا! وكنا في البيت فجاءت تسعى إلي ضاحكة مزهوة قالت: (كيف ترى هذا الثوب يا حبيبي؟) قلت: (إنك به لأكثر فتنة!) قالت: (إنما صنعته بيدي، ولقد أدمت الإبرة إصبعي، ولكني بما أصابها لسعيدة! أرأيت يا حبيبي إنني لا أشتري جمالي من السوق، ولا ألتمسه عند الخياطة؟) قلت: (إنني بك فخور!) قالت: (بل قل بربك إنك تحبني، وأترك لي وحدي نعمة الفخر بحبك!) ثم لوت لتهيئ لنا الطعام. ما أشهى ما أكل من صنع يديها الجميلتين! ومضيت في سبيلي إلى المجد اقتحم الصعب وهي من ورائي تدفعني إلى الجهاد وتضاعف في الأمل. فإذا أعياني الجهد ونالني التعب وتكاءدتني عقبات الطريق - مالت علي تهمس في أذني عاتبة: (كيف تضيق بنفسك يا حبيبي وأنا إلى جانبك!) يا الله! أكان هذا كله خيالاً من تلفيق الأحلام، تجمع من صورة إلى صورة دنيا تموج، ومن جزء إلى جزء عالماً مصوراً من المنى التي نلتمسها في اليقظة فلا نراها. . .؟ لا أكاد أصدق من طول ما تتراءى لي هذه الصور أنها غير حقيقية! فهأنذا ما أزال أفتش عنها. . . عنها هي، واثقاً أنني سأجد عندها تعبير أحلامي. . .! ويحي؟ أين هي الآن مني؟ أتراني ألقاها في الخيال على غفلة منها، أم أنا من فكرها في مثل موضعها من فكري فنحن نلتقي على ميعاد؟ ألا كم يفعل الحب من معجزات! أنه ليضاعف وجود العاشقين إذ يلتقيان على البعاد في دنيا

стр. 6318

الوهم، فهي معي هنا، وأنا معها هناك. . .! ومضيت على وجهي أتنفس في الحقول المبسوطة مد البصر وهرول إلي صبي ضاحك مبسوط اليدين قال: (أبي! أنت هنا؟ لقد نشدتك طويلاً فما بلغت إليك نفسي!) قلت: (أهذا أنت يا ولدي؛ ما بيدك؟) قال: (هي زهرة جميلة، سأغرسها في حديقة الدار تنفح العطر وتبعث البهجة والجمال؛ سيسر أمي أن تراها. . . أين أمي، لماذا لا أراها هنا؟) قلت: (أمك؟ حسبتها معك، أتعرف أين ألقاها؟ فقد نشدتكما طويلاً؛ إن الدار من دونكما خلاء!) قال: (آه، سأذهب لأدعوها فأنها في انتظارك من زمان. . .!) ويلي! هي هناك تنتظر وأنا هنا؛ فما لنا لم نلتق من زمان؟ ومضى الصبي يبحث عن أمه، وإن عينيه لتنظران إلى الخلف يستوقفني إلى أن يعود! إن الولد لأبويه هو الجب والحنان والرحمة؛ هذا هو يسعى ليجمع الحبيبين وما التقيا قبلها مرة، فإذا تم له أن يخرج إلى الحياة يمرح بين أبويه فانه لعقدة الحب ووثائق الأبد أرأيت إلى الزوجين إذ ينفث الشيطان نفثته فتفترق أجسادهما؛ أتراهما يفترقان حقيقة وبينهما غلام؟ ألا إن خواطرهما لتلتقي عنده على طواعية ورضى في كل لحظة مرات، وإن لم يتراءيا وجها لوجه. . .! مضى الصبي يبحث. . . وأنا لا أزال أبحث أنا إلى الآن رجل عزب يحلم. . . وابني إلى الآن لا يزال في الغيب، يستجديني الحياة مني ومن أمه التي لم أعرفها بعد، ولا أزال أبحث عنها، وهي لا تزال تبحث عني. . .! أين أنت يا ولدي؟ أتراك تعود إليّ حياً كأولاد الدنيا، أم كنت ومضة أمل برقت لعيني خاطفة في الحلم، ثم توارت كلمحة البرق في ظلال السماء! أي زوجتي التي لم أعرفها لأني لم أرها بعد! أي زوجتي التي تنتظر وراء الستر حالمةً ترقب الميعاد!

стр. 6319

أي ولدي الذي يتوارى خلف الغيب ينادي أباه وأمه! يا أحبائي الذين يبحثون عني كما أبحث عنهم منذ سنين وسنين وسنين؛ أما آن لنا أن نلتقي حتى ألقى النعم الثلاث في زوجتي وولدي وفتاتي؟ أين أنتم يا أحبائي. . .؟ طنطا محمد سعيد العريان

стр. 6320

عظمة الكون بسعة وأنظمة ربنا ما خلقت هذا باطلاً! للأستاذ قدري حافظ طوقان قد يستغرب القارئ إذا قيل له إن شمسنا ما هي إلا واحدة من شموس لا عد لها، وقد يزيد استغرابه إذا قيل له أيضا إنه بتلسكوب جبل ولسون الذي قطر عدسته العاكس متران ونصف متر، وبالوسائل المتعددة للتصوير بالفوتغراف استطاع العلماء أن يكتشفوا أن مجرتنا تتكون من ألوف من الملايين من النجوم، وأن وراء ذلك مجرات وجزرا كونيه أخرى يربو عددها على ملايين عديدة قد يظن البعض أن الكون على هذه الحال مزدحم وليس فيه فراغ، وأنه ملآن بالعوالم والأجرام، ولكن الثابت أن كل هذه العوالم والأكوان لا تشغل إلا حيزاً صغيراً جداً بالنسبة للكون الأعظم، وأننا في خضم من الفراغ، وأن الفضاء أفرغ من أي شيء نستطيع تصوره. ليتصور القارئ وجود ثلاث نحلات في قارة أوروبا وعندئذ يكون هواؤها لا يزال أكثر ازدحاماً بالنحل من ازدحام الفضاء بالنجوم في أجزائه التي نعرفها. إن الأمواج اللاسلكية التي تسير بأعظم سرعة نعرفها (سرعة الضوء وقدرها ١٨٦٠٠٠ ميل في الثانية)، هذه السرعة تصل المريخ في دقيقتين، ولكن قد يذهل البعض إذا علم أن هذه الإشارات تحتاج إلى سنين، بل إلى مئات وألوف منها لتصل إلى سيارات بعض النجوم الموجودة خارج مجرتنا؛ وقد لا يصدق البعض الآخر إذا قيل له إن أقصى السدائم التي نراها في الفضاء يبلغ بعدها (١٤٠) مليون سنة ضوئية، أي أن ضوءها يستغرق ١٤٠ مليون سنة في الوصول إلينا. وسيكشف لنا العلم بوسائله المتعددة عن سدم أبعد من هذه بكثير يظهر مما مر أن المسافات التي تفصل بين الأجرام السماوية شاسعة جداً قد لا يستطيع العقل البشري تصورها، وأن الكون أعظم مما نتصور، وكلما تقدم الإنسان في ميدان المدنية على اختلاف مناحيها تتجلى له عظمة هذا العالم وروعة هذا الكون، وتتجلى له غرائبه بما يخلب اللب ويدهش العقل ويحير الفكر ومن يبحث في هذا الكون العظيم ويسع في الوقوف على أنظمته والقوانين التي تسيطر

стр. 6321

عليه يجد أن لا شيء فيه ألا ويسير ضمن دائرة من القوانين لا يتعداها، وأن لكل شيء سبباً، وأن ما يسيطر على أصغر أجزاء المادة يسيطر على أكبرها. . . فالمادة تتألف من الجواهر الفردة، وهذه تتألف من كهربائية سالبة تسمى كهرباً، وكهربائية موجبة تسمى نواة؛ والكهارب تدور حول النوايا في أفلاك، وهذا التركيب وما فيه من نظام وما يسوده من قوانين يشبه النظام الشمسي، فهو مجموعة شمسية مصغرة، فالنواة تقابلها الشمس، والكهارب تقابلها السيارات دائرة في أفلاكها حول الشمس، وتصدق هذه المقارنة على حجوم الكهارب والنوايا وعلى المسافات؛ فلقد ثبت أن نسبة حجم الكهرب إلى النواة تقارب النسبة بين حجم أحد السيارات المتوسطة والشمس. مما تقدم ومن نتائج بحوث علماء الفلك يظهر أن الكون متسق في نظامه، متناسق في أجزائه، متشابه في تركيبه، والنظام الموجود في السيارات والشموس هو بعينه في الجوهر الفرد: في الكهارب وفي النوايا؛ والقوانين التي تسيطر على الأولى تسيطر على الأخيرة، أي أن الكون في أصغر موجوداته وأكبرها سار ويسير حسب نظام مخصوص وحسب قوانين ثابتة اكتشف الإنسان بعضها، وأن موجودات هذا العالم أيضا متصل بعضها ببعض لا يستغني أحدهما عن الآخر، وأنه ما من شيء خلق لنفسه أو يقدر أن يعمل شيئا بدون غيره، والجوهر الفرد بألكتروناته ونواياه هو أصل كل شيء في الوجود، في الأرض، في السيارات، في الشمس، في النجوم. . . . والعلاقة بين كل هذه متينة والرابطة أمتن، علاقة التشابه ورابطة التركيب؛ فمن الذرات الكهربائية تكونت الجواهر الفردة، ومن الجواهر الفردة تكونت الدقائق التي منها تتكون المادة، ومن ذلك أصل النظام الشمسي والأنظمة الشمسية الأخرى وما فيها من نجوم وسدم وسيارات ومذنبات وشهب الخ. . . . والآن. . . نأتي إلى الإنسان. . . . ما علاقته بهذا الكون؟ ما مقامه؟ بينما نرى الإنسان كبيراً جداً جدا بالنسبة إلى الجواهر الفردة، إذ وزنه يعدل ألف مليون مليون مليون مليون جوهر فرد، نراه في الوقت ذاته صغيراً جداً جداً بالنسبة إلى أحد الكواكب المتوسطة القدر التي وزنها يعدل عشرة آلاف مليون مليون مليون مليون رجل. . . . . . . . . . من هنا نرى أن الإنسان يكاد يكون متوسطاً بين الجواهر الفردة والكواكب، ومن هذه النقطة المتوسطة يستطيع (الإنسان) أن يكشف عن طبيعة الأشياء الصغيرة من جهة،

стр. 6322

والأشياء الكبيرة من جهة أخرى بفضل ما وهبه الله من الصفات العقلية والروحية قد يقول البعض إن الإنسان استطاع أن يصل إلى نقطة قد تساعده على فهم أسرار هذا الوجود، وعلى الكشف عن غوامضه والوقوف على حقيقته ولكن مهلاً. . . . كلما تقدم الإنسان في الكشف عن قوانين الطبيعة وفي تفهم أسرارها، رأى نفسه أمام أسئلة عديدة لا يستطيع الإجابة عنها، وقد زاد اعتقاداً بضالته وجهله وبأنه لم يكتشف شيئاً بعد، وأنه لا يزال في فجر يقظته العقلية، وفي أول مراحل التفكير الجدي في الوقوف على أسرار الوجود. وكلما قلب بصره في هذا الفضاء وزاد معرفة به، شعر بأن الوداعة تقترب منه، وأن من الواجب عليه أن يكون في الذروة العليا من التواضع وسمو الخلق؛ ولا عجب في ذلك، فحسبه أن يعرف أن الأرض إزاء الأجرام السماوية التي لا عد لها أشكالاً وأنواعا كذرة من الغبار سائرة إلى الفناء لا تأبه للحياة وفوق ذلك فأجزاء هذا العالم مرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا يستطيع أي جزء أن يسير بدون غيره، والإنسان مرتبط بأخيه الإنسان، وهذه كرته التي يعيش عليها وما فيها من حيوان وجماد ونبات، لها علاقات مباشرة وغير مباشرة مع غيرها من الكواكب والنجوم؛ فلولا الشمس لما عاش النبات والحيوان والإنسان، ولولا القمر لأختل نظام التجارة، ولولا الكواكب والنجوم وجذب بعضها لبعض لما استطاع أن يحفظ كل نجم أو كوكب مركزه في هذا الوجود، ولسادت الفوضى وعم البلاء. وعلى هذه الحال، فالعالم مترابطة أجزاؤه، تسيطر عليها أنظمة وتتولاها قوانين لا تتعداها ولا تشذ عنها. والذي لا ريب فيه أن هذا الكون لم يوجد من تلقاء نفسه، إذ لو كان كذلك لما رأينا فيه (أي في الكون) هذا النظام وهذا التنسيق، بل إن هناك قوة خارقة منسقة منظمة، لا يحيط بها عقلنا، بل هي تحيط بنا وبهذا الوجود من كل نواحيه. أوجدت هذا الكون الأعظم وجعلته يسير ضمن نواميس ثابتة. ومهمتنا نحن البشر أن نزيد معارفنا عن هذه النواميس ونبحث في أصولها، وكلما زدنا معرفة بها زدنا اعتقاداً بقدرة الله الخارقة المنظمة، وأيماناً بعظمته وقوة إبداعه، وظهر لنا بجلاء مقام الإنسان في هذا الكون الذي لم يخلق باطلا هذا الاعتقاد، وذاك الإيمان إذ رسخا عن طريق الدرس والبحث فانهما يسموان بصاحبهما

стр. 6323

إلى عالم أسمى من عالمنا، وفي هذا لذة روحية هي أسمى أنواع الملذات. . . (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك. . .) قدري حافظ طوقان

стр. 6324

٢ - من أدب الزراعة للأستاذ محمد محمود جلال تمر اليوم بالحقل فتقر عيناك ببساط سندسي وقد نبت البريسم فحلى عاطل الأرض بعد أن كان حباً ميتاً يوم جيء به من المحزن فبذر في ظل الذرة نامية السوق ناضرة اللون فتتمثل بقول الصانع الحكيم (يخرج الحي من الميت). . . ولكل نبت من شعرات البساط مهما دق روح وخصائص للنمو والتزاوج والأزهار والأثمار يروقك المنظر بعد أن انجلى عنه ما كان يشوبه منذ أيام من سوق يبست فثقلت على النفس، وهانت على الزمن، فناداها أجلها فانتهت أشبه ما تكون بعهد الظلم أو بالظلام عفي ضياء العدل أو ضوء الشمس آثاره حبذا الحدود تضع لكل مخلوق دوراً، وحبذا التزامها، وما أنكر الطغيان! قال رسول الله ﷺ (من أخذ من الدنيا فوق حاجته أخذ حتفه وهو لا يشعر) ولكن الخير المحض لا وجود له في الدنيا، وكذلك لم يخل الله مخلوقا من نفع، فذاك اليبس في السوق، وتلك الضآلة في منظر الذرة حين تجف، إنما تحمل مادة الحياة وغذاء الغالبية العظمى تلك الأمطار المثقلة أشبه بثمار التجارب وعميق الفكر، لا تنضج إلا في استواء العمر وأواخر الحياة، فيكثر الإطراق والإغضاء اتساعاً للناس على علم من الحياة، ورحمة بالعاني والخاطئ، وتحبب إلى النفس العزلة والانزواء، فيسعى إلى أهل الرأي والتجربة رائدو الحكمة وطالبو العلم كما يسعى الناس إلى التمون من تلك الثمار الجافة حيثما وجدت وفي مظاهر الهدوء والإطراق سمة الاتعاظ والبعد عن الزهو والصلف، وهي مظاهر لا تلقاها إلا حيث تلقى الفضل والنبل، بل هي سياجهما وشارتهما كما يقول المرحوم شوقي بك: ومن لمّ يجمل فضله بتواضع … يَبِنْ فضله عنه ويعطل من الفخر على أن هذا البساط الذي يأخذ بالأبصار، ويضفي اليوم على الوادي ثوباً قشيباً حبيباً، إنما نبت في كنف غيره، وإنما كفله واخذ بيده سواه

стр. 6325

ففي دفء (الذرة) يوم كانت حلية الأرض تغذى، وفي حمى سوقها التي تزدري اليوم ازدهر. فكانت له الأب البار، أو الوصي الأمين، حتى تم الدور فتخلت ناعمة لسعيها راضية. قدمت الخير واطمأنت، وما خلفته إلا حين رأت فيه القدرة على بدء دوره معان للتعاون وربط أدوار الحياة ببعضها. (وفي الأرض آيات للموقنين). ومنذ آلاف السنين تمر قوافل الأجيال منا في كنف الوادي الأمين بتلك العظات، وتتصفح أخراها تاريخ أولاها، وتتبين العز يكلل جبين القوم متحداً، وسيف الذل مسلطاً على رقابه متفرقاً: عظة قومي بها أولى وإن … بعد العهد فهل يعتبرون أجل، لا يعتبرون ولو تكررت العظة في كل موسم. .!! فإذا أشحنا عن منظر لا يروق، ردنا إليه الذكر حين ندرك يده فيما يروق، وفاء للغابر، وعرفاناً للجميل: ومن شكر المناجم محسنات … إذا التبر انجلى شكر الترابا والحياة مزيج، فهنا تلقى بقعة من منضور النبت حالية، وهناك تلقى قطعة من بهجة الأرض عاطلة، بل قد ينفر سمعك من الاسم الذي يطلقه عليها (أدب الزراعة) فهي تسمى في العرف بوراً هذا (البوار) مقدمة الخطبة، وهذه (البائرة) كثيرة الخاطبين فعطلها اليوم مؤقت، وخلوها قصير الأمد (وبورها) فأل الخير الدافق في المستقبل القريب هذه القطع الخالية هي المعدة لزراعة القطن في الموسم القادم، فهي اليوم رهن التهيؤ والأعداد (وبورها) كيوم الجمعة عندنا، تستجم فيه العافية، وكيوم الأحد عند غيرنا، جعلوه للراحة والتسلية، فإذا أقبل يوم السبت أو الاثنين فنشاط يفوق نشاط الأيام الأخرى عاطلها اليوم كذوي النفع والخير المستخفين، أو الذين تقصيهم الأوضاع السقيمة وطغيان المتحكمين في البيئة كما قسمت الأرض لمحض فكرة الزارع في الكسب - حتى يأتي عدل الله، فيقيم المعوج، ويقصي الضار، ويظهر الحق، ولكل أجل كتاب هذه القطع (البور) غمرها ماء النيل رجاء إخصابها، ولتجدن من بينها اليوم ما يأنس بالمحراث أنس الطروس بالأقلام، تسيل علماً وحكمةً وأدباً مروحاً، حتى إذا نظرت إليها

стр. 6326

نظرت إلى سطور خير في أسرع الصحف تلبية وإنتاجا ولقد شاد بتلك الروعة الضابط العيوف (محمد توفيق علي) حين اضطر إلى ترك الصفوف وخدمة الجيش، وعكف في مزرعته يغذي ميداني الأدب والزراعة فقال: ويا سطوراً بمحراثي أدبجها … لا يستقل بها القرطاس والقلم أما (المحراث) الذي يشق لنا الأرض اليوم ليفتح سيل الخير غداً فقد جاءنا بأكثر من احتلال واحد فإذا ذكرت (قصر النيل) ومآله، (وقشلاق العباسية) وعاره، فإنك واجد في أعماق الريف وأينما سرت فوق التربة المصرية (فوردسن) و (لانس) و (هوفر) من معادن غريبة عنا، وبائعين لا يذكرون لنا من حسنة الاسداد (القسط)، فإذا أردنا للمحراث حركة، فلا بد من (البنزين) من أمريكا، (والقار) من رومانيا، والزيوت من أصقاع نائية وأما تلك الأوراق التي يوقعها الزارع. فغذاء للمحاكم المختلطة، وجن يحمل المال من مصر إلى أوربا، وآفة من آفات الإهمال قضت على إحدى صناعات الزراعة، وهي تربية الماشية، ودهورت أسعار الحبوب والزروع من فول وشعير وعلف، كانت تحمل من أرضنا إلى موانينا، ونؤدي الثمن في المنيا والخرطوم، فلا تعدو خيراته الإسكندرية، ثم يعود في أبواب أخرى إلى المدينتين وسواهما من مدن القطر المصري السوداني وبلاده وقراه! محمد محمود جلال المحامي

стр. 6327

الشاعر والطبيعة بقلم نظمي خليل . . . كل شيء في هذا العالم محاكاة، والفن هو أكثر الأشياء محاكاة للطبيعة. والشعر هو أسمى أنواع الفنون، لأنه لا يعطينا الصوت فقط كما تفعل الموسيقى، أو الشكل فقط كما يفعل النحت، أو اللون فقط كما يفعل التصوير، ولكنه يمزج هذه كلها ويقدم لنا صورة حية تؤثر في الحواس كأنها الحقيقة بعينها، بل ربما كانت أكثر حقيقة من الحقيقة ذاتها، لأن الشيء الذي لا نراه إلا بالعين يكون خارجا عنا ولا يقع تحت إدراكنا، ولكن عندما يصفه شاعر موهوب تراه وتشعر به ايضا، وتقف على ما دق وصغر من كنهه الدفين. بل قد يتفتح هذا الشيء من تلقاء نفسه عند ما تسلط عليه عين شاعر نافذة فتكشف عن دخائله في غير تستر ولا استخفاء . . ولكن الشاعر لا يحاكي ما يراه من مظاهر الطبيعة ومناظرها كما يحاكيها الرجل العادي، بل هو لا ينظر إليها نظرة سطحية ساذجة كتلك التي يلقيها الرجل العادي، ولكن نظرة الشاعر أوسع وأشمل، لأنه يعيش في عالم أوسع وأشمل وأعمق من عالمنا، وينفذ ببصيرته إلى جوهر الأشياء ولها. بل إن أذن الشاعر أكثر موسيقية وحساسية من أذن الرجل العادي لأنه يشعر ويسمع كل ما يحيط به من عالم الحس والموسيقى، ويتبين أنغامه ويستمع أصواته المتوافقة الجميلة. فهو وحده الذي يستطيع أن ينفذ إلى قلب هذا العالم الذي يهتز دائماً بأنغام موسيقية متزنة، وهو وحده الذي يمكنه أن يفصح عن هذا الجمال الموسيقي في صوت قوي جذاب، لأن صوت الشاعر أقدر الأصوات وأصلحها لأداء هذه المهمة السامية الجليلة فقد يقف إنسان على صخرة عالية وينظر إلى البحر الذي أمامه فيراه يتحرك ثم يصطفق ثم يعلو ثم يفيض ثم يهتز ثم يلمع فلا تهيج فيه هذه الصور الجميلة المتتابعة شعوراً ولا تهز منه قلباً، ولعله لا يفطن إلى هذه التغيرات السريعة المتعاقبة، ولا يفقه لهذه الحركات والتموجات المائية جمالاً، ولكن هذه الصور المتحركة الجميلة لا تمضي دون أن تثير في الشاعر نوعاً من الإحساس العميق القوي فتدفعه إلى تحريك اللسان، كما حركت لسان تنيسون من قبل فقال: (إن البحر المتجعد يدلف تحته) أو كما حركت لسان بيرون في

стр. 6328

المحيط فقال: (مرحى! مرحى! أيتها الأمواج الزرقاء. مرحى مرحى أيتها المغاور والفجاج! إلى الأمام أيها السفين إلى الأمام! إن أرض الوطن قد توارت. أيها الوطن سلام عليك! أصطخب أيها المحيط الأزرق العميق، أصطخب أيها المحيط لقد أحببتك. وعلى صدرك كانت ملاعب صباي، ومواطن سروري؛ كنت أعبث بأمواجك صبياً وكان ذلك أعظم سروري. فأن جعلها البحر رعباً فما أحبه رعباً! كنت ألجأ إليك كأنك أبي، وأخلد إلى أمواجك القريبة والبعيدة، وأمر بيدي على لبدك المتكاثفة كما أفعل هنا الآن.) وقد يقف إنسان بجانب ماء آخر ليس لامعاً ولا متحركاً، ولكنه مظلم عميق، فلا يفكر في جمال هذه الصورة ولا يشعر بها، لأنه لم يوهب حساسية غزيرة أو شعوراً قوياً عميقاً يدفعه إلى أن يديم النظر في مثل هذه الصورة الطبيعية الأخاذة، ولكن الشاعر الذي يشعر بهذا الكون ويفكر في هذا الكون، لا يفوته هذا الجمال الطبيعي الساذج فيصيح من تلقاء نفسه كما صاح تنيسون من قبل إذ يقول: (إنها عين ماء نائمة) . . . فالشعراء يشعرون بما حولهم من عالم الحس والطبيعة وهم لا يقنعون بهذا العالم الأرضي، بل يشركونه بالعالم السامي، عالم الخيال، دون أن ينفصلوا عن عالمهم الأول. أما أولئك الذين لا يحسون بهذا العالم السامي، عالم الفكر الدقيق، والخيال البعيد، فانهم لن يكونوا شعراء وإن كانوا يستطيعون النظم ونحت القوافي وقد يتمادى بعض الشعراء في شعورهم بهذا العالم الآخر فينسون أنفسهم وهم يحلقون إليه فيضلون الطريق ولا يستطيعون الرجوع إلى أوكارهم الأولى فيمضون يضربون بأجنحتهم في الفضاء على غير هدى حتى ينالهم التعب ويلحقهم اليأس فيهوون من سماء عليائهم محطمين. . . . . . . فالشعراء حقاً هم الذين يصلون العالمين، ويجمعون بين الحياتين: حياة الواقع وحياة الخيال. الشعراء حقاً هم الذين يتأثرون بما حولهم ويأخذون جانباً كبيراً من عواطفهم من العالم الظاهري، من نسائه وأزهاره وأجوائه ودقائقه، ثم هم يلقون على هذه العواطف ألواناً من العالم الخفي حتى تظهر كأنها غريبة عنا. . . فالشاعر لا يرى الأسد كما يراه عالم الحيوان، ولكنه يخلع عليه صوراً تجمع بين ضروب المشابهة والضد، فيتأمله في حالات عدة كالذعر والخوف والإعجاب، وقد يأتي وصفه بعيداً

стр. 6329

عن الحقيقة، ولكنه وصف شعري جميل على كل حال. فليس المهم في الأمر هو صدق الوصف ومطابقته للواقع أو عدم مطابقته، بل الشيء المهم هو صدق عاطفة الشاعر. فإن لم يكن الشاعر صادق الشعور والعاطفة جاء شعره رديئاً. . . ووصفه غثاً . . . ونظرة الشاعر لزهرة السوسن الأبيض ليست كنظرة البستاني لها، وليست نظرة هذين الاثنين كنظرة عالم النبات الأخصائي. فإذا سألت البستاني عن هذه السوسنة لم يزد على أن يذكر اسمها؛ هذه حقيقة، ولكن الشاعر لا يقف عندها بل قد يجيبك كما أجاب (سبنسر) (إنها سيدة الحديقة) وهنا نبتدئ نحس ببعضها ما في هذه الزهرة من جمال شعري وحسن، وقد يأتي شاعر آخر (كبن جونسون) وينظر إلى هذه السوسنة متأملاً فيقول (إنها نبتة الضوء وزهرته) وهكذا يظهر لنا الشعر الجميل هذه الزهرة في حلل بهائها وسرها الدفين الآن وقد عرفنا أن مادة الشعر هي الحياة، كما هي مادة كل فن آخر من الفنون السامية، وأن غذاءه من الطبيعة، وهي غذاء سائر الفنون، نريد أن نعرف مدى تأثير طبيعة إقليمنا المصري في شعرائنا المصريين لقد قدمت أن الشاعر الحق هو الذي يشعر بما حوله، أي هو الذي يحس بطبيعة بلاده أو البلاد التي يعيش فيها، فيتأثر بجوها، ويستلهم سماءها ومناظرها، فتوحي إليه بروائع الأشعار هذا ما كان عليه ذلك الشاعر الجاهلي الذي عاش في الصحراء، والذي افصح عن حياته البسيطة الساذجة في أسلوب شعري دافق عاش الشاعر العربي القديم تحت سماء صافية سافرة، وفوق رمال مترامية متصلة، وجبال تتفاوت علواً وانخفاضا. يجيل بصره فيما حوله فلا يرى إلا كثباناً من الرمال، وأودية ممرعة نبتت حول بعض الآبار، وقطعاناً من الإبل تروح وتغدو على هذه المراعي الخضراء هذا ما كان يراه، وهذا ما ألف رؤيته كل يوم، فلم يحاول له تغييراً. . . لم يعرف حياة الاستقرار والطمأنينة، ولم يتعود حياة الرفاهية والكسل، بل كانت حياته حرباً مع الطبيعة، لا ينفك عن الصراع معها. لذلك جاء شعره صدى لتلك الحياة القوية

стр. 6330

العنيفة التي كان يحياها قوياً عنيفاً، يعبر عما كان يعصف بقلبه من أشواق ولهب، وما يتنازعه من ثورات ونزوات. ومن أجل هذا نرى الشعر الجاهلي أصدق أنواع الشعر لسلامة نفوس قائليه. فهو شعر الفطرة والسذاجة لا شعر الصنعة والتكلف. هو خال من كل فن ورياء، يكشف عن نفسية عربية سليمة، وروح أبية كريمة. ومن أجل هذا نجد كل ما في هذا الشعر من صور قد أخذها الشاعر مما حوله، فهو يستهل قصيدته بوصف الأطلال، ودار الحبيبة التي أقفرت وخلت بعد أهلها. ثم يصف النؤى والأحجار التي حول هذه البيوت، وكيف أن هذه النؤى قد أعانته على معرفة هذه الديار بعد غياب دام سنين طوالاً. ثم يذكر حبيبته وما كان بينهما من حب، وينتقل من هذا إلى وصف ناقته وصفاً دقيقاً، ويصف جسمها وسرعتها، وصبرها على وعورة الطريق وبعد السفر. ثم ينتقل بعد هذا إلى موضوع القصيدة من مدح أو فخر هذا شأن الشاعر الجاهلي الذي عاش في قلب الطبيعة، والذي تأثر بالطبيعة، ففاضت نفسه بحبها والإشادة بجمالها. فأين شعراء مصر اليوم من أولئك البدو الذين صوروا لنا تلك المناظر الجافة من رمال وجبال وأطلال قد لا تثير إعجابا، ولا تهز قلب من يراها اليوم في صور شعرية كلها صدق وجمال ما بال شعرائنا المصريين قد جهلوا الطبيعة وتغافلوا عن أثرها القوي في حياة الشعر وخلوده؟ . . . إن أدبنا المصري الحديث على ما يزخر به من دواوين شعرية لا تعد، وكتب نثرية لا تحصى، أعجز من أن يقف بجانب غيره من الآداب الغربية كالفرنسي أو الإنجليزي في وصف الطبيعة. فإذا عرضنا إلى الأدب المصري الحديث فأننا نجده خلواً من الأوصاف الطبيعية والصور الريفية أليس من النقص المعيب في أدبنا العصري ألا نرى فيه أغاني شعبية تمتزج بالطبيعة المصرية وتصطبغ بالصبغة القومية؟ أليس من العيب أيضا أن نجد شاعراً إنجليزيا (كلي هنت) يصف النيل ويستمع إلى ضحكات كليوباطرة وسط خرير مائه العذب ويستوحي طبيعة مصر الشاعرة فتأتيه الصور متزاحمة فيندفع شعوره مع تيار النهر ويمتزج بطبيعته

стр. 6331

ثم يفيض على جانبيه شعراً قوياً جميلاً؟ بل أليس منظر الفيضان وجريان مائه في قلب الوادي مما يثير في كل مصري شعور العزة والمجد والفخار، ويهز قلب كل شاعر مصري فيترنم بأناشيد الحب والجمال. . ليس من شك في أن طبيعتنا المصرية طبيعة جميلة، شاعرة، وليس من شك في أن طبيعتنا المصرية طبيعة هادئة تبعث على التأمل والتفكير. . ولكن لم لم تلهم شعراءنا المصريين هذا الشعور القوي والإحساس الغزير الذي نحسه في شعراء الطبيعة الغربيين ولا سيما الإنجليز؟ إن الذي يقرأ ورد زورث وبيرون وشلي وكيتس، وغيرهم من الشعراء الابتداعيين الذين ظهروا في أوائل القرن التسع عشر يشعر بقوة هذا الشعر وأثر الطبيعة فيه، بل يشعر بأن روح الشاعر قد امتزجت بما حولها من الجبال والوديان والبحيرات والبحار فصارت جزءاً منها . . ومن يقرأ (شلي) يقف على سر إحساسه بالجمال. فهو لم يرض بهذا العالم ليكون مأوى صالحاً لروحه، ولكنه لم يجعله عدواً لمثله الأعلى. فهو يتساءل لم لا يكون جميلاً كالبحار والنجوم والبحيرات والغابات والجبال. فطبيعة شلي كانت ميالة دائماً إلى ازدراء الحقيقة وإن من يقرأ مناجاة شلي للقبرة يقف على تلك العاطفة القوية، عاطفة الحب التي تسلطت على جميع مشاعره، فهو يقول: (سلام عليك أيها الطائر السامي الذي لم تلامس الأرض، ولكنك تحلق في أطباق السماء العامرة بينابيع الفن الأصلية حيث تنسكب في قلبك. ترتفع عن الأرض وتسمو عالياً وعالياً كسحابة من نار، وترفرف بجناحيك في أعماق الجو الصافي. ثم تشدو وأنت تغني، وتغني وأنت تشدو. . . في الأنوار الذهبية للشمس الغارقة في بحار السحب تطير وتسبح. أيها الطائر إنك وإن كنت بعيداً عن أنظارنا، ولكني أسمع أنشودة سرورك، تملأ الأرض والجو بصوتك إذا ما خلع الليل رداء السحب وسقطت أشعة القمر الباردة فغمرت الكون. . . أيها الطائر إنك شاعر مختبئ في ضوء الفكر يترنم بأناشيد الخلود، حتى يتنبه له العالم فيحنو على الآمال ولا يبالي بالمخاوف. . . خبرني من أي الينابيع تستقي سعادتك؟ أمن الحقول، أم من الأمواج؟ أم من الجبال، أم من الأجواء، أم من السهول؟ إن سرورك الصافي العميق لن يفتر ولن يقل، وإن شبح الكدر لن يحوم حولك، إنك تحب، ولكنك لم تشرب قط ثمالة الحب المحزنة. . . . . .) وقد تحس وأنت تقرأ شعر بيرون بذلك التجاوب القوي بين روح الشاعر وروح الطبيعة.

стр. 6332

تلحظ ذلك واضحاً في سياحته الثانية في أوربا عندما يترك الآثار والتاريخ والمجد والشهرة والشعوب وماضيها وينحاز إلى جانب الطبيعة، فيتحدث إليها في شعر عذب رقيق، فيقول: (إن الطبيعة المحبوبة لا تزال أبر أم بنا، ومع أنها دائمة التغير فهي باسمة دائماً، فدعني أرتمي على صدرها العاري الحنون، فإنها لم تفطم ابناً وإن لم يكن عزيزاً لديها. . . إنها أجمل ما تكون في مظاهرها الوحشية حيث لا شيء إلا السذاجة والفطرة والبعد عن كل زينة وصنعة. أنها تبتسم لي دائماً، ليل نهار، مع أني أرقبها حيث يخلو الطريق من الناس، وأبحث عنها في دأب وصبر، وأحبها في شغف وكلف عند الغضب. . . . أيتها البحيرة الساكنة السطح الراقدة الماء. لقد لجأت إليك في هذا العالم الصامت. إن فيك لدفئاً لفؤادي، وإن في مياهك الهادئة لراحة لنفسي وسلواناً. . طالما أحببت اصطخاب البحر وزئيره ولكن وسوسة مياهك الناعمة والهدير المردد بين ضفافك يرن في أذني حلو الأنغام كأنه صوت أختي أتاني خلال مياهك. . . إن أقوى اللذات لا تبعث بروحي هكذا. . . . . . هاهو الليل. . أيها الليل الجليل. إنك لم ترسل للنوم. دعني أقاسمك أنسك ووحشتك، وأتلاش في العاصفة وأفن فيك. . كيف تضيء البحيرة، وكيف يلمع البحر ويأتي المطر راقصاً مهتزاً إلى الأرض. .) . . . قد يقول قائل إن الطبيعة المصرية خلو من مناظر سويسرا، مفتقرة إلى الجبال الشامخة والوديان العميقة والبحيرات الجميلة. فهي طبيعة هادئة لينة أقرب إلى الضعف منها إلى القوة. وقد يشتط في القول فيعلل ضعف أثر الطبيعة في نفوس شعرائنا المصريين بعدم وجود الهيارات الثلجية والجو القارس الذي يبعث النشاط والحركة. قد يكون لهذا الاعتراض بعض وجاهته. وقد تكون الطبيعة المصرية مفتقرة إلى هذا العنصر من عناصر القوة، وقد تكون الطبيعة المصرية متشابهة المناظر موحدة الصور. فقد لا يشعر المسافر من الإسكندرية إلى أسوان باختلاف كبير في طبيعة وادي النيل، فقد يجد سهولاً مترامية تكسوها النباتات الخضراء في أراضي الدلتا. وقد يجد وادياً ضعيفاً تكتنفه على الجانبين جبال تتفاوت في البعد والقرب في إقليم الصعيد قد تكون وحدة الصور هي التي عملت على أضعاف اثر الطبيعة في نفوس شعرائنا فجعلتهم ينصرفون عنها، ويستوحون طبيعة أوربا ذات الصور المتعددة والأشكال المتباينة.

стр. 6333

قد يكون لوحدة الطبيعة المصرية، وقرب تشابهها بعض الأثر. ولكن هذا الأثر لا يجعل شعراءنا وكتابنا ينسون أو يتجاهلون أثر الإقليم المصري كله، أثر ذلك الجو الصافي والسماء الزرقاء والحقول المنبسطة إني لا أنكر أن بيننا كتابا وشعراء طبيعيين قد أحسوا بما جهله غيرهم، وانهم قد شعروا بهذا النقص المعيب في أدبنا فأرادوا أن يسدوه . . . ولكني أتساءل في صراحة غير جارحة، هل كان شعورهم بطبيعة بلادهم آتياً من طبيعة نفوسهم. هل أووا إلى طبيعة بلادهم يستلهمونها هذا الفن الخالد، فن الأدب السامي الرفيع بدافع نفسي خالص، أم أن أثر الثقافة الغربية والتأثر بالشعراء الابتداعيين في فرنسا وإنجلترا كان هو الموجه لهم إلى ذلك. . . . . . إني أخاف أن يكون هذا صحيحاً. وأخاف أن تكون طبيعتنا المصرية الجميلة الساحرة، طبيعتنا المصرية المتأملة المفكرة قد عجزت عن أن تلهم شعراء مصر الشعور بالجمال والغبطة والهدوء. أخاف أن تكون طبيعتنا المصرية الشاعرة عاجزة عن أن تستأثر بأبنائها الكتاب والشعراء فتجذبهم نحوها وتفني فيهم ويفنون فيها كما تفعل الطبيعة الإنجليزية مثلاً. . . أرجو أن تكون طبيعتنا المصرية قوية كما هي جميلة، ساحرة كما هي هادئة. وأرجو أن يكون هذا النقص راجعاً إلى شعرائنا الذين لا يكادون يشبون حتى يتركوا أمهم الرءوم وينسون موطنهم الأول ويدلجون في ظلم الحياة فتلهيهم عن ذلك المستودع الغني بفنون الحسن والجمال نظمي خليل كلوريوس في الأدب الإنجليزي

стр. 6334

آخر طلق من بندقيتي للامارتين خرجت ذات يوم للصيد، فلمحت على بعد ظبياً تلوح عليه دلائل الطهارة والغبطة وهو يقفز مرحاً فوق الخضرة التي بللها الندى ويظهر أن الغريزة التي تخلقها العادة تتغلب دائماً على الطبيعة النفور من القتل، ولذلك لم أشعر إلا وقد فتنت رصاصتي إحدى كتفيه. وعندئذ أخذت أقترب منه وقد هرب دمي واضطربت نفسي، لآن ذلك الحيوان الوديع كان ورأسه ملقى فوق العشب ينظر إلى بعينين تسبح في مآقيهما الدموع نعم إنني لن أنسى تلك النظرة التي جمعت بين دهشته وألمه، لأنها كشفت لي عن مبلغ شعوره الناطق وإن كان أبكم. شعرت كأنها توجه إلي مرير العتب على قسوتي التي لم تقم على سبب، وكأنها تقول لي: (من أنت؟ إنني ما أسأت إليك. بل ربما كنت من الصابرين على حبك. فلم طعنتني تلك الطعنة القاتلة؟ ولم تطمع في حصتي من السماء والهواء والنور وتحول بيني وبين الحياة والشباب؟ ماذا يكون حال أمي وأخوتي وصغاري وصحبي وهم يرقبون عودتي إذا لم يروا بعد ذلك إلا بعض نتف مبعثرة من صوفي على أثر اعتدائك، وهذه النقط من دمي الذي لطخت به وجه هذا العشب النضير؟ أفاتك أن في السماء منتقماً لي وقاضياً لك؟ ومع ذلك فقد صفحت عنك، وهاهماتان عيناي لم يعد فيهما أثر للحقد، لأنني فطرت على التسامح، حتى مع قاتلي!) محمود خيرت

стр. 6335

أسطورة حديثة قلب الشاعر للأديب حسين شوقي لما فرغ الآلهة من خلق العالم السفلي، دعوا إلى حضرتهم الشاعر الذي كان قد سئم الإقامة بجوارهم وقالوا له: (إن الحياة هنا كما نرى عابسة لا تسرك أيها الشاعر، إنك في حاجة إلى التسلية. . إذهب إلى العالم السفلي الذي فرغنا من خلقه عساك تسر بما تشاهد هنالك من مناظر وملاه، ولسوف تدهشك أخلاق الذين أسكناهم إياه. . إنما يجب أن نحذرك تعاطي مخدر يتناوله بنو البشر يدعى الحب، لأن هذا المخدر قتال وإن كان لذيذاً، وبخاصة لقلب شاعر رقيق. .) انصرف الشاعر من حضرة الآلهة بعد أن سجد لهم شكراً على هذا العطف، ثم تناول مظلة ففتحها ثم هوى بها في الفضاء آخذاً طريقة إلى الأرض. . ما كاد شاعرنا يهبط حتى عرف أن البشر مقسمون إلى ثلاث طبقات: العظماء، والأوساط، والفقراء. . قصد الشاعر طبقة العظماء على ظن أن هذه الطبقة تجمع ولا شك خلاصة الناس وأرقاهم. . وهنالك وجد الشاعر قصوراً فخمة حليت جدرانها بالذهب وكسيت بالحرير، ولكن اشتدت دهشته حينما وجد حجرات هذه القصور قد انقلبت إلى معامل للدسائس يديرها الحقد، والطمع والغرور. . كما أنه شاهد في هذه القصور أناساً تبهر ثيابهم الأنظار بوشيها الفاخر العجيب، ولكن قلوبهم ويا للأسف! صيغت من النحاس. . أنصرف الشاعر عن هؤلاء العظماء وهو خانق لما شاهد فيهم من أخلاق لا تتفق ومثله العليا. . ثم قصد الطبقة الوسطى. . فوجد قوماً يجدون ويكدون في جمع المال، فإذا حصلوا عليه أخذوا يحاكون طبقة العظماء محاكاة القرد للإنسان. . عاف الشاعر هذا المنظر أيضا فانصرف إلى عالم الفقراء عساه يجد في النهاية مثله العليا لدى هذه الطبقة القانعة المتواضعة. . فوجد الشاعر قلوبا تحاكي الماس صفاء، ولكن وجد بجانبها ويا للأسف! بؤساً وانحطاطاً وأموراً لا تتفق وروح الشاعر الأرستقراطية. . ضاق الشاعر بالبشر ذرعاً فقصد الخلاء، فرأى فيه أودية ناضرة، وأنهاراً زاخرة، وزهوراً بهيجة الألوان، وبلابل تكاد تنفجر حناجرها الصغيرة من كثرة الألحان. . حقا، ً كلها مناظر

стр. 6336

جميلة، ولكن أين هذه الطبيعة المتواضعة من حدائق الآلهة الغناء حيث كان مباحاً للشاعر النزهة والتروض في أي وقت شاء؟. . يئس الشاعر من العالم السفلي وكاد يعود إلى السماء، إلا أنه فكر في اللحظة الأخيرة في تناول مخدر الحب الذي حذرته منه الآلهة، لأن النفس تواقة بطبيعتها إلى استيعاب المحظور وكشف المستور كان الشاعر كلما قصد صيدلية يسألها هذا المخدر شبعه أصحابها إما بالسخرية، وذلك إذا ظنوه مجنوناً، وإما بالغضب، وذلك إذا ظنوه عابثاً. . . ولما يئس من الحصول عليه، رجع إلى الخلاء فجلس هناك فوق ربوة في مكان تظلله شجرة صفصاف متهدلة الأغصان، وهو مطرق الرأس، فأطل عليه حينئذ ررزور فضولي من فوق غصن وقال: فيم تفكر أيها الشاعر الصديق؟ فقص عليه الشاعر قصته لعل هذا العصفور يهديه إلى ما يريد، فهو دائم الحركة والتنقل في حدائق البشر وحقولهم، فلا شك أنه يعرف عنهم أشياء كثيرة. . . أغرب العصفور في الضحك من قول الشاعر حتى كاد يسقط من فوق غصنه وقال: تبحث عن الحب؟ هاكه! ثم أشار إلى مكان آخر من الربوة ظلله كذلك الشجر الكثيف، فنظر الشاعر حيث أشار فوجد فتاة آية في الحسن، تجلس وحدها تغزل الصوف. . أخذ الشاعر لجمالها الرائع وأدرك معنى الحب من نفسه حينما حل هذا الإكسير العجيب في قلبه. . ثم أخذشاعرنا يتدفق في إنشاد الشعر فعجب من السهولة التي صار ينشده بها، ومن أن هذا الشعر أصبح أرق وأعذب من قبل. . ودهش من أمر هؤلاء الآلهة الذين يحرمون مثل هذا المخدر العجيب. . ولما كانت الفتاة تختلف كل يوم إلى هذا المكان تقضي فيه ساعة أو ساعتين في غزل الصوف كان الشاعر يأتي لينظر إليها متأملا ملامح وجهها الفتانة في خشوع وإجلال، فإذا انصرفت أخذ ينشد هذه المحاسن في صوت جميل أيضاً، لأن أوتار صوته صارت ذات رنين كرنين الذهب من جراء الحب، حتى أن بلابل الوادي كانت تسكت إذا مر بها الشاعر لتصغي إلى قلب الشاعر وهو يبوح بأول حب له. . ونقل الآلهة صوت الشاعر بواسطة الراديو وأخذوا يستمعون إليه وأخذوا يستمعون إليه في سرور عظيم. . ثم انقطعت الفتاة عن المجيء إلى الربوة، فانقطع الشاعر عن الإنشاد. .

стр. 6337

قلق الآلهة حينما انقطع إنشاد الشاعر، فأرسلوا رسولاً إلى الأرض يأتيهم بالخبر، وقد خيل إليهم لأول وهلة أن الانقطاع نشأ عن عطب في محطة الإذاعة. . فعاد الرسول بعد قليل من الزمن يقول: إن المحطة لم يصبها عطب، وإنما العطب وا أسفاه أصاب قلب الشاعر قتمزق قطعاً تحت شجرة الصفصاف! كرمة ابن هاني حسين شوقي

стр. 6338

بين فن التاريخ وفن الحرب ١٢ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد الصفحة الثالثة جرى القتال في هذه الصفحة حول الحديقة، والحديقة تشمل بساتين القرية المسورة بالجدران. وهذه البساتين كثيرة في قرى اليمامة. والكثير من قرى العارض والوشم والقصيم والسدير له بساتين. فبساتين القرية على ما يتراءى لنا واقعة في بطن الوادي، ولا يعقل أن تكون على صدفة لصعوبة استقاء الماء لأرواءها، لأن الآبار على ما نعلم في بطن الوادي تتصرف إليها مياه الأمطار ويذكر المستر فلبي عندما يبحث في الجبيلة إنها واقعة على الضفة اليمنى من الوادي، وأن قبور الصحابة الذين قتلوا في عقرباء موجودة في الضفة المقابلة لقرية الجبيلة وعلى مسافة ربع ميل منها. وهذا مما يدل على أن الحديقة واقعة في الوادي تحيط بها الجدران المبنية بالحجر والطين وعلوها، أكثر من قامة كما هو شأن الجدران التي تحيط بالبساتين عندنا ولبي الحنفيون نداء المحكم فهجروا ميدان القتال تاركين قتلاهم فيه لدخول الحديقة واعتصموا بها مؤملين المقاومة فيها وطارد المسلمون بني حنيفة إلى الحديقة فأحاطوا بها وتوقفوا مدة من الزمن مترددين. وكان التجاء الحنفيين إلى الحديقة وبالاً عليهم ويظهر من أخبار الرواة أن مسيلمة قتل في أثناء الهزيمة إلى الحديقة برمية حربة. وقد ادعى عدة أناس قتله. وكل فرقة من فرق المسلمين أرادت الاشتراك في قتله. وكان للحديقة باب أغلقه المنهزمون بعد أن دخلوها وقرروا المقاومة فيها إلى اللحظة الأخيرة

стр. 6339

وبعد أن تريث المسلمون ردحاً من الزمن، مترددين فيما يفعلون، صرخ فيهم البراء بن مالك قائلاً: (احملوني إلى الجدار حتى تطرحوني عليه). فساعدوه على التسلق ومع أن رواية ابن إسحاق تزعم أن البراء وحده تسلق الجدار فاقتحم الحديقة وقاتل الحنفيين على الباب حتى فتحه للمسلمين، إلا أننا نجزم أن رجالاً آخرين تسلقوا معه الجدار وكان بعضهم على الباب وبعد أن دخل المسلمون الحديقة أوقعوا بالحنفيين إيقاعا ذريعاً، وكانت مذبحة لم يشهد المسلمون مثلها وقد سموها حديقة الموت، ومع أن روايات الطبري جميعاً تروي أن المسلمين قتلوا جميع الحنفيين في الحديقة، إلا أن رواية ينقلها ابن حبيش تزعم أن بعض الحنفيين فر من الحديقة بعد أن دخلها المسلمون وفي رواية يذكرها ابن حبيش والبلاذري أن نساء المسلمين أيضا اشتركن في المعركة. ولقد كسب المسلمون المعركة بعد أن حاربوا من الصباح إلى العصر، ولم يعلموا بهول المصيبة إلا بعد أن توقفت رحى القتال وراحوا يكشفون عن القتلى في الميدان وفي رواية عن أبي سعيد الخدري الذي اشترك في القتال أن خالداً أمر السقاة بعد صلاة العصر أن يسقوا الجرحى، وكان أبو عقيل بين الجرحى فيه خمسة عشر جرحاً. أما بشر بن عبد الله فكانت أمعاؤه خارجه من بطنه. وكل هذا يدل على شدة القتال الخسائر يبالغ المؤخرون في تقدير خسائر الحنفيين. فسيف بن عمر مثلاً يزعم أن قتلى بني حنيفة بلغوا عشرة آلاف في المعركة وفي القتال في حديقة الموت. وفي رواية أخرى يزعم أن عدد قتلى بني حنيفة بلغ واحداً وعشرين الفاً، سبعة آلاف منهم في المعركة وسبعة آلاف في حديقة الموت وسبعة آلاف في المطاردة ولكننا نستبعد هذا العدد، إذ سبق أن ذكرنا أن قوة الحنفيين في معركة عقرباء بلغت عشرة آلاف مقاتل. والثابت أن بني حنيفة كابدوا خسائر فادحة سواء في ميدان المعركة لثباتهم في محلهم، أم في الحديقة لأنهم بالتجائهم إليها مكنوا المسلمين من أن يقطعوا عليهم خط الانسحاب فقضوا عليهم القضاء المبرم. ولعل عدد قتلاهم بلغ اكثر من ثلاثة آلاف. ومما يدل على كثرة القتلى في بني حنيفة اندثار اسمهم بعد هذه المعركة وعدم اشتراكهم في

стр. 6340

الفتوح. ويقول البرنس كاتياني في كتابه الآنف الذكر (إن محدثي المسلمين يبالغون في ذكر خسائر بني حنيفة. فانهم يذكرون أن كل ذكر بلغ سن الرشد قتل في المعركة. ومع ذلك فان أحد الأدلة التي تدل على أن الحنفيين كابدوا خسائر لا تتناسب مع عددهم هو أن هذه القبيلة التي كانت قبل الإسلام كثيرة النفوس مرفهة العيش إن لم يكن لديها شيء فان كثرة عددها وحده يجب أن يجعلها ذات حصة كبيرة في المعارك التي نشبت بعد ذلك. ولكننا نرى أن ذكر هذه القبيلة يكاد يدرس تماماً من تاريخ الإسلام، وأن اسم الحنفيين لا يذكر على الإطلاق حتى على انفراد) أما خسائر المسلمين فكانت كثيرة بالنسبة إلى عددهم أو مقدار الخسائر التي كابدوها في المعارك السابقة. فالروايات في عدد قتلى المسلمين مختلفة، فهي متفاوتة بين. ٥٠٠ و١٧٠٠. ويروي عيسى بن سهل عن جده رافع أن قتلى المسلمين بلغ عددها نصف قتلى الحنفيين، وأن الأنصار وحدهم (وكان عددهم خمسمائة مقاتل) خسروا سبعين قتيلاً ومائتي جريح. أما أبو سعيد الخدري فيزعم أن عدد قتلى الأنصار بلغ سبعين، ويقول زيد بن طلحة أن قتلى المهاجرين بلغوا السبعين وقتلى الأنصار بلغوا السبعين أيضا وأن مجموع قتلى باقي المسلمين بلغ الخمسمائة. أما سالم بن عبد الله بن عمر فيذكر أن مجموع قتلى المسلمين بلغ الستمائة. وأما البلاذري فيقول: (وقد اختلفوا في عدة من استشهد في اليمامة فأقل ما ذكروه من مبلغها سبعمائة وأكثر ذلك ألف وسبعمائة. وقال بعضهم إن عدتهم ألف ومائتان، والذي يلوح لنا أن هذا العدد الأخير هو الأصح. وهو يؤيد الرواية التي يرويها الطبري نقلاً عن سهل إذ يقول: (قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلاثمئة وستون، ومن المهاجرين من أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلثمائة من هؤلاء وثلثمائة من هؤلاء ستمائة أو يزيدون.) وذكر المؤرخون أسماء الشهداء من المهاجرين والأنصار ونظموا قائمات بذلك. ويتضح من مطالعتها أن بين القتلى زيد بن الخطاب قائد القلب، وأبا حذيفة بن عتبة قائد الميمنة وشجاع بن وهب قائد الميسرة وقيس بن ثابت قائد الأنصار، ويدل كل ذلك على شدة القتال في المعركة
следующие страницы →