← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

جميلة، ولكن أين هذه الطبيعة المتواضعة من حدائق الآلهة الغناء حيث كان مباحاً للشاعر النزهة والتروض في أي وقت شاء؟. . يئس الشاعر من العالم السفلي وكاد يعود إلى السماء، إلا أنه فكر في اللحظة الأخيرة في تناول مخدر الحب الذي حذرته منه الآلهة، لأن النفس تواقة بطبيعتها إلى استيعاب المحظور وكشف المستور كان الشاعر كلما قصد صيدلية يسألها هذا المخدر شبعه أصحابها إما بالسخرية، وذلك إذا ظنوه مجنوناً، وإما بالغضب، وذلك إذا ظنوه عابثاً. . . ولما يئس من الحصول عليه، رجع إلى الخلاء فجلس هناك فوق ربوة في مكان تظلله شجرة صفصاف متهدلة الأغصان، وهو مطرق الرأس، فأطل عليه حينئذ ررزور فضولي من فوق غصن وقال: فيم تفكر أيها الشاعر الصديق؟ فقص عليه الشاعر قصته لعل هذا العصفور يهديه إلى ما يريد، فهو دائم الحركة والتنقل في حدائق البشر وحقولهم، فلا شك أنه يعرف عنهم أشياء كثيرة. . . أغرب العصفور في الضحك من قول الشاعر حتى كاد يسقط من فوق غصنه وقال: تبحث عن الحب؟ هاكه! ثم أشار إلى مكان آخر من الربوة ظلله كذلك الشجر الكثيف، فنظر الشاعر حيث أشار فوجد فتاة آية في الحسن، تجلس وحدها تغزل الصوف. . أخذ الشاعر لجمالها الرائع وأدرك معنى الحب من نفسه حينما حل هذا الإكسير العجيب في قلبه. . ثم أخذشاعرنا يتدفق في إنشاد الشعر فعجب من السهولة التي صار ينشده بها، ومن أن هذا الشعر أصبح أرق وأعذب من قبل. . ودهش من أمر هؤلاء الآلهة الذين يحرمون مثل هذا المخدر العجيب. . ولما كانت الفتاة تختلف كل يوم إلى هذا المكان تقضي فيه ساعة أو ساعتين في غزل الصوف كان الشاعر يأتي لينظر إليها متأملا ملامح وجهها الفتانة في خشوع وإجلال، فإذا انصرفت أخذ ينشد هذه المحاسن في صوت جميل أيضاً، لأن أوتار صوته صارت ذات رنين كرنين الذهب من جراء الحب، حتى أن بلابل الوادي كانت تسكت إذا مر بها الشاعر لتصغي إلى قلب الشاعر وهو يبوح بأول حب له. . ونقل الآلهة صوت الشاعر بواسطة الراديو وأخذوا يستمعون إليه وأخذوا يستمعون إليه في سرور عظيم. . ثم انقطعت الفتاة عن المجيء إلى الربوة، فانقطع الشاعر عن الإنشاد. .

стр. 6337

قلق الآلهة حينما انقطع إنشاد الشاعر، فأرسلوا رسولاً إلى الأرض يأتيهم بالخبر، وقد خيل إليهم لأول وهلة أن الانقطاع نشأ عن عطب في محطة الإذاعة. . فعاد الرسول بعد قليل من الزمن يقول: إن المحطة لم يصبها عطب، وإنما العطب وا أسفاه أصاب قلب الشاعر قتمزق قطعاً تحت شجرة الصفصاف! كرمة ابن هاني حسين شوقي

стр. 6338

بين فن التاريخ وفن الحرب ١٢ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد الصفحة الثالثة جرى القتال في هذه الصفحة حول الحديقة، والحديقة تشمل بساتين القرية المسورة بالجدران. وهذه البساتين كثيرة في قرى اليمامة. والكثير من قرى العارض والوشم والقصيم والسدير له بساتين. فبساتين القرية على ما يتراءى لنا واقعة في بطن الوادي، ولا يعقل أن تكون على صدفة لصعوبة استقاء الماء لأرواءها، لأن الآبار على ما نعلم في بطن الوادي تتصرف إليها مياه الأمطار ويذكر المستر فلبي عندما يبحث في الجبيلة إنها واقعة على الضفة اليمنى من الوادي، وأن قبور الصحابة الذين قتلوا في عقرباء موجودة في الضفة المقابلة لقرية الجبيلة وعلى مسافة ربع ميل منها. وهذا مما يدل على أن الحديقة واقعة في الوادي تحيط بها الجدران المبنية بالحجر والطين وعلوها، أكثر من قامة كما هو شأن الجدران التي تحيط بالبساتين عندنا ولبي الحنفيون نداء المحكم فهجروا ميدان القتال تاركين قتلاهم فيه لدخول الحديقة واعتصموا بها مؤملين المقاومة فيها وطارد المسلمون بني حنيفة إلى الحديقة فأحاطوا بها وتوقفوا مدة من الزمن مترددين. وكان التجاء الحنفيين إلى الحديقة وبالاً عليهم ويظهر من أخبار الرواة أن مسيلمة قتل في أثناء الهزيمة إلى الحديقة برمية حربة. وقد ادعى عدة أناس قتله. وكل فرقة من فرق المسلمين أرادت الاشتراك في قتله. وكان للحديقة باب أغلقه المنهزمون بعد أن دخلوها وقرروا المقاومة فيها إلى اللحظة الأخيرة

стр. 6339

وبعد أن تريث المسلمون ردحاً من الزمن، مترددين فيما يفعلون، صرخ فيهم البراء بن مالك قائلاً: (احملوني إلى الجدار حتى تطرحوني عليه). فساعدوه على التسلق ومع أن رواية ابن إسحاق تزعم أن البراء وحده تسلق الجدار فاقتحم الحديقة وقاتل الحنفيين على الباب حتى فتحه للمسلمين، إلا أننا نجزم أن رجالاً آخرين تسلقوا معه الجدار وكان بعضهم على الباب وبعد أن دخل المسلمون الحديقة أوقعوا بالحنفيين إيقاعا ذريعاً، وكانت مذبحة لم يشهد المسلمون مثلها وقد سموها حديقة الموت، ومع أن روايات الطبري جميعاً تروي أن المسلمين قتلوا جميع الحنفيين في الحديقة، إلا أن رواية ينقلها ابن حبيش تزعم أن بعض الحنفيين فر من الحديقة بعد أن دخلها المسلمون وفي رواية يذكرها ابن حبيش والبلاذري أن نساء المسلمين أيضا اشتركن في المعركة. ولقد كسب المسلمون المعركة بعد أن حاربوا من الصباح إلى العصر، ولم يعلموا بهول المصيبة إلا بعد أن توقفت رحى القتال وراحوا يكشفون عن القتلى في الميدان وفي رواية عن أبي سعيد الخدري الذي اشترك في القتال أن خالداً أمر السقاة بعد صلاة العصر أن يسقوا الجرحى، وكان أبو عقيل بين الجرحى فيه خمسة عشر جرحاً. أما بشر بن عبد الله فكانت أمعاؤه خارجه من بطنه. وكل هذا يدل على شدة القتال الخسائر يبالغ المؤخرون في تقدير خسائر الحنفيين. فسيف بن عمر مثلاً يزعم أن قتلى بني حنيفة بلغوا عشرة آلاف في المعركة وفي القتال في حديقة الموت. وفي رواية أخرى يزعم أن عدد قتلى بني حنيفة بلغ واحداً وعشرين الفاً، سبعة آلاف منهم في المعركة وسبعة آلاف في حديقة الموت وسبعة آلاف في المطاردة ولكننا نستبعد هذا العدد، إذ سبق أن ذكرنا أن قوة الحنفيين في معركة عقرباء بلغت عشرة آلاف مقاتل. والثابت أن بني حنيفة كابدوا خسائر فادحة سواء في ميدان المعركة لثباتهم في محلهم، أم في الحديقة لأنهم بالتجائهم إليها مكنوا المسلمين من أن يقطعوا عليهم خط الانسحاب فقضوا عليهم القضاء المبرم. ولعل عدد قتلاهم بلغ اكثر من ثلاثة آلاف. ومما يدل على كثرة القتلى في بني حنيفة اندثار اسمهم بعد هذه المعركة وعدم اشتراكهم في

стр. 6340

الفتوح. ويقول البرنس كاتياني في كتابه الآنف الذكر (إن محدثي المسلمين يبالغون في ذكر خسائر بني حنيفة. فانهم يذكرون أن كل ذكر بلغ سن الرشد قتل في المعركة. ومع ذلك فان أحد الأدلة التي تدل على أن الحنفيين كابدوا خسائر لا تتناسب مع عددهم هو أن هذه القبيلة التي كانت قبل الإسلام كثيرة النفوس مرفهة العيش إن لم يكن لديها شيء فان كثرة عددها وحده يجب أن يجعلها ذات حصة كبيرة في المعارك التي نشبت بعد ذلك. ولكننا نرى أن ذكر هذه القبيلة يكاد يدرس تماماً من تاريخ الإسلام، وأن اسم الحنفيين لا يذكر على الإطلاق حتى على انفراد) أما خسائر المسلمين فكانت كثيرة بالنسبة إلى عددهم أو مقدار الخسائر التي كابدوها في المعارك السابقة. فالروايات في عدد قتلى المسلمين مختلفة، فهي متفاوتة بين. ٥٠٠ و١٧٠٠. ويروي عيسى بن سهل عن جده رافع أن قتلى المسلمين بلغ عددها نصف قتلى الحنفيين، وأن الأنصار وحدهم (وكان عددهم خمسمائة مقاتل) خسروا سبعين قتيلاً ومائتي جريح. أما أبو سعيد الخدري فيزعم أن عدد قتلى الأنصار بلغ سبعين، ويقول زيد بن طلحة أن قتلى المهاجرين بلغوا السبعين وقتلى الأنصار بلغوا السبعين أيضا وأن مجموع قتلى باقي المسلمين بلغ الخمسمائة. أما سالم بن عبد الله بن عمر فيذكر أن مجموع قتلى المسلمين بلغ الستمائة. وأما البلاذري فيقول: (وقد اختلفوا في عدة من استشهد في اليمامة فأقل ما ذكروه من مبلغها سبعمائة وأكثر ذلك ألف وسبعمائة. وقال بعضهم إن عدتهم ألف ومائتان، والذي يلوح لنا أن هذا العدد الأخير هو الأصح. وهو يؤيد الرواية التي يرويها الطبري نقلاً عن سهل إذ يقول: (قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلاثمئة وستون، ومن المهاجرين من أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلثمائة من هؤلاء وثلثمائة من هؤلاء ستمائة أو يزيدون.) وذكر المؤرخون أسماء الشهداء من المهاجرين والأنصار ونظموا قائمات بذلك. ويتضح من مطالعتها أن بين القتلى زيد بن الخطاب قائد القلب، وأبا حذيفة بن عتبة قائد الميمنة وشجاع بن وهب قائد الميسرة وقيس بن ثابت قائد الأنصار، ويدل كل ذلك على شدة القتال في المعركة

стр. 6341

يقول ضرار بن الأزور في يوم اليمامة: ولو سئلت عنا جنوب لأخبرت … عشية سالت عقرباء وملهم وسال بفرع الواد حتى ترقرقت … حجارته فيها من القوم بالدم بعد المعركة: بدأت المعركة صباحاً على ما ذكرناه فيما تقدم وانتهت عصراً ولم يبق وقت للمطاردة. وقد نهك التعب قوى المسلمين وأضاعوا خيرة رجالهم، واستشهد اكثر حفظة القرآن. لذلك نجزم أن المسلمين قضوا ليلتهم في جوار الحديقة للترويح عن أنفسهم من عناء الحرب، تأهباً للمطاردة في اليوم التالي. ومع أن نتيجة المعركة كانت فاصلة لم تزل أرياف اليمامة في الخلف (وفيها المؤن والذخائر والقسم الذي لم يشترك في القتال من بني حنيفة)، والقرى في الأرياف جميعاً منيعة وفيها الحصون والأبراج ويذكر الطبري نقلاً عن سيف بن عمر أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن إبي بكر طلبا من خالد أن ينزل بالناس على الحصون. وكانا يقصدان بذلك ألا يترك مجالا للبقية الباقية من بني حنيفة لتستعد للمقاومة. أما خالد فلم يشأ محاصرة الحصون، بل رجح أن يوفد سريا الخيالة إلى الأطراف لتلتقط من ليس في الحصون، وكان يعلم أن منازلة الحصون تكبد المسلمين ولا سيما انهم اطلعوا على كبر المصيبة بعد أن تفقدوا القتلى. وكان من رأيه أن يلقي الرعب في قلوب بني حنيفة ويدهشهم بسرايا الخيالة التي تتجول في حيهم وتقبض على كل من تلقته. وشأنه في ذلك شأن القواد الذين لا يريدون أن يضيعوا الوقت في الحصار، ويتركوا فلول أعدائهم يفلتون من يدهم. ولقد أصاب خالد في رأيه، لأن سريا الخيالة أصابت فحوت ما وجدت من مال ورجال ونساء وصبيان، فضمها إلى الغنائم في المعسكر الصلح اثبت خالد في عقده الصلح مع أهل اليمامة أنه سياسي حازم بقدر ما كان قائداً محنكاً انتهت المعركة وقد خسر المسلمون خيرة رجالهم من الصحابة أما القبائل فقد قتل منها رجال كثير. فالعراك من الصباح إلى العصر بتلك الشدة والمقاومة

стр. 6342

التي أبدأها الحنفيون، مما زاد في حنق المسلمين عليهم. وكانت القبائل تريد غنماً يوازي التضحية التي تحملتها. أما الصحابة فأقل ما أرادوه العمل بوصية الخليفة وهي (ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان) والداعية الأذان - فإذا آذن المسلمون فأذنوا، كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم، وإن آذنوا سألوهم ما عليهم، فان أبوا عاجلوهم، وإن أقروا قبل منهم، وحملهم على ما ينبغي لهم) فبنوا حنيفة لم يجيبوا الداعية، بل قاتلوا المسلمين وقتلوا نخبة الصحابة وقضوا على حفظة القرآن. فكان عقابهم القتل عملاً بوصية الخليفة، فالروايات جميعاً تدل على أن الأنصار والمهاجرين كانوا يلحون على خالد بمعاملة بني حنيفة بصرامة أما خالد بن الوليد فنظر في الصعوبات التي لقيها في التغلب على الحنفيين وتأمل عاقبة الشدة التي يظهرها نحوهم إن هم أبوا وقاوموا في حصونهم فامتنعوا بها. وقد دلت المعركة على انهم متفانون في التضحية. ولا بد من أنه علم أن حزباً من الحنفيين وعلى رأسه سليمة بن عمير يريد المقاومة حتى الموت. لذلك لم يتردد قط لما عرض مجاعة بن مرارة توسطه لعقد الصلح. وكان هذا أسيراً عند المسلمين وقد احتفظ به خالد ليستفيد منه. وكانت الشروط التي فرضها على مجاعة ثقيلة وهي تتلخص في أن يعطي الحنفيون كل ذهبهم وفضتهم وسلاحهم وخيلهم، وان يسبي جميع الأسرى حمل مجاعة هذه الشروط وهو يضمر الخير لبني قومه ويريد أن يخفف حملهم بعد أن أصابهم ما أصابهم، لذلك أقام النساء والشيوخ على الحصون ليحمل المسلمين على الاعتقاد انهم يريدون الدفاع عن حصونهم. فرجع مجاعة وأخبر أن القوم لا يقبلون بهذه الشروط الثقيلة، وانهم عازمون على الدفاع حتى الموت. وبعد ذهاب وجيئة استطاع مجاعة أن يستميل الحزب المخالف إلى جانبه من جهة ويخفف من شدة الشروط من جهة أخرى يتبع طه الهاشمي

стр. 6343

إلى مؤتمر الفردوسي ٢ - بين القاهرة وطوس من قصر شيرين إلى همذان للدكتور عبد الوهاب عزام سرنا من قصر شيرين تلقاء كرمانشاهان، فمررنا بعد خمسين دقيقة بقرية ذهاب، ثم أصعدنا في جبل شامخ فسيح، فلبثنا بين قممه ووهاده نصف ساعة. وذلكم (كوة باطاق) أي الجبل ذو الطاق. سمي بطاق قديم قائم في منتصف هذه الطريق الجبلية (ثم انبسط بنا السهل نصف ساعة إلى قرية كرند، وهي قرية خضراء مشجرة، وبعد أربعين دقيقة وقفنا في شاه آباد، وهي قرية ذات بساتين فيها ضياع لجلالة الشاه، وباسمه سميت) وله بها دار صغيرة نزلنا بها، فاسترحنا قليلاً وشربنا الشاي، وأكلنا فاكهة طيبة، فيها عنب صغير جيد، وكان ذلك أول ما طعمنا من فاكهة إيران ثم استمر بنا المسير فاجتزنا جبالاً أخرى إلى كرمانشاهان بعد ساعة وثلث من شاه آباد وكرمانشاهان (قريسين) مدينة عامرة فيها شوارع جديدة واسعة، وأسواق كبيرة. وموقعها على درجة ٣٤ من العرض، و٤٧ من الطول، في بقعة طيبة الهواء يسقيها نهر قره صو. وهي على الجادة الكبرى من بغداد إلى همذان، تبعد عن كل منهما خمسا وستين ومائة كيلو. أنشأها الملوك الساسانيون، وكانوا يقيمون بها أحيانا. ونزلها في العصر الإسلامي الخليفة هارون الرشيد، وعضد الدولة البويهي، ولم تبلغ مكانة عظيمة إلا في القرن العاشر حين اتخذها الملوك الصفويون قاعدة لمحاربة الدولة العثمانية والمدينة في وسط والية كرمانشاه. وهي الأرض التي قامت عليها الدولة الميدية القديمة، وفيها من المدن والقرى قصر شيرين وكرند وأسد آبار وكنكاور أو كنكور (وكانت تسمى في العصور الإسلامية الأولى قصر اللصوص) وبيستون ونهاوند وخرائب الدينور. وبها آثار عن الأكمينيين والساسانيين. وهي من أغنى ولايات إيران نزلنا من المدينة في دار أحد كبرائها - معتمد الدولة. وهي دار جميلة ذات حديقة كبيرة. وفيها بناء على يسار الداخل استرحنا به وغسلنا عن وجوهنا غبار الطريق. ثم سرنا في

стр. 6344

الحديقة في مستوى به حوض كبير فصعدنا درجات كثيرة إلى مستوى آخر فيه حوض يسيل الماء منه إلى المستوى الأسفل مترقرقاً على درجات السلم فيملأ العين رواء. وعلى المستوى العالي بناء آخر صعدنا إليه درجات، فاجتمعنا للغداء وخطب معتمد الدولة مرحباً بنا، وأجابه أستاذنا سير دنسن رس. ثم أخذت صورتنا على الدرجات التي بين المستويين (وقد نشرت هذه الصورة في جريدة البلاغ). وانتقلنا من بعد إلى دار أخرى في أقصى المدينة لأحد الأعيان - أمير الكل، وهي دار واسعة بها حديقة جميلة، فيها أحواض ونافورات كثيرة، فتقسمنا حجراتها للمبيت. وهاتان الداران تشهدان بما لأهل إيران من كلف بالحدائق والمياه، وبراعة في تنسيقها وخرجنا في المساء لنرى الآثار (طاق بستان) على أربعة كيلات من المدينة في لحف جبل شاهق مشرف على الجادة. وهو طاق من آثار الساسانيين يقابل داخله تمثال فارسي منحوت في الصخر، وهو فيما يظن تمثال كسرى برويز على فرسه شبديز، وبجانبه تمثال شيرين زوجه، وعلى جانبي الطاق نقش كثير يمثل الصيد في اليبس والماء وغير ذلك. وفي أعلى الجانب الأيسر صورة فتحعلي شاه وجماعة من رجاله منحوتة في الحجر. أراد ذلك الملك أن يزاحم كسرى برويز في داره والجبل فسيح، وأرض الله واسعة. وشبديز ومعناه (هادي الليل) فرس لكسرى برويز مشهور في قصص الفرس وشعرهم، وفي الشعر العربي أيضاً. ومما يقص عنه ما رواه ياقوت في المعجم: (وكان سبب صورته في هذه القرية انه كان أذكى الدواب، وأعظمها خلقة، وأظهرها خلقا، وأصبرها على طول الركض. وكان ملك الهند أهداه إلى الملك ابرويز. فكان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه ولجامه؛ ولا ينحز ولا يزبد، وكانت استدارة حافره ستة أشبار. فاتفق أن شبديز اشتكى وزادت شكواه، وعرف ابرويز ذلك، وقال لئن اخبرني أحد بموته لأقتلنه. فلما مات شبديز خاف صاحب خيله أن يسأله عنه فلا يجد بدا من أخباره بموته فيقتله، فجاء إلى البلهبذ مغنيه، ولم يكن فيما تقدم من الزمان ولا ما تأخر أحذق منه بالضرب بالعود، والغناء - قالوا كان لأبرويز ثلاث خصائص لم تكن لأحد من قبله: فرسه شبديز، وسريته شيرين، ومغنيته بلهبذ - وقال: اعلم أن شبديز قد نفق ومات، وقد عرفت ما أوعد به الملك من أخبر بموته. فاحتل لي حيلة ولك كذا وكذا؛ فوعدها الحيلة. فلما حضر بين يدي الملك غناه

стр. 6345

غناء وورى عن القصة، إلى أن فطن الملك وقال له: ويحك مات شبديز، فقال: الملك يقوله، فقال له: (زه) ما أحسن ما تخلصت وخلصت غيرك! وجزع عليه جزعا عظيما، فأمر تنطوس بن سنمآر بتصويره، فصوره على احسن وأتم تمثال، حتى لا يكاد يفرق بينهما إلا بإدارة الروح في جسدهما. وجاء الملك فرآه فاستعبر باكياً عند تأمله إياه الخ) - ومما رواه ياقوت عن الهمذاني، أن بعض فقهاء المعتزلة قال: لو أن رجلاً خرج من فرعانة القصوى، وأخر من سوس الأبعد قاصدين النظر إلى صورة شبديز ما عنفا على ذلك - وأما أنا فلم أر التمثال من الإتقان والأحكام على النحو الذي وصفوا. ولا ريب أن الزمان قد ذهب بروائه، وقد كسر رأس الفرس وبقي سائره وقد نظم خالد الفياض قصة شبديز التي تقدمت. ومما قيل في شبديز من الشعر قول أبي عمران الكردي: وهم نقروا شبديز في الصخر عبرة … وراكبه يرويز كالبدر طالع عليه بهاء الملك والوفد عكّف … يخال به فجر من الأفق ساطع تلاحظه شيرين واللحظ فاتن … وتعطو بكف حسَّنتها الأشاجع يدوم على كرّ الجديدين شخصه … ويُلفى قويم الجسم واللون ناصع وعلى الجبل إلى اليسار الطاق صور أخرى ساسانية، منها صورة تمثل أردشير بن بابك مقيم الدولة الساسانية، وقد داس عدوه أردوان، وصورة أخرى تمثل الملك سابور، وأمامه أسيرة الإمبراطور فلريان جاثياً برحنا كرمانشاهان صباح الثلاثاء، فنزلنا عند طاق بستان مرة أخرى لنعيد النظر إلى برويز وشبديز وما هنالك من الصور، ثم استأنفنا المسير والساعة ثمان ونصف، فوقفنا بعد نصف ساعة على آثار الملك دارا في جبل بيستون. وهو جبل شاهق يكاد يعيا الطرف دون قمته. وقد سويت فيه على ارتفاع عظيم صفحة صور فيها الملك دارا وأمامه وفود الأمم المغلوبة. وتحت الصورة نقوش كثيرة بالفارسية القديمة، والآشورية. وكانت هذه النقوش مفتاح اللغة الفارسية القديمة كما كان حجر رشيد مفتاح اللغة المصرية. وعلى مقربة من هذه الآثار موضع في الجبل منحوت يظن انه أريد تسويته للنقش عليه ثم عدل

стр. 6346

عنه. ولكن الروايات الفارسية تقص في ذلك قصة عجيبة عن فرهاد عاشق شيرين الذي ذكرته آنفاً. وسأعود إلى هذه القصة حين الكلام عن مرورنا بجبل بيتسون ليلاً ونحن قافلون من طهران يتبع عبد الوهاب عزام

стр. 6347

٤ - محاورات أفلاطون معذرة سقراط ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود قد يعجب بعظكم لماذا أطوف بالناس آحادا، فأسدى إليهم النصح واشتغل بأمورهم، ولا أجرؤ أن أتقدم بالنصح إلى الدولة بصفة عامة؟ واليكم سبب هذا: كثيراً ما سمعتموني أتحدث عن راعية أو وحي يأتيني، وهي معبودتي التي يهزأ بها مليتس في دعواه، ولقد لازمني ذلك الوحي منذ طفولتي، وهو عبارة عن صوت يطوف بي فينهاني عن أداء ما أكون قد اعتزمت أداءه، ولكنه لا يأمرني بعمل ايجابي، فذلك ما حال دون اشتغالي بالسياسة، وأخال ذلك آمن الطرق، فلست أشك أيها الأثينيون - في أني لو كنت ساهمت في السياسة للاقيت منيتي منذ أمد بعيد. ولما قدمت خيراً لكم أو لنفسي، وأرجو ألا يؤلمكم الحق إن أنبأتكم به، فالحق أنه يستحيل على من يرافقكم إلى الحرب أو أي اجتماع آخر ويقاوم فساد الأخلاق وأخطاء الدولة أن ينجو بحياته. فان من يحارب مخلصاً في سبيل الحق لن يمتد به الأجل إلى حين، إلا أن كان مشتغلاً بالأعمال الخاصة دون العامة، وأن أردتم لذلك برهاناً لما سقت إليكم كلاماً فحسب، بل لذكرت لكم حوادث بعينها، وهي أقوى حجة من الألفاظ، فاسمحوا لي أن أقص عليكم طرفاً من حياتي الخاصة، ينهض دليلاً على أنني لم أخضع قط لظلم خشية الموت، حتى لو وثقت بأن العصيان سيعقب من فوره موتاً محققاً. سأقص عليكم قصة قد تشوقكم أو لا تشوقكم، ولكنها مع ذلك حق. إنني لم أشغل منصباً إلا مرة عضواً في مجالس الدولة، وكانت رياسة المجلس عند محاكمة القواد الذين لم ينقذوا جثث القتلى بعد موقعة أرجنيس، لقبيلة أنتيوخس - وهي قبيلتي - فرأيتم أن تحاكموهم جميعاً، وكان ذلك منافياً للقانون كما أدركتم ذلك جميعاً فيما بعد، ولكني كنت إذ ذاك وحدي بين أهل بريتان أعارض الافتئات على القانون، وأعلنت رأيي مخالفاً لكم. ولما تهددني الخطباء بالحبس والطرد، وصحتم جميعاً في وجهي، آثرت أن أتعرض للخطر مدافعاً عن القانون والعدل على أن أساهم في الظلم خشية السجن أو الموت؛ حدث ذلك في عهد الديمقراطية، فلما تولى زمام الأمر الطغاة الثلاثون، أرسلوا إلي وإلى أربعة معي، وكنا تحت السقيفة، فأمرونا أن نسوق إليهم ليون السلامي من بلده سلامس لينزلوا به الموت -

стр. 6348

وذلك مثل لأوامرهم التي اعتادوا أن يلقوها لكي يشركوا معهم في جرائمهم اكبر عدد ممكن من الناس، فبرهنت لهم قولاً وعملاً، أني لا أعبأ بالموت، وأنه لا يزن عندي قشة، إن صح هذا التعبير، وأن كل ما أخشاه هو أن أسلك سلوكاً معوجاً شائناً، فلم أرهب طغيان تلك العصبة الظالمة، ولم تضطرني إلى ركوب الخطأ. فلما أخرجنا من السقيفة حيث كنا، ذهب الأربعة الآخرون إلى سلامس في طلب ليون، أما أنا فقد أخذت سمتي نحو الدار في هدوء صامت، وكنت أتوقع أن أفقد حياتي لقاء ذلك العصيان، لولا أن دالت دولة الثلاثين بعد ذلك بقليل، وما أكثر من يشهدون بصدق ما أقول وهل تظنون أن قد كان يمتد بي الأجل إلى هذه السن، لو قد ضربت في الحياة العامة بنصيب، على فرض أني - كما ينبغي للرجل الصالح - لزمت جانب الحق، وأحللت العدالة من نفسي ما هي جديرة به من مكان رفيع؟ كلا ثم كلا! فلو قد عولت، أو عول كائن من كان، على ذلك، لما أتيح لي - بني أثينا! - البقاء، ولكني لم أجد فيما فعلت - عاما كان أم خاصاً - عما رسمت لنفسي من جادة، فلم أنغمس فيما انغمس فيه هؤلاء الذين أشيع بين الناس أنهم تلاميذي، أو من عداهم، فلم يكن لي في حقيقة الأمر تلاميذ دائمون، إذ أبحت الحضور لكل من أراد حضوراً وأسماعاً؛ إني كنت مؤدياً رسالتي، لا فرق عندي بين شيخ وشاب، لم أتخذ شرطاً، ولم ألتمس أجراً، فكان الحوار مشاعاً لمن أنقد ومن لم ينقد، فلمن شاء أن يوجه إليّ سؤالاً، أو يجيب لي عن سؤال، أو يصغي إلى ما أقول من حديث، أما أن ينقلب أحد أولئك بعد ذلك خيراً أو شريراً، فليس عدلاً أن أحمل تهمته، لأنني لم أعلمه شيئاً. وإن زعم امرؤ أني ربما علمته أو أسمعته شيئاً في خلوة خاصة خفيت على الناس جميعاً، فاعلموا أنه إنما يزعم لكم باطلاً فإذا سئلت: لماذا يصادف الناس من حوارك المتصل لذة ومتاعاً؟ أجبت أيها الأثينيون بالحقيقة التي أنبأتكم بها، وهي انهم يستمتعون بشهادة أدعياء الحكمة في امتحانهم، فلهم في ذلك لذة، وذاك واجب أمرني به الله، كما علمت يقيناً من الرسل والرؤى، وكل طريقة أخرى يمكن لإرادة القوة الإلهية أن تفصح بها عن نفسها لكائن من كان. أيها الأثينيون! ذلك حق، فان كان افتراء فما أهون أن تكذبوه، ولو كنت أفسد الشبان حقاً، وكنت قد أفسدت بعضهم فعلاً، لوجب أن يتصدى منهم للانتقام أولئك الذين تقدمت بهم السن، فأدركوا ما

стр. 6349

نفثت لهم في نصحي من سوء أيام الشباب، فان لم يفعلوا ذلك بأنفسهم، وجب أن ينهض ذوو قرباهم أو آباؤهم أو إخواتهم، أو من إلى هؤلاء، فيقتضيني ما أنزلت بأبنائهم من سوء، ها قد حان حينهم، وإني لأرى منهم في المحكمة كثيراً، هاهو ذا كريتون وهو يعدلني سناً، وهأنذا أرى ابنه كريتوبوليس، وذاك ليسانياس السفيطي أبو أشنينس ألمحه بين الحضور، وذاك أنتفون السيفيس أبو أبجينوس، وهؤلاء أخوة كثير ممن التفوا حولي، فهناك نيكوستراتوس ابن تيوسدوتيد وأخو تيودوتس (وقد اختار الله تيودوتس إلى جواره، فهو على أية حال لن يستطيع لي معارضة) وذلك بارالوس بن ديمودوكس، وقد كان له أخ يدعى تياجس، وأديمانتوس بن أرستون الذي أرى أخاه افلاطون بين الحاضرين، وكذلك أرى بينكم آنتودروس وهو أخو أبولودورس. ويمكنني أن أذكر غير هؤلاء كثيرين ممن كان لزاماً على مليتس أن يقدم منهم للشهادة من يشاء في سياق دعواه، ومع ذلك فادعوه الآن يستشهدهم إن كان قد فاته ذلك أولاً، وسأفسح له الطريق. سلوه هل بين هؤلاء من يشهد له فيقدمه؟ كلا أيها الأثينيون، فنقيض ذلك هو الصحيح، إذ هؤلاء لا يأبون أن يؤيدوا بالقول ذلك المتلاف الذي أفسد ذويهم - كما يسميني مليتس، وأنيتس، إني لا أستشهد الشبان الذين أفسدتهم فحسب، فقد يكون عند هؤلاء ما يحيد بهم عن الحقن ولكني أستشهد ذويهم، وهم بعيدون عن إفسادي، ويكبرون أولئك سناً، فلماذا يظاهرونني بشاهدتهم، إلا أن يكون ذلك تأييداً للحق والعدل؟ فهم يعلمون أني أقول الصدق، أما مليتس فمفتر كذاب أيها الأثينيون! هذا وما إليه هو كل دفاعي الذي وددت أن القيه، ولكني أرجو أن أضيف إليهكلمة أخرى: قد يكون بينكم من يصب علي نقمته إذا ما ذكرت كيف استجدي الشفاعة والرحمة بعينين باكيتين في مثل هذا الموقف أو ما هو دونه خطراً، وكيف ساق أبناءه إلى المحكمة في جمع من أصدقائه وأقربائه لعله يحرك بذلك الرحمة في النفوس، ثم ينظر فلا يراني أهم بمثل ذلك، على ما يتهدد حياتي من الخطر؛ قد يطوف بذهنه هذا فيقف مني موقف العداوة، ثم يصوت وهو في سورة من الغضب لأن موقفي لا يرضيه، فان كان ذلك الرجل بينكم، ولا أحسبه كذلك، فإليه أسوق الحديث رفيقاً: أي صديقي! إنني رجل ككل الناس خلقت من لحم ودم لا من خشب وحجارة، كما يقول هومر، ولي أسرة ولي أبناء، عدادهم - أيها الأثينيون - ثلاثة، بلغ أحدهم الصبا وما يزال الآخران طفلين، ومع ذلك

стр. 6350

فلن أسوق إليكم منهم أحداً يستجديكم براءتي. ولم لا؟ لست أصدر في ذلك عن اعتداد بنفسي أو ازدراء لكم، وسواء خشيت الموت أم لم أخشه فذلك شأن آخر لن أتحدث عنه الآن، وإنما دفعني إلى ذلك عقيدة أن ذلك تصرف يضع من قدري ويحظ من شأنكم ويصم الدولة بأسرها وصمة العار، فلا يجوز لرجل قضي من العمر ما قضيت، وذاع صوته في الحكمة بحق أو بغير حق، أن يحقر من نفسه. فمهما يكن من أمر، فقد استقر رأي الناس أجمعين على أن سقراط يفضل من عداه في إحدى نواحيه، فان كان أولئك الذين يقال عنهم انهم يفضلونني حكمة وشجاعة وما شئت من فضيلة، يمتهنون أنفسهم بمثل ذاك السلوك، فوا خجلتاه مما يفعلون! فقد شهدت ناساً من ذوي الصوت الذائع يفعلون ساعة الحكم عليهم عجباً عجاباً فبدوا كأنما خيل إليهم انهم ذاهبون، إذا قضيتم عليهم بالموت، إلى حيث الرعب والجزع، كأنهم حسبوا أن لو خليتم بينهم وبين الحياةالسبيل فيسكنون من الخالدين، إنما هؤلاء في حسابي وصمة عار في جبين الدولة، ولو أبصرهم وافد غريب لا نقلب إلى أهله يروي عن أثينا أن أعلام رجالها الذين يرفعهم الأثينيون فوق الهام ويسلمونهم زمام الأمر، لا يفضلون الناس في شيء، ولا يجوز في اعتباري أن يكون ذلك من هؤلاء الذين بلغوا بيننا شأوا عظيماً، فان وقع فلا تدعوه حادثاً يمضي، ولا تأخذنكم بهم هوادة وخذوا بالشدة كل من يقف منكم هذا الموقف المتوجع، لأنه بذلك يعرض المدينة للسخرية، ولا كذلك الصابر الوديع ودعوكم من العار، فيلوح لي أن في استرحام القاضي واستجدائه العفو في مكان إقناعه وأنبائه بالنبأ الصحيح خطلاً، فليس واجب القاضي أن يمنح العدالة منحاً، بل عليه أن يحكم حكما عادلاً، وقد أقسم أن يحكم وفق القانون، دون أن يميل مع الهوى، ولا يجوز له ولا لنا أن نتعود الحلف باطلاً، فلا أحسب في ذلك شيئاً من الورع والتقوى. فلا تريدوني إذن على أن أفعل ما أدعوه فجوراً وشيناً وخطلاً، ولا سيما وأنتم تحاكمون فيما ادعاه مليتس عني من فجور، فلو استطعت أيها الأثينيون أن أحيد بكم بالأغراء والرجاء عن قسمكم لكنت بذلك معلمكم الكفر بالآلهة، ولا نقلب دفاعي علي التهاماً بالزيغ عن الأيمان، ولكن الواقع غير هذا، فعيقدتي في الآلهة قائمة على شعور أسمى جداً مما تقوم عليه عقيدة أي من المدعين. وأنا أضع قضيتي أمامكم وأمام الله لتحكموا فيها بما هو خير لي ولكم

стр. 6351

وهنا حكم على سقراط بالموت أيها الأثينيون! لقد قضيتم بادانتي، فلم يثر شجني هذا القضاء، وعندي لذلك أسباب كثيرة، فقد كنت أتوقع ذاك؛ ولشد ما أدهشني أن كادت تتعادل الأصوات، فقد ظننت أن فريق الأعداء لا بد أن يكون أوفر من ذلك عدداً، وإذا بكفة البراءة لو زاد مؤيدوها ثلاثين صوتاً لرجمت، أفلم أظفر بهذا على مليتس؟ بل أني لأذهب إلى ابعد من الظفر فأزعم أنه لولا أن ظاهره أنيتس وليقون لما ظفر بخمس الأصوات الذي يحتمه القانون، ولاضطر تبعاً لذلك إلى دفع غرامة قدرها ألف دراخمة، كما ترون ولذلك يقترح أن يكون الموت جزائي، فماذا أقترح بدوري أيها الأثينيون؟ بالطبع ما أراني جديراً به. فماذا ينبغي أن أبذل من غرم أو نال من غنم؟ ماذا أنتم صانعون برجل لم يوفقه الله أبداً ليصطنع البلادة طوال أيام حياته، وأهمل ما عنيت به كثرة الناس - أعني الثروة ومصالح الأسرة والمناصب الحربية، ولم يقل في جمعية الشعب قولاً ولم يشترك في مجالس الحكام، ولم يساهم في الدسائس والأحزاب بنصيب؟ كلما فكرت أني كنت رجلاً بلغ من الشرف حداً بعيداً فسلكت من سبل الحياة ما سلكت، لم أقصد إلى حيث لا أستطيع أن اعمل خيراً لكم ولنفسي، بل التمس طريقاً أمكنتني أن اقدم لكل منكم على حدته خيراً عظيماً، وحاولت أن أحمل كل رجل بينكم على وجوب النظر إلى نفسه لينشد الفضيلة والحكمة قبل أن ينظر إلى مصالحه الخاصة، وأن يضع الدولة في اعتباره فوق مصالحها، فيكون ذلك دستوراً لأعماله جميعاً. ماذا أنتم صانعون بمثل هذا الرجل أيها الأثينيون؟ لا إخالكم إلا مجازيه خيراً أن كان لا بد من الجزاء، ويجدر بإحسانكم أن يجيء ملائما لحالته، فماذا يحسن برجل فقير احسن إليكم الصنيع، ويرغب في الفراغ ليتمكن من تعليمكم، سوى أن يضل أبداً في مجلس الدولة؛ وانه أيها الأثينيون لأجدر بهذا الجزاء ممن كوفئ في أوليمبيا في سباق الخيل أو سباق العجلات، سواء أكان يشد عجلته جوادان أو أكثر، لأنني فقير محتاج، وذاك غني عنده ما يسد منه العوز، على أنه لا يعطيكم إلا سعادة ظاهرية، إما أنا فأدلكم على الحقيقة. فإذا كان لي أن أقدر لنفسي عقوبة عادلة ما قلت بغير البقاء في مجلس الدولة جزاء أوفى يتبع

стр. 6352

زكي نجيب محمود

стр. 6353

من شعر الشباب مصر بقلم فريد عين شوكه مصر يا آيةَ الخلو - د ويا غُرَّةَ الزمن حبذا أنت في الوجو - دِ إذا اعتزَّ من وطن أشرق المجد والسنا=منه والكون في الظلَمْ نيلك العذب كوثرُ … جنة الخلد ساحلُهْ كلما جاء يخطِرُ … وتهادت جداوله هَلَّل القطر بالمُنَى=وشدا الطير بالنغم وصحا التُّرْبُ باسماً … في تَهاويله الوضاءْ وسرى الريح ناظماً … فيكِ أنشودة الَرخاء وهَفَا الزرع وانثَنى … لكِ يا كعبة الأمم مصُر، كم عقَّك البنو - نَ وهم معقد الرجاءْ وعصوا قلبك الحنو - نَ إذا ضجَّ بالنداء ولكم صِحْتِ من ضَنَا - كِ وهم عنك في صممِ بل لقد كان منهمُ … من بَغَى غير محتشم وقضى الحكم يهدمُ … فيك ما شِيدَ من نُظُمْ ورآى الجُرْم هيناً … فيك يا مصر فاجترم أيها النيل لا جرى … عذبك السائغ النميرْ إنما نحن في الورى … ميّتو العزم والضَّمير فارْوِ يا نيل غيرنا … من أُولِي البأس والهمم ضاق واديكَ بالعذابْ … من بنيكَ الأصاِغرِ الالَى أغرَوا الذئاب … بالشياهِ الضوامِرِ فنزا الذئب بيننا=نزوة الفاتك النَّهِم وإذا الشعبُ كلُّهُ … يَغْتَدِي طوعَ فاجرِ

стр. 6354

إن رآى يستذِلُّهُ … لم يخَفْ زجر زاجرِ بل رآنا كأننا … فيك لحمٌ على وَضَمْ لعنةُ الله والوطن … لك يا عهداً انقشعْ كم دهى مصر بالمحن … ورمى النيل بالفزعْ وسَرَى في ربوعنا … يَنفُثُ السمَّ في الدَّسَمْ كان حُمَّى تعاورَت … مصر في الأربع السنين وأهاويل ساَوَرَتْ … قلبها الموجَع الحزين وَتَفَشَّتْ نفوسَنَا … كاللَّظَى تبعث الحَمَمْ كان في مصر راجفَهْ … زلزلت ركنها المشيد وأعاصير عاصفهْ … مزَّقت شملها النضيد وكتاباً تضمنا … سُبَّه النيل والهرم سطِّري مصر سطَّري … كيف يعثو بك البَنون أنتِ لو لم تقصِّري … في أذى الآثِمِ الخئون ما رأى النيل خائناً … فيك يطغى ويجترم

стр. 6355

الحق للمرحوم أبي القاسم الشابي التونسي ألا أيّها الظلم المصعّر خده: … رويدك إنَّ الدَّهر يبني ويهدمُ أغرّك أنَّ الشعب مغضٍ على قذًى؟ … لك الويل مِن يوم به الشرّ قشعَمُ ألا إنَّ أحلام البلاد دفينةٌ … تجمجم في اعماقها ما تجمجم ولكن سيأتي بعد لأيٍ نشورها … وينبثق اليوم الذي يترنَّمُ هو الحق يبقى ساكناً فإذا طغى … بأعماقه السخْط العصوف يدمدم وينحطُّ كالصخر الأصمَّ إذا هوى … على هام أصنام العتوِّ فيحطم إذا صعق الجبار تحت قيوده … سيعلم أوجاع الحياة ويفهم

стр. 6356

في الروض المحزون بقلم امجد الطرابلسي يا روضُ ما لشبَابكَ النَّضِرِ … جارتْ عليهِ فواجِعُ القَدَر؟ أَفأَنتَ مِثلي تَشتكي - حَدَثاً - … عِبَْء السَّنين وعادِيَ الكِبَرِ؟ ماذا جَنَيْتَ وكنتَ مُزْدَهِراً … حتى رُمِيتَ بأَفدحِ الغِيَرِ؟ أَيْنَ القيانُ الصّادحاتُ على … عُرُشٍ مُكَرَّمَةٍ منَ الزَّهَرِ؟ يَبكينَ إن نَزَلَ الدجى - فرقاً … منهُ - وأَسْبَلَ حالِكَ السُّتُرِ ويكدْنَ يملأْنَ الفضا فَرَحاً … إن أَزْمعَ التَّرْحَالَ في السَّحَرِ بل أينَ، كالأَمْسِ الهنِيِّ، مَهاً … يَمْرحْنَ في الآصالِ والبُكَرِ؟ أَو لمْ تكن بالأمْس تمْطِرُني … إمّا أتيتكَ أَطيبَ الثَّمَرِ؟ واليومَ كلُّ نَداكَ من وَرَقٍ … ذاوٍ مَعَ الأَرياحِ مُنْتَثَرِ!! يا روضُ لَا يَأْخُذْكَ بي عَجَبٌ … إن جِئْتُ تَحْتَ الرِّيح والمَطَرِ أشكو إليكَ هواجِساً حُلُكاً … كالليلٍ قَد غَشَّت على بصري الآنَ طابَ لِيَ المُقامُ هُنا … يا روضُ تحت ثوا كِلِ الشَّجَرِ يُلْقينَ بالأوراقِ ذابلةً … مِثلَ المُنى في هَبَّةِ القَدَرِ ما حاجَتي بالرَّوْضِ مُزْدَهِراً … إنْ كانَ قَلْبيَ غَيْرَ مُزْدَهِرِ!؟ في خافِقي يا رَوضُ عاصِفَةٌ … غَضْبى تَهيجُ كوامن الفِكَرِ نارٌ تَوَقَّدُ فيَّ لاهِبَةً … تَرْمى حَنايا الصَّدْرِ بالشَّرَرِ وخَواطِرٌ سُودٌ تَدَفَّقُ في … عَقْلي الشَّتيتِ تَدَفُّقَ النهرِ حتى كأَني جَذْوَةٌ شَرَدَت … مِنْ قبلِ يومِ الحَشْرِ عن سَقَرِ فَلَعلَّ إحدى السُّحْبِ تُطْفِئُهاَ … يوماً بغيث جِدِّ مُنْهَمِرِ أمّا تجِدْني هازِلاً أَبَداً … أَجْزى حُقُودَ الدَّهْرِ بالسَّخَرِ وأَسيرُ في دُنيايَ مُتَّئِداً … بينا المنونُ تجِدٌّ في أَثري لا الدَّهْرُ تُنْسيني غوائِلُهُ … يَوْماً مَغاني الأُنْسِ وَالسَّحَرِ فَلَرُبَّماَ ابْتَسَمَ الفتى وَبهِ … أَلَمٌ يُفَتِّتُ أَصْلدَ الصَّخَرِ

стр. 6357

ولَرُبَّ عَهْدٍ كانَ أَعْذَبُهُ … لَوْ كانَ يَعْذُبُ غايةَ المَقَرِْ وَلرُبّ ليلاتٍ لَبِثْتُ بها … سَهْرَانَ أَرْقُبُ طَلْعةَ الْقَمَرِ أشكو لهُ همِّا يُساوِرُني … وَأَبُثُّ بَعْضَ مظاَلمِ البشَرِ تِلكَ الطُّفولةُ مَا عَرَفْتُ بها … إِلا الدُّموعَ وَأَكْؤُسَ الصَّبرِ يا ليتَ شِعْريَ والحياةُ أَسىً … ما جاَء بي للعاَلِمِ النُّكُر أَأَتَيْتُ أَقطعُ رِحْلَتي عَبثاً … أم جئتُ للأَحزانِ والضّجَرِ أَنا في زمانٍ قد تَنَكّرَ لي … مُنُذ الوِلادِ بأَبْشع الصُّوُرِ فعلامَ أَجْزَعُ من نوائِبِهِ … وأخافُ مِنْ أحْداثِهِ الكُثُرِ يا موتُ جِئ أو لا تَجئ أبداً … سيّانِ طالَ أو انطَوى عُمُري أنا حائرٌ ما عِشْتُ في زَمَني … ومتى رَسولُكَ يَدْعْني أطِرِ أتُرى وراَءكَ يا ردى قَبَسٌ … أمْ لَيْسَ إلاّ ظُلْمَةَ الحُفَرِ؟ (دمشق) امجد الطرابلسي أصداء البيئة

стр. 6358

شيطاني بقلم عبد اللطيف النشار شيطاني لا تبحث عني=لن تظفر بي يا شيطاني الوحدة من أدب الجن=والوحشة داب الإنسان الجمع الحاشد لي مأوى=والعزلة مأوًى للجان ضحك الشيطان وأضحكني=من فلسفتي للشيطان شيطاني لا تهرب مني=وتعال أبثك أشجاني لن أملأ شعري بالشكوى=فلديك دخائل وجداني قال الشيطان أأنسيٌ=ينجو من شر الإنسان؟ فأبت نفسي شكوى جنسي=ومشيت أردد ألحاني شيطاني لا تبحث عني=لن تظفر بي يا شيطاني الإسكندرية عبد اللطيف النشار

стр. 6359

فضول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا للأستاذ خليل هنداوي نقد العقل ليست غاية هذا النقد إحباط نتائج العلم النظري، ولكن غايته أن يسيره في مناهجه الواضحة، فالعلم النظري الذي كان في عهد ما ملك العلوم قد فقد تأثيره، لأنه قد آلى على نفسه أن يتوجه لمباحث تكاد لا تغنى شيئاً، يريد من ورائها التحقيق، وهي - كل يوم - ينقضها من عالم الواقع ألف برهان وبرهان، ثم انتهى (كانت) إلى الشكوكية، ثم الحيادية التي يقول عنها: (هذه التي تظهر عند تفتح العلوم، وتعمل على إظهار العلم الذي حانت ولادته؛ أليست هذه الحيادية من الأشياء التي تسترعي انتباهنا؟ أنها والحق ليست بوليدة الخلفة، ولكنها وليدة محاكمة عصر طويل، شاء ألا ينخدع بظواهر المعرفة كثيراً، أنها دعوة عنيفة تدعو عقلنا إلى عمل عنيف، إلى معرفة نفسه،، وإنما هي تهذب مجلس يذود عنها ويصون تعاليمها الصحيحة، ويحكم عليها إذا ظلمت حسب شرائعها ونظمها الثابتة، وما هذا المجلس إلا مجلس العقل الخالص والعقل الخالص عند (كانت) هو العقل نفسه، قبل أن يدخل الامتحان في تلافيفه شيئاً، هو العقل المجرد قبل أن ينطبع فيه شيء، وفيه ثلاث قوى نفسانية: الأولى قوة المعرفة التي تنطوي على الإدراك والحكم العقلي، وترتيب الأحكام، وهي تبحث عن أكناه الأشياء وحقائقها، والبحث فيها يتعلق بنقد العقل الخالص. والثانية خاصة الإرادة، وهي تبحث عن الخير، ومرجعها إلى نقد العقل العملي. والثالثة هي الشعور بالسرور والشقاء، وموضوعها الجميل، ومرجعها إلى نقد الحكم وماذا أستطيع أن أعرف؟ هذا هو السؤال الذي يضعه الفيلسوف أمام نفسه، وهو ينبغي حله. أن كل معرفة تبدأ عن طريق الاحساس؛ ففي كل إحساس يجب أن نفرق بين مادتين: بين المادة التي تهدينا إليها حواسنا، وبين الهيئة التي لا يختلقها العقل من الخارج، ولكنه يجدها في نفسها متعلقة بهذه المادة؛ إن في عقلنا إدراكات خالصة ملهمة، كالصور الأصلية

стр. 6360

المنطبعة في اذهاننا، ومن بين هذه الصور الداخلة في كل امتحان دخولاً اضطرارياً صورتان، وصفهما (كانت) بدقة ومهارة وحكمة. وهما: (معرفة المكان والزمن) فان هذا المقياس ليس له قياس، أو كما يقول هو عنه ليس له حقيقة مدركة، وعلمنا المبني على مثله لن يكون نصيبه من الحقيقة اكبر منها، إذ ليس للزمن والمكان حقيقة ذاتية ممكن إدراكها، وما الزمن والمكان إلا مقاييس نسبية ابتدعناها تساعدنا على إدراك الاشياء، فهي كالمرآة التي تعكس لنا صورة العالم كما نراه نحن محدوداً بمقاييس الزمان والمكان لا كما بني على حقيقته. وفي جهة أخرى نرى علمنا كله ليس إلا مظاهر، يضعف ويقوى بحسب الملاحظة، ولا يكون قوياً إلا بنا، لأنه لا يملك شيئاً من الجزم والقوة بنفسه، وليس ببعيد أن يكون وراء عالمنا هذا عوالم يدرك أصحابها معنى هذا الوجود، بخلاف ما أدركته عقولنا، ويحدونه بمقاييس تتباين عن مقاييسنا، والحقيقة إننا فهمنا العالم كما نود أن نفهمه، وأدركناه كما تستطيع مداركنا إن تدركه، وهذه الحقيقة التي نسجنا نحن خيوطها ستظل محاطة بالروعة والجلال، ولن تغبر الطبيعة نظرتنا إليها حتى تغير أوضاع تفكيرنا وتبدلنا بها أوضاعا أخرى وهذه النظرة العميقة هي النقطة التي ترتكز عليها فلسفة كانت، ومثله الأعلى الذي يفترضه مثلاً أسمى من المثل الشائعة، فهو يجحد حقيقة العالم الخارجي، ويرتفع بذاته عن المادية، ويعتقد أن أدوات معرفتنا أداة للإدراك، لا تقع تحت سلطان الحواس، لأنها منعزلة عنها وأسمى منها. وبهذه الأداة نراه ينتقل إلى عالم الله والروح والوجود، ويؤسس على كل عالم منها فكرة، ولكن حقيقة هذه العوالم برغم إنها شغلت العقل وتشغله وسوف تشغله لا تزال محجوبة عنا، بل يجد كانت أن تشبثنا بإدراكها عن طريق التجربة لا يغنينا نفعاً، بل يتركنا فريسة الخيالات والاعتراضات المتتالية الله، والروح، والوجود: ثلاثة أكون متعاقبة لا تبدو للعين حقيقتها نقد العقل العملي للشاعر هنري هاين دعابة لطيفة ذكرها في كتابة (ألمانيا) قال في جملة بحثه عن كانت: (ولما وصل - أي. كانت - إلى هذه النقطة التفت وراءه فوجد خادمه الكهل (لامب) يبكي،

стр. 6361

فقال كانت: إن لامب ليس له إله. . . ولكن لابد له من إله يضمن سعادته في العالم) فكتب كانت إذ ذاك نقد العقل العملي، وما العقل العملي إلا نفس العقل النظري منتحياً للعمل، وهو يستمد أصوله من نفسه كالعقل النظري مجرداً من كل تجربة؛ ترى الشريعة التي يرتبها على نفسه تصير شريعة عامة، وليست هذه الشريعة محدودة بفكرة الخير والشر، وإنما هي فكرة محدودة بنفسها، تنبثق من ذاتها وتعود إلى ذاتها، فما تراه الأخلاق خيراً يكون خيراً وما تراه شراً يكون شراً، وهذه الشريعة تولد رأساً من الشعور لا تفتقر إلى شيء من المنطق، ولا تحتاج إلى نظرة من نظرات العقل، وإنما هي تفرض نفسها بنفسها إذا فرضت، كأنها صيغة أمر شامل مطلق، والشريعة الأخلاقية هي لغة الطبيعة السامية في الإنسان، وقد يسمو الإنسان بقدر ما تتجلى فيه هذه الشريعة على قدر ما توائم أعماله قواعدها وهكذا جرب كانت أن يجمع كل ما تحتوي عليه الشريعة الأخلاقية في دستور واحد يضم إليه جميع ما يركب الإنسان من واجبات في المجتمع، وهذا هو الدستور أو الكلمة الجامعة التي يريدها الفيلسوف (أعمل دائماً عملك وأنت تتمنى أن الطريق الذي سلكته يصبح شريعة عامة) أليست هذه الكلمة هي صدى الكلمة القديمة القائلة (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به) إن هذه الكلمة لا تحدد إلا علاقة الفرد مع الفرد، وكلمة (كانت) تضع الإنسان الفرد إزاء المجتمع كله، فإذا قدر للخير أن يمتد سلطانه ويظهر أمره في الأرض فإنما تظهره جهود الناس المتضافرة وسمو طبيعتهم العالية، وهكذا بني (كانت) على هذه القواعد نظرية جديدة في عالم ما وراء الطبيعة ووجد مجالاً جديداً ليبحث عن الحرية والخلود ووجود الله بعد ما ترك العلم النظري هذه العوالم كلها فراغاً يباباً. فإذا كانت الشريعة الأخلاقية فرضاً على الإنسان وديناً لا مفر منه، وإذا كانت هذه الشريعة واجباً مطلقاً عنده، فهي ذلك لأنه قادر على إتمامها، إذا فالإنسان حر، والحرية هي ابنة الشعور الطبيعي، والحرية هي ضالة العقل العملي. وقد لا نستطيع أن نثبت وجود الحرية نظرياً، ولكنها تستمد وجودها من وجود الشريعة الأخلاقية التي يتوقف فهمها على وجودها. وكذلك الأمر في بقاء الروح ووجود الله العقل العملي يبعث فينا نشاطاً غريباً يدفعنا إلى مثل الكمال. هذا المثل الذي يملك علينا

стр. 6362

سلطانه كل شيء هو سلطان الخير المطلق. وإذا كان الخير المطلق شرطه الأول هو الفضيلة فهو إذا داع من دواعي السعادة، بل يوجب العقل أن تكون الفضيلة والسعادة من عنصر واحد لنترك الخير المطلق، ولنعتبر الشريعة الأخلاقية وهماً أو خرافة، أفلا نؤمن بأن هنالك نظاما شاملا للأشياء مؤسسا على معنى السعادة والفضيلة، وأن هنالك في قلب الكون علة عاقلة تحكم وتسيطر وتربط بين الأجزاء وتؤلف وتفكك، وهذه العلة تحتم وجود الله؟ وهكذا نرى العقل العملي يقدر له الإثبات بغير برهان، والعقل النظري يعجزه أن يبرهن، ويتساءل (كانت) عن سر التنازع بين العقلين: ولكن أليست الطبيعة التي ابتلت أحدهما بالعجز والوهن هي القاسية؟ ولكن لنفرض أن الطبيعة قد وافقتنا على أمانينا، ومنحتنا ما تمنيناه منها، ووهبتنا أنوار الهداية التي نهيم فيها، ولنفرض أن البعض مناقد ملك عليها، فماذا تكون النتيجة؟ أتدرونها؟ سيكون الإله بعظمته وروعته متمثلاً في أعيننا وفي أنفسنا، نطيع شريعته المرسومة طاعة عمياء لا نحيد عنها ولا نعتسف طريقها، ولكن أعمالنا هذه لا يقودنا إليها إلا عصا الرهبة تأتيها خالية من الفضيلة المبتغاة لذاتها، وهل يكون كل إنسان في كل ما يأتيه إلا كالآلة الميكانيكية تأتي ما يطلب منها وتؤمر به غير واعية ولا شاعرة؟ إن كل شيء يمشي في السبيل القويم؛ ولكنك تتلمس باطلاً نسمة الحياة تلفح هذه الوجوه الشاحبة التي أكلها السأم. . . والآن، ونحن على هذه الحالة قد دلتنا الكائنات على عظمة المبدع ونزل فينا شرائعه الأخلاقية من غير أن تمنينا بالوعود أو تروعنا بالوعيد، وانفسح لكل واحد منا سبيله يبلغ به المثل الأعلى في الوجود وفي النهاية يقول كانت إن النظام الإلهي مؤسس على شريعة الأخلاق، فإذا وجد الله، وإذا خلدت الروح فذلك لأنني أشعر بأني أحيا حراً، وأن حريتي بدون وجود الله وخلود الروح تغدو وهماً باطلاً. الإله الحقيقي - عند كانت - هو الحرية، ومما إله الديانة إلا وزيره الأول، وهو يحترم الدين بقدر ما يرعى للأخلاق والفضيلة عهودهما وذممهما، ويرى أن ممارسة الخير هي أسمى عمل يحبه الله

стр. 6363

يتبع خليل هنداوي

стр. 6364

تاريخ الأدب الألماني بقلم إبراهيم إبراهيم يوسف تمهيد: عنى أبناء العروبة في عشرات السنين الأخيرة بدراسة الآداب الغربية دراسة توحي الاطمئنان نوعا إلى ما سوف يكون عليه الجيل المقبل من تنوع الثقافة. وكانت آداب لغرب في نظر المتأدبين منا في بادئ الأمر هي الآداب الفرنسية وحدها، ثم انتهى بهم الأمر، وذلك منذ ربع قرن أو نحوه، إلى الأخذ بدراسة الآداب الإنكليزية أيضاً، وبذلك اتسع نطاق معرفة الآداب الغربية بعض الشيء. ولكن برغم هذا فإننا ما زلنا في مستهل الطريق. ولعل الخطوة الطبيعية التي تتلو ذلك ويتبعها المتأدبون في الشرق الأدنى والأوسط، ولا تكون إلا دراسة الآداب الألمانية دراسة جامعة، بعد أن أخذوا بقسط غير قليل من الآداب الفرنسية والإنكليزية. . . نعم لقد ظهرت بوادر هذه الدراسة في مصر منذ عشر سنين أو تزيد، إلا أنها كانت دراسات موجزة لا تتفق وعظمة الآداب الألمانية ووفرة كنوزها وارتباطها بالآداب الغربية والشرقية على السواء، ومن أجل ذلك كله حق لبعض من عكف على دراسة الحياة الأدبية في مصر وبقية بلاد الشرق العربي أن يقول عنا بأننا اقل الشعوب المتمدنة إلماماً بالآداب الألمانية. . . والواقع أن هذه الظاهرة لا تلائم بغية المتأدبين، إذ أول واجباتهم نحو الأدب بالذات أن يحيطوا علماً بالآداب العالمية، وليس من ينكر بأن للألمان صرحاً فيها مازال، وسيبقى، موضع فخر الأدباء في كل صقع. . . لهذا كله ونزولاً على إرادة بعض من أجلهم، رأيت أن أكتب في هذا الباب، عسى أن أوافق إلى إثارة الرغبة عند كرام القراء في الإطلاع على الآداب الألمانية، بقدر توفيقي إلى استمالة الأدباء للإكثار من نقل غرر الآداب الألمانية مقدمة: لا تخلو الآداب الألمانية في أطوارها التاريخية من صفات عامة مشتركة بينها وبين الآداب الأوربية الأخرى. نعم إن عصور ازدهار الآداب الألمانية وعصور سقوطها لا تسير مع العصور التي تماثلها في آداب فرنسا أو إنكلترا أو إيطاليا، ولكن ليس معنى ذلك إن الآداب

стр. 6365

الألمانية في تطورها لم تكن مرتبطة بالحركات الدينية والثقافية والاجتماعية التي غمرت القارة الأوربية. فقد كانت ألمانيا قبل دخول المسيحية إليها في حالة أقل ما توصف به إنها حالة غامضة مهمة، وكان الناس إذ ذاك يكادون ألا يعرفوا شيئاً غير الجمود والنسك، شأنهم في ذلك شأن بقية الناس في البلاد الأوربية الأخرى. ثم تلا ذلك عصر آخر اضطر فيه فرسان الحروب الصليبية إلى التقهقر أمام المدن الثائرة. وجاء عصر الإصلاح ممهداً لعصر النهضة. وكانت ألمانيا أسرع من جيرانها استجابة للحوادث الجسام التي كانت تنتاب أوربا من وقت إلى آخر. وإذا كان من المسلم به أنه لا يوجد أدب أوربي كان في كل تطوراته مستقلاً تمام الاستقلال عن آداب جيرانه، فانه مما لا شك فيه أن الآداب الألمانية مدينة بالشيء الكثير إلى آداب الغير. لهذا كانت دراسة الآداب الألمانية هي، إلى حد بعيد، دراسة ما يطلقون عليه اليوم اسم (الأدب المقارن)، وإذاً فمن المهم معرفة مركز الآداب الألمانية بالنسبة للآداب الأوربية، وعلاقة هذه بتلك. وستؤدي بنا طبيعة هذا البحث إلى التمييز بين الوطني من آداب الألمان والأممي منها. وكذلك سنقف على مدى تشعب كل من النزعتين في تطور الآداب الألمانية وما ينتسب منها إلى الوطنية، وما له صلة بالتاريخ السياسي أو الاجتماعي ولكل من مؤرخي الآداب الألمانية طريقه الخاص في استعراضه لتاريخ هذه الآداب. وكذلك كانت نظرة كل منهم في تقسيم تاريخه إلى مراحل. وموقفنا هنا يضطرنا إلى الأخذ بالسهل منها؛ ولذلك يمكننا القول بأن تاريخ الآداب الألمانية ينقسم إلى ثلاثة أقسام بينة، لثلاثة عصور مختلفة، لكل عصر منها لغته وطابعه. فالقسم الأول يشمل العصر القديم للألمانية الرفيعة الذي يبدأ حوالي سنة ٧٥٠ ميلادية، وينتهي حوالي سنة ١٠٥٠. والقسم الثاني يشمل العصر الوسط لآداب الألمانية الرفيعة، يبدأ من سنة ١٠٥٠ وينتهي سنة ١٣٥٠ ميلادية، ثم العصر الأول لجديد آداب الألمانية الرفيعة الذي يبدأ من سنة ١٣٥٠ وينتهي سنة ١٧٠٠ ميلادية، ثم تلي تطورات الآداب الألمانية في هذه المراحل الثلاث تطوراته الأخيرة في كل من القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين وسنعالج كل طور من هذه الأطوار التي مر بها الأدب الألماني في باب خاص، جاعلين بغيتنا في ذلك إيضاح النزعات الفنية في الآداب الألمانية وأثر كل منها في تاريخه

стр. 6366

العصر القديم للألمانية الرفيعة الثقافة الألمانية الأولى نجد في تطور كل أدب عهداً مرتبطاً بما اتفق على تسميته في التاريخ السياسي (بعصر ما قبل التاريخ). وفي ذلك العصر لم تكن للشعوب ثقافة عامة، كما لم يكن لها أدب مخطوط، ولم يكن للألمان في ثمانية القرون الأولى المبتدئة من يوم مولد المسيح شيء ينم عنه تاريخهم السياسي من ثقافة عامة. كذلك لم يكن لهم أدب مخطوط يمت إلى الحوادث الواقعية حتى عهد كارل العظيم. والواقع أن التاريخ القديم للعشائر الجرمانية لا زال موضع جدل بين المحققين، ولا يمكن الإجابة القطعية على سؤالك من أين جاءوا، ومتى أتوا إلى الجهات التي استوطنوها. ولكن من الثابت انهم ينحدرون من الأسر الجرمانية الهندية وموطنها الأصلي أواسط آسيا. وكانوا في نفس الوقت الذي أخذت فيه روما توطد مركزها في جنوب أوربا يقطنون البلاد الواقعة على شواطئ بحر الشرق الممتد فيما بين بحر البلطيق وبحر الشمال. وكان أول من جاء بأخبارهم إلى العالم المتحضر في القرن الرابع قبل المسيح، رجل رحالة مغامر اسمه بييتس فأثبت انهم يتكلمون بلهجات ألمانية دون شك، إذ هي تختلف عن بقية اللغات الأوربية الهندية , - وربما كان أول حدث سياسي هام بدل من كيان تلك الجماعات التي كانت تسكن المناطق الواقعة على بحر الشرق، هو ذلك الذي أثار التفرقة بينهم وجعلهم فريقين: فريق الجرمانيين - , وهم الغوط , والعشائر التي استوطنت اسكندنافيا وفريق الجرمانيين الغربيين - , وهؤلاء كانوا يؤلفون الجنسيات الوطنية التي عرفت فيما بعد , الإنجليز - والجرمانيين البحريين - وهم الذين يتكلمون اليوم اللغة الهولاندية واللغة العامية الألمانية ثم الجرمانيين العلويين , ومضت بضعة قرون قبل أن تستقر هذه العشائر في موطنها الجديدة. وكانت غزوة الجرمانيين لأسكندنافيا قد تمت قبل مولد المسيح ببضعة قرون. ثم حفزتهم غريزة الترحال فيهم إلى الرجوع ثانية إلى الجنوب فأسسوا دولة الدانوب البحرية أما الجرمانييون الغربيون فكانوا أقل من زملائهم سرعة في التطور، إذ لم يدعهم يوليوس

стр. 6367

قيصر القرن الأول قبل المسيح يستقرون في مكان، وظلوا أشبه بالقبائل الرحل حتى كانت غزوة , أواخر القرن الرابع، التي ربكت عامة الجرمانيين وكان النزاع بين الجرمان والدولة الرومانية قد استمر نحو نصف قرن، مما دفع مؤرخي الرومان إلى حب الوقوف على أحوالهم. فكان منهم تاكيتوس وهو في كتابة كثير التدقيق والتحقيق، وقد قال فيه أن الأبجدية لم يستعملها الجرمان في مراسلاتهم بشكل عام إلا في القرن الثالث. وهم ككل شعب مبتدئ ليس لهم شعر مخطوط. وفي أغانيهم القديمة، وهي المستند الوحيد، يحيون إلاههم تيستو الذي أنبتته الأرض كما يحيون ابنه ما انهما أي الجنس الجرماني. وللبطل أرمينوس في أغانيهم. وكان له نشيد وطني معروف بأسم ينشدونه والدروع إلى أفواههم ليكون له دوي عظيم. وكانت أناشيدهم الدينية وأغاني تمجيد أبطالهم تقرن بالرقص ويسيرون في مواكب تشبهاً بالجرمانيين الأقدمين كما جاء في ذلك الشعر؛ وكان قدماء الجرمان يطلقون على هذه الحفلات أسم لايكاس وكانت هذه هي الخطوة الكبرى نحو وأضاف تاكيتوس إلى ذلك القول بأنه لا بد أن يكون للجرمانيين أدب له سحره وجماله الذي نجده عند الأوربيين الهنود كافة. وللجرمان غير ما ذكرنا أغان للموتى، وأخرى لانتصار الشمس على الظلام والزوبعة، وغيرها عن الحدث الأكبر: موت النهار، أو عن ذبول الصيف. وهذه الأغاني بقايا خرافاتهم القديمة عن الطبيعة وكان الغوط أول من نهض من الجرمان بحياة ثقافية. وفي دولتهم التي أنشئوها في المنطقة القريبة من الدنواب خطوا خطوات سريعة نحو الثقافة ونحو المدنية. ولعل مركزهم الجغرافي هو الذي ساعدهم على الاتصال بالفكر الإغريقي وبالمسيحية، بينما كان إخوانهم في الشمال ما يزالون همجاً وثنيين ويعتبر فولفيلا - الذئب الصغير أول من وضع أساس الأدب في لغة الغوط (للبحث صلة) إبراهيم إبراهيم يوسف

стр. 6368

البريد الأدبي أعمال الاستكشاف في قلب أفريقية قررت أكاديمية العلوم الفرنسية أن تنمح جائزة (البردى موناكو) الشهيرة وقدرها مائة ألف فرنك (نحو ألف وثلاثمائة جنبة) إلى العلامة الجغرافي المكتشف الأفريقي الجنرال تيلهو، أحد أعضاء بعثها الجغرافية، وذلك لما قام به من الاكتشافات الخطيرة في منطقة بحيرة تشاد والأنهر المتصلة بها، ومعاونته بذلك على وضع هذه المنطقة تحت الحماية الفرنسية وقد كانت فرنسا تعنى منذ بعيد بشأن هذه البحيرة الشاسعة التي تقع في وسط أملاكها الصحراوية الأفريقية، وتؤثر أعظم أثر في مستقبلها الاقتصادي؛ فجهزت إليها عدة بعوث علمية منذ أوائل هذا القرن، ولما زادت أملاكها في تلك المنطقة باستيلائها على أملاك ألمانيا، وتوغلها في السودان الغربي، زاد اهتمامها باكتشاف هذه المنطقة وتحديدها وتأمين حمايتها؛ ويمكن تقدير أهمية بحيرة تشاد متى علمنا أنها تغطى مسطحاً قدره ١٨ , ٠٠٠ كيلو متر، ويصب فيها نهران كبيران هما (شاري) و (لجوني) وعلى مائها تقف حياة الملايين من سكان المناطق المجاورة، وكان الجنرال تيلهو، منذ كان ضابطاً فتي في أواخر القرن الماضي، يهتم باكتشاف هذه المنطقة، وينوه بأهمية مستقبلها الاقتصادي والسياسي، وقد كان أول من استطاع أن يضع لها خريطة دقيقة؛ وقد بدأ بارتيادها منذ سنة ١٨٩٨ ليحقق أبعادها بالنسبة لنهر النيل ونهر النيجر، ولكنه لم يستطع أن يتوغل يومئذ في تلك الأنحاء لخطر قبائلها الهمجية. ولكنه عاد بعد بضعة أعوام فالتحق ببعثة الجنرال مول التي أوفدت لضبط حدود الينجر بين فرنسا وبريطانيا، وفي سنة ١٩٠٦ عين رئيساً لبعثة جديدة أوفدت لاكتشاف المنطقة الواقعة بين الينجر وبوركو، فاستمرت في تجوالها في تلك الأنحاء مدى ثلاثة أعوام. وفي سنة ١٩١٢ عاد على رأس بعثة أخرى، وقضى في تجواله خمسة أعوام اكتشف أثناءها كثيراً من أسرار المنطقة الواقعة شرق بحيرة تشاد، ومنطقة بركو، وبيستي ودارفور، وضبط وسائل المواصلة بين مستعمرات فرنسا الأفريقية الغربية والسودان الفرنسي (السودان الغربي)؛ وعلى أثر هذا الاكتشاف العظيم عين الجنرال تيلهو عضواً في أكاديمية العلوم ومنح مدالية الاستحقاق الذهبية؛ ثم أنعم عليه بعد ذلك بلقب عضو في المجمع العلمي؛ والجنرال تيلهو جندي باسل، وعلامة جغرافي ومحقق أخصائي

стр. 6369

في جغرافية أفريقيا الوسطى، وقد قرر أن يخصص الجائزة التي منحت له لمتابعة أعماله واكتشافاته العلمية في تلك الأنحاء ولم ينفذ العالم الأوربي إلى تلك الأنحاء إلا منذ أوائل القرن الماضي، منذ اكتشافات منجو بارك الاسكتلندي، ورنية كاييه الفرنسي؛ ولكن يبدو من دراسة رحلة أبن بطوطة الرحالة المغربي الشهير أنه ارتاد كثيراً من تلك الأنحاء، على أثر عودته من رحلته في الشرق الأقصى (في أواسط القرن الرابع عشر)؛ وهو يذكر أسماء مدن ومواقع لم يعرفها الغرب إلا منذ قرن مثل سكوتو، وغيرها دائرة المعارف الفرنسية كان الأدب الفرنسي أول ما ظفر بإخراج الموسوعات الأدبية والعلمية والحديثة؛ ويرجع تاريخ هذه الموسوعات الحديثة إلى أواسط القرن الثامن عشر، حيث ظهرت جماعة العلماء المعروفة (بالأنسيكلوبيدين) وعلى رأسهم ديدرو، ودالمبر، وهولباك وغيرهم وقد ظهرت دائرة المعارف الفرنسية الكبرى منذ أواسط القرن الماضي، وتمت في أواخره؛ ولكنها لم تطبع من ذلك الحين مرة أخرى، وأضحت في عصرنا أثراً قديماً تنقصه عناصر هامة من العلوم والفنون والاختراعات الحديثة، وتاريخ العالم منذ أواخر القرن الماضي، وفد تقدمت الموسوعات الأجنبية على الموسوعة الفرنسية من هذه الناحية تقدماً عظيماً، فصدرت الطبعة الخامسة عشرة من دائرة المعارف البريطانية سنة ١٩٣٠، وأضحت أثر عظيما شاملاً لآخر ما أخرج العصر من آداب وفنون وعلوم؛ وصدرت دائرة المعارف الإيطالية الجديدة منذ عامين أو ثلاثة؛ وصدرت دائرة معارف روسية حديثة. وقد اهتمت وزارة المعارف الفرنسية والهيئات العلمية الفرنسية منذ بضعة أعوام بأمر الموسوعة، وألفت لجنة من أكابر العلماء والكتاب للأشراف على إخراجها في طبعة جديدة وعلى رأس هذه اللجنة، المسيو دي مونزى وزير المعارف السابق، ومسيو لوسيان فابر الأستاذ بالكوليج دي فرانس، وهو المدير العلمي للموسوعة، ومسيو هنري دي جوفنل الكاتب والسياسي، والأستاذ بايان نقيب المحامين السابق، ويوسف بدييه مدير الكوليج دي فرانس، وفرانسوا ميلان عضو الشيوخ، وغيرهم من أكابر العلماء والمفكرين. وقد أتمت اللجنة تنظيم الأعمال التحضيرية؛ وبدأت أعمال التحرير فعلاً، والمرجو أن يصدر الجزء

стр. 6370

الأول في سنة ١٩٣٥، ثم تصدر الأجزاء تباعاً بعد ذلك، حتى تغدو الموسوعة الفرنسية لائقة بما للأدب الفرنسي من مكانة ممتازة في عالم الآداب الحديثة مدام آدم وعصرها مدام جولييت آدم من أعظم كاتبات فرنسا، وهي اليوم في الثامنة والتسعين، وقد لبثت مدى النصف الأخير من القرن التاسع عشر تتزعم الحركة الأدبية في فرنسا، وكانت بينها منذ أواخر القرن الماضي وبين زعيم الوطنية المصرية مصطفى كامل رسائل سياسية وعلائق صداقة وثيقة استمرت حتى وفاته وقد أصدرت أخيراً كاتبة فرنسية أخرى هي مدام مانون كورمييه عن مدام جولييت آدم وعصرها كتاباً كبيراً استعرضت فيه حياة الكاتبة الكبيرة منذ تحريرها (للمجلة الجديدة) في شبابها، وما كان بينها وبين أكابر عصرها من علائق الصداقة أمثال جورج ساند الكاتبة الشهيرة، وليون جامبتا السياسي الكبير، وبيير لوتي الكاتب الأشهر، وكان يسميها (بأمه العزيزة)، وما كان لها من زعامة روحية وفكرية على كثير من المفكرين والكتاب داخل فرنسا وخارجها الاحتفال بتوزيع جوائز نوبل أقيم في استوكلهم عاصمة السويد في العاشر من ديسمبر الجاري الاحتفال السنوي الكبير الذي تمنح فيه جوائز (نوبل) وقد رأس ملك السويد بنفسه الحفلة كالمعتاد، وتولى بنفسه تقديم الجوائز الممنوحة لممثلي الدول التي ينتمي إليها الكتاب والعلماء الفائزون؛ فناب عن الكاتب الإيطالي بيراندللو الفائز بجائزة نوبل للأدب سفير إيطاليا، وناب السفير الأمريكي عن الأساتذة جورج مورفي وهوبيل ونويث الفائزين بجائزة نوبل للطب، وكذلك عن الأستاذ هارولدادري الفائز بجائزة نوبل للكيمياء؛ ومقدار كل جائزة منها ١٦٢ , ٦٠٧ كوروناً سويدياً (أي نحو أربعة آلاف جنيه) ويعتبر هذا الاحتفال أعظم الاحتفالات العلمية المصور (سم) توفي أخيراً في باريس أستاذ من أساتذة التصوير الرمزي (الكاريكاتور) هو الرسام (جورسا) المعروف في عالم التصوير باسم (سم) وهو الاسم الذي يوقع به صوره. وقد

стр. 6371

بلغ هذا النوع من التصوير في العصر الأخير ذروة قوته وخطره، وأصبح فناً قائماً بذاته، يشترك مع القلم في التعبير عن الحوادث والمشاعر، ولا سيما أحداث السياسة، وقد كان (سم) من أقطاب هذا الفن، وكانت صوره الرمزية التي تنشرها جريدة (الجورنال) من أسمى ما أخرج الفن؛ وكانت تمتاز بقوة التعبير والفكاهة اللاذعة المحتشمة معاً. ولبث (سم) يعمل في قلم تحرير (الجورنال) أعواماً طويلة، وقد توفي كهلاً لم يجاوز الخمسين في عنفوان قوته وفنه

стр. 6372

القصص من الأدب التركي العذراء الدميمة ترجمة عبد اللطيف أحمد لم يتجاوز التفاوت بينهما في السن غير عامين، ولكنه في الجمال وحسن الخلق كان جد عظيم. لازم النحس (عصمت) منذ رأت النور، فقد ولدت وأمها تكاد تفقد الحياة من معاناة مرض خطير، بله آلام الوضع، ولم يكن للأسرة هم إلا إنقاذ الأم من براثن الموت، ومحاولة إصلاح ما أفسده مرض ذات الجنب من جسمها الرطيب، فلم يرحب أحد بالقادمة الجديدة، أو يفكر في أمرها حتى الأم - وا أسفاه - كأنها في هذه اللحظة قد فقدت غريزة الأمومة، فلم تنظر إليها حينما تلقفتها يد القابلة إلا كما تنظر إلى خرقة بالية! ولم يكن حظها من عناية أبيها بأوفر منه عند أمها، فكثيراً ما كان يراها وهي ملقاة على الأرض تشارك الكلب في مزجره، وفي يدها هنة تشبه قطعة الخبز دون أن تتحرك في قلبه عاطفة الأبوة نحو التي أتى بها إلى الحياة على كره منها؛ وهكذا سرت العدوى إلى سائر أفراد الأسرة وكأنها وترتهم جميعاً قبل أن تأتي إلى هذا العالم، فلما واتتهم الفرصة ثأروا لأنفسهم بإهمالها والحط من شأنها، ولولا وشيجة الإنسانية لقضت هذه التعسة جوعاً فأراحت واستراحت اسندوا أمر العناية بها إلى ظئر حامل كسول، فلم تعطها من الرعاية إلا المقدار الذي يسمح لها بالحياة، فشبت إلى أسفل، وكأنها كانت تسير في نموها نحو مركز الأرض! شاء القدر أن يصور للناس صورة ناطقة للقبح الجسماني، وينصب تمثالاً حياً للتنافر الجسدي، فكانت (عصمت) كما أراد: عينان غائرتان لا يكاد يبدو منهما نور الحياة، وخدان شاحبان بل عظمان عاريان إلا من ذلك الجلد الحائل، بينهما نتوء يشبه الأنف، تحته شفتان ضل سبيله إليهما الدم!! يضم كل هذا وجه أشبه بوجوه الموتى، إن فقد معالم الحسن فلم يفقد معاني الرحمة والرثاء، ينوء بذلك جذع ناحل وأطراف هزيلة وهنا يجدر أن نسأل أنفسنا: أيكون القبح عقبة في سبيل حب الوالدين لفلذة كبديهما؟؟!. . .

стр. 6373

هذا ما لا نستطيع الجواب عنه، ولكن الذي نعلمه أن عاطفتهما نحو (عصمت) كانت أشبه بالرحمة منها بالحب، وحسبنا مصداقاً لهذا محاولتهما البعد عنها تحت تأثير غريب كان يستولي عليهما كلما لمحاها استردت الأم صحتها بعد جهاد عنيف، ودبت العافية في جسمها دبيب الراح في جسم شاربها، فشبا خداها، وبرقت عيناها، وغمرت الهناءة وجهها، وجرى ماء الحياة في جميع أطرافها، وبينما هي على وشك الظفر بالنصر الحاسم على عقابيل المرض المنهزم؛ إذا هي تحس حركة في أحشائها تؤذنها بزائر جديد، فاستخفها السرور، وحملت البشرى إلى زوجها باسمة، ثم ذاع المخبرين أفراد الأسرة، فعمهم البشر كأنه يولد في هذا المنزل لأول مرة، وكأن (عصمت) المنكودة الحظ لم تكن في الحسبان! أخذوا في أعداد العدة لاستقبال هذا الوليد، وطفقت الوالدة تهيئ الأقمطة الناعمة، والأقمشة الفاخرة، وذهب الوالد يبحث في الأسواق عن أحسن مهد وأثمن هدية، وكان شغله الشاغل في شهور الحمل البحث عن كل ما يسعد الوالدة والمولود وبينما (عصمت) تعبث في غرفة الخدم، تحبو كأنها الحشرة لا يعبأ بها أحد، ولا يعيرها التفاته إنسان، والجميع في شغل شاغل - فقد جاء الأم المخاض - إذا القابلة تقول: كأنها قطعة من نور. .! يا أم ابنتي هلا نظرت إليها.؟ وكان هذا إيذانا منها بانتهاء الأمر. . . لم تصدق الأم بادئ بدء، وسألتها جازعة: تشبه من يا ترى؟ وكأنها تخاف أن ينكبها القدر مرتين، ولما يزل شبح (عصمت) يتراء لها. إجابتها بلهجة الظافر. تشبه من.!؟ لمن يحتمل أن تشبه سوى أمها وأبيها. .!؟ وشاع البشر في وجه الأم حينما وجدت مصداق قولها في وجه ابنتها الجميل التكوين علم أهل الحي فجاءوا مهنئين، وحفلت الدار بهم، فصارت الأم بما ملكها من الزهو بوليدتها الجميلة تكشف لهم عن وجهها، وهم يرتلون آيات الإعجاب بها ويكررون كلمات التهنئة، وأخذوا يتخيرون اسماً لطفلتهم، وأي اسم يؤدي كل هذه المعاني التي تنم عنها ملامحها من الحسن الرائع؟ إن كل ما نذكر من الأسماء غير واف بتلك المعاني. فليبحث أبوها إذن في المعاجم، وليسأل الغادي والرائح عله يظفر بضالته التي ينشدها. . . بعد جهد، خطر له اسم لبطلة قرأ عنها في إحدى القصص، فأطلق عليها (لمعان)

стр. 6374

تعاقبت الأيام، وشبت (عصمت) فبدأت ترقب طفولة أختها المرحة المترعرعة، وترى من إعزازها وإعجاب الأسرة بها ما لم تظفر في يوم من الأيام ببعضه فتعجب، ولكن سرعان ما تهديها غريزتها إلى أن بها نقصاً، فيعتريها شعور مهم غامض؛ أهذا هو السر في إنها ليست محبوبة، وأنها أدنى منزلة من تلك التي تتبوأ ذراعي أمها مفترة الثغر باسمة الملامح؟ كانت (عصمت) مرهفة الحس إلى حد بعيد، وكأنما عوضها الله سبحانه ما نقص من خلقها بكمال حسها ودقته - ويا ويل من دق حسه وقصرت يده عما يريد. .! كانت ترى الفارق كبيراً في معاملة أبويها لهما فيعتريها من الألم والحسرة ما دونه وخز الإبر ووقع السهام، ينظر الوالد إلى أختها التي لا تفارق ذراعي أمها فيشع من عينيه السرور، حتى إذا وقع بصره على (عصمت) أطلت الشفقة من وجهه، وكأنها تسخر من هذا من هذا المخلوق العجيب، وربما تصدق عليها بقبلة تدرك معناها فتشعر برعدة المحموم من فتورها وبرودتها، وقد يخيل إليها إن الثلج طفق يذوب من موضعها، فتذوب حسرة وألماً، وتجر جسمها الهزيل جراً وتنزوي في ركن قصي، ويعوزها البكاء فلا تجرؤ عليه؛ وقد تحاول التمرد على أخذها بجناية لا يد لها فيها فيقعدها العجز عن السير في هذه السبيل بقيت (عصمت) تعاني من أمرها ما تعاني، و (لمعان) تتفتح كزهرة الربيع، ترعاها عناية الأب ويكفلها حنان الأم وعطف الأسرة. . . أكسبها كل هذا نضارة فوق نضارتها، ونشاطاً فوق ما طبعت عليه من الخفة والمرح ودوام الابتسام، ولا عجب، فهذا شأن كل من اطمأن على أنه استوى على عرش القلوب وتملك ناصية الأفئدة أقبل العيد، وأشترى الوالد لكل من ابنتيه ثوباً من المخمل القرمزي الجميل، فكان لهذا - في أول وهلة - من الأثر الطيب في نفس الأختين ما سرهما، ولكن شد ما اختلف شعورهما بعد ذلك! رأت (عصمت) أختها وهي تختال في ثوبها الجديد، وقد افاضت عليه من حسنها ما ضاعف بهاءه ورونقه، ثم تأملت نفسها فكادت تصعق. . . . . أنهما من نوع واحد! ولون واحد! ومن صنع يد واحدة! فما بال أحدهما يصعد إلى قمة الحسن، وينزل الآخر إلى أحط دركات القبح!؟ هل شارك الجماد أبويها في إذلالها والزراية بها؟ هل يميز الثوب بين الوسامة والدمامة حتى يصدمها هذه الصدمة الأليمة. . .!!؟

стр. 6375

إذن أف له ما أقبحه، وما أشد بغضي له!. ناجت نفسها بكل هذا، والألم يحز في أحشائها حزاً تحس أثره اللاذع في السويداء من قلبها، وكأنها نسيت نتوء عظام كتفيها، وهزال جسمها، وشحوب لونها الأسمر الذي ضاعفه لون ثوبها الجميل؛ على حين تخلع (لمعان) من روعتها ونضارتها على ثوبها ما يزيده جمالاً وروعة هتفت بالأختين مربيتهما: هيا قبلا أبويكما وهنئاهما بالعيد. . . لبتا الأمر، ومشت (عصمت) على استحياء والهم يملأ فؤادها المكلوم، وقد سبقتها (لمعان) - وكأنها ظبي أهيج - في خفة ورشاقة، ولكنها انتظرت مقدم أختها لتتقدمها في أداء هذا الواجب مشت البائسة مطأطئة الرأس، مكتئبة النفس، في وجوم يكاد يكون بلادة، ثم تناولت أيدي أبويها وقبلتها، فبادلها كل منهما بقبلة، وكأنما يقبلان جثة هامدة لما غشيهما من الحزن والكآبة، ولكنهما ما لبثا أن تهللا حينما جاء دور (لمعان). . يا لله للمحدود التعس.!! حتى في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، ويتناسى كل حزين حزنه، وكل بائس بؤسه، تطعن هذه الشقية تلك الطعنة النجلاء! ظلت (عصمت) شاخصة، وسرى من روحها الحزين تيار قوي شل حركات الجميع فجمدوا كأنهم التماثيل، ولم يخرجهم من هذه الحال إلا (لمعان) حينما تحركت، وكأنها أدركت فجأة مقدار ما أصاب أختها من غبن وما نالها من شقوة، فجاش قلبها بالرحمة والحب، فاحتضنتها وتعلقت بها، وبذلت جهدها حتى طبعت قبلتها على جبينها، ولكن (عصمت) لم تبادلها إياها، وكان هذا عن غير عمد منها، فقد كانت شاردة اللب، كليلة الذهن، يضطرب صدرها بشتى الآلام وضروب الأوجاع، وقد أيقنت في هذه الساعة بماكانت لا تشعر به إلا محاطا بالغموض والإبهام، وحاولت أن تجزي أختها بما فعلت، فاحتضنتها وأرادت أن تقبلها، ولكنها انفجرت باكية في نشيج محزن، وأخذ صدرها يعلو ويهبط، وعيونها تفيض بغزير الدمع وهي تحاول منعه، ولكن هيهات فقد أفلت من يدها الزمام منذ تلك الساعة (وعصمت) في هم دائم، حتى الابتسامة التي كانت تزور شفتيها لماما، وكأنها ضلت طريقها إلى الثغور الفرحة، فأوقعها سوء الحظ في هذا الثغر الحزين. . . حتى هذه الابتسامة غادرتها إلى غير رجعة، فقد أزالت تلك الدمع الحارة التي ذرفتها عيناها يوم العيد الغشاوة التي طالما حجبت عنها الحقيقة في أيامها الأولى
следующие страницы →