← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

بلغ هذا النوع من التصوير في العصر الأخير ذروة قوته وخطره، وأصبح فناً قائماً بذاته، يشترك مع القلم في التعبير عن الحوادث والمشاعر، ولا سيما أحداث السياسة، وقد كان (سم) من أقطاب هذا الفن، وكانت صوره الرمزية التي تنشرها جريدة (الجورنال) من أسمى ما أخرج الفن؛ وكانت تمتاز بقوة التعبير والفكاهة اللاذعة المحتشمة معاً. ولبث (سم) يعمل في قلم تحرير (الجورنال) أعواماً طويلة، وقد توفي كهلاً لم يجاوز الخمسين في عنفوان قوته وفنه

стр. 6372

القصص من الأدب التركي العذراء الدميمة ترجمة عبد اللطيف أحمد لم يتجاوز التفاوت بينهما في السن غير عامين، ولكنه في الجمال وحسن الخلق كان جد عظيم. لازم النحس (عصمت) منذ رأت النور، فقد ولدت وأمها تكاد تفقد الحياة من معاناة مرض خطير، بله آلام الوضع، ولم يكن للأسرة هم إلا إنقاذ الأم من براثن الموت، ومحاولة إصلاح ما أفسده مرض ذات الجنب من جسمها الرطيب، فلم يرحب أحد بالقادمة الجديدة، أو يفكر في أمرها حتى الأم - وا أسفاه - كأنها في هذه اللحظة قد فقدت غريزة الأمومة، فلم تنظر إليها حينما تلقفتها يد القابلة إلا كما تنظر إلى خرقة بالية! ولم يكن حظها من عناية أبيها بأوفر منه عند أمها، فكثيراً ما كان يراها وهي ملقاة على الأرض تشارك الكلب في مزجره، وفي يدها هنة تشبه قطعة الخبز دون أن تتحرك في قلبه عاطفة الأبوة نحو التي أتى بها إلى الحياة على كره منها؛ وهكذا سرت العدوى إلى سائر أفراد الأسرة وكأنها وترتهم جميعاً قبل أن تأتي إلى هذا العالم، فلما واتتهم الفرصة ثأروا لأنفسهم بإهمالها والحط من شأنها، ولولا وشيجة الإنسانية لقضت هذه التعسة جوعاً فأراحت واستراحت اسندوا أمر العناية بها إلى ظئر حامل كسول، فلم تعطها من الرعاية إلا المقدار الذي يسمح لها بالحياة، فشبت إلى أسفل، وكأنها كانت تسير في نموها نحو مركز الأرض! شاء القدر أن يصور للناس صورة ناطقة للقبح الجسماني، وينصب تمثالاً حياً للتنافر الجسدي، فكانت (عصمت) كما أراد: عينان غائرتان لا يكاد يبدو منهما نور الحياة، وخدان شاحبان بل عظمان عاريان إلا من ذلك الجلد الحائل، بينهما نتوء يشبه الأنف، تحته شفتان ضل سبيله إليهما الدم!! يضم كل هذا وجه أشبه بوجوه الموتى، إن فقد معالم الحسن فلم يفقد معاني الرحمة والرثاء، ينوء بذلك جذع ناحل وأطراف هزيلة وهنا يجدر أن نسأل أنفسنا: أيكون القبح عقبة في سبيل حب الوالدين لفلذة كبديهما؟؟!. . .

стр. 6373

هذا ما لا نستطيع الجواب عنه، ولكن الذي نعلمه أن عاطفتهما نحو (عصمت) كانت أشبه بالرحمة منها بالحب، وحسبنا مصداقاً لهذا محاولتهما البعد عنها تحت تأثير غريب كان يستولي عليهما كلما لمحاها استردت الأم صحتها بعد جهاد عنيف، ودبت العافية في جسمها دبيب الراح في جسم شاربها، فشبا خداها، وبرقت عيناها، وغمرت الهناءة وجهها، وجرى ماء الحياة في جميع أطرافها، وبينما هي على وشك الظفر بالنصر الحاسم على عقابيل المرض المنهزم؛ إذا هي تحس حركة في أحشائها تؤذنها بزائر جديد، فاستخفها السرور، وحملت البشرى إلى زوجها باسمة، ثم ذاع المخبرين أفراد الأسرة، فعمهم البشر كأنه يولد في هذا المنزل لأول مرة، وكأن (عصمت) المنكودة الحظ لم تكن في الحسبان! أخذوا في أعداد العدة لاستقبال هذا الوليد، وطفقت الوالدة تهيئ الأقمطة الناعمة، والأقمشة الفاخرة، وذهب الوالد يبحث في الأسواق عن أحسن مهد وأثمن هدية، وكان شغله الشاغل في شهور الحمل البحث عن كل ما يسعد الوالدة والمولود وبينما (عصمت) تعبث في غرفة الخدم، تحبو كأنها الحشرة لا يعبأ بها أحد، ولا يعيرها التفاته إنسان، والجميع في شغل شاغل - فقد جاء الأم المخاض - إذا القابلة تقول: كأنها قطعة من نور. .! يا أم ابنتي هلا نظرت إليها.؟ وكان هذا إيذانا منها بانتهاء الأمر. . . لم تصدق الأم بادئ بدء، وسألتها جازعة: تشبه من يا ترى؟ وكأنها تخاف أن ينكبها القدر مرتين، ولما يزل شبح (عصمت) يتراء لها. إجابتها بلهجة الظافر. تشبه من.!؟ لمن يحتمل أن تشبه سوى أمها وأبيها. .!؟ وشاع البشر في وجه الأم حينما وجدت مصداق قولها في وجه ابنتها الجميل التكوين علم أهل الحي فجاءوا مهنئين، وحفلت الدار بهم، فصارت الأم بما ملكها من الزهو بوليدتها الجميلة تكشف لهم عن وجهها، وهم يرتلون آيات الإعجاب بها ويكررون كلمات التهنئة، وأخذوا يتخيرون اسماً لطفلتهم، وأي اسم يؤدي كل هذه المعاني التي تنم عنها ملامحها من الحسن الرائع؟ إن كل ما نذكر من الأسماء غير واف بتلك المعاني. فليبحث أبوها إذن في المعاجم، وليسأل الغادي والرائح عله يظفر بضالته التي ينشدها. . . بعد جهد، خطر له اسم لبطلة قرأ عنها في إحدى القصص، فأطلق عليها (لمعان)

стр. 6374

تعاقبت الأيام، وشبت (عصمت) فبدأت ترقب طفولة أختها المرحة المترعرعة، وترى من إعزازها وإعجاب الأسرة بها ما لم تظفر في يوم من الأيام ببعضه فتعجب، ولكن سرعان ما تهديها غريزتها إلى أن بها نقصاً، فيعتريها شعور مهم غامض؛ أهذا هو السر في إنها ليست محبوبة، وأنها أدنى منزلة من تلك التي تتبوأ ذراعي أمها مفترة الثغر باسمة الملامح؟ كانت (عصمت) مرهفة الحس إلى حد بعيد، وكأنما عوضها الله سبحانه ما نقص من خلقها بكمال حسها ودقته - ويا ويل من دق حسه وقصرت يده عما يريد. .! كانت ترى الفارق كبيراً في معاملة أبويها لهما فيعتريها من الألم والحسرة ما دونه وخز الإبر ووقع السهام، ينظر الوالد إلى أختها التي لا تفارق ذراعي أمها فيشع من عينيه السرور، حتى إذا وقع بصره على (عصمت) أطلت الشفقة من وجهه، وكأنها تسخر من هذا من هذا المخلوق العجيب، وربما تصدق عليها بقبلة تدرك معناها فتشعر برعدة المحموم من فتورها وبرودتها، وقد يخيل إليها إن الثلج طفق يذوب من موضعها، فتذوب حسرة وألماً، وتجر جسمها الهزيل جراً وتنزوي في ركن قصي، ويعوزها البكاء فلا تجرؤ عليه؛ وقد تحاول التمرد على أخذها بجناية لا يد لها فيها فيقعدها العجز عن السير في هذه السبيل بقيت (عصمت) تعاني من أمرها ما تعاني، و (لمعان) تتفتح كزهرة الربيع، ترعاها عناية الأب ويكفلها حنان الأم وعطف الأسرة. . . أكسبها كل هذا نضارة فوق نضارتها، ونشاطاً فوق ما طبعت عليه من الخفة والمرح ودوام الابتسام، ولا عجب، فهذا شأن كل من اطمأن على أنه استوى على عرش القلوب وتملك ناصية الأفئدة أقبل العيد، وأشترى الوالد لكل من ابنتيه ثوباً من المخمل القرمزي الجميل، فكان لهذا - في أول وهلة - من الأثر الطيب في نفس الأختين ما سرهما، ولكن شد ما اختلف شعورهما بعد ذلك! رأت (عصمت) أختها وهي تختال في ثوبها الجديد، وقد افاضت عليه من حسنها ما ضاعف بهاءه ورونقه، ثم تأملت نفسها فكادت تصعق. . . . . أنهما من نوع واحد! ولون واحد! ومن صنع يد واحدة! فما بال أحدهما يصعد إلى قمة الحسن، وينزل الآخر إلى أحط دركات القبح!؟ هل شارك الجماد أبويها في إذلالها والزراية بها؟ هل يميز الثوب بين الوسامة والدمامة حتى يصدمها هذه الصدمة الأليمة. . .!!؟

стр. 6375

إذن أف له ما أقبحه، وما أشد بغضي له!. ناجت نفسها بكل هذا، والألم يحز في أحشائها حزاً تحس أثره اللاذع في السويداء من قلبها، وكأنها نسيت نتوء عظام كتفيها، وهزال جسمها، وشحوب لونها الأسمر الذي ضاعفه لون ثوبها الجميل؛ على حين تخلع (لمعان) من روعتها ونضارتها على ثوبها ما يزيده جمالاً وروعة هتفت بالأختين مربيتهما: هيا قبلا أبويكما وهنئاهما بالعيد. . . لبتا الأمر، ومشت (عصمت) على استحياء والهم يملأ فؤادها المكلوم، وقد سبقتها (لمعان) - وكأنها ظبي أهيج - في خفة ورشاقة، ولكنها انتظرت مقدم أختها لتتقدمها في أداء هذا الواجب مشت البائسة مطأطئة الرأس، مكتئبة النفس، في وجوم يكاد يكون بلادة، ثم تناولت أيدي أبويها وقبلتها، فبادلها كل منهما بقبلة، وكأنما يقبلان جثة هامدة لما غشيهما من الحزن والكآبة، ولكنهما ما لبثا أن تهللا حينما جاء دور (لمعان). . يا لله للمحدود التعس.!! حتى في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، ويتناسى كل حزين حزنه، وكل بائس بؤسه، تطعن هذه الشقية تلك الطعنة النجلاء! ظلت (عصمت) شاخصة، وسرى من روحها الحزين تيار قوي شل حركات الجميع فجمدوا كأنهم التماثيل، ولم يخرجهم من هذه الحال إلا (لمعان) حينما تحركت، وكأنها أدركت فجأة مقدار ما أصاب أختها من غبن وما نالها من شقوة، فجاش قلبها بالرحمة والحب، فاحتضنتها وتعلقت بها، وبذلت جهدها حتى طبعت قبلتها على جبينها، ولكن (عصمت) لم تبادلها إياها، وكان هذا عن غير عمد منها، فقد كانت شاردة اللب، كليلة الذهن، يضطرب صدرها بشتى الآلام وضروب الأوجاع، وقد أيقنت في هذه الساعة بماكانت لا تشعر به إلا محاطا بالغموض والإبهام، وحاولت أن تجزي أختها بما فعلت، فاحتضنتها وأرادت أن تقبلها، ولكنها انفجرت باكية في نشيج محزن، وأخذ صدرها يعلو ويهبط، وعيونها تفيض بغزير الدمع وهي تحاول منعه، ولكن هيهات فقد أفلت من يدها الزمام منذ تلك الساعة (وعصمت) في هم دائم، حتى الابتسامة التي كانت تزور شفتيها لماما، وكأنها ضلت طريقها إلى الثغور الفرحة، فأوقعها سوء الحظ في هذا الثغر الحزين. . . حتى هذه الابتسامة غادرتها إلى غير رجعة، فقد أزالت تلك الدمع الحارة التي ذرفتها عيناها يوم العيد الغشاوة التي طالما حجبت عنها الحقيقة في أيامها الأولى

стр. 6376

وأيقنت أن جرحها عميق بعيد الغور لا يرجى له برء، ولا يعرف له دواء، وكلما تقدمت سنها قوي عندها الشعور، وضوعف الألم. . . . . . أما (لمعان) ففي شغل عنها بزينتها ولهوها ومرحها كبرت الأختان، وأشرفتا على سن الزواج، وأصبحت (لمعان) فاتنة المدينة، وغادتها الفريدة، وشرع الأبوان في إعداد ما يلزم لزفاف فتاتيهما، كسبا للوقت واستعدادا للطوارئ، فكانت (لمعان) تجلس الساعات الطوال، تصور لنفسها ذلك المستقبل السعيد الذي ينتظرها، بينا (عصمت) تتخيل في كل أداة تهيأ لها حية تنهش فؤادها، أو سهما يسدد إلى قلبها، فكل شيء يذكرها بذل الخيبة، ومرارة الفشل. . . . الزواج! نهاية الأمل، ولقد فقدت الرغبة، وهل عاش لها أمل أو بقيت لها رغبة؟ لقد فقدت الأمل، ولقد فقدت الرغبة، ولم يبق لها إلا إحساسها، وكم كانت تجاهد المسكينة نفسها حينما تعرضها أمها إلى جانب (لمعان) على الخواطب. . . . وهل تنتظر منهن كلمة الإعجاب التي لم تظفر بها في يوم ما من أبويها؟ وهل هن أشفق على إحساسها وأرحم بفؤادها منهما؟. . . . إذن فليذب كبدها، ولتتقطع أوصالها، وهي تساق إلى ذلك الموقف سوقا، ولتتحمل على الرغم منها تلك المخالب التي تنشب في أحشائها وتمزقها تمزيقا، ولتتقبل كارهة ذلك الأعراض الساخر وقتما يأتلق للخواطب نور (لمعان) بجانب دمامتها هاهي ذي أمامهن تدور بعينيها في الغرفة تلتمس الخلاص كما يلتمسه الطائر السجين فلا تجده، وقد خيل إليها أن الفلك قد وقف عن دورانه في هذه اللحظة الطويلة، حتى إذا أذن لها بالخروج بادرت متهالكة وقذفت بنفسها إلى غرفتها وكأنها فرت من الجحيم فتغلق عليها بابها، وتنزوي في ركن من أركانها جامدة الحركة، كسيرة الجناح، واهنة القوة، لا تستطيع نزع ثيابها ولا النظر في مرآتها، وتظل شاخصة ببصرها إلى نقطة وهمية، وعواطفها تلتهب بين جوانحها حتى يكاد يحترق جسمها النحيل أما (لمعان) فتذهب متهللة إلى غرفة الخدم، وتسر إلى فتاة لعوب منهن كانت تصطفيها - ما كان من أمر الزائرات معها، وكيف كن يحدقن فيها ويداعبنها، خصوصا تلك السيدة الشابة ذات المخمل الأزرق المكسو بالفراء؛ كانت تقص هذا على صاحبتها وهي مفترة

стр. 6377

الثغر، مشرقة الجبين، تنطق أساريرها بما استولى عليها من الزهو ظل الخواطب يترددن على منزل الأسرة عامين كاملين، و (عصمت) تكتوي بنار العرض عليهن، إلى أن صهرتها الآلام وحولتها إلى مخلوقة أخرى، إلى قديسة تنشد الصبر، وتطلب من الله العزاء، وكانت تسمع عقب كل زيارة همسا ينبعث من غرفة والديها لم تتبينه بادئ الأمر، إلى أن سمعت أباها ذات مرة يقول للمعان وهي تدخل عليهما الغرفة بغتة: لاشك يا ابنتي في أنك تقبلين الانتظار حتى تتزوج أختك بصدر رحب، أليس كذلك؟ فصمتت (لمعان) خجلا، ولكن هذه الكلمة فعلت في نفس (عصمت) ما فعلت فاعتزمت أمرا. وما زالت ترقب الفرصة لما اعتزمت حتى لاحت لها عقب زيارة بعض الخواطب، وقد طلب الوالد من ابنتيه أن يذهبا إلى مخدعهما، وحينئذ لم يخف على (عصمت) أن أباها يريد أن يخلو إلى أمها ليحادثها فيما جاء من أجله الخاطبات، فاختفت بحيث تنصت لحديث والديها دون أن يرياها سمعت أباها يقول: لا لا. لا يمكن أن نزوج الصغرى ونترك (عصمت) فريسة للهواجس، فتقول أمها وهي تحاوره: لقد انتظرنا طويلا، وليس من الحكمة أن نغامر بمستقبل (لمعان) في سبيل أمل دلت الشواهد على أنه لا يتحقق، وإذا لم تتزوج (لمعان) فلا سبيل إلى زواج (عصمت) وتكون العاقبة تضحية الاثنتين؛ وهذه جريمة لن أوافق على اقترافها أبدا. . . لم يجر أي حديث في شأن (عصمت) في زيارة من تلك الزيارات العديدة، ولم تذكر على لسان أحد بزواج، بينما تلح الخواطب إلحاحا شديدا في طلب (لمعان) فلم هذا العناد جريا وراء سراب خادع ووهم باطل؟ ولو أن سهما أصاب فؤاد (عصمت) لما تألمت كل هذا الألم الذي اعتراها عندما صك سمعها هذا الكلام. أي بلية جديدة وأي نكبة.!؟؟ أتكون عقبة في سبيل إسعاد أختها؟ لقد شربت كأسها وحدها صابرة محتسبة، فهل تكون سببا في شقاء غيرها. .؟؟. لا. إن هذا لن يكون أبدا هذا ما تحدث به ضمير (عصمت). أما أبوها فأخذ يقول لأمها: تحاولين عبثا إقناعي بزواج (لمعان) أولا، وإني لأفضل تضحية الاثنتين على أن أرى

стр. 6378

كبرى بناتي تموت غما، وأكون مع القدر عليها واستمر في حديثه و (عصمت) ترتجف خلف الباب تأثرا، ولم تستطع كبح جماح عواطفها طويلا، فاقتحمت الباب عليهما صائحة: كلا يا أبتاه. إن (عصمت) لن تتزوج، فهي لم تخلق للزواج؛ أنها دميمة، ولن يبحث الأزواج عن الدميمات، ارحمها يا أبتاه، ولا توقفها ذلك الموقف المؤلم، ودعها تحيا في ظلك ما قدر لها، إنني بائسة فلا تجعلني حائلا بين أختي وبين سعادتها ومستقبلها، وأجهشت باكية، فبكى أبواها رحمة بها وإشفاقا عليها مرت الأيام ولم يجد الأبوان أمام إلحاح (عصمت) وإصرارها بدا من زواج (لمعان)، وقد اغتبطت عصمت لذلك اغتباطا شديدا، وكانت ترى في خدمة أختها وزوجها بعض السلوة انقطعت زيارة الخواطب منذ تزوجت (لمعان). وناءت (عصمت) بعبء ما مر بها من خطوب، فأصبحت وهي في عقدها الثاني كأرملة في الثمانين، وقد زهدت الحياة وملتها حتى وضعت (لمعان) طفلا جميلا فاتخذته ولدا لها، ولم تكن لتتركه لحظة واحدة، جعلت له من صدرها مهدا، ومن عنايتها حارسا فشب على حبها، ووجدت لذلك برد الراحة، فحببت إليها الحياة، وكانت تعتقد أنها جوزيت على جميل صبرها خير الجزاء حينما تداعب الطفل فيطوقها بذراعيه الصغيرتين، ويغمر وجنتيها الجافتين اللتين لم يسعدهما الحظ لثما وتقبيلا وهو يقول: خالتاه. . . ما أحيلاك يا خالتاه. . .! اسكندرية عبد اللطيف أحمد

стр. 6379

من الأدب الفرنسي هنرييت البائسة للكاتب الفرنسي أندريه موروا لشد ما كانت دهشتي عندما دعاني صديقي روبير بالتليفون إلى زيارته بمنزله، لقد جالت في نفسي خواطر كثيرة أثارت على حربا من الشكوك والريب. لقد كنت أشعر بحنان شديد وعطف خالص لزوجته هنرييت، وكان روبير حسن الذوق لطيف المعشر، يميل إلى المداعبة في شيء من المجون، وهو يعد عاشق من عشاق الخمر الذين يتهافتون على الكأس ولا يتركونها إلا إلى الكأس ما عهدت في حياتي ولاء مثل ذلك الولاء الذي كانت هنرييت تتعهده به طوال خمسة عشر عاما لم تذق خلالها يوما واحدا من السعادة لقد لقيته في اليوم نفيه وتصافحنا ثم جلست قبالته، وظل صامتا ثم حرك يده في هدوء، وأخرج علبة سجائره وتناول إحداها ثم أشعلها وأومأ إلي برأسه ثم قال: - إن لي عندك حاجة فهل لك أن تقضيها. .؟ وعليك في الحالين أن تصدقني الوعد. . . إنني لن أسيئك في مادة، ولن أجهدك في عمل، وإنك تعلم أن هنرييت تحترمك وتأخذ بآرائك من غير تفكير، وحسبك هذا منها دليلا على ثقتها بك. إنك رجل قد خبرت الحياة ولا بستها وعرفت عنها كثيرا. . . وهنرييت عاقلة تفهم عنك ذلك بقدر ما أفهم أنا عنك. لقد عرفت بتجاربي الخاصة أنك رجل سديد الرأي، ولا يفوتن صواب قريحتك أن نصائح الزوج لا تلقي من الزوجة أذنا صاغية، ثم نفث من فمه نفثة غليظة من الدخان، ونظر إلي بعينين يفيض منهم الحنان والألم، وعقب قائلا - فكر معي يا عزيزي - لقد قيضت لي الظروف عند عودتي من المؤتمر لقيا امرأة، أو لتقل فتاة، ولعت بها لساعتها، هي من أهل الشمال، وقد تبين لي ذلك من لهجتها وصوتها، وقد تعجب يا صديقي إن قلت لك إن هذه اللهجة وذلك الصوت الأبح، هما اللذان أسر لبي وملكا علي قلبي. . لقد بعثت في هذه الفتاة حياة جديدة. . أوه يا صديقي ما أشد قسوة الظروف وما أمرها! لا يكاد الإنسان منا يتناول الكأس إلى شفتيه الظامئتين حتى يعيدها مجبرا قبل أن ينال منها رشفة

стр. 6380

هكذا كانت رحلتنا في الطائرة. . لم يتسع الوقت لأن نجرع من الكأس ولو جرعة. . إنك تعرفني يا صديقي. . أنا لا أطيق صبرا على شيء تداعبه نسمة من الشك. . وتعرف أن لذة الانتصار يدفعها جنون الغرام تحملني على أن أركب متن الشطط حتى أنتهي. . . ولقد دعاني المؤتمر إليه في الشتاء القادم - وستبقى هنرييت - هنرييت المسكينة. . ستبقى هنا يا صدقي، وستبقى بجانبها أنت لتقوم بدورك فقلت: - بينك وبين زوجتك!. . ومن أين لي ذلك.! فقاطعني قائلا: - رويدا يا عزيزي. . هون عليك فالأمر سهل يسير ولن أذهب بك إلى شيء غير ما يصلح من شأن هنرييت، لقد أخذ يتسرب إليها الشك في تلك الرحلة حتى صممت على مصاحبتي. . . وإن ذلك لأمر قريب المحال. . كل ما أريد أن أستمده منك من معونة لا يكلفك إلا أن تفوه ببضع كلمات، وستحدثك هنرييت في هذا الموضوع وتصارحك بكل شيء. . . فسر لها يا صديقي حاجة الكاتب إلى الظهور في مثل هذا البلد الغريب الذي سأرحل إليه حتى تسوغ سفري. ثم قل لها إن الوقت سيكون قسمة بين ولائم تورث النفس السأم، ومقابلات رسمية تبعث فيها الضجر والملل، ولا يفوتنك ذكر تكاليف الرحلة، فكيف بها إذا صاحبتني وأنا أحرص على راحتها، وأخيرا حل بينها وبين مرافقتي، وخفف من غلوائها فهي لابد لنصحك مستمعة، ولرأيك خاضعة، ولسؤالك مجيبة، ولا تنس - لا تنس أن تقرب إلى ذهنها أني لا أزال باقيا على حبها، وأني سأسهر على سعادتها ما حييت، وفي الغد ستسنح الفرص لأشهر طوال أعيد إليها خلالها ذكرى أيامنا الماضية الجميلة لقد دام حديثه قرابة ساعة، بينما كان صوت أصابعي وهي تنقر على المائدة التي جلسنا حولها في غير انتظام يتجاوب صداه في أنحاء الغرفة، وأخيرا تركني من غير أن يطمئن إلى وعدي، وبعد الظهيرة بقليل لم أشعر إلا ويدي تحمل آلة المسرة ولقد كانت مصادفة غريبة عندما سمعت صوت هنرييت تناديني - برتراند!. . . كيف حالك يا عزيزي الصغير؟. . . أظن أن في وقتك بقية اليوم متسعا للقائي، فهل تسمح بزيارتي!. . سأعد لك فنجانا من الشاي، وربما يكون هناك مشورة بيني

стр. 6381

وبينك. . . أسرع يا عزيزي لقد كانت ممسكة بكتاب (باخ) تحركه في يدها في طفولة بريئة، لم تكن هنرييت تقل عن الأربعين، ولم تكن تزيد عليها، ولكنها ظهرت لي في هذه الليلة في ثوب فضفاض، وقد شاعت على قسماتها أشعة من نور الشفق الأحمر الحائل كامرأة في الثلاثين قالت لي في غير تكلف: - يا صغيري برتراند! - سأكلفك أمرا تؤديه إلي - واعلم أني سأكون لك مطيعة. . . ولأمرك سميعة. . . - إنك تعلمين علم اليقين يا هنرييت. . . فقاطعتني قائلة: - هيه يا عزيزي برتراند! ليس في الوجود رجل أوليه ثقتي غيرك، ولكن الأمر خطير. . . عزيزي برتراند. . . إني. . . أحب. . . شابا يصغرني بكثير. . . إني أعم أنك ستمقت هذا الشاب وستحقد عليه وسيتملكك السخط علي إذا قلت لك أن بينك وبينه تباينا كبيرا. . . هو شاب سلافي جميل طالب بكلية باريس، وهو فوق ذلك راقص ماهر ومثقف إلى حد كبير، وبرغم ذلك لا أرتاح إليه كثيرا، إذ هو مجنون، دنيء الأصل كما يتبين لي. . ولكني على الحالين أحبه. . وأنا سعيدة به فقلت: - أوه. . . وروبير. .!! - روبير لا يعرف شيئا عن هذا الحادث. . . روبير يرعاني كمن يرعى امرأة مسكينة، أو كمن يشفق على خادمة بائسة عضها الدهر. . . لقد صرت بغيضة إليه وهو بعد في شغل عني بفتاة دانيمركية - كيف؟ أتعلمين هذا الخبر؟ - هوه!. . . منذ أمد بعيد، وكيف عرفت أنت ذلك؟! - لقد كان روبير عندي اليوم صباحا - أحدثك عن هذا الموضوع. . . يا له من نذل جبان!. . . إن صراحتي تجيز لي التماس ضراعتك. . استمع لي يا برتراند. . سيسافر روبير، وسيقضي في رحلته خمسة عشر

стр. 6382

يوما من شهر أكتوبر القادم، وسأطوف أنا و (فيدين) الجزر الإغريقية فقلت: - هنرييت: لا حاجة إلى أن أعيد على مسمعك ليس هناك أمنية لروبير غير السفر، ولكنه لا يعتقد. . . فقاطعتني قائلة: - استمع يابرتراند، إني على يقين من سفره. ولقد أخبرني أنه صمم على ذلك، ولكني عارضته، وبكيت وتوسلت إليه، وأخاف أن يوهن ذلك من عزمه - لقد عسر علي الفهم. . لم هذه الكوميدية. . .؟ - إن ابتسامة واحدة مني يا برتراند لكافية أن تكشف الستار عن نصف رغائبه على الأقل، وأن تخلق في نفسه الشك في علمي بأمره. . . وكل ما أرجوه منك يا عزيزي الصغير أن تحبذ له فكرة السفر وأن تحمله على الاعتقاد بأن في هذه الرحلة ضمانا لمستقبله وعظمته، وإذا ما غير من رأيه وفضل البقاء على الرحيل فلا بد أن يغير من هذه الطريقة في معاملته لي، وأن يزيل من نفسه هذا النوع من الشفقة الخسيسة علي، وقل له إن هو هجر البيت مرة فانه سيعود فيجده خرابا. . ألق في ذهنه هذه المعاني وقل له إن سبيل التعزية الوحيد في غيبته - هو الرحلة الصغيرة التي أفهمتك عنها فقلت: مسكين أنت يا روبير! فقالت في هدوء: حقا. . انه مسكين! ١

стр. 6383

العدد ٧٧ - بتاريخ: ٢٤ - ١٢ - ١٩٣٤

стр. 6384

أثر السياسة الحزبية في الأخلاق للأستاذ عبد العزيز البشري لقد عرفت من حديث الأسبوع الماضي بعض الآثار التي أشاعتها الحكومات الحزبية المتعاقبة في أخلاق جمهرة الموظفين، الإداريين منهم بوجه خاص، حتى نجم في بلادنا ذلك الفن المحقور المرذول: فن إرضاء القائم ومشايعته في هواه، ومد حبل الولاء للمقبل ومقاسمته أنه صادق الولاء له، ولقاء هذا بوجه، وذاك بوجه أخر، والتحدث إلى هذا بلسان، وإلى ذلك بلسان أخر. ولاشك أن من شأن النجاح بمثل هذه الوسائل، وعصمة المنصب باتخاذها، أن يبعث كثيرا من الموظفين الآخرين على التباري فيها، والافتنان في طلب السبق بها. وهكذا تتميع الأخلاق تميعا، وتتحطم طباع الرجولة تحطيماً! على أن أثر الحال لا يقتصر على الأخلاق فحسب، بل إنه ليدخل الاضطراب والاختلال على الأعمال العامة التي يعالجها هؤلاء الموظفون. فالموظف، في هذه الحال، يحب أن يرضي أشياع الحكومة القائمة، ولا يحب أن يسيء إلى خصومها من أشياع الحكومة المقبلة، ليتخذ اليد عندهم ليوم تتبدل الحال غير الحال. فهو يبين أن يسوق ما بين يديه من الأعمال تعويقا ليتحلل من المسئولية البتة، وأما أن يعمد إلى توزيع المنافع بين هؤلاء وهؤلاء على حساب المصلحة العامة. وفي الأول شل لحركة الأعمال الحكومية وتعود الاسترخاء عن الاضطلاع بالمسؤوليات، وفي الثانية عبث بحقوق العباد، وإخلال بمصالح البلاد، وفي كلتيهما شر عظيم وفساد كبير! ولقد أمتد أثر هذه الحال إلى الأعمال الفنية العظيمة، فإن الحكومات الحزبية في بلادنا إنما تعمد، في العادة، إلى المشروعات الفنية التي هيأتها سابقتها، فتتناولها بالتغيير والتبديل، أن لم تتولها بالإلغاء والتعطيل. ولقد تكون قد جردت عليها وهي في المعارضة حملة حزبية شعواء، فأنظر، رعاك الله، موقف الموظفين الفنيين الذين هيأوا تلك المشروعات وأعانوا عليها من هؤلاء ومن هؤلاء! وليس لهذا من أثر إلا أن ينقبضوا عن معالجة الأعمال الجسام، وأن يحتالوا على الخلاص منها طلبا للخلاص بأنفسهم من ألوان المسئوليات. وفي ذلك إثم في حق الفن وحق الوطن على بنيه من صفوة المتعلمين.

стр. 6385

لقد سبق لي أن زعمت أن طبيعة قيام الحكومات الحزبية لا تدعو إلى شيء من كل هذا الاضطراب والتجلجل في أخلاق الموظفين ولا فيتصرف الموظفين، بدليل تعاور الحكومات الحزبية للحكم في جميع البلاد الدستورية، ومع هذا لم يسمع عن حال الموظفين بعض ما نسمع ونرى في هذه البلاد. وعللنا هذا بأننا نجتاز مرحلة سياسية خاصة لا أظن أنه يجتاز مثلها الآن بلدا آخر من بلاد الله. وبمناسبة الحديث في اعتماد الحكومات القائمة مشروعات سلفها بالتغيير أو التعطيل، أذكر أن المستر سنودن، وهو من تعرف جبروتا وعظم كفاية، لما تولى وزارة المالية الإنجليزية في وزارة العمال، أراد أن يغير في شكل الميزانية، فيقدم هذا الباب على ذلك الباب، ويضيف من هذا الفصل لهذا الفصل، صمد له الموظفون الفنيون ومنعوه هذا منعاً، وقالوا له: إن لك أن تصنع بسياسة الدولة المالية ما تشاء، فتفرض من الضرائب ما تشاء، وتحط منها ما تريد، وأن تزيد ما ترى زيادته من وجوه النفقات، وتنقص ما ترى نقصه لك كل هذا، أما أن تدخل في الوضع الفني للميزانية فذلك ما لا سبيل لك إليه بحال! ويقتنع الرجل ويعدل عن هذا بنيته. فمتى نرى موظفينا على بعض هذه المتانة والثبات والإيمان؟ الذي أعتقده أن مثل هذا من السهل الميسور إذا أمن الموظفون سطوة الحكومات الحزبية بهم يوما يعصونها في طاعة الواجب والحق والقانون. فإذا زلت قدم الموظف، بعد هذا، أو مانع على ذمته وما ائتمن عليه من الحقوق العامة، كان جزاؤه النكال والوبال. فهل نطمع من حكومتنا في أن تعالج هذا فيما أخذت نفسها به من وجوه الإصلاح بعد إذ تفرغ من مهمة التطهير، واستخلاص الأداة الحكومية من هذا الفساد؟ هذا ما كان من شأن الموظفين، أما شأن الأعيان في بلادنا فأعجب وأغرب، إذا منعنا الحياء من أن نقول إنه أخزى وأفحش. فإننا إذا تمحلنا بعض المعاذير لأولئك من الحرص على مناصبهم، وإمساك أسباب العيش على أزواجهم وبنيهم، فإننا لا يمكن أن نصيب عذرا لهؤلاء. اللهم إلا إذا كان من بين الأعذار السائغة حاجة المرء إلى الجاه والسطوة، واغتصاب المنافع العامة، وقضاء حاجات الأهل والأقربين، ولا ينال هذا إلا إذا وضع على رأسه ذمته، وعقيدته، وكرامته، وراح ينادي عليها فعل الباعة المضطربين بسلعهم في الأسواق.

стр. 6386

اللهم إنه لا يعيب المرء مطلقا أن يتغير رأيه في شيء من الأشياء، ولو من صواب في الواقع إلى خطأ في الواقع ما دام الأمر موصولا بصحة الاعتقاد، ولا يعيب المرء مطلقا أن يهجر حزبا ويتصل بحزب أخر طوعا لتغير عقيدته في الحزبين جميعا. بل العيب كل العيب في ألا يفعل، وإلا كان أثما أبلغ الإثم في حق وطنه، مأخوذا في تعصبه بحمية الجاهلية التي هجنها الله تعالى في كتابه العزيز. ماذا يعيب المرء إذا تكشف له خطأ رأيه فعدل عنه إلى الصواب؟ وماذا إذا رأى شيعته قد انحرفت عن القصد، وعبثت بما رسمت من المبادئ في توجيه سياسة البلاد؟ بل الذي يعيبه كل العيب ألا يفارقها إلى من هو أصدق منها في تحقيق كريم الأغراض! لو أن أولئك الأعيان إنما يتحولون ويضطربون بين الأحزاب المختلفةطوعاً لرأي يعتريهم، أو عقيدة تدخلها الظروف عليهم، لما استحقوا إلا الحمد والثناء. أما وهم صامدون بآرائهم وعقائدهم لكل حزب يتولى الحكم، فيهرولون لساعتهم إليه، ويعلنون انضوائهم تحت لوائه، ولا يتوانون في كل مناسبة عن الآذان بأنه الحزب الصادق السعي في تحقيق آمال البلاد، حتى إذا ما أدال الله منه بالحكم لحزب غيره، سرعان ما ولوا وجوههم شطره فأعلنوا أنهم بمبادئه مؤمنون، وأنهم تحت لوائه منضوون، لأنه قد بان لهم أنه الحزب لا حزب غيره، الصادق السعاة في إصلاح الحال، القادر الكفء لتحقيق أعز الآمال! وهكذا دواليك لا يعقد عن هذا الرقص والحجلان وقار ولا تحشم ولا حياء، حتى أصبحوا على البلاد من أشنع المعرات، وحتى هونوا على غيرهم شأن الكرامة، وأرخصوا في الناس فضيلة الحياء، وأعلنوا أن المبادئ والعقائد مما يباع ويشترى، وأن الأهواء الحزبية مما يؤجر ويكترى، وليس في إطلاق هذا الصنع على ازلاله إلا إفساد الأخلاق، وتوطئ النفوس لقبول الضمة والهوان. بعد، فقد تقتضيني الرأي في علاج هذا الداء، ولعله يتعاظمك هذا العلاج! اللهم إن علاج هذا لداء في بعض هؤلاء الأعيان، فإنه ما دام الحكم جارية أسبابه على مقتضى النزاهة والعدالة، والحرص على إقامة حدود القوانين، بحيث يصل المرء إلى حقه في يسر، وبحيث يحال بين المرء أيا كان وبين أن يبلغ ما لا حق له فيه بحال - لم يبق بأحد حاجة إلى اللف والدوران، والرقص والحجلان، والتشكلفي مختلف الصور، والتلون بشتى

стр. 6387

الألوان، فهل نحن فاعلون! عبد العزيزالبشري

стр. 6388

سمو الحب للأستاذ مصطفى صادق الرافعي صاح المنادي في موسم الحج: (لا يفتى الناس إلا عطاء ابن أبي رباح) وكذلك كان يفعل خلفاء بني أمية، يأمرون صائحهم في الموسم، أن يدل الناس على مفتي مكة وإمامها وعالمها، ليثقلوه بمسائلهم في الدين، ثم ليمسك غيره على الفتوى، إذ هو الحجة القاطعة لا ينبغي أن يكون معها غيرها مما يختلف عليها أو يعارضها، وليس للحجج إلا أن تظاهرها وتترادف على معناها. وجلس عطاء يتحين الصلاة في المسجد الحرام، فوقف عليه رجل وقال يا أبا محمد، أنت أفتيت كما قال الشاعر: سَلِ الُمفْتِيَ الَمكِّيَّ: هل في تَزَاوُرٍ … وَضَمَّةِ مُشتاقِ الفؤادِ جُناحُ؟ فقال: مَعَاذَ اللهِ أن يُذْهِبَ التُّقَى … تَلاصُقُ أكبادٍ بهنَّ جِراحُ! فرفع الشيخ رأسه وقال: والله ما قلت شيئاً من هذا، ولكن الشاعر هو نحلني هذا الرأي الذي نفثه الشيطان على لسانه، وإني لأخاف أن تشيع القالة في الناس، فإذا كان غد وجلست في حلقتي فأغد علي، فأني قائل شيئا. وذهب الخبر يؤج كما تؤج النار، وتعالم الناس أن عطاء سيتكلم في الحب، وعجبوا كيف يدري الحب أو يحسن أن يقول فيه من غير عشرين سنة فراشه المسجد، وسمع من عائشة أم المؤمنين، وأبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ ، وإبن عباس بحر العلم! وقال جماعة منهم: هذا رجل صامت أكثر وقته، وما تكلم إلا خيل إلى الناس أنه يؤيد بمثل الوحي، فكأنما هو نجى ملائكة يسمع ويقول، فلعل السماء موحية إلى الأرض بلسانه وحيا في هذه الضلالة التي عمت الناس وفتنتهم بالنساء والغناء. ولما كان غد جاء الناس إرسالاً إلى المسجد، حتى أجتمع منهم الجمع الكثير: قال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار: وكنت رجلا شابا من فتيان المدينة، وفي نفسي من الدنيا ومن هوى الشباب، فغدوت مع الناس، وجئت وقد تكلم أبو محمد وأفاض، ولم أكن رأيته من قبل، فنظرت إليه فإذا في مجلسه كأنه هو غراب أسود، إذ كان أبن أمة سوداء تسمى (بركة) ورأيته أسود أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر، لا يتأمل المرء منه طائلا،

стр. 6389

ولكنك تسمعه يتكلم فتظن والله أن هذه قطعة ليل تسطع فيها النجوم، وتصعد من حولها الملائكة وتنزل قال: وكان مجلسه في قصة يوسف ﵇، ووافقته وهو يتكلم في تأويل قوله تعالى: (وراوَدَتْه التي هو في بيتها عن نَفسهِ. وغَلَّقَتِ الأبواب وقالت: هَيْتَ لك. قال: مَعَاذَ الله. إنه ربيّ أَحْسَنَ مَثْواي. إنه لا يُفلِحَ الظالمون. ولقد هَمَّت به وَهَمَّ بها لولا أَنْ رأَى بُرْهَانَ ربَّه: كذلك لِنَصْرفَ عنه السوء والفحشاءَ) قال عبد الرحمن: فسمعت كلاما قدسيا تضع له الملائكة أجنحتها من رضى وإعجاب بفقيه الحجاز. حفظت منه قوله: عجبا للحب! هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس، ولكن أين ملكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت: (وراودته التي) و (التي) هذه كلمة تدل على كل امرأة كائنة من كانت، فلم يبق على الحب ملك ولا منزلة، وزلت الملكة من الأنثى! وأعجب من هذا كله (راودته) وهي بصيغتها للمفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها لون بعد لون، ذاهبة إلى فن راجعة من فن، لأنها من رودان الإبل في مشيتها، تذهب وتجيء في رفق. وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة، واضطرابها في حبها، ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها، وكما يصور كبرياء الأنثى، إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي، كأنما هي شيْ أخر غير طبيعتها، فمهما تتهالك على من تحب وجب أن يكون لهذا (الشيء الآخر) مظهر امتناع أو مظهر تحير أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة. ثم قال: (عن نفسه) ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكأن الآية مصرحة في أدب سام كل السمو، منزه غاية التنزيه بما معناه: إن المرأة بذلت كل ما تستطيع في إغوائه وتصبيه، مقبلة عليه ومتدللة ومتبذلة ومنصبة من كل جهة، بما في جسمها وجمالها على طبيعته البشرية، وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت أول ما خلعت أمام عينيه ثوب الملك.) ثم قال (وغلقت الأبواب) ولم يقل (أغلقت) وهذا يشعر أنها لما يأست، ورأت منه محاولة الانصراف، أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالا عدة، وتجري من

стр. 6390

باب إلى باب، وتضطرب يدها في الإغلاق، كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط. (وقالت هَيْت لك) ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى أخر حدوده، فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة، متكشفة مصرحة، كما تكون أنثى الحيوان في أشد إهتياجها وغليانها! هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنوثة نازلة من أعلاها إلى أسفلها. فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها ولم يبق وراء ذلك شيء تستطيعه أو تعرضه بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، فقال يوسف: (معاذ الله) ثم قال: (إنه ربي أحْسَنَ مَثواي) ثم قال: (إنه لا يفلح الظالمون) وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة الجميل، وكراهة الظلم. ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها، ولم يفتأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد أنحصر في فكرة واحدة اجتمعت بكل أسبابها في زمن في مكان في رجل، فهي فكرة محتسبة كأن الأبواب مغلقة عليها أيضا، ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها، وهنا يسود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره العجز فيقول (ولقد همت به) كأنما يومي بهذه العبارة إلى إنها ترامت عليه، وتعلقت به، والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة، وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم. . .! جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطانالذي يقذف به في أخر محاولته. وهنا يقع ليوسف ﵇ برهان ربه كما وقع لها هي برهان شيطانها. فلولا برهان ربه لكان هم بها، ولكن رجلا من البشر في ضعفه الطبيعي. قال أبو محمد: وههنا ههنا المعجزة الكبرى، لأن الآية الكريمة تريد ألا تنفى عن يوسف ﵇ فحولة الرجولة، حتى لا يظن به، ثم هي تريد من ذلك أن يتعلم الرجل، وخاصة الشبان منهم، كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق الشهوات، حتى في الحالة التيهي نهاية قدرة الطبيعة، حالة ملكة مطاعة فاتنة عاشقة مختلية متعرضة متكشفة متهالكة. هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل، فإن الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئا من هذا - هي أن يرى برهان ربه. وهذا البرهان يؤوله كل إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال كلها فيفضها

стр. 6391

كلها، فإذا مثل الرجل نفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة أمام الله يراهما، وأن أماني القلب التي تهجس فيه ويظنها خافية، إنما هي صوت عال يسمعه الله، وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع الثرى في جسمه هذا، أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل، أو فكر في أن هذا الإثم الذي يقترفه الآن سيكون مرجعه عليه في أخته أو بنته - إذا فكر في هذا ونحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة، كما يكون السائر في الطريق غافلا مندفعا إلى هاوية، ثم ينظر فجأة فيرى برهان عينه، أترونه يتردى في الهاوية حينئذ، أم يقف دونها وينجو، احفظوا هذه الكلمة الواحدة التي فيها أكثر الكلام، وأكثر الموعظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في المعركة بين الرجل والمرأة والشيطان، كلمة (رأى برهان ربه). قال عبد الرحمن بن عبد الله وهو يتحدث إلى صاحبه سهيل بن عبد الرحمن: ولزمت الإمام بعد ذلك، وأجمعت أن أتشبه به، وأسلك في طريقه من الزهد والمعرفة، ثم رجعت إلى المدينة وقد حفظت الرجل في نفسي كما أحفظ الكلام، وجعلت شعاري في كل نزعة من نزعات النفس هذه الكلمة العظيمة: (رأى برهان ربه)، فما ألمت بإثم قط، ولا دانيت معصية، ولا يرهقني مطلب من مطالب النفس إلى يوم الناس هذا، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي، فإن هذه الكلمة ليست كلمة، وإنما هي كأمر من السماء تحمله تمر به أمنا على كل معاصي الأرض فما يعترضك شيء منها كان معك خاتم الملك تجوز به. قال سهيل: فلهذا لقبك أهل المدينة (بالقس) لعبادتك ولزهدك وعزوفك عن النساء، وقليل لك والله يا أبا عبد الله، فلو قالوا: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك، لصدقوا. قالت سلامة جارية سهيل بن عبد الرحمن المغنية الحاذقة الطريفة، الجميلة الفاتنة، الشاعرة القارئة، المؤرخة المتحدثة، التي لم يجتمع في امرأة مثلها حسن وجهها، وحسن غنائها، وحسن شعرها - قالت: واشتراني أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بعشرين ألف دينار (عشرة آلاف جنيه) وكان يقول: ما يقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة، ثم قال حين ملكني: ما جاء بعد من أمر الدنيا فليفتني، قالت: فلما عرضت عليه أمرني أن أغنيه، وكنت كالمخبولة من حب عبد الرحمن القس، حباً أراه فالقا كبدي، آتيا على حشاشتي، فذهب عني والله كل ما أحفظه من أصوات الغناء، كما يسمح اللوح بما كتب فيه، وأنسيت الخليفة وأنا بين يديه، ولم أر إلا عبد الرحمن ومجلسه مني سألني أن أغنيه

стр. 6392

بشعره في، وقولي له يومئذ: حبا وكرامة وعزازة لوجهك الجميل. وتناولت العود وجسته بقلبي قبل يدي، وضربت عليه كأني أضرب لعبد الرحمن، بيد أرى فيها عقلا يحتال حيلة امرأة عاشقة. ثم اندفعت أغني بشعر حبيبي: إن التي طَرقَتْك بين ركائب … تمشي بِمزْهَرها وأنتَ حَرام لِتَصِيدَ قلبَكَ أو جزاء مودَّةٍ … إن الرفيقَ له عليكَ ذِمامُ باتتْ تُعَلِّلُنا وتَحْسِب أنَنا … في ذاك أيقاظٌ، ونحن نيامُ وغنيته والله غناء والهة ذاهبة العقل كاسفة البال، ورددته كما رددته لعبد الرحمن، وأنا إذ ذاك بين يديه كالوردة أول ما تتفتح. وأنا أنظر إليه وأتبين لصوتي في مسمعيه صوتا أخر. . . وقطعته ذلك التقطيع، ومددته ذلك التمديد، وصحت فيه صيحة قلبي ونفسي وجوارحي كلها كما غنيت عبد الرحمن، لكيما أؤدي إلى قلبه المعنى الذي في اللفظ، والمعنى في النفس جميعا، ولكيما أسكره - وهو الزاهد العابد - سكر الخمر بشيء غير الخمر، وما أفقت من هذه الغشية إلا حين قطعت الصوت، فإذا الخليفة كأنما يسمع من قلبي لا من فمي وقد زلزله الطرب، وما خفي على إنه رجل قد ألم بشأن امرأة، وخشيت أن أكون قدافتضحت عنده، ولكن غلبته شهوته، وكان جسدا بما فيه، يريد جسدا لما فيه، فمن ثم لم ينكر ولم يتغير. واشتراني وصرت إليه، فلما خلونا سألني أن أغني، فلم أشعر إلا وأنا أغنيه بشعر عبد الرحمن: ألا قُلْ لهذا القلبِ: هل أنت مُبْصرُ … وهل أنتَ عن سلاّمةَ اليومَ مُقْصرُ إذا أخَذَتْ في الصوتِ كاد جليسُها … يطيرُ إليها قلبُه حين تنظرُ وأديته على ما كان يستحسنه عبد الرحمن ويطرب له، إذ يسمع فيه همسا من بكائي، ولهفة مما أجد به، وحسرة على أنه ينسكب في قلبي وهو يصد عني ويتحاماني، وما غنيت: (وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر) إلا في صوت تنوح به سلامة على نفسها وتندب وتتفجع! فقال لي يزيد وقد فضحت نفسي عنده فضيحة مكشوفة: يا حبيبتي، من قائل هذا الشعر؟ قلت: أحدثك بالقصة يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثيني

стр. 6393

قلت: هو عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه، وهو في المدينة يشبه عطاء بن أبي رباح، وكان صديقا لمولاي سهيل، فمر بدارنا يوما وأنا أغني فوقف يسمع، ودخل علينا (الأحوص) فقال، ويحكم، لكأن الملائكة والله تتلو مزاميرها بحلق سلامة، فهذا عبد الرحمن القس قد شغل بما يسمع منها، وهو واقف خارج الدار. فتسارع مولاي فخرج إليه ودعاه إلى أن يدخل فيسمع مني فأبى، فقال له: أما علمت أن عبد الله بن جعفر، وهو من هو في محله وبيته وعلمه قد مشى إلى جميلة أستاذة سلامة حين علم أنها آلت إليه ألا تغني أحدا إلا فيمنزلها، فجاءها فسمع منها، وقد هيأت له مجلسها، وجعلت على رؤوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة، ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلي، وقامت هي على رأسه، وقام الجواري صفين بين يديه، حتى أقسم عليها فجلست غير بعيد، وأمرت الجواري فجلسن، ومع كل جارية عودها، ثم ضربن جميعا وغنت عليهن، وغنى الجواري على غنائها، فقال عبد الله، ما ظننت أن مثل هذا يكون! وأنا أقصدك في مكان تسمع من سلامة ولا تراها، إن كنت بالمنزلة التي لم يبلغها عبد الله بن جعفر! قالت سلامة: وكانت هذهيا أمير المؤمنين - رقية من رقى إبليس، فقال عبد الرحمن: أما هذه فنعم. ودخل الدار وجلس حيث يسمع، ثم أمرني مولاي فخرجت إليه خروج القمر مشبوبا من سحابة كانت تغطيه، فما رآني حتى علقت بقلبه، وسبح طويلا طويلا، وما رأيته حتى رأيت الجنة والملائكة، ومت عن الدنيا وانتقلت إليه وحده. . . قالت سلامة وافتضحت مرة أخرى، فتنحنح يزيد. . . فضحكت وقلت يا أمير المؤمنين، أحدثك أم حسبك؟ قال: حدثيني ويحك! فوالله لو كنت في الجنة كما أنت لعدت قصة أدم مع واحد واحد من أهلها حتى يطردوا جميعا من حسنها إلى حسنك، فما فعل القس ويحك؟ قلت يا أمير المؤمنين، إنه كان يدعى القس قبل أن يهواني. فقال يزيد وهل عجب وقد فتنته أن يطرده (البطريق) قلت: بل العجب وقد فتنته أن يصير هو البطريق. . .! فضحك يزيد وقال: إيه، ما أحسب الرجل إلا قد دهي منك بداهية! فحدثيني فقد رفعت الغيرة، إني والله ما أرى هذا الرجل في أمره وأمرك إلا كالفحل من الإبل، قد ترك من الركوب والعمل، ونعم وسمن للفحلة، فند فذهب على وجهه، فأقحم في مفازة، وأصاب

стр. 6394

مرتعا فتوحش واستأسد، وتبين عليه أثر وحشيته، وأقبل إقبال الجن من قوة ونشاط وبأس شديد، فلما طال انفراده وتأبده عرضت له في البر ناقة كانت قد بدت من عطنها، وكانت فارهة جسيمة قد انتهت سمنا وغطاها الشحم واللحم، فراها البازل الصئول فهاج وصال وهدر، يخبط بيده ورجله، ويسمع لجوفه دوي من الغليان، وإذا هي قد ألقت نفسها بين يديه! أما والله لو جعل الشيطان في يمينه رجلا فحلا جميلا، وفي شماله امرأة جميلة تهواه، ثم تمطى متدافعا ومد ذراعيه فابتعدا، ثم تراجع متداخلا وضم ذراعيه فالتقيا، لكان هذا شأن ما بينك وبين القس! قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ما كان صاحبي في الرجال خلا ولا خمرا، وما كان الفحل إلا الناقة. . .! وما أحسب الشيطان يعرف هذا الرجل، وهل كان للشيطان عمل مع رجل يقول. إني أعرف دائما فكرتي، وهي دائما فكرتي لا تتغير. ذاك رجل أساسه كما يقول (برهان ربه) ولقد تصنعت له يا أمير المؤمنين، وتشكلت وتحليت وتبرجت، وحدثت نفسي منه بكثير، وقلت أنه رجل قد غير شبابه في وجود فارغ من المرأة، ثم وجد المرأة في. وغنيته يا أمير المؤمنين غناء جوارحي كلها، وكنت له كأني حرير ناعم يترجرج وينشر أمامه ويطوى، وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس، وكنت من ذلك بين يديه كالفاكهة الناضجة الحلوة تقول لمن يراها: كلني. . .!) قال يزيد: ويحك ويحك! وبعد هذا؟ قلت: بعد هذا يا أمير المؤمنين، وهو يهواني الهوى البرح، ويعشقني العشق المضني - لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه بالذهب. . . بالذهب الذي يتعامل به! فضحك يزيد وقال: لا والله، لقد عرض الشيطان منك ذهبه ولؤلؤه وجواهره كلها، فكيف لعمري لم يفلح، وهو لو رشاني من هذا كله بدرهم لوجد أمير المؤمنين شاهد زور. . .! قلت: ولكني لم أيأس يا أمير المؤمنين، وقد أردت أن أظهر امرأة فلم أفلح، وعملت أن أظهر شيطانة فإنخذلت، وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير طبيعة، وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره رأيت في عينيه ما لا يتغير كنور النجم، وكانت بعض نظراته لي والله كأنها عصا المؤدب، وكأنه يرى في جمالي حقيقة من العبادة، ويرى في

стр. 6395

جسمي خرافة الصنم، فهو مقبل على جميلة، ولكنه منصرف عني امرأة. لم أيأس على كل ذلك يا أمير المؤمنين، فإن أول الحب يطلب أخره أبدا إلى أن يموت. وكان يكثر من زيارتي، بل كانت إلى الغدوة والروحة، من حبه إياي وتعلقه بي، فواعدته يوما أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه (ألا قل لهذا القلب. .) وكنت لحنته ولم يسمعه بعد. ولبثت نهاري كله أستروح في الهواء رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه، وأتمثل ظلام الليل كالطريق الممتد إلى شيء مخبوء أعلل النفس به. وبلغت ما أقدر عليه في زينة نفسي وإصلاح شأني، وتشكلت في صنوف من الزهر، وقلت لأجملهن وهي الوردة التي وضعتها بين نهدي: يا أختي، اجذبي عينه إليك، حتى إذا وقف نظره عليك فأنزلي به قليلا أو أصعدي به قليلا. قال يزيد وهو كالمحموم: ثم ثم ثم؟ قلت يا أمير المؤمنين: ثم جاء مع الليل، وإن المجلس لخال ما فيه غيري وغيره، بما أكابد منه وما يعاني مني. فغنيته أحر غناه وأشجاه، وكان العاشق فيه ليطرب لصوتي، ثم يطرب الزاهد فيه من أنه استطاع أن يطرب، كما يطيش الطفل ساعة ينطلق من حبس المؤدب. وما كان يسوؤني إلا أن تمارس في الزهد ممارسة، كأنما أنا صعوبة إنسانية فهو يريد أن يغلبها، وهو يجرب قوى نفسه وطبيعته عليها، أو كأنه يراني خيال امرأة في مرآة، لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها، أو أنا عنده كالحورية من حور الجنة في خيال من هي ثوابه، تكون معه، وإن بينها وبينه من البعد ما بين الدنيا والآخرة، فأجمعت أن أحطم المرآة ليراني أنا نفسي لا خيال، واستنجدت كل فتنتي أن تجعله يفر إلي كلما حاول أن يفر مني. فلما ظننتني ملأت عينيه وأذنيه ونفسه، وانصبت إليه من كل جوارحه، وهجت التيار الذي في دمه ورفعته رفعا - قلت له: أنت يا خليلي شيء لا يعرف، أنت شيء متلفف بإنسان، ومن التي تعشق ثوبا ليس فيه لابسه؟ ورأيته والله يطوف عند ذلك بفكره، كما أطوف أنا بفكري حول المعنى الذي أردته. فملت إليه وقلت: أنا والله أحبك!) فقال): وأنا والله الذي لا اله إلا هو) قلت: (وأشتهي أن أعانقك وأقبلك!)

стр. 6396

قال: (وأنا والله!) قلت: (فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخال!) قال: يمنعني قول الله : (الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة) إني أرى (برهان ربي) يا حبيبتي، وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك وأن تكوني من سيئاتي، ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى، ولكني أحب ما فيك أنت بخاصتك، وهو الذي لا أعرفه ولا أنت تعرفينه، هو معناك يا سلامة لا شخصك. ثم قام وهو يبكي، فما عاد بعد يا أمير المؤمنين، ما عاد بعد ذلك، وترك لي ندامتي وكلام دموعه! وليتني لم أفعل، فقد رأى أن المرأة تكشف وجهها للرجل أحيانا، وكأنها لم تلق حجابها بل ألقت ثيابها. . . . طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 6397

الصراع بين الحبشة والاستعمار الغربي وهل يريد الاستعمار غزوها؟ للأستاذ محمد عبد الله عنان وقعت أخيراً عدة حوادث ومصادمات خطيرة على حدود الحبشة بين الإيطاليين والأحباش؛ وكان المظنون أن الكدر الذي أصاب العلائق الحبشة الإيطالية من جراء حادث الإعتداء على القنصلية الإيطالية في جوندار قد زال بعد إعذار الحكومة الحبشية وقيامها بالترضية المطلوبة. ولكن حادثاً أشد خطورة وقع منذ أيام قلائل على الحدود الحبشية مما يلي السومال الإيطالي؛ فقد نشبت معركة دموية شديدة بين قوة من الأحباش وقوة من الإيطاليين عند مركز اولوال الذي يدعيه كل منهما، قتل وجرح فيها من الفريقين عدد كبير يقدر بالمئات؛ وقد وقف القتال على أثر ذلك، وانسحب الأحباش إلى داخل الحدود، ورفعت الحكومة الحبشية الأمر إلى عصبة الأمم؛ ولكن الجو مازال كدراً مثقلاً بمختلف الاحتمالات ومما يلفت النظر بنوع خاص أن يقع هذا التوتر وهذه الحوادث الخطيرة بين الدولتين عقب الزيارة الملكية التي قام بها ملك إيطاليا في الارتيريا والسومال، والمظاهرات العسكرية التي نظمتها السلطات الإيطالية بهذه المناسبة. ولا ريب أن طواف ملك إيطاليا بالأملاك الإيطالية في أفريقيا الشرقية لم يكن بقصد النزهة والتريض، ولكنها زيارة سياسية ظاهرة المغزى، وطليعة خطة جديدة تزمع إيطاليا الفاشستية انتهاجها في سياستها الاستعمارية. ومن المعروف أن إيطاليا الفاشستية تعني عناية شديدة بالتوسع الاستعماري، وأنها خطت في ذلك السبيل خطوات واسعة في طرابلس، حيث استطاعت أن توغل في داخلها بعد أن لبثت منذ غزوها تقتصر على احتلال البلاد الساحلية إلى مسافة قصيرة، واستطاعت بواسطة إنكلترا أن تنتزع واحة جغبوب المصرية وما يليها بمقتضى المعاهدة المعروفة، وأن تصحح بذلك حدودها على حساب الأراضي المصرية؛ بل لقد استطاعت أخيراً أن تنتزع بواسطة إنكلترا أيضاً جزءاً من واحة العوينات السودانية وأن تضمها إلى برقة الجنوبية، ونزلت لها إنكلترا عن تلك المنطقة بإسمها وبإسم مصر، ومصر لا تعلم بشيء من ذلك ولم يطلب رأيها فيه. وتبدي إيطاليا الفاشستية نشاطاً واضحاً في تنظيم مستعمراتها الأفريقية وتقوية نفوذها الإستعماري، وتجعل التوسع الاستعماري أساساً

стр. 6398

لسياستها الأوربية، فتشترط لتفاهمهما مع فرنسا ن تحصل على حقوق ويا استعمارية في جنوب تونس، وفي منطقة تشاد، وتدعو إلى تعديل معاهدة الصلح (معاهدة فرساي)، وتحاول أن تثير مسألة الانتدابات الاستعمارية التي استأثرت بها فرنسا وإنجلترا وحرمت هي منها فلم تظفر بشيء من أسلاب ألمانيا أو الدولة العثمانية؛ هذا إلى اهتمامها بتقوية نفوذها في كثير من الأمم الشرقية، ومضاعفة جهودها في نشر تجارتها ونفوذها الاقتصادي ومن الطبيعي أن تخص إيطاليا المنطقة الحبشية بمعظم جهودها واهتمامها، فهي تملك في تلك المنطقة مستعمرتين كبيرتين هما بلاد الأريترية التي تحد الحبشة من الشمال الشرقي وتحجب عنها ساحل البحر الأحمر، وبلاد السومال الإيطالي، وهي تحد الحبشة من الجنوب الشرقي، وتحجب عنها ساحل المحيط الهندي. بيد أن هذا الاهتمام ليس حادثاً وطارئاً؛ فقد بدأت إيطاليا عصرها الاستعماري في تلك المنطقة، وامتلكت بها أول مستعمرة إيطالية. وكان ذلك سنة ١٨٨٥، وقت أن كانت الدول الكبرى تنظم اقتسام أفريقية إلى أملاك ومستعمرات، فاستطاعت إيطاليا أن تضع يدها على ثغر مصوع وأن تحتل بلاد الإريترية؛ وكانت السياسة الإيطالية تتطلع يومئذ إلى التوسع في تلك المنطقة، وإلى إنشاء إمبراطورية استعمارية إيطالية في شرق أفريقية؛ ولم يكن يحقق ذلك الحلم سوى الاستيلاء على بلاد الحبش؛ فاتخذت من الإريترية قاعدة لتحقيق هذه السياسة، وكانت الحبشة تجوز يومئذ ظروفاً سيئة من تعاقب الثورات والخلافات الداخلية، وكان الغزو الأوربي قد استطاع أن يفذ إليها قبل ذلك بأعوام قلائل؛ ففي سنة ١٨٦٨، نفذت حملة إنكليزية بقيادة نابيير إلى بلاد الحبشة لتعمل على إنقاذ بعض المبعوثين والرعايا الإنجليز الذين اعتقلتهم حكومة الحبشة وأبت إطلاق سراحهم، وكان المتغلب على الحبشة يومئذ زعيم يدعي كاساي، الذي تلقب باسم الملك (النجاشي) تيودور، فهزم واضطر إلى التسليم، وانتحر على أثر ذلك، وانسحب الإنكليز بعد أن أملوا شروطهم وحققوا غايتهم. وقام على عرش الحبشة النجاشي يوحنا الثاني، وفي عهده تقربت إيطاليا من الحبشة وعقدت معها صلات ودية وثيقة سرعان ما تحولت إلى نوع من الوصاية. واستمرت إيطاليا تعمل على تقوية نفوذها وسلطانها في الحبشة حتى توفي يوحنا الثاني سنة ١٨٨٩ وخلفه منليك أمير شووا؛ وكان النير الإيطالي قد اشتدت وطأته يومئذ، وضعفت الحبشة واضطربت شئونها إلى حد

стр. 6399

استطاعت معه أن تفرض إيطاليا عليها معاهدة تقضي بوضعها تحت الحماية الإيطالية، وهي المعروفة بمعاهدة (أوشالي) (سنة ١٨٨٩) وعندئذ تغلغل النفوذ الإيطالي في الحبشة، وسيطرت إيطاليا على شئونها ومصايرها، وأخذت تطمح إلى امتلاكها وضمها. ولكن شاء القدر أن يكون منليك، ذلك الأمير الذي ضاعت في عهده الحريات الحبشية هو نفس الأمير الذي يقوم بتحريرها من النير الأجنبي. ففي سنة ١٨٩٥، اضطرمت الحبشة بثورة عظيمة ضد النفوذ الأجنبي بزعامة منليك، ونشبت الحرب بين الإيطاليين والأحباش، وهزم الإيطاليون هزيمة ساحقة في (عدوه) من أعمال ولاية تجري في قاصية شمال الحبشة، وذلك في أول مارس سنة ١٨٩٦، وأرغمت إيطاليا على أن تعقد مع الحبشة معاهدة جديدة تعترف فيها باستقلالها (معاهدة تأديس أبابا)، وبذلك استردت الحبشة حرياتها التي لم يطل أمد ضياعها، وانهارت آمال الاستعمار الإيطالي؛ واستمر منليك الثاني، أو منليك الأكبر محرر الحبشة يسهر على ما يرها بقوة وعزم، ويسير بها في سبيل المدينة والإصلاح والتقدم حتى توفي سنة ١٩١٣. وفي عهده نظمت الحبشة علائقها مع الدول الأوربية، وعقدت معاهدة صداقة مع بريطانيا العظمى، واستطاعت أن ترغم الدول الاستعمارية على احترامها وعلى الحد من أطماعها وفي سنة ١٩٠٦ عقد بين إيطاليا وبريطانيا وفرنسا تحالف ثلاثي يقضي بالعمل المشترك لحماية أراضيها ومصالحها في تلك المنطقة، وهو تحالف تجدد في سنة ١٩٢٥، ولما توفي منليك الثاني في سنة ١٩١٣، خلفه حفيده ابن ابنته (ليجي ياسو)، وقد كان أبوه الراس مخائيل مسلماً فتنصر تحقيقاً لأطماعه وتزوج من ابنة منليك. ثم نشبت الحرب الكبرى، واضطرمت الدسائس حول ليجي ياسو؛ واتهم بممالأة المسلمين الذين ينتمي إليهم بأصله ودمه، ثم اتهم بالارتداد عن النصرانية؛ ولكن الواقع أن ليجي ياسو كان يرى أن مصلحة الحبشة أثناء الحرب تقضي باتجاهها نحو التحالف الجرماني التركي وابتعادها عن دول الحلفاء؛ فخشي الحلفاء ولاسيما إنكلترا عاقبة هذا الاتجاه، وأخذت تعمل لإثارة الشعب الحبشي ضد أميره، وألفت في بطريرك الحبشة القبطي خير أداة لحياكة هذه الدسائس، فاستعمل الدين وسيلة لإضرام الثورة وألفى الزعماء المستقلون فرصتهم، وهزم ليجي ياسو بعد وقائع وخطوب جمة؛ وأعلنت (زوديتو) ابنة منليك لاكبرى إمبراطورة للحبشة، (سنة

стр. 6400

١٩١٦) وعين الراس تافري ماكنن وصياً للعرش وولياً؛ وكان هو الملك وهو الحاكم، ولم يكن للإمبراطورة من السلطة الحقيقية شيء؛ وبعد بضعة أعوام أعلن الراس تافري نفسه إمبراطوراً إلى جانب الإمبراطورة زوديتو؛ ولما توفيت الإمبراطورة سنة ١٩٣٠، استقل الراس تفري بعرش الحبشة باسم الإمبراطور (هيلي سلاسي)؛ وكان أعظم حادث سياسي في عهده انضمام الحبشة إلى عصبة الأمم. وفي عهده قطعت الحبشة مراحل عظيمة في سبيل التقدم والتجديد، وبذلت جهوداً كبيرة لتنظيم قواتها الدفاعية وتزويدها بوسائل التسليح الحديثة؛ ونظمت الحبشة علائقها السياسية والتجارية مع معظم الدول الأوربية، واستطاعت أن ترد عادية النفوذ الأجنبي عن استقلالها وحرياتها ولكن السياسة الاستعمارية تعود اليوم فتتربص بالحبشة؛ وتعود إيطاليا فتتجه ببصرها وأطماعها إلى تلك المنطقة؛ وظاهر أن نشاط إيطاليا في الإرترية والسومال، وما تبدي هنالك من الاستعدادات الحربية، وأن زيارة ملك إيطاليا لهاتين المستعمرتين، وأن تحرش إيطاليا بالحبشة ومحاولتها أن تدفع حدود السومال إلى داخل الأراضي الحبشية مما أدى إلى حادث أولوال الدموي؛ ظاهر من ذلك كله أن إيطاليا مقبلة على تنفيذ خطة استعمارية جديدة في تلك المنطقة. ومما تجدر ملاحظته أولاً أن لفرنسا وإنجلترا مصالح هامة في تلك المنطقة، فإنكلترا تحتل السومال الإنكليزي، وتحتل فرنسا السومال الفرنسي وثغره جيبوتي الذي هو مخرج التجارة الحبشية من جهة البحر الأحمر، والذي يتصل بعاصمتها أديس أبابا بالسكة الحديدية. ولكن فرنسا وإنجلترا تلتزمان الصمت والجمود إزاء النشاط الإيطالي نحو الحبشة، ويبدو تحفظ إنكلترا وحيادها بنوع خاص في أمرها لمندوبها في السومال وهو الذي شهد معركة الحدود بين الأحباش والإيطاليين في أولوال ألا يتدخل في النزاع مطلقاً، وأن ينسحب إلى الداخل. ومن المعروف أن التحالف الذي عقد بين إيطاليا وفرنسا وإنكلترا في سنة ١٩٠٦ , وجدد في سنة ١٩٢٥ , ينص على اعتراف الدولتين بتفوق المصالح الإيطالية في الحبشة. ولكن ذلك لم يكن ليكفي لحيدة إنكلترا في معركة بين الاستعمار الإيطالي والحبشة، لو لم يتدخل في الموقف عامل خطير آخر، هو ظهور اليابان على المسرح. فاليابان تبذل منذ أعوام جهوداً جبارة لغزو الأسواق العالمية في الشرق والغرب، وقد استطاعت أن تنافس التجارة البريطانية في معظم الأسواق منافسة خطيرة، وأن تخلق

стр. 6401

لبريطانيا مشكلة اقتصادية عظيمة تهددها اليوم في تجارتها الإمبراطورية بأخطر العواقب؛ وظهرت اليابان في شرق أفريقية كما ظهرت في غيره، واستطاعت أن تغزو سوق الحبشة بسرعة، وأن تكسب عطفها وثقتها، حتى قيل بأن الإمبراطور ينوي أن يعهد في تدريب جيشه إلى خبراء عسكريين يابانيين. ولما كانت بريطانيا العظمى تعمل لإحباط هذا الغزو الياباني الخطر بكل ما وسعت، فقد رأت أن تطلق يد إيطاليا في المنطقة الحبشية لكي تعمل على مقاومة النفوذ الياباني، ورأت إيطاليا من جانبها أن تعمل لتحقيق مشاريعها الاستعمارية. وأما سكون فرنسا فيحمل على أنها ترى إرضاء التوسع الإيطالي في تلك المنطقة، مما يصرف نظر السياسة الإيطالية عن محاولة التوسع في منطقة بحيرة تشاد في السودان الغربي، ومما يهدئ ثورتها وأطماعها نوعاً؛ هذا ومن جهة أخرى، فإن إيطاليا تتطلع بنوع خاص إلى منطقة بحيرة تسانا الحبشية وإلى الانتفاع بمواردها، وبحيرة تسانا التي تغذي النيل الأزرق، وتعتبر من أهم منابع نهر النيل، تقع في شمال الحبشة على مقربة من الأريترية المستعمرة الإيطالية؛ وقد حاول بعض رجال المال الأمريكيين أن يباعوا من الحبشة امتيازاً باستغلال هذه المنطقة وكادوا يظفرون ببغيتهم رغم مقامة الساسة البريطانية؛ ولكن الإمبراطور هيلي سلاسي راى أخيراً أن يحتفظ بهذا المورد للحبشة؛ وإنكلترا تؤثر أن تقع هذه المنطقة تحت النفوذ الإيطالي إذا لم تستطع هي أن تبسط نفوذها عليها؛ وإيطاليا ترتب على التوسع في هذه المنطقة مشاريع زراعية واقتصادية كبرى هذه هي ظروف المعركة التي يلوح لنا أن الاستعمار الإيطالي يعتزم أن يشهرها على الحبشة؛ وكحومة أديس أبابا ليست غافلة عن الخطر الذي يهددها، فهي تشعر بما وراء السياسة الإيطالية من المشاريع والمطامع. والحبشة كما ذكرنا من أعضاء عصبة الأمم؛ وقد رأت على أثر الحوادث الأخيرة أن تطلب إلى الحكومة الإيطالية قبول التحكيم معها إلى هيئة دولية؛ ولكن رومة رفضت هذا الاقتراح، ورفعت الحبشة الأمر إلى عصبة الأمم بالتطبيق للمادة الحادية عشرة من ميثاق العصبة وهي التي تنص على حالة خط الحرب الذي يهدد أحد أعضاء العصبة، وعلى وجوب اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لصون السلام. والظاهر أن حكومة رومة لا تحفل أيضاً بتدخل عصبة الأمم، وأنها ماضية في خطتها العدائية نحو الحبشة، لأنها تقدمت

стр. 6402

إلى حكومة أديس أبابا بطلب تعويضات وترضيات جديدة عن حادث أولوال. وليس من ريب أيضاً في أن الحبشة لم تلتجئ إلى عصبة الأمم إلا قياماً بواجبها الدولي، وأنها لا تعتمد على العصبة في رد شيء مما يهددها من عدوان الاستعمار الغربي، لأنها تعلم أن العصبة لا تملك شيئاً من الأمر؛ والحبشة تشعر بهذا الخطر وتقدره بلا ريب منذ بعيد، وتعمل دائماً على رده بكل ما وسعت. ومهما يكن من مظاهر القوة التي تبديها السياسة الفاشستية، فإنا لا نعتقد أنها قادرة على أن تغزو بالقوة المادية بلاداً وعزة كالحبشة، وعلى أن تخضع بالسيف شعباً شديد المراس كالشعب الحبشي، وفي وسع حكومة رومة أن تنظم من المظاهرات ما شاءت، ولكنها مازالت بلا ريب تذكر الدرس القاسي الذي ألقته الحبشة على الجيش الإيطالي في (عدوه)، من جيل فقط محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6403

ما نرى في الغردقة في محطة الأحياء البحرية التابعة للجامعة المصرية للدكتور كبروسلاند مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة أعدت محطة الأحياء البحرية بالغردقة للأبحاث العلمية البحتة، فليس بنا من حاجة إلى معرض نربي فيه بعض الحيوانات الجميلة التي تعيش بالبحر الأحمر. ولكن كثيرا ما يعني زائرو المحطة بجمع هذه الحيوانات للتمتع بمشاهدتها في المرابي كل في معمله المعد له. وقد نجحت المعدات التي زودنا بها هذه المرابي نجاحا باهرا، فقد عاش أغلب هذه الحيوانات عيشة صحية بضعة أسابيع أو أشهر حتى يغادر صاحبها المحطة فيطلق سبيلها في اليم أو تقتل لتحفظ في المتحف. والمعدات التي هيأناها للمرابي هي: - أولا - أن تزود بسيال مستمر من ماء البحر الطازج الذي يؤخذ تواً من نهاية الرصيف حيث يكون صافيا لا يحتاج إلى ترشيح، فيوضع في صهريج صغير يملأ ثلاث مرات يوميا، ومنه يوزع على المرابي. ثانيا - تجري المياه في أنابيب مصنوعة من السليوليد (الطبخ) وصنابير من السليوليد أو الولكنت أما المضخة فمبطنة بالخزف. وبذلك لا تتصل المياه في طريقها من البحر إلى المربي بأي معدن. كثير من الأسماك الاستوائية جميل في لونه، وبعضها كفرس البحر والأمفسيل غريب في شكله كما جاء في مقالي السابق (بالرسالة)، وكثيرا ما نحصل هنا على فرس البحر والأمفسيل، فيعيش الأول في المربي ويموت الثاني بمجرد إخراجه من البحر. وغير هذين النوعين يوجد أبو صندوق , والدرمة , وقد اقتفينا من هذه سمكة صغيرة كانت تسبح بزعانفها فقط، بينما تجر ذنبها ملتويا إلى جسمها، فإذا اهيجت سبحت به بسرعة ونشاط. ويشاهد أحيانا الرعاد ويعرف هنا (بالرجدة) , على الشاطئ الرملي بجوار المعامل، وهو سمك كهربائي يحدث رعشة خفيفة ولكنها كافية لأن تحمل (سيباء) على أن تلقي بنفسها خارج المربى الذي كانا يعيشان فيه سويا. وتوجد أنواع من الأسماك الصغيرة مثل الكشكوشة في أسراب كبيرة بجوار المرسى تعيش على الأحياء الدقيقة المعلقة بالماء وأعجب خواصها مقدرتها على الحياة مدة طويلة في المربى، ولعلها تجد مقدارا كافيا من

стр. 6404

هذه الأحياء المعلقة، وخاصة عندما يملأ الصهريج الخازن في المساء، إذ تكثر الأحياء المعلقة في المياه السطحية، كما تكفي تلك لغذاء المرجان وقرب البحر وغيرها. وتحفظ الكشكوشة فريسة لحيوانين من أعجب حيوان المربى هما السيساء وزهرة البحر الكبيرة. تجثو السيساء أكثر الوقت على القاع وقد ضمت ثمانيا من أذرعها جنبا إلى جنب فتكون قلنسوة حول الفم. وتماتن السيساء القاع الذي تعيش عليه تماما، غير أن لها خطا أزرق براقا يحف زعنفتها. وهكذا تطل جاثمة في مكانها مختفية عن الأنظار حتى إذا دنت منها سمكة كالكشكوشة أطلقت عليها ذراعيها الطويلتين المختبئتين في جيب مخصوص وأمسكتاها يمصصانها، وفي برهة تتوارى السمكة في قلنسوة أذرعها القصيرة، وفي الوقت نفسه تظهر على جسم السيساء خطوط عريضة بنية داكنة تجعلها واضحة جلية. ذلك التغيير في اللون وغيره مما يحدث أثر أي حافز بدون حافز ظاهر يجعلها فتنة للناظرين، وإنه لمن الأهمية بمكان أن نبحث عن العلاقة الحقيقية بين ذلك التغيير في اللون والحوافز المختلفة. وعندنا من الرخويات صدف اللؤلؤ، ذلك الذي يعيش حتى يقتله الإنسان طمعا في صدفة البراق، أو في اللؤلؤة يصادفها في كل نحو من عشرة آلاف صدفة. والبرق من أعجب الرخويات وهي عديمة المحار. كثير منها جميل خلاب مادام حيا، فإن حفظ بعد الموت تحول إلى كتل لا شكل لها تكون أقرب إلى الطين لونا. وهناك عائلة من البزق من أهم مميزاتها أن أفرادها ذوات ألوان أخاذة، وفيما عدا ذلك لا تختلف أنواعها إلا في خواص طفيفة. ومن بين ردف العائلة كرومود وريدي نوع واحد ذو حجم لا بأس به يبلغ خمسة سنتيمترات طولا، وأثنين ونصفا عرضا، وهو من أقلها جمالا ومع ذلك فهو خلاب حقا. ظهره مسطح يمتد منه من الأمام قرنا الاستشعار، ويرجح انهما للشم، ومن الخلف عدة خياشيم ريشية منتظمةفي دائرة. لونه أسود مقلم طوليا بخطوط زرقاء - قد يكون جزء منها أو كلها أبيض - أما القرون والخياشيم فذات لون أصفر برتقالي زاه. ويحف الظهر خط من نفس اللون داخله خط أبيض. ولما كانت هذه البزق لا تلجأ عادة إلى الاختباء تحت الأحجار كما تفعل البزق المعتمة اللون كانت أداة طيبة للعرض. ولون هذه الحيوانات في جلائه ووضوحه إرهابي أعدائها التي تخشى طعمها الرديء.

стр. 6405

ومنذ قريب عثرنا على نوع أخر من وجدت منه كثيرا في زنجبار منذ نيف وثلاثين عاما عند ما كنت أقوم بعمل مجموعة الأحياء للسير (شارلزإليت)، ولكني لم أره هنا من قبل برغم ألوانه الغريبة، جسمه أبيض يميل إلى الصفرة، تزينه نقط صفراء فاقعة، ويحفه خط بنفسجي وحلقة بيضاوية بنفسجية تحيط بقرني الاستشعار وأخرى تحيط بالخياشيم. ولهذه الحلقات يسمى وأضخم هذه البزق وأجملها لونا هو ويسميه الصيادون هنا لسان البحر، يبلغ طوله نحو عشرين سنتيمترا، وله برنس عريض كثير الحواشي قرمزي اللون يحفه شريط أبيض قد تتخلله خطوط دقيقة مستعرضة، وتختلف نسبة هذا الشريط الأبيض، فقد لا توجد في بعض سلالات، وفي أخرى من المحيط الهندي (لم نرها بالبحر الأحمر) يداخله كثير من الصفرة. ويذكر إليت أن هذا الحيوان كثير الانتشار، ولكني أعتقد أن حجمه الكبير ولونه الزاهي هما اللذان يساعدان على رؤيته. ولم أره إلا مرة واحدة في موطنه الطبيعي بين المرجان، وكل نماذجنا الأخرى حصلنا عليها بعد أن لفظها البحر على الشاطئ في فصل الربيع. وعند ما نلتقطه يظهر قدمه كنقر ضيق، فتبدو قبضته على السطح الذي يزحف عليه واهنة جدا، فإذا طغت الأمواج أزاحته عن موطنه وطفا على سطح البحر. ولكنه إذا وضع في المربى تفرطحت قدمه وأمسك بالقاع جيدا، فإن أهيج ترك القاع وأرتفع في الماء سابحا بتموجات غريبة. لعلكم لم تروا فيلا يطير، ولكننا هنا نرى بزاقة تسبح بنشاط. وليس لي عهد ببزاقة أخرى تقدر على السباحة ما عدا تورديسا في زنجبار، ولم أرها منذ ذلك الوقت. ومن خصائص هذا النوع أنه يخدر بسهولة بإضافة كبريتات المانيزيا إلى الماء الذي يعيش فيه، وبذلك يمكن قتله وحفظه على شكله وهو حي، غير أنه يفقد لونه بسرعة. وكثير من الشوكيات يعيش طويلا في المربى، ويرى أنواع من قنفذ البحر لبعضها أشواك غليظة كمبسم الغليون (مثل أبي مباسم & ولغيرها أشواك دقيقة طويلة كالأسلاك، مثل الهلمان وأخرى قصيرة كالإبر، وقد يتجرد أبو مباسم من أشواكه كلها، ولا نعلم بالتحقيق هل ينبت عليه غيرها كما يكون الحال في الزقة الأوربية فإننا لم نحتفظ بالمرابي مدة كافية للفصل في ذلك. وبين نجوم البحر نجمة قرمزية اللون تزينها نقط زرقاء، كذلك كف مريم وهو يشبه النوع الإنجليزي كثيرا، ويزحف فوق القاع على أرجله الأنبوبية المدببة

стр. 6406

بدلا من التسلق بالممصات كبعض الأنواع الأخرى. أما المرجان فيسهل حفظه حيا في المرابي، وهو يتكون عادة من مستعمرات من عدد كبير من البوليبات متفاوتة الحجم، وأفضلها ما كانت بوليباته كبيرة كما في الشكل، ففي نوع من الفافيا مثل يبلغ قطر البوليب خمسة عشر ملليمترا، وفي يبلغ ثلاثين ملليمترا، ولكليهما عدة زوائد طويلة تقوم بالحس والغذاء. وأضخم بوليبات المرجان هو مرجان عيش الغراب , وهو ما يسميه الأهالي هنا بالطبق، وكلا الاسمين يدل تماما على شكله، ويتكون من قرص كبير له زوائد قصيرة. أما النوع المعروف باسم الذي يشبه زهرة البحر في طول زوائده فلا يوجد هنا تلك الأنواع تظهر طرائق تغذية المرجان بجلاء. والمعروف أن المرجان حيوان لحم ولكن ذلك العلم ليس كالعيان. وقليل من العلماء من مكنتهم الظروف من ملاحظة تغذية المرجان. أنها تقتنص الفريسة بالخلايا اللاسعة، وتحملها القرون والتيارات الهدبية إلى الفم. وفي مرجان عيش الغراب تحمل الأهداب وحدها الفريسة المشلولة (من أثر الخلايا اللاسعة) وفيه أيضا نشاهد ظاهرة هامة، وهي ارتكاس الحركات الهدبية وقد كانت تغذية المرجان مجالا لكثير من الشك حتى درسها ينج في الحاجز المرجاني العظيم باستراليا. ويطل حيوان المرجان من هيكله الجيري في ظلمة الليل، ويختبئ فيه نهارا، حتى نور الصباح الكهربائي يبدو كأنه الجماد. ومن بين المرجان جنس يدعى تربناريا تطل بوليباته نهارا فتبدو صفراء فاقعة خارج الهيكل الأصفر الداكن. أما أجمل أجناس المرجان، فهو الدندورفيليا ففيه يبلغ قطر البوليب سنتيمترا، ويرتفع كالزهرة ذات الألوان المختلفة كالأصفر أو البرتقالي أو الأحمر , أو القرمزي الأسود في , ويظهر أن هذه الألوان تتفق مع انعدام الطحالب أن تعيش تحت هذا الحجاب من اللون الذي يحول دون أشعة الشمس إليها، فإن لون , يشبه لون الورق البرتقالي الذي كان يستعمل قديما في لف ألواح التصوير (الفوتوغرافيا) ليقيها الضوء، وبينما يوجد هذا النوع في أماكن ظليلة ينمو , كبقية المرجان في الأماكن المعرضة لضوء الشمس. وعندنا من زهور البحر الشيء الكثير، وليس منها ما يعدل في بهائه زهرة البحر الريشية التي نراها كثيرا في مرابي أوربا. ولكن الزهرة التي يسميها روبل من أكبر

стр. 6407

أنواع الزهور في العالم - التي تعيش لعدة أشهر في المربى، وتعايشها دائما (كبقية الزهور الكبيرة في المنطقة الحارة) سمكة أنيقة فأينما وجدنا الزهرة على مقربة منها والعكس بالعكس. فإذا أوجست خيفة من شيء هرعت إلى الزهرة وتحصنت بين قرونها من أعدائها. ولا نعرف لماذا لا تلسع الزهرة هذه السمكة فتقتلها كما تفعل مع غيرها ومع أكبر منها. ويمكننا أن نشاهد تبادل المنفعة بين الحيوانين إذا وضعنا معهما سردينة صغيرة. فإننا نشهد مأساة من ماسي الطبيعة التي يتألم لها الإنسان، إذ تهيج السمكة المعايشة وتطارد السردينة هنا وهناك حتى تلامس قرون زهرة البحر وتلتصق بها، ثم لا تلبث أن تنفر منها، ولكن سرعان ما يصيبها الشلل ويعتريها اللهاث فتنقض عليها السمكة وتجرها من ذنبها إلى الزهرة، فتجاهد جهادا عنيفا قد تفلت بعده، وهكذا تتكرر المأساة حتى تخر صريعة فتنطوي عليها قرون الزهرة وتزج بها إلى فيها فتخفيها، ثم تلفظ عظامها بعد بضع ساعات. وهنا أيضا تساعدها السمكة على التقاط الفضلات وإزالتها. هنا على الأقل مثلان آخران للمعايشة بين زهور البحر والأسماك، ولكننا لم نراقبهما في المرابي. وفي هاتين الحالتين تكون زهرة البحر كبيرة والسمكة صغيرة جدا. يحمل بعض البشابش على المحارة التي يسكنها عددا من الزهور البحرية تبلغ الخمس أو الست، وتكون عادة من نوع عادي لم يتحور تبعا لهذه العادة كما تحورت الزهرة الأوربية وغير هذه الزهور زهرة غريبة تتميز بقرونها الثلاثية الريشية فتبدو الزهرة كأنها مستعمرة من الزنيا (جنس من الألسيوناريا)، وقد حيرت نماذج محفوظة من هذه الزهرة بيلجيين لتقلصها إلى كتلة لا شكل لها. أما الألسيوناريا أو المرجان اللين أو ما يسميه البحارة الربلة , فذات بوليبات ثمانية التماثل، ويختلف نموها هنا عنه في المناطق المعتدلة كما يختلف المرجان نفسه، فبينما لا نرى في أوربا إلا (أصابع الموتى) , ' ومروحة البحر الحمراء , ولا يمكن الحصول على الأخيرة إلا بالمجراف من قاع البحر - أما هنا فتوجد الألسيوناريا في كل مكان بكثرة عظيمة وبأشكال متنوعة، منها الكتل اللحمية، ومنها الشجيرات، ومنها النورات والمراوح. وقد حاولنا حفظ القليل منها في المربى فلم يعش إلا واحدة وهذه جنس مشعب لين من عائلة الألسيوناسيا وتختلف عن قرائنها من نفس العائلة في عدة نقط مهمة، فتعيش

стр. 6408

الأخيرة معرضة على سطح الشعب وتبدو لمن لا عهد له بها كأنها شجيرات من الطحالب السمراء، وترجع سمرة لونها إلى وجود طحالب وحيدة الخلية في أنسجتها لا تعيش إلا معرضة لأشعة الشمس. أما الدندرونفشيا فتعيش بعيدة عن الأنظار في شقوق بين المرجان، ولذلك لا تأوي إليها الطحالب معايشة كبقية أفراد العائلة. ويغلب أن تكون ذات لون قرمزي طريف، ومنها أيضا البرتقالي والأصفر والأبيض والأسمر والأزرق. ولا يعرف عدد أنواع هذا الجنس، إلا أني نجحت في فصل نوعين فقط، بينما لا تزال الأنواع الأخرى تنتظر البحث. ولا يتم ذلك إلا بدراسة الحيوانات الحية، إذ لم ير أحد هذه الحيوانات وهي ناشرة بوليباتها غير من زاروا محطتنا، أو على الأقل ليس بين الصور والأشكال المنشورة ما يوضح هذه الظاهرة. فالشكل يمثلها كما تبدو نهارا، فإذا وضعت في المرابي تمددت إلى ثلاث مرات أو أربع طولا، وتنقص بنفس النسبة عرضا، وتغطى الأفرع الحمراء أو الوردية مئات من البوليبات كما فيوتعيش المستعمرات الصغيرة جيدا (ليس عندنا مكان يتسع لحفظ المستعمرات الكبيرة التي تصل إلى قدم في الارتفاع) وسرعان ما تموت الحيوانات الأخرى التي تنتمي إلى نفس العائلة وتتحول إلى مخاط، ولكنها تعيش معرضة إلى ضوء الشمس يبين جنسا أخر كثير التشعب يدعى يعيش قليلا في المربى ثم تختفي أنسجته الحية ويبني هيكله، وهو جميل في ذاته يستحق العرض ومثل ذلك مروحة البحر التي تعرض في المرابي في أوربا فإنها خداع نظري وليست حية، إنما هي هياكل خاوية. ولعل أفضل ما يروق الزائر من غير الأخصائيين أن يرى مرجان الزينة في المربى، إلا أنه معدوم في البحر الأحمر ولكن المليتودس كوكسينيا تشبهه كثيرا غير أن عودها الصلب المكون من التحام شويكاتها لا يزيد غلظه على نصف الملليمتر. ويبين جزءا منها مكبرا من تحضير شفاف، وقد ظهرت بوليباتها بارزة من غشاء رقيق يتكون من قنوات لحمية دقيقة يحجبها عدد كبير من الشويكات غير الملتحمة. وتحيط هذه القشرة من الشويكات والقنوات اللحمية بعود صلب هو نظيم مرجان الزينة. وتمثل الشويكات في الشكل بأجسام بيضاوية، وترى هيئتها الحقيقية في مكبرة كثيرا. اما البوليبات فمنكمشة قليلا وبقرونها شويكات كالعصى الملتوية. ولا تمكن رؤية هذه التفاصيل إلا إذا قتلت الحيوانات بعد تخديرها بحذق ومهارة وإلا اختفت البوليبات. لهذا السبب لا يمكن وصفها في مئات

стр. 6409

النماذج من الألسيوناريا التي جلبتها الرحلات العلمية إلى أوربا، ويتوقف على هذه الشويكات وترتيبها أساس تقسيم جنس الدندرو نفشيا إلى أنواعه المختلفة. لذلك كان من ضروريات البحث في الألسيوناريا والمرجان دراسة الحيوانات حية. ولمثل هذا النوع من البحث العلمي أنشئت محطة الأحياء البحرية بالغردقة. ويوجد لون المليتودس القرمزي في الشويكات كما هو الحال في كثير من الألسيوناريا. وهو ثابت جدا ولا يعرف كنهه إلى الآن، والمرجح أنه يرجع إلى عوامل فيزيائية وكيميائية معا، فيجب أن يتكاتف في دراسته البيلجي والكيميائي والفيزيائي. ومما يزيد في صعوبة البحث أو يقلل منها أننا نجد تحت حجر واحد وتحت ظروف واحدة مستعمرات متشابهة في كل شيء ما عدا اللون، فقد يكون بعضها وردي اللون وبعضها قرمزيا أو أصفر، ولا نجد أي ألوان متوسطة بين تلك كما نجد في مرجان الزينة بين الأبيض والأحمر والوردي. هذه أغلب أدلتنا التي نجحنا في توفير أسباب الحياة لها في المرابي. إلا أن هنا قليلا من الدخلاء، فلو فرضنا أن مربى وضع في البحر لمدة ستة أشهر لتغطى بطبقة يبلغ غلظها البوصة من قرب البحر والرخويات والأطوم والأشنة البحرية مع عدد من الديدان والبزق. ولعل أمتع شيء النظر إلى أعمدة رصيف ميناء الغردقة إذ تكسوها الدندرونفشيا، ونوعان من مراوح البحر وقرب البحر، والديدان الأنبوبية والأشنة البحرية، وغيرها، فهي إذ ذاك متحف طبعي. وفي المحطات الأخرى حيث ترشح المياه وتخزن لا سبيل لليرقات إلى المرابي، أما عندنا فالباب مفتوح لها على مصراعيه. وفي الأسابيع القليلة التي استعملت فيها المرابي باستمرار نمت لطخ صغيرة من الطحلب الجيري ونوعان من الديدان الأنبوبية وآخران من قرب البحر وواحد من الرخويات ذات المصراعين فلو أن المرابي استعملت عاما مثلا لحصلنا على الشيء الكثير، ولكن قلة النمو في الفترة السابقة تدل على أن الفترة الحرجة في اليرقة وتنتقل إلى حياة اليافع. ذلك الانتقال الذي يتعذر في الطبيعة إلا على واحدة في الألف أو بعض الآلاف، وذلك لقلة الغذاء أو المكان المناسب لنموها. الغردقة

стр. 6410

الدكتور كرلس كرسلند -
следующие страницы →