Полный текст (65 431 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(لوبن) قائمة على الديمقراطية، فهو يؤلب الأخيار المضطهدين على الأسرة الحاكمة، ويحارب الفروق الاجتماعية بين طبقات الشعب، فلا يعترف إلا بنصفين من الناس: الشجعان والأذكياء، وهؤلاء وأولئك ملزمون أن يعملوا لخير الأمة، ولا بأس أن يعيشوا عيش اللصوص وقطاع الطرق ما داموا يذودون بذلك عن المظلومين والمحرومين.
ثم ظهرت بعد ذلك طائفة كبيرة من القصص على عهد آل (منغ) من سنة ١٣٦٨ - ١٦٦٢م ولكن قصتين اثنتين من بينها تلفتان النظر وتسترعيان الخاطر وهما (حكاية رحلة إلى بلاد المغرب)، و (زهور الشر في أصيص من الذهب) فالأولى قصة وهمية كثيرة المخاطر الخارقة والأوهام العجيبة. والثانية قصة نفسية (بسيكولوجية) لمؤلف مجهول تدور على ما وقع من المخاطر الغرامية لغني من الأغنياء أسمه (سي من كنغ) وهو متبطل شهوان محصن ولكن له أخداناً كثيرات، والقصة تعرض بالتفصيل حياة هؤلاء الخليلات الخاصة، وتشتمل على فصول من الفحش والرجس والدنس ولكنها غاية في التحليل النفسي للمرأة، والدقة في وصف المشاهد، والتنويع في مساق الحوادث. وفي عهد آل (تسنغ) ظهرت أنواع كثيرة من القصة كالقصة العلمية ويمثلها قصة عنوانها (ثرثرة شيخ قروي يتشمس) للقصصي (هياكنغ كيو) من كتاب القرن السابع عشر، وقصة أخرى عنوانها (حظ الأزهار المنعكسة على الثلج) للكاتب (لي فوتشن) من رجال القرن الثامن عشر، فالأولى تخوض في أحاديث شتى عن الفلسفة والكتب القديمة وأمانة الوزراء وتقوى الأبناء والمكائد والفنون والطب والأخلاق وغير ذلك مما جعلها دائرة معارف هي إلى الدعوى والافتراء اقرب منها إلى العلم الصحيح. وأما الثانية فهي بحث علامة جليل عالج فيها كثيرا من المسائل النسائية وعلى الأخص مساواة الجنسين، وهذا في الأدب الصيني شيء جديد.
والقصة الأخلاقية ظهرت في هذا الحين، وهي تقص حكايات الممثلين والممثلات، وتصف أخلاق البغايا والمومسات، ثم ظهرت في القرن التاسع عشر القصة الهجائية فهجم بها الكتاب على الأسرة الحاكمة التي طواها الموت، ورشقوا بسهام النقد طبقة العلماء والموظفين على أن الأنواع القديمة كالأقاصيص الخرافية والقصص التحليلية وسير الأبطال استمرت تؤتي أكلها في عهد آل (تسنغ).
تلك كانت حال القصة الصينية حينما ظهرت بواكير الثورة الأدبية في القرن التاسع عشر
стр. 667
فتفتحت اليوم عن أدب حديث يشعر على حداثته بحقيقته ومصيره.
كانت الثورة الصينية ثورة سياسية واجتماعية وثقافية في وقت معاً. ففي السياسة أدت إلى سقوط الملكية وقيام الجمهورية، وفي الاجتماع أفضت إلى اقتباس الأخلاق الغربية. وفي الثقافة هدت إلى اكتشاف العلوم والأفكار الأوربية. والفضل في هذا الاكتشاف للأديبين (ين فو) (١٨٥٣ - ١٩٢١) و (لن شو) (١٨٥٢ - ١٩٢٤) فإن الأول نقل إلى الصين فلسفة (هكسلي) و (ستيوارت مل) و (سبنسر) و (سميث) و (جنكس) و (جفونس) و (ستراب) و (منتسكيو) ونقل الثاني قصص (ستيفنس) و (ديكنز) و (ولترسكوت) و (كونان دويل) و (واشنطون أرفنج) و (فكتور هوجو) و (دوماس) و (بلزاك) و (سرفنتيس) و (تولستوي) فكان لما ترجماه أثر بالغ في الفكر الصيني الحديث.
فمنذ الساعة الأولى فكر رسل الثورة الاجتماعية في اتخاذ القصة وسيلة للدعاية، وقد قال (ليانغ كي تشاو) وهو صحفي من المدرسة الحديثة: (يجب أن نبدأ اليوم بثورة في القصة، فإنا لا نستطيع أن نخلق شعباً جديداً إلا بقصة جديدة).
ولكن الصعوبة الوحيدة هي اللغة. فإن لغة الكتابة تختلف عن لغة التخاطب، ولغة التخاطب نفسها تختلف في إقليم عنها في إقليم بل في مدينة عنها في مدينة. فالمدرسة الحديثة حاولت أن تقرب بين لغة الكتابة ولغة الخطاب. ولكن أي لغة من لغات التخاطب تجعلها نموذجاً ومثلاً؟ وهل تضطلع حروف الهجاء الصينية (وهي لحسن الحظ واحدة في جميع المدن والأقاليم) بهذا الإصلاح؟ إن توحيد التعليم العام يقتضي لغة كتابية يقبلها كل الناس. واللغة المندرينية لا يمكن أن تكون على حالتها هي تلك اللغة.
ففي سنة ١٩١١م أسست الجمهورية الناشئة مجمعاً عاماً أصلح هذه اللغة وجعلها لغة وطنية، ثم وضع لها تسعاً وثلاثين علامة صوتية، تساعدها على الانتشار بين طبقات الشعب، ومنذ ذلك الحين أصبح في إمكان الكاتب أن يؤلف القطع الأدبية، ويكتبها بالحروف الصينية. فتتفق مع اللغة الوطنية، وهذه اللغة المكتوبة الجديدة التي يفهمها الصينيون على السواء قد أطلقوا عليها أسم (بوهويا) أي اللغة الواضحة. والأدب الصيني في هذه اللغة العامة لا يرجع تاريخه إلى أكثر من اثنتي عشرة سنة.
وليس هذا كل الاختلاف بين الأدب الحديث والأدب القديم. فإن الفكر الصيني قد تغير
стр. 668
جملة واحدة، فرجال المدرسة القديمة كانوا يصرون على تقليد القدماء تقليداً عقيماً جر عليهم الغرابة والتقيد والجفاف، حتى جاء في سنة ١٩١٦م أحد المحدثين وهو (هوشي) فأقترح ثماني وسائل لتجديد الأدب القديم كانت أساساً لبناء الأدب الحديث وهي (١) ألا يلمح الأدباء إلى شيء من التاريخ والأدب والأساطير في غضون النثر والنظم. (٢) ألا يستعملوا الحكم المأثورة والأمثال السائرة اتقاء للابتذال. (٣) ألا يسرفوا في البحث عن الأقيسة النحوية والمقابلات البيانية وعلى الأخص في الشعر. (٤) ألا يتجنبوا الألفاظ العامية والتراكيب الشعبية. (٥) أن يعنوا أشد العناية بالإنشاء. (٦) ألا يئنوا ما لم يحسوا في أنفسهم الحاجة إلى الأنين. (٧) أن يعتدوا بشخصياتهم فلا يقلدوا القدماء في شيء. (٨) ألا يكتبوا إلا إذا جال في خواطرهم ما يريدون أن يكتبوه.
فإذا كانت الفلسفة الصينية اليوم في وقوف، والتاريخ غير موجود، والإنتاج المسرحي قليل القيمة، والشعر لم ينطلق بعد من أسار التقليد، فأن القصة تنمو وتزدهر معتمدة في تجديدها وتأييدها على ثلاثين مجلة تحلها من صفحاتها المحل الأول، أهمها القصة الجديدة القصة الصينية الحديثة واقعية كالقصة الغربية فلا تأبه مطلقاً للتقاليد ولا تتصل بالأساطير والخوارق. وكتابها لا تعوزهم القرائح الخصبة ولبعضهم قصص جليلة الشأن عظيمة الخطر، ولكنك لا تجد فيها ذلك السحر الأخاذ، ولا ذلك الجو الأثيري النقي، ولا تلك الخفة التي كانت تميز القصة القديمة وتلونها باللون الصيني الخالص. فإن القصة الحديثة اقتبست من القصة الغربية الشكل والاصطلاح والروح أيضاً، والمشابهة شديدة بين الحكايات الحديثة في الصين وبين بعض الأقاصيص في أمريكا، وإذا قرأت حكاية (كونغ يي كي) للكاتب (لوسين) حسبتها مكتوبة بقلم شروود أندرسون.
من القصصيين المعاصرين (تشنغ تسوينغ) وهو كاتب وافر الإنتاج، ويعزون هذه الوفرة إلى أنه يشتري قصص المفلوكين من الأدباء بثمن بخس ثم ينشرها تحت اسمه. وقد انفرد بمعالجة نوع واحد من المشاكل الاجتماعية، وهو تضارب العواطف بين ثلاثة أشخاص رجلين وامرأة أوامرأتين ورجل وليس في قصصه أصالة فكرية ولا لأسلوبه قيمة أدبية ولكنه مع ذلك أكثر الكتاب قراء وأبعدهم سمعة.
ثم (كووموجو) وهو زعيم المذهب العمالي الذي يعني أتباعه بمعالجة الموضوعات
стр. 669
الخاصة بالفقراء الذين يعيشون على عملهم وهو يدير اليوم حركة الدعاية الشيوعية ضد الحكومة، ويؤلف في سبيل ذلك الأقاصيص والروايات والخطب ولكن حظها من الفن قليل. فاذا نسى السياسة وكتب للأدب تكشف لك عن قصصي سمح القريحة واضح الطريقة.
ثم (يي شاو كيون) و (يوتافو) وهما قصصيان من الطراز الأول، يعالجان غير القصة الأخلاقية، يصفان فيها جوانب الفقر والفسق والبؤس من حياة الشعب الصين في المدن الكبرى. ثم (ينغ ناغان) وهو معدود في طبقة الكتاب النابهين ولكن أرفع القصصين المحدثين ذكراً وأسماهم مكانة هو (لوسين) له مجموعتان من الأقاصيص عنوان الأولى (صرخات الحرب) وعنوان الثانية (اضطراب البال) ونتاجه على قلته موسوم بسمة الجمال والعبقرية.
وسنترجم في الأعداد المقبلة قصة له وأخرى ليانغ ناغان تمثلان الروحين الشائعين، والاتجاهين المختلفين في القصص الصيني الحديث.
стр. 670
في الأدب الغربي
بين بين
للدكتور طه حسين
الأصل في الكلام إنه وسيلة تتوسل به إلى الأعراب عما تريد أن يفهمه عنك غيرك، فهماً واضحاً جلياً لا لبس فيه ولا غموض. والكلام كله يشترك في هذا الأصل أو قل كان يشترك في هذا الأصل سواء منه ما كان شعراً وما كان نثراً، وسواء منه ما تحدث إلى العقل وما تحدث إلى القلب والشعور. فإذا خرج الكلام عن أصل البيان والتبيين هذا فكان فيه غموض أو التواء فمصدر ذلك قصور في المتكلم أو الكاتب أو قصور في السامع أو القارئ، عجز ذاك فلم يحسن الإعراب عما يريد، أو عجز هذا فلم يحسن الفهم لما لقي إليه. وقد يكون الغموض مقصوداً والالتواء متعمداً، لأن للكاتب أو الشاعر أو المتكلم غرضاً يدفعه إلى أن يتكلف الغموض ويتعمد الالتواء ولكن هذا الكلام الغامض الملتوي واجد على كل حال من يقرأه أو يسمعه فيفهمه فهماً صحيحاً مستقيماً.
هذا هو الأصل في الكلام ولكن يظهر أن الترف الفني الذي ترقى بنا الحضارة إليه، وتنتقل بنا في درجاته المختلفة يأبى أن يقر الأشياء في أصولها أو يدعها ميسرة لما خلقت له. فكما أن الأصل في الطعام والشراب الغذاء والري، ولكن الحضارة والترف قد خرجا بهما عن هذا الأصل إلى ما يتجاوز الغذاء والري، إلى غيرهما من اللذات التي يجدها الطاعمون والشاربون فقد خرج الترف الفني في هذه الأيام بالكلام عن أصله المألوف إلى شيءآخر غير البيان والتبيين، ونشأت طائفة من الكتاب والشعراء لا تكتب النثر ولا تقرض الشعر لتقول شيئاً واضحاً جلياً أو لتقول شيئاً ينتهي بعد الجهد والبناء إلى الوضوح والجلاء. وإنما تكتب وتنظم لتثير في نفسك ألواناً من المعاني وضروباً من الخواطر، ولتهيج في قلبك أشكالاً من العواطف وفنوناً من الشعور، تحسها فتلذ لها وتألم، وتبتهج لها وتضيق بها، وتفهمها حيناً وتعجز عن فهمها أحياناً، وتذهب مذاهب مقيدة غريبة متباينة في فهم هذا الكلام الذي يلقى إليك وتأويله وتخريجه فتقر ما تنتهي إليه ثم يبدو لك فتعدل عنه، ثم تقرأ هذا الكلام مرةً أخرى فإذا أنت تذهب في فهمه وتأويله وتخريجه مذاهب لم تكن قد ذهبتها من قبل، ثم تتحدث إلى من قرأ هذا الكلام نفسه فإذا هو يخالفك في الفهم كل
стр. 671
الخلاف أو يخالفك في بعضه ويوافقك في بعضه الآخر. ثم تتحدثان إلى ثالث قد قرأ هذا الكلام فإذا له فيه رأي لم ترياه ولم يخطر لكما على بال ولعلكم إن سألتم الكاتب أو الشاعر الذي ألقى إليكم والى الناس هذا الكلام عما أراد به حين كتبه أو نظمه لم تجدوا منه جواباً مقنعاً ولا رداً مريحاً. أو وجدتم أجوبة مختلفة وردوداً متباينة، لأنه هو لا يعرف بالضبط ماذا أراد حين كتب أو نظم أو كان يعرفه أثناء الكتابة والنظم ثم ذهب عنه بعد ذلك، أو كان يعرفه فلما أتم الكتابة والنظم وترك ما كتب ونظم حيناً عاد إليه يقرأه فإذا هو يفهم منه غير ما أراد ويتبين منه غير ما كان قد قصد إليه.
وقد يخطر لك أني أقصد بهذا النحو الكلام إلى شيء من العبث أو الدعابة، فذد عن نفسك هذا الخاطر فلست بصاحب عبث ولا دعابة. وإنما أنا صاحب جد كل الجد وأنا أكتب هذا الكلام بعد أن فرغت من قراءة قصة لذيذة قيمة ممتعة للكاتب الفرنسي جورودو. صاغها في صيغة القصص التمثيلي ووضع لها العنوان الذي وضعته أن لهذا الفصل، ونشرها في عددين من مجلة باريس.
وقد قلت إن هذه القصة لذيذة قيمة ممتعة وأنا أريد ما أقول، ولعلي مقصر حين أكتفي بهذه الأوصاف وحسبك أني قرأتها ثلاث مرات وسأقرؤها إن أذن بذلك الوقت وسمحت به الظروف. وقد وجدت قي كل قراءة لذة ومتاعاً وأنا واثق بأني سأجد في القراءة الرابعة لذة ومتاعاً. ولكني على ذلك كله لم أفهم ما أراد الكاتب أو قل فهمت أشياء مختلفة وأغراضاً متباينة، ما أظن أن الكاتب قد أراد إليها أو فكر فيها. وقد أسأت الظن بنفسي فأقرأت هذه القصة قوماً آخرين وجدوا فيها لذات لم أجدها ومتاعاً لم أشعر به. ولكنهم كانوا مثلي عاجزين عن أن يفهموا بالدقة أو بالتقريب ما أراد إليه الكاتب حين كتب قصته هذه البديعة الغريبة. ثم انتهى بنا الأمر إلى أن اتفقنا على إن الكاتب لعله لم يرد شيئاً أكثر من أن يثير في نفوسنا وقلوبنا هذه الخواطر والعواطف وهذه الأهواء والميول. وعلى أن الكاتب لعله أراد أن يذهب بالكلام مذهب الموسيقيين بالموسيقى، فلا يقصد إلا إلى أن يثير في نفسك ضروباً من العواطف والأهواء حول فكرة خطرت له وأثرت فيه فصورها كما استطاع في هذه الألحان التي قد تطابق ما في نفسه وقد تقصر عنه وقد تتجاوزه وتربى عليه. ولكنها على كل حال قلما تنقل إلى نفسك صورة صحيحة مطابقة لما كان في نفسه، وقلما تثير في
стр. 672
النفوس المختلفة عواطف وأهواء مؤتلفة أو متقاربة تقارباً شديداً. إنما قصاراها أن تدفع بك في عالم من الخيال لا حد له. فأنت تتصور فيه ما تشاء. وأنت تحس فيه ضروباً متباينة من الإحساس وقد تسمع اللحن الموسيقي الآن فيثير في نفسك لوناً من الخواطر وتسمعه بعد ذلك فيثير في نفسك لوناً آخر. وكذلك يذهب أصحاب الكلام بالكلام حتى يجعلوه فناً من النغم وضرباً من الموسيقى، وحتى يستطيعوا أن يلقوه إليك فإذا أنت لا تفهم منه شيئاً دقيقاً جلياً كما تعودت أن تفهم من الكلام. ولكنك على ذلك لا ترغب عنه ولا تنفر منه بل تؤثره ولا تعدل به شيئاً.
في هذه القصة خداع غريب خطر لأنه يخيل إليك إنك تفهم ما تقرأ على وجه من وجوه الفهم فتمضي بالقراءة متابعاً فهمك هذا مطمئناً إليه، ولكنك لا تلبث أن تضل الطريق. وإذا أنت في واد غير ذلك الوادي الذي كنت تمضي فيه. وما يزال كذلك ينقلك من واد إلى واد ويثب بك من مذهب في الفهم إلى مذهب آخر حتى تنتهي القصة. وإذا أنت تسأل نفسك ماذا فهمت أنت منها وماذا أراد الكاتب بها إليه.
ولا بد لي من أن ألخص لك المقدار الذي يستوي الناس جميعاً في فهمه من هذه القصة حين يقرءونها وهو هذه الصورة الظاهرة التي يقسمها الكاتب إلى مناظر وفصول. ولكني أحب أن تفهم أن هذا التلخيص لا يعطي شيئاً ولا يصور ما أراد الكاتب. وقد قرأت لجماعة من النقاد فما أرى إنهم فطنوا لما قصد إليه في دقة ووضوح.
كل شيء في القصة مبهم قد تعمد الكاتب إبهامه، حتى الأماكن التي تقع فيها حوادث القصة، والأوقات التي أختارها الكاتب لوقوع هذه الحوادث. فأكثر ما يقصه عليك الكاتب يجري في مكان غير محدود ليس هو داخل المدنية وليس هو شديد البعد منها وكأنه في طرف من أطرافها حيث تتصل عمارات المدن بالفضاء الواسع الطلق. وهو في غابة أو في شيءيشبه الغابة، تتبين فيه الأشجار ولكنك لا تضيق بها ولا تحس كثافتها والتفافها. والمكان واسع قد كسا أرضه العشب وأنتثر فيه زهر كثير مختلف. ولا تقع حادثة من حوادث القصة في أول النهار أو في وسطه حين تستطيع العين أن تحيط بالأشياء وتحقق النظر فيها وحين تستطيع النفس أن تتابع العين فتفكر في شيءبين محدود.
وإنما تقع الحوادث في الأصيل حين يختلط آخر النهار بأول الليل، وحين يضطرب على
стр. 673
الأشياء رداء رقيق جداً من الضوء، وحين تتفرق النفس كأنها تريد أن تتابع الشمس في مسراها من وراء الظلمة الكثيفة المقبلة.
وإذا أختار الكاتب هذا المكان المبهم، وهذا الوقت المبهم لم يكن من العسير عليه أن يختار أشخاصاً إن ظهرت صورهم المادية ظهوراً واضحاً في بعض الأحيان، فأن صورهم النفسية وما يصدر عنها من الأحاديث والخواطر مبهمة شديدة الإبهام ملائمة أشد الملائمة لما يحيط بها من زمان ومكان. ولعل أحسن مظهر لبراعة الكاتب إنما هو إنشاء هذه البيئة الغامضة الواضحة المبهمة الجلية التي هي بين بين.
موضوع القصة نفسه يقتضي هذا الموقف المتوسط بين الوضوح والغموض، فنحن في مدينة صغيرة من مدن فرنسا كانت هادئة مطمئنة تجري حياة أهلها في اضطراد لا نتوء فيه كأنه السهل المنبسط. ثم يضطرب أمرها فجأة وتحدث فيها حوادث غير مألوفة كأن شيطاناً ماكراً قد أشرف على أمورها فقلبها رأساً على عقب. تعودت أن تجيل بين أهلها في كل عام طائفة من أوراق (النصيب). فإذا جاء موعد القرعة فقد تعودت المدينة أن تخرج القرعة لأغنى أهلها إلا في هذه السنة فقد خرجت لرجل فقير. تعودت أن تؤدي عملية الإحصاء من حين إلى حين كما تؤديها غيرها من المدن فإذا سألت الأسر عن عددها ردت بأجوبة تلائم العرف والقانون إلا في هذا العام، فالعمدة يستحي أن يقدم إلى المركز أوراق الإحصاء لأن الناس قد أحصوا أنفسهم، وكلابهم، وماشيتهم. ولأن الرجال لم يضعوا زوجاتهم في أجوبة الإحصاء، وإنما وضعوا خليلاتهم. تعودوا أن ينهر الرجل صبيه فلا يثور الصبي، وأن يزجر كلبه فلا يثور الكلب، أما في هذا العام فالصبيان ثائرون بآبائهم وأمهاتهم، والكلاب ثائرة بأصحابها وسادتها. وعلى هذا النحو أضطرب في المدينة كل شئ. ومصدر الاضطراب فيما يظهر أن إشاعة ملأت المدينة بأن شبحاً يظهر لبعض أهلها إذا تولى النهار وأقبل الليل. وقد صدق الناس هذه الإشاعة واطمأنوا إليها فكلهم يلتمس الشبح وكلهم يراه، وكلهم يخافه، ويحتاط للقاءه. وانتهى أمر هذا الاضطراب إلى باريس فأرسلت الحكومة المركزية مفتشاً إلى هذه المدينة يبحث ويستقصي، وأمرته بأن يحسم الداء إذا انتهى إلى أصله. وفكرة الحكومة أن هذا عارض من الضعف العقلي ومن الشعوذة قد ألم بهذه الدينة، فيجب أن يرد عنها وأن يبسط عليها سلطان العلم والعقل، ويقبل هذا
стр. 674
المفتش ممتلئاً بهذه الفكرة فلا يكاد يتحدث إلى العمدة والصيدلي ومراقب المكاييل والموازين حتى يروعه تصديق المدينة لهذه الخرافات، وحتى يشتد عزمه على أن يشمر في الحرب لهذا السخف حتى يقضي عليه. وهو ينكر وجود الأشباح والأرواح، وهو يتحدى الأشباح والأرواح ويطلب إليها أن تقلق طائراً ولو يسيراً عن غصن من هذه الأغصان وهو يحصي ثلاثة فلا يتم الإحصاء حتى تسقط قلنسوته عن رأسه! فيقول: ما أشد الريح أو يجيبه أصحابه: ليس في الجو أثر للنسيم! وهو يعود إلى التحدي في لفظ غليظ بشع ويطلب إلى الأرواح والأشباح أن تمسه بأذى ولو ضئيل. ويحصي ثلاثة فلا يكاد يفرغ من الإحصاء حتى تزل قدمه به فيهوى! فإذا نهض قال: ما أشد الرطوبة! فيجيبه أصحابه، إن عهدنا بالمطر لبعيد! وبهذا يتحقق الخلاف بين ممثل الحكومة المركزية وأهل المدينة. هو صاحب علم وعقل وهم أصحاب خيال وإيمان بالخرافات.
ولكن علم المفتش أولى وعقله محدود. فهو يؤمن بما في الكتب ويسلم به مقلداً فيه وهو يرى الإيمان به والتعصب له سياسة تلائم الديمقراطية وتوافق نظم السياسة الحديثة. وسذاجة أصحابه الذين يحاورهم ظريفة طلقة ليس فيها غلظ ولا ضيق، وإنما هي سذاجة ذات أجنحة تسمو بأصحابها حتى تتجاوز بهم حدود المألوف المعقول وكأنها قد اتخذت أجنحتها من الخيال وأصبحت شعراً كلها، فالحوار إذاً إنما هو بين الحقائق الواقعة المقيدة التي لم تبرأ من الجمود ولم تسلم من القصور، وبين الخيال المطلق الحر الذي أخذ بحظ عظيم من الرقي والصفاء والتهذيب. الحوار إذاً بين الحياة اليومية المألوفة يمثلها شخص المفتش وبين الشعر يمثله هؤلاء الناس. بل يمثله معهم أكثر أهل المدينة وتمثله معهم بنوع خاص إيزابيل هذه الفتاة التي تقوم على تعليم البنات مكان المعلمة المريضة والتي تذهب في تعليم الفتيات مذهباً غريباً ملائماً كل الملاءمة للطبيعة الحرة والشعر الطلق. فهي لا تضطرهن إلى المدرسة وإنما تتخذ من الغابات والحقول مدرسة تلقي عليهن فيها علماً غريباً يضيق به المفتش الذي يمثل حياة كل يوم. وهي تلقي إليهن أسماء غريبة تدل بها على ألوان العلم في الفلك والطبيعة والنبات والحيوان وهي لا تتحرج في أن تحملهن على أن يتشكلن بأشكال الحيوانات المختلفة ويتسمين بأسمائها ويسرن سيرتها، كل تعليمها يمتاز بأنه شعر، ويقوم على تحبيب الطبيعة إلى التلاميذ. ولا يكاد المفتش يرى هذا ويتبينه حتى
стр. 675
ينفر منه ويثور به ويرى إنه أصل هذا السخف الذي سيطر على المدينة ونشر فيها الفساد والاضطراب. فيعزل الفتاة إيزابيل من منصب التعليم، ويأمر أن يجري التعليم في المدرسة على ما يجري عليه في المدارس الأخرى في أضيق حدود التقاليد وقد أنبئ بأن مصدر هذه الإشاعة التي اضطربت لها المدينة إنما هو هذه الفتاة المعلمة، فهي التي ترى الشبح وتناجيه إذا كان المساء! وقد ثبت له ذلك. فأرصد للفتاة وطائفها ومعه نفر مسلحون حتى إذا كان المساء أقبلت الفتاة وأقبل الطائف فتحدثت إليه وتحدث إليها. وهما في حديثهما وإذا نار تطلق فيهوى الطائف إلى الأرض كما يهوى القتيل. ويظهر المفتش وأصحابه وهم لا يشكون في أن هذا الطائف ليس إلا شاباً أراد أن يغوي الفتاة فاتخذ صورة الطائف وشكل الخيال. ويحنو بعضهم على القتيل فلا برى جثة وينظر القوم فإذا الطائف يرتفع في الجو شيئاً فشيئاً حتى يسترد صورته الأولى ثم يقول: إلى غد يا إيزابيل! إلى غد في غرفتك إذا كانت الساعة السادسة!
فإذا كان الغد أقبلت الفتاة إلى غرفتها قرب الموعد المضروب وأقبل مراقب المكاييل والموازين فأخذ يتحدث إليها حديثاً فيه حب، فتريد أن تصرفه عن نفسها فيأبى ويعرض عليها الزواج، وهما في الحديث وإذا الطائف قد أقبل وطلب إليه أن ينصرف ويدعه مع الفتاة. ولكن الرجل يأبى ويلح في الإباء ويكون بينه وبين الطائف حوار عنيف دقيق أيهما يستأثر بالفتاة، والفتاة مترددة بين هذا الرجل الذي يمثل الحياة وهذا الطائف الذي يمثل الموت ولكن ميلها إلى الحياة ينتصر آخر الأمر فينصرف الطائف مهزوماً وتهوى الفتاة في غشية كأنها الموت. ويقبل المفتش والعمدة والصيدلي والتلميذات وبعض أهل المدينة وكلهم يريد أن يستنقذ الفتاة من هذا الإغماء. وكلهم يقترح لذلك دواء وطباًً ولكن الصيدلي يتقدم إليهم جميعاً في أن ينسوا الفتاة وينصرفوا إلى أنفسهم. ويستأنف كل منهم حياته في هذه الغرفة كما لو كان بعيداً عنها فهؤلاء يلعبون الورق وهؤلاء الفتيات بينهن حديثاً عادياً، وهاتان الفتاتان تتحدثان في الأزياء، وهذا المفتش ينطق من حين إلى حين بألفاظ تمس العلم والتعليم والديمقراطية وقد استحالت الغرفة صورة مصغرة للمدينة. وإذا الفتاة المغمى عليها تفيق شيئاً فشيئاً حتى تشترك في الحديث عن الأزياء ويأتي من يخبر بأن الأمور قد استقامت فخرجت قرعة النصيب للأغنياء دون الفقراء، ويعلن الصيدلي في ألفاظ تذكر
стр. 676
بقصة فوست أن قد انتهت هذه الحال التي كانت بين بين!
هذه صورة غليظة جداً لهذه القصة لا دقة فيها ولا تحديد ولا إلمام بشيء مما فيها من مواطن الشعر ومظاهر الجمال الفني الرائع. ولا إلمام فيها أيضاً بهذه المواقف الكثيرة التي يعرض فيها الكاتب للحياة اليومية على اختلاف فروعها بالنقد اللاذع المر، ولكنك تستطيع أن تسأل نفسك كما سألت نفسي وكما سأل غيري من القراء نفسه حين قرأ هذه القصة، ماذا أراد الكاتب أن يصور فيها؟ أتراه اكتفى بنقد ما نقد من ألوان الحياة الفرنسية ولم يرد غير ذلك! إلا فإن هذا النقد عارض في القصة يكفي أن تنظر فيه لتعلم إن الكاتب لم يتخذه غرضاً من أغراضه الأولى. أتراه رمز بهذا الطائف إلى شيءمما يعرض للناس في حياتهم وجعل الفتاة رمزاً للناس جميعاً أو لطائفة من الناس؟ ولكن ما عسى أن يكون هذا الشيء الذي أتخذ الطائف رمزاً له أهو الحب؟ أهو الموت؟ أهو الأمل؟ أهو المثل الأعلى؟ أهو شيء غير هذا كله؟ أتراه إنما أراد أن يصور حالاً من أحوال الناس تعرض لهم في طور من أطوار حياتهم حين يكونون بين النوم واليقظة، أو حين يكونون بين الصبا أو الشباب وبين الاكتهال واكتمال السن. أتراه أراد أن يصور لنا حياة فتاة مريضة بنوع من أنواع الأمراض العصبية تتأثر بالوهم وتتبعه حتى تمضي في أثره إلى أمد بعيد ثم لا ترد إلى الحياة الواقعة إلا في هدوء ورفق. وإلا بأن تحيط بها الحياة الواقعة إحاطة متصلة لا تكلف فيها ولا جهد. كل ذلك ممكن، ولعل شيئاً غير ذلك كله ممكن أيضاً ولعل الكاتب (وقد هممت أن أملي الشاعر) لم يرد كما قلت إلا أن يخلق حولك هذه البيئة الشعرية التي تطلقك من قيود الحياة الواقعة وتسلمك إلى الخيال يمضي بك حيث يشاء ساعة من نهار أو ساعة من ليل. وقد ذهب الشعراء إلى هذا النحو من الفن منذ عهدٍ غير قصير، فمنهم من جعل الشعر موسيقى تلذ السمع أولا، وتثير في النفس لذة النغم الموسيقي بعد ذلك وأعرض عن المعاني إعراضاً شديداً أو هيناً. ومنهم من أعرض عن هذه الموسيقى الظاهرة التي يتأثر بها السمع قبل كل شيءواتخذ الشعر مفتاحاً يفتح لك به أبواب اللانهاية كما يقول الشعراء ووسيلة يخلق لك بها هذه البيئة الفنية العليا التي ترتفع بها وقتاً ما عن الحياة والأحياء.
وأخذ الكتاب يذهبون بالنثر مذهب الشعراء بالشعر ولكن كاتبنا قد تجاوز مذهب الكتاب الذين يقلدون الشعر والشعراء في النثر الذي يتجه إلى القراء ليس غير، وسلك هذا المذهب
стр. 677
الشعري بالنثر التمثيلي وبالتمثيل نفسه. وأنت في غير حاجة إلى أن أبين لك الفرق بين النثر الذي يذهب في صاحبه مذهب الشعراء والموسيقيين والذي يتجه إلى الناس جميعا ولكنهم يقرءونه متفرقين ويتأثرون به متفرقين، وبين النثر الذي يذهب به صاحبه هذا المذهب ويتجه به إلى طبقات من الناس يجمعهم في مكان واحد، هو الملعب وينتزعهم من الحياة الواقعة معا ويسمو بهم معا إلى عالم الشعر والخيال ويتخذ لهذا سبيلا واحدا هو التمثيل. وأظنك توافقني على أن هذا النوع من الإقدام والابتكار جراءة فنية قيمة. ولكن قد رأينا الآثار التي تتركها قراءة هذه القصة في نفس القراء ولم نحب أن نرى الآثار التي تتركها تمثيل هذه القصة في نفس النظرة. ولكن أين نحن من هذا وأين هذا منا في مصر الآن؟
وأنا أريد أن اعرض عليك منظر من مناظر هذه القصة لم اختره اختياراً وإنما هو كغيره من المناظر التي تستحق كلها أن تترجم وأن تتخذ نموذجا ومثلا لهذه الفن التمثيلي الجديد. وهذا المنظر حوار بين إيزابيل وبين الطائف:
الطائف - أكنت تنتظرينني؟
إيزابيل - لا تعتذر! فلو كنت طائفا مثلك لوقفت عند هذا الشفق وعند هذه الأودية، حيث لم أستطع إلى الآن أن أحمل الا جسما كثيفاً. إذاً لاستوقفتني الغدران والنبات الملتف وكل ما أقف عنده الآن! إذاً لما كنت هنا الآن لو أني أستطيع مثلك أن أطوف بظلي كما لا أستطيع الا أن أمسه أو أراه! إذاً لاتخذت لنفسي جسما من الأشياء كما أهوى عصفوراً على الغصن مرة! أو طفلا مرة أخرى! أو انحرف مرة ثالثة فأتقمص عوداً مزهرا من النسرين. إنما الاحتواء هو القرب الصحيح. . . ولكني ألومك لأنك أقبلت هذا المساء وحدك، وحدك دائما. لم تستطع أن تمس أحداً من ذويك ولا أن تحمله على صحبتك!
الطائف: لم أستطع.
إيزابيل: لقد فكرنا أمس بعد كل هذا الإخفاق أن أقدر الأشياء على أن يهيجهم، ويؤثر فيهم، ويوقظ ما يمكن أن يكون أعصاب الطيف، قد يكون صيحة طويلة، وشكوى متصلة متشابهة، تتردد في طول واتصال. كهذه الصيحة الحقيقية أو التي نحلم بها والتي تصدر عن القطار فتوقظنا أحيانا مع الفجر وتردنا إلى الأحياء. أو كصيحة سفينة أثناء الليل في
стр. 678
الخلجان، تلك الصيحة التي تبلغ حتى الأسماك الرخوة في القاع. أبعثت هذه الصيحة؟ أأنفقت يقظتك في بعثها؟
الطائف: نعم!
إيزابيل: أنت بنفسك؟ أنت وحدك؟ ولم تلحق بصوتك شيئا فشيئا آلاف من أصوات تشبهه. .
الطائف: لقد اصطدمت بنوم الموتى.
إيزابيل: أينامون؟
الطائف: أيكون هذا نوما؟ لقد تسود اكثر الأحيان حيث يجتمعون رعشة، ثم ينساب فيهم نشاط جديد، حتى لقد ينبعث منه شيء يشبه الصوت أو انعكاس الضوء فإذا أقبل عليهم الطارقون المحدثون انغمسوا في اضطراب لذيذ تهدأ له بقية حياتهم يهزهم دائما ترجح الأرض الخفيفة. ولكن ربما اتصلت جماعتهم كلها، فكأنها قطعة من الثلج قد غمرها نوم الشتاء فإذا هبط إليها الموتى الوافدون غرقوا فيها مع شعاع يرافقهم، لأن نوم الأحياء شمس وبهجة.
إيزابيل: أكانوا كذلك أمس؟ أيفصل ذلك زمنا طويلا؟
الطائف: قرونا. . ثواني
إيزابيل: أليس من أمل في المعونة؟
الطائف: منهم، لا أظن.
إيزابيل: لا تقل هذا! إن بين الذين قضوا من حولي من أحسست أنهم قد ذهبوا إلى غير رجعة ومحيت أشخاصهم من كل حياة ومن كل موت. لقد أرسلتهم على العدم كما أرسل الحجر. ولكن بينهم من وجهتهم إلى الموت كأنما وجهتهم في مهمة، أو كأنما كلفتهم محاولة، يظهر الموت فيها وكأنه أقصى غايات الثقة. فكان يضطرب حول المقابر جو السفر والأماكن المجهولة. ولم اكن أميل إلى أن أودعهم باللفظ بل بالإشارة. وكنت أحس أثناء المساء كله كأنهم يبحثون عن إقليم جديد وعن بيئة جديدة. وكانت الشمس مشرقة، وكنت أراهم هناك ينامون في شمسهم الجديدة. وكان المطر يسقط وكانوا يتلقون القطرات الأولى من أمطار الجحيم. فلن تقنعني بأن هؤلاء أيضا ينسون أو يسقطون متى انتهوا إلى
стр. 679
مستقرهم؟
الطائف: لم يصلوا لم أرهم.
إيزابيل: ولكنك أنت نفسك تلقي السلاح؟ وتكتفي من الأمل والرغبة بأن تهيم طائفا فوق مدينة ضئيلة؟
الطائف: المهمة خطيرة.
إيزابيل: ومع ذلك فها أنت ذا.
الطائف: إن بين الموتى من ينام وكأنه يقظان.
إيزابيل: إن هذا النائم المستيقظ يستخفي مع الصبح وما زلت مقيما.
الطائف: لقد جذبتني. لقد أوقعتني في الشراك.
إيزابيل: أي شراك؟
الطائف: إن عندك لشركا يجذب إليه الموتى.
إيزابيل: وأنت أيضا تراني ساحرة.
الطائف: إن سحرك لطبيعي حتى لكأنك قد عرفت فيم يفكر الموتى فأنت لا تهيئين لهم ذكريات ولا صوراً وإنما تهيئين لهم الشعور بانعكاس الصور وأجزاء الضوء قد استقر على زاوية من الموقد، على أنف هر، أو على ورقة كأنها الحطام الضئيل يطفو على الطوفان. . . . . أترينني مصيبا؟
إيزابيل: وإذاً؟
الطائف: وإذاً فكل غرفتك في الظاهر غرفة للأحياء، لفتاة حية من أهل الأقاليم، ولكن من يحقق فيها النظر يرى أن كل شيء قد قدر لتكون هذه العلامة من الضوء على الأشياء المألوفة على إناء من الصيني أو مقبض من المقابض قد استبقى دائما بالشمس أو النار في النهار، وبالمصباح أو القمر في الليل. هذه هي حبالتك وقد كان حقا علي أن احتاط حين رأيتك في نافذتك ذات مساء. لم يكن وجهك المشرق هو الخطر. ولكني رأيت انعكاس اللهب على الحاجز أمام الموقد. ورأيت ضوء القمر على المنبه. ورأيت ماس الظلال. فأخذت!
إيزابيل: أخذك الشرك فمن أبقاك؟
стр. 680
الطائف: صوتك قبل كل شيء أحاديث صوتك هذه التي تجعل في الشفق كل مساء شيئاً تهيم به الظلال يشبه ما يرى الناس إن الطير تحبه من الشمس! وأبقاني بنوع خاص هذه الثقة الكريمة التي تمنعك حتى من أن تفكري في أني قد خدعتك وأني حي.
ثم تطلق النار فيهوى الطيف!
стр. 681
من الأدب الإنجليزي
للشاعر شلي
حجاج العالم
حدثيني أيتها النجمة ذات الأجنحة النورانية!
أيتها الروح التي تسبح في أفقها الوهاج
في أي كهوف الليل وأغواره أخفيت كيانك
وحدثني أنت أيها القمر. . يا كوكب الليل الأصفر الحزين
أيها الرحالة التائه في طريق لا معلم فيه ولا هاد
في أي أعماق الليل أو النهار تلتمس مأواك؟؟
وأنت أيتها الريح المتعبة الكليلة
التي تجوب الوجود مولولة كالطريد المنبوذ من العالم
أو ما زلت تبحثين عن عشك الشجري في عذبات الصفصاف والكافور؟؟
стр. 682
أغنية
هو طائر حزين جلس يبكي إلفا له قد مات.
// لقد استوى في ذروة غصن من أغصان الشتاء
وكانت الريح المقرورة تزحف فوقه.
والجدول المتجمد يدب تحته.
لم تكن ثمة ورقة خضراء تخفق في الغابة العارية الجرداء.
ولا زهرة ترف فوق الربوة الشاحبة الكئيبة
وكان الجو صامتاً زامتاً
إلا من أزيز الأرجاء البعيدة
стр. 683
إلى القمر
خبرني أيها القمر عن سر اصفرارك؟
أمن التعب الذي تلاقيه وأنت تتسلق السماء جاهدا محملقا إلى الأرض بين رفاق من النجوم تفاوتت أعمارها؟؟
خبرني لماذا لا يبدو عليك تغير ما، كأنك عين حزينة لا تجد في العالم ما يثير انتباهها؟؟
محمد عبد المعطي الهمشري
стр. 684
العلوم
التيفوس
للدكتور أحمد زكي
اليوم يوم من الأيام التي طواها القرن الثامن عشر بانطوائه. والبلد لندن حين لم يكن لها هذا الشأن الكبير، ولا لمرافقها الصحية هذا الخطر الكبير، ولا لأهلها هذه الثقافة وهذا اليسر المعروف. والدار دار المحكمة وهي التي تقع في سرة ذلك البلد العتيق.
ففي ضحوة ذلك اليوم أخذ الناس يتوافدون على تلك الدار زرافات ووحدانا. هذا مجرم فاجر وفي عينيه القسوة وفي مشيته التحدي، يقوده رجال من الشرطة على حذر وريبة. وهذا مجرم منكسر الحال وفي طرفه الذلة يقوده شرطي، وهؤلاء نفر من ذوي هذا المجرم أو ذاك في أثوابهم تهدل القِدَموعليها لون السنين، وفي أحذيتهم خروق السعي المتواصل، وعلى وجوههم شحوب الجوع وهم الرزق وقذارة الفقر، أو صفرة المرض أو سحنة الإسراف في فنون الدعارات الرخيصة. وهذا أحد المحلفين جاء يمشي في زهو المسيطر، وخيلاء الحاكم، وإلى جانبه صاحب له يرفع عقيرته يجادل صاحبه في شأن من شئون القضاء، يريد أن ينبه من حوله من الطغام أنه خبير بالقانون بالرغم من كونه محلف، عالم بسياسة الملك وتقسيط العدالة على الرغم من أنه أختير من صفوف السوقة وغوغاء الرعية. وهذه عربة فخمة برز منها رجل أنيق الملبس ناعم الحال في وجهه حمرة النعمة وفي جلده دهن الموائد، جاء للتفكه والتسلية لما أعوزه ما يشغل به وقته.
أما في داخل الدار فقد أخذت المقاعد تمتلئ، ثم ما بين المقاعد ثم الزوايا والأركان، وامتلأ ما بين المقاعد والسقف بأنفاس ثقيلة تكاد تسقط، وأبخرة كثيفة ندية تكاد تتقطر، ورائحة تألفت من روائح ذات أسباب عدة كلها مما لا يطيب إلا في أنوف الكلاب. ودخل المحلفون فأثار اهتمام الجمهور وعلم الناس حينئذ أن القاضي يكاد يدخل القاعة، ولم يلبثوا أن صاح بهم صائح قي صوته قوة وإمرة (وقوفاً) فوقف الناس ودخل صاحب الجلالة القضائية وعلى رأسه عارية من الشعر بيضاء، كأنما تطمئن الناس إلى عدل القضاء. وجاء الناس وأفتتحت المحكمة وجيء بالمذنب بعد المذنب وقام الاتهام فصال وجال وبالغ في وصف الجرم ما شاء له حرصه على المجتمع أن تعبث به يد الفساد، وتذهب بطمأنينته نزعات
стр. 685
من
الشر خالدة في نفوس البشر. وقام الدفاع فأنكر الجريمة فدفع الحجة بالحجة والغضبة بغضبة أشد منها وتقبضت كفاه، ولما لم يكن من حسن اللياقة دخول الأكف في النقاش أنهال على المنضدة حتى أوجع كفيه، ولكن ذلك كان ثمناً طيباً للأثر الطيب الذي كان لدفاعه عند الجمهور. وجاء دور المحلفين فقالوا كلمتهم، وجاء دور القاضي فنطق بالأحكام. وانقضى اليوم والجمهور بين راض وحانق. ومضى أسبوع فأسبوع فشاع في الناس أن رئيس المحلفين قد مات، فعلم الحانقون انهم كانوا مصيبين في حنقهم وإن الحكم كان خاطئاً، وقال الراضون إن هو إلا سهم طائح طائش عارض من سهام عزرائيل أصاب المرحوم اتفاقا. ومضى أسبوع وشاع بين الناس إن إثنين من المحلفين قد ماتوا، فزاد الحانقون حنقاً على الأحكام، وأخذ الراضون يرتابون من صحة الميزان، ولكن الحق وضح واليقين تجلى لما مات القاضي بعد ذلك بأسبوع. وهل مات أحد من الجمهور؟ بالطبع لم يبلغ الناس شيءمن ذلك، وما كان من الممكن أن يبلغهم.
وجاءت جلسة قضائية تعقبها جلسة أخرى. فزادت الجنائز وامتلأت المقابر وسر الدفانون. فبان ما لم يكن بائناً من قبل، ذلك أن جمهور النظارة أيضاً حصد منه الموت أكبر حصاده، وزالت الرابطة ما بين الأحكام وبين الأموات، وعلم الناس إنه وباء من تلك الأوبئة التي يبعثها الله على عباده من حين إلى حين لغرض لا يعلمه إلا سواه، وخافوا تلك المحاكم واستشأموا منها وأسموها السوداء.
وفي هذا الشهر الحالي من القرن الحالي في مدينة القاهرة في أشد عيادات العالم المتمدن ازدحاماً وقذارة وسوء حال، وقع حادث كما ذكرناه فأصيب بضعة من أطباء القصر العيني ومساعديهم بنفس ذلك المرض الذي ذكرناه، ولكن علم الإنسانية بأعداء الإنسان زاد كثيراً، وفقهه للأوبئة تقدم تقدماً كبيراً، فما كادت تعرض الأعراض، على المنكوبين المذكورين حتى عرف المرض الخبيث وأسرع إليهم بالعلاج، أو بالقدر الذي يستطيعه الإنسان من ذلك في المرحلة الحاضرة من تقدمه في فهم هذا المرض، والذي نتمناه ألا تنشر هذه الكلمة حتى يدخل الأطباء المصابون دور النقاهة، والذي نتمناه أن يمن الله على من لم نسمع بهم ممن لاشك قد أصيبوا من المرضى الخارجين بالقصر العيني، والذي نتمناه أن يكون هذا
стр. 686
درس نافع للجميع لا للقاهرة فحسب، بل في الريف كذلك.
أما التيفوس فمرض من أخبث الأمراض، ولاشك أنه قديم ولكن القدماء لم يتبينوه لاشتباه أعراضه بأعراض الحميات عامة، وهو قد يتوطن في الأقطار فتظهر منه إصابات قليلة، ولكنها ثابتة العدد لا تتغير إلا يسيراً، وقد يمتد في القطر فينتشر وباؤه فيحرث في الناس حرثاً، ففي الوافدة التي زارت أيرلندا عام ١٨٤٦ حصد التيفوس من عاصمتها وحدها نحواً من ستين ألفاً. ويساعد على إحياء التيفوس ونشره ازدحام الناس مع سوء الغذاء والقذارة، لذلك تراه يظهر في الحروب بين الجيوش، وآخر أمثلة ذلك الوافدة التي زارت بلاد الصرب في الحرب العظمى، وذلك إن النمسا هاجمت البلاد الصربية لأول مرة فهاجر السكان من غير المحاربين إلى الجنوب في ازدحام وفاقة وعري وسوء حال، فأستيقظ الوباء النائم وبلغ أشده في عام ١٩١٥، وعندئذٍ خافت النمسا على جيوشها وكانت تنوي مهاجمة الصرب المرة الثانية فأجلتها، وقام هذا المرض الوبيل نيابة عنها ففتك بالصرب أشد فتك فمات منهم بسببه في ستة أشهر مائة وخمسون ألف نفس.
والتيفوس تنتقل عدواه بواسطة القمل، وبالقمل وحده على قدر ما حقق الباحثون. ومن الغريب أن هذه الحقيقة لم تدخل دائرة اليقين إلا في عام ١٩٠٩ فأنهم حقنوا قرداً بمقدار من دم مريض بالتيفوس فانتقلت العدوى إلى القرد فربوا عليه قملا ونقلوا هذا القمل إلى قردة أخرى فأصابتها العدوى. وهذا يفسر لنا أن التيفوس يحصل إذا اجتمعت الزحمة والفقر وفي الحروب، ولقد صدق من أسماه (داء القذر) ويفسر لنا سرعة انتشاره من مريض لصحيح، ومن المريض للطبيب، ويفسر لنا أنه ينتشر في البلاد المعتدلة وفي الباردة على الأغلب في الشتاء أي في الحين الذي يرغب فيه الناس ولا سيما فقراؤهم عن الاستحمام وفي الحين الذي يزدحمون فيه في المساكن والقيعان رغبة في الدفء وهرباً من البرد.
أما سبب المرض فغير محقق تماماً إلى الآن. يظن بعضهم إنه فعل جراثيم دقت حتى عجزت عن رؤيتها أكبر المجاهر، وصغرت حتى عجزت مرشحات الجراثيم المعروفة عن حبسها، ولكن أكثر البحاث اليوم يرون أن هذه الجراثيم على صغرها يمكن ترشيحها، ودليلهم على ذلك أن دم المريض إذا رشح ثم حقن الراشح منه في جسم سليم لم تصبه
стр. 687
العدوى. وقد حاول كثيرون الحصول على هذه الجراثيم، ونجح كثيرون في الحصول على جراثيم، ولكن جراثيم الباحث لم تطابق في الصفات جراثيم الباحث الآخر، فدل ذلك على أنها عوارض، وبعضها لا يعطي المرض فهي ليست جراثيم المرض. ولعل أوثق ما أستكشف في هذا الصدد مما له علاقة بهذا المرض جسيمات صغيرة وجدها الباحث ريكيتس عام ١٩٠٩ في دم المرضى ببلاد المكسيك، وأمن على وجود أشباه لها فون فرو فازيك أثناء بحثه عام ١٩١٠ في بلاد الصرب، وجدها في باطن خلايا الدم البيضاء للمرضى، وسميت هذه الجسيمات بأسمي هذين الباحثين اللذين ذهبا ضحية المرض تشريفاً لهما وحفظاً لذكرهما. ومن بعدهما وجدت هذه الجسيمات في القناة الهضمية للقمل. والأبحاث في هذا السبيل لا تزال جارية تبعث بأشعة من نور ضئيل في ظلمات هذه العلة المبيدة.
وأعراض التيفوس تشابه من بعض الوجوه أعراض التيفود لذلك كانا يختلطان على الناس حتى جاء جرهارد عام ١٨٣٧ ففرق بينهما. وسمى المرض الثاني بالتيفود ومعناها شبيه التيفوس: والمدة التي تمضي على دخول الميكروب في الجسم وظهور أعراضه تسمى مدة الحضانة، وبئست هي من حضانة، تتراوح ما بين خمسة أيام إلى واحد وعشرين يوماً، وتظهر الأعراض على الأرجح بغتة وقد تظهر بالتدرج. فترتفع الحرارة ويصحب ارتفاعها قشعريرة يصحبها صداع شديد وقيء، ويكون الهذيان أول الأمر زائطاً، ويظهر في نحو اليوم الخامس على جلد المريض طفح، وفي الوجه ثقل وبلاهة. وفي الأسبوع الثاني يصبح الهذيان تمتمة، وإن شاء له الله الشفاء والسلامة نزلت حرارته في نحو اليوم الرابع عشر فجأة وصحبها عرق غزير.
ولا سبيل لاتقاء التيفوس إلا بتطهير السكان من القمل، والقمل من الحشرات التي يمكن استئصالها ولو أن كثيراً من المصريين في الأحياء الفقيرة وبؤساء الريف يظنون أن القمل كالبق لا سبيل لاستئصاله، وربما أتينا في كلمة أخرى على طرق ذلك.
стр. 688
الفضاء وقياسه وتطور رأي العلم فيه
عرف من زمن بعيد أن طول الشيء الواحد يتغير قليلا بتغير وضعه بالنسبة لاتجاه سير الأرض، فمثلا إذا أخذت قصبة ووضعتها في اتجاه سير الأرض حول الشمس كان لها طول معين. فإذا أدرتها بحيث تصبح عمودية على اتجاه سير الأرض وجدتها أطول قليلا مما كانت عليه في الوضع الأول. هذا يتعارض طبعا مع الاعتقاد السائد بأن طول الشيء ثابت لا يمكن أن يتغير لمجرد تغير وضعه. والواقع أن هذا التغيير ضئيل جداً لا يظهر إلا في الحسابات الدقيقة وهو أضأل من أن يؤثر أي تأثير محسوس في تجاربنا العادية.
ولم يخطر بالبال أن هذا التغير الضئيل ستنبني عليه نتائج غاية في الخطورة إلى أن تطور العلم عرف سبب هذا التغير. وهاك بيان السبب:
من الثابت الآن أن كل جسم مادي يتألف من دقائق متناهية في الصغر تسمى كهارب بعضها متحمل بشحنة كهربائية موجبة، ويسمى بروتون وبعضها شحنة سالبة، ويسمى ألكترون. فالقلم الذي بيدي هو مجموعة هائلة من تلك الدقائق الصغيرة المكهربة وكذلك كل جسم آخر.
ومن الثابت أيضاً أن أي جسم مشحون بشحنة كهربائية إذا تحرك بسرعة فأنه يصبح مغناطيساً له خواص الجذب. وعلى ذلك إذا تحرك أي جسم مادي بسرعة كبيرة فأن كل دقيقة من دقائقه المكهربة يصبح مغناطيساً، فينشأ بينها تجاذب ينتج عنه انكماش في ذلك الجسم. وقد حسم العلماء مقدار هذا الانكماش بناء على القوى المغناطيسية الناشئة فوجدوه مساوياً تماماً لما يحدث فعلا للأجسام بحركتها مع الأرض.
وعلى ذلك صار من الثابت أن الجسم المتحرك ينكمش قليلا ولهذا الانكماش علاقة بمقدار سرعة الجسم، فكلما زادت السرعة زاد الانكماش وهكذا.
ولكننا نعلم أن في الكون كواكب مثل كواكب السدم اللولبية تتحرك بسرعة هائلة بحيث يصبح لها تأثير محسوس في حجوم الأجسام التي عليها. ومنها ما تبلغ سرعته حداً ينتج عنه حتماً انكماش كل جسم عليها إلى نصف الحجم الذي يكون عليه لو كان عندنا هنا على الكرة الأرضية. بمعنى أن الحجر هنا الذي يكون حجمه متراً مكعباً لو أنتقل إلى هناك ووضع على ذلك الكوكب وأصبح متحركاً معه لصار حجمه نصف متر مكعب فقط.
فإذا فرض مثلا أن في تلك السدم كوكباً مثل الأرض تماماً وعليه أشخاص مثلنا وحياة
стр. 689
كحياتنا بالضبط لكان حجم الرجل هناك نصف حجم الواحد منا وكل شيءهناك ينقص حجمه بنفس النسبة.
ولكن ثمة سؤال غاية في الدقة والصعوبة وهو (أينا يا ترى الذي يتحرك بتلك السرعة الهائلة. نحن أم تلك السدم؟) إن كل ما نعرفه أن تلك السدم تبتعد عنا كذا ميلا في الثانية. ولكننا لا نعرف أين المتحرك وأين الثابت. من السهل على سطح الأرض أن يقول الرجل هذا الشيء متحرك وهذا ثابت لأنه يقارنهما بسطح الأرض، فراكب القطار يخيل إليه أن عمود التلغراف هو الذي يجري إلى الوراء ويخيل إليه أنه هو جالس لا يتحرك ولكنه يعرف أن الحقيقة عكس ذلك، إذ ينسب حركة الأجسام إلى الشيء الثابت وهو سطح الأرض.
أما الحركة في الفضاء فليس لها ضابط تنتسب إليه، اللهم إلا إذا اعتبرنا مجموعتنا الشمسية ثابتة وكل ما عداها متحركاً، واعتبرنا أنفسنا مركز الوجود، وهذا غرور نربأ بأنفسنا عنه لعلمنا بأن شمسنا ما هي إلا واحدة بين ملايين الملايين من أمثالها، وإن من الشموس ما هو أعظم منها بآلاف المرات.
لا يحق لنا إذن أن نعتبر أنفسنا ثابتين وإن تلك السدم تطير مبتعدة عنا، لأن لتلك نفس الحق في أن تعتبر نفسها ثابتة وإننا الذين نطير مبتعدين عنها. وعلى ذلك فالحجر الذي نقيسه على سطح الأرض فنجده متراً مكعباً والذي قلنا عنه واثقين أنه إذا أنتقل إلى تلك السدم صار حجمه نصف متر فقط لا يحدث له شيءمن هذا إلا في زعمنا وعلى اعتبار أننا ثابتون، أما في عرف من يكونون عائشين على تلك السدم فالأمر بالعكس، وفي زعمهم أن هذا الحجر إذا قيس على أرضنا فحجمه نصف متر فقط وإذا أنتقل عندهم أصبح حجمه متر كامل.
إذن فحجم الشيء ليس بالقدر الثابت، بل يختلف باختلاف الشخص المشاهد له، والجزء الواحد من الفضاء يختلف مقداره باختلاف الشخص المشاهد له، والجزء الواحد من الفضاء يختلف مقداره باختلاف الموضع الذي يشاهد منه، فلا معنى إذن لعبارة (متر مكعب من الفضاء) ويجب أن نحدد هذا المتر بأن نقول (بالنسبة لرجل يعيش على كوكب كذا).
عبد الغني علي حسين. مدرس بمدرسة المنصورة الثانوية
стр. 690
القصص
في الأدب الإيطالي الحديث
الرواية في بونتاسياف!
للكاتب الإيطالي لوسيو دامبرا
(١)
في ذلك المساء بعد تناول الطعام، كانوا يتحدثون في شرفة (الفيللا) عن الشهرة، وكان رئيس الأركستر (فينيزياني) يلقى بسمعه في الحديث، وعلى ثغره ابتسامة حائرة، يتراءى فيها التهكم واضحاً جلياً، وبعد صمت عميق، قال:
- الشهرة. . . أوه!. اسمعوا إذن هذه القصة. ليس بينكم من لا يعرف (سيريني) المؤلف الشاب، المؤلف المسرحي الشهير. وقد أذكر إني سافرت معه من روما إلى فلورنسا بالقطار، فأيقظنا عند الفجر، صوت عامل يصيح: (بونتاسياف. بونتاسياف) ناحية كسائر النواحي، بل هي محطة عادية، تبعد عن فلورنسا بضعة كيلومترات، وليس فيها ما يستوقف المسافرين أو يلفت أنظارهم، ولكن الأدباء يا سادة ليسوا كغيرهم من المسافرين.
- صرخ (سيريني) بونتاسياف! - ياله من أسم جميل!. . . إنه منتهى الرقة والعذوبة والطرافة! إنه ليبدو لي كل الروعة!
ولقد شعرت عند سماعه الشعور الذي أحسه، لو حدثوني عن حديقة (بوبولي) أو جسر (كرايا)!!
ووراء (بونتاسياف) هذه، لستُ ألمس مدينة فلورنسا بل فيورنزا التاريخية، التي أتخيلها بتلك الحديقة (الميديسية) وقد زخرت بنساء النهضة الفاتنات. وأكاد أسمع في أعماق نفسي تلك الأنغام الشجية التي كانت تعرف بها قصائد (بوليثيان) الرائقة.
(بونتاسياف)!! أشاعر أنت بالجمال السحري الذي يغمر هذا الاسم؟ سأؤمها، سأؤمها، لأني أحبها كما يجب أن تحب، دون أن أعلم لماذا.!!
والمصادفات التي تخدم صرعى الغرام، أبت ألا تحقق أمنية عاشق (بونتاسياف) فلم تمض أسابيع، حتى اضطرته إلى الوقوف في ساحتها الكبرى (الوحيدة) أثناء سفره بالسيارة من
стр. 691
فينيسيا إلى روما، لأن البنزين، كان قد نفد حتى آخر قطرة.
ذهب السائق يبحث عن القليل من هذا السائل الثمين، وأخذ (سيريني) يطوف هذه القرية، فأتم طوافها في وقت قصير.
وفي الواقع (وهذا ما يدلنا دلالة واضحة على أن أحلامنا بعيدة كل البعد عن الحقيقة!) لم تقع أبصار (سيريني) على ما يذكره بحديقة (ميدسيس) أو شعر (بوليثيان)!
وداعاً أيها الحلم المعسول! حلم (ميدسيس) وقد زخرت بحسان النهضة الفاتنات!. . . ليس في (بونتاسياف) كلها أثر للخضرة بله المروج.
وداعاً أيتها الأصداء الشجية، التي تردد أنغام قصائد (بوليثيان) الرائعة، ليس في (بونتاسياف) الغارقة في قيلولتها الصيفية غير نغمة واحدة: بكاء طفل، متواصل، ملح، مزعج يبعث على السأم والضجر، تنفجر قنابله من حانوت صغير في مؤخر قهوة القرية الحقيرة.
وهذه القهوة، دخلها (سيريني)، ليدخن بضع لفائف، ويكتب عدداً من البطاقات البريدية إلى أصدقائه، فلما أتم ذلك كان الملل قد أستبد به، واستولى ولم يرقه قط أن يبصر السائق يعود في هذه اللحظة ويداه فارغتان. إن العثور على لتر من إكسير الحياة لأسهل بكثير من إيجاد قطرة بنزين في هذه القرية المتواضعة. . .! والحاجة كالقانون، تملي إرادتها إملاء وتفرض مشيئتها فرضاً لابد من إيجاد قليل من البنزين، مهما كلف الأمر، فليعد السائق، وليبحث عن هذا السائل الثمين.
يضجر (سيريني!) فيترك سيارته تنعم في ظل بيت صغير، هو أجمل البيوت، ويخرج إلى الساحة الكبرى حيث الشمس تذهب كل ما فيها وتلهبه، ويعود بعد قليل إلى سيارته ففيها على الأقل يستطيع أن يأخذ نصيبه من الراحة، فليتمدد فيها، وليرغم نفسه على أن ترضى بما لاتريد، وليتغنى بقطعة شعرية للشاعر (بوليثيان) وليهدئ من حركاته لعل الرقاد يلبي نداءه.
وأنه لكذلك، وإذا مصراع نافذة فوق رأسه يفتح، وتطل عليه مخلوقة فاتنة. . . تقابلت نظراتهما، فأحدثت في كل منهما ما تحدثه عادة، نظرات الرجل في المرأة والمرأة في الرجل. . وأخذت العيون تبحث عن العيون من طرف خفي حتى إذا تقابلت ازورت، وإذا
стр. 692
ازورت تقابلت،. . وهكذا تم التعارف بينهما ولم يشاهد أحدهما الآخر قبل هذه الساعة.
وتخاطبت الأبصار بلغة سحرية، دون أن تتظاهر بأنها تتخاطب، وتفاهمت، دون أن تتظاهر بأنها تتفاهم واليكم ما قالته عيون المرأة للشاعر:
- أنت لطيف جداً! يا سيدي! أنت شاب أنيق جذاب من طبقة يندر أن ترى في ساحة (بونتاسياف) الكبرى. . . وبعد دقائق معدودات. يا سيدي الفتان. سيوافيك الشخص الذي تنتظره ولعله امرأة جميلة ترافقك في السفر. أو تفر معك!
وإذ ذاك. يزأر محرك السيارة. حيث يلتوي الطريق ستختفي إلى الأبد. أيها الحلم الجميل! ستختفي وأنت من تلك الطبقة التي لا تتسنى لنا مشاهدتها أكثر من دقائق قليلة خلال شقائنا الدائم ونحن بنات الريف التعسات اللواتي قضي عليهن أن يخلقن في الريف، وأن يتزوجن في الريف وأن يقضين الحياة في الريف خاضعات (لأمانة) يرتضينها على غير إرادة منهن
. . . أيها الشاب الجذاب، الذي سيختفي بعد بضع دقائق! إنه ليلذ لي كثيراً، من هذه النافذة أن أتصل بك! والاتصال بك خطيئة النساء اللواتي على شاكلتي. . .!!!
وقد انبرت لحاظ الشاعر تجيبها:
- (أنت جميلة أيتها المجهولة الفاتنة! أنت جميلة بعينيك البراقتين، وشعرك المسدول! أنت جميلة بهذه الجدائل المجعدة على الطريقة القديمة، وهذا الثوب الأسود الذي ترتدينه أملس مصقول إلى درجة تسمح برؤية النقط البارزة في جسمك البض.
وهذه الدانتيلا التي تماشي هذا الصقل وتحده، في غاية الأناقة والظرف!
وهنا، في هذه النافذة التي تخفي من جسمك الغض ما تخفي، وتظهر ما تظهر، تتراءين في وسط الهالة المظلمة التي تكتنفك، في جمال تمثال، من تماثيل ١٨٥٩، كأنك آلهة من آلهة العصور القديمة، بهذه الزينة التي لا يعرفها عصرنا، عصر الفساتين القصيرة، وعصر الفوكس - تروت!
لقد أضاع عصرتا ذلك الجمال البالغ!
وكم تروقين لي، أنا الشاعر المفتون، أيتها السيدة الحسناء! إنكِ لتملكين ما تجملين به (بوناسياف) أكثر من كل صورته لي مخيلتي!!
стр. 693
وإن لك وأنت تتظاهرين بعدم النظر إلي، بينا أنت لا تنظرين إلا إليّ إن لكِ وأنت تتصنعين التحديق في الأفق البعيد، بينا أفقك الواسع ينحصر في المساحة الصغيرة التي تشغلها سيارتي، إن لك ابتسامة حزينة تفتر عنها شفتاك الرقيقتان اللتان لم تشعرا بلذعة القبل الملتهبة ولم تتمتما بالجمل المغرية!
أيتها الريفية الحزينة التي زوجت منذ عشرة أعوام بمن لا تريد: بشيخ البلد! بالطيب! بكاتب العدل! - أيتها المرأة الشقية التي ترتضي أن تقضى في هذا المنزل قبل أن تعرف الحياة، والتي ترتضي أن تخنق في مهدها الأحلام المعسولة التي يسرح في عوالمها قلبها الخفاق، وتحلق في أجوائها مخيلتها الوثابة، بعد أن رضعت الخيال من القصص والروايات.
أيتها الريفية الحزينة، التي تستطيع أن تجد الحب في جميع الكتب، ولا تتصور أنها تستطيع أن تجده في غير المدن! أيتها الريفية الحزينة التي تتحسر على ألا تفهم من الحياة غير واجبات الزوجية، وعواطف الأمومة والتي تتحدد آمالها كل يوم، وفي مثل هذه الساعة. عند غروب الشمس!
أيتها الريفية الحزينة التي تبحث من فتحة هذه النافذة عن قليل من الهواء، وقليل من الفضاء، وعن قطعة من السماء، تبصر فيها النجم يشعل زهرته المتلألئة!
أي مدام (بوفاري) أي حرقة تعتلج في صدرك عندما تدركين أن الأسفار الجميلة التي تحلمين بها، لن تتحقق منها غير هذه الوقفة الكئيبة التي تقفينها كل يوم، عند هذه النافذة! أي مدام (بوفاري) (بونتاسياف)! ما أروع حب الاستطلاع الذي تنم عنه عيناك! عيناك اللتان تنظران إلي، دون أن تتظاهرا بالنظر إلي! عيناك اللتان تتكلفان البحث في البعد عما لا أدري وهما لا تبحثان في الحقيقة إلا عني، أنا الجالس في هذه السيارة التي جاءت من حيث لا تدرين، والتي تتأهب لان تذهب
إلى حيث لا تدرين! أه! لو كان يستطيع رجل مثلي أن يقف هنا، أو لو كنت تستطيعين أن تنزلي إليه وتركبي إلى جانبه في هذه السيارة وأن تختفي معه هنالك حيث يلتوي الطريق عند تلك النقطة التي تمثل حد العالم الذي أذن لك أن تعرفيه حتى اليوم!
آه لو كنت تستطيعين أن تذهبي معه. وألا تعودي بعد اليوم. . . . . .!
стр. 694
(٢)
هكذا تناجت منهما العيون، وقد طالت بينهما المناجاة لأن البنزين كان ما يبرح صعباً إيجاده، حتى في ضواحي (بونتاسياف)، وسيريني الذي بلغ من الشهرة حداً قصياً، واعتاد أن يعرفه الناس في كل مكان، طفق يحدث نفسه يقول: لا شك إنها عرفتني، لأن رسمي كثيراً ما ينشر في الصحف والمجلات، وهذه نظراتها التي لا ترفعها عني تدل بوضوح على إنها تعرف من أنا!. . وهي مهما كانت (بوفارية) لا يمكن أن تنظر بهذا الشكل إلى رجل عادي، يمر في طريقه بنافذتها!
ولا بد أن تكون قرأت لي، وقرأت لي كثيراً لأن ساعات الفراغ في الريف أطول منها في المدن، وإذن فللنساء وقت كاف فوق الكفاية، لأن يلتهمن الكتب مكاتب، مكاتب!! وما دامت فلورانسا على قيد خطوتين من (بونتاسياف) فمما لا ريب فيه إنها ذهبت إلى مسارح التمثيل وأبصرت بعض رواياتي تمثل فيها، وربما رأتني عندما يستدعيني المتفرجون إلى المسرح لأحييه ويحيني بين عاصفة من التصفيق والهتاف!. وفي هذه اللحظة ظهرت في النافذة امرأة مسنة، أحاطت بوجهها هالة من الشعر الأبيض. فنظر إليها (مارك سيريني) وأستأنف حديثه مع نفسه: من المؤكد إن هذه المرأة أمها فهي تشبهها كل الشبه، وهذه أبنتها تسر في أذنها وأني واثق إنها تقول لها: (أترين هذا الرجل هو مارك سيريني) الكاتب المسرحي الشهير!!. . أجل، لاشك إنها قالت لها ذلك أو شيئاً يماثله، لأن الأم أيضاً أخذت تنظر إلي ولا ترفع بصرها عني!! انظرا إلي!. . انظرا إلي!. . أيتها السيدتان العزيزتان ترى هل أروق في أنظاركما؟
انظرا إلي ولا تغضا الطرف عني حياء (وخجلا) فقد فرض على أصحاب الشهرة أن يمتع الناس أنظارهم بهم!!
اختفت الأم، ولكنها لم تلبث أن عادت، وفي يدها مجلة عرف من جلدها الأزرق إنها مجلة (ألالليستراسيون) وفتحت الأم المجلة على حافة النافذة وأشارت بيدها إلى صفحة فيها، تلفت أنظار أبنتها إليها، ثم عادت إلى التحديق في الشاعر: (لاشك إنهما تقابلان بين رسمي المنشور في المجلة وبين وجهي. . . أجل أيتها السيدتان أنا هو (مارك سيريني) لحماً ودماً. . أنا هو (مارك سيريني) الذي لم يك ليخطر له أن من الممكن أن تضطره
стр. 695
المصادفات للوقوف في (بونتاسياف). . . أنا هو (مارك سيريني) الذي سيرحل بعد قليل، ولكن بعد أن يكون قد ترك قلبه في هذه النافذة، لأنه شاعر، والشاعر مجنون، وهو هو هذا الجنون الذي أطبق عليه، وجعله مفتوناً بك أيتها المجهولة المغرية، إلى حد الوله!!.
وله؟. . . وأكثر من ذلك أيضاً!
هكذا في طرفة عين؟. . هكذا في طرفة عين!
ولقد استحال عدم اصطباره إلى شيء آخر، حتى إنه لم يستطع أن يخفي استياءه، عندما أبصر السائق يعود بعد أفول الشمس، وفي يده وعاء فيه قليل من البنزين، حصل عليه بأعجوبة من سائق أستوقفه على قارعة الطريق.
وأخذ (سيريني) يحدث نفسه: (لماذا وجدت البنزين أيها الأبله!. ألم تحدثك نفسك أن سيدك أمسى لا يرغب في الابتعاد عن هذا المكان؟ وإنه هنا وتحت هذه النافذة يمتع نفسه بالنظر إلى عيون حسناء مغرية؟ لقد كان خيراً له أن تعود فارغ اليدين ما دام قلبه قد امتلأ!!).
ولكن السائق الذي لم يك نبيا ولا يمت إلى نبي بصلة النبوة ولا صاحب كرامة تسمح له أن يشعر من مسافة ثلاثة كيلومترات أن سيده صار فجأة لا يرغب في البنزين لم يفهم التأنيب الخفي الذي يسدده إليه سيده لأنه بذل أكثر مما في وسعه حتى حصل على الوسيلة التي ستمكنه ان يرقد براحة وهدوء في سريره الوثير بروما!
علام هذا الصمت. . .؟ ما باله لا يتكلم والشمس توارت، والليل جن؟
أشعل الضوء في غرفة المجهولة الحسناء، فلم يعد في الإمكان تمييز وجهها الجذاب وعينيها الدعجاوين وغدا شبحها يتراءى أغبر قاتما وهذا الشبح لم يك أقل جمالا من وجهها وعينيها فهذا رأسها قد اتكأ على ساعديها بهيئة جميلة.
تهيأ كل شيء وأشعلت الفنارات!. . . فوا أسفاه على الزمن الماضي زمن الفنارات التي تضاء بالاسبتلين! ذلك الزمن الذي كان يضيع الإنسان فيه وقتاً طويلا ليجد ما يلزمه من ماء وكارببر! فلا يحصل على ما يريد إلا بعد الغضب والصخب. . ولكن المرء إذا كان عاشقا ولا سيما إذا كان يرغب عن السفر فان الفنارات القديمة تستطيع أن تؤدي له خدمات عظيمة.
وداعا أيها الحلم المعسول!
стр. 696
أخذت السيارة تجأر وأخذت تعدو وأخذت تبتعد وما زالت تجأر وتعدو وتبتعد حتى اختفت عند النقطة التي يلتوي فيها الطريق.
ترى هل يعود إلى (بونتاسياف)؟
فابتسم (سيريني). . . لن يعدم سبباً للعودة. . .
(٣)
لم يعد في الحال، ولكنه عاد!!!
كان للشاعر في أحد أدراج مكتبه بروما رواية لم يتم منها إلا بضعة مشاهد. وهو مؤلف نشيط خصب الإنتاج سريع العمل إلى حد يفوق التصور. ولا شك ان هذه الصفات تبلغ حدها الأسمى إذا كان الحب يلهب منه الدماء ويسعر في قلبه الضرام. . .
وكان إذا اخذوا عليه حبه، لا يتردد في الإجابة: (يخفف المغرمون عن أنفسهم بالتنهد، أما أنا فبالكتابة!. . أحصوا أحصوا رواياتي تجدوا كل رواية بامرأة. . .)
ولما لم يكن للرواية الأخيرة امرأة. فإن تقدمها كان بطيئا جداً. . . أما الآن وقد غدا وجه تلك الريفية الحسناء لا يفارق مخيلته فإن الشاعر اكتشف الينبوع الذي يستمد منه وحيه وإلهامه، وفي وقت أقل من القليل، أتم الرواية، ونقلها وقرأها لأصدقائه المخلصين. وراحت الصحف، تعلن عنها بحروف بارزة، أنها اعظم حادث مسرحي، لذلك الموسم.
وما كاد يذاع هذا النبأ الخطير، حتى هرع إلى (سيريني) عدد كبير من رؤساء فرق التمثيل، وعرضوا عليه مسارح روما، وميلانو وتوران ونابل لتقوم أشهر الفرق بتمثيلها للمرة الأولى. وكان بين المتسابقين ممثل فرنسي شهير، حاول ان يحتكر تمثيل هذه الرواية الرائعة لفرقته، ولم يطلب لذلك أكثر من المدة التي تكفي للترجمة، وقد بذل جهوداً عظيمة لينيل باريس شرف تمثيلها لأول مرة، ولكنه لم يفلح.
وتقدم رؤساء آخرون يعرضون مسارح برلين وفينا ولندن لأن (سيريني) كانت له شهرة اوربية لا تقف عند حد، وقد سرت عدوى هذه الحميا إلى إحدى صاحبات العروش، فأسرعت إلى عرض مسرح البلاط الملكي!
أما الشاعر فقد كان يلازم الصمت، ولا يجيب بحرف، وكل ما فعله أنه أوعز إلى سكرتيره الخاص بتسجيل أسماء المدن التي تعرض عليه. وتجمع عليه أصدقاؤه وألحفوا عليه في
стр. 697
السؤال:
- أي المدن اخترت؟. . روما؟ ميلانو؟ فلورنسا؟ توران؟ نابلي؟
كان (سيريني) لا ينبس ببنت شفة، وإنما كان يجيبهم بهزة رأس تدل على النفي كل الدلالة!
- إذن. هل اخترت مدينة أجنبية؟ باريس؟ برلين؟ فينا؟ لندن.
ولكن الشاعر لبث صامتا، رأسه وحده كان يتكلم!
- فانفجر أحد أصدقائه وقال: إذن. . إذن أين؟؟
- هل اخترت مسرح (الماريونيت)؟. . مسرح (الفينيول)؟
أخذ (سيريني) يبتسم بوداعة وسكينة. . وأخيراً أجاب:
- ستمثل روايتي لأول مرة في (بونتاسياف)!!
في (بونتاسياف)؟؟
دهش الجميع، وطفقوا يحتجون في غير هدوء ولا سكون، أما (سيريني) فانه لبث يبتسم ابتسامته الغامضة ويعيد في غير ملل:
- قلت لكم في (بونتاسياف)!!!. . . كفى!!!
ولم يستطع أحد بعد ذلك أن يستدرجه إلى قول جملة غير هذا، فتسارع أصحاب المسارح ورؤساء الفرق والممثلون وسفراء الملكات إلى داره ليروا: أمازح هو أم جاد؟ أم اعتراه جنون مزاح؟. . . كلا!. . إن (سيريني) وهو جالس إلى منضدته يعيد بدون ملل: (ستمثل روايتي لأول مرة في بونتاسياف)! وقد زاد على ما تقدم: (هاهي مستريحة في هذا الدرج، على غاية ما ترون من الصحة، ولم يصف لها أي طبيب تبديل الهواء اللهم إلا إذا كان هواء بونتاسياف).
فأخذ بعضهم ينظر في وجوه بعض والدهشة ترفع من عيونهم الحواجب، وتقطب الجبهات، وشرعوا يتساءلون عن سبب هذا العناد، فاختلفت آراؤهم وتضاربت، ولكن أحداً منهم لم يستطع إدراك الحقيقة.
وقد أسرع رؤساء شركات التمثيل بالرجوع إلى القطار لأنه لم يك بينهم من يفكر في (بونتاسياف) عادوا مخفقين وأكثرهم كان قد تعاقد سلفاً على تمثيلها في أشهر المدن وأكبر
стр. 698
العواصم! ولكن تمثيل رواية جديدة، للمؤلف المسرحي الشهير (مارك سيريني) عملية رابحة، تدر الذهب الكثير فهل يتركها الجميع؟ كلا لقد قبل أحدهم (وكان أمريكياً) أن يمثلها لأول مرة في (بونتاسياف) لأنه بحساب أمريكي، رأى أن هذه العملية ستدر عليه أرباحاً أمريكية أيضاً. . وهكذا تعاقد مع المؤلف ووقع الاتفاق، ولما كانت شركات التمثيل المنظمة لا تستطيع أن تذهب بممثليها إلى (بونتاسياف) حيث لا عمل لهم، فقد وعد أن يهيئ في ثمانية أيام، فرقة خاصة لتقوم بتمثيلها ثلاث ليال متواليات. . . وبعد ستة شهور يمنح امتياز الرواية للفرق العادية لتمثلها في كبريات المدن وأمهات العواصم.
حلب. إيزاك شموش
стр. 699
الكتب
آراء بعض المستشرقين في الشاهنامة
الشاهنامة هي الملحمة الفارسية التي نظمها الفردوسي في تاريخ ملوك الفرس من بداية تاريخهم إلى عهد بني ساسان زمن الفتح الإسلامي، فبلغت ٦٠ ألف بيت نقلها إلى العربية نثراً الفتح بن علي البنداري من أدباء القرن السابع الهجري وظلت هذه الترجمة سراً في ضمير الزمان حتى كشفها الدكتور عبد الوهاب عزام فقارنها بالأصل الفارسي وأكمل ترجمتها في مواضع، ثم صححها وعلق عليها وقدم لها مقدمة جامعة في مائة صفحة من القطع الكبير فدل بذلك على سعة اطلاع وفضيلة صبر لا يؤتاها إلا القليلون من أبطال العلم وجنود المعرفة. وإليك نبذاً مما أرسله إليه المستشرقون تقديراً لجهده وتنويهاً بفضله.
وقال الأستاذ نيكلسون أستاذ الأدب الفارسي بجامعة كمبردج ما ترجمته:
(أهنئكم على الطريقة الجديرة بالإعجاب التي أخرجتم بها هذا الكتاب الكبير الذي لابد له من بحث طويل وجهد كبير. وإذا اعتبرناه ضخامة الكتاب تبين الجهد الخارق للعادة الذي بذلتموه لإخراجه في هذا الزمن القصير)
وقال الأستاذ جيب أستاذ الأدب العربي بجامعة لندن ما يأتي بنصه العربي:
(هذا وقد اغتنمت أول فرصة لأتصفح هذا الكتاب الضخم وأستفيد بمجهوداتكم العظيمة في نشره والتعليق على متنه ولابد من الاعتراف بتعجبي من أتساع هذا العمل الذي قد تكفلتم به وبإتمامه وبإعجابي بحسن نجاحكم في ذلك ولاسيما بالمدخل الممتع الذي قدمتموه لمتنه).
وقال الدكتور ريتر وكيل جمعية العلوم الألمانية بإستانبول ما يأتي بنصه العربي:
(وقد وصل خطابكم في الشاهنامة فإنه لا يفارقني من أسابيع وهو والله كتاب تعجبت منه وأعجبت به. انتقدته فوجدته ذهباً إبريزاً. وأنا والله شديد في الانتقاد. قد أخذت من طريقة العلم الأورباوي صحيحها واجتنبت سقيمها وصرت لنا أخاً في العلم بل أستاذاً فيه. ولو ذكرت فضائل كتابك بالتفصيل لصار هذا المكتوب كتاباً آخر طويلا. ومما سرني خاصة معالجتكم المسائل المتعلقة بتحقيق المتن والحكم في الأصول المختلفة والتفريق بين أنواع التعاليق. فإن ذلك شيء يهمله كثير من المستشرقين. ثم البحث في مسألة التراجم القديمة للخداينامة وغير ذلك مما يدل على دقة نظركم والاعتناء في البحث وترك إدعاء شيء
стр. 700
بدون دليل واضح وبرهان مقنع ثم طريقتكم في توضيح الكتاب بعضه ببعض، والاعتناء بذكر الكتب المقتبس منها، وترتيب الفهارس المفيدة. كل ذلك مما يسر عين الناظر في كتابكم.)
стр. 701
جولة في ربوع أفريقيا
رد على مقال
أشكر للأخ الفاضل الدكتور محمد عوض حسن تقديره وجميل عطفه وتشجيعه وآسف جد الأسف لأني لم أوفق لكتابة جولتي بحيث تصادف هوى في نفسه فهو (كما خيل إلي) كان يريدها قصة تنقل عن يومياتي دون أن تغفل حتى أجور السفر وأماكن المبيت ومواقيت الارتحال والإقامة في كل بلد حللته وما إلى ذلك من التفاصيل التي لا شأن لها في نظري ولو فعلت ذلك لأخرجت دليلاً هو إلى كتب السياحة (أمثال بدكر) أقرب ولأغفلت غرضاً أنا شديد التمسك به في جولاتي كلها، وهو أن أثير الناحية العلمية والجغرافية كلما أتاحت لي مناسبات الرحلة ذلك.
ويأخذ الأستاذ علي أني تكلمت عن أماكن لم أطرقها وقصصت عن شعوب لم ألقها وضرب لنا مثلا، بلاد الكنغو وروديسيا وشعوب الشلوك. وأنا لم أكتب عن تلك البلاد إلا بمناسبة ما شاهدته من غلاتها التي كانت توسق في ميناء بيرا البرتغالية طيلة إقامتي بها وهي المنفذ الرئيسي لمنتجات بلاد روديسيا والكنغو. أما عن شعوب الشلوك فأني لاقيتهم مراراً وحققت بعض ما أعلمه عن سيرتهم وبخاصة في الملاكل من أعالي النيل الأبيض.
ويرى الأستاذ أن بعض النقص الذي نسبه إلى الكتاب راجع إلى إغفالي كتابة مذكرات يومية. مع أن هذا ما أفعله دائماً ولم أتهاون فيه ليلة واحدة في جميع جولاتي الإفريقية والآسيوية والأوربية غير أني لا أنشر من تلك المشاهدات إلا ما أراه ضرورياً وما تسمح به ظروف النشر.
ولو أراد الدكتور بصفة خاصة أن يطلع على يومياتي لوجدها طوع أمره. أما عن الهفوات التي أشار الأستاذ اليها فها أنا أبين ما عن لي فيها:
يقول الدكتور إن كلمة شيبا الإنجليزية هي سبأ العربية. وأظن إن هذا عين ما قلته فذكرته كلمة (شيبا) بين قوسين بعد ذكر كلمة سبأ العربية.
وهو ينبهني إلى أن نهر النيل (لم يصبح أعظم أنهار الدنيا وهناك ما هو أطول منه وأوفر ماء) وأنا لم أتعرض لطول النهر ومائه. ولا أزال على رأيي في أن النيل أعظم أنهار الدنيا على الأقل من وجهة نظري كمصري وحق لنا جميعاً تمجيده والإشادة بذكره
стр. 702
وعظمته. ومتى كانت عظمة الأنهار يا صديقي مقصورة على أطوالها ومقادير مائها؟
ويقول الأستاذ إن غابات أثوري في غرب جبال رونزوري فلا أستطيع أن أراها من فورت بورتال وأنا لم أقل في كتابي إني رأيتها. هذا فضلا عن إن أهل البلاد كانوا يشيرون اليها من فورت بورتال، وهم يطلقون عليها هذا الاسم على رغم ما أعلمه أنا وأنت من أن أكثفها حقاً ما كان على الجانب الغربي.
كذلكلم أقل قط يا سيدي الدكتور بأن للغوريلا ذنباً وذلك أمر يعرفه حتى صغار الطلبة، ولكني ذكرتها في مقام التشبيه إذ قلت إن الواحد من الزنوج يبدو كأنه الغوريلا أو القرد الكبير. فالذؤابة التي تتدلى من أعجاز القوم تشبه ذنب القرد ومظهرهم العام يحاكي الغوريلا.
أما قطن الجزيرة فغلة شتوية وقد كنت هناك في أواخر سبتمبر ولم يكن القوم قد بدءوا زراعته بعد. وهو يجنى في أوائل الربيع كما قلت غير أن تحديد الشهور بالضبط أمر غير ميسور، فنحن هنا في مصر مثلاً لا نبدأ زراعة القطن في شهر واحد في كل البلاد ولا في كل السنين فقد يتراوح البدء بين شهر وشهرين.
وقبل أن أختتم كلمتي أكرر للأخ الفاضل عظيم شكري وكبير إجلالي واحترامي.
محمد ثابت
حول قصة مصرية
قرأت في العدد السابع من مجلة الرسالة الغراء قصة مصرية بعنوان (حكمت المحكمة) لكاتبها (السيد أبو النجا).
وهذه القصة مصرية حقاً لأنها تصف ناحية من الحياة الاجتماعية المصرية في الريف. ولكنها من الوجهة الفنية قد شابها عيب جوهري أفقدها روعتها وأضعف عنصر الحياة فيها فالقصة كما كتبها صاحبها لم تحرج عن إنها قشور للقصة الحقيقية التي كان يجب أن تظهر على سواها وتكشف عن العوامل التي أدت إلى هذه المأساة.
أما خطة القصة الحقيقية التي كان يجب أن تكون فتتلخص في ما يأتي: -
١ - كيف اتصل إبراهيم أفندي بابنة الأعرابي؟
стр. 703
٢ - كيف كانت العلاقة بينهما؟
٣ - كيف ظهرت هذه العلاقة وعرفها والد الفتاة. هذه هي العناصر التي كان يجب أن تظهر في القصة. ومع شيءمن التحليل يبين أثر العواطف والمشاعر، ويكشف عن المحاولات التي بذلها إبراهيم أفندي في الوصول إلى غايته.
وقد كان من الطبيعي وقد خلت القصة من هذا العنصر الأساسي أن يلجأ واضعها إلى (الحوادث) فيسردها سرداً كأنها خبر من أخبار الصحف اليومية.
стр. 704
العدد ٩ - بتاريخ: ١٥ - ٠٥ - ١٩٣٣
стр. 705
شروح وحواشي
في المرأة أيضا
كتبنا في العدد السابع كلمة عن العيد جاء فيها أن غياب المرأة عن المجتمع الإنساني جر عليه فيما جر الجفاء والجفاف والسآمة والفوضى. فوقع هذا القول من الجنسين البارز والمستتر موقع التسليم والرضا. ولكن قليلا من صالحي الإخوان لا يزالون يرون إقصاء المرأة عن الحياة العامة أمراً من أوامر الدين، وقاعدة من قواعد الخلق، فكتبوا إلينا وإلى بعض الصحف يفندون هذا الرأي بحجج انتزعوها من أحاديث الظنون، وهواجس الخوف، ومواضعات العرف.
أما صلة الحجاب بالدين فقد فرغ من توهينها العلماء من أمد طويل. وشديد على العقل أن يسلم بأن البدويات والقرويات ومعظم الحضريات (ومجموعهن يربى على تسعين في كل مائة من جميع المسلمات) قد تعدين بسفورهن حدود الله منذ ظهر الاسلام، ولم يأخذ على أيديهن إمام ولا حاكم حتى اليوم.
وأما الاعتقاد بأن احتجاب المرأة هو الضمان الوحيد لحصانتها وعفتها فذلك إفلاس للتربية، وسوء ظن بالدين، وإلقاء بالنفس إلى الرذيلة!
فلو أن الفتاة وهي صغيرة فتحت عينها على القدوة الحسنة، وأذنها لصوت الواجب، وقلبها لنور الله لوجدت من روحها القوى وضميرها النقي وزرا من الفتنة وعصمة من الغواية.
فالتربية الصحيحة إذن هي الضمان الذي لا يضر معه سفور، ولا ينفع بدونه حجاب، وهي وحدها السبيل المأمونة إلى الغاية التي قصدناها من تلك الكلمة، ولا زلنا نعتقد اعتقادا لا ظل عليه للريب أن غاية الكمال الاجتماعي أن يكون الرجل في كفة والمرأة في كفة من ميزان المجتمع، وتلك هي السنة التي فطرنا عليها الله، والنظام الذي فرضته علينا الطبيعة، والواجب الذي يتطلبه العدل، أما المجتمع الأعرج الأشل البليد الخشن، فغير جدير بالسباق ولا باللحاق في هذا العصر الطموح الطائر، ومجتمعنا بغير المرأة هو ذلك المجتمع: فهو اعرج لأنه يمشي على رجل واحدة، أشل لأنه يعمل بيد واحدة، بليد لأن حدة العواطف تنقصه. خشن لأن لطافة الأنوثة تعوزه.
لاحظ مجلسا من مجالسنا احتشدت فيه الرجال شبابا وشيبا فماذا تجد؟ تجد الحركات
следующие страницы →