Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
بدلا من التسلق بالممصات كبعض الأنواع الأخرى.
أما المرجان فيسهل حفظه حيا في المرابي، وهو يتكون عادة من مستعمرات من عدد كبير من البوليبات متفاوتة الحجم، وأفضلها ما كانت بوليباته كبيرة كما في الشكل، ففي نوع من الفافيا مثل يبلغ قطر البوليب خمسة عشر ملليمترا، وفي يبلغ ثلاثين ملليمترا، ولكليهما عدة زوائد طويلة تقوم بالحس والغذاء.
وأضخم بوليبات المرجان هو مرجان عيش الغراب , وهو ما يسميه الأهالي هنا بالطبق، وكلا الاسمين يدل تماما على شكله، ويتكون من قرص كبير له زوائد قصيرة. أما النوع المعروف باسم الذي يشبه زهرة البحر في طول زوائده فلا يوجد هنا تلك الأنواع تظهر طرائق تغذية المرجان بجلاء. والمعروف أن المرجان حيوان لحم ولكن ذلك العلم ليس كالعيان. وقليل من العلماء من مكنتهم الظروف من ملاحظة تغذية المرجان. أنها تقتنص الفريسة بالخلايا اللاسعة، وتحملها القرون والتيارات الهدبية إلى الفم. وفي مرجان عيش الغراب تحمل الأهداب وحدها الفريسة المشلولة (من أثر الخلايا اللاسعة) وفيه أيضا نشاهد ظاهرة هامة، وهي ارتكاس الحركات الهدبية وقد كانت تغذية المرجان مجالا لكثير من الشك حتى درسها ينج في الحاجز المرجاني العظيم باستراليا.
ويطل حيوان المرجان من هيكله الجيري في ظلمة الليل، ويختبئ فيه نهارا، حتى نور الصباح الكهربائي يبدو كأنه الجماد. ومن بين المرجان جنس يدعى تربناريا تطل بوليباته نهارا فتبدو صفراء فاقعة خارج الهيكل الأصفر الداكن. أما أجمل أجناس المرجان، فهو الدندورفيليا ففيه يبلغ قطر البوليب سنتيمترا، ويرتفع كالزهرة ذات الألوان المختلفة كالأصفر أو البرتقالي أو الأحمر , أو القرمزي الأسود في , ويظهر أن هذه الألوان تتفق مع انعدام الطحالب أن تعيش تحت هذا الحجاب من اللون الذي يحول دون أشعة الشمس إليها، فإن لون , يشبه لون الورق البرتقالي الذي كان يستعمل قديما في لف ألواح التصوير (الفوتوغرافيا) ليقيها الضوء، وبينما يوجد هذا النوع في أماكن ظليلة ينمو , كبقية المرجان في الأماكن المعرضة لضوء الشمس.
وعندنا من زهور البحر الشيء الكثير، وليس منها ما يعدل في بهائه زهرة البحر الريشية التي نراها كثيرا في مرابي أوربا. ولكن الزهرة التي يسميها روبل من أكبر
стр. 6407
أنواع الزهور في العالم - التي تعيش لعدة أشهر في المربى، وتعايشها دائما (كبقية الزهور الكبيرة في المنطقة الحارة) سمكة أنيقة فأينما وجدنا الزهرة على مقربة منها والعكس بالعكس. فإذا أوجست خيفة من شيء هرعت إلى الزهرة وتحصنت بين قرونها من أعدائها. ولا نعرف لماذا لا تلسع الزهرة هذه السمكة فتقتلها كما تفعل مع غيرها ومع أكبر منها. ويمكننا أن نشاهد تبادل المنفعة بين الحيوانين إذا وضعنا معهما سردينة صغيرة. فإننا نشهد مأساة من ماسي الطبيعة التي يتألم لها الإنسان، إذ تهيج السمكة المعايشة وتطارد السردينة هنا وهناك حتى تلامس قرون زهرة البحر وتلتصق بها، ثم لا تلبث أن تنفر منها، ولكن سرعان ما يصيبها الشلل ويعتريها اللهاث فتنقض عليها السمكة وتجرها من ذنبها إلى الزهرة، فتجاهد جهادا عنيفا قد تفلت بعده، وهكذا تتكرر المأساة حتى تخر صريعة فتنطوي عليها قرون الزهرة وتزج بها إلى فيها فتخفيها، ثم تلفظ عظامها بعد بضع ساعات. وهنا أيضا تساعدها السمكة على التقاط الفضلات وإزالتها.
هنا على الأقل مثلان آخران للمعايشة بين زهور البحر والأسماك، ولكننا لم نراقبهما في المرابي. وفي هاتين الحالتين تكون زهرة البحر كبيرة والسمكة صغيرة جدا.
يحمل بعض البشابش على المحارة التي يسكنها عددا من الزهور البحرية تبلغ الخمس أو الست، وتكون عادة من نوع عادي لم يتحور تبعا لهذه العادة كما تحورت الزهرة الأوربية وغير هذه الزهور زهرة غريبة تتميز بقرونها الثلاثية الريشية فتبدو الزهرة كأنها مستعمرة من الزنيا (جنس من الألسيوناريا)، وقد حيرت نماذج محفوظة من هذه الزهرة بيلجيين لتقلصها إلى كتلة لا شكل لها.
أما الألسيوناريا أو المرجان اللين أو ما يسميه البحارة الربلة , فذات بوليبات ثمانية التماثل، ويختلف نموها هنا عنه في المناطق المعتدلة كما يختلف المرجان نفسه، فبينما لا نرى في أوربا إلا (أصابع الموتى) , ' ومروحة البحر الحمراء , ولا يمكن الحصول على الأخيرة إلا بالمجراف من قاع البحر - أما هنا فتوجد الألسيوناريا في كل مكان بكثرة عظيمة وبأشكال متنوعة، منها الكتل اللحمية، ومنها الشجيرات، ومنها النورات والمراوح. وقد حاولنا حفظ القليل منها في المربى فلم يعش إلا واحدة وهذه جنس مشعب لين من عائلة الألسيوناسيا وتختلف عن قرائنها من نفس العائلة في عدة نقط مهمة، فتعيش
стр. 6408
الأخيرة معرضة على سطح الشعب وتبدو لمن لا عهد له بها كأنها شجيرات من الطحالب السمراء، وترجع سمرة لونها إلى وجود طحالب وحيدة الخلية في أنسجتها لا تعيش إلا معرضة لأشعة الشمس. أما الدندرونفشيا فتعيش بعيدة عن الأنظار في شقوق بين المرجان، ولذلك لا تأوي إليها الطحالب معايشة كبقية أفراد العائلة. ويغلب أن تكون ذات لون قرمزي طريف، ومنها أيضا البرتقالي والأصفر والأبيض والأسمر والأزرق. ولا يعرف عدد أنواع هذا الجنس، إلا أني نجحت في فصل نوعين فقط، بينما لا تزال الأنواع الأخرى تنتظر البحث. ولا يتم ذلك إلا بدراسة الحيوانات الحية، إذ لم ير أحد هذه الحيوانات وهي ناشرة بوليباتها غير من زاروا محطتنا، أو على الأقل ليس بين الصور والأشكال المنشورة ما يوضح هذه الظاهرة. فالشكل يمثلها كما تبدو نهارا، فإذا وضعت في المرابي تمددت إلى ثلاث مرات أو أربع طولا، وتنقص بنفس النسبة عرضا، وتغطى الأفرع الحمراء أو الوردية مئات من البوليبات كما فيوتعيش المستعمرات الصغيرة جيدا (ليس عندنا مكان يتسع لحفظ المستعمرات الكبيرة التي تصل إلى قدم في الارتفاع) وسرعان ما تموت الحيوانات الأخرى التي تنتمي إلى نفس العائلة وتتحول إلى مخاط، ولكنها تعيش معرضة إلى ضوء الشمس يبين جنسا أخر كثير التشعب يدعى يعيش قليلا في المربى ثم تختفي أنسجته الحية ويبني هيكله، وهو جميل في ذاته يستحق العرض ومثل ذلك مروحة البحر التي تعرض في المرابي في أوربا فإنها خداع نظري وليست حية، إنما هي هياكل خاوية. ولعل أفضل ما يروق الزائر من غير الأخصائيين أن يرى مرجان الزينة في المربى، إلا أنه معدوم في البحر الأحمر ولكن المليتودس كوكسينيا تشبهه كثيرا غير أن عودها الصلب المكون من التحام شويكاتها لا يزيد غلظه على نصف الملليمتر. ويبين جزءا منها مكبرا من تحضير شفاف، وقد ظهرت بوليباتها بارزة من غشاء رقيق يتكون من قنوات لحمية دقيقة يحجبها عدد كبير من الشويكات غير الملتحمة. وتحيط هذه القشرة من الشويكات والقنوات اللحمية بعود صلب هو نظيم مرجان الزينة. وتمثل الشويكات في الشكل بأجسام بيضاوية، وترى هيئتها الحقيقية في مكبرة كثيرا. اما البوليبات فمنكمشة قليلا وبقرونها شويكات كالعصى الملتوية. ولا تمكن رؤية هذه التفاصيل إلا إذا قتلت الحيوانات بعد تخديرها بحذق ومهارة وإلا اختفت البوليبات. لهذا السبب لا يمكن وصفها في مئات
стр. 6409
النماذج من الألسيوناريا التي جلبتها الرحلات العلمية إلى أوربا، ويتوقف على هذه الشويكات وترتيبها أساس تقسيم جنس الدندرو نفشيا إلى أنواعه المختلفة. لذلك كان من ضروريات البحث في الألسيوناريا والمرجان دراسة الحيوانات حية. ولمثل هذا النوع من البحث العلمي أنشئت محطة الأحياء البحرية بالغردقة.
ويوجد لون المليتودس القرمزي في الشويكات كما هو الحال في كثير من الألسيوناريا. وهو ثابت جدا ولا يعرف كنهه إلى الآن، والمرجح أنه يرجع إلى عوامل فيزيائية وكيميائية معا، فيجب أن يتكاتف في دراسته البيلجي والكيميائي والفيزيائي. ومما يزيد في صعوبة البحث أو يقلل منها أننا نجد تحت حجر واحد وتحت ظروف واحدة مستعمرات متشابهة في كل شيء ما عدا اللون، فقد يكون بعضها وردي اللون وبعضها قرمزيا أو أصفر، ولا نجد أي ألوان متوسطة بين تلك كما نجد في مرجان الزينة بين الأبيض والأحمر والوردي.
هذه أغلب أدلتنا التي نجحنا في توفير أسباب الحياة لها في المرابي. إلا أن هنا قليلا من الدخلاء، فلو فرضنا أن مربى وضع في البحر لمدة ستة أشهر لتغطى بطبقة يبلغ غلظها البوصة من قرب البحر والرخويات والأطوم والأشنة البحرية مع عدد من الديدان والبزق. ولعل أمتع شيء النظر إلى أعمدة رصيف ميناء الغردقة إذ تكسوها الدندرونفشيا، ونوعان من مراوح البحر وقرب البحر، والديدان الأنبوبية والأشنة البحرية، وغيرها، فهي إذ ذاك متحف طبعي. وفي المحطات الأخرى حيث ترشح المياه وتخزن لا سبيل لليرقات إلى المرابي، أما عندنا فالباب مفتوح لها على مصراعيه. وفي الأسابيع القليلة التي استعملت فيها المرابي باستمرار نمت لطخ صغيرة من الطحلب الجيري ونوعان من الديدان الأنبوبية وآخران من قرب البحر وواحد من الرخويات ذات المصراعين فلو أن المرابي استعملت عاما مثلا لحصلنا على الشيء الكثير، ولكن قلة النمو في الفترة السابقة تدل على أن الفترة الحرجة في اليرقة وتنتقل إلى حياة اليافع. ذلك الانتقال الذي يتعذر في الطبيعة إلا على واحدة في الألف أو بعض الآلاف، وذلك لقلة الغذاء أو المكان المناسب لنموها.
الغردقة
стр. 6410
الدكتور كرلس كرسلند
-
стр. 6411
من ذكريات لبنان
كيف كنت غيري؟
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
كنا نقصف - ذات ليلة - في فندق كبير في (ظهور الشوير). والقصف أن نشرب ونضحك ونأكل - بعيوننا - الفتيات الممشوقات اللواتي يخطرن في الرقص مع السعداء من الشبان، وكانت الأنوار في المرقص ألوانا شتى متعاقبة، وكان الضوء الأرجواني - حين ينساب الفتيات فيما يترقرق عليهن منه - أقوى فتنة وأشد إغراء، فكنا ننهض عن المائدة ونتزاحم على أبواب المرقص، وعيوننا تكاد تخرج من فرط التحديق، وكانت هناك فتاتان تتراقصان وتأبيان أن يخاصرهما الرجال، وكانتا ساحرتين - في جمالهما، ودلهما، ولعبهما، وحركاتهما. فأغريت بهما أحد رفاقي - وكان يجيد الرقص - وأنا أقول لنفسي: (إذا راقص إحداهما عرفناهما جميعا وفزنا بصحبتهما) ولكنهما ردتاه ببسمة وكلمة رقيقة لا تغني ولا تسمن. فقلت لنفسي: (لم يبق لها إلا رجالها) ودنوت منهما وقلت وأنا أتناول كرسيا وأجلس بغير استئذان:
(أمن قلة في الرجال تتراقصان؟)
فقالت إحداهما - بعد أن ألقت إلى صاحبتها نظرة: (بل من كثرتهم!)
فقوى قلبي أنها ردت، فقلت: (اسمعا مني. إن هذه النظرات الخبيثة التي تتبادلانها لن تجديكما. (ضحك) وأنا باسم هؤلاء الشبان الكثيرين الذين لا أعرف أسماءهم ولا أحب أن أعرفها. . . .)
فسالت إحداهما: (لماذا؟)
فقلت: (لا تقاطعي من فضلك! ثم إن هذا شأني وحدي، وعلى ذكر ذلك أسألك. . . هل أنت مصرية مثلي؟)
فقالت الخبيثة - أعني التي تتكلم -: (هل أنت مصري؟)
فصحت بها: (يخرب عقلك! وهل ترين أني أتكلم إلا كما يتكلم المصري؟)
فضحكتا وقالت الأخرى: (هذا أحسن. لقد كنت أسأل نفسي أين يا ترى رأيتك؟)
فقاطعتها: (نعم إني أراك دائما. . . .)
стр. 6412
فسألتني جادة: (أين؟)
فقلت: (بخيالي. . في أحلامي!)
فقالت الأولى وهي تبتسم - لا أدري لماذا - ألست عبد. . . عبد الله؟)
فتشهدت وقلت: (طبعا، طبعا، عبد الله حقا وصدقا)
قالت: (لقد كنت واثقة إني أعرف وجهك. . . ألم تعرفيه يا توحة؟)
فأجبتها أنا: (لماذا تحرجينها؟ دعي لها سرها حتى تهمس به في أذني، ونحن نتمشى في غابة بولونيا، والقمر الطالع. . .)
فضحكتا وقالت توحة: (بهذه السرعة؟)
فقلت: (معذرة إن خيالي وثاب. . . طيار إذا شئت، ولكنه صادق. . . لا يطير إلا بجناحين من الحقيقة)
فقالت الأولى: (وكيف زوجتك؟)
فصحت: (إيه؟)
ولم أكن أتوقع أن ترميني بسؤال عن زوجتي، وخفت أن يكون وراء السؤال شرك منصوب، فلذت بالحذر. وقالت: (إنما سألت كيف زوجتك؟)
فقلت: (زوجتي؟؟ أوه! آه، مفهوم!)
قالت: (لماذا تركتها؟)
فلم أدر ماذا تعني بالترك؟ وآثرت أن أزوغ فقلت:
(هل تعرفينها؟)
فقالت الخبيثة: (إنه يسأل هل أعرفها؟ قولي له يا توحة)
فدار رأسي، وارتبكت، فما رأيتهما قط في بيتنا ولا في بيوت أحد من أهلنا أو معارفنا، وزاد شعوري بالشراك المنصوبة تحت كل كلمة، ولعنت الساعة التي أقدمت فيها على كلامهما، ولكني كنت قد تورطت، وانتهى الأمر، ولم تبق لي حيلة، وخجلت أن أنهزم أمامهما فتشددت وقلت:
(ما أجمل هذه المصادفة! يا الله حدثاني عن نفسيكما. . .
إن أذني معكما. . . . لكل واحدة منكما أذن. . . تكلما. بارك الله فيكما، وفي ليلتي هذه
стр. 6413
معكما!)
فقال الخبيثة: (ماذا جرى بينكما. . . إلا أن يكون هذا سرا لا تحب الإفضاء به)
فقلت: (لا لا لا. . . وعلى أنه لم يجر بيننا إلا ما يجري بين الزوجين. . اعني عادة!)
فقالت توحة وهي تضحك: (إن الذي تعنيه أختي. . .)
فسألتها (أختك؟)
فقالت (نعم أختي. . . من كنت تظنها؟)
فقلت (كنت أظنها. . . إ. . . أ. . . أختك)
فأضحكهما هذا التخليط، وضحكت معهما، ولما قرت الضجة قلت:
والآن يا أختها بأي اسم تخاطبين نفسك حين تنظرين في المرآة؟
فقالت: (أتريد أن تعرف اسمي؟)
فأردت أن أستفزها فقلت: (لا (بفتور) يكفي أن أعلم إنك أخت توحة)
ولكنها كانت أخبث مما توهمت، فقالت:
(نعم كفاية. والآن ألا تحدثنا عن سبب انفصالك عن زوجتك؟ إنها صديقتنا من أيام الدراسة، وقد آلمنا ما وقع، ولكن لعل لك عذرا)
فحمدت الله في سري على جهلها بي وبزوجتي، وأيقنت أني آمن معهما، ولكني مع ذلك حاولت أن أزحزح الحديث عن هذا الموضوع فقلت:
(هذا شيء مضى، ومن العبث الكلام فيه)
فقالت أخت توحة: (مسكينة!)
وقالت توحة: (ما أفظع الرجال! يأكلون المرأة لحما، ويرمونها عظما)
وألقيت نفسي غرضا لسخطهما ونقمتهما، فضاق صدري وقلت:
إني لم أكن أعجب أن أقول شيئا، ولكن الرجل لا يستطيع أن يظل يحتمل طول عمره أن يرمي بصحاف الطعام الملآى.
فصاحت توحة: (إيه؟ ماذا تقول؟)
وأعجبني صوتي، وسرني أني تبينت آية الدهشة في وجهيهما فمضيت أقول:
لقد كانت تتناول قطتي البيضاء وتلعب بها الكرة، أو تمسكها من ذيلها وتطوح بها ذراعها،
стр. 6414
وتزعم أن هذا خير من اتخاذ الحديد للعب)
فقالت أخت توحة: (مستحيل! لا أصدق)
وقالت توحة: (زينب تفعل ذلك؟!)
فقلت: (المسألة بسيطة والبرهان حاضر، تعاليا معي إلى مصر وأنا أريكما القطة!)
وآلمني أن أمزق (زينب) هذه بالغيب، وأدركني عليها عطف شديد، ولكن ماذا أصنع وقد أبت الفتاتان إلا أن تحشراها في الحديث حشرا، ولا أن تركباها كتفي، وتزعماها زوجة لي، وتدعيا أني أسأت إليها وجنيت عليها وتخليت عنها؟
وقالت توحة: (ولكن كيف يمكن؟ لقد كانت في المدرسة ارق التلميذات قلبا؟)
فهززت رأسي وقلت: (وأشهد أنها ظلت كذلك زمنا حتى اعتادت الشراب)
فصاحتا بصوت واحد: (الشراب؟ زينب؟)
قلت: نعم، مع الأسف! وبعد ذلك انقلبت زوبعة لا تسكن قط. . . بالله اتركا هذا الحديث. . . إنه يؤلمني. . . وما أفضيت إليكما بهذه الحقائق إلا لأنكما كنتما معها في المدرسة، فأعذراني وانتقلا إلى كلام آخر)
وصرنا أصدقاء، نلتقي كل بضعة أيام، اعني أني كنت أزورهما من حين إلى حين في مصيفهما (بضهور الشوير)، ونخرج إلى البساتين والضياع المجاورة، ثم مضت فترة لم أرهما فيها، واتفق يوما أني كنت مدعوا إلى حفلة في فندق بيروت، فبصرت بأخت توحة واقفة تطل على البحر، فوقفت إلى جانبها وحييت فردت التحية بفتور فقلت:
(الجو حار)
قالت: (نعم)
قلت: (ولكن البحر يلطف الحرارة)
قالت: (نعم)
ولم يخطر لي كلام جديد فقلت:
(كبر ما بنا أم جفوة؟)
فواجهتني وسألتني بحدة:
(ألا يزال اسمك عبد الله؟)
стр. 6415
قلت: (يا فتاتي لا تجهلي! ما زلت عبد الله حقا وصدقا، وإن كنت مع هذا لا أنكر أنه غير الاسم الذي أختاره لي أبواي)
قالت: (ألا تخجل؟)
قلت: (إني أستحق عطفك. . لقد احتملت هذا الاسم الذي لا يبعث على الزهو، لأنك أنت اخترته لي)
قالت: (لقد رأيت زينب. . . وأخبرك أيضا أنها مع زوجها، وأنهما يقضيان الصيف في لبنان. لماذا قلت عنها ما قلت؟)
قلت: (أي زينب؟)
قالت: (لا تكابر! إنها لا تعرفك ولم ترك قط في حياتها)
قلت: (ما أضعف ذاكرة النساء!)
قالت: (إن عذرك الوحيد - في نظري - أنك مجنون. وكلما تذكرت ما قلته عن زينب وما أضعته سدى من العطف عليك. . .)
فقاطعتها: (كلا. لم يضع. . . لقد زادني حبا لك وتعلقا بك. . .)
قالت: (ألا تزال تجرؤ على مثل هذا الكلام؟)
قلت: (أو يحتاج ذكر الحقيقة والإقرار بها إلى جرأة؟)
قالت: (وتتصور أني أصدقك أو أصدق انك تتكلم جادا؟)
قلت: (كلا. إن هذا لا يجري في بال. إنما أنا منظر. . ويمكنك أن تعدى كلامي صورة طبق الأصل من حديث أحلامك ونجوى أمانيك. . . وسيأتي يوم تظلم فيه الدنيا أمام عينيك، وتحسين أنه ما من أحد يحبك في هذه الحياة - كلنا يمر به يوم كهذا - فإذا جاء - أعني ذلك اليوم - فقولي لنفسك. . . كلا. إني مخطئة. فإن في الدنيا قلبا يخفق بحبي، بحبي مخلصا،. . .)
فقالت: (إنك مجنون ولا شك)
قلت: (وفي أثناء ذلك ترين شخصيتي الجميلة الجذابة تتفتح تحت عينك كما تتفتح غلائل الزهرة تحت أشعة الشمس. . .)
قالت: (لن أصغي لك)
стр. 6416
قلت: (أذن أحضري معي هذه الحفلة، وكوني فيها ملاكي الحارس)
فصاحت بي: (لن أغفر لك هذا)
فقلت: (إني لست عبد الله! ولكني عبده والله!)
فابتسمت، فقلت: (هذا أحسن وأين توحة؟)
قالت: (لو كانت هنا لما نجوت بهذه السهولة)
قلت: (الحمد لله - أعني على النجاة لا على غيابها. أذهبي بي إليها)
قالت: (والحفلة؟)
قلت: (لا تستطيع أن تنتظر - أعني الحفلة - فإن مرضاتها - أعني توحة لا الحفلة - أولى وأندى على كبدي.)
وكان هذا هو السر الذي لم يعرفه المحتفلون، في أن حفلتهم تأخرت نصف ساعة. فليت حظي من كل حفلة نصق ساعة كهذه!
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 6417
بين فن التاريخ وفن الحرب
١٣ - خالد بن الوليد في حروب الردة
للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان الجيش العراقي
(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا فيه ضربة أو طعنة، وأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)
خالد بن الوليد
والواقع أن خالداً أيضاً كان راغباً في لصلح دون أن يلجأ إلى القتال. وهذا ما دعاه إلى أن يخفف الشروط. فتعاهده من حنيفة ينص على أن يسلموا الذهب والفضة نصف السبي والسلاح والخيل، وأن يأخذ هو كل قرية ومزرعة وحائط (حديقة مسورة) باسم بيت لمال، وأن يسلموا أنسهم حتى يسلموا. أما البلاذري فيروي أن المعاهدة فرضت على بني حنيفة ربع السبي ونصف الذهب والفضة والسلاح.
ولعل هذه الرواية هي الصحيحة، لأنها تدل على تساهل خالد في قد الصلح. ويذر الطبري أن أبا بكر أرسل كتباً إلى خالد مع سلامة بن وقش يأمره إن أظفره الله بأن يقتل من قام من جرت عليه المواشي من بني حنيفة - يريد بذلك أن يقتل من قاوم من الحنفيين - فوصل الرسول بالكتاب بعد عقد المعاهدة. فأراد الأنصار أن يستغلوا أمر الخليفة، فطلبوا إلى خالد أن ينفذ ما جاء في الكتاب، كان أسد بن حضير رئيس الأوس على رأسهم. إلا أن خالداً لم يلتفت إليم، بل في لبنى حنيفة وثبت على ما كان منه فجمع بني حنيفة إلى البيعة والبراءة.
ويذكر ابن حبيش الأسباب التي ألجأت خالداً إلى عقد الصلح مخالفته كتاب الخليفة، وهي تلخص في كثرة الخسائر التي انتابت المسلمين في المعركة، إذ قل عدد المسلمين وكان أكثرهم جريحاً. وبعد عقد المعاهدة لا يجوز النكول عنها، ولا سيما أن بني حنيفة أسلموا. وتنقل الرواية أن سلامة بن وقش أيضا أصر على خالد بتنفيذ أوامر الخليفة. غير أن خالداً لم يغير رأيه واعتبر القضية منتهية.
ومع ذلك استعمل خالد الشدة في معاملته أهل العارض وبعض قرى بني حنيفة. فقرية سيوح وعرفة والغبراء وقيشان ومرعة والمصانع اعتبرت في خارج أحكام المعاهد، فسبى
стр. 6418
أهلها وصادر أملاكها. والروايات لا تبحث في أسباب هذه الشدة، غير أن الذي يلوح لنا أن أهلالقرى إما أنهم قتلوا المسلمين غدراً، وإما أنهم قتلوا المسلمين غدراً، وإما أنهم مثلوا بالمسلمين في بلاد اليمامة قبل الحركات.
المناقب
يستنج الباحث من حرات اليمامة بعض المناقب التي ينبغي الوقوف عليها، وهي تدل على سجايا العرب الأولين مسلميهم ومرتديهم، وتوضح لنا بعض المزايا الكامنة التي مكنت العرب من الانتصار على عدائهم في الشرق والغرب.
المنقبة الأولى - التضحية
كان ابن عمر عبد الله أخوه زيد بن الخطاب في الجيش الذي قاتل في عقرباء. وكان زيد على ما نعلم يقود القلب، وقد استشهد في المعركة مشجعاً المسلمين ومدافعاً عن رايتهم.
ويذكر الطبري أن عبد الله بن عمر لما رجع إلى المدينة قال له أبوه: (ألا هلكت قبل زيد؟ هلك زيد وأنت حي).
وفي رواية أخرى قال عمر لابنه: (ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريت وجهك عني؟). فأجاب عبد الله: (سأل الله الشهادة فأعطيتها وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها).
والتضحية كلمة مرادفة للبطولة، وهي من أخطر العوامل في حضارة الأمم إن لم تكن أخطرها. ولا أغالي إذا قلت إن تاريخ الحضارة مكتوب بمداد هو دماء الأبطال لمراقة وساعيهم المبذولة من أجل بنيان صرح التمدين الباذخ بجميع أركانه الأدبية والعلمية والسياسية. لولا التضحية لما خرج الإنسان الأول من الغاب والكهف إلى المدينة والقصر. والعرب لولا بطولتهم في تضحيتهم لما تربعوا في قصور بغداد والشام والقاهرة والحمراء، ولظلوا تائهين في مجاهل باديتهم القاحلة الجرداء، ولخنق الإسلام في مهد. فالتضحية رفعت عمد الأديان، ونشرت ألوية العلوم، وضعت أسس الدولة قديمها وحديثها، وسمت بأبنائها إلى أج العز والسؤدد، وقمة المجد والصولة. أجل إن العرب من الأمم الفاتحة المفطورة على البطولة والتضحية، إلا أن نبيهم العظيم جاءهم برسالة وضع بها نصب أعينهم مثلاً أعلى هو إيمانهم الوطيد، فبرزت نفوسهم إلى ذلك المثل الأعلى على حد تعبير
стр. 6419
علماء النفس، وحصروا وجدانهم في إيمانهم القوي، فضلاً عن دافع غيرتهم عل أحسابهم. وقوة ذلك الإيمان زادتهم إقداماً على التضحية التي تجلت بأروع مجاليها في حروبهم، ولاسيما في حروب خالد بن الوليد، ومنها حروب الردة التي نحن بصددها. فهذا عبد الله بن عمر أنبه أبوه لأنه رجع حياً دون أن يستشهد في الذود عن إيمانه أو مثله الأعلى. ولا تزال روح التضحية متغلغلة في نفوس العرب والأعراب حتى اليوم. وما أكثر الروايات المنقولة عن رجال العرب ونسائهم من ميادين القتال في التضحية العربية المجيدة في ثوراتهم الأخيرة في الأقطار العربية؛ دونها ما يروى عن رجال اسبرطة ونسائها بهذا الصد. يروى عن امرأة عربية عراقية أنها كانت تشجع أبناءها السبعة في إبان الثورة العراقية في سنة ١٩٢٠، وكانت كلما سقط أحد أبناءها في حومة الشرف تنشد قائلة: (يا موت اطحن وأنا اهلك) - أي يا رحى الموت اطحني وأنا أقدم إليك أبنائي!
المنقبة الثانية - السياسة
كان مجاعة بن مرارة من رؤساء بني حنيفة، وقد وفد على الرسول وأسلم فاقطعه أرضاً، فلما ثار مسيلمة ببني حنيفة وأدع النبوة كان مجاعة معه. ويلوح لنا أنه كان يداري مسيلمة من جهة ويراقب حركات جيش خالد من جهة أخرى. فلما وثق بتقدم جيش خالد نحو اليمامة استفاد من الشغب المثار على مسيلمة، فخرج مع بعض رجاله من اليمامة طالباً الثأر من بني عامر وبني تميم. ولعل طلب الثأر كان بحجة لخروجه من اليمامة قبل وصول جيش المسلمين إليها. ولما باغتته طليعة المسلمين في ثنية اليمامة استحياه خالد لعلمه أنه ينفعه في قتاله في اليمامة وحبسه عنده كالرهينة وتركه في فسطاطة قيد مراقبة زوجه أم تميم. فلما تغلب الحنفيون على المسلمين وأزاحوهم عن المعسكر دخلوا الفسطاط وهموا بقتل أم تميم فمنعهم مجاعة من ذلك صارخاً في وجههم (مه! أنا جار لها فنعمت الحرة! عليكم بالرجال).
وفي رواية أن مجاعة عاهد م تميم على أن يساعدها إذا انتصر الحنفيون على المسلمين، وعلى أن تساعده هي بدورها إذا انتصر المسلمون على أهله. ولما انتهت المعركة عرض مجاعة الخدمة على خالد وطلب إليه أن يتوسط في عقد الصلح، فقبل خالد ذلك، أوفده إلى بني حنيفة حاملاً شروط الصلح. وكان مجاعة قد علم بأن المسلمين كابدوا خسائرها فادحة،
стр. 6420
وأن الحرب أنهكت قواهم، لأنه تفقد مع خالد ميدان المعركة وأطلعته على قتل الحنفيين، وهو الذي دلهم على جثة المحكم بن الطفيل وجثة مسليمة. ولا شك أنه تأكد شدة مصاب المسلمين. فلما ذهب بمهمته تقين شدة الشروط التي فرضها خالد على بني قومه فأراد أن يخدمهم خدمة يخلص بها قومه من هذه الشروط القاسية ويمهد السبيل لاستلانة جانب خالد. وفي مثل هذا الموقف دبر حيلة أثبت بها ذكاءه.
وكانت الحيلة التي دبرها - كما يرويها الرواة - تتلخص في ما يلي: (دخل مجاعة الحصون وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة ثانية ورجالهم ضعفاء، فظاهر الحديد على النساء أي ألبسهن الدروع وسلحهن - وأمرهن بأن ينشرن شعورهن ويشرفن على رؤوس الحصون إلى أن يرجع إليهن)، وبذلك أراد أن يظهر لخالد أن القوم لا يزلون في حصونهم متأهبين للدفاع لكي يحمله على تخفيف الشروط فلما عاد فال لخالد: (أن القوم قد أبوا أن يخبروا ما صالحتك عليه ولكن إن شئت صنعت شيئاً فعرضت على القوم) يريد بذلك أن يخفف خالد من شروط الصلح وحدق المسلمون من بعيد إلى الحصن، فرأوا عليها الناس ضانين أن بني حنيفة محتلوها وأنهم عازمون على الدفاع.
ولقي مجاعة صعوبة في حمل المخالفين من بني حنيفة على قبول شروط الصلح. كان سلمة بن عمير يقول لبني حنيفة: (قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء).
أما مجاعة فيقول لهم: (يابني حنيفة أطيعوني واعصوا سلمة فإنه رجل مشئوم، قبل أن يصيبم ما قال شرحبيل بن مسيلمة، قبل أن تستردف النساء غير راضيات، وينكحن غير راضيات).
والرواية تقول أن بني حنيفة أطاعوا مجاعة وعصوا سلمة وكان من أمر حيلته ان أقنع خالداً بأن يخفف شروط الصلح ففرض الربع من السبي والنصف من الذهب والفضة والسلاح والخيل بعدما كان قد طلب أن يعطوه كل ذلك فلما فرغ من الصلح، وفتحت الحصون أبوابها إلا النساء والصبيان. فقال خالد لمجاعة: (ويحك خدعتني) فقال مجاعة: (قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت).
لم يسق مجاعة وجعه لقومه ولا استهواه حب الانتقام قطاش حتى يدع بني جلدته يلقون أنفسهم في مهاوي الهلاك بل كان خلصاً في قضيت، وعمد مجاعة إلى الحيلة الواسعة
стр. 6421
فصان بقية قومه من أشارك الهلاك، وخفف عنهم وطأة الانكسار الهائل، فكان ي تلك السياسة مصلحة بني حنيفة.
المنقبة الثالثة - العصبية القومية
كان سلمة بن عمير يشجع الناس على المقاومة وقد رأى من الذل ن يحتكم المسلمون في بني قومه بعد ن قاتلوا قتال الأبطال منعاُ لحوزتهم ودفاعاً عن نسائهم وكان يرى الموت ويرى النساء تستردف غير راضيات وينكحن غير حظيات. وقد قتل مسيلمة وأبنه شرحبيل وصرع اليمامة ابن طفيل. أبعد كل هذا يرضى بالهوان؟ بل الموت أولى دون التسليم بالشروط التي يشترطها خالد. فيصرخ في أصحابه: (قاتلوا عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء) ثم يعود فيشجعهم على المقاومة قائلاً: (فإن الحصن حصين والطعام كثير وقد حضر الشتاء)
لقد قارن بنو حنيفة بين ما قاله سلمة وما قاله مجاعة، ورأوا أن لا قبل لهم بالمسلمين، فلم يروا بداً من التسليم بشروط الصلح لاسيما أن مجاعة دبر الحيلة ليموه على المسلمين بقوة الحنفيين للدفاع ويخفف من وطأة الصلح. فلم يحفل سلمة بكل ذلك، بل أضمر سوءاً لخالد ولم يحتمل إهانة الغلبة لقومه فاجمع على أن يفتك به. ولما حشر بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة طلب سلمة من مجاعة أن يستأذن له في الدخول على خالد ليكلمه في حاج له. فأقبل سلمة مع بني قومه مخبئاً سيفه تحت العباءة، فلما رآه خالد لم يقبله، ولعله كان يعلم كرهه له، فأخرجوه عنه وفتشوه فوجدوا معه السيف، فثار ثائر الحنفيين فأخذوا في سبه ولعنه صارخين في وجهه أتريد أن تهلك قومك وتستأصل بني حنيفة وتسبي الذرية والنساء؟ فأوثقوه ووضعوه في الحصن. غير أن سلمة أقسم ن يثأر لبني قومه. لذلك يعاهدهم على ألا يحدث حدثاً فيعفون عنه. فلم يصدقوه ولم يقبلوا منه عهداً. أعيته الحيلة ولم ير بداً من الإفلات ليفتك بخالد مهما كلفه الأمر فيهرب من الحصن ليلاً فيعمد إلى معسكر خالد، ويصيح في وجه الحرس فيفزع بنوا حنيفة فيتبعونه حتى يدركوه في إحدى الحدائق المسورة فيقاومهم بالسيف فيكتنفوه بالحجارة فيرى أن جميع الأبواب موصدة في وجهه وانه غير قاتل خالداً فالأولى ينتحر ولا يرى يسبون الذراري، فيضرب نفسه بالسيف، ويسقط في البئر فيموت.
стр. 6422
مبادئ خالد الحربية
تنم الحركات التي قام بها خالد في قتاله أهل الردة على المبادئ الحربية التي نهجها وفي هذه المبادئ أسس لا تختلف كثيراً عن الأسس التي اتخذها القواد العظام وأصبحت من المبادئ الحربية الخالدة. نذكر في ما يلي بعض تلك الأسس:
أولاً - التوفيق بين القيادة والسياسية: يبدو لنا من الخطط التي وضعها خالد لحركات على طليحة بن خويلد ومسيلمة الكذاب والتدابير التي اتخذها بعد الانتصار أن خالداً من القواد الذين وفقوا دائماً بين القيادة والسياسة وأصبح هذا الأس في عصرنا من أخطر عوامل الظفر ويقيناً أن من أكبر العوامل التي حالت دون استثمار الانتصارات الباهرة التي أحرزها نابليون في حروبه على الحلفاء عدم توفيقه بين السياسة والقيادة. وكذلك من العوامل التي أدت إلى خيبة الألمان في الحرب العامة نظر قادتهم إلى الأمور من الوجهة الحربية فقط، وعدم توفيقهم بين السياسة والقيادة.
فنرى خالد بن الوليد في الخطة التي وضعها للحركات على طليحة بن خويلد أنه وفق بين السياسة والقيادة، فلم يقدم جيشه إلىبزاخة إلا بعد أن مهد له سبيل الانتصار بجلب قبائل طي إلى جانبه وفصل الفرقتين: جديلة وغوث عن بني أسد والاستفادة فعلاً من القوة التي أمدت قبائل طي بها جيش المسلمين.
وبعد انتصاره في بزاخة نراه يفرض على القبائل تقديم عدد معين من السلاح. وفي ذلك تعزيز لجيشه وإضعاف لشأن خصمه.
وقبل أن يتقدم بجيشه نحو اليمامة يسعى قبل كل شيء لاستمالة التميميين الذين التجئوا إلى مسيلمة وإخراج جماعة سجاح من ميدان العمل ولما ظفر ببني حنيفة لم يتردد بعقد الصلح معهم على أساس التساهل برغم مخالفة رؤساء الأنصار والمهاجرين له ودون أن يعما بأمر الخليفة الصريح. وقد ذكرنا مجمل الإسبال التي التجأت خالداً إلى ذلك ولخالد مواقف تدل على استعماله الشدة واللين تبعاً لمقتضى الحال
ثانياً - الاستطلاع: لقد عني خالد بالاستطلاع في جميع حركاته. وقبل تقدمه نحو بزاخة يوفد قوة استطلاع بقيادة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم. وفي حركاته على بني تميم يوفد أمامه السرايا للتجسس والاستطلاع. أما في حركات اليمامة فيرسل مكنف بن زيد
стр. 6423
الخيل وأخاه ليتسقطا الأخبار. وكان في جميع حركاته على اتصال مستمر بالخصم الذي يريد أن يضربه للإطلاع على شؤونه والقيام بالحركة في الوقت الملائم
ثالثاً - المطاردة: من الأسس التي اعتمدها خالد في حركاته القيام بالمطاردة بعد المعركة. وقد يختلف في إسلوب مطاردته عن الأسلوب الشائع الآن، وهو يتطلب سوق أقصى قوة في اليد لقطع خط الاتصال على العدو المنسحب. أما خالد فكان يوفد السرايا في اتجاهات مختلفة للتفتيش عن العدو المنهزم والقضاء عليه أينما وجدته. فالعدو بعد انكساره لم ينسحب إلى محل معين كما هو شأنه اليوم، وذلك لأن الحياة في البادية تساعد المنهزمين على الالتجاء إلى أحياء مختلفة. هكذا كان شأنه في مطاردة بني أسد وفزارة بعد انتصاره في بزاخة. وهكذا كان عمله بعد معركة عقرباء. فلم يشأ أن ينازل الحصون، بل أوفدالسرايا لتلتقط من كان خارج الحصون.
رابعاً - الإبداع: لم يتأخر خالد لحظة في استعمال إبداعه الذاتي حين تطلب الموقف ذلك. وهو يشد عن الأوامر الصادرة إليه متى رأى الفرصة سانحة للعمل بمخالفة الأوامر. فتراه بعد أن أنهى أمر بني أسد في بزاخة واطلع على أحوال بني تميم وتأكد إن الفرصة سانحة للتقدم أمر جيشه بالحركة برغم الأوامر الصادرة إليه والقاضية بألا يتقدم محل إلى محل آخر قبل أن يتلقى أمر الخليفة. فالأنصار يذكرونه بأمر الخليفة الصريح. ألا أن خالداً يقول لهم أنه هو الأمير واليه تنتهي الأخبار وان لم يأتيه أمر من الخليف لا يريد أن يضيع الفرصة مادام مالك بن نويرة حياله وبطون بني تميم نافرة منه.
خامساً - التنظيم: اتضح لنا منم حركات خلد أنه ينظم جيشه ويقسمه إلى أقسام، ويعين لكل قسم قائداً ويعرض الجيش بنفسه قبل أن يتحرك. ففي ذي القصة ينظم جيشه قبل الحركة، وفي البطاح ينظمه ويعين لكل قسم منه قائداً. وقبل القتال يجعل على كل قسم من نظام القتال قائداً خاصاً. وبعد انكسار المسلمين في عقرباء ودخول الأعداء الفسطاط يغير خالد تعبئة الجيش فيضع أهل القرى في جانب وأهل البادية في جانب آخر للأسباب التي سبق ذكرها
سادساً - حشد القوات: رأينا خالداً في جميع حركاته يحشد جميع قواته قبل المعركة ولا يشتتها. فيسير على طريق واحد ويسير به نحو الهدف دون أن يضعفه بفرز بعض القوات
стр. 6424
منه لمقاصد أخرى وكان يفرز قوة من جيشه ويوفدها إلى الأمام مقدمة بقصد الأمن والاستطلاع وأحياناً يقيم له ردءاً في الخلف ليحمي خط الانسحاب. وكانت المقدمة دائماً تشترك في المعركة مع الكواكب (القسم الأكبر)
سابعاً - التعرض: لقد اتخذ خالد في جميع حركاته خطة الهجوم، ففي بزاخة، يهجم بجميع قواته على قوات طليحة بن خويلد، وفي عقرباء يتقدم نحو العدو ويهاجمه في بلاده، وكان يتوخى الهدف ولا يحيد عنه. والهدف عنده هو محو العدو من سفر الوجود
انتهى البحث
طه الهاشمي
стр. 6425
٣ - بين القاهرة وطوس
من همدان إلى طهران
للدكتور عبد الوهاب عزام
ثم مررنا بكنكاور بعد ساعتين من كرمانشاهان. وهي قرية صغيرة بها آثار معبد قديم. وبعد ساعة مررنا بقرية أسد آباد، وهي قرية السيد جمال الدين الأفغاني، وبها بعض قرابته. كذلك اخبرني بعض الثقاة. ويقول الأفغانيون إنه من أسد آباد القريبة من مدينة كابل. وكذلك اخبر السيد عن نفسه. ومهما يكن فقبيح أن تتنازع رجال الإسلام العظام عصبية الأقوام والبلدان. فقد كان المسلمون أمة واحدة لها موطن واحد هو دار الإسلام، والسيد جمال الدين عربي هاشمي حسيني، ولكنه كما قال الشاعر:
أبيِ الإسلامُ لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم
فنحن بني الإسلام والله واحد … وأولى عباد الله بالله من شكر
فإن أراد المسلمون أن يفترقوا أقواما وبلدانا وشيعا، فلا يظلموا أسلافهم العظماء بزجهم في هذا المعترك، فقد كانوا اعظم نفوسا وأسمى أفكارا من أن تحيط بهم عصبيات اللحوم والدماء، والأرض والبناء.
وأسد آباد قرية أسسها أسد بن ذي السرو الحميريفي زعم الرواة، وهي على مرحلة من همذان إلى الجنوب والغرب منها، في حضيض جبل ألوند (جبل أسد آباد)، وكانت منزلا كبيرا على الجادة العظمى بين بغداد وهمذان، وكانت في العهد الإسلامي إلى عصر المغول غنية رائجة التجارة، كثيرة السكان، نشأت كثيرا من العلماء. وهي اليوم قرية صغيرة. وعندها كانت الموقعة الكبيرة بين السلطانيين السلجوقيين محمود بن محمد بن ملك شاه وأخيه مسعود سنة أربع عشرة وخمسمائة. وعلى ثلاثة فراسخ من أسد آباد أبنية ساسانية تعرف في الكتب العربية باسم مطابخ كسرى.
ثم ارتقينا جبل أسد آباد، وهو جبل شامخ فسيح، تتراءى بين قممه وأوديته مناظر جميلة جليلة، محبوبة هائلة، رأيناه وقد ذبلت أعشابه ورياحينه وأشجاره. وقيل لنا في الربيع يبدوفي حلل رائعة من الأزهار مختلفة الألوان، لا يعرى منها مكان في القمم والأودية، وترى الطرق جدائد على سفح الجبل، تتمعج فيها السيارات صاعدة وهابطة، وقد عد سائقو
стр. 6426
السيارات في بعض الطريق اثنتين وسبعين ثنية، فما ينعطف السائق إلى اليمين إلا لينعطف إلى اليسار، وهكذا اثنتين وسبعين مرة أو أكثر. ولكن الطريق في جملتهما ممهدة واسعة مامونة، لم نشعر فيها بالخوف الذي أنذرنا به من قبل.
هذه همذان الجميلة، في حجر جبلها الأشم، جبل ألوند. تبدو في زينة من أشجارها الباسقة، وبساتينها الواسعة. هذه بلدة بديع الزمان، وأحمد بن فارس، وابن الفقيه. هذا مرقد الشيخ الرئيس أبي علي بن سيناء، ليت الوقت يتسع فنقضي بهمذان أياما نتعرف حاضرها، ونتلمس أعلام التاريخ من ماضيها.
همذان مدينة عظيمة قديمة، ذكرت في الآثار الفارسية القديمة باسم هكمتانة، وهي في التوراة أخمتنا، وفي كتب اليونان أكبتانا. وقد لجأ إليها دارا بعد أن هزمه اسكندر في موقعة (أربل) حتى قال أبن حوقل إنها كانت هي وأرباضها فرسخا مربعا. وصارت حاضرة لبعض دول السلاجقة. وقد روى أبن الفقيه الهمذاني وياقوت كثيرا من أخبارها وما قاله الشعراء فيها، وبردها شديد جدا. وقد روى في ذلك أن عبد الله بن المبارك قدمها، فأوقدت بين يديه نار، فكان إذا سخن باطن كفه أصاب ظاهرها البرد، وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد فقال:
أقول لها ونحن على صلاء … أما للنار عندك حرّ نار
لئن خيرت في البلدان يوما … فما همذان عندي بالخيار
وقال آخر:
همذان متلفة النفوس ببردها … والزمهرير، وحرها مأمون
غلب الشتاء مصيفها وربيعها … فكأنما تموزها كانون
وقيل لأعرابي كيف رأيت همذان؟ فقال أما نهارهم فرقاص، وأما ليلهم فحمال، يعنى أنهم بالنهار يرقصون لتدفأ أرجلهم، والليل يحملون ثيابا كثيرة.
دخلناها والساعة واحدة بعد الظهر، فنزلنا في دار بظاهرها، اسمها باغ رئيس الإسلام، وهي دار جميلة ذات حديقة كبيرة، وفيها مجلس واسع حول حوض عظيم. نزلنا بها فاسترحنا وتغذينا، وجلسنا برهة وأخذت صورتنا.
وقد رأيت صاحبنا السندباد الذي ذكرته أنفا يرتب الحاضرين لأخذ الصورة. فقلت يا
стр. 6427
سندباد أنت في كل مكان ولكل عمل. أنك أبو الفتح الإسكندري أو أبو زيد السروجي، فقال الأستاذ منورسكي: هذا أبن بطوطة. ومما اذكر من لطائف هذا المجلس أن أحد مندوبي الهند محمد أسحق، نظر إلى أشجار عنب قصار، فسألني ما هذا؟ قلت كرم ولكنه صغير، فقال إذا ما كذب الثعلب في الحكاية المعروفة، حين قال هذا حصرم. فعنب هذا الكرم في متناول الثعالب. ثم خرجنا لزيارة قبر الشيخ الرئيس، دخلنا الباب إلى رحبة تنتهي إلى بابين أيسرهما باب مكتبة صغيرة عامة، والأيمن مكتوب فوقه (آرامكاه أبو علي بن سينا) أي مرقد أبي علي بن سينا. دخلنا حجرة صغيرة بها قبران متشابهان يغطي كلا منهما صفيحة من الحجر عليها نقوش كثيرة. ويحيط بها سياج من حديد. فالقبر الذي يلي الباب قبر الشيخ الرئيس، والذي إلى جانبه قبر رجل أسمه أبو سعيد. قال بعض أصحابنا إنه أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي المعروف. وليس هذا صدقا فابن أبي الخير مات في خراسان.
ثم ذهبنا لزيارة مزار هناك يعظمه اليهود ويحجون إليه، ومن أجله كثر عددهم في همذان حتى صاروا زهاء ألفين - وهو في زعمهم قبرا ايستر ومردخاي. وهما امرأة ورجل من اليهود، لهما قصة في التوراة في سفر (ايستر). وخلاصة القصة إن ايستر كانت في حضانة أبن عمها مردخاي في مدينة سوس، وأن ملك الفرس أخشويرش غضب على امرأته وشتى، وأراد أن يختار غيرها، فعرضت عليه فتيات مملكته، فأختار ايستر اليهودية وحظيت عنده. وكان هامان وزير الملك قد نقم على مردخاي انه لا يسجد له كما يسجد الناس، فأغرى الملك باليهود وأخرج أمره بقتلهم حيثما ثقفوا في المملكة. وكاد مردخاي وايستر لهامان حتى أمر الملك بصلبه على الخشبة التي أعدها هو لصلب مردخاي، وكتب الملك إلى الولاة ألا ينفذوا أمره في اليهود وأن يسلطوا اليهود على أعدائهم فيقتلوهم.
والقبران كبيران عليهما سياجان، وهما في حجرة ذات قبة لها مدخل صغير واطئ لا يدخله الداخل إلا راكعا
قضينا في همذان ثلاث ساعات ونصفا، ثم برحناها والساعة أربع ونصف، متوجهين تلقاء قزوين.
برحنا همذان، وما قضت النفس منها لبانة
وتلفتت عيني فمذ خفيت … عني الطلول تلفت القلب
стр. 6428
وبعد ساعة نزلنا منزلا على الطريق اسمه رزان، وقد اعد لنا الشاي والفاكهة، والفستق والحمص وااللوز الخ، فرأينا ضربا من الحمص والفستق كبيرا لم نر مثله من قبل. وكان سير دنسن رس، والشاعر الإنكليزي درنك ووتر قد سبقا إلى هذا النزل، إذ فارقا همذان قبل الركب دون أن يزورا قبري ايستر ومردخاي، فطال بهما الانتظار في هذا النزل، فلما بلغته أنا ورفيقي عبد الكريم الحسيني قابلني أستاذي رس دهشا يقول: لماذا تاخرتم! هل زرتم ايستر ومردخاي، قلت نعم. قال هل ألقى فلان هناك محاضرة طويلة؟ قلت محاضرة قصيرة. قال ذلك ما ظننت. قد تخرنا جدا واظلم الليل. ثم سرنا قبل ان يدركنا الرفاق في طريق موحشة تتخللها قرى وضياع قليلة، منها مكان اسمه اب كرم أي الماء الحار فيه حمة، أي ينبوع ماء حار. وقفنا للاستراحة ورؤية الينبوع، فتركنا السيارة ومشينا وراء رجل يحمل مصباحا حتى أتينا النبع، فإذا حجرة فيها حوض يفور منه الماء، فقلت لصاحبي: ما أحسنه حماما لو هيء له بناء. وكم في الشرق من معادن ومياه أغفلتها الأفكار والأيدي! واستأنفنا السير، وطال بنا السفر، حتى لاحت قزوين تحت ظلام الليل، فوردناها متعبين والساعة تسع ونصف من المساء، وقدم بقية الركب بعد ساعة. بتنا في دار جميلة بجانب كنيسة روسية. وقد وهبت الدولة الروسية هذه الدار والكنيسة وما يتصل بهما للدولة الإيرانية.
وقزوين بلد قديم ذكره بطليموس باسم قسايين. وهي على الجادة العظمى من بغداد إلى خراسان، وتلتقي عندها طرق القوافل الآتية من الشرق والغرب والشمال والجنوب، فمن اجل ذلك اتسع عمرانها في القديم وراجت تجارتها، وهي على مقربة من جبال البرز، ويجري عندها نهر صغير يفضي إلى نهر ابهر، وتبعد عن طهران مائة وخمسين كيلا.
وكانت قبل الإسلام وبعده ثغرا لمحاربة الديلم. وقد مصرها سعيد بن العاص بن امية، وجعلها مغزى أهل الكوفة. وأغزى الحجاج ابنه محمدا الديلم، فنزل قزوين وبنى بها مسجدا سمى بعد مسجد الثور. وبنى موسى الهادي مدينة بجوارها عرفت بمدينة موسى. وبنى المبارك التركي مولى المأمون أو المعتصم حصنا بها سماه المباركية. وروى ياقوت (اجتاز الرشيد بهمذان، وهو يريد خراسان، فاعترضه أهل قزوين، واخبروه بمكانهم من العدو، وعنائهم في مجاهدته، وسألوه النظر لهم، وتخفيف ما يلزمهم من عشر غلاتهم في
стр. 6429
القصبة. فسار إلى قزوين ودخلها، وبنى جامعها، وكتب اسمه على بابه في لوح حجر. وابتاع حوانيت ومستغلات، ووقفها على مصالح المدينة، وعمارة قبتها وسورها). وقد ذكرها بديع الزمان باسم الثغر، في المقامة القزوينية التي أولها، غزوت الثغر بقزوين، سنة خمس وسبعين. وروى بعض المحدثين أخبارا في فضائل قزوين، والحث على الاقامة بها لكونها من الثغور. وقد ذكرت في الشعر العربي. ومن ذلك قول الطرماح ابن حكيم
خليلي مدّ طرفك هل تراني … ظعائن باللوى من عوكلان
ألم تر أن عرفان الثريا … يهيج لي بقزوين احتزاني
وقد نشأت قزوين جماعة من العلماء والأدباء منهم زكريا ابن محمد صاحب عجائب المخلوقات المتوفى سنة ٦٨٢، وحمد الله المستوفى المؤرخ صاحب تاريخ كزيدة، ونزهة القلوب في الجغرافيا، المتوفى سنة ٧٥٠، وأبو حاتم محمود بن الحسن الفقيه الشافعي اخذ عن الاسفرائيني والباقلاني، وأخذ عنه الشيرازي وله كتب كثيرة، منها كتاب الحيل في الفقه وتوفى سنة ٤٤٠، ومنهم الحكيم شاه محمد، الذي اخذ عن جلال الدين الدواني، وذهب الى مكة للمجاورة فدعاه السلطان بايزيد الثاني إلى استانبول فعاش في رعايته ورعاية سليم وسليمان من بعده، وكتب التفسير والعقائد والفلسفة، وترجم حياة الحيوان للدميري إلى الفارسية.
وتركنا قزوين والساعة تسع ونصف من صباح الأربعاء ٢٤ جمادى الثانية سنة ١٣٥٣ (١٣ أكتوبر سنة ١٩٣٤)، فبلغنا طهران بعد الظهر، ونزل جماعة منا في الفندق الكبير (جراند اوتيل) وآخرون في الفندق النادري.
عبد الوهاب عزام
стр. 6430
٥ - محاورات إفلاطون
معذرة سقراط
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
قد يذهب بكم الظن إني إنما أتحداكم بهذا كما فعلت حينما حدثتكم عن الضراعة والبكاء، كلا فليس الأمر كذلك، إنما أقول هذا لأنني اعتقد إني لم أسيء إلى أحد عامدا، ولا أظنني قادرا على إقناعكم بذلك في هذا الحوار القصير، فلو كان في أثينا قانون، كما هي الحال في سائر المدن، لا يبيح حكم الإعدام في يوم واحد، لاستطعت فيما اعتقد أن أقنعكم، أما الآن فالفترة وجيزة، ولا يمكنني أن ادحض في لحظة هؤلاء المدعين الفحول، وان كنت كما ظننت لم أسيء إلى أحد فلن أتقدم بالإساءة إلى نفسي قطعا. وإذن فلن اعترف بنفسي باني حقيق بالسوء، ولن اقترح عقوبة ما. ولماذا افعل؟ اخوفاً من الموت الذي يقترحه مليتس؟ على حين إني لا اعلم ان كان الموت خيرا أم شرا! لماذا اقترح عقابا فيكون شرا مؤكدا لا مفر منه؟ أأقترح السجن؟ ولماذا أزج في غياهبه فاكون عبدا لحكام هذا العام - اعني الأحد عشر؟ أم اقترح أن أعاقب بالتغريم، وان اسجن حتى تدفع الغرامة؟ فالاعتراض بنفسه قائم، لأنني لابد أن البث في السجن لأنني لا املك مالا ولا أستطيع دفعا. وان قلت النفي (وربما قر رأيكم على هذه العقوبة) وجب أن يكون حب الحياة قد أعمى بصيرتي، لأنكم وانتم بنو وطني لا تطيقون رؤيتي ولا تسيغون كلامي، لأنه في رأيكم خطر ذميم، فوددتم لو نجوتم من شري عسى أن يطيقه سواكم، فما حياتي في هذه السن، ضاربا من مدينة إلى مدينة، مشردا أبدا، طريدا دائما، يلفظني البلد في اثر البلد، فما ارتاب في التفاف الشبان حولي أينما حللت كما فعلوا هنا، فلو نفضتهم رغبوا عني إلى أوليائهم في طردي فاستجابوا لرجائهم، ولو تركتهم يسعون إلى طردني آباؤهم وأصدقاؤهم صونا لأنفسهم.
رب قائل يقول: نعم يا سقراط، ولكن ألا تستطيع أن تمسك لسانك حتى إذا ارتحلت إلى مدينة أخرى ما اشتبك إنسان معك؟ وعسير جدا أن أفهمكم جوابي عن هذا السؤال، فلو أنبأتكم أني لو فعلت لكان عصيانا مني لأمر الله، ولذلك لا املك حبسا للساني، لما صدقتم أن يكون جدا ما أقول. ولو قلت بعد ذلك إن اعظم ما يأتيه الإنسان من خير هو أن يحاور كل يوم في الفضيلة وما يتصل بما سمعتموني أسائل فيه نفسي وأسائل الناس، وإن الحياة
стр. 6431
التي تخلو من امتحان النفس ليست جديرة بالبقاء، كنتم لهذا اشد تكذيبا، ولكني لا أقول إلا حقا وان عز علي إقناعكم بصدقه. إني لم اعهد نفسي جارمة تستأهل العقاب، ومع ذلك فلو كان لدي مال لاقترحت أن أعطيكم ما املك، ولم يكن ذلك ليضيرني في شيء، ولكنكم ترون إني لا املك مالا، لا بل أظنني قادرا دفع مينة واحدة (المينة تساوي مائة دراخمة) ولذا اقترح هذه العقوبة. إن أصدقائي: افلاطون، وكريتون، وكريتوبوليس، وابولودورس، وهم بين الحاضرين، يرجون مني أن أقول ثلاثين مينة، يضمنون هم دفعها، حسنا، إذن فاحكموا بثلاثين مينة، ولتكن هي عقوبتي، واحسب هؤلاء كفلاء بدفعها.
أيها الأثينيون! لن تفيدوا بقتلي إلا أمدا قصيرا، وستدفعون له ثمنا ما تنطلق به السنة السوء تذيع عن المدينة العار. ستقول عنكم أنكم قتلتم سقراط الحكيم، فسيدعوني وقتئذ بالحكيم وان لم اكن حكيما تقريعا لكم. ولو صبرتم قليلا لظفرتم بما تبتغون بطريق طبيعية، فلقد طعنت في السن كما ترون، ودنوت من اجلي. إنما أسوق هذا الحديث إلى هؤلاء الذين حكموا علي بالموت، واحب أن أضيف إليهم كلمة أخرى: قد تحسبون ان اتهامي جاء نتيجة لعي لساني، فلو قد أثرت أن افعل كل شيء وان أقول كل شيء، لجاز لي أن اظفر بعفوكم، ولكني لم افعل ذلك، فليس عيا في لساني ما أدى إلى ادانتي، ولكنه ترفعي عن القحة والصفاقة، وصدوفي عن مخاطبتكم بما كنتم تحبونني أن أخاطبكم به: بالعويل والبكاء والرثاء، وان أقول وافعل كثيرا مما تعودتم استماعه من الناس، وهو لا يجمل بي كما ذكرت، فقد رأيت واجبي ألا أتبذل في العمل، أو آسف في ساعة الخطر، ولست آسف على ما سلكت من طريق للدفاع، فإني لأؤثره خطتي التي رسمتها ولو أدت بي إلى الموت، على أن اصطنع خطتكم احتفاظا بالحياة. فلا يجوز لإنسان في ساحة الوغى أو أمام القانون أن يتلمس أي سبيل فرارا من الموت، فلو القي المحارب بسلاحه في المعمعة، وجثا على ركبتيه أمام مطارديه لظفر غالبا بالنجاة من الموت. ولكل ضرب من ضروب الخطر طرق للنجاة من الهلاك، إذا لم يتعفف المرء عن كل قول وكل فعل مهما يكن شائنا. فليس عسيرا أيها الأصدقاء إن تفر من وجه الموت، ولكن العسر كل العسر في تجنب الأخلاق الفاسدة. فالفساد والموت يعدوان في أعقابنا، ولكن الفساد أسرع من الموت عدوا. فأنا الذي اكتهلت، إنما أسير سيرا وئيدا، فيكاد يدركني أبطأ العادين، أما المدعون فسراع متحمسون. وسيلحق
стр. 6432
بهم أسرعهما - اعني الفساد. وبعد، فسأترك موقفي هذا، وقد جرى على قضاؤكم بالموت، وكذلك هم سينطلقون كل إلى سبيله، وقد قال فيهم الحق كلمته، بان يعانوا ما هم فيه من ضعة، ولا بد لي أن اخضع لما حكم علي به، وعليهم كذلك أن يرضوا بما كتب لهم. احسب أن قد جرى القدر بهذا جميعا، فعسى أن يكون خيرا، ولا احسبه إلا كذلك.
وبعد، فيا هؤلاء الذين اجروا علي قضاءهم، هاكم نبوءتي التي احب أن أبلغكم إياها، لأني مشف على الموت، وتلك ساعة يوهب فيها المرء مقدرة على التنبؤ. أتنبأ لكم يا قاتلي بأنه لن يكاد ينفذ حكم الموت حتى ينزل بكم ما هو اشد من ذلك الذي هولا. لقد حكمتم بموتي، لأنكم أردتم أن تفلتوا من ذلك الذي يتهمكم، ولكيلا تحاسبوا على ما قدمت أيديكم، ولكن لن يكون لكم ما ترجون، بل نقيضه. فسيكون متهموكم أوفر عددا منهم اليوم، إذ سيهب في وجوهكم من كنت مسكنهم حتى الآن، وسيكون أولئك اشد قسوة عليكم لأنهم دونكم سنا، وسيذيقونكم من العذاب اكثر مما تذوقون اليوم، فان حسبتم إنكم خالصون من متهمكم بقتله، كي لا ينغص عليكم عيشكم، فانتم مخطئون، إذ ليست تلك سبيلا مؤدية إلى الفرار، ولا هي مما يشرفكم، وايسر من ذلك واشرف ألا تهاجموا الناس، بل تبادروا بإصلاح أنفسكم. تلك هي نبوءتي التي ابلغها إلى القضاة الذين حكموا علي، قبل رحيلي.
وانتم أيها الأصدقاء الذين سعوا إلى برائتي، احب كذلك أن أتحدث إليكم عما وقع، عندما يشغل الرؤساء، وقبل أن اذهب إلى مكان مدني، فالبثوا قليلا، لأننا نستطيع أن يتحدث بعضنا إلى بعض ما دامت هناك فسحة من وقت. انتم أصدقائي، واحب أن أدلكم على معنى هذا الذي وقع. يا قضاتي - فأنا أدعوكم قضاة بحق - احب أن أحدثكم بأمر عجيب، لقد كانت مشيرتي حتى الآن، تلك المشيرة التي عهدتها في دخيلتي، لا تفتا تردني في توافه الأمور، أنكنت مقدما على زلل أو خطا في أي شيء، والآن - كما ترون - قد داهمني ما يحسبه إجماع الناس أقصى الشرور واقساها، ولم تلوح لي مشيرتي بعلامة العارضة حينما تركت داري في الصباح. ولا حين كنت اصعد إلى هذه المحكمة، ولا حين ألقيت كل ما اعتزمت أن أقوله، ومع أني عورضت كثيرا أثناء الحديث، إلا إن المشيرة لم تعارضني في كل ما قلت أو فعلت مما يتصل بهذا الأمر، فبم أعلل هذا، وكيف افهمه؟ سأخبركم: أني اعد هذا دليلا على ان ما حدث لي هو الخير، ويخطئ من يظن منا إن الموت شر. هذا
стр. 6433
دليل ناهض على ما أقول، لان الإشارة التي عهدتها لم تكن لتتردد في معارضتي لو كنت مقبلا على الشر دون الخير.
لنقلب النظر في الأمر، وسنرى إن ثمة بارقة قوية من الأمل تبشر بان الموت خير. فإحدى اثنتين: أما أن يكون الموت عدما وغيبوبة تامة، وأما أن يكون كما يروى عنه الناس تغيرا وانتقالا للنفس من هذا العالم إلى عالم آخر. فلو فرضتم فيه انعدام الشعور، وانه كرقدة النائم الذي لا تزعجه حتى أشباح الرؤوس، ففي الموت نفع لا نزاع فيه، لأنه لو أتيح لإنسان أن يقضى ليلة لا يزعج نعاسه فيها شيء، حتى ولا أحلامه، ثم قارنها بما سلف في حياته من ليال وايام، وسئل بعد ذلك: كم يوما وليلة قضاها بين أعوامه وكانت أبهج من تلك الليلة واسعد؟ فلا احسب أحدا - ولا اختص بالقول أحدا - بل لن يجد حتى اعظم الملوك بين أيامه ولياليه كثيرا من أشباهها. فإذا كان الموت كهذا فانعم به، وليس الخلود إذن إلا ليلة واحدة! إما أن كان الموت ارتحالا إلى مكان آخر، حيث يستقر الموتى جميعا كما يقال، فأي خير يمكن أن يكون اعظم من هذا أيها الأصدقاء والقضاة! وإذا كان حقا انه إذا بلغ الراحل ذلك العالم السفلي، خلص من أساطين العدل في هذا العالم، وألفى قضاة بمعنى الكلمة الصحيح، إذ يقال إن القضاء هناك في ايدي مينوس، ورادامنتوس، وايكوس، وتربتوليموس وسائر أبناء الله الذين عمروا حياتهم بأقوم الأخلاق، فما احب إلى النفس ذاك الارتحال! وهل يضن الرجل بشيء إذا أتيح له أن يتكلم مع اورفيوس، وموسيوس، وهزبود، وهوميروس؟ كلا، لو كان هذا حقا فذروني أمت مرة ومرة، فسأصادف متاعا رائعا في مكان أستطيع فيه أن أتحدث إلى بالاميدس، واجاكس بن تلامون، وغيرهم من الأبطال القدامى الذين تجرعوا المنون بسبب قضاء ظالم، ولا أظنني حين أقارن الآن آلامي بآلامهم إلا مغتبطا مسرورا. وفوق كل هذا فسأتمكن من استئناف بحثي في المعرفة الحق، والمعرفة الزائفة، وكما فعلت هنا سأفعل في العالم الثاني، وسأكشف عن الحكيم الصحيح، وعمن يدعي الحكمة باطلا. بماذا يضن الرجل أيها القضاة إذا أتيح له أن يمتحن قائد الحملة الطروادية الكبرى أو اوذيس، او سسفوس وغير هؤلاء ممن لا يقعون تحت الحصر رجالا ونساء؟ إلا ما أعظمها غبطة لا تحد، تلك التي أجدها في نقاشهم ومحاورتهم، لأنهم في ذلك العالم لن يقضوا على أحد بالموت من اجل هذا. كلا ولا ريب، هذا فضلا
стр. 6434
عما يصادفه الناس في ذلك العالم من سعادة عزت على هذه الدنيا، فان صح ما يقال فهم ثمة خالدون.
فابتسموا إذن للموت أيها القضاة، واعلموا علم اليقين انه يستحيل على الرجل الصالح أن يصاب بسوء لا في حياته ولا بعد موته، فلن تهمله الآلهة، ولن تهمل ما يتصل به، كلا، وليست ساعتي الآزفة قد جاءت بها المصادفة العمياء، فلست ارتاب في أن الموت مع الحرية خير لي، ولذلك لم تشر مشيرتي بشيء.
ولست لهذا غاضبا من المدعين، أو ممن حكموا علي، فما نالتني منهم إساءة، ولو أن أحدا منهم لم يقصد إلى أن يعمل معي خيرا، وقد أعاتبهم لهذا عتابا رقيقا.
وان لي عندهم لرجاء. فأنا التمس أيها الأصدقاء، إذا ما شب ابنائي، ان تنزلوا بهم العقاب، واحب أن تؤذوهم كما آذيتكم، وذلك أن بدا منهم اهتمام بالثروة، أو بأي شيء، وكانوا في حقيقة الأمر لا شيء. إذن فانحوا عليهم بالأئمة كما فعلت معكم، لإهمالهم ما ينبغي أن يبذلوا فيه عنايتهم، ولظنهم انهم شيء على حين انهم في الواقع لا شيء. فإذا فعلتم هذا، أكون قد نالني ونال أبنائي العدل على أيديكم.
لقد أزفت ساعة الرحيل، وسينصرف كل منا إلى سبيله - فإنا إلى الموت، وانتم إلى الحياة، والله وحده عليم بأيهما خير.
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 6435
الأنتكيرة هم الإنجليز لا الأسبان
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
هذا هو رأيي في ذلك النص الذي سأنقله بعدعن وزيرنا الخطير لسان الدين بن الخطيب في كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة ج٢ ص٢٤) وقد كتبت ذلك في جريدة البلاغ الغراء (٨ - ٣ - ١٣٥١هـ ١٢ - ٧ - ١٩٣٢م) تحت عنوان (الإنجليز في القرن الثامن الهجري كما يصفهم سياسي مسلم) أما الأستاذ محمد لبيب البتنوني فيرى في كتابه (رحلة الأندلس) إن الأنتكيرة الذين وردوا في ذلك النص من كتاب الإحاطة هم الأسبان. وقد ذكر ذلك في كتابه (رحلة الأندلس ص ١٦٠) بدون أن يعنى بتحقيقه أو يخطر بباله انهم أمة أخرى غير الأمة الإسبانية، فيحمله ذلك على العناية بإثبات رأيه، بل ذكره كأنه قضية مسلمة، وأمر مفروغ من صحته.
وقد قرأت كتاب الأستاذ البتنوني من شهور، ومن يوم أن قرأته وأنا أحاول أن أبين له صحة ما ذهبت إليه في (الرسالة) الغراء، فيحول بيني وبين ذلك اشتغالي بغيره من أمور عنيت بها قبله، وهاأنذا اليوم امضي فيما عزمت عليه من ذلك، ولا أحاول به أن انتقص شيئا من فضله، فان فضله اكبر من أن تؤثر فيه زلة من زلات القلم، ولكل جواد كبوة.
ذكر لسان الدين في كتاب الإحاطة من حوادث سنة ٧٦٧ للهجرة إن بطرة بن الهنشة ملك أسبانيا حينما غلبه أخوه القمط على الملك التجأ إلى ابن صاحب (الانتكيرة) المعروف ببرقسين، وبين أول أرضه وبين قشتالة ثمانية أيام، فأعانه بجيش ذهب معه إلى إسبانيا، فحارب به آخذاه حتى غلبه واسترد ملكه، وقد رأى لسان الدين بن الخطيب حرب هذه الأمة الجديدة (الانتكيرة) أو سمع به فلفت نظره إليها وجعله يلقي فيها نظرة سياسي صادق الفراسة قد شاهد أفول نجم أمته في تلك القارة، فوقف ينظر من بعيد إلى من يخلفها فيها فأعجبه حال هذه الأمة الناشئة في حروبها واخلاقها، واخذ يوازن في ذلك بينها وبين أمة العرب في نشاتها، وكاني به كان يقدر لها مستقبلا مثل مستقبلها، وحكما متسعا في الأرض مثل حكمها، وقد صدقت فراسته في هذه الأمة، وأدت بها أوصافها التي أعجبته منها ولفتت نظره إليها إلى ما يقدر لكل أمة تتحلى بهذه الاوصاف، وتتجمل بتلك الشيم، وهذا هو الذي قاله فيها: (وحال هذه الأمة غريب في الحماية الممزوجة بالوفاء، والرقة والاستهانة
стр. 6436
بالنفوس في سبيل الحمية عادة العرب الاول، واخبارهم في القتال غريبة من الإسترجال والزحف على الإقدام أميرهم ومأمورهم، والجثو في الأرض أو الدفن في التراب، والاستظهار في حال المحاربة ببعض الألحان المهيجة، ورماتهم قسيهم عربية جافية، وكلهم في دروع، ولا لجام عندهم، والتقهقر مقدار الشبر ذنب عظيم وعار شنيع، ورماتهم يسبقون الخيل في الطراد، وحالهم في باب التحلي بالجواهر وكثرة آلات الفضة غريب).
فهذه أوصاف تنطق بنفسها إنها لامة غريبة عن ارض الأندلس ومن فيها من نصارى ومسلمين، هذا إلى ان التاريخ الإنجليزي قد ورد فيه ما يؤيد رواية ابن الخطيب من ذهاب ذلك الجيش منهم إلى ارض الأندلس في الزمن الذي عينه ابن الخطيب له، فقد بلغت هذه الأمة في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي (القرن الثامن الهجري) درجة عظيمة من التقدم السياسي والحربي على عهد ملكها (إدورد الثالث) وكانت له حروب كثيرة مع الفرنسيين انتصر فيها عليهم، وبينما كانت جيوشه تفعل ذلك مع فرنسا بقيادته، كانت زوجه تقود جيشا آخر حاربت به اسكتلندا وأسرت ملكها، ثم جهزت جيشا آخر سارت به إلى إسبانيا. فحاربت الأسبانيين وهزمتهم، وهذه هي الغزوة التي ذكرها لسان الدين ابن الخطيب في سنة ٧٦٧هـ لان مدة ولاية أدورد الثالث على إنكلترا كانت بين سنتي (١٣٢٧ - ١٣٧٦م)، وهذه السنة الهجرية تقع في هذه المدة.
فهذا ما يؤيد رأينا من الناحية التاريخية، وأما الناحية اللغوية فهذا الاسم (الانتكيرة) من الأسماء التي أطلقها مؤرخو العرب على أمة الانجليز، ولم تخل من بعض تحريف لبعد ديار هذه الأمة عنهم، وما كانت فيه من عزلة بجزرها عن غيرها من الأمم، ولم يبتدئ تاريخ الأمة الإنجليزية إلا في نحو سنة ستين قبل الميلاد، وكانت جزائرها تسمى عند الرومانيين (بريطانيا) وكانوا يسمون سكانها بريطون، وقد فتحوها سنة ٨٣ بعد الميلاد، ثم استقلت هذه الأمة بجزرها في أوائل القرن الخامس الميلادي، فقامت فيها حروب وفتن كثيرة مزقت شملها وأضعفتها، ولم تزل مضطربة بالحروب الداخلية وغزوات المجاورين لها، إلى أن استولى عليها بعض الجرمانيون، فطردوا سكانها الأصليين إلى الأقاليم المجاورة لها، ثم فتحها (اغبرت) سنة ٨٢٣ ميلادية، وجعل نفسه ملكا عليها، وهو أول ملك قام بها، وكان يلقب نفسه ملك انكلتيرة.
стр. 6437
وقد عرف المسلمون هذه الأمة بعد الرومانيين، إلا انهم لم يتصلوا بها ولم يعرفوا أمرها تمام المعرفة، وكان هذا سببا فيما وقع من اضطرابهم في اسمها، فسماها قدماء مؤرخيهم (الانكتار) وبعضهم كان يسميها (الإنكليز) ولعل كلمة (الانتكيرة) في ذلك النص الذي نقلناه عن لسان الدين بن الخطيب عن هذه الأمة محرفة عن هذه التسمية (الانكتير) بتقديم التاء على الكاف وزيادة التاء المربوطة التي زادها بعضهم بعد ذلك على هذا الاسم كما سيأتي.
ثم ذكر صاحب كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) هذه الأمة باسم (انكلتيرة) وكان المسلمون قد اختلطوا بهذه الأمة في الحروب الصليبية فعرفوا حقيقة اسمها وأضافوا إليه اللام التي كان يسقطها قدماؤهم منه، وصاحب كتاب الروضتين هو ابو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي المتوفى سنة ٦٦٥هـ وكتابه في أخبار الدولة الاتابكية والدولة الأيوبية.
وقد ذكرهم بعد هذا في أواخر القرن الحادي عشر الهجري باسم (الإنكليز) صاحب كتاب (المؤنس في أخبار أفريقية وتونس) وهو أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم وقد ذكر فيه أخبار هذا الإقليم إلى سنة ١٠٩٢هـ والإنكليز سمك كالحية يكثر في البحر الذي توجد فيه الجزائر البريطانية فسموا هذه الأمة باسمه، ويسمى أيضاً الانكليس والجنكليس، ولم يسم هذه الأمة من مؤرخي العرب فيما اعلم بالاسم الذي كان يسميها به الرومانيون إلا صاحب كتاب (صبح الأعشى) فقد ذكرها باسم (بريطانيا) ولم نجد من سماها بهذا الاسم غيره.
فهذا هو رأينا فيما ورد في ذلك النص من أخبار أمة الانتكيرة. ولعل الأستاذ البتنوني يعلم في ذلك ما لا نعلم فينشر ما عنده فيه على صفحات الرسالة الغراء لنصل في ذلك إلى الصواب الذي هو غايتنا جميعا.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 6438
نجوى النيل
للأستاذ محمود الخفيف
مضيت إلى النهر وقت الطفل … وقد لبس الأفق أبهى الُحلَلْ
وألقت عليه ظلال الغروب … صفاء تتوق إليه المقلْ
ورَفَّت على الشْط خضر الرياض … وراق الخريف بها واعتدلْ
ولاح ليَ النيل في منظر … تناهى الجمالُ به واكتملْ
تَرَوّحت النفسُ فيه الهدوَء … ولاحَت لعيني سِمَات الجذلْ
تذكرت قوليَ في عَذْله … فأَشْرَبَ وجهيَ صَبْغُ الخجلْ
ورحت أجدد عهد الولاء … كمن تاب عن ذنبه فاسْتَهَلْ
أتيتك يا نيل مستغفراً … وعندك يُنْسى رقيق العَذَلْ
فمنك الوفاء ومنك الصفاء … ومنك المودة منذ الأزلْ
وما كان عتبيَ إلا الوداد … وما كان ودِّيَ بالمفتَعَلْ
لئن عُدْتُ أُحْكِمُ فيك القريض … فلي في صفاتك وِرْدٌ عَلَلْ
يروق حديثك إما استعيد … وما هو إن طال بالمبتَذَلْ
ويَمْلك قَلبيَ حين أراك … لذيذُ الخيال وحلوُ الثَمَلْ
طيوفٌ من الحسن رفَّافةٌ … تريك من السحر ما يُستَحلْ
ألذُّ من الحلْم جَمَّ الرُؤى … لياليَ عهد الصبا المُقْتَبَلْ
وأعذب من خلجات المنى … وأجملُ من بارقات الأمَلْ
وأطيب من ذكريات الغرام … والطفُ من لمحات الغزَلْ
وأشهى من الماء حلوَ الصفاء … تَسلسلَ حولك بَعد الغَلَلْ
وأنْضَرُ من باكرات الربيع … تحلَّى بها الكون بعد العَطَلْ
وأبهى من الصبح في مهده … تَبَسّم في داكِنَات الكِلَلْ
وأندى من الكون عند الشروق … رفيفَ الحواشي نقيّ الطِّلَلْ
وأروع من بسمات الضحى … وومض الأصيل وصفو الطَّفَلْ
جمالك يا نيل أعيا البيان … ودق فقصَّرَ عنه المثلْ
стр. 6439
تدَفُّق مائك يوحي إليَّ … مناظِرَ فيضك أنى هَطَلْ
فأصبو لمرآك بين الدِّغال … وحول الشِّعاب وفوق القُلَلْ
حيال تِسانا وما حولها … وعند نيانزا وبحر الجبلْ
وحيث خطرت بسودان مصر … لطيف الأناة حليم النُّقَلْ
وحيث انْهَلَلْتَ بأعلى الصعيد … وقد عجَّ موجُك لما اتَّصَلْ
يروع فؤاديَ هذا العباب … وكيف تلاقى وكيف انتَقَلْ
وأعجب ماذا يروم الدخيل … حيال تدفُّقِه المتَّصِلْ؟!
وكيف يُقَطَّع هذا الوريد … وتأمن مصرُ دنوَّ الأجَلْ؟
يشعُّ الخلود على جانبيك … ويصحو الفؤادُ لكرِّ الدُّوَل
وأقرأ فيك سجلَّ الزمان … واسمع همسَ العصور الأُوَل
شهدتَ الحضارةَ في مهدها … وحسنَ تفَنُّنها المرتَجَلْ
وشب الزمان على ضفتيك … بطيَء العصور طويلَ المَهَلْ
فآنست في مصر عهد النبوغ … وعهدَ العظائم لما حفَلْ
إلى أن بلوت بمصر الهوان … وكيف ثناها الونَى والخزَلْ
هتفت بفرعون في عزه … وانكرت فرعون لما خَمَلْ
وساءك قمييز يغزو البلاد … ويبذر فيها بذورَ الخَلَلْ
وراعك إسكَنْدَرٌ مقبلا … سريعَ الفتوح وثيقَ العَجَلْ
وقيصرُ حين غزَته الجفون … وجازت عليه ضروبُ الحِيَلُ
فألقى السلاح على بأسه … وهام بسحر العيون النُّجُلْ
وكم بطل فتنته العيون … وكم مَلَكَ الحبُّ حتى قَتَلْ
تلقيت عمرا لقاء الحنيف … تراءى الهلالُ له فابتهلْ
وهللت حين أقام الحدود … وحين تقصَّى وحين عَدَلْ
وحين توسم فيك الجلال … فنمق فيك رصين الجُملْ
وجاء بوصفٍ تلته القرون … وما عرفت فيه بعض المَلَلْ
دهاك الفرنسيُّ في جنده … وجندك يا نيل بعضَ الهمَلْ
стр. 6440
تلفتُّ حولك مستنجداً … فلم تلق حولك غير الفَشَلْ
إلى أن تلقى زمام الأمور … بمصر من الشرق فرد بَطلْ
فأحيا بواديُك مَيْتَ الرجاء … وقد دهش الدهر مما فَعَلْ
تفيَّأت حيناً ظلالَ النعيم … إلى أن دهاك المصاب الجَلَلْ
فجاس العدو خلال الديار … وغالتك يا نيل شر الغِيَلْ
حباك الوعودَ ولكنه … أقام لديك السنين الطُّوَلْ
فيوماً يمد حبال الرجاء … ويوماً يثير عقيم الجَدَلْ
ويوماً يجيئك مستأسدا … يجرب فيك صنوفَ الوَهَلْ
ألم تر بالأمس كيف افترى … وكيف تعامى وكيف خَتَلْ؟
وكيف رماك بأدهى الخصوم … وكان بواديك أصل العِلَلْ؟
لقد بات يتلو حديث الوفاق … وهل يخطبُ الذئب وُدَّ الحَمَلْ؟
مللنا لعمريَ هذا النفاق … وملنا إلى الجد بعد الهزَلْ
وَقمنَا نحطمُ عنا القيود … وَنخلع عنا رداء الكسلْ
تحركْتَ بالأمس مستعدياً … وأنكرت يا نيل عهد الخَطَلْ
وقد كنت قبلُ مِثالَ الهدوء … ولكن أثارك طولُ الزَّللْ
وشعبك مثلُك في صمته … وإن حسبوه سكوتَ الوَجَل
وما قرَّ موجُك إلا استجم … وما إن تناقص حتى كَملْ
وما نسِيَ الشعبُ تاريخَه … وما نام عن مجده أو غَفَلْ
أبيٌّ وإن دهمته الخطوب … فتىٌ وان زعموه اكتَهَلْ
سرى فيه يا نيل منك الخلود … وأُلهمَ مثلك حبَّ العمل
وما كان سِرُّكَ مُسْتَحْدَثا … وما كان مجدُك بالُمنتحل
سيمضي الزمان على جانبيك … وتبقى كما كنت منذ الأزل
الخفيف
стр. 6441
بين الشاعر وببن نفسه
بقلم عبد الحق فاضل
هو - مالي أرى الوجه الجم_ل عليه آثار الضنى؟
إنا بأفراح الشبا … ب عن الكابة في غنى
تبكين. . .؟ لهفي! أي خط … ب احل يا (نفسي) بنا؟
هي - من أين جئتُ؟ ولِمْ أعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - فيم التأمل والتألم=والتبرم يا حبيبة؟
وأشدّ من وقع المصي … بة أن نفكر في المصيبة
هيا بنا، يا منيتي … نلهو بأحلام الشبيبة
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - لا يا رفيقة! لا تطي_لي الفكر في كنه الأمور
هذا الشباب يسير مو … كبه على عجل، فسيري
أخشى عليك إذا أضعنا الوقت، من وخز الضمير؟
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - كفى بربك! واتركي_نا نمش في سبل الكمالِ
فيما لدى من القوى، … وبما لديك من الجمال
نبني لنا مجدا رفي … عا، لا يصير إلى زوال
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - ان الفراش يحوم حو_ل الزهر يجهل ما غوى
والطير يسجع في الغصو … ن، مشببا لا عن هوى
قومي نحم، هيا نغني، … قبل ان تقع النوى
هي - من اين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - كل الأحبة، يا حبي_بة، في وئام واتفاق
إلا أنا! مع قربنا، … أشكو تباريح الفراق
لم يقصني الهجران من … ك، ولم يقربني اشتياقي!!
стр. 6442
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
من أين جئت؟ ولم اعي … ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
(بغداد)
عبد الحق فاضل
стр. 6443
أنصاف رجال
بقلم محمود غنيم
يعني بعض الشبان بمظهره اكثر مما يعني بجوهره، ويسرف في توخي الأناقة إلى الحد الذي ينقلب إلى الضد. فإلى هؤلاء اوجه القول:
شباب النيل يا زين الشباب … ويا أشبال آساد غضاب
معي عتب أوجهه إليكم … وقد تصفو المودة بالعتاب
أرى فيكم فريقا حين يمشي … يحك بأنفه ظهر السحاب
كليث الغاب في صلف وتيه … وليس لدى القراع بليث غاب
لزهر النرد قد خلقت يداه … وليست لليراع ولا الكتاب
تفنن في محاكاة العذارى … وخالفهن في وضع النقاب
وأرسل شعره المضغوط يحكى … وميض البرق أو لمع السراب
تداعبه الصبا فيموج موجا … كما هب النسيم على العباب
له حلل تحاكى الطيف لونا … بأزرار من الذهب اللباب
وفيها جسمه انصب انصبابا … فما تدري الثياب من الأهاب
وليس بمحكم عملا شريفا … ويحكم وضع أربطة الرقاب
ولا يخشى على شيء ويخشى … إذا ثار الغبار على الثياب
إذا خاطبته في غير لين … تأوه أو تنهد في الخطاب
وان أربى على العشرين منهم … فتى أمسى يغالط في الحساب
وكم من لمة في مصر شابت … ولم تنفك عن دعوى التصابي
وان يحلل فتاهم قلب أنثى … يحل هناك بالركن الحراب
فلن ترضاه كالطاووس شكلا … ولكن كاسرا مثل العقاب
وكم ضاق الجمال بطالبيه … وأوذي بالتجمل والخضاب
إذا الذئب استحال بمصر ظبيا … فمن يحمي البلاد من الذئاب؟
برئت من الفتى يبدو فتبدو … عليه نعومة البيض الكعاب
فقل للغاضبين الحسن مهلا … متى نيل الجمال بالاغتصاب؟
стр. 6444
محمود غنيم
стр. 6445
البريد الأدبي
رسائل لم تنشر
من نابليون إلى ماري لويز
عرض أخيراً للبيع في أحد أبهاء التحف بلندن، مجموعة كبيرة من رسائل الإمبراطور نابليون بونابرت إلى زوجه الإمبراطورة ماري لويز النمسوية؛ وتبلغ هذه الرسائل التي كتبت جميعها بخط الإمبراطور، ووقعت بإمضائه ثلاثمائة رسالة، تشمل تاريخ أربعة أعوام كاملة من حياة الإمبراطور، أعني من سنة ١٨١٠ إلى سنة ١٨١٤، وقد كتب معظمها في أوراق مذكرات صغيرة، وأرسلت من مختلف أنحاء القارة التي يجوبها الإمبراطور أو يعسكر فيها بجيشه إلى الإمبراطورة الصغيرة التي شغفته حباً، والتي جاءت له بأول ولد يعلق عليه آمال الإمبراطورية. وتبدأ برسالة كتبها الإمبراطور في فبراير سنة ١٨١٠ يطلب فيها يد ماري لويز، وفيها يخاطبها بلهجة رسمية وبذات الجلالة؛ ثم تتدرج الرسائل بعد ذلك في البساطة وعدم الكلفة، فيخاطبها الإمبراطور بلهجة الحب الوثيق، وتغدو ماري بعد أن غدت إمبراطورة فرنسا، (حبيبتي، عزيزتي. . .) ويكتب إليها الإمبراطور في مختلف الشئون الشخصية والمنزلية؛ ويغدق عليها نصحه، سواء فيما يتعلق بصحتها أو نزهتها، أو علائقها بسيدات البلاط وسادته. وأشد هذه الرسائل سحراً وتأثيراً، ما تعلق منها (بالملك الصغير) ولد الإمبراطور وماري لويزا، والسؤال عن صحته ورجاء تقبيله وعناقه.
وتوضح هذه الرسائل تاريخ الإمبراطورية في مراحل متعاقبة، فالأولى مرحلة الزواج والتحالف بين النمسا وفرنسا، ورحلة الإمبراطور والإمبراطورة إلى انفرس وفلسنج، ثم قضاء شهر العسل في تريانون (صيف سنة ١٨١٠). وكان الإمبراطور يومئذ في أوج قوته وظفره، يحكم على معظم ممالك القارة، ويحكم في رومه ومدريد، ويشدد الحصار على إنكلترا ويهددها؛ والمرحلة الثانية هي مرحلة الغزوات الثانية في بولونيا وروسيا ثم موسكو في صيف سنة ١٨١٢؛ وهنا نجد رسائل كتبت عن معركة بورودينو، والزحف على روسيا، ثم حريق موسكو ثم، الارتداد المروع عن هاتيك السهول الثلجية؛ والمرحلة الثالثة حينما تتحد الدول على نابليون؛ وهنا يكتب نابليون إلى ماري لويز أن تنضح إلى والدها (الأب فرانسوا) إمبراطور النمسا بألا يتحد مع هذه الدول، وألا يصغي إلى تحريض
следующие страницы →