Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
بين الشاعر وببن نفسه
بقلم عبد الحق فاضل
هو - مالي أرى الوجه الجم_ل عليه آثار الضنى؟
إنا بأفراح الشبا … ب عن الكابة في غنى
تبكين. . .؟ لهفي! أي خط … ب احل يا (نفسي) بنا؟
هي - من أين جئتُ؟ ولِمْ أعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - فيم التأمل والتألم=والتبرم يا حبيبة؟
وأشدّ من وقع المصي … بة أن نفكر في المصيبة
هيا بنا، يا منيتي … نلهو بأحلام الشبيبة
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - لا يا رفيقة! لا تطي_لي الفكر في كنه الأمور
هذا الشباب يسير مو … كبه على عجل، فسيري
أخشى عليك إذا أضعنا الوقت، من وخز الضمير؟
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - كفى بربك! واتركي_نا نمش في سبل الكمالِ
فيما لدى من القوى، … وبما لديك من الجمال
نبني لنا مجدا رفي … عا، لا يصير إلى زوال
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - ان الفراش يحوم حو_ل الزهر يجهل ما غوى
والطير يسجع في الغصو … ن، مشببا لا عن هوى
قومي نحم، هيا نغني، … قبل ان تقع النوى
هي - من اين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
هو - كل الأحبة، يا حبي_بة، في وئام واتفاق
إلا أنا! مع قربنا، … أشكو تباريح الفراق
لم يقصني الهجران من … ك، ولم يقربني اشتياقي!!
стр. 6442
هي - من أين جئت؟ ولم اعي_ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
من أين جئت؟ ولم اعي … ش؟ وما الحياة؟ وما أنا؟؟
(بغداد)
عبد الحق فاضل
стр. 6443
أنصاف رجال
بقلم محمود غنيم
يعني بعض الشبان بمظهره اكثر مما يعني بجوهره، ويسرف في توخي الأناقة إلى الحد الذي ينقلب إلى الضد. فإلى هؤلاء اوجه القول:
شباب النيل يا زين الشباب … ويا أشبال آساد غضاب
معي عتب أوجهه إليكم … وقد تصفو المودة بالعتاب
أرى فيكم فريقا حين يمشي … يحك بأنفه ظهر السحاب
كليث الغاب في صلف وتيه … وليس لدى القراع بليث غاب
لزهر النرد قد خلقت يداه … وليست لليراع ولا الكتاب
تفنن في محاكاة العذارى … وخالفهن في وضع النقاب
وأرسل شعره المضغوط يحكى … وميض البرق أو لمع السراب
تداعبه الصبا فيموج موجا … كما هب النسيم على العباب
له حلل تحاكى الطيف لونا … بأزرار من الذهب اللباب
وفيها جسمه انصب انصبابا … فما تدري الثياب من الأهاب
وليس بمحكم عملا شريفا … ويحكم وضع أربطة الرقاب
ولا يخشى على شيء ويخشى … إذا ثار الغبار على الثياب
إذا خاطبته في غير لين … تأوه أو تنهد في الخطاب
وان أربى على العشرين منهم … فتى أمسى يغالط في الحساب
وكم من لمة في مصر شابت … ولم تنفك عن دعوى التصابي
وان يحلل فتاهم قلب أنثى … يحل هناك بالركن الحراب
فلن ترضاه كالطاووس شكلا … ولكن كاسرا مثل العقاب
وكم ضاق الجمال بطالبيه … وأوذي بالتجمل والخضاب
إذا الذئب استحال بمصر ظبيا … فمن يحمي البلاد من الذئاب؟
برئت من الفتى يبدو فتبدو … عليه نعومة البيض الكعاب
فقل للغاضبين الحسن مهلا … متى نيل الجمال بالاغتصاب؟
стр. 6444
محمود غنيم
стр. 6445
البريد الأدبي
رسائل لم تنشر
من نابليون إلى ماري لويز
عرض أخيراً للبيع في أحد أبهاء التحف بلندن، مجموعة كبيرة من رسائل الإمبراطور نابليون بونابرت إلى زوجه الإمبراطورة ماري لويز النمسوية؛ وتبلغ هذه الرسائل التي كتبت جميعها بخط الإمبراطور، ووقعت بإمضائه ثلاثمائة رسالة، تشمل تاريخ أربعة أعوام كاملة من حياة الإمبراطور، أعني من سنة ١٨١٠ إلى سنة ١٨١٤، وقد كتب معظمها في أوراق مذكرات صغيرة، وأرسلت من مختلف أنحاء القارة التي يجوبها الإمبراطور أو يعسكر فيها بجيشه إلى الإمبراطورة الصغيرة التي شغفته حباً، والتي جاءت له بأول ولد يعلق عليه آمال الإمبراطورية. وتبدأ برسالة كتبها الإمبراطور في فبراير سنة ١٨١٠ يطلب فيها يد ماري لويز، وفيها يخاطبها بلهجة رسمية وبذات الجلالة؛ ثم تتدرج الرسائل بعد ذلك في البساطة وعدم الكلفة، فيخاطبها الإمبراطور بلهجة الحب الوثيق، وتغدو ماري بعد أن غدت إمبراطورة فرنسا، (حبيبتي، عزيزتي. . .) ويكتب إليها الإمبراطور في مختلف الشئون الشخصية والمنزلية؛ ويغدق عليها نصحه، سواء فيما يتعلق بصحتها أو نزهتها، أو علائقها بسيدات البلاط وسادته. وأشد هذه الرسائل سحراً وتأثيراً، ما تعلق منها (بالملك الصغير) ولد الإمبراطور وماري لويزا، والسؤال عن صحته ورجاء تقبيله وعناقه.
وتوضح هذه الرسائل تاريخ الإمبراطورية في مراحل متعاقبة، فالأولى مرحلة الزواج والتحالف بين النمسا وفرنسا، ورحلة الإمبراطور والإمبراطورة إلى انفرس وفلسنج، ثم قضاء شهر العسل في تريانون (صيف سنة ١٨١٠). وكان الإمبراطور يومئذ في أوج قوته وظفره، يحكم على معظم ممالك القارة، ويحكم في رومه ومدريد، ويشدد الحصار على إنكلترا ويهددها؛ والمرحلة الثانية هي مرحلة الغزوات الثانية في بولونيا وروسيا ثم موسكو في صيف سنة ١٨١٢؛ وهنا نجد رسائل كتبت عن معركة بورودينو، والزحف على روسيا، ثم حريق موسكو ثم، الارتداد المروع عن هاتيك السهول الثلجية؛ والمرحلة الثالثة حينما تتحد الدول على نابليون؛ وهنا يكتب نابليون إلى ماري لويز أن تنضح إلى والدها (الأب فرانسوا) إمبراطور النمسا بألا يتحد مع هذه الدول، وألا يصغي إلى تحريض
стр. 6446
ماترنيخ، ويحاول بذلك لأن يزج بالإمبراطورة في غمار السياسة، ولكن إمبراطور النمسا حماه وأبا زوجه ينضم إلى خصومه،، فيحاربه نابليون مع من يحارب، ويكتب إلى ماري لويز بأنه انتصر على جنوده، وبأن جنوده لم تكن أسوأ منها في أي وقت مضى. ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي مرحلة التقهقر والهزيمة، وهنا تتعاقب الرسائل كل يوم بأنباء الظفر والحركةوالعمل المتواصل، ثم تجئ الهزيمة، ولكن الرسائل ما زالت تنم عن سمو هذه الروح التي تستقبل المصائب والمحن باسمة ساخرة.
تلك هي خلاصة المأساة التاريخية العظيمة التي تصورها رسائل نابليون الثلاثمائة إلى زوجه ماري لويز. وقد عرضت للبيع في لندن في يوم ١٩ الجاري مقسمة إلى عدة مجموعات، ولم ينشر منها من قبل شيء، وقدر الخبراء ثمنها بنحو مليون ومائة ألف فرنك (نحو ستة عشر ألف جنيه)، وقدرت مذكرات ماري لويز المعروضة معها بمبلغ خمسمائة ألف فرنك (نحو سبعة آلاف جنيه).
وقد علقت الصحف الفرنسية على عرض هذه التحف الأثرية التي تهم فرنسا قبل كل شيء، وأبدت توجسها من استعداد بعض كبار الهواة الأمريكيين لاقتنائها وبذل أكبر الأثمان في سبيلها، وطالبت الحكومة الفرنسية وهيئاتها العلمية أن تبادر إلى اقتناء هذه الوثائق التي خلفها إمبراطور فرنسا، لتضم إلى تحفه وآثاره. وقد استجابت الحكومة الفرنسية إلى هذه الدعوة، واستطاعت أن تحصل على الرسائل الثلاثمائة بطريق المزايدة بمبلغ خمسة عشر ألف جنيه حسبما ورد في الأنباء البرقية الأخيرة.
وفاة المكتشف دي جيرلاشي
توفي البارون دي جيرلاش دي جوميري الرحالة والمكتشف البلجيكي الشهير بعد مرض طال أمده، في سن السادسة والستين؛ وهو ينتمي إلى أسرة عسكرية نبغ فيها كثير من الضباط العظام؛ ولكنه آثر البحر منذ فتوته، وقضى شبابه بحاراً على ظهر السفن، وفي سنة ١٨٩٠، نال رتبة نائب سفينة، وخطر له من ذلك الحين أن يخصص جهوده لاكتشاف المناطق القطبية التي لم يصل إليها سلفه المكتشف دومون دورفيل؛ فسعى إلى الجمعية الملكية الجغرافية البلجيكية حتى قبلت أن تؤازر جهوده، وأعد لتلك الرحلة السفينة (بلجيكا) وسلحها، وسافر على ظهرها في أواخر سنة ١٨٩٧، ثم عاد بعد رحلة استغرقت نحو
стр. 6447
عامين. بعد أن اكتشف كثيراً من الأنحاء القطبية، وحمل كثيراً من الوثائق العلمية المعلومات الهامة، وكانت هذه فاتحة الرحلات القطبية التي انتهت باكتشاف القطب الجنوبي بعد ذلك على يد الأميرال بيرد الأمريكي وزملائه، وقام دي جيرلاش برحلات أخرى منها رحلة الخليج الفارسي حيث حقق كثيراً من النتائج العلمية. وفي سنة ١٩٠٣ سافر مع الدكتور شاركو المكتشف الفرنسي على ظهر السفينة (بوركوابا) إلى القطب الجنوبي، ثم عاد سنة ١٩٠٥. ولم يمض سوى قليل حتى سافر كرة أخرى على ظهر بلجيكا مع الدوق أورليان، وقاما برحلة اكتشافيه علمية في بعض أنحاء الجزيرة الخضراء (جرينلان)، وحصلا على مجموعة نادرة من الحيوانات القطبية؛ وبعدئذ قاما برحلة أخرى فيما وراء الجزيرة الخضراء ووصلا إلى الحاجز الثلجي الأكبر، واكتشفا أنحاء لم تكتشف من قبل. وقد نشر دي جيرلاش رسائل شائقة عن رحلاته، ثم عهدت إليه الحكومة البلجيكية بإدارة القسم البحري، ومن آثاره في هذا القسم إنشاء السفينة البحرية المدرسية (مركاتور) التي اشتهرت بطوافها في أنحاء العالم.
وكان دي جيرلاش عضواً في عدة جمعيات علمية أو مراسلاً لها، ومن أشهر آثاره، كتاب نشره في فاتحة الحرب، وكان له دوي عظيم، بعنوان (الأمة التي لا تريد أن تموت)
جائزة نوبل للسلام
نعرف أن من بين جوائز نوبل الشهيرة، جائزة نوبل الشهيرة، جائزة للسلام، تمنح كل عام لمن يتفوق في خدمة قضية السلام سواءً كان من رجال السياسة أم التفكير؛ وقد نال جائزة نوبل للسلام في الأعوام الماضية عدة من كبار الساسة الأوربيين، مثل السير أوستن تشمبرلن وزير خارجية إنكلترا الأسبق، والمرحوم المسيو ارستيدبريان رئيس وزارة فرنسا ووزير خارجيتها الأسبق، والمرحوم الدكتور شتريزمان وزير خارجية ألمانيا الأسبق؛ وقد فاز أخيراً بجائزة نوبل للسلام عن سنة ١٩٣٣، المستر ارثر هندرسون زعيم حزب العمال البريطاني، ووزير خارجية إنكلترا في وزارة العمال، ورئيس مؤتمر نزع السلاح الملحق بعصبة الأمم، وذلك لما قام به في مؤتمر نزع السلاح من جهود لتأييد قضية السلام؛ وفاز بجائزة نوبل للسلام عن سنة ١٩٣٤، إنكليزي آخر هو المستر نورمان آنجل الكاتب والصحفي الشهير، وذلك لما ألفه من الكتب والرسائل، ونشره من المقالات في سبيل
стр. 6448
الدعوة إلى السلام العالمي. وفي فوز الإنكليز بجائزة السلام عامين متواليين مغزى تغتبط له السياسة البريطانية.
في معرض الفن النمسوي
أقيم في فينا أخيراً معرض للتصوير والنحت لنيل الجائزة الرسمية؛ فنال المثال هربرت بكل من كارنتيا جائزة الحكومة عن معروضاته البرونزية؛ ونال المثال والترريئر من جراتز جائزة الحكومة عن معروضاته الحجرية.
стр. 6449
القصص
من أساطير الأولين: رمز الشعر والفضيلة
إكسوس ومكريا أو عليقة السنديانة للشاعر ألفرنسي
هيجيسيب مورو ١٨١٠ - ١٨٣٨
بقلم احمد حسن الزيات
في ذات يوم لا أذكر من تاريخه إلا أنه كان لعامين من موت هرقايس، كانت مدينة (دلفي) تموج بالناس وتعج بالضوضاء وتزخر بالفتوة. كان ذلك اليوم آخر أيام الألعاب الفيتونية، ومن أعجب الأشياء أن الصراع والسباق كانا يجريان على غير مشهد من أحد، والرياضيين والسواقين كانوا ينتصرون على غير علم من إنسان، حتى قيل إن الشاعر سيمندس كان ينشد رائع الشعر في الفرس المجلي ولا يستمع إليه يومئذ إلا بطله! ذلك لأن كلمة واحدة طار بها السماع فطارت بالقوم من ميدان اللعب إلى معبد أبولون!
(ها هم أولاء أبناء هرقليس! سيد أبطال الإغريق؟ وكانت أثينا منذ شهر قد استيقظت ذات صباح فوجدت هؤلاء الأبناء مخلوعين مضطهدين مشردين يتهافتون في الساحة العامة على مذبح الرحمة فثارت بها الحفيظة لشكواهم، ونزت فيها القلوب والسيوف لبلواهم، ثم بعثت بهم في هذا اليوم على رأس السفارة المقدسة إلى دلفي يستنبئون آلهتها عن مصدر هذه الحرب.
ودلفي كما تعلمين مدينة مقدسة تفيض جوانبها بالعجائب، والناس يمرون عليها وهم عنها معرضون، وأنا كأولئك الناس في هذا اليوم، لا أريد أن أتنقل بك من البرناس إلى الهيبدروم، ولا من الهيبدروم إلى منصة أبولون، فإنك ولا شك حججت إلى هذه الأماكن منذ طويل في (سياحة أنا كرسيس)، وأنا - ولا أخفي عنك - مشوق كذلك إلى رؤية أشبال هرقليس.
كان الشعور الذي استولى على الإغريق لدى رؤيتهم أولئك الأبطال يترجم عنهم هذا الهتاف الإجماعي الصاخب: (يا للآلهة الخالدين! ما أوفى القوام وما أصلب العضل! وكان في الجمع شيخ سبط العظام. تحسبه وفي يده عصاه المذهبة، وعلى جبينه عصابته
стр. 6450
البيضاء، ملكاً من ملوك الإغريق العشرين، مال على كاهن من كهنة أبولون، وهو يجتاز المعبد حاملاً مبخرة من مباخر العطور، وقال له في صوت خافض:
- لقد عرفت هرقليس وزوجته ديجانير حق المعرفة، فما عرفت لهما غير ثلاثة بنين، فمن إذن هذه العذراء المنتقبة التي تجلس مع أبناء هرقليس على مقعد واحد؟
- كلامك يا أبي الحق لا مرية فيه، فليس لهرقليس من ديجانير غير ثلاث بنين ولكن له زوجته الأخيرة (يول).
- فقاطعه الشيخ قائلاً: صحيح؟ ثم ضرب على جبينه بإصبعه علامة التذكر وقال: لقد روى لي (فيلوكتيت) هذا الحديث عشرين مرة؟ ولكن قرنين من الزمان يدوران على الرأس لابد لأن يضعضعا فيها الذاكرة! نعم أذكر الآن أن هذا الزواج أعقب بنتاً. . . فارتفع من وراء الشيخ صوت ندي عذب بهذه الجملة:
- بنتاً وابناً يا أبي
فالتفت الشيخ فرأى يافعاً شاحب اللون هش العظام، في زي أهل الأرجوليد يردد في احتشام وخجل:
- بنتاً وابناً هما إكسوس ومكريا
فبتسم الشيخ ضاحكاً من الغلام، وقال للكاهن: أنظر! في (بيلوس) يهتف الناس بعلمي، وفي (ارجوس) يرسلون إلى تلاميذهم ليعلموني. . .
ثم قال للغلام: من الذي أنبأك هذا يا بني وماذا تسمي؟ ولكن الفتى لم يتحمل ملاطفة نسطور (وهو الشيخ) فأفلت منه وغاب في زحمة الناس دون أن يجيب.
وكان ذلك الهتاف لا يزال يدوي في الفضاء لا يعتريه فتور ولا يناله تغيير:
(يا للآلهة الخالدين! ما أوفى القوام، وما أصلب العضل!) ولعلك تعجبين من هذا الإطراء؛ وتحملينه على محمل الاستهزاء، ولكنك تذكرين أننا في بلاد قسمتها طبيعة الأرض ومطامع الناس إلى عشرين دولة صغيرة، يتضارب أقيالها الصيد من شدة الزحام بالمرافق والمناكب، وكان العرف الدارج في الأمم القديمة أن يقتتل الناس رجلاً لرجل، وجسماً لجسم، وجعلوا قوة البدن جماع القوى وملاك الفضيلة، وكانوا يتوسمون مخايل الكفاية والفضل في قبضة اليد وقوة الكتف، كما نتوسمها نحن اليوم في أسرار الجبهة ولمحات
стр. 6451
العين، وحسبك أن هرقليس رمز القوة ومثالها كان إلهاً.
تأثر ظهور الكاهنة الوسيطة التي يتكلم بلسانها الإله، ولكن أحد لم يسمع هنين السأم، ولم يلمح عبوس الانتظار لأن الجمهور كان يجد في ما يرى غذاء لفضوله ورياً لشوقه، كان يرى هيلوس بكر هرقليس أو أكبر الأخوة، وهو محارب عملاق عاري الذراعين مجدول العضلات مطهم الوجه، فيجده وعلى منكبيه جلد الأسد، وفي يديه الهراوة العقداء، أشبه بأبيه من الليلة بالليلة، ثم يرى أنتينور، هو سوغ هيلوس وأدق منه ملامح وأرشق قامة. كان يتشح بقداسته الجديدة، ويبتسم لشباب الإغريق، منفوخان يتنسمان عبير الإعجاب في نشوة ولذة. وعلى الجملة كان الإله أنتينور شديد الخيلاء والصلف. أما أخوهما (إيجسط) فكان لا يشبههما في شيء غير القوة والشهامة. كان وجوده في هذا العصر وفي هذا المصر خطأ صارخاً في تقويم الزمن، وأعجب شيء فيه أنه كان أشقر الشعر ساهم الوجه منقبض المزاج، وانقباض المزاج عاطفة عصرية مسيحية. ثم كان يرجع من المعارك الدامية الشعواء إلى الدار عذب الروح حيي الطبع، كأنه أحد أولئك المحاربين الشقر من أهل الشمال: يصرعون المردة والأغوال، ثم يطأطئون الهام ويحرمون الكلام أمام عصا ساحرة صغيرة. كان وهو يتحسر على عرش (أرجوس) كأنما يأسى على شيء أعز عليه من عرش! فإلى أين إذنكانت تصعد زفراته وتتبخر دموعه؟ أإلى بيت صديق، أم إلى قبر أم؟ علم ذلك عند الله، فان سره لم يسافر عن ضميره إلى أحد، حتى أخته الفتاة مكريا، وهي أمينة سر الأرة لم يفض إليها بذات صدره. وكانت مكريا جالسة إلى جانبه تصلي. . عفواً يا أختاه! لقد شغلت بالأبطال عن العذراء، ولكنها هي الملومة! أنظري! إنها مستترة في ظل أخوتها، كأنها تحرص على أن تغفلها العيون. إنها لم تكشف عن وجهها النقاب بعد، فقسماتها لا تزال مجهولة، ولكنك أسلفت لها الحب ولا شك، لأنك سمعت منذ قليل أنها وديعة تقية
وأخيراً أعلنوا ظهور الكاهنة الوسيطة. وكان الوهن لا يزال بادياً عليها من أثر ما أصابها من اختلاج الأعصاب في وساطتها الأخيرة بين الآلهة والناس. فهي تجر نفسها جراً من الإعياء والجهد، حتى بلغت المنصة متكئة على كاهنين من كهنة أبولون. حينئذ انفتح في جوف المحراب باب على مصراعيه فاقتحمته هبة عريضة من الهواء العازف، فقشعت
стр. 6452
دخان القرابين وهزت الجمع الحاشد فضج الناس قائلين: (الإله! هذا هو الإله!) وعندئذ اضطربت النيبة المعذبة في المنصة اضطراب الذبيح. فجشعت الأصوات وأصغى القوم
بدأت الكاهنة أمرها بالشهيق، ثم اتبعته بمقاطع من الأنين والضراعة، ثم انتهت إلى كلمات ذاهلة لا تسفر عن معنى، ثم تكلم الإله بلسانها فقال:
(إن (منيرفا) ستقاتل. . .! وعلى خوذتها الإلهية
ستصيح البومة: (إني عطشى) ويذهب جهدها باطلاً تدعونو منيرفا آلهة النصر
وآلهة النصر أختها فلا تخذلها. . .
إني أسمعها وهي قادمة تئز أجنحتها في الهواء. . .
ولكن البومة تصيح: إني عطشى! وأريد أن أرتوي بالدماء. . إن أرجوك تنتظر ملوكها لتؤلههم:
اضطربي وميدي يا ارجوس! إن البومة في طيرانها السفاح تحوم في الجو باحثة عن جبهة نقية تضحيها
إنها تحوم تحوم ثم تقع على. . . ولد من أولاد هرقليس)
وفي هذه الساعة الرهيبة العصيبة على أبناء هرقليس، لم يكن في المعبد من ملك نفسه وضبط حسه غير أبناء هرقليس! على أن الكاهنة لم تكد تمسك عن الكلام حتى صاح بها هيلوس:
- عيني الضحية بالاسم
ولكنها كانت تتساقط من الضعف على درج المنصة ولم يبق منها إلا رمق. فقال كبير الكهنة: إن الإله كان جبار القلب غليظ الكبد، فإذا استأنفت التجربة قتلها ولا شك. فليقدم أحد أبناء هرقليس نفسه.
فارتفع من بين الجمع ذلك الصوت الرخيم الذي تكلم منذ هنيهة من وراء نسطور وقال: أنا أقدم نفسي فقال له الكاهن في لهجة قاسية: (من أنت؟ وماذا تسمى؟) فأجابه الغلام: (أنا ابن هرقليس وأسمي إكسوس)
فانفجر الناس بأصوات الدهش لهذا الجواب المفاجئ ثم قال قائل منهم يتهكم: (إذا صدق قولك فقد صدق اسمه وستعلمين يا أختاه أن إكسوس كلمة يونانية معناها العليقي، فكان
стр. 6453
أبويه عندما ولد وسماه بهذا الاسم احتقاراً لشكله واستصغاراً لشأنه. والحق أن هذا المخلوق الهش يشبه في انتسابه إلى هذا العرق القوي ذلك النبت الطفيلي الرخو الذي تعبث به الريح وهو قائم على جذوع السنديان.
دلف (تينور) إلى الغلام وقال له بلهجة الحانق المتوعد: (لقد منعناك أن تتبعنا إلى دلفي. . .) ولكن ابنة هرقليس التي ظلت إلى تلك الساعة ساكنة ساكتة محتجبة، ألقت نفسها بين الأخوين فقطعت من بينهما الشر، ثم أخذت الصغير من يده وخرجت به من المعبد وهي في صمم عن نداء هيلوس يدعوها إليه، وفي ذهول عن هتاف الإعجاب الذي انبعث عن يمينها وعن شمالها، لأن نقابها انحسر من ذات نفسه لسرعة المشي وشدة الحركة فبدت مكريا للعيون بارعة الجمال رائعة الحسن لطيفة الروح، وقد زاد في جمالها تلك الشفقة التي تجلت في صوتها وفي عينها؛ والشفقة عاطفة تجمل القبح، فكيف يكون أثرها في الحسن؟
عادت أسرة هرقليس كلها إلى أثينا في مركبة واحدة، وقد عقد الأبطال الثلاثة فلوبهم على أن يقترعوا بينهم غداً في معبد منيرفا ليعلموا أيهم يجب عليه أن يموت. وكان إكسوس المسكين قد جاء في اختيال ومرح يضع اسمه مع أسماء أخوته في الصندوق ولكنهم منعوه ودفعوه معتقدين أن من الإهانة للآلهة أن يهيئوا للقدر - وهو في أغلب أمره ساخر عابث - الفرصة ليقدم إليه هذا القربان الأعجف. أما أخته مكريا فلم يشاءوا أن يعرضوها معهم على رغبة الموت لسبب آخر غير سبب إكسوس؛ لقد كانت خطيبة (ليكوس) وهو زعيم من زعماء أثينا ذوي الرأي المسموع والأمر النافذ، (وأثينا هي التي غضبت لهم تلك الغضبة وشهرت دونهم السيف) فهم يحرصون لسبب سياسي أو أدبي على ألا يقطع الاستعداد للتضحية الاستعداد للزفاف لذلك وجدت مكريا غرفتها بعد عودتها تضوع بعبير الألطاف والتحفالتي قدمها (ليكوس) ولكن نفسها وهي تتسلف الحداد علة أخ من أخوتها لم يهزها كرم الهدايا ولم يسرها جمال التحف. على أنها رأت إكليل الزفاف مصوغاً من الزنبق الجميل النضر، فحملته ووضعته على جبينها من غير إرادة ولا وعي. وفي هذه اللحظة سمعت من خلفها زفيراً يتصعد في ضعف فالتفتت فإذا هي ترى إكسوس، إكسوس أخاها الذي جمعت له في قلبها الأم والأخت في وقت معاً، إكسوس الذي عنيت به وأقبلت
стр. 6454
عليه لأنه عليل الجسم مبذوء الهيئة، إكسوس الذي لا يخطو بالبيت خطوة إلا بابتسامة من مكريا تبدل بؤسه وتجدد أنسه، فإذا غابت عن الدار غاب عنه الأنس واستولت عليه الوحشة.
كان ينظر إلى الزهور الرمزية والدمع يجول في عينه، والهم يعتلج في صدره والألم الممض يرتسم على أسرار وجهه، فاستطير فؤاد أخته من الخوف عليه، لأنها تعودت أن تراه يشكو ويتألم منذ أثني عشر عاماً فلم تجده يوماً على مثل هذه الحالة من الكمد المقلق واللوعى الأليمة؛ فأقبلت عليه تعتذر إليه وتسري عنه، وتقول:
- أوه! أعفو عني وأغفر لي يا طفلي المسكين!
- أنا أعفو عنك وأغفر لك يا مكريا؟ علام إذن والسعادة التي غمرت بها قلبي وعمرت بها وجودي؟
- لا تشكري لي عنايتي بك؛ ذلك دين أقضيه. . . . . ذلك تكفير أؤديه. . . . . . .
فانبعث من عين الفتى المشدوه نظرات ضارعة تسأل أخته حل هذا اللغز، فقالت له: (سمعك إلي! منذ أربع سنين (كان عمرك يومئذ ثمان سنوات وعمري أربع عشرة جرت في أسرتنا حوادث عجيبة وأمور خارقة لم يصل علمها بأبي ولا بأخوتي لعلك تذكر ذلك الكوخ الذي بنوه على شاطئ البحر ليختفوا فيه عن أعين المضطهدين الكثيرين الأقوياء. كنت فيه ذات مساء وكان أبي وأخوتي في الصيد، وكنت أنت منهوك القوى ومن كثرة ما جريت في الغاب طول النهار فاستسلمت على هدهدة المطر والريح لنوم ثقيل وكان الليل قد أقبل منذ حين، وأبي وأخوتي لم يقبلوا بعد، فسمعت قارعهاً يقرع الباب فذهبت أفتحه وفي حسباني أني أجد الصيادين والصيد ولكني وجدت عابر سبيل يطلب الدفء والمأوى برهة من الزمن فأدخلته، ثم جلست إلى جانب سريرك واشتغل هو بتجفيف ثيابه على نار الموقد؛ وما كان اشد دهشتي حين رأيت نوراً لطيفاً يتلألأ على شعره الأشقر! عزوت ذلك النور بدياً إلى انعكاس النار التي في الموقد، لكن الموقد خبى وغرة المسافر ما تزال مشرقة! حينئذٍ أدركت أنه أبولون، الذي طرد من الأولمب فهام متنكراً في العالم على وجهه، ثم بقيت على رغم تنكره بقايا النور من هالته.
فجررت جاثية أمامه، وقلت ماذا تبتغي مني أيها الإله العظيم؟ فقال: (لا شيء غير المأوى!
стр. 6455
على أن المطر قد كف والجو قد صفى، فأنا ذاهب، وسأقبلك قبلة الوداع) فتقدمت واجفة القلب مضطربة الحواس إلى عمي وقدته من يده إلى مرقده وقلت له: (الأولى أن تلاطف هذا الصبي المسكين فإنه لم يظفر بعد بملاطفة إله؛ ألمس وجنته الذابلة فتنظر وانفخ في شفته الباردةفتغنى).
فتبسم أبولون لرجائي، ودنا منك فنفث في فمك من روحه؛ ولكن نفثته كانت قوية مضطرمة، فسرت إلى قلبك فأفعمته وأشعلته، من أجل ذلك كان قلبك يحترق ولا يفتر عن الوجيب! ومن أجل ذلك كان جسمك يذوي وروحك لا تستجيب. . . هأنذا وقفتك على جلية الأمر فهل تصفح عني؟
فما كان جواب إكسوس إلا ان قبل أخته، فقالت له: إن برهان عفوك عني أن تنقاد لي وتسمع مني؛ قل يا قليل الحكمة: بأي معجزة نجوت من الموت جوعاً وظمأت في طريقك الطويل من أثينا إلى دلفي؟
فقال إكسوس: أوه! كنت من الصباح إلى المساء أسترجع النشاط بالغناء، وأستفتح الأبواب بالنشيد، فكلما دلني الدخان على وليمة في أحد البيوت طرقت الباب وأنشدت الأغنية فيفتح لي أهله وينزلونني خير منزلة.
فتبسمت مكريا وقالت: أغنية عجيبة! هل لك أن تعلمنيها يا إكسوس حتى أغنيها أنا أيضاً في ذهابي إلى دلفي أو إلى الأولمب؟
فتمنع إكسوس وتدلل عادة المغنين في كل عصر، ثم نزل على مشيئة أخته بعد رجاء قليل:
أغنية إكسوس
افتحوا أنا إكسوس المسكين، أنا عليقة السنديانة التي تمر عليها هبة الريح تمت! منذ أثني عشر عاماً سقط قزم من جلد الأسد الذي يتنكبه هرقليس، فكنت أنا ذاك القزم. كان أبي لا يحبني لأنني كنت صغير الجثة رقيق البدن، وحينما كنت أصطدم بركبتيه وأنا طفل كنت أسمع فوق رأسي زمجرة كزمجرة العاصفة. وكان أخوتي يضربونني كلما دعوتهم أخوتي؟ ومع ذلك أريد أن أعيش، لأن لي أختاً تحبني وتحنو عليّ، هي الجميلة الكريمة مكريا.
افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديان التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.
٢
стр. 6456
قال لي أخوتي ذات يوم: (اجتهد أن تكون صالحاً لشيء. . تعلم إقامة التماثيل وشيادة الهياكل، فلعللنا نصير يوماً آلهة) فحاولت أن ألبي مبتغى أخوتي، ولكن الأزميل والمنحت كانا ثقيلين على يدي! ثم كانت هناك رؤى غريبة تطوف بيني وبين جنادل (باروس) وكانت إصبعي الناحلة الذاهلى تخط في التراب اسماً لا تخط غيره اسم أختي الحبيبة مكريا. .
افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.
٣
حينئذ قال لي أخوتي: (إن في مضيفنا شيخاً من شيوخ الكلدان يقرأ في صفحة السماء أسرار الغيب وأنباء المستقبل، فاستمع إليه، وتثقف عليه، ثم قل لنا في مطاوي السحب كنوزاً أو نصراً) فسمعت من الشيخ، ثم قضيت ليالي طويلة أرصد النجوم والغيوم فلا أرى كنوزاً ولا نصراً. إنما كنت أرى عيون السماء تنظر إلي نظر المحب كأنها عيون مكريا. . .
افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.
٤
حينئذ قال لي أخوتي: (خذ قوساً ونشاباً وأخرج إلى الصيد في الغاب فجبت الغاب بقوسي ونشابي، ثم لم ألبث أن نسيت أخوتي وذهلت عن صيدي. وبينما كنت أسمع غناء الرياح وتغريد البلابل أقبلت ظبية فأكلت طعامي من جيبي، ثم جاء طائر صغير أعياه طول الطيران فنام في كنانتي، فحملته إلى مكريا.
افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.
٥
حينئذ قال لي أخوتي: (أنك لا تصلح لشيء) ثم ضربوني، ولكنني لم أبك، لأن فكري كان مشغولاً بأختي! وغداً سيأخذون مني مكريا! وغداً ستسأل وهي جالسة في حفلة الزفاف: ما هذا الدخان الذي يسطع هناك وراء الغار؟ فيجيبها المدعوون: (لا شيء).
(إنها محرقة! إكسوس المسكين، عليقة السنديانة التي عصفت بها الريح فجعلتها كالرميم).
стр. 6457
فصاحت الفتاة وقد ملكها الحنان وأدركها الجزع: كلا إنك ستعيش! وسأجعلك في قلبي، حتى إذا ثارت العواصف الهوج لا يمسك منها أذى. إن (ليكوس) سعيد محبوب، وعذارى أثينا كثيرات يفتحن له دورهن وصدورهن. أما أنت أيها الفريد الشريد الموجع، فإليك وحدك كل أيامي وأحلامي وحبي.
(خذ يا أخي، خذ يا شاعري! هذا ثمن أغنيتي) ثم نزعت من فوق جبينها الأبلج إكليل الزفاف وألقته مبللاً بالدمع تحت قدمي إكسوس! فأراد إكسوس أن يجيب، ولكن التأثر المفاجئ صعق الصبي المسكين فلم يستطع إلا أن يقول بصوت خافت: (أوه! ثم وضع يده على قلبه وخر مغشياً عليه! ثم بات طول الليل يتضور من شدة الحمى، وأخته بجانبه لا يغمض لها جفن، ولا يرقأ لعينها دمع.
وكان الغد موعد أبناء هرقليس إلى المعبد ليقترعوا هناك على الضحية. فتقدموا إلى الهيكل كما يتقدمون إلى المعركة: قلوبهم فارغة من الهم، ورءووسهم مرفوعة من العزة؛ ثم جرت المراسم المألوفة وهي لا تختلف عما رأيناه في دلفي. واقبل كاهن من كهنة (منيرفا) فأجال الأسماء في الصندوق، ثم تقدم طفل معصوب العينين إلى الإناء المقدس يستخرج منه حكم الموت. فلم تكد يده تلمس حافته حتى دوى على عتبة المعبد صوت امرأة يقول: (قف! هاكم الضحية. .)
وكان ذلك الصوت صوت مكريا وهي تتقدم إلى المذبح كاسفة اللون، كاملة الأهبة، تنوس على جبينها الأزهر الجميل عصبة الذبيحة. فدلف إليها إيجسط وقال: أهنا أنت يا أختاه لقد وعدتني أن تتخلفي لتقومي على سرير إكسوس. فقالت وهي تغالب الدمع وتحبس الزفرة: إن إكسوس مات! وليس الآن ما يمنعني أن أفديكم بنفسي. ثم تابعت سيرها البطيء إلى الهيكل بين تصفيق الجمع وإذعان الإخوة. ثم جثت مكريا أمام المذبح وعوقت بالإشارة مدية الذابح العجلان حتى تلقي على أخوتها ابتسامها الأخير، ثم أغمضت عينيها، وأزاحت الغطاء عن ثدييها، وكانت بعد دقيقتين جسداً يضطرب على مذبح الهيكل!
ثم أضرموا النار وجعلوا منها لإكسوس ومكريا محرقة واحدة! وعندئذ رأى الناس شيئاً يصعد من اللهيب إلى السماء، رفاف الأجنحة ناصع الريش رائع الرواء!
وهكذا كانت الفضيلة (مكريا) في العصور الخوالي تكفل الشعر (إكسوس) وتلهمه.
стр. 6458
والفضيلة والشعر أجمل ما في الحياة وأنبل ما في الإنسان!
стр. 6459
العدد ٧٨ - بتاريخ: ٣١ - ١٢ - ١٩٣٤
стр. 6460
الراديو و (الشاعر). . .
ألفت منذ سنين أن أزور رمضان في ربوعه الأصيلة، ومغانيه الباقية. ومن لم يشهد رمضان في حي الحسين، أو في حي الحسينية، أو في أمثالهما من الأحياء القديمة لم يشهد قداسته المهيبة وجلالته الباهرة!
كنت في إحدى الليالي الزّهر أخرج متى استيقظت المشاعر من فترة الصيام، وسكرة الطعام، فأعبر القرون العشرة التي تفصل بين قاهرة الملك فؤاد وقاهرة الخليفة المعز، فأجد رمضان العظيم قد نشر بنوده، وأعلن وجوده، في كل شارع وفي كل منزل! فهو خير يتدفق في البيوت، وبشر يتهلل في الوجوه، وأنس يتطلق في المجالس، وذكر يتضوع في المساجد، ونور يتألق في المآذن، وسمر ينتقل في الأندية، ونفحات من الفردوس ترطب القلوب، وتلين الأكباد، وترف على ما ذوى من العواطف
فالحوانيت سامرة وإن لم تبع، والمصانع ساهرة وإن لم تنتج، والأبهاء عاطرة بحديث الأحبة حتى نصف الليل، والأفنية عامرة بذكر الله حتى أول السحر. أما كثرة الناس فقد أخذوا مجالسهم من قهوات الحي وباتوا ينضحون (مزاجهم) الظامئ بالفناجيل الرويّة، ويشققون أحاديثهم الطلية بالنكات المصرية، ثم يستمعون في خشوع العابد وسكون العاشق ولهفة الطفل إلى القصاص أو الشاعر، وقد طوفت به أشباح القرون، وغمغمت في صوته أصداء الزمن. يتربع في صدر المكان على منصة عالية من الخشب العتيق، وهو في سمته وهندامه ولهجة كلامه وطريقة سلامه نموذج العامي الأديب، ومثال الحضري المثقف: حفظ كثيراً من الأشعار فاكتسب ظرف الأدب، وروى صدراً من الأمثال فاكتسى وقار الحكمة، ووعى طائفة من الأخبار فاتسم برقة المنادمة. وهو إلى ذلك بارع النادرة، دقيق الفطنة، عذب المفاكهة، حاضر الجواب، يؤدي هذا إلى الجمهور الغرير الساذج دعوة الواعظ، وأمانة المعلم، ورسالة الأديب
هاهو ذا قد فرغ من احتساء القهوة، وجباية النقوط ومبادلة السامع المعتاد جميل التحية، ومسارقة الزائر الممتاز رغيب المنظر؛ ثم أخذ يحتفل للقصص أو الإنشاد، فاحتسبت قهقهة (النكتة)، وانقطعت قرقرة (الجوزة)، وانتشرت سكينة الجد في القهوة، واتجهت عيون الجميع إلى المنصة، ثم رن في سكون القوم ذلك الصوت العريض المتزن يرسل الكلام والأنغام في ترجيع مؤثر، وتقطيع معبر، وتنويع مطرب؛ فهو يفخم ويرقق، ويقسو ويلين،
стр. 6461
ويأنف ويستكين، ويثور ويهدأ، ويسخط ويرضى، ويتدلل ويتذلل، ويتحمس ويتغزل، كأنه في تعاقب ذلك كله عليه الأوتار الطيعة تحت الأنامل اللينة البارعة، فيملأ الآذان بالنغم، والأذهان بالفكر، والقلوب بالشوق، والمشاعر باللذة
ذهبت ليلة الأمس على عادتي أرود المعاهد، وأجوس الديار، وأستنشي ما بقي على أطراف الزمن من عبير الفاطميين، فوجدت القاهرة الشرقية لا تزال تتحدى القاهرة الغربية بمساجدها ومدارسها ومستشفياتها وخاناتها وحماماتها وأسواقها، وتعلن بشهادة هذه الآثار أن حضارتها العربية الخالصة إنما كانت تقوم على الدين والعلم والمدنية والإنسانية والعمل، وتزعم بأدلة الاختبار أن هذا المظهر الحسي القوي الرائع الذي يميز حضارة الغرب من حضارة الشرق إنما يرجع إلى أن هذه تقوم على الروح، وتلك تقوم على الآلة، وهذه تصدر عن العاطفة والإيثار، وتلك تصدر عن المنفعة والأثرة؛ والميزة التي ينبغي أن تكون لحضارة على حضارة إنما هي ضمانة السعادة للناس، وتحقيق السلام للعالم
ولكن أين صديقي الشاعر، وأين أخوه القصاص! هذا هو الحي، وهذه هي القهوة، وهؤلاء هم الناس، ولكني وجدت في مكان الأريكة المنجدة، والحلة المفوفة، والعمامة الفردة، صندوقاً من الخشب، دقيق الصنع، أنيق الشكل، قد علق بالحائط، فأغنى غناء القصاص، وأبلى بلاء الشاعر!!
تركت هذه القهوة ومضيت أتحسس في زوايا الحي وحنايا السوامر ذلك الصوت الذي كان ينبعث من جوف الماضي السحيق شادياً بالمجد والنبل والبطولة، فلم أجد له - وا أسفاه - جرساً ولا صدى!!
لقد هزم الراديو الشاعر في كل قهوة، كما هزمت الآلة الإنسان في كل عمل! ففي كل مقهى من هذه المقاهي (البلدية) آلة من هذا الاختراع العجيب تغري الأذواق العامية بالفن، وتروض الآذان العصية على الموسيقى، وتنبه العقول الغافلة إلى العلم، وتحبب النفوس المستهترة في الأدب؛ فهي تقرأ القرآن، وترسل الألحان، وتذيع العلم، وتشيع اللهو، وتنشر البهجة! ولكني مع ذلك عظيم الأسف على موت القصاص، شديد الأسى على فقد الشاعر!
فإن مخاطر الشهامة (لأبي زيد)، ومواقع البطولة (لعنترة)، ومواقف النبل (لسيف بن ذي يزن)، أصلح لتهذيب العامة فيما أظن مما يبثه المذياع كل يوم من النوادر الوضيعة،
стр. 6462
والأناشيد الخليعة، والألحان الرخوة!
أحمد حسن الزيات
стр. 6463
السطر الأخير من القصة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
رجعت إلى أوراق لي قديمة، يبلغ عمرها ثلاثين سنة أو لواذها، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً؛ وجعلت أفلي هذه الأوراق واحدة واحدة، فإذا أنا على أطلال الأيام في مدينة قائمة من تاريخي القديم، نائمة تحت ظلمائها التي كانت أنوار عهد مضى؛ وإذا أنا منها كالذي اغترب ثلاثين سنة عن وطنه ثم آب إليه، فما يرى من شيء وكان له به عهد في أيام حدثانه ونشاطه إلا اتصل بينهما سر. ومن طبيعة القلب العاشق في حنينه أن يجعل كل شيء يتصل به كأنه ذو قلب مثله له حنين ونجوى!
وذلك التلاشي المحفوظ في هذه الأوراق، يحفظ لي فيها وفيما تحتويه نفساً وطبيعة كانتا نفس شاعر وطبيعة روضة، في عهد من الصبى كنت فيه أتقدم في الشباب وفي الكون معاً، كأن الأشياء تخلق فيّ خلقاً آخر؛ فإذا قرضت شعراً واستوى لي على ما أحب؛ أحسست إحساس الملك الذي يضم إلى مملكته مدينة جديدة؛ وإذا تناولت طاقة من الزهر وتأملتها على ما أحب، شعرت بها كأجمل غانية من النساء توحي إلي وحي الجمال كله؛ وإذا وقفت على شاطئ البحر ترجرج البحر بأمواجه في نفسي، فكنت معه أكبر من الأرض وأوسع من السماء. أما الحب. . .؟ أما الحب فكانت له معانيه الصغيرة التي كضرورات الطفل للطفل، ليس فيها كبير شيء، ولكن فيها أكبر السعادة، وفيها نظرة القلب
عهد من الصبى كانت فيه طريقة العقل من طريقة الحلم؛ وكانت العاطفة هي عاطفةً في النفس، وهي في وقت معاً خدعة من الطبيعة؛ وكان ما يأتي ينسي دائماً ما مضى ولا يذكر به؛ وكانت الأيام كالأطفال السعداء، لا ينام أحدهم إلا على فكرة لعب ولهو، ولا يستيقظ إلا على فكرة لهو ولعب؛ كانت اللغة نفسها كأن فيها ألفاظاً من الحلوى؛ وكانت الآلام - على قلتها - كالمريض الذي معه دواؤه المجرب؛ وكانت فلسفة الجمال تضحك من فيلسوفها الصغير، الواضح كل الوضوح، المقتصر بكل لفظ على ما يعرف من معناه، المتفلسف في تحقيق الرغبة أكثر مما يتفلسف في تخيل الفكرة!
هو العهد الذي من أخص خصائصه أن تعمل، فيكون العمل في نفسه عملاً، ويكون في نفسك لذة
стр. 6464
في أوراقي تلك بحثت عن قصة عنوانها (الدرس الأول في علبة كبريت) كتبتها في سنة ١٩٠٥، وأنا لا أدري يومئذ أنها قصة يسبح في جوها قدر روائي عجيب، سيأتي بعد ثلاثين سنة فيكتب فيها السطر الأخير الذي تتم فلسفة معناها
وهأنذا أنشرها كما كتبتها؛ وكان هذا القلم إذ ذاك غضاً لم يصلب، وكان كالغصن تميل به النسمة، على أن أساس بلاغته قد كان ولم يزل، بلاغة فرحه أو بلاغة حزنه؛ وهذه هي القصة:
(عبد الرحمن عبد الرحيم) غلام فلاح، قد شهد من هذه الدنيا تسعة أعوام، مرت به كما يمر الزمن على ميت لا تزيده حياة الأحياء إلا إهمالاً؛ فنشأ منشأ أمثاله ممن فقدوا الوالدين، وانتزعوا من شملهم فتركوا للطبيعة تفصلهم وتصلهم بالحياة، وتضيق لهم فيها وتوسع
وهيأت الطبيعة منه إنساناً حيوانياً، لا يبلغ أشده حتى يغالب على الرزق بالحيلة أو الجريمة، ويستخلص قوته كما يرتزق الوحش بالمخلب والناب؛ ولن يكون بعد إلا مجموعة من الأخلاق الحيوانية الفاتكة الجريئة؛ فإن الطبيعة متى ابتدأت عملها في تحويل الإنسان عن إنسانيته، نزلت به إلى العالم الحيواني ووصلته بما فيه من الشر والدناءة، ثم لا تترك عملها حتى يتحول هو إليها
وألف (عبد الرحمن) في بلده حانوت رجل فقير، يستغني بالبيع عن التكفف وعن المسألة؛ فكان الغلام يكثر الوقوف عنده، وكان يطعم من صاحبه أحياناً كرزق الطير، فتاتاً وبقايا، إذ كان الغلام شحاذاً، وكان صاحب الحانوت لا يرتفع عن الشحاذة إلا بمنزلة تجعل الناس يتصدقون عليه بالشراء من هناته التي يسميها بضاعة: كالخيط والإبرة، والكبريت والملح، وغزال للولد، وكحل للصبايا، ونشوق للعجائز نسخة الشيخ الشعراني، وما لف لفها مما يصعد ثمنه من كسور المليم، إلى المليم وكسوره!
وتغفله الغلام مرة، وأهوى بيده إلى ذخائر الحانوت، فالتقطت (علبة كبريت)، كان الفرق كل الفرق بين أن يسرقها وأن يشتريها نصف مليم. ولكن من له (بالعشرين الخردة)؟ وهي عند مثله دينار من الذهب يرن رنيناً ويرقص على الظفر رقصة إنجليزية
وماذا يصنع بالعلبة؟ همت نفسه أن تجادله ولما تسكن رعشة يده من هول الإثم. ولكن الغلام كان طبيعياً ولم يكن فيلسوفاً، ولذلك رأى أن يحرز الحقيقة بعد أن وقعت يده عليها.
стр. 6465
وقد اصطلح الناس على أن مادة السرقة هي (مد اليد) أخطأت أم أصابت، وجاءت بالغالي أو جاءت بالرخيص؛ فضم أصابعه على العلبة وانتزعها، وترك في مكانها فضيلة الأمانة التي لم يعرف له الناس قيمتها، فهانت كذلك على نفسه، وانطلق وهي تناديه:
أيها الغلام، أتدفع ثمن علبة الكبريت سنتين من عمرك، وهل خلا الناس ممن يعرفون لعمرك قيمة؟
وارتد رجع الصوت الخفي إلى قلبه من حيث لا يشعر، فضرب قلبه ضربات من الخوف، ونزا نزوة مضطربة؛ فالتفت الغلام مرة أخرى، ثم أمعن في الفرار وترك الأمانة تناديه:
أيها الغلام، إن لك في الآخرة ناراً لا توقد بهذا الكبريت، ولك في الدنيا سجن كهذه العلبة، فالعب العب ما دام الناس قد أهملوك، العب بالثقاب الذي في يدك فسيمتد فيك معنى اللهب حتى يجعل حياتك في أعمار الناس دخاناً وناراً، وستكون أيامك أعواداً كهذا الكبريت تشتعل في الدنيا وتحرق
وكأن أذناب السياط كانت تلهب ظهر الغلام المسكين، ولكنه ما كاد يلتفت هذه المرة حتى كان في قبضة صاحب الحانوت، وإذا هو بكلمة من لغة كفه الغليظة، خيلت له في شعرها أن جداراً انقض عليه، وتلتها جملة من قوافي الصفع جلجلت في أذنيه كالرعد، وأعقب ذلك مثل الموج من جماعات الأطفال أحاط به، فترك هذا الزورق الإنساني الصغير يتكفأ على صدمات الأيدي. فما أحس الغلام التعس إلا أن الكبريت الذي في يده قد انقدح في رأسه، وكانت أنامل صاحب الحانوت كأنما تحك أعواده في جلد وجهه الخشن!
وذهبوا به إلى (دوار) العمدة يقضي فيه الليل، ثم يصبح على رحلة إلى المركز والنيابة. وانطرح المسكين منتظراً حكم الصباح، مؤملاً في عقله الصغير ألا يفصح النهار حتى يكون (سيدنا عزرائيل) قد طمس الجريمة وشهودها؛ ثم أغفى مطمئناً إلى أن ملك الموت وأنه قد أخذ في عمله بجد، وأيقن عند نفسه أن سيشحذ في الخميس مما يوزع على المقبرة صدقة على أرواح العمدة، وصاحب الحانوت، والخفير الذي عهدوا إليه جره إلى المركز. . . .! وكيف يشك في أن هذا واقع بهم وهو قد توسل بالولي فلان ونذر له شمعة يسرقها من حانوت آخر. .!
هكذا عرف الشر قلب هذا الصبي، وانتهى به عدل الناس إلى أفظع من ظلم نفسه، وكأنهم
стр. 6466
بذلك القانون الذي يصلحونه به على زعمهم، قد ناولوه سبحة ليظهر بها مظهر الصالحين، ولم يفهموه شيئاً ففهم أنهم يقولون له: هذه الجريمة واحدة، فعد جرائمك على هذه السبحة لتعرف كم تبلغ!
كانت في الحقيقة لعبة لا سرقة؛ وكانت يد الغلام فيما فعلت مستجيبة لقانون المرح والنشاط والحركة، كما تكون أعضاء الطفل لا كما تكون يد اللص؛ وكان أشبه بالرضيع يمد يده لكل ما يراه، لا يميز ضارة ولا نافعة، وإنما يريد أن يشعر ويحقق طبيعته؛ وكان كل ما في الأمر وقصارى ما بلغ - أن خيال هذا الغلام ألف قصة من قصص اللهو، وأن الكبار أخطئوا في فهمها وتوجيهها. .! ليست سرقة الطفل سرقة، ولكنها حق من حقوق ذكائه يريد أن يظهر
وانتهى (عبد الرحمن) إلى المحكمة، فقضت بسجنه في (إصلاحية الأحداث) مدة سنتين، واستأنف له بعض أهل الخير في بلده؛ صدقة واحتساباً. . . إذ لم يكلف الاستئناف إلا كتابة ورقة. فلما مثل الصغير أمام رئيس المحكمة لم يكن معه لفقره محام يدفع عنه، ولكن انطلق من داخله محام شيطاني يتكلم بكلام عجيب، وهو سخرية الجريمة من المحكمة، وسخري عمل الشيطان من عمل القاضي. . .!
سأله الرئيس: (ما اسمك؟)
-: (اسمي عبده، ولكن العمدة يسميني: يا بن الكلب!)
-: (ما سنك؟)
-: (أبويا هو اللي كان سنان)
-: (عمرك إيه؟)
-: (عمري؟ عمري ما عملت شقاوة!)
النيابة للمحكمة: (ذكاء مخيف يا حضرات القضاة! عمره تسع سنوات)
الرئيس -: (صنعتك إيه؟)
-: (صنعتي ألعب مع محمود ومريم، وأضرب اللي يضربني!)
-: (تعيش فين؟)
-: (في البلد!)
стр. 6467
-: (تاكل منين؟)
-: (آكل من الأكل!)
النيابة للمحكمة: (يا حضرات القضاة؛ مثل هذا لا يسرق علبة كبريت إلا ليحرق بها البلد. . .!
الرئيس: (ألك أم؟)
-: (أمي غضبت على أبويا، وراحت قعدت في التربة، مارضيتش ترجع!)
-: (وأبوك؟)
-: (أبويا لاخر غضب وراح لها)
الرئيس ضاحكاً: (وأنت؟)
-: (والله يا افندي عاوز اغضب، مش عرف اغضب ازاي!)
-: (إنت سرقت علبة الكبريت؟)
-: (دي هي طارت من الدكان، حسبتها عصفورة ومسكتها. . . .)
النيابة: (وليه ما طارتش العلب اللي معاها في الدكان؟)
-: (أنا عارف؟ يمكن خافت مني!)
النيابة للمحكمة: (جراءة مخيفة يا حضرات القضاة، المتهم وهو في هذه السن، يشعر في ذات نفسه أن الأشياء تخافه)
فصاح الغلام مسروراً من هذا الثناء. . (والله يا افندي إنت راجل طيب! أديك عرفتني، ربنا يكفيك شر العمدة والغفير)
وأمضى الحكم في الاستئناف، وخرج الصغير مع رجال من المجرمين يسوقهم الجند، ثم احتبسوا الجميع فترة من الوقت عند كاتب المحكمة، ليستوفي أعماله الكتابية؛ ثم يساقون من بعد إلى السجن
وجلس (عبد الرحمن) على الأرض، وقد اكتنفه عن جانبيه طائفة المجرمين يتحادثون ويتغامزون، وكلهم رجال ولكنه وحده الصغير بينهم؛ فاطمأن شيئاً قليلاً، إذ قدر في نفسه أنه لو كان هؤلاء قد أريد بهم شرٌ لما سكنوا هذا السكون، وأن الذي يراد بهم لا يناله هو إلا أصغر منهم، كصفعة أو صفعتين مثلاً. . . وهو يسمع أن الرجال يقتلون ويحرقون
стр. 6468
ويسمون ويعتدون وينهبون؛ وما تكون (علبة الكبريت) في جنب ذلك وخاصة بعد أن استردها صاحبها، وقد نال هو ما كفاه قبل الحكم؟
وما لبث بعد هذا الخاطر الجميل أن رد الاطمئنان في عينيه دموعاً كاد يريقها الجزع. غير أن القلق اعتاده فالتفت إلى كتّاب المحكمة مرة والى الجند مرة، ثم لوى وجهه ولم يستبح لنفسه أن يتجرأ على الفكر فيهم، لأنه قابل مهابتهم بآلهة بلده: العمدة والمشايخ والخفراء؛ فأدرك أن الجنود هم الحكومة القادرة، واستدل على ذلك بأزرارهم اللامعة، وخناجرهم الصقيلة، وتمشت في قلبه رهبة هذه الخناجر، فاضطرب خشية أن يكونوا قد أسلموه إلى من يذبحه، فنظر إلى الذي يليه من المجرمين وسأله (راح ياخذوني فين؟) فأجابته لكمة خفية انطلق لها دمعه، حتى أسكته الذي يليه من الجانب الآخر، وكان في رأيه من الصالحين!
ثم اتصل الجزع بين قلبه وعينيه، فهما تضطربان إلى الجهات الأربع، وكأنما يحاول أن يستشف من أيها سيأتيه الموت ذبحاً. ولم يكن فهم معنى (الإصلاحية)، وحكم القضاة عليه كأنه رجل يفهم كل شئ، ولم يرحموا هذه الطفولة بكلمة مفسرة. وعدل التربية غير عدل القانون، فكان الواجب على القاضي الذي يحكم على الطفل، أن يجعل حكمه أشبه بصيغة القصة منه بصيغة الحكم؛ وأن يدع الجريمة تنطلق وتذهب فلا يقول لها امكثي. . .
وبقي للخناجر رهبتها في نفس هذا المسكين، فلو أنهم قادوه إلى حبل الشناقة لأفهمه (الحبل) معنى العقوبة، أما وهو بين هذه الخناجر المغمدة - وفي الخناجر معنى الذبح - فإنما هو الذبح لا غيره
وطرقت أذنيه قهقهة المجرم عن يمينه فاستنقذته من هذا الخاطر، فثبت عينيه في الرجل، فإذا هو يرى وجهاً متلألئاً، وجسماً رابط الجأش، وهزؤاً وسخرية بهؤلاء الجنود وخناجرهم
واستراح الغلام إلى صاحبه هذا، وألح بنظره عليه، وابتدأ يتعلم في وجهه الفلسفة؛ وليست الفلسفة مقصورة على الكتب، بل إن لكل إنسان حالة تشغله، فنظره في اعتبار دقائقها وكشف مستورها هو الفلسفة بعينها
وقال الغلام لنفسه: (هذا الرجل أقوى من كل قوة؛ فهو محكوم عليه ولا يبالي، بل يقهقه ضحكاً؛ فهذا الحكم إذن لا يخيف. لا، بل هو تعود الأحكام، إذن فمن تعود الأحكام لم يخف
стр. 6469
الأحكام؛ إذن يا عبد الرحمن ستتعود، فإن الخوف هذه المرة فد غطك من (علبة الكبريت) في حريق متسعر؛ وما قدر (علبة الكبريت)؟، فلو كانت السرقة جاموسة ما لقيت أكثر من ذلك؛ يا ليتني إذن. . . ولكني لا أزال صغيراً، فمتى كبرت. . . آه متى كبرت. .)
وبدأ القانون عمله في الغلام؛ فطرد منه الطفل وأقر فيه المجرم
وأطرق (عبد الرحمن) هادئاً ساكناً، وقامت في نفسه محكمة من الأبالسة، بقضاتها ونيابتها، يجادل بعضهم بعضاً، ويداولون بينهم أمر هذا الغلام على وجه آخر
وقال شيطان منهم: (ولكنا نخشى أمرين: أحدهما أن (الإصلاحية) ستخرجه بعد سنتين شريفاً يحترف؛ والثاني أن الناس ربما تولوه بالتربية والتعليم في المدارس رحمة وشفقة، فيخرج شريفاً يحترف)
وما أسرع ما نفى الخوف عنهم قول الغلام نفسه بلهجة فيها الحقد والغيظ، وقد صفه الجندي الذي يقوده إلى السجن -: (ودا كله على شان علبة كبريت. . .؟)
وفي سنة ١٩٣٤ قضت محكمة الجنايات بالموت شنقاً على قاتل مجرم خبيث، عيار متشطر، اسمه (عبد الرحمن عبد الرحيم). . .
مصطفى صادق الرافعي
стр. 6470
هنا وهناك
حماية التفكير وتكريم النبوغ
للأستاذ محمد عبد الله عنان
نقرأ تباعاً أنباء الجوائز العلمية أو الأدبية أو الفنية التي تمنحها المؤسسات والهيئات العلمية المختلفة لأقطاب رجال التفكير والآداب والفنون؛ وهناك غير الجوائز المحلية القومية التي تنظم في كل أمة لتشجيع الحركة الفكرية، جوائز عالمية ترمي إلى تشجيع أبدع ما يخرج الذهن البشري في أي البلاد أو الأمم؛ ولعل جوائز (نوبل) هي أشهر جوائز من هذا النوع، فهي تمنح إلى أقطاب العلم والأدب والسياسة في أنحاء العالم دون فارق بين الجنسية أو الدين أو اللغة، ثم هي تمنح للنساء كما تمنح للرجال؛ وهذا هو أبدع ما في هذه الجوائز، فهي تقصد إلى تكريم النبوغ البشري حيث يوجد، وهي ترتفع فوق جميع الاعتبارات القومية، ولا تنظر إلا إلى أفق الإنسانية الشاسع، ولقد خلد ألفرد نوبل السويدي، صاحب هذه الوصية العلمية والإنسانية الجليلة، اسمه بتأسيسها وتنظيمها بما لم يخلده فاتح؛ والواقع أن لم يكن ينقص هذا المخترع العبقري شيء من بعد الصيت والذكرى، فقد كان عالماً ومخترعاً عظيماً، له ثبت حافل من الاختراعات العظيمة؛ وقد كان لتجاربه واكتشافاته في أواخر القرن الماضي أثر عظيم في تقدم الفنون العسكرية ولا سيما فيما يتعلق (بالديناميت) الذي وصل إلى اكتشافه وتركيبه. ومن الغريب أن يتجه هذا الذهن الذي أنفق نبوغه في اختراع المفرقعات المهلكة، إلى تشجيع النبوغ البشري في مختلف نواحي التفكير والأدب، وأغرب منه أن يتجه إلى تشجيع السلام العالمي، فيخصص ضمن جوائزه الشهير جائزة لأي جماعة أو شخصية تمتاز بخدماتها الجليلة لقضية السلام
وليست جوائز نوبل سوى مثل من أمثلة لا تحصى لهذا النظام المحمود - نظام الجوائز العلمية - الذي ترتبه جميع الأمم المتمدنة لتشجيع الحركة الفكرية، وتكريم أبنائها الممتازين بسمو التفكير والابتكار، ومعاونة الأذهان والعبقريات المغمورة على الظهور والعمل لاستثمار كفاياتها ومواهبها في مختلف النواحي. ولنلاحظ أن هذه الجوائز الشهيرة إنما هي من وضع فرد فقط، وإن كثيراً من الأغنياء في بلاد الغرب يحذون مثل ألفرد نوبل فيهبون الألوف والملايين إلى الجامعات والجماعات العلمية والأدبية؛ ويرتبون الجوائز لتشجيع
стр. 6471
الباحثين والمفكرين، وإظهار جهودهم، وثمرات نبوغهم؛ وفي كل يوم نقرأ نبأ هذه الهبات والجوائز السنية، ونهتز إعجاباً وإكباراً لهذه النفوس والهمم الرفيعة التي تجد مثلها الأعلى في العمل على تشجيع المثل العليا، ولا تنظر إلى المال إلا كوسيلة لإذكاء النبوغ واستثماره لخير العلم والإنسانية. وفي هذه الأمم التي يتقدم أغنياؤها للاضطلاع بهذه الأعمال الجليلة نجد الحكومات والهيئات العلمية الرسمية تعنى أشد العناية ببذل هذا التشجيع المنظم للدرس والبحث والنبوغ؛ ففي الجامعات ترتب جوائز دائمة لنوابغ الطلاب، فضلاً عن إعفائهم من أجور الدراسة، وترتب جوائز دورية مختلفة لتشجيع البحوث والجهود العلمية الممتازة؛ ولا تكاد توجد هيئة علمية أو أدبية، إلا ولها جوائز دورية ثابتة تمنح لكل عامل لتحقيق الأغراض العلمية أو الأدبية التي رتبت لتشجيعها. وأمامنا مثل الجمعيات الطبية والجغرافية والتاريخية في مختلف العواصم الغربية، فإنها جميعاً تبذل من المعاونات المادية في سبيل البحث والدرس والاستكشاف ما هو معروف ومشهور؛ ويكفي أن نذكر أن معظم الاستكشافات العلمية والطبية والجغرافية، تتم تحت رعاية هذه الهيئات المحترمة. بل يكفي أن نذكر أن معظم العلماء والمستكشفين لا يستطيعون القيام بمشروعاتهم إلا بمؤازرتها المادية، وأنها هي التي أوفدت في العصر الحديث معظم المكتشفين إلى مختلف مجاهل أفريقية وأسيا والقطبين
والخلاصة أن الهيئات الرسمية والخاصة في هذه الأمم العظيمة، تتحد جميعاً في مؤازرة الحركة العلمية، وتشجيع التفكير والنبوغ بجميع الوسائل. على أن أبدع ما في هذه النزعة هو الجهود الخاصة والفردية؛ وليس مثل ألفرد نوبل وحيداً، وإن كان من أعظم الأمثلة وأبدعها؛ فهنالك في فرنسا مثلاً مشروع جائزة (جونكور) الذي وضعه الكاتب الفرنسي أدمون جونكور لتتويج الآثار الأدبية البارزة؛ وقد وهب المشروع مالاً كثيراً، وما زالت (أكاديمية جونكور) منذ أواخر القرن الماضي تمنح جوائزها الأدبية للكتاب والقصصيين النابهين، عاماً بعد عام؛ وما زالت تعتبر شرفاً أدبياً يطبع الفائزين بطابع النبوغ، ولا سيما كتاب الشباب، ويفتح أمامهم أبواب المستقبل الذهبي؛ وهنالك أيضاً أمثلة عديدة لهذه الجهود والمنشآت الفردية، كما أن هنالك صحفاً كثيرة تنشئ مثل هذه الجوائز الأدبية؛ ولهذه الجهود المتحدة بلا ريب أثرها القوي في تقدم الحركة الأدبية وازدهارها في هذه الأمم
стр. 6472
أما نحن فلم نعرف بعد أهمية هذه المؤازرة العلمية، ولم تأخذ بها إلى اليوم جماعاتنا العلمية الرسمية؛ ولم يسغها بعد أغنياؤنا. فوزارة المعارف لم تفسح في ميزانيتها أي مجال لمثل هذه المؤازرة، لأنها لا تريد على ما يظهر أن تضطلع برعاية الحركة الفكرية العامة، وتريد أن تقتصر دائماً على شئونها الإدارية؛ ولدينا جامعة دينية عظيمة ولها ميزانية ضخمة، ولكنا لم نسمع أنها تقدمت ذات يوم لمؤازرة أي مجهود علمي حتى في دائرةمهمتها الدينية، فلم تساهم قط في تشجيع المباحث الإسلامية التي تنفق في سبيلها الجامعات الأوربية مئات الألوف تحقيقاً لمهمتها العلمية، ولم تساهم قط في إخراج أي أثر ديني أو عربي جامع؛ ولم نسمع أنها رتبت جائزة علمية محترمة؛ ولدينا الجامعة المصرية ما زالت تحتفظ بأفقها المدرسي، وما زالت بعيدة عن أن تخلق ذلك الجو العلمي الذي يمكن أن تنضوي تحت لوائه الجهود العلمية الفردية؛ ولم نعرف أن الجامعة ساهمت في تشجيع مجهود علمي فردي، ولا نعلم أنها على استعداد لذلك؛ كذلك لم تعرف الجامعة المصرية بعد نظام الجوائز العلمية والأدبية المحترمة، وإن كانت تعرف كيف تغدق على الأساتذة الأجانب؛ ولدينا عدة جمعيات علمية تتمتع بالرعاية الرسمية وبأموال الدولة، ولكنها جميعاً أجنبية في روحها وعواطفها، ولا يمكن أن تعتبر بحال ما مصرية، ولا يمكن أن تضطلع بمثل هذه المهام العلمية المحلية، التي يجب أن تتوفر لمؤازرتها عاطفة قومية لا توجد في هذه الجماعات
على أن هناك لدى جهاتنا الرسمية نزعة أخرى إلى تشجيع الجهود (العلمية) لا يمكن تجاهلها، ولكنها مع الأسف وقف على الأجانب؛ ونستطيع أن نحصي عشرات العلماء الأجانب الذين يفوزون بتعضيد الهيئات الرسمية المصرية للقيام بمختلف المهام العلمية أو لإخراج جهودهم، وهم لا يجدون مشقة في الحصول على هذه الهبات والجوائز السنية؛ ولكنك لا تجد مفكراً مصرياً استطاع أن يحظى بهذه الرعاية. ولا ريب أن تشجيع الجهود العلمية مبدأ محمود في ذاته، والعلم لا وطن له؛ ولكنه لا يقتضي الإيثار وحرمان المفكرين المصريين من كل تعضيد ومعاونة، بينما يرتع العلماء الأجانب في أموال الأمة المصرية؛ وما زلنا نذكر الضجة التي قامت منذ أشهر حول المنح المالية الباهظة التي أغدقت على أستاذ إنكليزي هو الكبتن كرزويل، لكي يخرج كتاباً له ولم يخرج منه سوى مجلد واحد،
стр. 6473
وكان مجموع الهبات التي استولى عليها من مختلف الجهات الرسمية يبلغ بضعة آلاف جنيه؛ وهنالك علماء أجانب يتقاضون الألوف المؤلفة من الأموال المصرية لكي يضعوا كتباً معينة؛ وتطلع علينا هذه الكتب من آن لآخر باللغات الأجنبية، فلا نراها ترتفع إلى مستوى المؤلفات العلمية القيمة، ولا نرى فيها سوى كتب دعاية ينقصها الطابع العلمي المحترم؛ وما زلنا نذكر تلك البدعة التي ظهرت في الأعوام الأخيرة، وهي انتداب بعض الجهات الرسمية لبعض العلماء الأجانب الذي يؤمون مصر في الشتاء زائرين متنزهين، لإلقاء بعض المحاضرات، ومنحهم عن المحاضرة الواحدة مكافآت باهظة تبلغ أحياناً خمسين جنيهاً!
لقد كانت الرعاية العامة وما زالت أكبر عامل في تشجيع الحركات الفكرية وازدهارها. ومع أن قسطاً كبيراً من هذه الرعاية تضطلع به الهيئات الخاصة والأفراد النابهون في الأمم الحية، فإن الحكومات والجامعات وما إليها من الهيئات العلمية الرسمية تقوم بتنظيم هذه الرعاية والسهر على توزيعها حيثما تبزغ بوادر النبوغ. ذلك أن النبوغ يعتبر في الأمم الحية ثروة قومية تجب المحافظة عليها واستثمارها وحمايتها من عوامل الخمول واليأس. ولقد مرت عصور كثيرة في تاريخنا كانت الحركة الفكرية فيها تأخذ حظها من الرعاية والمؤازرة؛ وكان العلماء والمفكرون يتبوءون أرفع مكانة وتغدق عليهم المنح والهبات الوفيرة لكي يتفتح نبوغهم ويستطيعون العمل في دعة وسكينة؛ وكان الخلفاء والسلاطين يأخذون بأعظم قسط في تشجيع الحركات الأدبية، وكان من بواعث الفخر أن يكون القصر أو العاصمة ملاذاً لأكبر عدد من الكتاب والشعراء؛ وكان من زينة العصر والدولة دائماً أن تزدهر الحركات الفكرية في ظل الرعاية الرسمية؛ وهاهو ذا الأزهر لم يعاونه على الحياة حتى عصرنا سوى التفات السلاطين إليه وتعهد علمائه وطلبته بالبذل والعون. ولم يكن الملق، دائماً، كما هو الشأن في أيامنا ثمن هذه الرعاية. ذلك أن رعاية العلم والعلماء في تلك العصور كانت تعتبر من واجبات الدولة القوية المستنيرة، وكان العلماء يعملون في ظل هذه الرعاية مستقلين في الغالب، ولم يكن يطلب إليهم دائماً أن يكونوا أذناباً أو دعاة للأسر أو الحكومات التي تشملهم برعاية يعتبرونها حقاً عاماً لهم يجب تأديته إليهم
ومن العبث أن ندعي أن الحكومات والهيئات الرسمية المصرية المختلفة قد استطاعت أن
стр. 6474
تؤدي هذا الواجب العام أو بعضه نحو رعاية الحركات الفكرية في عصرنا. والحركة الفكرية لم تفد شيئاً من تلك الدعايات الواسعة التي تذاع حولها، وتلك المنشآت العقيمة التي تقام باسمها، والتي يراد أن تكون هياكل فقط تمجد العصر وتنسب إليه؛ وما نخشاه هو أن الجهات الرسمية ما زالت بعيدة عن تقدير هذا الواجب، بعيدة عن تأديته. إن النبوغ في مصر ما زال يعني الفقر والبؤس، إذا لم يوفق من تلقاء نفسه إلى الخروج من غمرة الظلمات والصعاب التي ينشأ فيها؛ بل نستطيع أن نقول أكثر من ذلك، هو أن النبوغ يعتبر في مصر أحياناً خطراً يخشى منه ويجب اتقاؤه؛ وعندئذ يشترى لا ليعضد ويزدهر، بل لكي يسكت ويقبر. أما أغنياؤنا فلن نطمع أن نجد بينهم واحداً يقدر واجباً لا تقدره الحكومة؛ ومن المحال أن يروا مثلهم الأعلى في رجال كألفرد نوبل يرون ذخر الإنسانية في صون التفكير الإنساني، والارتفاع به إلى ذرى التقدير والإجلال
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 6475
الشيخ الخالدي
للدكتور عبد الوهاب عزام
لقيت في الآستانة منذ خمسين عاماً شيخاً جليلاً ينقب عن الكتب، ويتحدث عن نوادرها، وعرفت أنه الشيخ خليل الخالدي رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في القدس
ثم شرفت بلقائه في مصر مرات. كان كلما قدم القاهرة تفضل فزارني في الجامعة. تقابلنا مرة فتكلم عن الكتب والمؤلفين كلام خبير بحاثة. فحرصت على لقائه والإفادة منه فراعني علم لا ينفد، وحفظ لا يخطئ
يبدأ حديثه عن الكتب، فيذكر أنه رأى كتاب كذا في مكتبة كذا، ويصف النسخة وما عليها من سماع العلماء، ثم يتكلم عن قيمة الكتاب ومكانته بين أشباهه، ويذكر المؤلف فيبين عن تاريخه ومكانته من العلم، ودرجته بين العلماء، وهلم جراً، يفضي من حديث إلى حديث، والسامع فرح بما يسمع، معجب متعجب. وقد زار مكاتب الآستانة والأناضول وفينا والشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس، ونقب فيها عن نفائس الكتب، فأحاط بما لم يحط به سواه. والشيخ حفظه الله منقطع النظير في هذا الموضوع ما رأيت ولا سمعت بمثله
وهو من أسرة الخالدي إحدى أسر الشام العظيمة، تنسب إلى سيدنا خالد بن الوليد. وهي معروفة في التاريخ بأسرة الديري، وفيها العلماء والقضاة في الشام ومصر منذ خمسمائة وخمسين سنة
والشيخ نزيل القاهرة الآن. وقد أسعدني الجد بلقائه مرات في شعبان ورمضان هذا. وأرجو أن أسعد أنا وأصدقائي بحديثه مرات أخرى قبل رجوعه إلى فلسطين
وقد حرصت أن أكتب عن الشيخ بعض أحاديثه دون أن أشعره بذلك، فلما اجتمعنا في حلوان ليلة السبت ثامن رمضان، سأله بعض الحاضرين سؤالاً فشرع في حديثه، فدونت بعض ما قاله إجمالاً، ثم عدت إليه بعد انفضاض المجلس ففصلته على قدر ما وعيته. وإني أقدم للقارئ هنا ما حفظته عن الشيخ العلامة في ذلك المجلس:
سأل أحد الحاضرين عن المدارس ذات المكانة في التاريخ الإسلامي فقال: المدارس النظامية كانت في بغداد والموصل، وأصفهان ونيسابور، ومرو وهراة، وكان في نيسابور مئات المدارس: منها المدرسة البيهقية. ومدرسة ضياء الدين في سمرقند، وكان يقيم بها
стр. 6476
صاحب الهداية وشمس الدين الكردلي صاحب مناقب أبي حنيفة، ومدرسة الأمير مسعود في بخارى، ومدرسة قطلغ تيمور في خوارزم، وهذه البلاد التي ذكرت كانت من مراكز العلم، ومثلها بخارى وبلخ وفرغانه وجرجان، وكان ببخارى من معاهد العلم مسجد كوكلتاش ومسجد كلام، ومن رجال مرو: القفال الكبير والقفال الصغير، ومشايخ إمام الحرمين والبغوي، والسمعاني، وابن حنبل. وكان بدمشق مدارس كثيرة، منها العمرية التي أنشأها أبو عمر بن قدامة. وهو أخو الموفق أخو قدامة صاحب كتاب المغني في مذهب الحنابلة، وهو اثنا عشر مجلداً. ومنها المدرسة الضيائية، وكان بها خطوط المحدثين كلهم. وهي منسوبة إلى ضياء الدين المقدسي ابن أخت أبي عمر بن قدامة. وقد تخرج فيها ابن تيمية والذهبي، ومن مدارس دمشق دار الحديث الأشرفية، وهي دار المتحف العربي الآن. وقد درّس بها النووي وابن الصلاح وأبو شامة، والمدرسة العادلية، وقد درس بها ابن مالك وابن خلكان، والمدرسة الرواحية التي تخرج فيها النووي، وصارت الآن من دور آل الغزى، والمدرسة التي درس بها ابن القيم، وهي بقرب بيت العظم. وكانت بيوت العلم في الشام بني قدامة، وبني تيمية، وبني عساكر، وبني عبد الهادي، وهؤلاء من مشايخ الذهبي
ثم انتقل الحديث إلى الفخر الرازي، فقال في أثناء كلامه: إن الرازي من بني أبي بكر الصديق، فتعجب الحاضرون، فقال: ومن ذرية الصديق أيضاً جلال الدين الداوني، وعضد الدين صاحب العقائد، وأبو اسحق الشيرازي، والفيروز آبادي، قلت وجلال الدين الرومي. قال: نعم، وجلال الدين، وأين جلال الدين من هؤلاء، قلت: لكل وجهة، ثم سئل الشيخ عن بني عمر بن الخطاب في العلماء فقال: منهم السهرورديون من المتصوفة، ومنهم الفنري. وكان في بخارى جماعة منهم. وكان تيمور لنك يجلهم كل الإجلال، قال: وصدر الشريعة من بني عبادة ابن الصامت، وليس كل من نشأ في بلاد الفرس فارسياً، فأبو داود السجستاني، والترمذي صاحب الشمائل، والترمذي صاحب المسند، وابن عبد البر، كل هؤلاء من العرب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري من بني ضبة، ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وأبو القاسم صاحب الرسالة القشيرية من بني قشير، والمازري، وابن يونس الصقلي، وعبد الحق الصقلي الذي غلب إمام الحرمين في المناظرة، من بني تميم، والقاضي عياض من يحصب
стр. 6477
ثم ساقه الحديث إلى القطب الشيرازي العلامة المطلق، وفخر الإسلام البزدوي وصدر الشريعة فأفاض في الحديث. وقال: لفخر الإسلام البزدوي كتاب في الأصول منقطع النظير، حدث شمس الدين الأصفهاني شارح الطوالع أنه دخل على أستاذه القطب الشيرازي فرأى عنده كراسات على وسادة، فقال ما هذه؟ قال: إني منذ سنة كذا أقرأ كتاب البزدوي، وأنقل عنه وما أنهيته. ولصدر الشريعة كتاب تعديل العلوم في المنطق والحكمة والكلام والتصوف والأخلاق. رأيت منه نسخاً كثيرة. وله كتاب التنقيح وشرحه التوضيح
سأل سائل لماذا قل أمثال هؤلاء العلماء بين المسلمين اليوم؟ قال لذلك أسباب: منها أن أسلافنا كانوا يطلبون العلم للعلم لا يبغون من ورائه شهادة ولا منصباً؛ كان كل منهم يتخذ عملاً يعيش منه ثم يحصل العلم عن جهابذته. ولم تكن أساليب التعليم صناعية آلية كنظام المدارس في الوقت الحاضر؛ ومن الأسباب انقطاع الرحلة، كان سلفنا يشدون الرحال في طلب العلم لا يفترون، فيلقى بعضهم بعضاً، ويأخذ بعضهم عن بعض. الخ. أنظر إلى قضاة السلف كيف يفرون من القضاء إشفاقاً على دينهم؟. هذا أبو علي الصدفي أحد قضاة الأندلس ذبح الذبائح وحج شكراً لله على خلاصه من القضاء. ومن القضاة الأباة عظماء النفس، أهل التقوى أبو بكر بن السليم القاضي الأندلسي، وله رأي في الفقه معروف: (أن الإنسان إذا اشترى بيتاً فوجد به بقاً فله خيار العيب) ومنهم ابن زر القاضي، وكان في عهد المنصور بن أبي عامر. وحسبك بقاض يتعاظم على مثل المنصور. وله كتاب الخصال الكبير والخصال الصغير في مذهب مالك، رأيتهما في مجريط. وقد قيل أن من قرأ الخصال استغنى به عن الكتب الأخرى، وكان الأندلسيون ذوي همة عظيمة في تحصيل العلم؛ وكان طلابهم يبدءون بحفظ التسهيل لابن مالك، ومختصري ابن الحاجب في الفقه والأصول، هذا عند المتأخرين. وأما من قبلهم فكانوا يحفظون الموطأ، ومن قبل هؤلاء كانوا يحفظون تهذيب المدونة، وسلفهم كانوا يحفظون المدونة، وكان ابن بشكوال يحفظها كلها، وكان الرازي يحفظ كتاب الشامل لإمام الحرمين، وهو مجلدان في علم الكلام. وأرى أن تفوق الأندلسيين كان من عنايتهم بأمهات الكتب. كانوا يقرءون في النحو كتاب سيبويه، وأين من كتاب سيبويه كتاب الأشموني وحاشية الصبان؟ وقد رأيت في مكتبة الأسكوريات خط أبي علي الشلوبين على كتاب سيبويه بعدد الكتب التي قرأها في النحو وكلها من
стр. 6478
الأمهات. ورأيت في مكتبة كوبريلي بالآستانة إجازة قاضيخان كتبها بخطه على السير الكبير للسرخسي وعدد الكتب التي درسها في الفقه. وهي كتب تضمن لقارئها التفقه. أنظر! أهل الأزهر يقرءون في الأصول جمع الجوامع، وليس هو من كتب الأصول القيمة. - قال بعض الحاضرين: قرءوا كتاب الآمدي في عهد الشيخ المراغي ثم أبطلوه، فقال كتاب الآمدي جيد، وللآمدي كتابان: أحكام الأحكام، وأبكار الأفكار. وكتاب ابن الحاجب في الأصول مأخوذ من منتهى السول والأمل للأرموي، وهذا مأخوذ من كتاب الآمدي، والآمدي أخذ من الأدلة القواطع للسمعاني، وهذا مأخوذ من كتاب الباقلاني، فهذا الأصل الذي لم يؤخذ من غيره، ثم تكلم عن أصول الحنفية وعلمائهم وكتبهم وطريقتهم، ورجع إلى الباقلاني فقال: وكان الباقلاني آية من آيات الله. وقد روى أبو الوليد الباجي أنه كان يسير مع الدارقطني - والدارقطني من كبار المحدثين، في درجة الترمذي وابن ماجة - فلقيا رجلاً، فأعظمه الدارقطني غاية الإعظام وقبله، فقال أبو الوليد: من هذا؟ قال: سيف أهل السنة أبو بكر بن الطيب، يعني الباقلاني، وقد رثاه بعض الناس فقال:
أنظر إلى جبل تمشي الرجال به … وأنظر إلى القبر ما يحوي من الصلف
وأنظر إلى صارم الإسلام منغمداً … وانظر إلى درة الإسلام في الصدف
وكان الباقلاني يناظر ابن المعلم فيفحمه. وكان ابن المعلم يوماً في أصحابه فأقبل الباقلاني، فقال ابن المعلم: جاءكم الشيطان، فسمعها الباقلاني فتلا قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّاً. وتناظرا مرة، فلما أُفحم ابن المعلم أخرج قبضة من الباقلي ورماها في وجه الباقلاني، يعني بذلك أنه ابن بائع باقلى. فأخرج الباقلاني درة من ثيابه ورمى بها ابن المعلم يعني أنه ابن معلم صبيان، فتعجب وقال: ما أخبرت أحداً أني سأرميه بالباقلي، فكيف أعد لي هذه الدرة؟ - وعقائد الدواني مأخوذة من عيون المسائل، وهذه مأخوذة من رؤوس المسائل، وكلاهما للجرجاني، ورءوس المسائل مأخوذة من جواهر الكلام لعضد الدين صاحب المواقف، والجواهر من المواقف، والمواقف مأخوذة من أبكار الأفكار للآمدي، وهذه عن الباقلاني، وهذه كما نرى في فقه المالكية: كتاب أقرب المسالك للشيخ الدردير مأخوذ من كتاب خليل، وهذا عن كتاب ابن الحاجب إن تهذيب البرادعي عن المدونة. وقد رأيت نسخة من المدونة في مكتبة القرويين في فاس بخط عبد
стр. 6479
الملك بن مسرة شيخ ابن رشد، وهي في ثمانين مجلداً صغيراً، وكتب في نهايتها:
بالله يا قارئ استغفر لمن كتبا … فقد كفتك يداه النسخ والتعبا
كتبه عبد الملك بن مسرة اليحصبي
وقد ذكر ابن مسرة بن فرحون في كتاب الديباج وهو من أنفس الكتب. وابن رشد الجد له كتاب البيان والتحصيل في الفقه ستة عشر مجلداً. وقد ضمن لقارئه الاجتهاد. وابن رشد الحفيد الفيلسوف كان في المغرب بمنزلة الرازي في المشرق
ثم تكلم عن محنة ابن رشد في دولة الموحدين وقال: والسلطان يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن كان من العلماء، كان يحفظ كتاب المحلى لابن حزم - سأل بعض الحاضرين عن رسالة صلاح الدين إلى يعقوب بن يوسف فقال هي في كتاب أبي شامة. وكان أبو شامة حافظاً وقارئاً ونحوياً وعالماً في الأصول والفروع. ويشبهه في هذا أبو عمرو الداني. قال بعض الحاضرين هل كانا متعاصرين؟ قال لا، أبو شامة توفي سنة ٦٢٢ والداني توفي سنة ٤٤٤. الخ الخ. ولعلنا نعود فندون عنه مجلساً آخر
عبد الوهاب عزام
стр. 6480
تطور الحركة العقلية في شمال أفريقية
للكاتب المستشرق جاستون بوتول
نشرت مجلة (الأخبار الأدبية) (النوفيل لترير) في عددها الأخير مقالاً للكاتب المستشرق جاستون بوتول عن الحركة العقلية في شمال أفريقية هذه ترجمته:
كلما أوغلنا في التاريخ أدركنا أن تونس أو بعبارة أخرى أن تونس - قرطاجنة المعقدة كانت دائماً عقل أفريقيا الشمالية. وإنه لقدر غريب: قدر هذه المدينة، التي كأنها سارية القارة، والتي هي الحد الفاصل بين شرق البحر الأبيض المتوسط وبين غربه؛ ولقد كانت دائماً طريق الفتوح العظيمة، كما كانت مجمع الطرق التجارية الكبرى؛ وهي أقصى بلد في شمال أفريقية وأقربها إلى أوربا، ولكنها أقربها إلى المشرق أيضاً؛ ثم هي أعرقها في الطابع الأفريقي، لأن السهول الصحراوية التي تفصلها عن البحر في الجهات الأخرى حواجز عالية، تمتد بلا انقطاع إلى تونس؛ وأخيراً هي المدينة التي كانت تلتقي فيها النزعات العقلية وتمتزج من جميع الأنحاء
كانت قرطاجنة في الوقت الذي كانت رومة تصارع فيه ما حولها من الظلمات، قد قامت برسالة عظيمة في المدنية، واكتشف غرب البحر الأبيض والبرتغال وساحل أفريقية الغربي. ثم غدت قرطاجنة بعد الحروب البونيقية المدينة الثانية في العالم الروماني؛ ولما أتمت مراحلها الثلاث أعني البونيقية، والرومانية، ثم النصرانية، دخلت تونس في مرحلتها الإسلامية، وسرعان ما تفوقت على القيروان وغدت مرة أخرى أهم مراكز الحركة العقلية في المغرب. ولم يكسفها قط بهاء فاس المحدث، ولبثت تونس هي المركز الذي تزدهر فيه العلوم والفلسفة العربية لآخر مرة، وكان ابن خلدون، في فجر الأحياء، آخر ثمارها العظيمة
أما اليوم فإن الموقف أكثر تعقداً؛ وعلى رغم ازدهار جامعة الجزائر، ونجاح معهد الدراسات العالية المراكشي في رباط وتقدمه نحو التحول إلى شبه جامعة، فإن تونس تبقى مركز التفكير الإسلامي في شمال أفريقية. ويكفي لتوضيح خطر هذا الدور أن نقول أن المسلمين يبلغون اليوم في المغرب أكثر من اثني عشر مليوناً، ولكن لا توجد بقعة أخرى غير تونس يزداد عددهم فيها نحو خمسين ألفاً كل عام
следующие страницы →