← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

ويقرب من الله. وقد انتشر هذا المذهب في العراق وفارس وتأثر بالمانوية وأثر فيها فأخذت منه عقيدة الظلمة والنور. أما إنه أثر في العقائد الصوفية فانا نلمس هذا في القول بأن الانسان يُخلق إلهياً، وكلا تقدم في العمر خلع حجاباً إلهياً واستبدا به آخر إنسانياً إلى أن يمر بسبعين ألف حجاب في أرذل العمر. ولا نجاة له إلا باتباع التعاليم الصوفية والانصراف عن المادة إلى الروح، بذلك يسلك طريق النجاة هذه أهم المؤثرات الخارجية التي عملت على تغذية العقيدة التصوفية الاسلامية وخلقت منها طريقاً فلسفيً خاصاً. وليس من المستطاع رد كل من العقائد التصوفية الفردية الى أصلها الذي استُمدت منه، فعقيدة في مثل هذا الانتشار العظيم ذات مباديء كثيرة ونظم واسعة لايمكن أن تقع تحت تأثير عامل واحد مهما حل شأنه واتفقت الظروف على تقدمته والميل اليه. كانت الصوفية دائماً مخيرة تنتقى من كل العقائد ما تستهي وتشاء. نظام شامل يمتص ويهضم - بعد بعض تغيير وتحوير - من كافة الآراء والمعتقدات المختلفة حوله، يكتسب أناساً من كافة الملل والنحل من موحدين ومشركين، معتزلة وسنيين، فلاسفة ورجال دين. هذه الاعتبارات كلها تضعنا في موقف دقيق يضطرنا الى القول بأن منشأ الصوفية الاسلامية الفلسفية لايمكن أن يجاب عنه بجواب شاف مريح (يتبع) سليمان فارس النابلسي في تاريخ الأدب المصري ابن النبيه للأستاذ أحمد أحمد بدوي أفديه إن حفظ الهوى، أوضيعا … ملك الفؤاد؛ فما عسى أن أصنعا من لم يذق ظُلم الحبيب كظلمه … حلواً فقد جهل المحبة وداعى يأيها الوجه الجميل تدارك الصبر … الجميل، فقدعفا، وتضعضعا هل في فؤادك وحمة لميتم … ضمت جوانحه فؤاداً مًوجعاً هل من سبيل أن أبث صبابتي … أوأشتكي بلواي، أو أتوجعا

стр. 6652

إني لا ستحيي كما عودتني … بسوى رضاك إليك أن أتشفعا أغنية شائعة، نستمع إليها، ونطرب لها، ونحفظها، وقليل من هو الذي يعرف أن قائلها أبن النبيه الشاعر المصري الذي أحببنا أن نحدثك عنه اليوم - ١ - يذر التاريخ ولاينسى لصلاح الدين وخلفاء صلاح الدين أنهم هم الذين حموا ذمار الشرف من غارة الأوربيين الذين كانوا يمنون النفس بالآمال الكاذبة في الشرق وامتلاك أرضه، فكان العصر عصر حرب وقتال ونضال ونزال بين الشرق والغرب، خرج منه الشرق ظافراً منتصراً على أيدي ملوك مصر وخلفائهم. ولقد ولد شاعرنا على ما يظهر قبل أن يلي صلاح الدين حكم مصر بقليل، ولنه نشأ لم يعش بمصر طوال حياته، بل تركها إلى أقطار أخرى كانت كذلك تحت حكم الأيوبيين؛ غير أنه على ما يظهر لي - لم يغادر الديار المصرية مرة واحدة، بل كان يزورها في الحين بعد الحين، واستطاع أن يتصل فيها بطائفة من وزراء الدولة وكبار رجالها القاضي الفاضل، وأسعد بن مماتس، وصفي بن شكر. والراجح عندي أنه لم يغادر مصر إلا بعد أن مات صلاح الدين، فانه حينما خرج من مصر مدح العادل، والعادل لم بل حكم الجزيرة إلا بعد أن مات صلاح الدين، ولذلك فابن النبيه

стр. 6653

مدين لمصر بتنشئته وثقافته، ومدين لها بالرقة والعذوبة التي تتجلى في شعره، وتأسرك إلى قراءته قسراً، غير أن نفسه الطموح الراغبة في العظمة والمجد بدأت تتطلع إلى نيل مركز سام ومنصب رفيع، ورأى أن في مصر من العظماء من لا يستطيع قهرهم ولا منافستهم، فحث الخطا إلى الجزيرة حيث يستطيع أن يجد له ميداناً للعمل والتقدم، فاتصل بالملك العادل، ومن بعده اتصل بابنه الملك الأشرف الذي كان يلقب بشاه أرمن لاستيلائه على بلاد الأرمن، وقد اختص بهذا الاخير، حتى إنك إذا قلبت ديوانه وجدت معظمه في مدحه والثناء عليه، وحتى لتوهمك مقدمته أنه إنما جمع قصداً لكي يجمع ما قاله في الملك الأشرف من مدائح، ولقد أصبح أثيراً لديه يستصحبه في رحلاته وتنقلاته، وأصبح ابن النبيه اللسان المسجل لما يلقاه المليك من خير أو نصر أو حداث هام؛ , صار كاتب الانشاء له، يدبج عنه الرسائل، وأحياناً كان يكتبها بالشعر كما سنتحدث بعد. ويقول من أرخ لأبن النبيه: إن له شعراً أعذب من الماء الزلال، وأغرب من السحر الحلال، ونثراً ألطف من كاسات الشمول، وأدق من نسمات الشمال،

стр. 6654

فالنظم والنثر عنده جنتان عن يمين وشمال. . . غير أننا سنقصر كلامنا اليوم على شعره، وإن كنت أرجح أن المقدمة التي في صدر ديوانه، وهي مقدمة نثرية من صنع ابن النبيه فان منها قوله: وأحق الناس بعد الله تعالى بالشكر ملك أشار اليه بنان البيان، وأينع بذكره جنان الجنان، وقلد بذكره القريض فزان الأوزان، عف وعفا، وكف وكفى، وأحيا رفات الوفا، فزمان دولته غض الغضارة، نض النضارة، حلو البشارة، بديع الاشارةن المولى السلطان الملك الأشرف شاه أرمن، سلطان العراق والشام، مظفر الدين ناصر أمير المؤمنين، أبو الفتح موسى اين السلطان الملك العادل سيف الدنيا والدين، أبي بكر بن أيوب خليل أمير المؤمنين، خلد الله ملكه كما خلد في ديوان المحامد ذكره، وخذل بسلطانه أعداء الدين، وأعز نصره، ولما لم يجد مملوك دولته، وغرس فواضله، وربيب نعمته، الفقير إلى الله تعالى أبو الحسن كمال الدين علي بن محمد بن النبيه ما يكافيء به أياديه، ويجاري به إحسانه الذي يخجل الغيث روائحه وغواديه، توفر على استخراج جواهر صفاته من بحر كرمه، ونظم فوائد فوائده

стр. 6655

فكافأ نعمه بنعمه، وجمعها في هذا الكتاب معترفاً أن الشرف للجوهر لا للناظم، وأن الفضل للبحر الذي أرسل اليث على أجنحة الغمائم، وجعله عرضة لنقد الخواطر، وميداناً لجولان قريحة كل متأمل وناظر، وسبيل كل منصف ينظر فيه الايمان بآيات سحره المبين، إقالة العشار فيما لعله يعرض من الخطل الورد على المؤلفين والمصنفين، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم. فاذا أنت قرأت تلك المقدمة من قلم ابن النبيه، واستنبطت منها أموراً أربعة: أولها أن القصد من جمع الديوان تسجيل ما قاله في الملك الأشرف، ولذلك رتب الشعر، فبدأ أولاً بما قاله في الملك العادل والد الأشرف، ثم ثلث بما قاله في الملك الأشرف، وهو معظم ما قاله من الشعر، ث ذكر ما قاله في غيره من أمراء الأيوبيين والوزراء. ثانيها أن الشعر الذي في ديوان ابن النبيه شعر يقره ويرضاه ويعده سحراً ويفخر بنسبته إليه، ومن أجل ذلك ترى من أرخ له يقول: إن هذا الشعر الذي بين أيدينا ليس بكل شعره وإنما هو اختيار منه، مستدلين على ذلك بأنه شعر بارع جيد يدل على أن صاحبه قد مرن على قول الشعر طويلاً

стр. 6656

حتى انقاد له، وأصبح ذلولاً، فحذف منه ما لا يرضي وأبقى منه هذا الديوان الصغير، الذي اشتمل على جيد شعره (وإلا فما هذا شعر من لا نظم إلا هذا الديوان الصغير) كما قال صاحب فوات الوفيات، على أنه على ما يظهر لم يجمع ديوانه كله، إذ أنك ترى في آخر ديوانه بعض شعر وقصائد ألحقها به جامع الديوان بعد ابن النبيه. ثالثها أن شعر المدح يجب أن ينبعث عن عاطفة حية هي عاظفة الشكران وحفظ الجميل، وهو يرى أن المدح لذلك واجب لأنه شكر للنعم على ما أنعم، وشكر المنعم أول الواجبات قال. . . إن شكر كل منعم واجب، وقام على ذلك دليل انعقد عليه إجماع أئمة المذاهب، وذل يدلنا على أنه حقاً من ممدوحه حس الصنيع وأيادي جمة استحق من أجلها أن يشكر وأن يثنى عليه. رابعهما أن تلك المقدمة تعتبر نموذجاً لنثره، وهي لذلك تستطيع أن تعطينا صورة عن هذا النثر الذي دبجته براعة ابن النبيه، فهو نثر صناعي يلتزم فيه السجع، ويكون لصناعة المحل الأول في إنشائه، شأنه في ذلك شأن كتاب النثر في ذلك العصر الذي حمل لواء الزعامة فيه القاضي الفاضل ون نهج منهجه، فلا

стр. 6657

جرم كان نثره صناعياً خاضعاً لأحكام البديع وقوانيينه، هذا وإن شعره ونثره وتوليه أعمال الانشاء للملك الأشرف تدلنا على نوع الثقافة التي تلقاه حتى هيأته لتولى ديوان الانشاء فهو علوم الدين واللغة العربية تل العلوم التي كان لزاماً أن يأخذ منها بحظ وافر يساعده على تولي هذا المنصب، ولقد تلقى هذه الثقافة بمصر، إذ أننا قد رجحنا أنه لم يغادر وادي النيل إلا بعد موت صلاح الدين، فيكون قد شب وترعرع في أرض مصر، والثقافة المصرية كانت زعيمة الثقافات، كما كان ملوكها زعماء الملوك - ٢ - لأبن النبيه مذهب في الحباة يشبه مذهب غيره من شعراء مصر أو على الأقل شعراء مصرر الذين درسنا أقوالهم، ذلك المذهب الذي ينظر إلى الحياة نظرة من يريد التمتع بما فيها من خير وجمال، لا يصدف عنه، ولا ينأى بجانبه عن حسنه وما كمن فيه من أسباب السرور والمتعة، فهو يوقن أن الدنيا متقلبة، فهي جيناً ضاحكة، وأحياناً عابسة، فما له يعكر على نفسه صفوها حينما تكون صافية، وما لا ينتهز الفرص وينال اللذة؟ خذ من زمانك ما أعطاك مغتنماً … وأنت ناه لهذا الدهر آمره فالعمر كالكأس تستحلي أوائله … لكنه ربما مجت أواخره واجسر على فرض اللذات محتقراً … عظيم ذنبك، إن الله غافره وكان لهذا المذهب آثاره الكبرى في حياته العملية، فهو يحب الخمر ويطرب لشربها، ويترع الكأس ويروي بها ظمأ نفسه، وهو يهفو الى السقاة يتغزل فيهم، ويصف محاسنهم، وقد كان السقاة يُختارون من أجمل الفتيان وأصحبهم؛ بل إنه يهفو الى كل وجه جميل، ولو

стр. 6658

كان وجه جندي من الكماة، وهو يحن الى مجالس الأنس يسعى إليها ويدعو صحبه ليشاركوه لذته، وهو يأنس الى الطبيعة يحب جمالها، ويغرم بمفتنها فيصفها، وهو يجد لذة في الخروج الى الصيد يخرج الى اللاة مع رفقة حسان الوجوه، ثم يعود بما وقع في يده من صيد، وذك كله نتيجة لهذا المذهب الذي اختطه لنفسه، وكان شعره صورة حية له، فأنت تسمعه يصف الخمر ويقول: تأمل كؤس عتيق الرح … ق ترى الماء يجمد والخمر ذائب لما في الزجاجة رقصالشب … اب ومفرقها أشمط اللون شائب وترعد غيظاً إذا أبرزت … من لدن كالمحصنات الكواعب كأن الحباب على رأسها … جواهر قد كللت في عصائب لحمرتها صح عند المجو … س أن السجود الى النار واجب وسصف موطن نال فيه السرور من الخمر والساقي ويقول: رق الزجاج وراق كأس مدامنا … ورضاب ساقينا الأغن الأهيف فمزجت ذاك بهذه وشربتها … ولثمته، وضممته يتلطف وجنيت من وجناته لما استحى … وردا بغير رضا بنا لم يقطف ورنا الى بطرفه فكأنما … أهدي السقام لمدنف من مدنف بتنا وقد لف العنق جسومنا … في بردتين: تكرم وتعفف ويقول مرة أخرى متغزلاً بالساقي وكأن من الأتراك: ساق أن جبينه في شعره … قمر تبلج في الليالي السود غصن تزنح خصره في ردفه … فعجبت لمعدوم في الموجود إياك والأتراك إن لبعضهم … أشخاص غزلان وفعل أسود أجسامهم كالماء أنها … حملت قلوباً من صفا الجلمود وتسمع منه غير ذلك كثيراً في وصف الخمر وسقاتها والتغزل فيهم؛ ولعل بعضهم لامه على شرب الخمر أو على الاثار من شربها فقال له: الراح روحي، فكيف أهجرها … منظرها طيب ومخبرها راح إذا ما الفقير صافحها … إغناه ياقوتها وجوهرها

стр. 6659

فاذا ذهبت تستمع الى حبه للطبيعة وغرامه بها سمعته يقول: قس بالسماء الأرض تعلم أنها … بكواكب الأزهار أحسن زخرف أحداق نرجسها لحد شقيقها … مبهونة بجماله لم تطرف والطل في زهر الاقاح كأنه … ظًلْك ترقرق في ثنايا مرشف وهو إحساس طيب وشعور حميد يوجه نظرك إلى أن في الأرض جمالاً قد تزيد قيمته عما في السماء من نجوم وكواكب، فليقبل على الزهوز يتمتع بمرآها، ويستلذ بشميم رياها وينعم بجمالها - كا كان له - كما حدثتك - لذة خاصة في الصيد حينما يخرج مع جماعة (حسان الوجو) فيصطادون ويتمتعون وهو يصف لك ذلك في قوله: برزنا الى الهو في حلبة … حسان الوجوه خفاف المراب بنادقهم في عيون القسي … كأحداقهم في قسي الحواجب فتلك لها طائر في السما … وهذي لها طائر القلب واجب وحلت سوابق شهب خو … طفُ حجْن المناسرُ المخالب بزاة لها حدق الأفعوا … ن وأظفارها كحماة العقارب فللأفق نسران: ذا واقع … وذا طائر حذر الموت هارب وألق كلابنا ضارياً … يباري هبوب الصبا والجنائب تطير به أربع كالريا … ح ويفترض عن مرهفات قواضب ويضرب في ليل جلبايه … شعاع شهاب من العين ثاقب وعدنا نجر ذيول السرو … ر والطير والوحش ملء الحقائب ألا تراه يصف لك رحلة شقية؟ إذ انه قد خرج مع جماعة حسان الوجوه يقصدون اللهو والتمتع فاختاروا الصيد ملهى لهم فخرجوا يبغونه، ولكنه قبل أن يصف لك ما فعلوه في رحلتهم مضى يحدثك عن جمال رفقته وأن عيونهم كالسهام تصيب القلوب وتدميها، فأحداقهم البنادق هذه هدفها طائر في السماء، وتلك يجب لها طائر القلب ويخفق ذهبوا الى مكان الصيد فأطلقوا بزاتهم وكلابهم فانطلقت لاتلوى على شيء تصطاد ما عن لها، وبعد أن وصف لك بزاتهم وكلابهم التي كانت عدتهم طمأنك على نتيجة الرحلة وأنها أنتجت نتيجتها فعادوا يجرون ذيول السرور والطير والوحش ملء الحقائب

стр. 6660

هذا وكان أكبر شيء يسره مجلس أنس يجمع بين روضة فيها مختلف الأزهار والورد حف بها نهر، وهناك بين أصحابه يجلس مغن يطرب السامع ويملك عليه نفسه، ثم تدور المدام في يد ساق جميل فيسكر سكرين من الخمر والجمال الساقي. وقد وصف ذلك المجلس حينما أرسل الى أحد أصحابه يستدعيه إذ قال: نحن في روضة وزهر ونهر … ومدام كالشمس من كف بدر ومغن قد راسلته الشحار … ير، فأغنت عن جس عود وزمر أنت روح، ونحن جسم فان غب … ت فان القلوب تكوى بجمر إن كفا إليك قد كتبتها … تتهادى ما بين سكر وشكر فأنت ترى من كل ما ذكرناه أنه كان يذهب في الحياة مذهب الذين يريدون أن ينالوا منها كل متعة ولذة، يلتمسونها في كل مكان، وترى أن مثله الأعلى في الحياة كان أن يتمتع بها، ولا يضن على نفسه بشيء من مباهجها، وكله ثقة في أن الله سوف يغفر الذنوب جميعاً (البقية في العدد القادم (احمد أحمد بدوي ٦ - بين القاهرة وطوس نيسابور للدكتور عبد الوهاب عزام برحنا سبزوار والساعة ثمان من صباح الخميس ثاني رجب سنة ١٣٥٣ (١١ أكتوبر سنة ١٩٣٤) فضربنا في السهل صوب الشرق نصف ساعة. ثم ارتقينا جبلاً هبطنا منه الى سهل فسيح، وهذا رأينا إيران ما بين قصر شيرين وطوس، سهولاً تحيط بها جبال، فما يزال المسافر على جبل او في سهل يفضي البصر فيه الى جبل حيثما توجه. هبطنا سهلاً كثير الشجر والزرع، قد انتثرت القرى في أرجاعه، تحيط بها الأشجار الباسقو، ورأينا زروعاً شتى منها البطيخ والقطن. ورأينا لوز القطن قد تفتح، ولما تعدُ الأعوار ذراعاً وبعد مسيرة وربع من سبزوار، نزلنا بقرية على الطريق اسمها شوراب، فأكلنا من عنبها واستراحنا قليلاً. ثم استأنفنا السير تلقاء نيسابور والقلوب يملؤها الشوق، والفكر يستجمع ما وعى من أحادديث التاريخ عن المدينة العظيمة ذات المياه والقرى والأشجار - المدينة ذائعة الصيت فب العلم والأدب التي نشأت علماء يفتخر بهم المسامون على الأدهار، بلد

стр. 6661

مسلم بن الحجاج صاحب الصيحي، والحاكم المحدث الكبير، وأبي القاسم القشيري صاحب الرسالة، ومحيي الدين النيسابوري الفقيه، وفريد الدين العطار وعمر الخيام - المدينة التي يقول فيها الخيام شراب نشابور وآب دبير … جواني كند كرخورَد مردبير وترجمته (شراب نيسابور وماؤ ذبير يردان الشيخ الى شبابه) ويقول الانوري: حبذا شهر نشابوره درُبشت زمين … كربهست است همين است وكرنه خودنيست وترجمته (حبذا مدينة نيسابور! إن يكن على ظهر الأرض جنة فهذه، وإلا فلا جنة) نيسابور مدنية أزلية، يرى الفرس أن بانيها طهمورث ثالث الملوك البيشداديين، وأن اسكندر الكبير خربها ثم عمرها شابور الملك الساساني فسميت باسمه. وقد عرفها اليونان القدماء وسموها نيسوس. ويقال إنهم باكوس إله الخمر ديونيسوس أي إلة نيسابور وقد تعاقب عليها البُناة من الساسانيين والعرب والغزنويين والسلاجقة كما توالت عليها النوائب من الزلال والغارات في عصور شتى. أصابها زلزال عظيم سنة نيف وخمسائة من الهجرة وسنة ٦٦٦ وسنة ٨٠١. ودمرها الغُز سنة ٥٤٨ حين غلبوا السلطان سنجر السلجوقس وأسروه. وهي المصيبة التي نظم فيها الأنوري الشاعر الفارسي قصيدته المعروفة (دموع خراسان) ولكت المدينة على رغم هذه المصائب كانت في معظم العهد الاسلامي قبل التتار عامرة مزدهرة حتى سميث أم البلاد وقبة الاسلام وقد رووا في عمرانها ونضرتها ما يستبعده العقل. فمن عجائبها الاثنى عشرية أنه كان بها اثنا عشر نهراً تنحدر من الجبال، واثنا عشر مائة مدرسة (أي ألف ومائتان) واثنا عشر مائة قرية، واثنا عشر ألف قناة تجري من اثني عشر ألف ينبوع قال ياقوت وهو ممن أدركوا غارات التتار: (وأصابها الغز في سنة ٥٤٨ بمصيبة عظيمة حيث أسروا الملك سنجر وملكوا أكثر خراسان، وقدموا نيسابور، وقتلوا كل من وجدوا، واستصفوا أموالهم حتى لم يبق فيها من يعرف، وخربوها وأحرقوها، ثم اختلفوا فهلكوا. . . واستولى عليها المؤيد أحد مماليك سنجر فتقل الناس الى محلة منها يقال لها شاذباخ وعمرها وسودها، وتقلبت بها أحوال

стр. 6662

حتى عادت أعمر بلاد الله وأحسنها وأكثرها خيراً وأهلاً وأموالاً لأنها دهليز المشرق، ولابد للقوافل من ورودها.) وقال بصفتها قبيل غارة التتار: (وعهدي بها كثيرة الفواكه والخيرات) وقال: (لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها) ثم كانت القارعة التي دمرت حضارة الاسلام - كارثة التتار - فأحرقوا وهدموا، وقتلوا وسبوا وسلبوا، وتركوها خاوية على عروشها، ولم تنسها المصائب من بعدُ، فقد أغار عليها الأزبك وغيرهم في عصور مختلفة ذكرنا هذه الخطوب ونحن قادمون على نيسابور، ولكن خيال المدينة الكبيرة المزدهرة المزدحمة بمساجدها ومدارسها كان يغلب علينا فنمنى النفس برؤية نيسابور في زينتها وجلالها وردناها والساعة عشر وثلث فأبصرنا إلى يسار الجادة قرية هي بقية الأحداث من نيسابور، كما يبقى من الجنة الناضرة عود يابس، أو من الرجل العظيم قبر دارس ماتت المدينة فلم يبق إلا أن نزور قبرها فيما بقي من قبور أبنائها، فها نحن أولاء نسرع المسير إلى قبر عمر الخيام. وقفت بنا السيارات بعد قليل على حديقة بعيدة من البلد فدخلنا بستاناً كبيراً تتوسطه طريق واسعة، فهبطنا درجات إلى مستوى سرنا به خطوات، وهبطنا إلى مستوى آخر، وبجانبنا قناة تنحدر إلى المستوى الأسفل فتفضي إلى حوض في وسط الطريق. وتنتهي الطريق إلى مسجد صغير جميل نقشت على بابه آيات من القرآن، واسم الشاه طهماسب الصفوي الذي بناه. وفي المسجد ضريح لأحد أبناء الأئمة من آل البيت النبوي ﵃، واسمه محمد المحروق وينتهي نسبه إلى زين العابدين علي بن الحسين وإلى يمين المسجد مصطبة لها درجات قليلة ولها سياج من الرخام وفي وسطها عمود كتب على أوجهه أبيات من الشعر. فهذا قبر عمر الخيام. وقد سمعت ممن زاروا القبر قبلاً أنه كان في طاق في جدار المسجد (وفي جدار المسجد على جانبي الباب طاقان) ثم نقل إلى هذا الموضع لم يعجبنا قبر الخيام، فقلت لوزير المعارف، كان ينبغي أن تكون بجانب القبر أشجار تتهدل أغصانها عليه، وتنثر الأزهار فوقه كما وصف الخيام قبره قبل موته، وكما رآه نظامي

стр. 6663

العروض بعد موت الخيام فوجوده مصدقاً لما قال. قال نعم. لابد أن يكون كما وصفت كتب على صفحة من العمود: (الحكيم عمر الخيام - وفاة الحكيم سنة ٥١٧ هجرية -) وفوق ذلك رباعية من نظم ملك الشعراء بهار ترجمتها: اجلس إلى قبر الخيام واقض الوطر، واتبغ فراغ ساعة من غم الأيام. إن تسأل عن تاريخ بناؤ مرقده فهو (أطلب سر القلب والدين من قبر الخيام) (رازدل ودين وقبر خيام طلب) وعلى الصفحة الثانية رباعيتان ترجمتها: عاد السحب يبكي على العشب الأخضر، فلا ينبغي العيش بغير الخمر الحمراء. هذا المرج مسراح أبصارنا اليوم فليت شعري من يسرح بصره غداً في أعشاب قبورنا؟ نحن لُعَب، والفلك بنا لاعب، حقيقة هذه لا مجاز فيها، كنا لاعبين على نطع هذا الوجود، فعدنا إلى صندوق العدم واحداً بعد آهر وعلى الصفحة الثالثة رباعيتان: ظهر بحر الوجود من الخفار، وما استطاع أحد أن يثقب جوهرة الحقيقة هذه، كل تكلم بما يهوي، وما قدر احد أن يبين عن الحقيقة ليس عندنا يقين ولا حقيقة، ولا يستطاع تزجية العمر كله في رجاء هذا الشك، هلم نأخذ اقداح الصهباء بأيدينا لا نضعها، ما فرق الصاحي والسكران في عذه الجهالة؟ وعلى الصفحة الرابعة رباعيتان: أولئك الذين كانوا بحار الفضل والآداب، وصاروا في كمالهم مصابيح الأصحاب، لم يجدوا للخروج من هذا الليل المظلم طريقاً، فحدثوا بالأساطير ثم أخذهم النوم إن هذا الدوران الذي يتجلى فيه مجيئنا وذهابنا، لا تستبين له بداية ولا نهاية، ولايستطيع أحد أن يخبر صادقاً من أين جئنا وإلى أين نذهب) ووراء قبر الخيام مزهرة جميلة كتب على أرضها بألوان النبات: (حكيم عمر خيام)، ورأينا بجانب القبر خابية، كأن واضعيها رأوا مناسبة بينها وبين قبر الشاعر الذي كان مستهتراً بالخمر. وقرأت على هذه الخابية أنها موقوفة على مسجد إمام زاده محمد المحروق. فقلت

стр. 6664

قد وضعت في غير موضعها، وقُرنت بما هي منه براء وقد مُدَّ وراء قبر الخيام رواق كبير وضعت فيه كراسي للجلوس ومدت فيه موائد الطعام استراح الوافدون قليلاً واجتسوا ما شاءوا من أصناف الشراب ثم وقفوا يشربون على ذكر الخيام، قلت بئس ما ذكرتم صاحبكم! وانتبذت أنا وزميلي الأستاذ العبادي جانباً وتركنا القوم وخيامهم. وقلت لبعض رفقائنا الايرانيين أين قبر العطار؟ فلابد لقادم نيسابور أن يزوره، فيسر لنا المسير اليه فذهبت أنا وبعض الحاضرين إلى قبر العطار. سارت بنا السيارات في طريق غير معبدة فانتهينا إلى حديقة ذابلة الشجر والزهر، وفي وسطها بنية ثمانية عليها قبة، ولجنا الباب خاشعين إلى قبر عال عليه كسوة خضراء، وإلى رأسه عمود أسود أطول من القامة قليلاً عليه آية الكرسي وأبيات في مدح الشيخ فريد الدين العطار. لبثنا برهة في حضرة شيخ الصوفية الجليل، والشاعر المفلق المكثر الذي نظم زهاء ثلاثين منظومة فيها أكثر من ألف ألف بيت - ناظم منطق الطير، وإلهي نامه، وأسرار نامه، وجوهر الذات الخ ومؤلف خاشع، والذكرى الجليلة آخذة على النفس آفاقها وهنا لطيفة لا يسعنب إهمالها بينما أرخج من باب حديقة العطار أحسست بوخزة في كفي فظننت زنباراً لسعني، فأخبرت رفيقي الشاعر الشاب النابغة رسيد الياسمي فضحك وقال: قبلت الزيارة. قلت: لاغرو أن تكون وخزة من العطار ينبهني بها من الغفلة. ألم يقل معاصرو العطار: (إن شعره سوط السالكين)؟ قال بلى. ثم ارتجل بيتاً فارسياً نيس عطار است اين، زنبور نيست ر تحمل ميكني زو دور نيست (خذه حمة العطار لا حمة الزنبار، فان تحملت فهو أهل لذلك) فاجبته على الفور: لسع الزنبار كفي عادياً … ودواءً كان شعر الياسمي ولما قدمنا مشهداً جاء الى شاعرنا النابغة وقد نظم أبياتاً كثير في هذه الواقعة أترجمها نثراً فيما يلي معتذراً اليه من هذه الترجمة المرتجلة التي لا تفي بشعره السلس، ومعتذراً الى القراء عم فيها من مدح:

стр. 6665

جاء عزام من أرض مصر لمختارة الى نيسابور من أرض إيران، فأراد أن يقبل تربة العطار إذ ملأت محبته روحه، وذهب بدءاً الى مرقد الخيام فرأى مكاناً ناضراً زاهراً، وسمع صيحات الطرب، ورنات الكؤوس من كل جانب، ورأى القلوب تفور بناز الصهبا. قال عزتم: أيها القلب دع بساط الشراب والسرور، واعجل الى العطار ذلك الشيخ الوقور، فسلك الصحراء رجل الطريق هذا حتى رأى قبراً عليه حجر أسود، فلثم سدة العطار وطاف في هذه البقعة المباركة. ثم صاح بغته وقال مضطرباً قد أصاب كفي زنبار. قال له الياسمب: يا عالم مصر! بل يا أيها الدر المتلألئ في بحر مصر! (هذه حمة العطار لالسعة الزنبار، فان تتحمل فهو لذلك أهل) حمة العطار توقظك حتى لا تخلو لذة من ألم إن تبتغ الحبيب فلابد من السعي الجاهد، وإن ترد اللذة (نوش) فلابد من الحمة (نيش). إن تكن ذقت حلاوة الخيام، فوخزة العطار خير يا عزام من يجزك يوقظك من الغفلة، ومن ينعمك يدعك في غمرة. وخزة اليقظة تبعدك من الضلال، واللهو ينأي بك عم السداد، وانبعثت حينئذ من هذا الجدث صيحة بينة مفصحة وعتها أرواحنا: (يا من اختلط وجوده بالعدمن وامتزجت لذته بالألم! إذا لم يتداولك الهبوط والصعود، فكيف تعرف نفسك في هذا الوجود)

стр. 6666

وجعنا من العطار الى الخيام فذكرت في الطريق قول حافظ الشيرازي. . . . (يتبع) عبد الوهاب عزام البعث بقلم فريد عين شوكه إلى مهد الرسالة في عامها الثالث تحية عيد الوكن وعيد الميلاد سَلَاماً فِتْةَ الوطنِ المفَدى … وأَشْبال الفراعِنَةِ القُدامي دَعَتْ مصرُ العزيرةُ فالتففتمْ … جُنوداً حَوْلَ رايتها قِياما وأشعَلتُم بها رُوحاً فَتياً … يُكشفُ عن جَوَانبها الظلاما وكان بقلبها جرح تَنزى … وأرهق جسمها المُضْي سقاما فَمسته أناُلكم فأغْفى … وكاد اليومً يلتئمُ الْتِئاما ألستمْ خَيرَ مَنْ يحنُو عليها … إذا ما الروع لج بها احتداما؟ شَبابَ النيل مصرُ إليك تشكو … بَنِينَ تفننوُا فيها اجْنِرَاما فكانوا الجُند للباغي عليها … وفي أيدي الدخيل بها حُساما يُمزق شَملها بدَداً ويُوهي … حَنايَا جسمها الواهي كُلَاما وكم في مِصْرَ من أبناءِ سُوءٍ … أضاعُوها وما حَفَروا الذماما فكالُوها عَذَاباً واضطهادا … وسامُوها سِباَباً واتهاما وعاثُوا في نواحيها فساداً … احبتْ دونه الموتَ الزواما وعَبوا كل موردها اخْتِلاساً … وما عَرَفَتْ نفوسُهمُ احتشاما أولئك شرُّ من وَلَدَتْه مصرٌ … فجازاها عُقُوقاً وانتقاما أولئك داؤهِا يَفْرِى حَشَاها … وَيُرْهق صدْرَها نُوَباً جِساَما مُصاَبُ النيلِ أبناءٌ رَعاهم … ليغْدُوا في كِنَنَتِه سِهاما فكانو مِعْوَلَ العاَدِي عليه … وباتوا فيه حرباً لا سلاما سليل النيل وَيْحَكَ كيف تَغْفوٌ … وَقَدْ نَخَر الفساَدُ بك العظاما أترضي أن تَذَل بأرضِ مصرٍ … ويصبحَ عُودُك النادي حطاما

стр. 6667

ونيلُ ما أحَن تَرَاه مهداً … وأشهىَ عذْبَ مورده مُداما وأرضُك جَنةٌ شفتْ سماءً … وطابَتْ مَمبتاً وزَكتْ مُقاما تُدرُّ على الأجانب ما أرادوا … وتلقى أنتَ صبيها جَهاما وكم من أَجْنَي جاء يسعى … إليها ليس يمتلك الرغاما فينهل ورْدّها العذب المُصفى … وَيلتهم الغني فيها التْهاَما ويعتقد الضياع بها وَيُثرى … ثراء تحت أعْينه تَرالا ويحسدُه البنون وقد تناسوْا … متى أَثْرَى وَكيف بها تَساَمَى لقد أفنى الحياةَ بها جهاداً … وَهم عَبَروا حياتهُم نياما وَكم ضاقت مواردها ولًما … يَصيقُوا بالكفاف لهم طعاما وَلو حرِمَتء نفوسثهُمُ جًناًها … لعاشوا رغم وَفرته صياما فيالضَرَاعةِ الابناءِ حتى … رَضُوا بالعيش ذُلاً واهتضاما وَيالهَوَانهمْ حتى استرحوا … إلى أن يصبحوا فيها طَغَاما صَحَوْنا أيها الوًكنُ المُفدى … وققمنا نًسًترد لكَ السناما وجَمعنا هًوَاك على صَفاءٍ … فقد ضقنا بواديك انْقِساما سَنَدْفعث عن حماكَ فلا يُغشى … ونًرْعًى عذْبَ وِرِدْكَ أَنْ يُساما فلا يلقي الغريب له كِفاَفاً … وَلَا يًرْوِي بودينا أُوَاماَ في مصر شباب! على أثر ما قام به السباب طيلة أيام العيد من جهاد في سبيل الاقتصاد بقلم محمود غنيم آمنت أن في الحمى شباباً … أغرّض جبارَ القُوَيْ وثابا ينتزع الثناء والإ عجابا … ويُسمعُ الصم إذا أهابا شاهدتهُ وقد مشى أسرابا … يفتل لصناعة الأسباب مرتدياً من طُهره جلبابا … متضياً من عزمه قرضابا تخاله إذا مشى شهابا … كأن تل الأيدي الرطابا تقدم الصهباء والأكوابا … إذ بُسطت تسألُ الا كتتابا

стр. 6668

مَنْ ناطحت أهرامهُ السحابا … لم يعْيه أن يصتع لثقابا أو يسبح الصوف له ثيابا … ولا تبتنوا القصور والقبابا بل ابتنوا المصنعَ والدولابا … ينفثُ من دخانه ضبابا يُمطر مصرَ ذهباً لبابا … ترى الأكف فحمه خضابا إنْ تفتحوه تفتحوا أبوابا … ينصب منها الرغد انصبابا مَنْ بَيْن مصنعاً بني محرابا … ومن يسدْ بغير مال خابا أَرَ شعباً بلغ الآرابا … وماله ل يبلغ النصابا أوطاننا عشنا بها أغرابا … ضيوفها باتوا لها أربابا جاسوا خلال أرضها ذئابا … واحتكروا الطعام والشرابا فامتلوا بذلك الرقابا … هم في الهواء زاحموا العٌقابا وفي العٌياب ملؤا العبابا … يذود عن حياضه احتسابا لا ينبغي أجراً ولا ثوابا … وغيره يقتسم الأسلابا ويُحز الأموال والألقابا شبابَ مصرَ حسبُك انتسابا … إِن سَ الجدودَ واذكر الأعقابا لا نَسْمُ ميراثاً بل اكتسابا … واغتصب المعالي اغتصابا والحرُّ يدرك المنى غِلابا … لايُمنح الحر ولا يُحابى كن كالذئاب شرة ونابا … فانما الحياة أن تُهابا لا أن تجيد الخط والحسابا … وتحذقَ العلومَ والأدابا أضفْ إلى تاريخ مصرَ باب … يُحدث في صفحته انقلابا أكلما سألته أجابا … كانوا رءُوساً فَغدَوْوا أذنابا ثورةُ العقل للشاعر التونسي محمد الحليوي جابا=كانوكااك قلتُ للقلب حَلِّ عنك الأماني … وأرحني فقد هدمت كياني ما ضلالُ الخلود. . . ما باطلُ المجد … وما الصيتُ ماليء الآذان؟ أترى هذه الأكاذيبَحقاً … اتراها جديرةً بالثواني

стр. 6669

أيها القلب ثثبْ إلى الرشد وانظر … نظرة العَقْلِ في لباب المعاني إنما الخلدُ والخلود خَيَالٌ … وخَبَالٌ في فطرة الانسان ذاك يا قلبي المريض عزاءٌ … يَهَبُ النفس راحة السلوان قَدْ تَرَاَءت لك الحياة سَرَاباً … أو كطيف يمرُّ بالوَسْنان فتطلبْتَ من غُرورك مجداً … وأردتَ الحلود في الأزمان ورأيت الشبرَ الذي أنت فيه … غير كُفْءٍ لبرك الإنساني فملأتَ الدُّنيا دوياً بغيضاً … مُجْلباً، كيْ يحسك الثقلان ضلةً ضلةً، أيا قًلْبُ أقْصر … وارحنى فقد بريتَ كياني أنتَ نحسي وشقْوتي وعذابي … وغترابي في مُنْتَدى الأخدان أنتَ بؤسي في غدوتي ورواحي … لا تني الدهرَ باعثاً أشجاني أرْهقني كآبتي وانفرادي … وحنيني لغامضات المعاني وحياتي قضيتها زغرات … مُحرقاتٍ. أَأَنتَ كالبُرْكان؟ يَا فوؤداي تجاهل المجد وأنعمْ … وَأرِحْني. . . فقد محقتَ كياني سُمتَني العَسَف في طلاب الأماني … وَتكاءدْتَ في الغْلا جثماني بعثَ للمجد لذتي وكؤوسي … ومُدامي ومجلس الريحان شبابي أذْبَلْتَه وهو غَضُّ … في كتال ودفترَ وَسِنَانِ اللداتُ الاترابُ في فضل عيش … ناعم الظل، مُعجبٍ، ريان يَنهْلون الشباب والحب كأساً … من رُضاب الكواعب الحُسان في ضيلء وفي صفاء ولهوٍ - وعبير منشر وأغاني وبقينا أنا وأنتَ فُرَادي … في جحيم الآلام والأحْوان قُلْتَ: إني مغردٌ لا أُبالي … في سمائي بعلة الدوران أنظر الشعر في الحياة , ابكي … في نظيمي شقاوة الانسان ذاك حَظي. . . وما أبهتُ لَمجْدٍ … أو رجوت الخلود في الأزمان قُلْتَ: يا بؤسَ طائر يتغنى … في ضجيج الأحياءِ والأكوانِ أتراني أقولُ ما قال قَبلي … شَكْسَبِيرٌ أو شاعرُ اليونان

стр. 6670

كان هو ميرُ - أيها القلبُ - شيخاً … سَاغِبَ البطن، ذاحَشاً ظمأن يطلب النزْرَ من طعامٍ وروى … بأغاني الآباد والأزمان يا لا عمى يجوبُ بَراً وبحراً … داميَ القلب دامي الجثمان يا لَكُرْنيل يَرْفع النعل فقراً … وعلىٍ يضيقُ بالطيلسان هان أمر النبوغ في الأرض حتى … صار محضُ النبوع محضَ الهوان قسم الله مله في البرَايا … ثم حض الأديب بالحرمان خصهُ بالإسار والقَتْلِ والتغ … ريب والنفي عن حِمى الأوطان خصه بالعذاب، بالألم الدائب … بالاضطهاد بالنكران

стр. 6671

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٥ - تطور الحركة الفلسفية في ألماني شيلنج ١٧٧٥ - ١٨٥٤ للأستاذ خليل هنداوي وهذا هو (شيلنج) الذي ورث (فيخت) وتوأ مقعد الفلسفة بعده؛ درس اللهوت وألم بالعلوم الطبيعية ووقف على شيء من الطب، ولكن المزاج الفلسفي غلب فيه على كل مزاج آخر، فهجر هذه العلوم وآب الى الفلسفة، فجاءت خطراته الأولى يغلب عليها روح أستاذيه (فيخت) و (كانت)، ولم يكن لعقله ذلك النضوج وذلك التفكير المستقل اللذان يستطيع بهما أن يطهر فكرته من الصور التقليدية، ويجعلها ابنة تفكيره الذاتي. ترى آراء (فيخت) شائعة في هذه المقدمات حتى نقول: (إن فيخت) يمثل دروه كرة ثانية. لولا أن شيلنج يفز بفلسفته من (فيخت) الى مذهب القائلين (إن الآله الواحد إنما هو كل الكائنات. .) وقد يستبد شيلنج بهذه الآراء التي يرددها، ويحسب أنها آراؤه الذاتية، فلا يذكر (فيخت) ولا يرجع إليه برأي ولا حديث، ولكنه شديد الاحترام للفيلسوف (سبينوزا) الذي أمده بروجه، وقاد عقله في كثيرمن مراحله؛ وهو الذي أراد أن يستخلص مذهباً يجمع بين فكرة سبينوزا ونقد كانت وكمال فيخت، وبعد أن راٍ المدرسة الفلسفية كتب آراءه ونظراته في فلسفة الطبيعة حيث شاء أن يعيد العالم الخارجي الى نظامه بعد أن قتلته المدرسة (الكمالية) وشوهت حقيقة مظاهره؛ ثم أخرج كتابه (مذهب الكمال العالي) وفيه زبدة مذهبه الفلسفي والصورة الكاملة الحاوية لمذهبه لم تكن فلسفة شيلنج كفلسفة (كانت) ابنة تأملات عميقة ونظرات متعاقبة، ولا كفلسفة (فيخت) نتيجة نظرات بعيدة في الأخلاق والكمال، وإنما كانت حصاد المخيلة ونتاج الخيال. فكان (كانت) يفكر ويستقصي ويتعمق ويكثر من التأمل، وفيخت كان يثبت من صدق الفكرة ثم يأمر، ولكن شيلنج راح يثبت ما توحي اليه مخيلته وينزل عليه خياله، وهكذا تطورت الفلسفة واخذت تلين بعد شدتها وترق بعد صرامتها، ويزول عنها هذا اللون العميق القاتم، وتدنوا برفق من الشعر والفن؛ والشعر والفن دائبان عاملان على تلطيفها

стр. 6672

وترقيقها حتى لا تكون عالة على المخيلة، ولا تكون المخيلة عالة عليها، فأمسى الفيلسوف - كما تمثله الأقدمون - شاهداً ينظؤ الى تآلف الأشياء وانطباق أجزائها، وعلاقة النهاية باللانهاية، الحقيقة بالكمال. وشيلنج يرة أن الفيلسوف لاغني له عن المخيلة، وعن الوحي الذي يستمده من نفسه، وعن الخطرة التي تفيض بها قريحته، وهو في هذه الملاحظات يجمع بين الفيلسوف والفنان برغم اختلاف رسالتهما، ولكنه لا يهمل أداة الملاحظة والتامل اللذين خلقا العالم الفلسفي، ولكنه لا يميل اليهما إلا قليلاً. ولهذا الاعتقاد الذي رسم مذهبه الفلسفي بميسم الفن رأينا أن فلسفة شيلنج جاءت فلسفو هادئة مسألة لا حركة فيها ولا ثورة إن (فيخت) برغم ما بذل من جهد استنفد وسعه للعمل على ربط فعالية عقل الانسان وأخلاقه بوثاق واحد ومذهب واحد؛ نراه غادر في مذهبه هذه (الثُنائية) التي لم يجدها شيلنج صحيحة، فعاْلم الروحَ الداخلي لا يمكننا أن نشاهده ونطلع على غيبه إلا بوساطة العالم الخرجي عنا؛ كما أن العالم الخارجي لا يُلمس إلا بمعونة عالم روحنا. وهكذا يجد الفيلسوف نفسه أمام مادتين جوهريتين مفترقتين متعاكستين، فأراد شيلنج أن يمحو هذا التنازع بينهما، وهو تنازع لم ينكره فيخت، فتحرى شيلنج في كلا العالمين عن قانون أعلى يصم بينهما، فوجد هذا القانون في الواحد المطلق ' مبدأ ومنهى كل وجود، وملتقى عالم الحقيقة بعالم الكمال، والموفق بين الأضداد. وقد أحل مذهبه هذا محل المذهب العلمي، واعتقد أنه ثد وُفق في إيجاد الأتحاد المنشود، وجع الأجزاء المتفرقة، وتوحيد المعرفة الأنسانية وفي الحقيقة إذا تعمقنا في حقيقة هذا المذهب الذي جاء به شيلنج رأينا أنه هو ذات المذهب الذي يجعل الله هو كل الكائنات، والواحد المطلق الذي أنشأه وافترضه شيانج هو هذه المادة الأزلية التي لاحظناها وبشر بها (سبينوزا)، هذه المادة التي تحل متفقة في عنصرين متضادين وعالمين مختلفين: عالم الوح وعالم المادة. والصفة البارزة التي يتسم بها مذهب (شيلنج) هي أنه أنشأ رباطاً محكماً وأوجد وحدة شاملة بين مظاهر الكون المختلفة؛ فالوجود الحقيقي والوجود الروحاني السامي كلها عوالم مشتقة من نبعة الفرة الآلهية، وهناك شيء من الميل الغريب بين أفكارنا والمرئيات، فنحن نحمل في أنفسنا صورة لكل شيء تقع عليه أعيننا، وهذه الصورة قد لا تلوح في الذاكرة سريعاً،

стр. 6673

ولا تكون وليدة ملاحظاتنا الحنينة، ولكنها ابنة تصور راسخ فينا منذ القدم، مندس في شعورنا. فما هو إلا أن نهيب بهذه التصورات حتى نحس أن هذه الصور أخذت تمر بنفوسنا، فاذا أردنا أن نعرف الكون فما علينا إلا أن نتلقى في صحف أنفسنا وأن نتبع بنظرنا الباطني مجرى الأشياء، وأن نقف على الحكمة المنطقية الآلهية التي أبدعت الكون؛ وهكذا يغدو علمنا مطلقاً وليس له الا صبغة الوحدة المسيطرة على العالم، وتصبح الفلسفة لا تتوقف على التأمل الذي يلاحظ الأشياء، ولا يدخل فيها ولا يحبونا إلا بمعرفة جزئية محدودة؛ وإنما التامل الحقيقي والادراك العقلي يجب أن يكونا قسماً من الخيال النظري الذي يوحد بين الأفكار ويرتبها، وإنما غرض الفلسفة أن تعمر الكون وأن تشيده وأن تعمل في الخلفية على إبداء وجهتها الشعرية والفنية لم يقف (شيلنج) جهوده على الفلسفة وحدها، وإنما كان يخوض طوراً في الفلسفة الكونية والنفسية، وتارة في التاريخ والفن، وهو يفوز في ساحة، ويخفق في أخرى؛ أما فلسفته النظرية فقد جابهتها الحقيقة مجابهة قاسية، وعلة ذلك أنه كان يجنح كثيراً إلى الافتراض، وقد يكون الافتراض أحد العوامل الأساسية في تقدم العلم، ولكنه لا يغني شيئاً في تحليل المهمات التي لا يتناولها التحليل. وأما نظراته في التاريخ فسرعان ما وهنت. أركانها واضطربت أصولها، وهو يمشي على أثر (فيخت) الذي قسم العصور الانسانية إلى خمسة أدوار؛ يبدأ أولها بعصر الانسان الأول الذي لم يدنس عقله ونفسه شيء. وينتهي آخرها بالعصر الذي سيتسامى فيه الانسان وتحمله تأملاته النقية إلى فردوسه المفقود؛ ولكن (شيلنج) حدد تاريخ الانسانية بثلاثة أدوار إن عبقرية (شيلنج) لم تبرز واضحة إلا فيما استمده من قلبه وانتزعه من نفسه؛ وفي + مذهبه الذي لم يُوثق فيه خياله بوثاق العقل المحدود، ولم يجد في ادنائه من الحقيقة نُكراً. هذا المذهب الذي احتوى نظراته السامية في الفن الذي وجد فيه شيئاً أسمى من الفلسفة. فالفيلسوف قد يُدرك المثل الأعلى ويفهمه ويقف عند ما وصل إليه عقله. أما الفنان فهو يأخذه ليسكبه في قوالب مادية، وهو في خلقه وابداعه لا يقلد الطبيعة، ولكنه يقلد ذلك الفكر الجبار الذي أبدع الطبيعة عنت (لشيلنج) يوم كانت تربطه الصداقة بالشاعر (شيلجل) فكرة شعرية سامية في مناجاة

стр. 6674

الطبيعة، وبدأ يكتب مطلعها ثم بدا له شيء صرفه عن فكرته، وكأن هذه الفكرة الشعرية ظلت راسخة في تلافيق فكرة تتصرف بشعوره وتفكيره حتى إذا نضج عقله وتكشفت فلسفته جاءت وهي أدنى إلى الشعر والفن منها إلى الفلسفة المجردة يتبعخليل هنداوي

стр. 6675

من روائع الشرق والغرب ذكرى لشاعر الحب والجمال لامرتين كان لامرتين (قد حبس نفسه شهوراً طويلة في شبه ناووس مع صورة من عبدها ثم فقدها) ثم (ألف الحزن واللم) وخرج من الفناء الذي ألفاه فيه موت جوليا حبيبته، وراح (يتحدث بالمناجيات والصلوات والأدعية والشعر الى شبحها الذي لايبرح ماثلاً في خاطره). وهذه القصيدة قد نظمها في ربيع ١٨١٩ (على مقعد من الصخر حول ينبوع متجمد في الغابات التي تكتنف قصر عمه في (أورسي) عبثاً يتعاقب الجديدان، فلن يتركا أثراً في حسي، ولن يمحوا صورتك من نفسي، يا آخر حُلم رآه الوجدان ــــــــــ إني أ ﴿ى أعوامي السريعة تتراكم من ورائي هاوية، كما ترى السنديانة الرفيعة أوراقها من حولها ذاوية. ــــــــــ جُمتي شيبتها السنون الجاهدة، ودمي أبردته فلا يكاد يجري، كأن هذه الموجة الهامدة لفحتها ريح الجنوب فلا تسري ــــــــــ ولكن صورتك الوضيئة الحبيبة، تلك التي يزيدها أسفي جمالاً

стр. 6676

لا تدركها في قلبي لشيخوخة الكئيبة، لأنها كالنفس لا تعرف عمراً ولا زوالاً ــــــــــ كلا، انك لم تزايلي بصري، فاذا حيل بين عيني وبين رؤيتك انقطع من هذه الارض خبري واتصل نظري في السماء بصورتك ــــــــــ وهناك تبدين لي في السماء كما كنت في يومك الاخير، حين طرت إلى مقامك الوضاء مع الصباح المشرق النضير ــــــــــ جمالك النقي المؤثر يا حبيبتاه، يتبعك حتى في ذلك الوجود؛ وعيناك اللتان تنطفيء فيهما الحياة، يشعان ثانية بنور الخلود ــــــــــ وأنفاس النسيم الهائمة، تحرك أيضاً شعرك الطويل؛ وخُصله المتوجة الفاحمة، تعود فتسقط على صدرك الجميل ــــــــــ وظل هذا النقاب الحائر، يحلي وجهك الوضاح،

стр. 6677

كأنما سدول الظلام الآخر، تنحسر عن محيا الصباح ــــــــــ إن اللهب السماوي لهذه الشمس، يجيء ويذهب مع الأيام؛ وأنت تشرفين دائماً في النفس، فحبي لا يعرف البرد ولا الظلام ــــــــــ أنت التي أبصرها في السحاب والماء؛ فالموج يعكس صورتك في عينين والنسيم يحمل أصواتك إلى، ــــــــــ وإذا خشعت الأصوات ونام الليل، وسمعت حينئذ همس الهواء، حسبتني أسمعك تغمغمين في أذني بكلماتك المقدسة العِذَاب ــــــــــ وإذا ما أُعجت بهذه المصابيح المنتثرة التي ترصع رداء الليل الساكن، حسيتني أراك في ل نجمة مزدهرة، تسترعي بصري بلألائها الفاتن ــــــــــ وإذا ما هب النسيم على الزهور، فأسكر النفس بنفحات العطور، كانت نفحتك هي الطيب الذي أنشقُه

стр. 6678

فيما يَنُشه هذا النسيم ويطلقه ــــــــــ إن يد هي التي تجف دموعي حين أذهب في حزن وبكاء لأؤدي في السر صلاتي وخشوعي في محاريب الدعاء والعزاء ــــــــــ وإذا نمت سهرت على سهر الخائف، وبسطت جناحيك على آلامي، وأوْحيت إلي بجميع أحلامي وديعةً كنظرات الخيال الطائف ــــــــــ وإذا قطعتْ يداك أثناء منامي مجرى حياتي واسباب أيمي فسأصحو - يا نصف روحي العلوي - بين حِضنك الحنون القدسي ــــــــــ ثم تصبح نَفْسانا نًفْساً واحدة، كشعاعين متحدين من أشعة الفجرن أو نفسين ممتزجين من الأنفاس الصاعدة؛ ولكني لا أرال أردد أنفاسي العمر!! الزيات مقطوعات شعرية لشاعر الهند العظيم الدكتور محمد اقبال

стр. 6679

(من ديوان رسالة المشرق) الملك لله أضرم طارق النار في سفائنه على ساحل الأندلس، فقيل له هذا أفَنٌ ينكره العقل! كيف نرجع الى الديار، وقد شط المزار؟ إن الشريعة لا تجيز ترك الوسائل! فضحك وأصلت حُسامه وقال: كل مُلك ملكنا، لانه مُلك ربنا الحياة سألت حكيماً: ما الحياة؟ قال: حمر امرها أطيبها. قلت: إنها دودة تنشأ من الطين. قال: بل وليدة النار السمندل. قلت: إن الشر مضمر في فطرتها. قال: هي شر كلها إذا لم تعرف خيرها. قلت: إن غرامها بالمسير لم يبلغها منزلاً. قال إن منزلها في هذا الغرام نفسه. قلت: إنها ترابية ومرجعها التراب. قال: إن الحبة إذا شقت التراب فهي وردة ناضرة الشقيقة أنا الشعلة التي اضرمت في أحضان العسب من فجر الأزل، قبل أن يٌخلق البلبل والفراس، أنا أعظم من الشي، ولكني منبثة في كل ذرة، وقد خلقت السماء شرارها من حرقتي: سقطت على صدر المرج لحظة فنبع من ترابي عصن ناضر فاستلب ناري وقال: تلبثي في أحضاني قليلاً، ولكن قلبي السليب لم يقر قراره، فاضطربت في ضيف الغصن حتى تجلى جوهري باللون والرائحة، فنثر الندى في طريقي جواهر متلألئة، وضحك لي الصبح، وأطافت بي ريح الصبا، وسمع البل من الورد أن ناري قد سُلبت، فتأوه وقال: لقد استرت ثوب الحياة غالباً هأنذا أفتح صدري لضوء الشمس وأحتمل منتها، فمن لي بأن تعود ناري مشتعلة في صدري؟ الحياة الخالدة لا تحسبين الحانة قد بلغت نهايتها. فلا يزال في عروق الكَرْم ألف خمر لم تُشرب ذل المرج جميل، ولكن لا يجمل ا، نعيش كالربعم! قضاء حياته ممزف بأنفاس الصبا. إن تكن بالحياة خبيراً فلا تطلب ولا ترض قلباً خلياً من وخزات الأمل. عش كالجبل محكماً مجتمع

стр. 6680

النفس، ولا تعش كالهشم، فان الريح عاصفة والنار لا تهاب عبد الوهاب عزام

стр. 6681

البريد الأدبي حماية الدولة للآداب وهل نحن بحاجة اليها؟ نقلنا إلى القراء في العدد الماضي خلاصة تلك الفكرة الطريفة التي تتحدث بها بعض دوائر الأدب الفرنسي، وهي وجوب تدخل الدولة لحماية الآداب القومية من منافسة الآداب الأجنبية كما تتدخل لحماية المحاصيل والصناعات القومية، أو بعبارة أخرى وجوب معاملة الثمرات الأدبية معاملة النبيذ والقمح مثلاً من حيث الحماية القومية، وذلك لأن سيل الأدب الأجنبي يتدفق الآن على فرنسا ويهدد مصالح كتابها ومفركيها تهديداً قوياً يظهر أثره في هبوط الدخل الأدبي وقيم حقوق التأليف. وتسالنا ماذا يكون من أمره هذه الفكرة في بلد كمصر؟ وهل نحن في مصر بحاجة إلى بحثها؟ والجواب الذي يتبادر إلى ذهن لأول وهلة هو أن مصر لم تتقدم في ميدان التفكير إلى الحد الذي تستطيع معه أن تكون بدلاً مصدراً يبعث بثمار تفكيره إلى البلدان الأخرى، فهي ما زالت بلداً مستورداً، يستورد أكبر قسط من غذائه الأدبي وينقله عن التفكير الغربي، وان الثمرات الأدبية المحلية ليست في حاجة إلى الحماية لأنها ليست من الكثرة أو القيمة بحيث تتأثر بهذه المنافسة الأجنبية القوية. وهذا صحيح من الوجهة العامة، وكلنا نستطيع أن نستدرك عليه ببعض الملاحظات. وفي رأينا أن الأدب المصري بحاجة الى نوع من الرعاية والحماية المحلية من بعض النواحي، ولسنا نقصد أن تفرض الضؤائب الجمركية أو تتخذ اجراءات لأية حماية ضد الآداب الاجنبية الرفيعة، فنحن في أشد الحاجة لاستيراد هذه الآداب؛ ولكنا نعتقد اننا في حاجة الى إلى الحماية من سيل الأدب الغربي الوضيع الذي ينساب إلى مصر من كل ناحية، تحمله إلينا كتب ومجلات وصحف كتبت لطبقات وبيئات منحطة، وتجد بيننا رواجاً عظيماً؛ وقراء المجلات والصحف الأجنبية هنا يعرفون هذه الحقيقة، ويكفي أن يعرف الناشئون قليلاً من الانكليزية أو الفرنسية ليتهافتوا على اقتناء هذه النشرات الوضيعة الخطرة في معظم الأحيان من الوجهة النفسية والأخلاقية. وهنالك أنواع من الأدب الأجنبي المتوسط أو الخفيف تروج بيينا رواجاً عظيماً، وهذه أيضاً يجب أن يوضع حد لذيوعها على حساب الأدب المحلي والصحافة المحلية لأنها ليست أقوم منها ولا أرفع؛ ثم هنالك سيل الترجمة؛

стр. 6682

ومع أننا في عصر ترجمة ونقل في كثير من النواحي الفكرية، فان هذا السيل يجرفنا بلا تحفظ، ويطغي على الأنتاج القومي بشدة. ومن الصعب أن نتحدث في أمر الحماية الرسمية الفعلية في هذه النواحي، ولكنا نشعر في أحيان كثيرة بالحاجة إليها. ولو أمكننا ببعض الوسائل المعقولة أن نحد من تدفق سيل الآداب الأجنبية المتوسطة أو الوضيعة، وأن نحصر الترجمة في حدود القيم المنتج، لكان في ذلك ما يشجع الآداب المحلية، ويعضد الانتاج المحلي؛ ولاشك أن انصراف القراء عن التهافت على هذه الأنواع من الآداب الأجنبية يقابله من الناحية الأخرى شيء من الاقبال على الأدب المحلي؛ وإذا نما هذا الاقبال، ترتب عليه حتماً انتعاش الأدب المحلي وتقدمه؛ والتعضيد أكبر عناصر التشجيع وشحذ العقول والههم. وكلما زاد هذا الاقبال والتعضيد تقدمت الحركة الأدبية وارتفع معيار الانتاج الأدبي على أن المسألة معقدة من الوجهة العملية. ومن الصعب أن نتصور الوسائل أو الاجراءات المعقولة التي يمكن أن تحقق بها مثل هذه الحماية دون مساس بسير الحركة العقلية، وحركة الاقتباس الفكري التي نحن في أشد الحاجة إليها. وأصحاب هذه الفكرة في فرنسا يجدون مثل هذه الصعوبة في التماس الوسائل العملية لتحقيقها. وكل ما يمكن قوله، تمشياً مع أصحاب الفكرة هو أن الحماية الاختيارية هي خير وسيلة لحل المشكل، أو بعبارة اخرى إن هذه الحماية يمكن تحقيقها بالتطوع والرغبة في تشجيع الآداب القومية من جانب القراء والمثقفين، وإغفال الآداب الأجنبية التي لا تحمل قيمتها أو نوعها على وجب الانتفاع بها وقد يعترض عشاق الثقافة الأجنبية بأن الانتاج الأدبي المحلي لم يرتفع إلى الحد الذي يحقق بغية المثقفين وطلاب المتاع الفكري الرفيع، ولكن المحقق هو أن هذا التقدم المنشود لايمكن تحقيقه دون تشجيع قوي فعال؛ والطبيعي هو أن يتقدم التشجيع اولاً، فاذا ظفر الانتاج المحلي بهذا التشجيع، أستطاع أن يظفر بفرض التقدم والصقل والنضوج ميشيل آنجلو وعصره منذ حين أصدر الكاتب المؤرخ الألماني هيرمان جريم كتاباً عن الفنان الايكالي الاكبر ميشيل آنجلو وعصره، فكان لصدوره وقع عظيم في الدوئر الأدبية والنقدية. ومنذ أسابيع

стр. 6683

قلائل صرت ترجمة فرنسية لهذا الأثر القوي، فعاد الحديث عن قيمته الأدبية والفنية، ولا ريب أن الكتابة عن ميشيل آنجلو وعن عصره ليست يسيرة؛ فقد كان آنجلو من أعظم العبقريات البشرية، وكان عصره - القرن السادس عشر - من أعظم عصور التاريخ: كان عصر (الأحياء) الفكري، وكان عصر البابوية الذهبي؛ وكان ميشيل آنجلو يمثل كل ما في عصره من عظمة وآمال، وكان عمله رمزاً قوياً لخواص هذا العصر وأمانيه، كان مثالاً، ومصوراً، وشاعراً، ومنهدساً عظيماً هذا هو ملخص الصورة التي يقدم بها جريم بطل ترجمته؛ وقد عاش ميشيل آنجلو وتوفي بين أعظم رجالات عصره. كان في فتوته صديق لورنزو الأفخم أمير فلورنس، وكان في كهولته مصور البابوية ومهندسها. وكان صديق جلوليوس الثاني، وليون العاشر، وهو الذي وضع التصميم الجديد لكنسية القديس بطري أعظم كنائس النصرانية، وهو الذي رسم ابدع نقوشها؛ وهو الذي أودع من ريشته أعظم بدائع الفن على جدران (كنسية سكستوس) إحدى حلى الفاتيكان، وصور عليها بالأخص أشهر وأبدع صوره (يوم الحساب)؛ وما زال السائح المتفرج يقف ذاهلاً مأخوذاً أمام روعة هذه القاعة التي يشعر فيها بروح ميشيل آنجلو ترفرف عليه من سقفها وحول جدرانها ويمثل لنا جريم ميشيل آنجلو في شبابه ونضجه رمزاً لمثل إيطاليا وأمانيها، وفي كهولته وشيخوخته رمزاُ لآلام إيطاليا، ويمثل لنا حياته كلها بأنها صورة صادقة لعصر الأحياء كله. وأما عصر الأحياء الأيطالي فيصوره جريم أبدع تصوير، ويبين لنا كيف ان هذا العصر فجر المعارك والتطورات الفكرية والاجتماعية والسياسة، وكيف أن هذه المعارك كانت تتمخض عن مثل ما يتمخض به عصرنا من المشكلات الاجتماعية والسيايية، سواء في حقوق الفرد واجماعة، وتنظيم الحكم والدولة أو غيرها من المسائل الكبرى وقائق جديدة عن نابليون ظهرت أخيراً حركة ترمي الى كشف كل ما يتعلق ينابليون بورنابارت وعصره من الآثار والوثائق؛ ويبعث في باريس مجموعات ثمينة من كتب الامبراطورية وتحفه التي كانت في مكتبة مالمزون؛ ثم طهرت على أثر ذلك مجموعة كبيرة من رسائل الامبراطور الى زوجه الثانية ماري لويز النمسوية وعددها نحو ثلثمائة، وعرضت للبيع في لندن واشترتها

стр. 6684

الحكومة الفرنسية، وقد أشرنا الى هذه الرسائل وإلى محتوياتها في عدد سابق. والآن تظهر في انكلترا وثائق جديدة خاصة بأيام الامبراطور الأخيرة في منفاه بجزيرة سنت هيلانه. فقد نشرت جريدة (الصنداي تيمس) عدة رسائل لم تنشر من قبل، كتبها ضابط انكليزي يدعى دنكان داروس كان من شهود أيام الامبراطور وساعاته الأخيرة الى أمه، منها رسالة كتبت غداة وفاة الامبراطور، بتاريخ ٦ مليو سنة ١٨٢١، وأخرى في مايو عقب الاحتفال بدفنه وكانت هذه الرسائل في حوزة حفيد هذه السيدة. ولم تنشر من قبل قط، وهي وثائق ثمينة مؤثرة، عن المناظر والأقوال التي تتعلق بمرض الامبراطور الأخير وساعات نزعه، ولحظة وفاته، وكان الضابط دنكان داروس قد أرسل الى حامية سنت هيلانه في المرحلة الأخيرة من اعتقال الامبراطور؛ والرسالة الأولى عن وفاة الامبراطور مكتوبة من (ديدوود)، والرسالة الثانية من (لونجوود) ولما ظهرت الحكة الأخيرة بجمع الوثائق النابوليونية سعت جريدة (الصنداي تيمس) الى الحصول على هذه الرسائل، ونجحت في احتار حق نشرها، وبدات بذلك منذ ٢٣ ديسمبر؛ وكان لنشرها وقع عظيم عند كل الذين يهتمون بهذا العصر ومأساة الامبراطور المنفي من هنا ومن هناك الموجات القصيرة - بقلم ماركوني إن استعمال الموجات القصيرة في الاتصال بواسطاة الراديو ليست جديدة علي، فقد خصصت لها جزءاً بيراً من تجاربي، وصرفت فيها تفكيراً طويلاً منذ ثمانية وثلاثين عاماً. ففي سنة ١٨٩٦ أفهمت مهندسي محطات الأذاعة أن الأمواج التي طولها ثلاثون سنتيمتراً يمكن إرسالها بغير انقطاع في حيز مليون من الكيلوسكلات وفي هذا العهد، بعد البحث والتجارب الطويلة التي قمت بها وقام بها غيري ممن عاصروني، نجحنا في استعمال تلك الموجات القصيرة حتى وصلنا إلى إرسالها إلى مسافة تقرب من عشرة آلاف متر وأما من جهة النتائج التي وصلت إليها بين سنتي ١٩١٩ - ١٩٢٤ في استعمال موجات ذات أطوال تتراوح بين مائة وستة أمتار فقد حملتني على التخلي عن الطريقة

стр. 6685

الامبراطولاية الموضوعة على أساس الموجات والأستعاضة عنها بمحطات ماركوني الأصدارية التي تستعمل الموجات القصيلاة المتتابعة، وذلك في الجقيقة هو الذي أدى إلى الانقلاب الحالي في الأعمال التليفونية والتلغرافية باستعمال تلك للموجات القصيرة التي تندفع الى مدى بعيد، ولقد كان لهذه النتائج أثر كبير في نفسي دفعني الى الاهتمام بهذه الموجات واما الموجات الكهربائية الممغطسة الت يقارب طولها المتر، فلنا أن نعبر عنها بالموجات المرئية، لأن الأتصال بوساطتها ضرب من المحال، إلا إذ تلاقت نهايات دائرة الاتصال كلها في نقطة واحدة، وعنئذ تكون الفائدة المنتظرة قد نمت بتمام هذا الشرط الأخير وقد نهتني تجاربي الكثيرة ألا أحدد شيئاً أساسه الفرض أو الحساب النظري، لأن ذلك كما نعلم مبني على جهل بمعرفة العوامل المسببة؛ وعلى العكس من ذلك وعلى رغم تكهني بما ينافي ذلك الشرط، فانني دائب البحث في نواح أخرى ولو ظهرت لي صعوبات كثيرة في أول الأمر ولقد كان ذلك منذ ثمانية عشر شهراً على ةجه التقريب عندما صح عزمي على أن أستفيد من أبحاثي القياسية في صفات هذه الموجات القصيرة، وقد حصلت في النهاية على نتائج ملموسة يوفر إدراكها معرفة ما يأتي: (١) الأبعاد القصيرة للمرسل ' والمستقبل ' والعاكس الضرورية لنشر كمية كبيرة من القوى الكهربائية والحصول عليها (٢) معاكسة الأضواء الضعيفة المسببة عن اهتزازات الكهربائية الطبيعبة عند الاضطرابات الجوبة ولي أن أجزم بأن الأشياء الممكنة في ذها الموضوع قد وسعت نطاق البحث في الموجات الكهربائية التي لم توضع بعد غلى بساط التجربة، والتي فسحت المجال لتطبيق هذه الموجات في الاتصال عن طريق الراديو والاستعمال الدائم العملي للموجات القصيرة التي تكون حلقة متصلة بين الفاتيكان وقشتالة وجوندلفو لأكبر شاهد، كما أعتقد، يجعلنا نتفاءل بما ستحرزه هذه الطريقة الجديدة من النفع، وما ستوفره لنا في المستقبل، غذا ما أبعدنا الاضطرابات الكهربائية الاخرى

стр. 6686

وخير مكان يقع فيه تطبيق هذه النظرية هو ربط الجزر ببعضها ببعض، أو بعضها بالقارات، أو ربط الجهات المختلفة بعضها بالأخرى، على شريطة ألا تكون هذه الجهات بعيدة عن بعضها كل البعد وتمتاز هذه الطريقة الأخيرة بعدم تأثرها بالضباب، إذ هي أكثر ضماناً وأوفر أماناً، وخاصة من ناحية الاحكام الكامل الذي يمكن الاعتماد عليه كلية في تحديد الجهات تحديداً دقيقاً، ومع ذلك فمن العبث الآن أن نقول الكلمة الأخيرة عن تحديد مدى الاذاعة بوساطة هذه الموجات القصيرة

стр. 6687

القصص مدام بوفاري لجوسناف فلويبر تعليق وتلخيص محمد سليمان علي قسم الكاتب الخالد قصته الخالدة إلى ثلاثة أقسام: فالقسم الأول يصف نشأة مسيو بوفاري إلى أن احترف منهة الطب، وبين كيف اهتمت به أمه، وكيف زوجته من أرلملة سنها همس وأربعون سنة ودخلها مئتان وألف فرنك. وقد ظن المسكين أنه سيبدأ بزواجه عهداً مستقلاً سعيداً، ولكن امرأته اثبتت أنها (الفرس الأقوى)، ففي المجتمعات يجب عليه أن يقول هذا ويمسك عن ذاك؛ وكان لزاماً عليه أن يصوم ل يوم جمعة، وأن يلبس ما تشير به، وأن ينفذ أوارمها فيما يتعلق بالعملاء الذين توانوا عن الدفع، وكانت تفتح رسائله وتنصت من وراء الحاجز حين يختلي في غرفته الخصة بالعملاء إذا كن نساء ذهب يوماً يعود مريضاً فأعجبته ابنته (إما) ذات العيون العسلية التي تبدو لطول أهدابها سوداء؛ وعاد بوفاري مريضه وكرر العيادة، ثم ماتت زوجه فترزوج (إما) وكان سعيداً، (كان العالم ينحصر في نظرة في محيط أثوابها. وكان يؤنب نفسه لعدم حبه إياها حباً أثر؛ وأحياناً كان يعود بعد خروجه ليراها ثانية وهي ما تزال في غرفتها تلبس، وبيتما كان يقبلها في أسقل عنقها، كانت تصيح هي في وجهه) وكانت قبل زواجها تظن أنها تحب. ولكن السعادة التي كانت تتوقعها من الحب لم تظفر بها فظنت أنها خدعت، ووطنت العزم على أن تكتشف تماماً معنى هذه المدلولات: السعادة، الأهواء، النشوات: التي كانت إلى ذلك الوقت تبدو ها جميلة على صفحات الكتب وانهارت أحلامها في الحي وشهر العسل والزواج، وأخذت تنسج لنفسها أحلاماً أُخر. وبقدر ما كانت علاقتها الزوجية تتوثق كان في نفسها تنافر داخلي ينمو ويزداد (كان حديث شارل عمومياً كأفريز شارع تمشي عليه أفكار كل انسان , اي إنسان في أثوابها العادية دون أن تثير عاطفة أو ضحكاً أو تفكيراً. كان يقول إنه أثناء غقانته في (روان) لم يجد لديه ما يدفعه إلى الذهاب إلى المسرح ليرى الممثلين من باريس. ولم يكن

стр. 6688

يعرف السباحة ولا لعب السيف ولا إطلاق الغدارة؛ وفي ذات يوم لميستطع أن يشرح عبارة خاصة بركوب الخيل قرأتها في قصة: أما يجب على الرجل أن يعرف كل شيء وأن يعلم المرأة انبساط الأهواء ولذائذ الحياة وأسرار العيش؟ ولكن شارل ما علم شيئاً وما عرف شيئاً، وما رغب في شيء. كان يعتقد أن زوجه سعيدة وهي تتعذب تحت هدوئه الذي لا يضطرب وسكينته التي لا تخف) وبرغم ذلك كانت تمحنه حبها. ففي الحديثة، في الليالي المقمرة، كانت تعيد على سمعه كل الأغاني الوجدانية التي حفظتها عن ظهر قلب. ولكنها في النهاية لا تجد زوجها ازادا غراماً ولا حماسة. (ولما ضربت زماناً على الصخرة الجائمة على قلبها دون أن تبعث منها شرارة ما، كانت تجد صعوبة يسيرة في إقناع نفسها بأن غرام شارل لا يعد مفرطاً بعد) وعكفت على قراءة مجلات السيدات والأزياء والأثاث ابتغاء التسلية، وعلى قراءة بلزاك وجورج ساند لتنقب فيهما عن الأرضاء الخيالي لأهوائها الشخصية. وكانت ذات أطماع: لِمَ لم تكن زوجة لعالم يدوي اسمه في كل مكان؟ وبدأت تكره زوجها لقلة طموحه وأصبحت تجد حياتها مملة جوفاء والحق أنها كانت تنتظر حادثاً في حياتها. كانت تصحو إذا تنفس لصبح فتظن اليوم قد حل. وتنصب إلى كل حركة، حى إذا جاء الغروب أمست احزن من قبل، وحنت إلى الغد. ولما كانت تضجر من دمينة (توست) ظن زوجها أن سبب الداء حادث محلي. وقرر أن ينتقل إلى بلدة (بونفي - لاباي) وفي لقسم الثاني يصف الانتقال الى البلدة الجديدة، وتعارفهما لصيدلي هوميه وليون كاتب المحامي. ويبدأ الحديث بين هذا وبين مدام بوفري فيكتشفان بينهما نماذجاً في الأفكار وتشاركا في العواطف، فكلاهما يحب الطبيعة والموسيقى، فمدام بوفاري تقول: - آمل أن أجد طرقاً جميلة في هذه الانحاء - يؤسفني أن أقول إنها قليلة. هناك مكان يدعونه (المرعي) فوق مرتقى التلال، عند حافة الغاب، ولقد طالما قصدته في الآحاد ومعي كتاب كي أرى الغروب - لست أظن أن هناك ما هو أجمل من الغروب، ولاسيما عند شاطيء البحر - أوه، إنني أقدس البحر!

стр. 6689

- ألا تظن أن العقل يبدو أكثر حرية حين نواجه ذلك الخضم غير المحدود، وأن أرواحنا لتتسامى حين نسبح في تأملاته، وأنه يوحي إلينا بالأفكار عن المثل العليا وعن اللانهاية؟ - كذلك الحال في مناطق الجبل واندفعا يتحدثان عن الموسيقى الألمانية، والأوبرا الايطالية، إلى أن قال زوجها رداً على كلمة لهوميه عن تنسيق الحدائق: - زوجتي لا تُعني بذلك، إننا ننصحها بالرياضة، ولكنها تفضل أن تظل في غرفتها تقرأ وقال ليون - هذا ما أفعل. وإني لعلي يقين بأنه ما من شيء يفوق الجلوس في المساء بجوار الموقد مع كتاب نفيس، بينما الريح تسفع زجاج النوافذ، والمصباح يضيء ويلمع في الغرفة وقالت وهي تحدجه بعينها السوداوين النجلاوين - هذا ما يختلج بنفسي - وينسي المء كل شيء بينما الساعات تتعاقب. ويجول في البلاد التي يظن أنه يراها، وأما أفكاره التي تحملها الحوادث المختلفة فانها تجد اللذة كل اللذة في كل تفصيل، أو تتبع سير المخاطرات والحوادث، وتصبح جزءاً من الشخصيات المختلفة، ويتخيل المرء أن نفسه هي التي تتنفس في ملابسهم) وضعت مدام بوفاري طفلة سمتها برتا وتركتها عند امرأة ترضعا وكان ليون يفكر فيها وهي تفكر فيه، وتراقبه وهو يمر تحت نافذتها إلى محل عمل مرتين كل يوم. وكانوت أحياناً يجتمعون في المساء، بوفاري وهو مييه يلعبان الورق، أما ليون فينصرف إلى الحديث مع دمام بوفاري وأخيراً قرر أن يصرح لها بحبه. إلا كلما عزم لا يجد الشجاعة. وكان يكتب الرسائل ثم يمزقها. وكانت شجاعته تفارقه في حضرتها، أما هي فلم تسأل نفسها إن كانت تحبه، ففي اعتبارها أن الحب يأتي فجأة ع دوي قاصف وبرق خاطف، عاصفة من السماء تهب على الحياة فتقلبها رأساً على عقب، وتعبث بالارادة كما يحمل الهواء ورقة جافة وتلقي بالقلب في هوة ما لها من قرار ولكنها كانت تراه يتقرب اليها، وتحصى حركاته وكلماته عندما تستلقي على فراشها، وتستعيد نظراته ثم تقول لنفسها وهي تضم شفتيها كأنما تتأهب لقبلة (ما أبهج ذلك! أهو

стр. 6690

لف؟ وبمن إن لم يكن بي؟) ولكنها لم تشجعه. وتظاهرت بأنها تحب زوجها. وكانت كلما أحست بأنها تهواه، قاومت لتقلل من شعورها. وكانت تأمل من ليون أن يفهم ذلك. وكلما همت بتأنيب نفسها عادت تفتخر وتقول لنفسها (إنيي شريفة) وأخيراً ظن الشاب أنها لا تريده فترك البلدة إلى باريس يلي ذلك لقاؤها بمسيو رودولف بولانجيه الساب الغني الجميل لخبير بالنساء والغرام. يقرأ في عينها مللها من حياتها وزوجها فيرغب فيها ويضع لذلك خطة محكمة وتساعده الظروف فيظفر بها. وتبدأ حلقة من الحب القوي المشبوب الجارف. وتندفع المرأة حتى تصل إلى درجة التهور. ولما ازدادت لعاشقها حباً ازدادت لزوجها مقتاً. ولأجل عشيقها الذي يملك ثروة من التجربة أخذت تعتني بنفسها وتبالغ في الزينة والتأنق. وأعطته مفتاح الحديقة الخلفي، فكانا يتقابلان طرفاً من النهار وزلفاً من الليل، وفي يوم حضوره كانت تملأ الغرفة بالأزاهرن وتتزين بكا ما تملك من حلي. ولم يعاتبها شارل على تبذيرها قط وكان ليريه البائع المتجول يجلب اليها كل ما تطلب ويغريها بطلب المزيد، وما عليها إلا أن توقع على صكوك يقدمها لها فيصبح العزيز ملكاً لها. ولما ألح في طلب نقوده بعد زمن؛ دفعت له مالاُ أتى لزوجها من عميل، ولم تخبره بذلك - (حينما تدق الساعة اثنتي عشرة مرة في الليل يجب أن تفكر في). فاذا اعترق لها بأنه لم يفعل كانت تؤنبه، ثم تختم بكلمتها الأبدية - (أمغرم بي أنت؟) - (أجل. طبعاً) - (كثيراً؟) - (ما في ذلك شك) - (ولم تحب غيري، عل فعلت؟) - (اتظن أني كنت عذراء حين تلاقينا.) ثم تبي فيترضاها فتقول: - (ذلك لأني أحبك كثيراً. أحبك حتى لا أطيق الحياة بدونك. وأحياناً أقول لنفسي. أين هو؟ ربما ينعم بالحديث مع نساء أخريات. هن يبسمن له وهو يدنو منهن. ولكنك لا تهتم بهن،
следующие страницы →