← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

وخير مكان يقع فيه تطبيق هذه النظرية هو ربط الجزر ببعضها ببعض، أو بعضها بالقارات، أو ربط الجهات المختلفة بعضها بالأخرى، على شريطة ألا تكون هذه الجهات بعيدة عن بعضها كل البعد وتمتاز هذه الطريقة الأخيرة بعدم تأثرها بالضباب، إذ هي أكثر ضماناً وأوفر أماناً، وخاصة من ناحية الاحكام الكامل الذي يمكن الاعتماد عليه كلية في تحديد الجهات تحديداً دقيقاً، ومع ذلك فمن العبث الآن أن نقول الكلمة الأخيرة عن تحديد مدى الاذاعة بوساطة هذه الموجات القصيرة

стр. 6687

القصص مدام بوفاري لجوسناف فلويبر تعليق وتلخيص محمد سليمان علي قسم الكاتب الخالد قصته الخالدة إلى ثلاثة أقسام: فالقسم الأول يصف نشأة مسيو بوفاري إلى أن احترف منهة الطب، وبين كيف اهتمت به أمه، وكيف زوجته من أرلملة سنها همس وأربعون سنة ودخلها مئتان وألف فرنك. وقد ظن المسكين أنه سيبدأ بزواجه عهداً مستقلاً سعيداً، ولكن امرأته اثبتت أنها (الفرس الأقوى)، ففي المجتمعات يجب عليه أن يقول هذا ويمسك عن ذاك؛ وكان لزاماً عليه أن يصوم ل يوم جمعة، وأن يلبس ما تشير به، وأن ينفذ أوارمها فيما يتعلق بالعملاء الذين توانوا عن الدفع، وكانت تفتح رسائله وتنصت من وراء الحاجز حين يختلي في غرفته الخصة بالعملاء إذا كن نساء ذهب يوماً يعود مريضاً فأعجبته ابنته (إما) ذات العيون العسلية التي تبدو لطول أهدابها سوداء؛ وعاد بوفاري مريضه وكرر العيادة، ثم ماتت زوجه فترزوج (إما) وكان سعيداً، (كان العالم ينحصر في نظرة في محيط أثوابها. وكان يؤنب نفسه لعدم حبه إياها حباً أثر؛ وأحياناً كان يعود بعد خروجه ليراها ثانية وهي ما تزال في غرفتها تلبس، وبيتما كان يقبلها في أسقل عنقها، كانت تصيح هي في وجهه) وكانت قبل زواجها تظن أنها تحب. ولكن السعادة التي كانت تتوقعها من الحب لم تظفر بها فظنت أنها خدعت، ووطنت العزم على أن تكتشف تماماً معنى هذه المدلولات: السعادة، الأهواء، النشوات: التي كانت إلى ذلك الوقت تبدو ها جميلة على صفحات الكتب وانهارت أحلامها في الحي وشهر العسل والزواج، وأخذت تنسج لنفسها أحلاماً أُخر. وبقدر ما كانت علاقتها الزوجية تتوثق كان في نفسها تنافر داخلي ينمو ويزداد (كان حديث شارل عمومياً كأفريز شارع تمشي عليه أفكار كل انسان , اي إنسان في أثوابها العادية دون أن تثير عاطفة أو ضحكاً أو تفكيراً. كان يقول إنه أثناء غقانته في (روان) لم يجد لديه ما يدفعه إلى الذهاب إلى المسرح ليرى الممثلين من باريس. ولم يكن

стр. 6688

يعرف السباحة ولا لعب السيف ولا إطلاق الغدارة؛ وفي ذات يوم لميستطع أن يشرح عبارة خاصة بركوب الخيل قرأتها في قصة: أما يجب على الرجل أن يعرف كل شيء وأن يعلم المرأة انبساط الأهواء ولذائذ الحياة وأسرار العيش؟ ولكن شارل ما علم شيئاً وما عرف شيئاً، وما رغب في شيء. كان يعتقد أن زوجه سعيدة وهي تتعذب تحت هدوئه الذي لا يضطرب وسكينته التي لا تخف) وبرغم ذلك كانت تمحنه حبها. ففي الحديثة، في الليالي المقمرة، كانت تعيد على سمعه كل الأغاني الوجدانية التي حفظتها عن ظهر قلب. ولكنها في النهاية لا تجد زوجها ازادا غراماً ولا حماسة. (ولما ضربت زماناً على الصخرة الجائمة على قلبها دون أن تبعث منها شرارة ما، كانت تجد صعوبة يسيرة في إقناع نفسها بأن غرام شارل لا يعد مفرطاً بعد) وعكفت على قراءة مجلات السيدات والأزياء والأثاث ابتغاء التسلية، وعلى قراءة بلزاك وجورج ساند لتنقب فيهما عن الأرضاء الخيالي لأهوائها الشخصية. وكانت ذات أطماع: لِمَ لم تكن زوجة لعالم يدوي اسمه في كل مكان؟ وبدأت تكره زوجها لقلة طموحه وأصبحت تجد حياتها مملة جوفاء والحق أنها كانت تنتظر حادثاً في حياتها. كانت تصحو إذا تنفس لصبح فتظن اليوم قد حل. وتنصب إلى كل حركة، حى إذا جاء الغروب أمست احزن من قبل، وحنت إلى الغد. ولما كانت تضجر من دمينة (توست) ظن زوجها أن سبب الداء حادث محلي. وقرر أن ينتقل إلى بلدة (بونفي - لاباي) وفي لقسم الثاني يصف الانتقال الى البلدة الجديدة، وتعارفهما لصيدلي هوميه وليون كاتب المحامي. ويبدأ الحديث بين هذا وبين مدام بوفري فيكتشفان بينهما نماذجاً في الأفكار وتشاركا في العواطف، فكلاهما يحب الطبيعة والموسيقى، فمدام بوفاري تقول: - آمل أن أجد طرقاً جميلة في هذه الانحاء - يؤسفني أن أقول إنها قليلة. هناك مكان يدعونه (المرعي) فوق مرتقى التلال، عند حافة الغاب، ولقد طالما قصدته في الآحاد ومعي كتاب كي أرى الغروب - لست أظن أن هناك ما هو أجمل من الغروب، ولاسيما عند شاطيء البحر - أوه، إنني أقدس البحر!

стр. 6689

- ألا تظن أن العقل يبدو أكثر حرية حين نواجه ذلك الخضم غير المحدود، وأن أرواحنا لتتسامى حين نسبح في تأملاته، وأنه يوحي إلينا بالأفكار عن المثل العليا وعن اللانهاية؟ - كذلك الحال في مناطق الجبل واندفعا يتحدثان عن الموسيقى الألمانية، والأوبرا الايطالية، إلى أن قال زوجها رداً على كلمة لهوميه عن تنسيق الحدائق: - زوجتي لا تُعني بذلك، إننا ننصحها بالرياضة، ولكنها تفضل أن تظل في غرفتها تقرأ وقال ليون - هذا ما أفعل. وإني لعلي يقين بأنه ما من شيء يفوق الجلوس في المساء بجوار الموقد مع كتاب نفيس، بينما الريح تسفع زجاج النوافذ، والمصباح يضيء ويلمع في الغرفة وقالت وهي تحدجه بعينها السوداوين النجلاوين - هذا ما يختلج بنفسي - وينسي المء كل شيء بينما الساعات تتعاقب. ويجول في البلاد التي يظن أنه يراها، وأما أفكاره التي تحملها الحوادث المختلفة فانها تجد اللذة كل اللذة في كل تفصيل، أو تتبع سير المخاطرات والحوادث، وتصبح جزءاً من الشخصيات المختلفة، ويتخيل المرء أن نفسه هي التي تتنفس في ملابسهم) وضعت مدام بوفاري طفلة سمتها برتا وتركتها عند امرأة ترضعا وكان ليون يفكر فيها وهي تفكر فيه، وتراقبه وهو يمر تحت نافذتها إلى محل عمل مرتين كل يوم. وكانوت أحياناً يجتمعون في المساء، بوفاري وهو مييه يلعبان الورق، أما ليون فينصرف إلى الحديث مع دمام بوفاري وأخيراً قرر أن يصرح لها بحبه. إلا كلما عزم لا يجد الشجاعة. وكان يكتب الرسائل ثم يمزقها. وكانت شجاعته تفارقه في حضرتها، أما هي فلم تسأل نفسها إن كانت تحبه، ففي اعتبارها أن الحب يأتي فجأة ع دوي قاصف وبرق خاطف، عاصفة من السماء تهب على الحياة فتقلبها رأساً على عقب، وتعبث بالارادة كما يحمل الهواء ورقة جافة وتلقي بالقلب في هوة ما لها من قرار ولكنها كانت تراه يتقرب اليها، وتحصى حركاته وكلماته عندما تستلقي على فراشها، وتستعيد نظراته ثم تقول لنفسها وهي تضم شفتيها كأنما تتأهب لقبلة (ما أبهج ذلك! أهو

стр. 6690

لف؟ وبمن إن لم يكن بي؟) ولكنها لم تشجعه. وتظاهرت بأنها تحب زوجها. وكانت كلما أحست بأنها تهواه، قاومت لتقلل من شعورها. وكانت تأمل من ليون أن يفهم ذلك. وكلما همت بتأنيب نفسها عادت تفتخر وتقول لنفسها (إنيي شريفة) وأخيراً ظن الشاب أنها لا تريده فترك البلدة إلى باريس يلي ذلك لقاؤها بمسيو رودولف بولانجيه الساب الغني الجميل لخبير بالنساء والغرام. يقرأ في عينها مللها من حياتها وزوجها فيرغب فيها ويضع لذلك خطة محكمة وتساعده الظروف فيظفر بها. وتبدأ حلقة من الحب القوي المشبوب الجارف. وتندفع المرأة حتى تصل إلى درجة التهور. ولما ازدادت لعاشقها حباً ازدادت لزوجها مقتاً. ولأجل عشيقها الذي يملك ثروة من التجربة أخذت تعتني بنفسها وتبالغ في الزينة والتأنق. وأعطته مفتاح الحديقة الخلفي، فكانا يتقابلان طرفاً من النهار وزلفاً من الليل، وفي يوم حضوره كانت تملأ الغرفة بالأزاهرن وتتزين بكا ما تملك من حلي. ولم يعاتبها شارل على تبذيرها قط وكان ليريه البائع المتجول يجلب اليها كل ما تطلب ويغريها بطلب المزيد، وما عليها إلا أن توقع على صكوك يقدمها لها فيصبح العزيز ملكاً لها. ولما ألح في طلب نقوده بعد زمن؛ دفعت له مالاُ أتى لزوجها من عميل، ولم تخبره بذلك - (حينما تدق الساعة اثنتي عشرة مرة في الليل يجب أن تفكر في). فاذا اعترق لها بأنه لم يفعل كانت تؤنبه، ثم تختم بكلمتها الأبدية - (أمغرم بي أنت؟) - (أجل. طبعاً) - (كثيراً؟) - (ما في ذلك شك) - (ولم تحب غيري، عل فعلت؟) - (اتظن أني كنت عذراء حين تلاقينا.) ثم تبي فيترضاها فتقول: - (ذلك لأني أحبك كثيراً. أحبك حتى لا أطيق الحياة بدونك. وأحياناً أقول لنفسي. أين هو؟ ربما ينعم بالحديث مع نساء أخريات. هن يبسمن له وهو يدنو منهن. ولكنك لا تهتم بهن،

стр. 6691

أليس كذلك؟ كثيرات من يفقنني حسناً، ولكني اتن الحب أكثر منهن. إنني خدمتك وخليلتك، وأنت مليكي ومعبودي. كم أنت رحيم وجميل وماهر وقوي!) وبدأ المعبود كعادته يسأم العاطفة العارية والكلمات المعادة. ولما عيل صبرها من زوجها وأمه، قررت الفرار مع عشيقها وأخبرته بعزمها. فأخذ يسوف ويؤجل، وهي تؤمل وتستعد. وأخيراً حل الموعد المضؤوب، وبدلاً من ان يحضر أرسل اليها كتاباً يخبرها فيه بأنه لأجلها لن يطاوعها على فكرتها، ويريها أن فرارها معه عاقبته في النهاية وخيمة عليها، ويختمه بقوله: (. . . إنني أعاقب نفسي بالنفي للضرر الذي سببته لك. سأذهب بعيداً. لا أدري أين. لا تنسي الرجل البائس الذي تسبب في شقائك، وعلمي ابنتك اسمي حتى تذكره في صلواتها. وحين تقرئين هذه الأسطر البائسة أكون بعيداً، إذ يجب أن أتجنب الأغراء حتى لا أراك ثانية. كوني شجاعة. سأعود، وربما نستطيع بعد أن نتحدث بهدوء عن حبنا الأول، وداعاً. . .) ولما قرأت الخطاب أغمى عليها، ومرضت ثلاثة وأربعين يوماً. وفي اثناء ذلك استدان زوجها ثمن الأدوية، وتدخل (ليريه) وتمكن أن يجعل بوفاري يوقع على كمبيالة لمدة ستة أشهر بالأشياء التي أخذتها مدام بوفاري. وبعدها طلب بوفاري من الرجل ألف فرنك يدفعها بله بعد سنة سبعين وألفاً وأخيراً تحسنت صحتها قليلاً ولكنها أحست الزهد، وألح زوجها أن تحضر حفلة تمثيل في روان وهناك قابلا ليون وفي القسم الثالث تبدأ مع ليون على أنقاض الغرام الأول حلقة غرام آخر مستهتر عنيف. والق أنها قاومت في مبدإ الأمر. فهي ما زالت متشائمة خائرة تحت تأثير الصدمة الأولى. إلا أن ليون الذي غيرته الحياة الباريسية حملها في تيار جارف. وفي فند في المدينة أخذا يلتقيان يوماً كل أسبوع. وكانت تتذرع أمام زوجها بأنها تتلقى دروساً في البيانو على معلمة في روان واندفعت مرة أخرى في شراء هداياها فزادت ديونها وتعددت الصكوك وذاق ليون معها للمرة الأولى رقة الاناقة النسوية التي لا يعبر عنها وصف، وأصبحت لا غنى لها عن لقياه، وكانت تذهب لتدهوه من محل عمله، وترتعش إذا فكرت أن حبه قد يتلاشى يوماً ما

стр. 6692

وبدأ ليريه يحاصرها مطالباً بنقوده، عارضاً كمبيالات أخرى، وخضعت لسحر النقود فأخذت توقع عليها وتندفع في متعتها وأخيراً حول ليريه بضعاً من هذه الكمبيلات غلى مالي آخر. ولما ذهبت تسأله جلية الخبر جعلها توقع على أربع كمبيالات أخر. وأخذت ترسل إلى عملاء بوفاري المدينين وتطلب النقود منهم وترجوهم ألا يخبروه (لأن ذلك يؤثر في كبريائه.) وفي ذات يوم استلمت ورقة حجز رسمية. وأرسلت لليريه وهي دهشة. وصارحها الرجل بأن ذلك هو السبيل الوحيد لاسترداد نقوده. ولم يقبل منها أي توسل أو رجاء وذهبت على عجل إلى ليون وطلبت منه أن يبحث لها بأي وسيلة عن ثمانية اآف فرنك فلم يفلح، فعادت أدارجها ذاهلة مدحورة. وفي الصباح التالي نشر الاعلان الرسمي للحجز في الميدان ونصحتها خادمتها أن تذهب إلى مسيو (جيللومين) المحامي الغني. فذهبت تشكو إليه ليريه وقصت عليه المسألة فقال: - ولكن لِمَ لم تخبريني السبب؟ لماذا. . . . أخائفة أنت مني؟ أرجح ان لدي عذراً للشكور. فما نكاد نتعارف، لكني أعترف لك بأني أشد العبيد تفانياً، وأملي ألا يخامرك في ذلك شك وأسك بيدها وانكب يقبلها بشراهة، وأبقاها على ركبته، بينما كان يعبث بأناملها، وأحست بأنفاسه على خدها، وقالت: - (سيدي أني أنتظر) وشجب وجه الرجل فجأة وقال (ماذا؟) قالت: - (النقود.) فقال: (لكن. . .) ثم أجاب الرغبة الحادة قائلاً: (حسن. أجل!) وركع وهو يقول (بحق الرحمة، امكثي!) ووق خصرها بذراه. فاندفع الدم إلى وجهها وتراجعت قائلة: لا! سيدي أنت تنتهز خطورة مركزي بحماقة. إنني أستحق الرحمة، ولني لست للبيع.) وخرجت في ثورة من الهياج والغضب وخطره لها فجأة أن تذهب الى رودولف. فدهش لرؤيتها. ولم تخبره بمطلبها باديء الأمر. ورحب بها وأظهر أسفه لانفصالهما واندفع يقول إنها المرأة الوحيدة التي أحبها ورجاها أن تخبره بما يزعجها. ولما طلبت منه أن يقرضها ثلاثة الأف فرنك تراجع وأخبرها بأن هذا المبلغ غير موجود لديه

стр. 6693

فقالت: (ليس لديك! كان الأحرى أن أوفر على نفسي هذا الذل. لم تحبني بتاتاً، ولست خيراً من اآخرين.) وخرجت وهي تكاد لا تعي. ومر امامها الماضي سريعاً. وشعرت بأنها ستجن، وبأن روحها تتسرب منها كما ينزف الدم من الجريح. وأخيراً دخلت من الباب الخلفي لصيدلية (هوميه) وهو يتعشى. واستطاعت أن تحصل على مقدار من السم. وعادت إلى منزلها. وجدها زوجها المسكين تكتب خطاباً، ولما سألها عما حدث اجابته مشيرة إلى الخطاب (يجب أن تقرأ هذا غداً.) ورجته أن يتركها وحدها، استلقت على الفراش، وبدأت تظهر عليها أعراض السم، وأحست بالظمأ وبطعم الحبر. وسألها زوجها عما تشكو فلم تجب. وبعد قليل بدأ القيء. وأصبح وجهها أزرق اللون، وأخذت أسنانها تصطك، وبصرها يضطرب، ولما عاد يسألها في قلق أشارت إلى الخطاب. ولما قرأه صرخ طالباً المعونة. وحضر الصيديلي هوميه، وأرسلا إلى طبيبين، واضطربا في غمرات من الدهشة الذاهلة. ثم اتمى شارل على الفراش ينتخ. فقالت له: - لا تبك، فلن أحتمل زيداة على ذلك - لماذا؟ ما الذي دفعك إلى ذلك؟ - كنت مرغمة يا صديقي - أما كنت سعيدة؟ أهي غلطتي؟ لقد فعلت كل ما أستطيع - بلى ذلك حق. . . أنت طيب جداً وعز على الرجل فراقها وقد أقرت أنها أجبته أكثر من أي لحظة خلت. لم تعد تره أحداً الآن. والصوت الدنيوي الوحيد الذي كانت تسمعه هو عويل قلبها المسكين، الذي كان هادئاً خافتاً، كالصدى الأخير لموسيقى بعيدة. وقال وهي ترفع نفسها على مرفقها (أحضروا طفلتي.) وحضرت وخاطبتها ثم أبعدتها. وأتي الطبيب، ولكنها بدأت تبصق دماً. وبدأت أعضاؤها تتشنج، وتغطي جسمها بقع سمراء - وحضر الطبيب الآخر فرآها ثم قال لزوجها: - كن شجاعاً يا صديقي المسكين فما نستطيع شيئاً ماتت المسكينة فأخذ كل شخص يشتغل الموقف. معلمة الموسيقى تطلب أجر ستة شهور

стр. 6694

مع أن مدام بوفاري لم تأخذ درساً واحداً، وصاحب المكتبة يريد اشترا ستة شهور الخ وأرسلت مدام ديبوي تنبئه بزواج ليون ديبوي بالآنسة ليو كادي ليبوف. وكتب شارل يهنئها ويقول: (لشد ما كان يسعد زوجتي أن تعلم ذلك!) وفي ذات يوم وهو يهيم بالمنزل عثر في الغرفة العيا على كرة من الوق لرفيع، فتحها فاذا بها خطاب رودلف الأخير؛ وكانت صدمة عنيفة. رأى حرف (ر) وعرف من هو؛ ولكنه عاد يقول: ربما كان ذلك تجاذباً روحياً فحسب. لقد كانت محبوبة من كل إنيان ولكي يسعدها وهي ميتة كان يعيش كما كانت تهوى وتفكر. كان يلبس أحذية لامعة. وربطات رقبة بيضاء، ويضع على شاربه الأصباغ، ويستدين المال بالكمبيالات - وبالجملة كانت تئثر فيه من وراء اللحد واضطر أن يبيع الأثاث. إلا أنه لم يمس غرفتها بل ظلت كما كانت. وكان يذهب اليها دائماً بعد العشاء، ويضع المنضدة المستديرة بجوار المدفأة وكرسيها بجانبها وكرسيه بالجانب اآخر؛ واحتراماً لها لم يفتح درجها السري الخاص. ولكنه جلس أمامه يوماً وفتحه. وكانت خطابات ليون فيه. فقرأها وأخذ يبكي ويصرخ، ثم وجد رسائل رودولف وصورته أيضاً ودهش الجميع للانحطاط الذي عراه، وانقطع عن الخروج ورفض أن يعود مرضاه. ولكن بعض المطفلين كان يتسلق سور الحديقة المرتفع ويدهش إذ يرى الرجل في ثياب رثة، وجال سيئة. وفي الأماسي الصيفية كان يصطحب ابته إلى المقبرة، فلا يعودان إلا بعد أن يسدف الليل وذهب يبيع جواده فقابل رودلف، فدعاه هذا في جرأة ليشرب زجاجة من الجعة بالحانة. وامام الرجل تاه شار في أفكاره. وأمام الوجه الذي أحبته كاد يظن أنه يرى شيئاً منها. كان ذلك عجباً. وأوشك أن يتمنى أن يكون ذلك الرجل. ولم يصغ لحديثه، ولكنه قال أخيراً: - (إنني لا أحمل لك حقداً) ووضع رأسه بين يديه، وقال في صوت ضعيف: (لا أحمل لك حقداً). ثم أضاف هذه اللمات الرفيعة وهي المرة الوحيدة التي قال فيها شيئاً غير عادي:

стр. 6695

- (وكانت غلطة القدر) وفي الساعة السابعة من اليوم التالي وكان جالساً على مقد في مشى الحديقة جاءت برتا الصغيرة التي ل ـره منذ الأصيل لتدعوه الى العشاء. وكان رأسه مسنداً الى الحائط، وعيناه مغمضتين، وفمه مفتوحاً، وخصلة من الشعر الفاحم في قبضة يده، وقالت (تعال يا أبت.) وظننته يريد أن يداعبها، فدفعته بلطف فسقط على الأرض ميتاً! محمد سليمان علي

стр. 6696

العدد ٨١ - بتاريخ: ٢١ - ٠١ - ١٩٣٥

стр. 6697

الحج. . . لبيك اللهم لبيك!! الحج والزكاة هما الركنان الاجتماعيان من أركان الدين، يقوم عليهما الأمر بين الفرد والفرد، وبين الفرد والجماعة، كما يقوم على الثلاثة الأُخَر الأمر بين المرء وربه، وبين المرء ونفسه؛ فالزكاة تقيم نظام المجتمع على التعاطف والرحمة، الحج يقيمها على التعارف والألفة، فيحقق الأول بنفي العقوق معنى الأخاء، ويحقق الثاني بمحو الفروق معنى المساواة؛ والإخاء والمساواة شعار الإسلام، وقاعدة السلام، ومِلاك الحرية، ومعنى المدينة الحق، وروح الديمقراطية الصحيحة كان الحج وما زال مَطْهرَ الدنيا: ترحض فيه النفوس عن جوهرها أوزار الشهوات وأوضار المادة؛ وكان الحج وما زال ينبوع السلامة: تَبْرد عليه الأكباد الصادية، وترفُه لديه الأعصاب الوانية؛ وكان الحج وما زال مثابة الأمن: تأنس فيه الروح إلى موضع الإمام، ويسكن الوجدان إلى منشأ العقيدة، وينبسط الشعور بذلك الإشراق الإلهي في هذه الأرض السماوية؛ وكان الحج ومازال موعد المسلمين في أقطار الأرض على (عرفات): يتصافقون على الوداد، ويتآلفون على البعاد، ويقفون سواسية أمام الله حاسري الرءوس، خاشعي النفوس، يرفعون إليه دعوات واحدة، في كلمات واحدة، تَصعدُ بها الأنفاس المضطرمة المؤمنة تصعد البخور من مجامر الطيب، أو العطور من نوافح الروض! هنالك يقف المسلمون في هذا الحشر الدينوي حيث وقف صاحب الرسالة، وحواريو النبوة، وخلفاء الدعوة، وأمراء العرب، وملوك الإسلام، وملايين الحجيج من مختلف الألوان والألسن، فيمزجون الذكرى بالذكر، ويصلون النظر بالفكر، ويذكرون في هذه البقعة المحدودة، وفي هذه الساعة الموعودة، كيف اتصلت هنا السماء بالأرض، ونزل الدين على الدنيا، وتجلى الله للإنسان، ونبت من هذه الصحراء الجديبة جنات الشرق والغرب، وثمرات العقل والقلب، وبينات الهدى والسكينة الحج مؤتمر الإسلام العام، يجدد فيه حبله، ويتعهد به بأهله، ويؤلف بين القلوب في ذات الله، ويؤاخى بين الشعوب في أصل الحق، ويستعرض علائق الناس كل عام فيوشجها بالأحسان، ويوثقها بالتضامن، وينضح من منابعه الأولى على الآمال الذاوية فتنضُر، وعلى

стр. 6698

العزائم الخابية فتذكو، ثم يجمع الشكاوي المختلفة من شفاه المنكوبين بالسياسة المادية، والمدنية الآلية، والمطامع الغربية، فيؤلف منها دعاء واحداً تجأر به النفوس المظلومة جؤاراً تردده الصحراء والسماء! وما أحوج المسلمين اليوم إلى شهود هذا المؤتمر! لقد حصرهم المستعمرون في أوطانهم المغصوبة، ثم قطعوا بينهم الأسباب، وحرموا عليهم التواصل، وفصلوهم عن الماضي الملهم والمستقبل الواعد، بطمس التاريخ، وقتل اللغة، وإطفاء الدين، فلم يبق لهم جُمعة إلا في هذا الموسم إن في كل بقعة من بقاع الحجاز أثراً للتضحية ورمزاً للبطولة، فالحج إليها إيحاء بالعزة، وحفز إلى السمو، وحث على التحرر: هنا غار (حراء) مهبط الوحي، وهنا (دار الأرقم) رمز التضحية، وهنا (جبل ثور) منشأ المجد، وهذا هو البيت الذي احتبى بفنائه أبو بكر وعمر وعلي وعمرو وسعد وخالد، وهذا الشعب وذاك مَجرُّ أذيال الغطاريف من بني هاشم وبني امية، وتلك هي البطحاء التي درج على رمالها قواد العالم وهداة الخليقة!! (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). أما شرط الاستطاعة فقد بطل اليوم، وأصبح الحج فريضة عين لا تحول عن أدائها عقبة، ولا يَسوغُ في تركها معذرة؛ فأنت تستطيع بالمال اليسير وفي الزمن القصير أن تحج على الباخرة والسيارة والطيارة، دون أن تعرض حياتك للموت، وثروتك للنهب، وصحتك للمرض! وهذه (شركة مصر للملاحة البحرية) تتعهد لك (بزمزم) و (الكوثر) أن تكفلك وتحملك وتعلمك وتغذيك وتؤويك وتحميك في البحر والبر تحت عَلم دولتك، ورعاية مواطنيك، فلا تكابد وعث الصحراء وعبث الأشقياء، ولا تقاسي بُعدَ الشقة وطول الغربة لقد كان الحج لرهَقه الشديد وجهده الجاهد يكاد يكون مقصوراً على الطبقات الخشنة من الزراع والصناع والعملة؛ أما الناعمون المترفون من أولي الأمر، وذوي الرأي، وأصحاب الزعامة، فما كانوا يقدمون عليه ولا يفكرون فيه، فظل جَداه على المسلمين ضئيلاً لا يتعدى الحدود الخاصة من قضاء المناسك وأداء الزيارة فماذا يمنع الكبراء والزعماء اليوم أن يتوافوا على ميعاد الله، ما دامت هذه الشركة المصرية الخالصة قد تحملت عنهم أكلاف السفر، وضمنت لهم وسائل العيش، ووفرت عليهم أسباب الرفاهية، حتى ليكتفي المسافر

стр. 6699

بحقيبة ثيابه؟ إن في حج سراة العرب والمسلمين إعلاء لشأن الملة، وإغراء بأداء الفريضة، وسعياً لجمع الكلمة، وسبيلاً إلى الوحدة المرجوة. وإن مقام إبراهيم الذي انبثق منه النور، ونزل فيه الفرقان، وانتظم عليه الشمل، لا زال مناراً للأمة، ومثاراً للهمة، ومشرق الأمل الباسم بالعصر الجديد أحمد حسن الزيات

стр. 6700

وحُي القبور للأستاذ مصطفى صادق الرافعي ذهبتُ في صُبح يوم عيد الفطر أحملُ نفسي بنفسي إلى المَقْبرة، وقد مات لي من الخواطر مَوْتَى لا مَيتٌ واحد؛ فكنتُ أمشى وفي جِنَازَةٌ بمُشَيِّعيها من فكرٍ يحملُ فكراً، وخاطرٍ يتبعُ خاطراً، ومعنى يبكي ومعنى يُبكى عليه؛ وكذلك دأْبي كلما انحدرت في هذه الطريق إلى ذلك المكان الذي تأتيه العيونُ بدموعها، وتمشى إليه النفوسُ بأحزانها، وتجيء فيه القلوبُ إلى بقاياها. تلك المقابرُ التي لا ينَادي أهلُها مِن أَهليهم بالأسماء ولا بالألقاب ولكن بهذا النداء: يا أحبابنا؛ يا أحزانَنَا ذهبتُ أزور أمواتي الأعزاءَ وأتصلُ منهم بأطراف نفسي لأحيا معهم في الموت ساعةً أعرضُ فيها أمرَ الدنيا على أمر الآخرة، فأنسى وأذكر، ثم أنظرُ وأعتبر، ثم أتعرف وأتوسم، ثم أستبطنُ مما في بطن الأرض، وأستظهرُ مما على ظهرها؛ وجلستُ هناك أُشرِفُ من دهرٍ على دهر ومن دنيا على دنيا، وأخرجتِ الذاكرةُ أفراحها القديمة لتجعلها مادةً جديدةً لأحزانها؛ وانفتح لي الزمنُ الماضي فرأيت رَجْعَةَ الأمس، وكأن دهراً كاملاً خُلق بحوادثه وأيامه ورفع لعيني كما تُرفعَ الصورةُ المعلقةُ في إطارها أعرف أنهم ماتوا، ولكني لم أشعر قط إلا أنهم غابوا؛ والحبيبُ الغائبُ لا يتغير عليه الزمانُ ولا المكانُ في القلب الذي يحبه مهما تَراخَتْ به الأيام؛ وهذه هي بقية الروح إذا امتزجت بالحب في روح أخرى، تترك فيها ما لا يمحى لأنها هي خالدة لا تُمحى ذهب الأمواتُ ذَهَابَهم ولم يقيموا في الدنيا؛ ومعنى ذلك أنهم مروا بالدنيا ليس غير، فهذه هي الحياة حين تعبر عنها النفسُ بلسانها لا بلسان حاجتها وحِرصها الحياة مدةٌ عمل، وكأن هذه الدنيا بكل ما فيها من المتناقضات إن هي إلا مَصْنَعٌ يُسَوغُ كلُّ إنسانٍ جانباً منه، ثم يقال له: هذه هي الأداةُ فاصنع ما شئتَ، فضيلتك أو رذيلتك جلستُ في المقبرة، وأطرقت أفكر في هذا الموت. يا عجباً للناس كيف لا يستشعرونه وهو يهدمُ من كل حيٍ أجزاءً تحيط به قبل أن يهدمَه هو بجملته، وما زال كلُ بُنْيانٍ من الناس به كالحائط المُسَلطِ عليه خرابُه يَتَآكل من هنا ويتناثر من هنا يا عجباً للناس عجباً لا ينتهي، كيف يجعلون الحياةَ مدة نزاع وهي مدةُ عمل؛ وكيف لا

стр. 6701

تبرحُ تَنْزُو النوازي بهم في الخلاف والباطل، وهم كلما تَدَافَعوا بينهم قضيةً من النزاع فضربوا خَصْماً بخصم وردوا كَيْداً بكيد، جاء حكمُ الموت تكذيباً قاطعاً لكل من يقول لشيء هذا لي أما والله إنه ليس أعجبُ في السخرية بهذه الدنيا من أن يُعطَى الناسُ ما يملكونه فيها لإثبات أن أحداً منهم لا يملك منها شيئاً، إذ يأتي الآتي إليها لحماً وعظماً ولا يرجع عنها الراجعُ إلا لحماً وعظماً، وبينهما سفاهةُ العظم واللحم حتى على السكين القاطعة. . . . تأتي الأيامُ وهي في الحقيقة تَفِرّ فِرارَها؛ فمن جاء من عمره عشرون سنةَ فإنما مضت هذه العشرون من عمره. ولقد كان ينبغي أن تُصَحح أعمال الحياة في الناس على هذا الأصل البين، لولا الطباعُ المدخولةُ والنفوسُ الغافلة والعقولُ الضعيفةُ والشهواتُ العارمة؛ فأنه ما دام العمرُ مُقْبِلاً مًدْبِراً في اعتبار واحد، فليس للإنسان أن يتناولَ من الدنيا إلا ما يُرضيه محسوباً له ومحسوباً عليه في وقتٍ معاً. وتكونُ الحياةُ في حقيقتها ليست شيئاً إلا أن يكون الضميرُ الإنساني هو الحي في الحي ما هي هذه القبور؟ لقد رجعتْ عند اكثر الناس مع المَوْتَى أبنيةً ميتة؛ فما قطُّ رأوها موجودةً إلا لينسوا أنها موجودة. ولولا ذلك من أمرهم لكان للقبر معناه الحيُّ المتغلغلُ في الحياة إلى بعيد؛ فما القبرُ إلا بناءٌ قائمٌ لفكرة النهاية والانقطاع؛ وهو في الطرف الآخر رَدٌّ على البيت الذي هو بناءٌ قائم لفكرة البدء والاستمرار؛ وبين الطرفين المَعبدُ وهو بناءٌ لفكرة الضمير الذي يحيا في البيت وفي القبر، فهو على الحياة والموت كالقاضي بين خصمين يصلح بينهما صُلحاً أو يقضي القبرُ كلمةُ الصدق مبنيةً متجسمةً، فكل ما حولها يَتَكَذبُ ويتأول، وليس فيها هي إلا معناها لا يدخله كذبٌ ولا يعتريه تأويل. وإذا ماتت في الأحياء كلمةُ الموت من غرور أو باطلٍ أو غفلةٍ أو أثرة، بقي القبرُ مذكراً بالكلمة شارحاً لها بأظهر معانيها داعياً إلى الاعتبار بمدلولها، مبنياً بما ينطوي عليه أن الأمر كله للنهاية القبر كلمةُ الأرض لمن ينخدعُ فيرى العمر الماضي كأنه غيرُ ماضٍ، فيعملُ في إفراغ حياته من الحياة بما يملؤها من رذائله وخسائسه، فلا يزال دائباً في معاني الأرض واستجماعها والاستمتاع بها، يتلو في ذلك تِلْوَ الحيوانِ ويقتاسُ به فشريعته جَوْفُه

стр. 6702

وأعضاؤه. وترجعُ بذلك حيوانيته مع نفسه الروحانية، كالحمار الذي يملكُه ويعلفُه، لو سئل الحمارُ عن صاحبه من هو؟ لقال: هو حِماري. . . . . . القبرُ على الأرض كلمةٌ مكتوبةٌ في الأرض إلى آخر الدنيا معناها أن الإنسان في قانون نهايته فلينظر كيف ينتهي إذا كان الأمر كله للنهاية، وكان الاعتبارُ بها والجزاءُ عليها، فالحياةُ هي الحياةُ على طريقة السلامة لا غيرها. طريقة إكراه الحيوان الإنساني على ممارسة الأخلاقية الاجتماعية، وجعلها أصلاً في طباعه، ووزن أعماله بنتائجها التي تنتهي بها، إذ كانت روحانيته في النهايات لا في بداياتها في الحياة الدنيا يكون الإنسان ذاتاً تعملُ أعمالها؛ فإذا انتهت الحياةُ انقلبت أعمالُ الإنسان ذاتاً يخلدُ هو فيها؛ فهو من الخير خالدُ في الخير ومن الشر هو خالد في الشر؛ فكأن الموت إنْ هو إلا ميلادٌ للروح من أعمالها؛ تولد مرتين آتيةً وراجعة وإذا كان الأمر للنهاية فقد وجب أن تبطلَ من الحياة نهاياتٌ كثيرة فلا يترك الشُّر يمضي إلى نهايته بل يُحسم في بدئه ويقتل في أول أنفاسه؛ وكذلك الشأن في كل ما لا يحسن أن يبدأ، فانه لا يجوز أن يمتد كالعدواة والبغضاء، والبخل والأثرة، والكبرياء والغرور، والخداع والكذب؛ وما شابَكَ هذه أو شابهها، فإنها كلها انبعاثٌ من الوجود الحيواني وانفجارٌ من طبيعته؛ ويجب أن يكون لكل منها في الإرادة قبرٌ كي تسلم للنفس الطيبة إنسانيتها إلى النهاية يا من لهم في القبور أموات! إن رؤية القبر زيادة في الشعور بقيمة الحياة، فيجب أن يكون معنى القبر من معاني السلام العقلي في هذه الدنيا القبر فمٌ ينادي: أسرعوا أسرعوا فهي مدة لو صُرفت كلها في الخير ما وَفَتْ به؛ فكيف يضيع منها ضَياعٌ في الشر أو الإثم؟ ولو وُلد الإنسان ومشى وأيفَعَ وشبَّ واكتهل وهرم في يوم واحد، فما عساه كان يُضيع من هذا اليوم الواحد؟ إن أطول الأعمار لا يراه صاحبه في ساعة موته إلا أقصر من يوم ينادي القبر: أصلحوا عيوبَكم، وعليكم وقتٌ لإصلاحها. فإنها إن جاءت إلى هنا كما هي

стр. 6703

بقيت كما هي إلى الأبد، وتركها الوقت وهرب. هنا قبر، وهناك قبر، وهنالك القبر أيضاً. فليس ينظر في هذا عاقلٌ إلا كان نظره كأنه حكُم محكمةٍ على هذه الحياة كيف تنبغي وكيف تكون. في القبر معنى إلغاء الزمان، فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامه وأن يُسقط منها أوقات الشر والإثم، وأن يُميتَ في نفسه خواطر السوء؛ فمن معاني القبر ينشأ لإرادة عقلُها القويُّ الثابت؛ وكل الأيام المكروهة لا تجد لها مكاناً في زمن هذا العقل كما لا يجد الليل محلاً في ساعات الشمس ثلاثةُ أرواح لا تصلح روحُ الإنسان في الأرض إلا بها: روحُ الطبيعة في جمالها، وروحُ المعبد في طهارته، وروحُ القبر في موعظته. طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 6704

في الجحيم البلقاني ألبانيا الفتاة لمناسبة حوادثها الأخيرة للأستاذ محمد عبد الله عنان في أوربا دولة إسلامية صغيرة يحدق الخطر اليوم بمصايرها؛ ويتطلع الاستعمار الأوربي إلى افتراسها: تل هي مملكة ألبانيا التي أثارت حوادثها الأخيرة كثيراً من التساؤل والاهتمام، وهي الدولة المسلمة الوحيدة في أوربا، لأن تركيا لم تبق بعد من الوجهة الجغرافية دولة أوربية؛ ومن الأسف أن هذه الملكة الصغيرة تجد نفسها، مذ حصلت على استقلالها قبيل الحرب الكبرى، بسبب ظروفها الجغرافية، هدفاً لأطماع ومنافسات دولية قوية لا تستطيع خلاصاً منها، وترى نفسها مرغمة بحكم ضعفها وعزلتها إلى التماس العون والحماية من أولئك الذين يتطلعون إلى افتراسها كانت ألبانيا قبل الحرب ولاية تركية. ولكن هذه الأمة الصغيرة الباسلة تناضل في سبيل استقلالها منذ بداية القرن التاسع عشر؛ وقد استطاعت فعلاً أن تحصل على نوع من الاستقلال في عهد زعيمها علي باشا اليانيني في أوائل هذا القرن، فلما انهار سلطان هذا الزعيم الذي تملأ حياته وسيره المروعة كثيراً من صحف القصص الغربي، انهارت جهود ألبانيا في الاستقلال، وعادت تركيا فمكنت منها نيرها وسيادتها. ولما نشبت الحرب بين تركيا والدول البلقانية في سنة ١٩١٢، كان من نتائجها استقلال ألبانيا، قضت به معاهدة لندن التي عقدت بين الدول في مايو سنة ١٩١٣، واتفقت الدول على اختيار حاكم للدولة الجديدة المستقلة، ووقع اختيارها على البرنس دي فيد الألماني. وفي أوائل سنة ١٩١٤ قدم البرنس دي فيد إلى ألبانيا بعد أن زار حكومات الدول الأوربية المختلفة، فاستقبله وفد من الزعماء الألبانيين وعلى رأسهم عميدهم أسعد باشا بطل اشقودرة الذي أعلن استقلال ألبانيا قبل أن تقرره معاهدة لندن، طلب إليه باسم الشعب الألباني أن يقبل عرش ألبانيا، فلبي البرنس الدعوة ولقب (بأمبرت) ألبانيا وهو تصغير للقب الامبراطور، وتولى أسعد باشا في الحكومة الجديدة وزارتي الداخلية والحربية، ولكن الخلاف لم يلبث أن دب بينه وبين

стр. 6705

البرنس، واضطربت شؤون ألبانيا، وتفاقمت الصعاب حول الملك الجديد، وأضرم أسعد باشا نار الثورة فأرغم البرنس على مغادرة ألبانيا، لأشهر قلائل من مقدمه، وقبض أسعد باشا على رياسة الحكومة الجديدة (أكتوبر سنة ١٩١٤)، واختارت ألبانيا ملكاً جديداً هو البرنس برهان الدين ابن السلطان عبد الحميد. ولكن البلاد لبثت تتخبط في غمار الاضطراب والفوضى؛ وكانت الحرب الكبرى قد اضطرمت قبل ذلك بقليل، وأخذت دول الخلفاء تتطلع إلى ألبانيا كمركز حربي هام، وتخشى أن تغدو قاعدة لحركات ألمانيا والنمسا في المشرق؛ وفي ديسمبر سنة ١٩١٤ بعثت إيطاليا - بإيعاز الحلفاء - جملة عسكرية إلى ثغر فالونا الألباني فاحتلته؛ وعلى أثر ذلك وقعت بين الدول مفاوضات سرية بشأن ألبانيا، ووعد الحلفاء بأن يتركوا ألبانيا غنماً لإيطاليا مقابل دخولها في الحرب معهم؛ ووعدت النمسا من جانبها إيطاليا بأن تؤيد احتلالها لثغر فالونا وتطلق يدها في ألبانيا إذا هي لزمت الحياد. ولكنها لما رأت تردد إيطاليا دفعت جيوشها إلى الجنوب؛ وفي أواخر سنة ١٩١٥ غزت الجنود النمسوية الألمانية ألبانيا واستولت على اشقودرة، ووصلت إلى ظاهر تيرانا عاصمة ألبانيا، وغزت الجيوش البلغارية شرق ألبانيا؛ فاضطربت حكومة أسعد باشا الموالية للحلفاء وسقطت واضطرت إيطاليا إلى إخلاء ثغر دورازو ولكنها احتفظت بثغر فالونا. ولبث الألمان والنمسويون يحتلون شمال ألبانيا وشرقها لتأمين مواصلاتهم مع تركيا والميادين الشرقية حتى نهاية الحرب الكبرى. ولما انتصر الحلفاء كان من المقرر أولاً أن يعطى القسم الجنوبي من ألبانيا لليونان، ووافقت إيطاليا على ذلك بشرط أن تعترف اليونان بحمايتها على باقي ألبانيا مع التنازل عن سلخة شمالية لصربيا، ولكن هذا التقسيم لم يتم؛ وعادت إيطاليا إلى المطالبة بتنفيذ الوعد الذي قطع لها بالاستيلاء على ألبانيا. وفي مؤتمر سان ريمو (١٩٢٠) الذي عقد للنظر في مسألة الانتدابات، منح الانتداب على ألبانيا لإيطاليا، وأخذت إيطاليا تعمل لاحتلال ألبانيا وبسط سيادتها؛ ومع أن ألبانيا غدت عضواً في عصبة الأمم، فان إيطاليا استطاعت في أواخر سنة ١٩٢١ أن تحمل بريطانيا العظمى وفرنسا واليابان على إصدار تصريح تعترف فيه (بأن انتهاك الحدود الألبانية أو استقلال ألبانيا يمكن أن يعتبر خطراً على سلامة إيطاليا من الوجهة العسكرية) على أن ألبانيا لم تستكن لهذه المحاولات الاستعمارية. والشعب الألباني شعب باسل رغم

стр. 6706

كونه يقل عن المليونين عداً (نحو مليون وستمائة ألف ثلثاهم من المسلمين)، يقدس حرياته واستقلاله، ولهذا عادت ألبانيا فاضطرمت بحركة وطنية اخرى؛ وتدخلت السياسة اليوجوسلافية خصيمة السياسة الإيطالية لتأييد هذه الحركة التي قادها زعيم فتي هو أحمد زوغو؛ ولم يمض عامان أو ثلاثة حتى استطاع أحمد زوغو بمعاونة يوجوسلافيا أن ينشئ في ألبانيا جمهورية مستقلة، وان ينتخب رئيساً لهذه الجمهورية (فبراير سنة ١٩٢٥). ورأى زوغو أنه لا يستطيع المحافظة على سلامة الدولة الجديدة في بلد وعر قوى المراس قليل الموارد دون معاونة أجنبية؛ ولما رأت السياسة الإيطالية أن يوجوسلافيا تنافسها في ألبانيا، تقربت من أحمد زوغو؛ وآثر زوغو بعد أن حقق الخطوة الأولى من برنامجه أن يتفاهم مع حكومة رومه، وانتهى هذا التفاهم بعقد ميثاق تيرانا (نوفمبر سنة ١٩٢٦)، وهو ميثاق تأييد متبادل وتعاون ودي، تستطيع الحكومة الإيطالية أن تتدخل بمقتضاه في شئون ألبانيا، وتتعهد أن تحافظ على الحالة القائمة فيها في حدود المعاهدات المعقودة وميثاق عصبة الأمم. وفي العام التالي عقدت ألبانيا مع إيطاليا معاهدة دفاعية لمدة عشرين سنة، تتعهد فيها كل منهما بأن تضع تحت تصرف حليفتها كل مواردها العسكرية والمالية وغيرها متى طلبت إليها هذا العون لدرء الخطر عنها واستطاع أحمد زوغو أن يهدئ الحالة في ألبانيا وأن يقبض على ناصية الأمور رغم هذه الاتفاقات التي تقضي على استقلال ألبانيا وتجعلها شبه مستعمرة إيطالية. واستغلت إيطاليا هذه الفرص لتوطيد نفوذها؛ وعقدت لألبانيا بواسطة عصبة الأمم قرضاً قدره خمسون مليون فرنك ذهباً، وقامت بإنشاء البنك الألباني الوطني، ووظفت أموال إيطالية كثيرة في المرافق الألبانية، ومكنت السياسة الفاشستية نفوذها من ألبانيا. واعتمد أحد زوغو على هذا النفوذ في تأييد مركزه وسلطانه؛ وفي سبتمبر سنة ١٩٢٨ أعلن نفسه ملكاً على ألبانيا باسم الملك زوغو الأول، واستطاع أن يوطد مركزه وأن يقضي على كل معارضة؛ ولكنه شعر في نفس الوقت أن توغل النفوذ الإيطالي في ألبانيا، يثير الشعور الوطني، وقد ينقلب هذا الشعور ضده، ورأى من جهة أخرى انه ليس في كبير حاجة إلى معاونة إيطاليا بعد؛ فلم يقبل أن يجدد ميثاق تيرانا الذي انتهى أجله سنة ١٩٣١، وبقيت معاهدة سنة ١٩٢٧ هي أساس العلائق بين إيطاليا وألبانيا؛ ولكنه اضطر أن يعقد اتفاقاً مالياً في صيف ١٩٣١،

стр. 6707

تتعهد إيطاليا بمقتضاه أن تقدم لألبانيا بشروط معينة قرضاً قدره مائة مليون فرنك ذهباً بلا فائدة، وتؤدي منها إليها كل عام عشرة ملايين. واهتمام السياسة الإيطالية بألبانيا وتمكين نفوذها منها يرجع إلى عوامل جغرافية وعسكرية خطيرة، فألبانيا تقع في مواجهة إيطاليا الجنوبية على الضفة اليمنى من بحر الأدرياتيك، وليس بين ثغر باري الإيطالي وبين ثغر دورازو الألباني أكثر من بضع ساعات، ولا يفصل برنديزي وفالونا أكثر من مائة كيلو متر؛ ثم إن شواطئ ألبانيا تصلح بطبيعتها قواعد ومرافئ حصينة للأسطول الايطالي، على حين أن الشواطئ الإيطالية المواجهة ليست لها هذه الخاصة. ولألبانيا وقت السلم جيش نظامي يبلغ تسعة الآف، ويمكن وقت الحرب أن بغدو مائة ألف، وهو مدرب على الأساليب الإيطالية بحيث يغدو وقت الحرب بالنسبة لإيطاليا عوناً لا يستهان به. ومن جهة أخرى فان وقوع ألبانيا في جنوب يوجوسلافيا خصيمة إيطاليا ومنافستها القوية يجعلها إذا نشبت حرب بين الدولتين قنطرة سهلة للوصول إلى إيطاليا وتهديد شواطئها وثغورها الجنوبية بسرعة؛ وإيطاليا تحسب لهذا الخطر حسابه، خصوصاً بعد تحسن العلائق بين ألبانيا ويوجوسلافيا في الآونة الأخيرة ولنحاول الآن أن نستعرض موقف ألبانيا الحاضر بعد الذي أذاعته الأنباء الأخيرة عن وقوع اضطرابات خطيرة فيها يوشك أن تتمخض عن انقلاب سياسي جديد. والظاهر أن هنالك مبالغة في هذه الأنباء قصدت إليها بعض المصادر التي تعمل على تشويه سمعة ألبانيا ولاسيما المصادر اليونانية نظراً لعدم رضى اليونان عن معاملة الأقلية اليونانية في ألبانيا؛ وهذه الأقلية يسكن معظمها في القسم الذي ضم إلى ألبانيا من مقاطعة أبيروس وهي مثار الخلاف بين البلدين. وتنفي المصادر الألبانية الرسمية هذه الأنباء، وتقول إن ما حدث كله يتلخص في أن زعيماَ ناقماً يدعى محرم بجرا كطاري قاوم السلطات في أولميشت حينما أرادت أن تقبض لديه على بعض المجرمين الفارين الذين آواهم، وإن السلطات استطاعت أخيراً أن تقمع حركاته وأنه اضطر إلى الفرار مع بعض أنصاره إلى ما وراء الحدود اليوجوسلافية؛ بيد أنه إذا لم تك ثمة ثورة عامة في ألبانيا، أو كانت ثمة محاولة إلى الثورة سحقت قبل استفحالها، فانه لا ريب أن شئون ألبانيا ليست على ما يرام، وأنها تجوز فترة من الاضطراب والقلق. فمنذ نحو عامين تضطرم الكتلة المعارضة لأحمد زوغو

стр. 6708

بنزعة قوية إلى الثورة وإلى إلغاء الملوكية، وإعادة النظام الجمهوري بعيداً عن الوصاية الأجنبية، وقد أسفرت هذه الحركة منذ نحو عام عن محاولة اتهم فيها عدة كبيرة من الشباب المتعلم بالتآمر على سلامة الدولة. ومن جهة أخرى فقد رأت إيطاليا أنها لم تحقق كل ما أرادت من تدخلها في الشئون الألبانية وقررت أن تقطع الإعانة المالية السنوية عن الملك زوغو حتى تجاب إلى مطالبها في السيطرة على التجارة الألبانية، وافتتاح المدارس الإيطالية المغلقة، وتعيين مستشارين إيطاليين في الإدارات الألبانية، وتعيين ضباط إيطاليين لتدريب الجيس الألباني وغيرها؛ وهذه مطالب لم يقبلها أحمد زوغو وحكومته. وقد أحدث قطع الإعانة المالية ارتباكاً خطيراً في الحكومة الألبانية، واضطربت المرافق والمشاريع العامة، ونضبت موارد القصر والإدارات الحكومية، وساد روح من القلق والتذمر حول الملك زوغو وحكومته، وتحركت المعارضة لتحاول فرصتها؛ والظاهر أن الحركة الأخيرة كانت أثراً من آثار هذا الارتباك العام، وأنها ليست إلا بداية قد تعقبها محاولات أخرى إذا لم تتح للملك زوغو وعصبته فرصة لتوطيد مركزهم بالتفاهم مع إيطاليا وتلقي معونتها أو آية معونة خارجية أخرى والحقيقة أن تلك الدولة الصغيرة المسلمة تجد نفسها في مركز محزن؛ فهي لا تستطيع أن تعيش مستقلة بنفسها، ولا تستطيع رغم بسالتها أن تذود عن هذا الاستقلال الذي تجاهد في سبيله، وهي مطمح أنظار دولتين قويتين خصيمتين، وليس في مقدورها أن تفلت من نتائج هذا التجاذب السياسي الذي تتعرض له بموقعها الجغرافي وظروفها العسكرية، وإذا فلا بد لها أن تختار الخضوع لأحد النفوذين: النفوذ الإيطالي، أو النفوذ اليوجوسلافي، وقد استظل أحمد زوغو بنفوذ يوجوسلافيا حتى تمكن من إنشاء ألبانيا الجديدة ومن التربع على عرشها؛ ثم استظل بعد ذلك بالنفوذ الإيطالي ليوطد دولته الجديدة، وهاهو اليوم يتبرم بذل النفوذ ويحاول خلاصاً منه. فهل يكون ذلك نذير العود إلى سياسة التفاهم مع يوجوسلافيا؟ إن إيطاليا ترى في ألبانيا غنماً تحرص عليه كل الحرص وتعما بكل الوسائل لكي تستأثر به، وترى فيها مجازاً للتوسع في المشرق، والسياسة الفاشستية تنشط اليوم إلى التوسع والاستعمار حيثما استطاعت؛ ومن المحقق أنها ستنازع يوجوسلافيا أية محاولة تقوم بها في ألبانيا، لأنها ترى في مثل تلك المحاولة اعتداء على سلامتها

стр. 6709

وعلى أي حال فان مصير ألبانيا غامض كل الغموض. وخير ما يمكن أن تفوز به هذه الأمة الصغيرة الباسلة هو أن تعيش كدولة (فاصلة) في ظل نوع من الاستقلال، وأن تعمل للانتفاع بهذا التجاذب السياسي الذي تترواح بين شقيه بذكاء واعتدال. وشر ما يمكن أن يصيب ألبانيا هو أن تتفق الدولتان المتنافستان على اقتسامها بين سمع أوربا المتمدنة وبصرها، وتحقق كل بذلك أطماعها، وتذهب الأمة الباسلة، كما ذهبت كثيرات غيرها، ضحية الاستعمار الغربي محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6710

السيارة الملعونة! للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني كان لي - في وقت من الأوقات - سيارة من طراز لا أعينه (تًسع السبعة الأقاليم طراً) ولم تكن بي حاجة إلى كل هذه السعة، فإني كما يقول ابن الرومي: أنا من خف واستدق، فما يُثقل … أرضاً، ولا يسدّ فضاَء وكنتُ إذا اتخذتُ مجلسي فيها لا أملأ إلا إصبعين منها، وكانت زنتها نحو طنين، أو بضعة قناطير، وأدع للقارئ حساب ذلك، فمالي قبلٌ بالحساب أو صبرٌ عليه؛ وما حاجة مثلي إلى الحساب والبراعة فيه وكل أشيائي تعد بالآحاد، فان كثرت جداً فبالعشرات؟؟ فأنا أكسب المال قرشاً قرشاً، وأنفق ما أكسب حتى قبل أن يصير في كفي، فما يستقر منه في جيبي شيء، فكأني ساعي بريد، لغيره لا له ما يتعب في حمله ويحفي قدميه وهو يدور به على البيوت! وما رأيت في حياتي ورقة بمائة جنيه! وللبنك الأهلي غرف منحدرة في الأرض، ولها نوافذ عليها شُباكة من السلك المنسوج، وحديد متعارض، فهي تؤدي الضوء ولا تنفذ منها اليدُ مع الأسف! وفي هذه الغرف تجلس فتيات إلى مكاتب صغيرة عليها حزم مكدسة من أوراق النقد المختلفة يختمنها بختم المدير أو لا أدري ماذا يطبعن عليها، وكثيراً ما أقف بهذه النوافذ وأنظر إلى الفتيات، أو على الأصح إلى الأوراق - اعني إلى الثروات - التي في أيديهن، فأتنهد أتحسر! وماذا تخسر الدنيا - أو البنك فانه هو الدنيا في تلك الساعات - إذا انتقلت إلى يدي بقدرة ربك - أو بعطف إحدى الفتيات - حزمة واحدة من هذه الأوراق الكبيرة؟ أيفلس البنك؟ كلا! أيقل الورق المتداول؟ كلا أيضاً! فإني بارع في إتلاف المال، فإذا صار في يدي كثر التداول ولم ينقص، ولقد فتنني منظر الورق مرة فطال وقوفي ونفد صبري، وخرج الرشد من أصابع كفي، فصحت بالفتاة الجميلة (هش. . . هش. . . .!) فرفعت رأسها إلى النافذة ونظرت ثم ابتسمت وعادت إلى ما بين يديها فعدت أصيح بها: (هش. . . . . هش. . . .!) فصعدت عينها مرة أخرى فأسرعت أقول: (يا بنت الحلال! إن مُنى النفس جميعاً في حزمة من هذه الحزم الكثيرة - وفيك أيضاً لو تجودين! - فهلا أعطيتني مما أعطاك الله؟)

стр. 6711

ولا ادري ماذا كان جوابها، فقد شعرت بيد غليظة على كتفي، فالتفت، فإذا شرطي ضخم، فقلت لأطمئنه: (منظر جميل جداً، إن البنات يعملن بسرعة عجيبة. وأقول لك الحق، إنهن جميلات! من أين يا ترى يجمعنهم؟ ألا تعرف؟ لشد ما أتمنى أن يكون عندي ولو عشرين حزمة - أعني بنتاً - من أمثالهن!) فضحك، وسرني ضحكه جداً، فحييته بأدب جم ولطف كثير، وتواضع جميل، وقلت وأنا أودعه: (اجعل بالك إلي. . . إليهن، لا تدعهم يغبن عن عينك! فإن لي فيهن والله لمآرب! إيه ما أحلى أيديهن الرخصة البضة! ليتني أستطيع أن أضع كفي على كف واحدة منهن! ألا تتمنى ذلك يا صاحبي؟ متع عينك بالنظر يا أخي! متعها، منعها! وهل أقل من النظر؟ ولكن سيارتي، تلك على جمالها وضخامتها وسعتها، أرتني النجوم في الظهر الأحمر، ذلك أنها كانت تستنفذ من البنزين والزيت كل ما هو معروض في دكاكينهما على طريقها، ثم لا تشبع، حتى لقد فكرت في أن أصل خزانها بآبار الموصل! وكثيراً ما هممت بأن أغالطها وأدور من وراء خديعتها، وأملأ لها خزانها ماء بدلاً من البنزين، وأنا أقول لنفسي: (ومن أدراها ان هذا ماء لا بنزين؟) ثم إن خزان الماء كان يغلي كالمرجل بعد دقائق قليلة من السير، فتبدو لي علامة الخطر الحمراء، فأقف وأغير لها الماء، ثم أستأنف السير، وهكذا في الشتاء فكيف بها في الصيف؟ ولهذا صرت أشتري الثلج وافتته، وأحشو به خزانها بدلاً من الماء، ولا أركبها إلا ومعي ذخيرة كافية من ألواح الثلج على المقاعد الخلفية ولو اقتصر الأمر على هذا لهان الخطب، ولأمكن احتمال المصاب، ولكن محاور العجلتين الخلفيتين كانت مبرية المساليط والأسنان التي تنشب في العجلة وتعلق بها فلا تدعها تفلت، ولم أكن أعلم هذا؟ وأنى لي أن أعرفه وهو شيء محجوب لا يبدو لعين الناظر؟ وكان فساد هذه الأسنان لا يُحدث أثره إلا وأنا في أرض خلاء، ولا أنيس فيها ولا ديار بها، فأكون سائراً مغتبطاً راضي النفس، منشرح الصدر، وفي يميني سيجارة أنعم بتدخينها، وفي عيني ابتسامة عذبة، وعلى لساني - أو شفتي، لا أدري - ألحان أغنية جميلة، وأكون قد خرجتُ من العمران، وأطلقت لها العنان لتهب فضاء الصحراء - حيث كنت أسكن - وإذا بصوت يقول (كركركركركركر. . .) وإذا بإحدى العجلتين الخلفيتين قد خرجت من محورها

стр. 6712

وذهبت تجري وحدها في الطريق وإذا أنا مائل على جنبي! فلولا حضور ذهني، وسرعة خاطري، وثبات جناني، لانقلبت بي السيارة، ولانتقل المازني - بعد أن يجدوه - إلى رحمة الله، أو على الأقل إلى المستشفى! وأفتح ألباب، وأترجل، وأدور بها لأنظر ماذا حدث، ثم أقول: (شيء جميل! ولكن هل كان من الضروري جداً أن تصنعي هذا هنا على الخصوص؟ ألم يكن من الممكن أن يحدث هذا في شارع محمد علي، أو القلعة، أو غيرهما، حيث الناس يروحون ويجيئون بلا انقطاع؟ أو أمام البيت على الأقل؟ سبحان الله العظيم! ما هذه الطباع الصبيانية؟!) وأذهب أبحث عن العجلة الطائرة، ثم أدحرجها عائداً بها، وأخلع المعطف والسترة، وأرفع الأكمام، والبس ثوب (العمل) الأزرق، فقد احتجت إليه فحرصت عليه، وأخرج الآلة الرافعة، وعلبة الرزات، وأحمد الله على أن المحور سليم لم ينكسر، وأرد العجلة إلى مكانها، ثم أتوكل على الله وأستأنف السير. ولكن ما كل مرة تسلم الجرة، فكنت كلما ازددتُ احتياطاً لهذه المفاجآت، زادتني هي افتتاناً في الحيل والمكر السيئ، وقد اضطررت أن أتخذ لي خادماً يصحبني في السيارة ليعينني على بلائها، فحدث مرة وأنا عائد إلى البيت، وكان الوقت منتصف الليل، أن كركرت العجلة - على عادتها - وطارت في ميدان الأوبرا. فوقفت في وسط الميدان، وأمرت الخادم أن يصلح ما فسد، ورحت أنا أتمشى على الإفريز وأدخن سيجارة حتى يفرغ من هذا الأمر، فجاءني يقول ان المحور قد انكسر! قلت: (هممم! شيء جميل! خبر سار جداً. الثلج حملناه، والبنزين هذه ذخيرته وراءنا كأنا على سفر إلى القطب الشمالي. فلم يبق إلا أن نحمل معنا دكاناً كاملاً من أدوات السيارات والقطع اللازمة لها! لا بأس! غداً إن شاء الله نفعل ذلك. أما الليلة فعليك يا صاحبي أن تدخل في السيارة وتغلقها عليك - أبوابها ونوافذها فان البرد شديد - وتحضن العجلة المتمردة وتنام إلى الصباح، وإنه ليؤسفني أن لا أنيس لك في هذا الميدان الموحش سوى تمثال إبراهيم باشا، ولكنه كان بطلاً، فاحلم بوقائعه إلى الصباح. . . عم مساء والى الملتقى!)

стр. 6713

وأقسمت لأبيعنها، فما بقي لي على ألا عيبها صبر، ومضيتً بها - بعد إصلاح محورها - إلى الدكان الذي اشتريتها من صاحبه، وقلت له (بعها بأي ثمن! فما يعنيني إلا أن أتخلص منها) وكان بيني وبيته ود، فسألني (هل تبيعها بنصف ثمنها؟) قلت: (وبثلثه - بل بربعه!) قال: لا لا. حرام. إنها سيارة فخمة! ولو عرضتها بهذا الثمن الزهيد لظن الناس الظنون، ولتوهموا أن فيها عيباً لا يداوى! وأخلق بهم حينئذ أن ينصرفوا عنها ويزهدوا فيها) فسألته (بكم تنوي إذن أن تعرضها؟) قال: (بمائة جنيه -) فصحت (يا خبر اسود! بمائة؟ إن هذه سرقة!) قال: (لا تكن أبله. . . مالك أنت؟) وبقيت عنده أسابيع، لا يشتريها أحد، فمررتُ به يوماً فألفيته خارجاً، فرجا مني أن أنتظره حتى يعود. . . دقائق لا أكثر. . . وأخبرني أن سيدة ستحضرـ فإذا جاءت قبله، فعلي أن أستقبلها وأحييها حتى يرجع وذهب. وجاءت السيدة، فلم يسعني إلا أن أنهض لاستقبالها، لا لأن صاحب الدكان كلفني ذلك، بل لأنها كانت أجمل من أن يستطع امرؤ أن يجرؤ على إهمالها، فقالت: (هل أنت المسيو. . . . .؟) قلت: (ليتني كنته! إذن لربحت في العام ثلاثة آلاف من الجنيهات! كلا! لقد خرج وسيعود بعد قليل جداً. . . . تفضلي!) فأجالت عينها حتى وقعت على سيارتي فقالت (هل هذه معروضة للبيع؟) قلت (أظن ذلك! أعني نعم!) قالت (إنها جميلة. . . ضخمة. . . فخمة. . . (وفتحت بابها) وثيرة المقاعد. . . بديعة. . . كم ثمنها؟) فتنحنحت وقلت (إ. . . أ. . . ثمنها!!. . . . مائة جنيه!)

стр. 6714

قالت (ثمن معقول. . . ليست بغالية) قلت (ولكنها لا تصلح لك. . أعني أن عيوبها فظيعة!) قالت (عيوبها؟ إنه لا عيب فيها!) قلت (الماء يغلي بعد دقائق) قالت (طبيعي) قلت (تحرق وقوداً كثيراً. . . تحتاج إلى جالون من البنزين كل أربعة أمتار) قالت (لا تبالغ. . . إنها كبيرة ضخمة، فمن المعقول أن تحتاج إلى وقود كثير) قلت (والعجل يطير أثناء السير) قالت (أوه! ما هذا الإسراف في الطعن؟ هل أستطيع أن أجربها؟) فخرجت بها، ودرنا بها دورات، ولم أرحمها - أعني السيارة - لأبرز لها - أعني للسيدة - عيوبها - أعني السيارة هذه المرة - فما كان في السيدة هنة، ولكنها كانت كأنها مسحورة، فلا البنزين القليل الذي وضعته فيها نفذ، ولا الماء غلا، ولا العجلة طارت وقالت السيدة (أترى كيف كنت تبالغ؟ إن ماءها بارد كالثلج! ولا يزال أكثر البنزين باقياً، والعجلة في مكانها ثابتة. لو كان تاجر يصد الزبائن كما تفعل، لخرب!) فلم تبق لي حيلة، وجاء صاحب المحل فتمت الصفقة، وحسب لي نصيبي من الثمن، مقدمة لثمن سيارة أخرى. . . . . ولا أدري ماذا كان من أمر السيارة مع هذه السيدة المسكينة ولكنه لا ذنب لي، فقد حذرتها وأنذرتها، وأبرأت ذمتي إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 6715

حجر بهشتون مفتاح الكتابة المسمارية بقلم الأستاذ كوركيس حنا عواد ١ - تمهيد لئن كان حجر رشيد وثيقة تاريخية خطيرة الشأن أدت إلى فك رموز الكتابة الهيرغليفية، وفتحت ما استغلق من المدنية المصرية القديمة وأوضحت ما أشكل فيها، فان حجر بهشتون يعتبر ولا مراء وثيقة هامة جداً موازية لرفيقتها في المكانة، لكونها أدت إلى فك رموز الكتابة المسمارية، وأنارت السبيل أمام العلماء والباحثين للتطلع إلى الماضي البعيد والتعرف بالمدنيات الآشورية والبابلية. . . . . على الطريق الرئيسية الموصلة بين بغداد وطهران، يقع هذا الأثر المدهش الذي هو من أعظم الآثار التاريخية في آسيا. ويبعد عن همدان بمسافة ٦٥ ميلاً، وعن كرمنشاه باثنين وعشرين ميلاً وعُرف هذا الصخر قديماً باسم جبل باغستان البالغ ارتفاعه ٣٨٠٠ قدم. وقد اطلقت هذه التسمية على هذا الأثر نظراً لوجود تلك القرية الصغيرة المسماة بهشتون عند أسفل الصخر، وأصبحت هذه التسمية هي المتعارفة بين علماء الآثار والتاريخ من الأجانب. وكان السر هنري رولنصن قد استعار هذه التسمية من ياقوت الحموي الذي أتى في معجمه الجغرافي على ذكر هذه القرية وينبوعها فقال: (. . . . قرية بين همذان وحُلوان. . . وجبل بهستون عال مرتفع ممتنع لا يرتقى إلى ذُروته. . . ووجهه من أعلاه إلى أسفله أملس كأنه منحوت، ومقدار قامات كثيرة من الأرض قد نحت وجهه ومُلس، فزعم بعض الناس أن بعض الأكاسرة أراد أن يتخذ حول هذا الجبل موضع سوقٍ ليدل به على عزته وسلطانه، وعلى ظهر الجبل بقرب الطريق مكان يشبه الغار وفيه عين ماء جارٍ. . .) ولم يكن ياقوت أول من استعمل هذه التسمية في معجمه، بل سبقه إلى ذلك ديودورس الصقلي المؤرخ كما سيجيء ذكره ٢ - وصف الصخر والينبوع المقدس: إن لواجهة هذا الصخر وضعاً عجيباً من حيث البروز والانتصاب، فكان ليد الإنسان

стр. 6716

نصيب وافر في تهذيبها وصقلها وجعلها واقفة الانحدار كالجدار القائم، فبات النحت والكتابة عليها أمراً ميسوراً. وفي أسفل هذه الواجهة ينبوع ذو ماءٍ نقي جداً. فهنا كانت القوافل منذ الأزمان الغابرة تلقي عصا الترحال لتستريح من وعثاء السفر، وتروي غلتها من هذا المنهل العذب؛ كما أن معظم الجيوش التي سارت من أرض الفرس إلى شمالي بابل قد شربت من هذا الينبوع الشهير. ولقد أكتسب هذا الموقع مسحة تقديسية، كما يقول ديودوروس، لوجوده عند هذا النبع المتفجر إن لهذا الصخر مزايا، منها اعتباره موقعاً مقدساً، فضلاً غن شموخه وانتصابه، ووقوعه على طريق رئيسية من طرق العالم القديم، ووجود المياه عند سفحه. فكل هذه أسباب وجيهة دواعٍ مهمة أهابت بداريوش الكبير (٥٢١ - ٤٨٥ ق. م) إلى أن يختار هذه الواجهة الجبلية القائمة ليجعل منها سجلاً خالداً على كر العصور، فنحت عليها الصور والكتابات الكثيرة التي كان يرمي من وراء صُنعها إذاعة فتوحاته وانتصاراته على جميع الشعوب المعروفة وقتئذٍ ٣ - المنحوتات: تمثلُ هذه المنحوتات الملكَ داريوش، وبمعيته اثنان من قواده يحمل أحدهما قوساً والآخر رمحاً. والملك هنا واقف يتقبل شعائر الخضوع والإذعان من قادة العصاة ورؤسائهم المتمردين الذين ثاروا في وجهه خلال السنين الأولى من حكمه، وعصوا أوامره في أنحاء شتى من إمبراطوريته المترامية الأطراف. وقد داس الملك برجله اليسرى جسم رجل مطروح على ظهره، رافعٍ كلتا يديه مستعطفاً ومستغفراً. وأمسك داريوش بيده اليسرى قوساً، أما يده اليمنى فقد رفعها متجهاً بها نحو الإله (أورامزدا) الذي يظهر في وسط أشعة من الأنوار والبروق؛ وانتصب أمام الملك تسعة من هؤلاء القواد والرؤساء الذين شقوا عليه عصا الطاعة، وقد شُدوا من أعناقهم بعضهم إلى بعض بحبل واحد، وشد وثاق أيديهم وراء ظهورهم ويبلغ طول واجهة المنحوتات نحو ١٠ أقدام وعرضها ١٨ قدماً؛ أما ارتفاع شكل داريوش فخمس أقدام وثماني عقد، وارتفاع كل سجين ثلاث أقدام وعشر عقد، أما ارتفاع أورامزدا من أعلى رأسه إلى منتهى أشعته فثلاث أقدام وتسع عقد، وارتفاع كل من تابعيه أربع أقدام

стр. 6717

وعشر عقد، ومنتهى عرضه أربع أقدام وعقدتان ٤ - النصوص: وتحت لوحة المنحوتات كتابة عظيمة تتشكل من خمسة أعمدة (حقول) متجاورة، يبلغ ارتفاع كل منها نحو ١٢ قدماً بعرض ٦ أقدام، أما عدد أسطرها فتشتمل على الترتيب ٩٦ + ٩٨ + ٩٢ + ٩٢ + ٣٦ والمجوع ٤١٤ سطراً. وهي باللغة الفارسية القديمة، لكنها مكتوبة بالأحرف المسمارية الجديدة المتألفة من ٣٩ حرفاً، والتي ابتكرها الفرس. وقد دُون على هذه الأعمدة نسب داريوش وغزواته وانتصاراته على جميع أعدائه وإخماده الثورات المتعددة التي أعقبت تتويجه، واقتحامه شعوباً متعددة، وغيرها من الأعمال التي قام بها خلال حكمه وعن يسار الكتابة الفارسية ثلاثة أعمدة أخرى وضعت باللغة السوسيانية وكُتبت بالأحرف المسمارية السوسيانية (العيلامية)، وهي تشتمل على ترجمة الأعمدة الأربعة الأولى من النص الفارسي. وعدد أسطرها هو على الترتيب ٨١ + ٨٥ + ٩٤ + ٣ (ملحق) والمجموع ٢٦٣ سطراً. وتتراوح أبعادها ما بين ١٠ - ١١ قدماً طولاً و ٧ أقدام عرضاً وهناك عن يسار المنحوتات واجهتان أخريان من الصخر عليهما كتابة باللغة البابلية، وكُتبت بالأحرف المسمارية البابلية المتألفة من بضع مئات. . . . . . . . . وتبلغ أسطرهما معاً نحو ١١٢، ويتراوح ارتفاعهما بين ١٠ - ١٤ قدماً؛ أما عرضهما معاً فبين ١١ - ١٥ قدماً ويوجد عن يمين المنحوتات أربعة أعمدة تكميلية بالخط المسماري، وربما تتعلق هذه الأعمدة التكميلية بالحوادث المسرودة على العمود الخامس من النص الفارسي. إلا أن العوامل الجوية قد أثرت في هذه التكملة تأثيراً سيئاً، فأصابها الوان من الخدش والمحو، حتى أن أمر قراءتها أصبح متعذراً في الوقت الحاضر، إلا بعض كلمات من العمود الأول المكتوب باللغة السوسيانية. أما عدد أسطر هذا القسم فقد ضاعت معالمه ولم يعد في وسعنا معرفتها بالضبط. فجموع الكتابات المقروءة إذا تبلغ ٨٠٠ سطر تقريباً وقد كُتب على لوحة المنحوتات فقرات صغيرة تبين أسماء أولئك المتمردين التسعة، ويبلغ

стр. 6718

مجموع هذه الفقرات ٣٢ فقرة، منها ١١ بالفارسية و١٢ بالسوسيانية و٩ بالبابلية ٥ - بهشتون في نظر الأقدمين: إن أقدم مصدر تاريخي نقع فيه على ذكر حجر بهشتون هو تاريخ ديودورس الصقلي، الذي نشأ في القرن الأول الميلادي فذهب إلى أن هذه المنحوتات قد أحدثتها (الملكة سميراميس) لتكون على طريقها ما بين بابل وأكبتانا. وحسبما يرتأي هذا المؤرخ، أن هذه الملكة العظيمة قد ضربت معسكرها عند الينبوع الواقع في أسفل الصخر، وقد غرست بستاناً هناك. . . أما وصفه للمنحوتات فليس بمضبوط، إذ زعم أن الشكل الذي لداريوش إنما هو لسميراميس، وذهب إلى أن الاثني عشر رجلاً المحيطين بالملك إنما هم مائة من حَمَلة الرماح، شخصوا حول ملكتهم!!. . . . أما الكتابة فيقول إنها (بالأحرف السريانية). ثم قال بأن سميراميس قد تمكنت ان تصعد إلى أعلى الصخر بتكديس احمال وسروج حيواناتها شيئاً فوق شيء. إلا أن هذه الآراء بعيدة كل البعد عن الحقيقة وعارية عن الصحة ككل ما يُنسب إلى هذه الملكة الوهمية. وذكر ديودورس في موضع آخر من كتابه أن الاسكندر الكبير زار هذا الصخر لي سيره من سوسا إلى أكبتانا ولقد عرف كثير من جغرافيي العرب كابن حوقل والأصطخري (في القرن العاشر الميلادي) وياقوت (في القرن الثالث عشر) هذه المنحوتات والكتابات في بهشتون، ولكن أحداً منهم لم يهتم بأمر الكتابات اهتمامه بالمنحوتات، كما يظهر لنا مما أوردوه عنها، هذا فضلاً عن أنهم لم يذكروا نوع الحروف التي كتبت بها ٦ - بهشتون في نظر السياح الأوربيين القدماء: من أقدم السياح الأوربيين الذين زاروا بهشتون في العصور المتأخرة أمبرجيو بمبو (١٦٥٢ - ١٧٠٥) وهو تاجر إيطالي من أهالي البندقية رحل إلى بلاد الفرس خلال الربع الأخير من القرن السابع عشر، وأعطانا - بالنسبة إلى حالة زمنه - وصفاً دقيقاً لهذه المنحوتات وبعد ستين سنة تابعه في هذا المضمار المستشرق السويدي أوتر (١٧٠٧ - ١٧٤٨)

стр. 6719

الذي ساح في بلاد الفرس وفحص المنحوتات، ولكن ملاحظاته عنها قليلة الخطر، وقد اعتبر شكل الإله أورامزدا (نذيراً للخير) وبعد انقضاء ستين سنة أخرى زار أولفيير (١٧٥٦ - ١٨١٤) العالم الطبيعي الفرنسي بلاد الفرس، وفحص المنحوتات في بهشتون، ورسم لها صورة طبعها بعد ذلك في كتاب رحلته. أما هذه الصورة فخاطئة جداً، لأنها تمثل داريوش جالساً على عرش، ورجلاه مستندتان على كرسي صغير؛ كما ان استنساخه لبقية أشكال المنحوتات ليس بمضبوط ألبتة ومن الغريب أننا نجد هوك في كتابه: ١٨١٨) يطرح جانباً أحاديث (بمبو) وآراءه التي يُركن إليها ويوثق بصحتها إلى درجة غير قليلة، ويعول بالدرجة الرئيسية على ما أتي به أو لفيير من المعلومات التي لا تتفق مع الحقيقة دائماً ٧ - إيضاحات وتعليلات وهمية للمنحوتات: وكان الصخر قد وصف ثانية جاردان (١٧٦٥ - ١٨٢٢) الذي افترض أن اورامزدا وأشعته النورية إنما هو صليب، وزعم أن الأشكال التي تحته تمثل الاثني عشر رسولاً!. . . . . وبعد مضي سنين قلائل، قام كينير (١٧٨٢ - ١٨٣٠) بعدة رحلات في بلاد الفرس، وكان أول من ذهب إلى أن المحنحوتات في بهشتون تعود إلى نفس العصر الذي نشأت فيه آثار برسبوليس وقد شاركه في هذا الرأي كبل (١٧٩٩ - ١٨٩١) الذي أسهب في وصف هذه المنحوتات في كتاب رحلته وفي عام ١٨٢٢ طبع بورتر أبحاثاً قيمة عن رحلاته التي قام بها في جورجيا وفارس وأرمينيا وبابل خلال ١٨١٧ - ١٨٢٠، واليه نحن مدينون بوصف مسهب لمنحوتات بهشتون. وفي هذا الكتاب رسم للمنحوتات يصح أن يُعتبر أحسن ما رُسم لهذا الأثر حتى صدور الكتاب. وقد لاحظ عموماً قدم هذه المنحوتات الغابرة، ولكنه لم يفهم مآلها، فقد ذهب إلى أن هذه المنحوتات البارزة الشهيرة إنما عملها شلمناصر (ملك أشور وميديا) ليخلد بها اكتساحه لبني إسرائيل. وزعم أن الأسرى الواقفين أمام دواريوش إنما هم من الأسباط العشرة، واعتبر أن شكل داريوش لشلمناصر، إلى غير ذلك من التعليلات التي نستغربها

стр. 6720

الآن. . . . ومع هذا فإنها تطلعنا على وضع علم الآثار في ذلك العصر وتدلنا صريحاً على فهم الناس لبقايا السلف ٨ - صعوبة الوصول إلى الكتابة لدراستها ومع أن منحوتات بهشتون كانت قد لوحظت ودرست من قِبَل عدد غير قليل من السياح خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فان أمر نقل الكتابات التي هنالك ظل نسياً منسياً. . . . ولهذا لم تقع تلك النصوص في حوزة من يريد فحصها أو تدقيقها ودرسها من طبقة المتعلمين. ولاشك أن لهذا التقصير سبباً: فالقيام باستنساخ النصوص أمر في منتهى الصعوبة، لأن الكتابة - كما قلنا سابقاً - نحتت على واجهة صخرية قائمة الانحدار، يبلغ ارتفاعها ٥٠٠ قدم فوق مستوى السهل. على أن من الممكن الوصول إلى ما علوه مائتا قدم فقط بتسلق كتل الصخر وجلاميده المتفككة والقلاع التي في سفح الجبل؛ أما بعد هذه الصخور المبعثرة، فالأمر يصبح عسيراً جداً، إذ ينتصب الصخر فجأة، فيكون التسلق عليه محفوفاُ بالمخاطر الجسيمة من كل جانب ٩ - السر هنري رولنصن يعمل في بهشتون: وكان أول من تغلب على هذه الصعاب هو السر هنري رولنصن (١٨١٠ - ١٨٩٥) الذي أصبح حل الكتابة المسمارية مديناً لمجهوداته ومساعيه ومغامراته ففي عام ١٨٣٣، عندما كان ضابطاً في الجيش الهندي اختير مع بضعة ضباط ليتوجهوا إلى إيران ليساعدوا الشاه على تدريب جيشه. وفي عام ١٨٣٥ كان قد أرسل إلى كرمنشاه باعتباره مستشاراً للحربية ومساعداً لحاكم تلك المقاطعة. وفي طريقه إلى هناك مر بهمدان (اكبتانا) وانتهز الفرصة فاستنسخ الكتابات المسمارية المنحوتة على واجهة الصخر في وادٍ بجبل الوند قريباً من تلك المدينة. وقد نجح في دراسته لهذه الكتابات ووفق الحصول على (مفتاح) لمعرفة العلامات المستعملة في الكتابات المسمارية الفارسية القديمة. ولابد أن نذكر هنا أنه لولا دراسته اللغة الزندية القديمة والفهلوية لما تمكن من قراءة الكتابة البابلية، لأن هاتين اللغتين كانت مشابهتين لكتابة اللغة المسمارية الفارسية، وتمكن أخيراً أن يكون (هيكلاً) للقواعد الصرفية والنحوية وأن يتحقق من معاني كلمات متعددة

стр. 6721

وكان خلال الفترة التي أقامها بكرمنشاه (أي من سنة ١٨٣٥ إلى ١٨٣٧) قد خصص أوقات فراغه لفحص الكتابات التي على حجر بهشتون. وفي ختام سنة ١٨٣٧ كان قد حصل على نسخ لما يقارب نصف الأعمدة للنص الفارسي. وفي نقله لهذه النصوص أثبت أنه قطع شوطاً بعيداً في التقدم على كل باحث في هذا الموضوع. ولاشك أن نجاحه في هذا العمل المضني شهادة صادقة على سعة ذكائه وعلو همته إلا أن مهمته العسكرية اعترضت سبيل عمله وأقعدته عن إتمامه، فرأى المصلحة تقضي بأن يدع أعماله في بهشتون جانباً، ريثما يُعيد الكرة عليها عام ١٨٤٤ وفي صيف تلك السنة عاد إلى هنا مع المستر هستر والكابتن جونس فأمكنه بمساعدتهما أن ينتهي من استنساخه للنص الفارسي، وأن يعمل نسخة كاملة للترجمة السوسيانية. وعندما عمل في مبدأ الأمر نسخة للنص الفارسي، قارَنَ الفقرتين الأوليين مع الكتابات التي استنسخها سابقاً في (الوند) فزودته هذه المقارنة بمعرفة الإماء المحلية لكثير من الأعلام، فضلاً عن التوصل إلى معرفة عدد لا يستهان به من الكلمات الأخرى وفي عام ١٨٤٧ طبع رولنصن ترجمة كاملة للنص الفارسي من كتابات بهشتون، مع ذيل صرفي نحوي واسع وأبجدية أما الترجمة البابلية فقد نجح رولنصن هذا الوقت في عمل نسخ للكتابات التسع الصغيرة التي على لوحة المنحوتات، غير أن القسم الأساسي من النص البابلي قد ظل الوصول إليه أمنع من عقاب الجو؛ وما برحت الوضعية على هذه الصورة حتى كان خريف ١٨٤٧، حينما عاد رولنصن مرة أخرى إلى بهشتون، فباشر عمل التدابير السديدة للحصول على نسخة من الترجمة البابلية. واستعداداً لإنجاز هذه المهمة الشاقة زودَ نفسه بحبال وألواح خشبية وسلالم إلى غير ذلك من وسائل الصعود والتسلق، واصطحب معه بعض الأكراد الجبليين ليكونوا عوناً له في مهمته هذه. وكانت خاتمة هذه الرواية أن توصل رولنصن إلى الغاية المبتغاة، بعد أن كان إدراك تلك الغاية ممتنعاً والتماسها وعراً. فاستنسخ الكتابة البابلية بأجمعها، وبهذا أزاح ستاراً آخر طالما كان مسدولاً أمام العلماء والباحثين. . .

стр. 6722

ولا تزال بعض أوراق رولنصن ومنسوخاته معروضة إلى اليوم في القاعة البابلية في المتحف البريطاني، برغم ما أصابها من التلف أثناء عرضها قبلاً في قاعة المحاضرات لمختلف الجمعيات العلمية بلندن ولابد من الإشارة هنا، إلى أن حل رموز الكتابة المسمارية كان قد اشتغل به نفر من العلماء البارزين، نخص بالذكر منهم: جروتفند وأوبرت ونوريس وهنكس وغيرهم، إلا أن رولنصن فاقهم جميعاً، وحاز قصب السبق عليهم، فلا غرو إذا دُعِيَ بحق (أبا علم الآشوريات) ١٠ - مساعي العلماء بعد رولنص: وكان بين السياح الذين رحلوا إلى بلاد الفرس منذ زمن رولنصن، وقاموا بمساع لإعادة فحص هذه الكتابة هو جاكسن الذي وفق عام ١٩٠٣ إلى الوصول إلى الحافة التي تحت النص الفارسي، والى عمل مقارنة ومقابلة بين العبارات المشكوك في صحة استنساخها سابقاً ثم لما كان عام ١٩٠٤ أوفد المتحف البريطاني المستركنج (الذي كان وقتئذ قائماً بأعمال الحفر والتنقيب في بقايا نينوى) إلى بهشتون، ليقابل بين النصوص وليقيس الأبعاد وليأخذ الصور الفوتوغرافية. وقد رافقه المستر طومبسن ليساعده على أداء هذا العمل. وقد قام كنج وطومبسن بهذه المهمة خير قيام، وتمكنا من معرفة مقاسات الأشكال والكتابات التي أتينا على ذكرها في محلها من هذا البحث. وقد وجدا بوجه الاجمال أن عرض الساحة المغطاة بالمنحوتات والكتابات معاً يبلغ ٦٠ قدماً، وارتفاعها ٢٣ قدماً وفي سنة ١٩٠٧ تمكن هذان الباحثان أن ينشرا النصوص الكاملة للكتابات الفارسية والسوسيانية والبابلية في بهشتون، المبنية على مقارنات حديثة مع الأصول التي على الصخر. مع ترجمتها بأجمعها إلى الانكليزية، ومقدمة وتصدير وصور فوتوغرافية الخ بعنوان: + ٢٢٣ ولا يزال هذا المؤلف أحسن كتاب للآن يمكن الرجوع إليه في التوسع في هذا البحث ١١ - صيانة مدوناته داريوش:

стр. 6723

ويمكننا أن نعزو بقاء كتابات داريوش هنا، إلى أنها حفرت على واجهة صخرية قائمة الانحدار، بحيث أن التسلق إليها يُعد من الأمور المتعذرة. ولكيما يجعل مدونات بعيدة بقدر الإمكان عن أن تسطو عليها أيدي الأعداء وتنال منها مأرباً، فقد انتزع الزوائد الصخرية الكائنة تحت الكتابة، فتكون من جراء ذلك جدار صخري أملس، تعلوه الكتابات والصور. وهناك دلائل على أن الملك قد كون بعضاً من الطرق للصعود إلى هذا الصخر بحيث يُتاح للمارة أن يصعدوا ويتفرجوا على كتاباته ونقوشه. ولكن جميع تلك الطرق التي كانت مؤدية إلى الصخر قد انطمست معالمها الآن وقد كان لتحفظ الملك وبُعد نظره التأثير الحسن في الابقاء على المنحوتات والمدونات، فنجت من التشويه والتلف الناجمين عن عبث يد الإنسان. ويمكننا القول بأن معظم التلف الذي أصابها إنما كان من تأثير العوامل الجوية، ومن رشح الماء خلال طبقات الصخور المكونة للجبل ولم يقف عمل داريوش في إذاعة جبروته وعظمته في العالم عند هذه المنحوتات والمدونات، بل أراد أن يعمل غيرها من النسخ، لتصدر وتُذاع بين الشعوب البعيدة عن هذا الموقع، والداخلة في إمبراطوريته فقد كشف الدكتور كولدواي في بابل عن قطعة من الترجمة البابلية. وإنا لنأمل في أن ما تم وما سيتم من الحفريات الأثرية في العراق وفارس يؤديان إلى اكتشاف نسخ أخرى تميط اللثام عن بعض المعميات التي تعتور النصوص الحالية والخلاصة، أن هذا الملك العظيم، قد دون انتصاراته في اللغات الثلاث، التي كان لها أعظم الأهمية في العالم الشرقي وقتئذ، ولم يكتفِ بهذا بل جعله مطلاً على طريق رئيسية، وعلى قطعة ترتفع خمسمائة قدم فوق مستوى سطح تلك الطريق وبالقرب من الماء أيضاً، فلابد للمسافر من أن يستريح قليلاً هنا، فيتاح له عندئذٍ مشاهدة هذا الأثر ملياً والتساؤل عن ماهيته (الموصل) كوركيس حنا عواد

стр. 6724

الصورة قصة تمثيلية في فصل واحد بمنظرين بقلم حسين شوقي الأشخاص الزوج. الزوجة. الحماة (أم الزوجة) المكان: حجرة نوم الزوجة المنظر الأول الزوجة منهمكة في وضع حوائجها في الحقيبة، بينما أمها تجلس أمامها على كرسي (فوتوي) تروح على نفسها بمروحة الأم - أصغي إلى يا ابنتي، بالله لا تهجري زوجك. إنك لن تجدي أفضل منه. صحيح أن فيه عيوباً مثل مغالاته في الشرب، أو تأخره في السهر، ولكن أين الزوج الكامل؟ الزوجة - هذه ليست عيوباً في نظري يا أماه، بالعكس إني أبغض الزوج الذي يقضي كل وقته في المنزل متعلقاً بأهداب زوجه. لا يعرف ما يحدث في الحياة خارج محيط البيت الأم - إني لا أفهمك يا ابنتي. إذا هجرك زوجك غضبت، وإن بقي بجانبك غضبت أيضاً، فماذا تريدين في النهاية؟ لماذا تهجرينه إذن؟ الزوجة - لأنه يكذب، والكذب أبغض الأمور لدي، فهو مرآة النفس الجبانة الأم - ابنتي، تريثي. فكري ملياً في الأمر الزوجة - أسف يا أماه. لا أستطيع البقاء. . . آه من النذل! يخدعني أنا؟ ومع مَنْ؟ مع أعز صديقة لي! الأم - ليس الذنب ذنبي يا ابنتي. . . المسئولة هي صديقتك العزيزة. أليست هي التي غازلته؟ الزوجة - أه منها الماكرة! كم تظاهرت لي بالوفاء! إنها كانت تشاركني دموعي في أوقات أحزاني! (بعد لحظة) ولكن ما الذي حببها إليه يا ترى، وهي خلو من كل جمال؟ أعلق بأنفها المقوس مثل أنف الحاخام؟ أم اشتهى شفتيها الغليظتين كشفتي الزنجية؟

стр. 6725

الأم - الآن فقط تجدينها دميمة!. . . وكنت إذا ذكرت لك هذه العيوب نفسها عارضتني قائلة: إن هذه العيوب تكسب صديقتك ما تسمونه أنتم يا شباب اليوم: الجاذبية الجنسية. . . . حقاً! ما أبعدكم عن إدراكُ مثل الجمال الحقيقية!. . . الزوجة (في ضحك) - يا أماه. . أمثالكن نساء قبل الحرب، يرون الجمال عبارة عن غرائر من الشمم رُسمت لها حواجب وعيون وأفواه. . . . . الأم (في غضب) - وما أوقحكن أيضاً يا بنات اليوم! (بعد لحظة) والآن لنعد إلى موضوعنا. . بالله سامحي زوجك يا ابنتي. . . . أنت تعرفين أنني لا أميل إليه كثيراً. . . . . ولن أنسى له هديته التافهة حينما عاد في الخريف الماضي من روما. . . ولكن هذا لا يمنعني بصفتي أمك التي تحب لك الخير أن أشير عليك بالبقاء معه. . . سامحيه، إن التسامح أفضل معاني الكرم. . . الزوجة (في تهكم) - آسف يا أماه. . . لستُ قديسة لأتسامح. ولستُ أعيش في زمن المسيح، حتى إذا لطمني شخص على خذي الأيمن أدرت له الخد الأيسر. . الأم - سامحيه يا ابنتي. . . إنها هفوة واحدة منه. . . (في حسرة) رب! كم سامحتُ أنا والدك عن هفوات لا هفوة! الزوجة - لأنك كنت بلهاء يا أماه. . . الأم - (في غضب) - حقاً! إنك وقحة! (بعد لحظة) كلا! يا ابنتي لم أكن بلهاء حينما سامحت والدك، غفر الله له! بل كنت على ثقة أنه سوف يمل حياة المغامرات التي كان يحياها، وانه سوف يدرك في النهاية أن السعادة الحقيقية للزوج هي داخل منزله. . . طبعاً تألمت كثيراً من أجل هذا، ولكنب ظفرت في النهاية. . . (بعد لحظة) ولو كنتُ هجرتُ والدك إذ ذاك، أكانت ترى الوجود هذه الفتاة الرشيقة الحسناء الماثلة أمامي اليوم؟. . . الزوجة - (تترك جمع حوائجها فجأة وترتمي في أحضان أمها باكية) آه يا أماه، إنني أتألم. . . الأم - إنك ما زلت تحبينه يا ابنتي. . . هذا هو الحب، هذا هو قلبك يحتج بدوره على هذا الخصام. . الزوجة - أجل إني أحبه. . . ولكن كرامتي يا أماه، ماذا أصنع لها؟
следующие страницы →