← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

وكان خلال الفترة التي أقامها بكرمنشاه (أي من سنة ١٨٣٥ إلى ١٨٣٧) قد خصص أوقات فراغه لفحص الكتابات التي على حجر بهشتون. وفي ختام سنة ١٨٣٧ كان قد حصل على نسخ لما يقارب نصف الأعمدة للنص الفارسي. وفي نقله لهذه النصوص أثبت أنه قطع شوطاً بعيداً في التقدم على كل باحث في هذا الموضوع. ولاشك أن نجاحه في هذا العمل المضني شهادة صادقة على سعة ذكائه وعلو همته إلا أن مهمته العسكرية اعترضت سبيل عمله وأقعدته عن إتمامه، فرأى المصلحة تقضي بأن يدع أعماله في بهشتون جانباً، ريثما يُعيد الكرة عليها عام ١٨٤٤ وفي صيف تلك السنة عاد إلى هنا مع المستر هستر والكابتن جونس فأمكنه بمساعدتهما أن ينتهي من استنساخه للنص الفارسي، وأن يعمل نسخة كاملة للترجمة السوسيانية. وعندما عمل في مبدأ الأمر نسخة للنص الفارسي، قارَنَ الفقرتين الأوليين مع الكتابات التي استنسخها سابقاً في (الوند) فزودته هذه المقارنة بمعرفة الإماء المحلية لكثير من الأعلام، فضلاً عن التوصل إلى معرفة عدد لا يستهان به من الكلمات الأخرى وفي عام ١٨٤٧ طبع رولنصن ترجمة كاملة للنص الفارسي من كتابات بهشتون، مع ذيل صرفي نحوي واسع وأبجدية أما الترجمة البابلية فقد نجح رولنصن هذا الوقت في عمل نسخ للكتابات التسع الصغيرة التي على لوحة المنحوتات، غير أن القسم الأساسي من النص البابلي قد ظل الوصول إليه أمنع من عقاب الجو؛ وما برحت الوضعية على هذه الصورة حتى كان خريف ١٨٤٧، حينما عاد رولنصن مرة أخرى إلى بهشتون، فباشر عمل التدابير السديدة للحصول على نسخة من الترجمة البابلية. واستعداداً لإنجاز هذه المهمة الشاقة زودَ نفسه بحبال وألواح خشبية وسلالم إلى غير ذلك من وسائل الصعود والتسلق، واصطحب معه بعض الأكراد الجبليين ليكونوا عوناً له في مهمته هذه. وكانت خاتمة هذه الرواية أن توصل رولنصن إلى الغاية المبتغاة، بعد أن كان إدراك تلك الغاية ممتنعاً والتماسها وعراً. فاستنسخ الكتابة البابلية بأجمعها، وبهذا أزاح ستاراً آخر طالما كان مسدولاً أمام العلماء والباحثين. . .

стр. 6722

ولا تزال بعض أوراق رولنصن ومنسوخاته معروضة إلى اليوم في القاعة البابلية في المتحف البريطاني، برغم ما أصابها من التلف أثناء عرضها قبلاً في قاعة المحاضرات لمختلف الجمعيات العلمية بلندن ولابد من الإشارة هنا، إلى أن حل رموز الكتابة المسمارية كان قد اشتغل به نفر من العلماء البارزين، نخص بالذكر منهم: جروتفند وأوبرت ونوريس وهنكس وغيرهم، إلا أن رولنصن فاقهم جميعاً، وحاز قصب السبق عليهم، فلا غرو إذا دُعِيَ بحق (أبا علم الآشوريات) ١٠ - مساعي العلماء بعد رولنص: وكان بين السياح الذين رحلوا إلى بلاد الفرس منذ زمن رولنصن، وقاموا بمساع لإعادة فحص هذه الكتابة هو جاكسن الذي وفق عام ١٩٠٣ إلى الوصول إلى الحافة التي تحت النص الفارسي، والى عمل مقارنة ومقابلة بين العبارات المشكوك في صحة استنساخها سابقاً ثم لما كان عام ١٩٠٤ أوفد المتحف البريطاني المستركنج (الذي كان وقتئذ قائماً بأعمال الحفر والتنقيب في بقايا نينوى) إلى بهشتون، ليقابل بين النصوص وليقيس الأبعاد وليأخذ الصور الفوتوغرافية. وقد رافقه المستر طومبسن ليساعده على أداء هذا العمل. وقد قام كنج وطومبسن بهذه المهمة خير قيام، وتمكنا من معرفة مقاسات الأشكال والكتابات التي أتينا على ذكرها في محلها من هذا البحث. وقد وجدا بوجه الاجمال أن عرض الساحة المغطاة بالمنحوتات والكتابات معاً يبلغ ٦٠ قدماً، وارتفاعها ٢٣ قدماً وفي سنة ١٩٠٧ تمكن هذان الباحثان أن ينشرا النصوص الكاملة للكتابات الفارسية والسوسيانية والبابلية في بهشتون، المبنية على مقارنات حديثة مع الأصول التي على الصخر. مع ترجمتها بأجمعها إلى الانكليزية، ومقدمة وتصدير وصور فوتوغرافية الخ بعنوان: + ٢٢٣ ولا يزال هذا المؤلف أحسن كتاب للآن يمكن الرجوع إليه في التوسع في هذا البحث ١١ - صيانة مدوناته داريوش:

стр. 6723

ويمكننا أن نعزو بقاء كتابات داريوش هنا، إلى أنها حفرت على واجهة صخرية قائمة الانحدار، بحيث أن التسلق إليها يُعد من الأمور المتعذرة. ولكيما يجعل مدونات بعيدة بقدر الإمكان عن أن تسطو عليها أيدي الأعداء وتنال منها مأرباً، فقد انتزع الزوائد الصخرية الكائنة تحت الكتابة، فتكون من جراء ذلك جدار صخري أملس، تعلوه الكتابات والصور. وهناك دلائل على أن الملك قد كون بعضاً من الطرق للصعود إلى هذا الصخر بحيث يُتاح للمارة أن يصعدوا ويتفرجوا على كتاباته ونقوشه. ولكن جميع تلك الطرق التي كانت مؤدية إلى الصخر قد انطمست معالمها الآن وقد كان لتحفظ الملك وبُعد نظره التأثير الحسن في الابقاء على المنحوتات والمدونات، فنجت من التشويه والتلف الناجمين عن عبث يد الإنسان. ويمكننا القول بأن معظم التلف الذي أصابها إنما كان من تأثير العوامل الجوية، ومن رشح الماء خلال طبقات الصخور المكونة للجبل ولم يقف عمل داريوش في إذاعة جبروته وعظمته في العالم عند هذه المنحوتات والمدونات، بل أراد أن يعمل غيرها من النسخ، لتصدر وتُذاع بين الشعوب البعيدة عن هذا الموقع، والداخلة في إمبراطوريته فقد كشف الدكتور كولدواي في بابل عن قطعة من الترجمة البابلية. وإنا لنأمل في أن ما تم وما سيتم من الحفريات الأثرية في العراق وفارس يؤديان إلى اكتشاف نسخ أخرى تميط اللثام عن بعض المعميات التي تعتور النصوص الحالية والخلاصة، أن هذا الملك العظيم، قد دون انتصاراته في اللغات الثلاث، التي كان لها أعظم الأهمية في العالم الشرقي وقتئذ، ولم يكتفِ بهذا بل جعله مطلاً على طريق رئيسية، وعلى قطعة ترتفع خمسمائة قدم فوق مستوى سطح تلك الطريق وبالقرب من الماء أيضاً، فلابد للمسافر من أن يستريح قليلاً هنا، فيتاح له عندئذٍ مشاهدة هذا الأثر ملياً والتساؤل عن ماهيته (الموصل) كوركيس حنا عواد

стр. 6724

الصورة قصة تمثيلية في فصل واحد بمنظرين بقلم حسين شوقي الأشخاص الزوج. الزوجة. الحماة (أم الزوجة) المكان: حجرة نوم الزوجة المنظر الأول الزوجة منهمكة في وضع حوائجها في الحقيبة، بينما أمها تجلس أمامها على كرسي (فوتوي) تروح على نفسها بمروحة الأم - أصغي إلى يا ابنتي، بالله لا تهجري زوجك. إنك لن تجدي أفضل منه. صحيح أن فيه عيوباً مثل مغالاته في الشرب، أو تأخره في السهر، ولكن أين الزوج الكامل؟ الزوجة - هذه ليست عيوباً في نظري يا أماه، بالعكس إني أبغض الزوج الذي يقضي كل وقته في المنزل متعلقاً بأهداب زوجه. لا يعرف ما يحدث في الحياة خارج محيط البيت الأم - إني لا أفهمك يا ابنتي. إذا هجرك زوجك غضبت، وإن بقي بجانبك غضبت أيضاً، فماذا تريدين في النهاية؟ لماذا تهجرينه إذن؟ الزوجة - لأنه يكذب، والكذب أبغض الأمور لدي، فهو مرآة النفس الجبانة الأم - ابنتي، تريثي. فكري ملياً في الأمر الزوجة - أسف يا أماه. لا أستطيع البقاء. . . آه من النذل! يخدعني أنا؟ ومع مَنْ؟ مع أعز صديقة لي! الأم - ليس الذنب ذنبي يا ابنتي. . . المسئولة هي صديقتك العزيزة. أليست هي التي غازلته؟ الزوجة - أه منها الماكرة! كم تظاهرت لي بالوفاء! إنها كانت تشاركني دموعي في أوقات أحزاني! (بعد لحظة) ولكن ما الذي حببها إليه يا ترى، وهي خلو من كل جمال؟ أعلق بأنفها المقوس مثل أنف الحاخام؟ أم اشتهى شفتيها الغليظتين كشفتي الزنجية؟

стр. 6725

الأم - الآن فقط تجدينها دميمة!. . . وكنت إذا ذكرت لك هذه العيوب نفسها عارضتني قائلة: إن هذه العيوب تكسب صديقتك ما تسمونه أنتم يا شباب اليوم: الجاذبية الجنسية. . . . حقاً! ما أبعدكم عن إدراكُ مثل الجمال الحقيقية!. . . الزوجة (في ضحك) - يا أماه. . أمثالكن نساء قبل الحرب، يرون الجمال عبارة عن غرائر من الشمم رُسمت لها حواجب وعيون وأفواه. . . . . الأم (في غضب) - وما أوقحكن أيضاً يا بنات اليوم! (بعد لحظة) والآن لنعد إلى موضوعنا. . بالله سامحي زوجك يا ابنتي. . . . أنت تعرفين أنني لا أميل إليه كثيراً. . . . . ولن أنسى له هديته التافهة حينما عاد في الخريف الماضي من روما. . . ولكن هذا لا يمنعني بصفتي أمك التي تحب لك الخير أن أشير عليك بالبقاء معه. . . سامحيه، إن التسامح أفضل معاني الكرم. . . الزوجة (في تهكم) - آسف يا أماه. . . لستُ قديسة لأتسامح. ولستُ أعيش في زمن المسيح، حتى إذا لطمني شخص على خذي الأيمن أدرت له الخد الأيسر. . الأم - سامحيه يا ابنتي. . . إنها هفوة واحدة منه. . . (في حسرة) رب! كم سامحتُ أنا والدك عن هفوات لا هفوة! الزوجة - لأنك كنت بلهاء يا أماه. . . الأم - (في غضب) - حقاً! إنك وقحة! (بعد لحظة) كلا! يا ابنتي لم أكن بلهاء حينما سامحت والدك، غفر الله له! بل كنت على ثقة أنه سوف يمل حياة المغامرات التي كان يحياها، وانه سوف يدرك في النهاية أن السعادة الحقيقية للزوج هي داخل منزله. . . طبعاً تألمت كثيراً من أجل هذا، ولكنب ظفرت في النهاية. . . (بعد لحظة) ولو كنتُ هجرتُ والدك إذ ذاك، أكانت ترى الوجود هذه الفتاة الرشيقة الحسناء الماثلة أمامي اليوم؟. . . الزوجة - (تترك جمع حوائجها فجأة وترتمي في أحضان أمها باكية) آه يا أماه، إنني أتألم. . . الأم - إنك ما زلت تحبينه يا ابنتي. . . هذا هو الحب، هذا هو قلبك يحتج بدوره على هذا الخصام. . الزوجة - أجل إني أحبه. . . ولكن كرامتي يا أماه، ماذا أصنع لها؟

стр. 6726

الأم - ماذا تقولين؟ الكرامة؟ الحب يا ابنتي قبل كل شيء. . . الحب هو الحياة. . صدقي أمك العجوز المجربة. . الزوجة (وكأنها عادت إلى نفسها) - كلا! لن أصفح عنه! لقد صممتُ على هجره. . . إن الضعف الذي أظهره الآن ليس خليقاً بفتاة مثلي شاهدت الحرب الكبرى الأم (في غضب) - ها قد عدت إلى جنونك! (تنهض) افعلي ما شئت. . ولكن اعلمي جيداً أنك ستندمين على عملك هذا. . . أما أنا فقد سئمتُ من إسداء النصح إليك. . . (تخرج، فيدخل الزوج من باب آخر وبيده بعض الأوراق المنظر الثاني الزوج - آسف لو كنتُ أزعجتك، ولكني أتيتُ لأرد لك بعض مستندات لك كانت محفوظة في الخزانة الحديدية. . . الزوجة - (دون أن تلتفت إليه) حسن. . أشكرك. . . ضعها هناك. . . (تشير إلى مائدة بجوار السرير) الزوج (في تردد) - هل صممتِ على الرحيل؟ الزوجة - أجلْ. . . الزوج - هل نسيت كل شيء!: عهد خطوبتنا السعيد. . . نزهاتنا الطويلة في الخلاء. . . الورد الأحمر العجيب الذي كنتُ أقطفه لك خلسةً من حديقة الجار البخيل. . . ثم شهر العسل في ربوع إيطاليا الجميلة. . ثم مقامنا في نابولي تحت أقدام بركان (الفيزوف) المخيف. . . ثم نبيذ إكيا الذهبي. ثم موسيقاها الشجية. . ثم ليالي البندقية الشعرية فوق مياهها الساكنة. . . . . . هل نسيت كل ذلك الماضي البعيد القريب؟. . . . . الزوجة (متململة) - ثم خيانتك. . . ثم كذبك. . . ثم. . . أرجوك دعني الآن أجمع حوائجي الزوج - أنت تعلمين أني أسفتُ كثيراً على فعلتي الشنيعة. . . . عزيزتي. . . هلا صفحت عني؟ الزوجة - آسف لا أستطيع. . (في هذه الأثناء تضع خلسة صورة زوجها في الحقيبة فيراها)

стр. 6727

الزوج - عزيزتي. . . هل تأذنين لي بأن أدخن سيجارة في هذه الحجرة الظريفة ونحن مجتمعان لآخر مرة؟ (ويجلس على معقد) الزوجة (في تردد) - فليكن. . . الزوج - عزيزتي. . . هل تأذنين لي في سؤال واحد؟ الزوجة - لست مستعدة الآن للإجابة على أسئلة، فإني أجمع حوائجي على عجل حتى لا يفوتني قطار المساء. . . الزوج (ملحاً) - سؤال واحد فقط الزوجة (متململة (- إذن قل ولكن اقتصد! الزوج - هل أنت واثقة أنك لم تعودي تحبيني؟ الزوجة - أجل أنا واثقة من ذلك كل الثقة. . الزوج - ألم يبق في قلبك شيء من العطف؟ الزوجة (مقاطعة) - لا لزوم لهذا الكلام. . . . الزوج - هو سؤال واحد أريد الإجابة عليه. . . ألم يبق لك شيء من العطف. . . . لا علي. . . . بل على ذكرى الماضي؟. . . الزوجة - لا الزوج - لنستبدل إذن كلمة العطف ونعود لى الحب الزوجة - أبداً. . الزوج - بل أنا أقرر أنك تشعرين نحوي بالحب! الزوجة - لا، بل أمقتك! الزوج - إن المقت والحب قريبان جداً، بل هما متصلان، فهما طرفان، والطرفان لابد أن يتماسا. . . الزوجة - دع هذا الكلام. . . ألم تنته من سيجارتك؟ الزوج (مستمراً) - إن لدي شاهداً على صحة هذا القول. . . على صحة الحب. . وعبثاُ تحاولين إنكاره. . الزوجة - دعك من هذا الهراء!. . .

стр. 6728

الزوج - (ضاحكاً) إن شاهدي هو في تلك الحقيبة. . هي الصورة التي خبئتها الآن خلسة. . لماذا تحملين صورتي معك إذا كنت لا تحبين صاحب الصورة؟ الزوجة (تخرج الصورة من الحقيبة فتلقى بها على المائدة) - إليكما خذها. . احتفظ بها. . الزوج (يخف إلى زوجه فيطوقها بذراعيه) - عزيزتي، هذا إقرار منك بأنك ما زلت تحبينني. . . . الزوجة (في ضعف) - ابتعد عني!. . . الزوج - هل صفحت الآن! الزوجة - (مستسلمة) - لا، أبداً، ربما أصفح أنا، ولكن هذا (تشير إلى ناحية القلب) هل يصفح؟ الزوج (ضاحكاً) - هذا؟ لقد سامحني منذ هنيهة حينما حرضك على اغتصاب الصورة! (ستار) كرمة ابن هاني حسين شوقي

стр. 6729

التصوف الإسلامي بقلم سليمان فارس النابلسي تتمة ماهية الصوفية وبعض عقائدها إذا ما رجعنا إلى المصادر الصوفية لنتفهم حقيقة هذه الطريقة استخلصنا من بين ثنايا السطور بعد إجهاد وكد أنها إنما تتم بعلم وعمل، وذلك بقطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها ورغباتها ومطامعها المادية حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب من غير الله وتحليقه بذكره سبحانه وأخص خواص هذه الطريقة لا يتوصل إليه بالتعليم والاستقراء والدرس بل يلتمس بالذوق العالي وتبدل الصفات، إذ أنهم يرون أن الفرق شاسع بين معرفة حد الشيء وبين معرفة الشيء نفسه، كأن يعرف المرء حد السكر مثلاً بأنه حانة يجلس فيها فيأخذ من الشراب إلى أن يصبح ثملاً فنشوان فسكران، وبين أن يكون سكراناً. وكذلك القياس في معرفة حقيقة التصوف من أنه عزوف النفس الكامل عن المادة، وبين أن يكون متصوفاً زاهداً يعتقد الصوفيون أن معرفة الله لا تأتي بالمجادلات العقلية ولا بالمناظرات الفلسفية، ذلك لأن العقل الإنساني عاجز عن إدراك كُنْه الحق وتفهم صفاته وخواصه بمثل هذه الأشياء، وإنما تتكون المعرفة في الشعور بطريقة خاصة وعمل مستمر يمكن من رؤية الله تعالى بالقلب لا بالعقل يسلك الناسك (طريقاً) خاصاً للوصول إلى هذه الغاية يكون فيها تهذيبه وتنقية روحه من عوارض الدنيا وزخارفها المادية، ثم يتدرج في هذه السبيل ويقطع (مقامات) معينة يصل في نهايتها إلى الفناء في الحق، وهذه المقامات سبعة وهي: التوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا، يكسبها لنفسه بنفسه بعد طول الجهد والتهذيب المنظم وقد اختلف العارفون في فهم كنه هذه المقامات وتباينت آراؤهم في تفسيرها على معانيها الظاهرة أو الباطنة، فالفقر مثلاً حسب ظاهر المعنى هو ألا يملك المتصوف الزاهد شيئاً مادياً، على حين أن البعض الآخر ذهب إلى أبعد من ذلك فاعتقد بأن على المتصوف الذي

стр. 6730

بلغ (مقام) الفقر أن يجرد نفسه من الشعور بالحاجة إلى المادة ويقتلع من جوانحه التفكير في ضرورتها، وعندئذ فقط يصبح في مقام الفقير المتصوف وهناك اختلاف آخر، فالقير الذي يتمسك بالفقر ويعتقد اعتقاداً جازماً بتفوق الفقر وماله من فضل على ضروب الغنى طمعاً في مكافأة ربانية ليس متصوفاً حقاً، ذلك لأنه يحمل مشقة الفاقة ويصدف عن المشاعر بالمسرات الدنيوية خشية خسران المبرة الربانية وأجر الصبر، وهذا لا يغني فتيلاً، بينا أن التصوف الحقيقي لا يترك ما في هذه الحياة من ملاذ ومُتَع لقاء ثوابفي الحياة الأخرى، بل هو يبتعد عنها لما يجده في سلوكه هذا وفي حالته من الجزاء الأوفى. وهكذا نرى أن الاختلاف بين واضح، الواحد يتخذ الفقر وسيلة للثواب والأجر، بينا أن الثاني يبتغي الفقر غاية وأملاً ١ - عقيدتهم في التوحيد: إن شيوخ هذه الطريقة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد. فمن تصفح كلامهم وتأمل في ألفاظهم ألغى في مجموعه ما يؤكد له أن هؤلاء القوم عرفوا صفة الخالق فوجدوه، وشهدوا بقدمه فنزهوه عن الحدث والتوحيد هو الحكم بأن الله واحد، وفي ذلك نفي التقسيم لذاته ونفي التشبيه عن حقه وصفاته ونفي الشريك معه في أفعاله ومخلوقاته. وينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الحق للحق، وهو علمه بأنه واحد وخبره عنه بأنه واحد، والثاني توحيد الله سبحانه للخلق وهو حكمه بأن العبد موحد، وخلقه هو توحيد العبد في قرارة نفسه، والثالث توحيد الخلق لله وهو علم العبد أن الله تعالى واحد وإخباره عنه بأنه واحد ٢ - في المحبة: المحبة عُرفاً هي ميلك إلى الشيء بكليتك، ثم إيثارك إياه على نفسك ومالك وموافقتك له سراً وجهراً. وجاء في كتبهم على لسان المولى أنه قال: ما تقرب إلى

стр. 6731

عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ومن أحببتُه كنت له سمعاً وبصراً ومؤيداً ويداً والمحبة على لسان العلماء هي (الإرادة) ولكن ليس مراد القوم بالمحبة الإرادة، فان هذه لا تتعلق بالقديم. فالمحبة الإلهية للعبد هي تخصيصه بإنعام خاص كما أن رحمته له هي إرادة الإنعام ٣ - التوكل: نجد الصوفيين أكثر ما كانوا تضارباً في الآراء واختلافاً في الفكر في هذه العقيدة وأشباهها مما يتعلق بالمادة، فبينا نقرأ للروذبادي قوله لرجل صوفي مد يده إلى قشرة بطيخ ليأكل: (الزم السوق فهو أولى لك وأخيراً)، وقول آخر منهم (إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع، فألزموه السوق ومروه بالكسب والعمل) نقرأ لغيره قوله (أقمت في الحرم مرة عشرة أيام، فأحسست بضعف، فخرجت إلى الوادي لعلي أجد شيئاً يسكن ضعفي، فلم أجد شيئاً، فرجعت وقعدت. وبينما أنا جالس وإذا برجل أعجمي جلس بين يدي ووضع مائدة وقال هي لك.) هذا التغالي في التوكل انتظاراً للرزق يأتي عن طريق الرفد والإحسان هو ما يضع من شأن هذه العقيدة في نفوس الناس، إذ أن مثل هذا يورد موارد الفاقات، فلا تسمو النفس، ولا يعظم الشأن

стр. 6732

٤ - ومن معتقداتهم الفناء والبقاء. فالفناء سقوط الأوصاف المذمومة، والبقاء قيام الصفات المحمودة. يقال فني عن شهواته إذا بقي بنيته وأخلص في عبوديته، ومن فني عن رغبته بقي بزهادته وهم يعتقدون كذلك في الغيبة والحضور، فالغيبة هي للقلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق الاشتغال لحس بما ورد عليه من النفحات القدسية. أما الحضور فقد يكون حاضراً بالحق، لأنه إذا غاب عن الخلق حضر بالحق، بمعنى أنه يكون كأنه حاضر، وذلك لاستيلاء ذكر الحق على قلبه ولو أردت أن أعدد هذه المعتقدات لطال بي المطال وكلت مني الأيدي تطور الصوفية وطرقها الحديثة كانت الصوفية في أول عهدها ومبتدأ حياتها صبغة من الدين بسيطة، خاصة بجماعة من الرجال المتدينيين نشروها في حلقات صغيرة من الأصدقاء ثم أخذت تدرج وتتعاظم، فكونت طبقة خاصة ذات مدرسة خاصة، بقواعد وأنظمة مقررة يتلقاها المبتدئون ممن سبقوهم في الأيمان بها. ثم ما لبثت أن قويت شوكة الرؤساء وكبار الشيوخ، فأخذوا يسيرون تلامذتهم وأتباعهم حسب مشيئتهم وأهوائهم دون أن يكون لهؤلاء رأي، وما عليهم إلا الطاعة والانقياد. حتى إذا تطاول الزمن ومرت السنون، لم يعد الصوفي الكبير في معزل عن العالم الاجتماعي حوله يعيش عيشة التقشف والزهد، يطلب الوحدة نفوراً من مرأى الناس وظلمهم وتكالبهم على الملذات والصغائر، بل أضحى شيخاً وجيهاً ذا عمة منتظمة وجبة فضفاضة، يظهر في المجتمعات العامة محاطاً بطائفة من مختلف الطبقات من بطانته وأتباعه والمعجبين به ففي أوائل القرن الثالث عشر ظهرت فرق الدراويش العدوية والقادرية الجيلانية، اللتين أسسهما عدي الحكري وعبد القادر الجيلي، ثم تبع هاتين ظهور الشاذلية والرفاعية والمولوية، فالرفاعية تنسب إلى مؤسسها أبي العباس أحمد الرفاعي المولود في أم عبيدة

стр. 6733

إحدى قرى الفرات، وهي تحيا اليوم بفرقتين كبيرتين هما العلوانية والجيباوية، المشهورتين بحفلة (الدوسة) هاتان أشد فرق الدراويش تعصباً وأكثرهم جهلاً وخبالاً والقادرية الجيلانية يدعون أن عبد القادر الجيلاني هو مؤسس طريقهم، وهم في أورادهم وأذكارهم لا يفعلون كما يفعل الجيباويون من تقطع الأجساد وغرزها بالإبر والأمواس، بل يذكرون الله بتؤدة وهدوء ووضوح وأما المولوية أو (الدراويش الراقصون) فقد أسسها في العجم الشاعر الفارسي المتصوف الشهير جلال الدين الرومي مؤلف (المثنوي) على أن المركز اللائق الذي اكتسبته الصوفية في الدين والعطف الذي تفيأت ظلاله، إنما ظهر بتأثير الغزالي الذي مال ميلاً كلياً إلى هذه العقيدة بعد أن درس الآراء والمعتقدات الأخرى. فقد أدخل الغزالي على الشريعة عنصراً جديداً بعث فيها النشاط بعد أن ظلت زمناً طويلاً في ركود من جراء الحروب الكلامية المستعرة بين الفلاسفة والدهريين والمتكلمين. ولم يقف أبو حامد عند هذا بل أدخل في الصوفية الفكرة الأساسية لما (وراء الطبيعة)، وأخذ المسميات والمصطلحات التي عمد إليها ابن سينا والفارابي من تعاليم الأفلاطونية الجديدة وأحلها مكاناً مقيداً في الدين الإسلامي. على أنه وان لم يسلك هذا الطريق إلى النهاية ولم يتقيد بسبل هذا المذهب إلا أنه اتبع التصوف العملي. فهو وإن يكن بحث في الموضوعات والآراء الخيالية النظرية إلا أن علمه وإدراكه قد اضطراه إلى أن ينحو منحى آخر، ذلك أنه جعل العبادة قسماً من الحياة اليومية يمارسها العامة والخاصة على السواء الصوفية وتقاة المسلمين إن محور التصوف هو التجرد عن النفس وما ترتبط به من مادة، والانصراف الكلي للحب الإلهي. وغاية ذلك أن يمتزج العنصر الإلهي الروحي في الإنسان مع (العقل الأول) الذي منه نشأ وإليه يرتقي. هذه الفكرة وإن كانت بعيدة عن تقاة المسلمين الأولين الذين أنطبع في نفوسهم خوف الله والرهبة منه لكنها ليست غريبةً بتمامها عن العقل الإسلامي ولقد لاقت الصوفية كما لاقى غيرها من المذاهب والآراء الجديدة مقاومة كبيرة فيها عنف وفيها شدة من بعض تقاة المسلمين. وغالى بعضهم في نقمته فنعت الصوفيين بأنهم قوم

стр. 6734

جهلة يتخبطون في مهاوي الغي والفساد، لا يركنون إلى الكتاب والسنة في كل ما يفعلون، ثم أوغلوا في تهجمهم عليهم فقالوا ما التصوف إلا إسقاط الجاه وسواد الوجه في الدنيا والآخرة، وما المتصوفون إلا قوم مراؤون بئسوا من العمل ومالوا إلى الخمول والكسل فكأن شأنهم شأن من ينتظر أن تمطره السماء ذهباً وفضة كانت هذه الحركة العدائية ترتكز على ثلاثة أسس: أولاً: أن الصوفيين بشروا بصلاة ساكنة، وبهذا مالوا إلى إنقاص شأن الصلوات الخمس الجبرية المفروضة التي هي من أركان الإسلام الخمسة زاعمين أنها من خصائص العامة الذين لم يتعمقوا في المعرفة الروحية. أما هؤلاء الذين ارتقوا إلى أعلى درجات العلم والفلسفة فهم في غنىً عنها ثانياً: أنهم أدخلوا (الذكر) في الدين، وهو إعادة دائمة لأسم الله تعالى بأوضاع وأشكال منوعة على نمط لم يعرفه المسلمون المتقدمون، فهو إذن بدعة (وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) ثالثاً: أن كثيراً منهم اعتنقوا مبدأ التوكل مهملين جميع أنواع العمل وألوان التجارة وفي هذا ما فيه من إضعاف شأن الأمة اقتصادياً واجتماعياُ. ثم أنهم كانوا يرفضون المساعدات الطبية عند الحاجة ويعيشون على الصدقات يتطلبونها من المؤمنين. أنهم ليحدثون في عقول الناس معنىً خاصاً لله وللدين لم يقف الصوفيون أمام تهجمات خصومهم مكتوفي الأيدي ولم يفقدوا رشدهم أمام هذه الحملات الشعواء المبعوثة من كافة النواحي والجماعات، بل دافعوا عن كيانهم بحجج قوية وأدلة مبعثها الكتاب والسنة وأثبتوا فضلهم وعلمهم، وقالوا إنهم قوم آثروا الله على كل شيء فاصطفاهم من دون الناس كافة لأيقاظ الناس وإطفاء شعلة التشكك والألحاد، قال الشبلي: (الصوفي منقطع عن الخلق، متصل بالحق، بدليل قوله تعالى واصطفيتك لنفسي. قطعه عن كل (غير) ثم قال لن تراني.) ومما استشهدوا به على أنهم وصُفوا في الذكر الحكيم بالصدق والخشوع والصبر والتوكل والقنوت والزهد: وهم على اعتقاد أنهم المعنيون بهذه الأوصاف. ومن كلام النبي (ص) فيهم قوله. (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره)

стр. 6735

كلمة ختامية إن تعاليم الصوفية قد لاءمت العقلية الفارسية أكثر مما لاءمت العقلية العربية. ولم يكن تأثيرها في الحياة العربية والأدب العربي خاصة مضارعاً ما كان لها من أثر بين في الأدب الفارسي منذ أوائل القرن الحادي عشر حتى يومنا هذا والواقع أن الكثرة المطلقة من شعراء الفرس المجيدين قد انصهروا في بودقة هذه التعاليم فامتزجت بتفكيرهم وخيالهم، وظهر هذا جلياً واضحاً في الاستعارات والمسميات الصوفية التي كانوا يطرزون بها أشعارهم. على حين لم يكن بين شعراء العرب المجلين من وقف وقفة ولو بسيطة عند هذه التعاليم إذا استثنينا الشاعر المبدع شرف الدين عمر بن الفارض العربي المولد والشعر مادة وروحاً. وللعرب في تاريخ الصوفية الأدبي فارس آخر هو محي الدين بن العربي الأندلسي المولد في القرن الثاني عشر الذي ألقى عصا الترحال في دمشق الفيحاء، بعد أن زار في رحلته مصر والحجاز وبغداد والموصل وآسيا الصغرى، وله مؤلفات تربو على المئتين والخمسين عدا، وأشهرها الفتوحات المكية وفصوص الحكم وبهما يعتبره البعض أعظم صوفي الإسلام هذه صفحة موجزة في تاريخ الصوفية ونشأتها أود أن اختمها بالثناء العاطر على الأستاذ العلامة نكلسون لما بذل من مجهود في تنقيبه على أسس هذه الطريقة ومعالمها، فأضاء لنا صفحة مشرقة في تاريخ هذا المبحث الخطير الشأن. وعسى أن يقوم من بين علماء العربية من يتطوع للكتابة في هذا الأمر الجليل، فالمجال ما زال واسعاً والفائدة جزيلة عامة إن شاء الله السلط - شرق الأردن سليمان فارس النابلسي

стр. 6736

محاورات أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود أشخاص الحوار فيدون (وهو راوي الحوار إلى اشكراتس من أهالي فليوس) سقراط. أبولودورس. سمياس. سيبيس. كريتون. حارس السجن مكان الحوار: سجن سقراط مكان الرواية: مدينة فليوس اشكراتس - أي فيدون! هل كنت بنفسك في السجن مع سقراط يوم تجرع السم؟ فيدون - نعم كنت يا اشكراتس اشكراتس - أود لو حدثتني عن موته، ماذا قال في ساعاته الأخيرة؟ لقد أنبئنا أنه مات باجتراعه السم، ثم لم يعلم أحد منا فوق ذلك شيئاً، فليس ثمة اليوم بين بني فليوس من يذهب إلى أثينا، كما أن أحداً من الأثينيين لم يجد سبيله إلى فليوس منذ عهد بعيد، ولذا لم يأتنا عنه نبأ صريح فيدون - هل أتاك حديث المحاكمة وكيف سارت؟ اشكراتس - بلى، لقد حدثنا بعض الناس عن المحاكمة، فلم ندر لماذا نفذ فيه الإعدام بعد الإدانة بزمن طويل، كما رأينا، ولم ينفذ في حينه؟ فما علة ذلك؟ فيدون - علته حادث وقع في اليوم السابق لمحاكمته يا اشكراتس، وهو تكليل مؤخرة السفينة التي يبعثها الأثينيون إلى دلفي. اشكراتس - وما تلك السفينة؟ فيدون - يروي الاثينيون أنها السفينة التي كان قد أبحر عليها تسيوس وصحبه الشبان الأربعة عشر إلى اقريطش، حيث نجا وإياهم، وكان قد قيل وقتئذ إنهم نذروا لأبولو أن لو سلموا ليحجن إلى دلفي مرة كل عام، وما تزال العادة متصلة إلى اليوم. فهذه الفترة كلها،

стр. 6737

التي تنفقها السفينة في رحلتها إلى دلفي، ذهاباً وإياباً، منذ الساعة التي يكلل فيها كاهن أبولو مؤخرة السفينة، فترة حرام، لا يجوز للمدينة خلالها أن تدنس أرضها بقتل أحد من الناس؛ وكثيراً ما اعترضت السفينة ريحٌ أخرتها، فأرجئ الإعدام أياماً طوالاً. فهذه السفينة كما سبق لي القول قد كللت في اليوم السابق لمحاكمة سقرط. فدعاه ذلك إلى أن يلبث في السجن ولم يعدم إلا بعد الإدانة بزمن طويل اشكراتس - كيف كان موته يا فيدون؟ ماذا عُمل وماذا قيل؟ ومن ذا جاوره من أصدقائه؟ أم لم يأذن لهم ذوو السلطان بالحضور فمات وحيداً؟ فيدون - لا، بل رافقته من أصدقائه طائفة كبيرة اشكراتس - إن لم يكن لديك ما يشغلك، فأرجو أن تقص على ما حدث، دقيقاً ما استطعت إلى الدقة سبيلاً فيدون - لا شاغل عندي، وسأحاول أن أجيبك إلى ما رجوت، فليس كذلك أحب إلي من أن أكون ذاكراً لسقراط، سواء أكنت أنا محدثاً، أم كنت مستمعاً إلى من يتحدث عنه اشكراتس - لن تجد من سامعيك إلا نفوساً ترغب فيما رغبتَ فيه وإني لآمل أن تكون دقيقاً ما وسعتك الدقة. فيدون: - وإني لأذكر ما اعتراني من إحساس عجيب، إذ كنت إلى جانبه، لقد كنت بازائه غليظ القلب، يا اشكراتس، لأني لم أكد أصدق أني إنما أشهد صديقاً يلفظ الروح. إن كلماته وقسماته ساعة الموت، كانت من النبل والجلد، بحيث بدا في ناظري كأنه رافل في نعيم، فأيقنت أنه لابد أن يكون بارتحاله إلى العالم الآخر ملبياً لدعوة من ربه، وأنه سيصيب السعادة إذا ما بلغ ذلك العالم، إن كان لأحد أن يعيش ثمت سعيداً، فكان طبيعياً، وتلك حاله، إلا تأخذني عليه الرحمة، ولكني مع ذلك لم أجد في الحوار الفلسفي (إذ كانت الفلسفة موضوع حديثنا) ما تعودت أن أجده فيه من متاع؛ لقد كنت مغتبطاً، ولكني أحسست إلى جانب الغبطة ألماً، أنْ علمت أنه لن يلبث طويلاً حتى يموت. لقد ساهمنا جميعاً في هذا المزيج العجيب من المشاعر، فكان يتناوبنا الضحك والبكاء، ولاسيما أبولودروس لأنه سريع التأثر - هل تعرف هذا الضرب من الرجال؟ اشكراتس - نعم

стр. 6738

فيدون - لقد غُلب على أمره وتخاذلت قواه. وأنا نفسي، بل وكلنا جميعاً، قد بلغ منا التأثر مبلغاً عظيماً اشكراتس - من كان الحضور؟ فيدون - حضر سوى أبولودورس من بني أثينا، كريتوبويس، وأبوه كريتون، وهرموجينس وأبيجينس، وايشينس، وانتسين. كذلك أكتيسبس من أهل بيانيا، ومينكسينوس وغيرهم كثيرون. أما أفلاطون فقد كان مريضاً فيما أظن اشكراتس - أكان ثمت أحد من الغرباء؟ فيدون - نعم، كان هناك سمياس الطيبي، وسيبيس، وفيدونديس، واقليدس، وتربيزون الذين جاءوا من ميفارا اشكراتس - وهل كان أرسطبس وكليومبروتس حاضرين؟ فيدون - لا. فقد قيل إنهما كانا في أيجينا اشكراتس - ومن غير هؤلاء؟ فيدون - هم فيما أحسب كل الحاضرين على وجه التقريب اشكراتس - وأي حديث تناولتم بالحوار؟ فيدون - سأسوق الحديث من أوله، محاولاً أن تكون الرواية شاملة ولعلك تعلم أنا قد كنا من قبل نجتمع مع الصباح الباكر في المحكمة التي جرت فيها المحاكمة، وهي على مقربة من السجن، فنظل نتجاذب أطراف الحديث حتى تفتح أبواب السجن (وقد كانوا لا يبادرون بفتحها) فندخله لننفق معظم النهار مع سقراط، فلما كان الصبح الأخير، بكرنا باللقاء عن الموعد المعهود إذ علمنا في الليلة السالفة أن السفينة المقدسة قد عادت من دلفي فتواعدنا على اللقاء في المكان المضروب جد مبكرين، فما كدنا نبلغ السجن حتى طلع السجان المسئول عن حراسة السجن، ولم يأذن لنا بالدخول، بل أمرنا أن ننتظر حتى يدعونا، (لأن الأحد عشر مع سقراط الآن، يرفعون عنه الأغلال، ويأمرون بأن يكون اليوم قضاؤه المحتوم) كما قال. ولم يلبث أن عاد يجيز لنا الدخول، وإذ فعلنا ألفينا سقراط قد خلص لتوه من الأصفاد، واكزانثيب، التي تعرفها جالسة إلى جانبه تحمل وليده بين ذراعيها، فلم تكد تبصرنا حتى صاحت قائلة ما ينتظر أن تقوله النساء:

стр. 6739

(أواه يا سقراط! لتلك آخر مرة يتاح لك فيها أن تتحدث إلى أصدقائك أو يتحدثون إليك) فنظر سقراط إلىكريتون، وقال: (مُرْ أحداً يا كريتون أن يذهب بها إلى الدار) فساقها بعض حاشيته صارخة لادمة، وما كادت تغيب عن النظر حتى انثنى سقراط، وكان جالساً على سريره، وأخذ يربت على ساقه قائلاً: (ما أعجب هذا الشيء الذي يسمونه اللذة، وما أغرب صلته بالألم، الذي قد يظن أنه واللذة نقيضان، لأنهما لا يجتمعان معاً في إنسان، مع أنه لابد لمن يلتمس أحدهم أن يحمل معه الآخر؛ إنهما اثنان، ولكنهما ينبتان معاً من أصل واحد، أو يتفرعان من أرومة واحدة، ولست أجد سبيلاً إلى الشك في أنه لو رآهما أيزوب لأنشأ عنهما قصة، يُصور فيها الله وهو يحاول أن يوفق بينهما في الخصومة القائمة، فان لم بوفق، سد رأسيهما إلى بعض في وثاق واحد، وذلك عله أن يجيء الواحد في أعقاب أخيه، كما شاهدت في نفسي، إذ أحسست لذة في ساقي جاءت في أثر الألم الذي أحدثه القيد فيها وهنا قال سيبيس: كم يسرني حقاً يا سقراط أن تذكر ايزوب، فقد ذكرني ذلك بمسألة طرحها بعض الناس واستجابني عنها افينوس الشاعر أمس الأول، ولا ريب في انه سيعود ثانية إلى السؤال، فحدثني بماذا أجيبه، إن كنت تحب أن يظفر بالجواب. أنه أراد أن يعرف لماذا، وأنت رهين السجن، ولم تكتب من قبل بيتاً واحداً من الشعر، تنظم قصص أيزوب وتنشئ تلك الأنشودة إجلالاً لابولو فأجاب أن حدثه يا سيبيس بأنني لم أفكر في منافسته ومنافسة أشعاره، وحق ما أقول، لأنني كنت أعلم أن لا قبل لي بذلك، إنما أردت أن أرى هل أستطيع أن أمحو وهماً أحسسته عن بعض الرؤى، فلكم أشارت إلي هواتف الأحلام في أيام الحياة (بأنني سأنشئ الموسيقى) وقد كان يطوف بي هذا الحلم في صور متباينة، ولكنه لازم عبارة يعنيها ينطق بها أو بما يقرب منها دائماً: أنشئ الموسيقى وتعهدها بالنماء - هكذا كانت تهتف الرؤيا، وقد خيل إلى منذ ذلك الحين أنها لم تُرد بذلك إلا أن تحفزني وتبعثني على دراسة الفلسفة التي كانت دوما قصد الرمي من حياتي، والتي هي أسمى جوانب الموسيقى وأرفعها شأناً، فكما ترى النظارة في حلبة السباق يهيبون بالمتسابق المتحمس أن يجري مع أنه يجري فعلاً، كذلك كانت رؤياي تأمرني أن أؤدي ما كنت بالفعل قائماً بأداءه، ولكني لم أكن على يقين من

стр. 6740

هذا، فربما قصدت الرؤيا بالموسيقى معنى الكلمة المعروف، فرأيت أني أكون آمن، لو أرضيت هذا الشك، وأطعت الرؤيا فيما تأمر به، فأنشأت قبل رحيلي قليلاً من الشعر، فهذا قضاء الموت يرقبني، وقد أمهلني العيد قيلاً. فكتبت بادئ ذي بدء نشيداً في تمجيد آله هذا العيد، ثم لما رأيت أن الشاعر الذي يراد له أن يكون شاعراً مبدعاً حقاً، لا ينبغي أن يحشد ألفاظاً وكفى، بل لابد له أن ينشي قصصاً، ولما لم تكن لدي قوة الإنشاء؛ أخذت طائفة من قصص ايزوب، ونظمتها شعراً، فقد كانت ميسرة سهلة التناول، وإني بها لعليم. أنبئ أفينوس بهذا ولا تجعله يبتئس، قل له إني أود أن يتبعني، وإلا يتلكأ إن كان رجلاً حكيماً، فأغلب الظن أنب مرتحل عنكم اليوم، إذ قال الأثينيون أن ليس لي من ذلك بد قال سمياس - يا له من نبأ يحمل لذلك الرجل! أني أقرر لكم وقد كنت رفيقاً له ملازماً، أنه - كما عهدته - لن يأخذ بنصحك إلا مجبراً قال سقراط - ولماذ؟ أليس أفينوس فيلسوفاً؟ قال سمياس - أحسبه كذلك إذن فسيكون راغباً في الموت، شأن كل رجل عنده روح الفلسفة، ولو أنه لن ينتزع روحه بيده، فقد أجمع الرأي على أن ليس ذلك صواباً وهنا بدل في وضعه، فأنزل ساقيه من السرير إلى الأرض ولبث جالساً حتى ختم الحوار يتبع زكي نجيب محمود

стр. 6741

في تاريخ الأدب المصري ٢ - ابن النبيه للأستاذ أحمد أحمد بدوي - ٣ - اتصل شاعرنا كما ذكرت بطائفة كبيرة من عظماء عصره، فمدح الخليفة الناصر، أحمد أمير المؤمنين، واتصل بالملك العادل أخي صلاح الدين، واتصل كذلك بالقاضي الفاضل والوزير صفي الدين بن شكر وغيرهم، ولكنه لم يتصل بصلاح الدين، ولعل ذلك كان ناشئاً عن حداثته في ذلك الحين، واستصغار نفسه أن يتصل به، مع أن صلاح الدين كان ممدوحاً للقاضي الفاضل وغيره من كبار رجال العصر. غير أن أوثق الاتصال كان بينه وبين الملك الأشرف الذي أصبح به مختصاً معروفاً، كما عرف المتنبي بسيف الدولة، يسجل له مفاخره، ويحصى ما يناله من الخير والنصر، ويهنئه بالعيد إذا حل العيد، ويصف له القصور إذا بنى قصراً جديداً، وإذا أعان الحجاج سجل له يده، ويظهر أنه قد نال الخير والسعادة على يد الملك الأشرف، وإن كنا نراه في بعض الأحيان يشكو إليه، ويذكر ما قد يصيب علاقتهما أحياناً من الفتور، وذلك ما لابد منه، ولا سبيل إلى التخلي عنه، فهو يقول له: كم اصطنعت وكم أوليتني حسنا … فليس يبلغ أقصى الشكر أدناه دامت علينا به النعمى وأمتنا … مما نخاف أدام الله نعماه أرجو لقاك لآمال ومنزلة … فأنت لي سبب، والرازق الله فأغنني يا ابن ذي المجد العلي وكن … لي مسعداً في الذي أرجو وأخشاه وأحياناً كان ابن النبيه يرسل إليه يطلب حاجة يجعل شفيعها غلاماً جميلاً يستقضي تلك الحاجة، ويحفظ له التاريخ من ذلك أنه أرسل هذا الغلام وكتب معه هذا الدوبيت: أيقنت بأن حاجتي ليس تضيع … مذ قدمها مهفهف القد بديع في خضرة حده ليعينيك ربيع … ما أقبح رده وذا الحسن شفيع وكثيراً ما كان وهو لدي ولي نعمته الملك الأشرف يشتاق مصر ويرسل إلى أهلها السلام،

стр. 6742

ثم ينتقل إلى المدح، وكأنه يذكر الممدوح بغربته وفراقه وأنه إنما تحمل ذلك من أجله هو، وفي ذل ما فيه من تكثير لمورد رزقه وإغداق النعمى والهدايا عليه، واستمع إليه يخاطب أهل مصر: إن عينا منكمو قد ظميت … قد سقاها الدمع حتى رويت آه من وجد جديد لم يزل … وعظام يا حلات بليت؛ ساكني الفسطاط لو أبصرتكم … جليت مرآة عين صديت إن أعاد الله شملي بكمو … سعدت آمال نفس شقيت إن أرضا أنتمو سكانها … غنيت عن أن تقولوا: سعيت فوجوه كرياض أزهرت … ورياض كوجوه جليت بأبي منكم غزال، مهجتي … بظبا ألحاظه قد غزيت بلغيه يا نسيم الريح عن … مهجة المشتاق ماذا لقيت ثم يقول: إنما مدحة عيسى جنة … عندها أوطاننا قد نسيت فكأنه يقول له اذكر أني مفارق لوطني فكيف أنساه إلا إذا لقيت منك ما يغنيني عن ذكره، ونحن لا نشك في أنه لاقى من الأشرف كل إعزاز وإكبار. وكان الأشرف يعتقد في شاعريته ويثق بها، فكثيراً ما كلفه نظم الشعر على البديهة في أي موضوع يراه، وكثيراً ما قام مقامه في تدبيج الرسائل بالشعر على لسانه، ولقد كانت تلك المنزلة الرفيعة التي نالها مدعاة إلى أن يقول: أنت قربتني فأغليت قدري … أنت خولتني فأغنيت فقري فيجد من يشا ويبخل من شا … فحرام عليه ذمي وشكري بل كان جمع ديوانه قياماً منه بواجب الشكران وتسجيلاً لليد التي أسداها إليه - كما حدثك هو في صدر الديوان - ٤ - نستطيع أن نقول إن شعر ابن النبيه يعطينا صورة واضحة لعصره، يحدثك عن طابعه وعن أهم ما ضمه من الأحداث، وإذا أنت ذهبت تنقب عن ذلك رأيت أن أهم ما يميز

стр. 6743

العصر الروح الحربية التي سرت فيه، وروح القتال الذي كان على قدم وساق كان العصر عصر حرب مشبوبة بين الصليبين من الأوربيين وبين المسلمين وملوك المسلمين، كما كان عصر نزاع بين بني أيوب على الانفراد بالسيادة والسلطان بعد أن مات كبيرهم صلاح الدين، ومن أحل هذا كان أظهر صفة بارزة يمدح بها شاعرنا ممدوحيه شجاعتهم في الحرب واستبسالهم في المواقع، فهو يقول لمن يمدحه: مليك إذا سار بين السيو … ف ترى البدر بين اشتباك الكواكب وتزأر من تحت ذاك الركا … ب أسودها من ظباها مخالب فتلك اللهاذم زهر النجو … م ومعتكر النقع جنح الغياهب ويصف جيش ممدوحه بقوله: وأسد على جرد لها مثل فعلهم … إذا ما تجلى الموت في الحلل الحمر دماء أعاديهم شراب رماحهم … وأجسامهم هذي إلى الذئب والنسر فإذا شئت أن ترى صورة من صور النزاع بين الإفرنج الذين كانوا يبغون الاستيلاء على مصر قلب الدولة الإسلامية وبدأوا غارتهم بالاستيلاء على دمياط فاستمع إليه يقول: وتحت غيل القنا آساد معركة … لها ثبات وفي الهيجاء وثبات مستشرفات بآذان موكله … لها إلى الثغر من دمياط حاجات الويل للروم والإفرنج من ملك … له من النصر والتأييد عادات أين المفر لسرب الروم من أسد … ضار له من رماح الخط غابات دمياط طور ونار الحرب موقدة … وأنت موسى وهذا اليوم ميقات ألق العصا تتلقف كلما صنعوا … ولا تخف من حبال القوم حيات طأهم بجيشك لا تحفل بكثرتهم … فانهم لبغاث الطير أقوات أصبتهم بسهام الرأي من حلب … وللمكائد من بعد إصابات فطهر الله ذاك الثغر من قلح … أصابه، وانجلت تلك الثنيات لله من ثغر دمياط وبرزخها … فتح له تفتح السبع السموات شرحت صدر رسول الله وانحسرت … بنصرة الدين والدنيا غمامات فللرماح كلاهم أو صدورهم … وللصوارم أعناق وهامات

стр. 6744

تخلق البحر ذاك اليوم من دمهم … والموج ترقصه تلك المسرات عكا وصور إلى رؤياك عاطشة … فانهض فقد أمكنت منهن خلوات الله اكبر أن تمسي مزامرهم … تتلى، وتنسى من القرآن آيات وكثيراً ما كان يؤكد لسيده أنه سوف يهزم عدوه وينتصر عليه ويملك بلاده، بل وسوف يؤاتيه النصر حتى يملك القسطنطينية عاصمة بلادهم، ولقد كرر ذلك مراراً، حتى أنك لتستطيع أن تفهم من هذا التكرار والتأكيدات الكثيرة بأنه سوف يفتح تلك البلاد أن هذا كان في صدر ممدوحه أملاً قوياً يتمنى أن يناله وأن يتم على يديه، حتى قال له ابن النبيه: ستفتح قسطينة عنوة … وما كان للروم منها بغارب كأني بأبراجها قد هوت … وصخر المجانيق فيها ضوارب وقد زحف البرج زحف العرو … س إليها يجر ذيول الكتائب وليس الكهانة من شيمتي … ولكن حزبك بالله غالب وكثيراً ما مناه بهذا الأمل وأكد له أنه سيناله، كذلك في شعره صورية للنزاع كان بين بني أيوب، ولقد كان ابن النبيه يؤمن ويوقن بأن الخير كل الخير إنما هو في اجتماعهم ووحدتهم، لأن الأوربيين في ذلك الحين كانوا يهاجمون الشرق، فمن الخير أن يتحد ملوكه لدرء هذا الخطر عنه، ولقد كان المغيرون ينتهزون كل فرصة خلاف بينهم ليشبوا نار الحرب عليهم، ولذلك كان ابن النبيه صادقاً يوم قال متحدثاً عن بني أيوب أولاد شاوي: آل شاوي شهر الصيام جلالاً … وأبو الفتح منه ليلة قدر معشر في وفاقهم كل خير … مثلما في خلافهم كل شر وكان يوقن بأن صلحهم واجتماعه يبعث القوة في نفوس الشرقيين، ويبعث الضعف والخوف في نفوس الأوربيين كما قال بعد صلحهم: اليوم تصلى صفحات العدا … نيران حرب حرها لافح اليوم دار الشرك مبذولة … يأوي لها الصائح والنائح موسى جزاك اله عن دينه … خيراً فما أنصفك المادح سعيت في جمع شتات العلا … لله هذا العمل الصالح وشعره بعد ذلك يحدثك عما أصابه الملك الأشرف من فتوح ونصر في بلاد الشرق، هذا

стр. 6745

وإذا ذهبت تلتمس العلاقة التي كانت بين الاشرف والخليفة رأيت أن الخليفة العباسي كان يتمتع بسلطة روحية كبيرة، وإن لم يكن له من الأمر شيء في السلطة السياسية، فان الأشرف يحرص على أن تظل العلاقات بينهما قوية متينة، ويعد مراسلة الخليفة له منة وفضلا كبيرين ولقد ورد له خطاب مرة من الخليفة، فطلب من ابن النبيه أن يجيبه فكتب إليه الرد شعراً لأن الخليفة كان أديباً شاعراً: سيدي سيدي كتابك أحلى … من زلال على فؤادي الصادي خلت فيه قميص يوسف لما … الصقته أناملي بفؤادي كرر اللثم يا فمي، وترشف … منه آثار فضل تلك الأيادي نعمة سميت كتاباً مجازاً … أنا نبت وهي السحاب الغوادي كثرت حاسدي حتى تخيل … ت جفوني من جملة الحساد قالت العين وهي تخرج دراً … فاخراً من بحار ذاك المداد أنا افدي بياضه ببياضي … أنا أفدي سواده بسوادي أنا عبد الأمام أحمد خير … لي من نسبتي إلى أجدادي فعليه السلام ما غرد الطي … ر وغنى شاد، ورجع حاد وفي الحق أن الأمراء من الأتراك مهما استبدوا كانوا يقرون للخليفة بالسلطة الروحية ولا ينازعونه فيها (يتبع) أحمد أحمد بدوي

стр. 6746

جيرة محمودة للأستاذ فخري أبو السود حتَّام أنت مجرجرٌ متلاطم … يطوى عبابُك أعصراً وقرونا؟ ماذا يعي يا بحرُ صدرُك لو حَكَى؟ … لكن أراه بما وعاه ضنينا متدافع التيار ليلَ نهارَ لا … بالصمت لُذْتَ ولا أَراك مُبينا أبداً تجيء الشطَّ منك كتائبٌ … دَآبَةُ التَّرْدَادِ لَسنَ يَنيِنَا تغزو غواربُها الرمالَ وتنثنى … تغزو من الصخر الأَصمِّ مُتُونا مُبْيَضَّة الأثباج في تهدارها … يَبْرُزْنَ حيناً في البياض فحينا لاعَنْ مَشيب أو سنينَ تصرمت … فَلَكَمْ أّذابتْ في الأجُاج سنينا ولقد يكاد أُجاجُها من حُسنه … يبدو فراتاً للظِّماء مَعينا البحر فتَّان وإِن هو لم يُنِلْ … رِياً ولم يُطْلِعْ جَوَاريَ عِينا إِن لم يكن رِيَّ الظِّماءِ فإِنه … بالحسن يروي أنفساً وعيونا بروائع الألوان فيه تآلَفَتْ … ونوافح النسمات إذ يسرينا وَيُرَى مَسَارِحَ للعيون ومَبْعَثاً … للذكريات كموجه يأتينا كم طَالَعتْهُ الشمس ثمَّ أَجَنَّها … سرِّاً وراء عبابه مكنونا إِني شهدتُ الشمسَ عند شروقها … من خلف لُجَّتِهِ تشعّ جبينا ورأيتُ مًغرِبها به وضياؤُها … ملءُ الجوانح لهفة وحنينا يهوي خضيبُ شعاعها من أفقها … ويذوب في لُجَجٍ به يَزْهُونا والشمسُ أكرم رُاحل ودَّعْتُهُ … أَطوى عليه حسرةً وشجونا وَأَحَبُّ مُرْتَقَبٍ لِعًوْدٍ لم يذُذْ … عن وجهه الوضَّاءِ مُرْتَقِبينَا تَأْتِي وتَذْهَبُ في لطاف غلائل … متجدداتٍ بهجةً ورُقُونا هاتيك آياتُ الجَمَال تَخِذْتُها … صَحْبي ونعم مدى الزمان خدينا وتخذتُ هذا البحر جاراً لي إذا … ما عفتُ جاراً أو مللتُ قرينا وحمدتُ جيرته وثرثرةً له … دَوْماً تَدَاوَلُ مَسْمَعَيَّ رَنينا يَحْبو شواطئه صفاء طباعه … ويفيض بشراً دونها وَيَمِينا

стр. 6747

أَضْفَى على الثغر الجميل رُواَء … وكسا حياةً القاطنيهِ فُتُونا وجَرَتْ به خلجانهُ رقراقةً … وصَفَا جداولَ حوله وعيونا فتشابهتْ أوقاته فشتاؤُه … كَرَبِيِعهِ لطفاً يَرُوق ولَيناَ متجدِّدٌ لم يَطْوِ يوماً بادياً … من حُسنه إلا أبانَ كمينا حًسْنُ الطبيعة فيه زاه كيفما … أجْرَى الزمانُ لساَكِنِيه شؤونا إنْ سَرِّهم بصروفه أو ساَءهم … فالحُسْنُ ثَمَّ مَنَاهلاً وفُنُونا والحُسْنُ ثَمَّ لِمَنْ بَغَى مُتَعَزَّلاً … عَن طالبي الدنيا وما يَبْغُونا الإسكندرية فخري أبو السعود

стр. 6748

وهم الحياة للأستاذ خليل هنداوي إنني أَعبدُها - فيك - أيها الوهم! (الناظم) موِّه علينا بالرُؤَى … إن الحقيقةَ تُؤلمُ ما ذقتُ طيبَ العيشِ إلا عند ما أتوهمُ ضُري حياةُ أو انفعي … أنا منك لا أََتبرمٌ! فَهمَ الحياة فتىً يجو … زُكأَنهُ لا يفهم عبثاً تحاولُ فهمَ لغزٍ فيه لغزٌ مُبَهمُ ما أَنتَ أَولُ صخرةٍ … يَطغَى عليها العَيْلَمُ. . . أنتَ الغنيُّإذا قنع … تَ وأَنتَ أَنتَ المعدمُ ما أَظلمت ديناك، لكنَّ اعتقادَكَ مَظلِمُ خليل هنداوي

стр. 6749

زهرتي بقلم محمود حسن إسماعيل ولي زهرةٌ طيبْتُ من عطرها دَمِي … وضمخْتُ روحي من شذاها وأنفاسِي على شاطئ من فَيْضِ روحي تفتَّحَتْ … وراحَتْ تَعُبُّ الرِّىَّ من نَبْع إِحْساسي مكللةً بالنُّورِ تَحْسِبُ وَشْيَها … وَميضاً من الصَّهبْاء يُشرقُ في كاسِ تميسُ على قلبي إذا هزَّها الهوى … فتَفْضَحُ بالإدلال ريَّانَةَ الآسِ غذَاها السَّنا من زاخِر اللمْحِ فاغتدَتْ … تَبلّجُ في هالاتِها. . فتنَةَ النّاس كأني بها نَفْحٌ من الخُلد رَوَّحَتْ … أفاويحهُ عني ضنَى عُمْرِيَ الآسِي بروحيَ من أنفاسها عطرُ جَنَّةٍ … تراَءتْ بحُلْمٍ رائعِ الطيْف ميَّاسِ وأنداءُ فجْرٍ أسْكر الروح نَسْمُهُ … وطهرَ بالأعطار إثمى وأرْجاسي! بروحي حَنانٌ شَعَ من جنَباتها … كما فاض في جُنْح الدُّجَى ضوءُ نبراسِ رشْفتُ نعيمي نَشقةً من عبيره … وشرَّدتُ آلامي على نَفْحِه الآسي!!

стр. 6750

٧ - بين القاهرة وطوس نيسابور إلى طوس للدكتور عبد الوهاب عزام رجعت من مزار العطار إلى قبر الخيام وأنا أنشد قول حافظ الشيرازي: (جاء مرشدنا البارحة من المسجد إلى الحانة. .) ولما رجعنا إلى قبر الخيام قال بعض الحاضرين من الشرقيين كيف تركتم الخيام إلى العطار؟ قلت لكل رجل وجهته، وإن لم يكن من القياس بد فصاحبنا أعظم من صاحبكم، وأكرم حياة، وأجل أثراً. فانصرف ثم عاد إلى وهو يقول: ليس أحد من المتأدبين في الشرق والغرب يجهل الخيام، وهذا أحد الوافدين من الأوربيين يسأل من العطار؟ فهذه حجة لي، قلت دعني فأني لا أقيس عظماءنا بمعرفة الأوربيين وجهلهم، ومدحهم وذمهم الخ دُعينا إلى الموائد فطعمنا، وتكلم الشاعر الإنجليزي درنكووتر عن الشعراء ومذاهبهم في الحياة وقال: إنه لا ينبغي أن يفضل شاعر على غيره بصواب رأيه، وسداد طريقته، بل بمقدار إبانته عما أحسه في هذه الحياة، وأدركه في هذا المعترك؛ نحن لا نستطيع أن نقتدي بالخيام فنمضي أوقاتنا بين امرأة جميلة وكأس، وعود، فان علينا في هذه الحياة واجبات تأبى ذلك، ولكنا لا نغض من قدر الخيام لأنه أبان عن رأيه بهذا الأسلوب الشعري الجميل الخ ثم أنشد قطعاً من رباعيات الخيام كما ترجمها فيتز جرالد؛ وأنشد أحمد الصراف مندوب العراق بالفارسية بعض الرباعيات، وتكلمتُ فقلت بالفارسية؛ إننا مغتبطون بقدومنا مدينة نيسابور العظيمة، ذات الأثر العظيم في الحضارة الإسلامية، وها نحن أولاء بجانب الخيام الفلكي الشاعر الكبير، فالى روحه الطاهرة منا تحية ودعاء. ولا ننسى أن نرسل تحيتنا إلى الشاعر العظيم، والصوفي الجليل فريد الدين العطار، ذي المآثر الخالدة في الشعر والتصوف وإنا لنرجو أن تعود هذه البلاد سيرتها الأولى في العلم والأدب، وأن ييسر الله لها السير في سبيل الرشاد في ظل صاحب الجلالة الشاه المعظم. . فقام الأديب سيف آزاد صاحب مجلة إيران القديمة (إيران باستان) فتكلم وحيا صاحب

стр. 6751

الجلالة ملك مصر، وقال إنه قد ساءه أن علم اليوم أن جلالته مريض، وطلب من الحاضرين أن يدعو له بالشفاء والعافية. وألقي الأديب رشيد الياسمي قصيدة من الضرب الذي يسمى في عرف أدباء الفرس غزلاً. وهي مردوفة القافية. والرديف في الشعر الفارسي أن تكرر كلمة بعينها آخر كل بيت، ويبني الروي على الكلمة التي قبله. والرديف في قصيدة الياسمي كلمة (رو) بمعنى الوجه. وهذه ترجمة القصيدة عفو الساعة: قد استسر وجهك في كمال الظهور، وصار من التجلي في حجابٍ من ذلك النور لا يرى أحد في العالم وجهك، إن كان العالم مرآتك إني أدعوك حبيب الروح، إذ لا يتجلى وجهك إلا في عالم الأرواح ولّ وجهك شطرنا، نحول عن الكون والمكان وجوهنا أيها الربيع لا تستر من العندليب خدك فقد جعل وجهه كورق الخريف هجرك فلا حرارة في هذا القلب المتوقد، ولا بسمة في ذلك الوجه المورد لقد أمضيت العمر في انتظار وحسرة، , آمل أن يلوح وجهك لي مرة أيتها الشمس إني من الشوق إلى شعاعك الوضاء، أقلب كالهلال وجهي في السماء أبتغي أثراً من هذا الوجه، ولا أثر، كما ابتغى إسكندر ماء الحياة فلم يظفر إن تبشرني بوجهك يوماً واحداً، وضعت وجهي على عتبتك أبداً ان تطلب يا رشيد الكنز فانصب، فان السعادة لا تبدي وجهها لمن لم ينصب قدمنا الساعة خمساً وعشرين دقيقة، وهي فرق ما بين وقت طهران ونيسابور، وركبنا والساعة ثلاث وربع بعد الظهر متوجهين تلقاء مشهد وبينها وبين نيسابور ١١٦ كيلاً، فسرنا صوب الشرق والجنوب في سهل كثير القرى والشجر، فبلغنا قرية اسمها قدمكاه أي موضع القدم، وسأذكرها في الأوبة من مشهد. ثم اجتزنا بشريف آباد وعندها انعطفت الجادة صوب الشمال فارتقينا جبالاً ضربنا فيها أربعين دقيقة ثم هبطنا إلى المشهد المقدس، فدخلناه بعد مغرب الشمس افترق الركب فنزل جماعة بفندق هناك، ونزل آخرون في دار أحد الكبراء، جليل بك

стр. 6752

نصير زاده، وكنت وزميلي الأستاذ العبادي ممن شرفوا بالنزول في هذه الدار المعمورة، فلقينا من الحفاوة والرعاية ما لا يُنسى المشهد المقدس في عام اثنين وتسعين ومائة سار هارون الرشيد إلى خراسان لحرب رافع بن الليث بن نصر بن سيار، وكان قد ثار بخرسان واعيا الولاة وفي صفر من سنة ثلاث وتسعين اشتد به المرض وهو بجرجان فسار عنها إلى طوس، ونزل بضيعة اسمها سناباذ في دار الجنيد بن عبد الرحمن. فلما أحس أجله أمر فحفروا له قبراً في بستان الدار، وأمر جماعة فنزلوا فيه وقرأوا القرآن. وتوفي نصف الليل، ليلة السبت لثلاث خلون من جمادي الآخرة، ودفن في القبر الذي أعده وفي سنة ثلاث ومائتين كان الخليفة المأمون بن هارون قافلا من خراسان يريد العراق، وقد ثار عليه عمه إبراهيم بن المهدي، فلما بلغ سناباذ نزل عند قبر أبيه أياماً، وكان معه علي الرضا بن موسى الكاظم ولي عهده، فمات الرضا في ذلك المكان في شهر صفر فدفن إلى جانب الرشيد. وفي هذا يقول دعبل بن علي الخزاعي فيما يزعم الرواة: قبران في طوس: خير الناس كلهم … وقبر شرهم، هذا من العجب اشتهرت قرية سناباذ وسميت سناباذ المشهد، ثم أطلق (المشهد) على القرية، وبهذا الاسم ذكرها المقدسي وسماها ابن بطوطة مدينة مشهد الرضا، ونسيت على مر الزمن مدينة (نوقان) وصار اسمها اسم محلة في المدينة الجديدة، ونافست مدينة المشهد مدينة طوس في إقليم خراسان حتى أخملتها. ثم اختفت طوس حين حاصرها ميرانشاه بن تيمور وفتحها فأخربها عام ٧٩١ وقد لقيت المدينة من غير الزمان سعادة وشقاوة، وتقلبت بها أحوال مختلفة، ولكن شأنها كان يزداد نباهة على مر العصور. عنى عظماء المسلمين منذ القرن الرابع الهجري بمشهد الرضا والمدينة التي نشأت حوله. قال ابن الأثير في أخبار السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي: (وجود عمارة المشهد بطوس، وكان أبوه سبكتكين أخربه. وكان أهل طوس يؤذون من يزوره، فمنعهم من ذلك. وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في المنام وهو

стр. 6753

يقول له: إلى متى هذا؟ فعلم أنه أمر المشهد فأمر بعمارته) ثم بنى ابنه السلطان مسعود سوراً حول المشهد ليقيه غارات القبائل المجاورة. وفي القرن السادس الهجري استولى الغز على المدينة ونهبوها ولكنهم أبقوا على مشهد الرضا. وكذلك نهبت في القرن الثامن في عهد السلطان محمود غازان من الملوك الايلخانيين وأعظم الملوك عناية بالمشهد قبل عهد الصفويين السلطان شاهرُخ بن تيمورلنك (٨٠٩ - ٨٥٠) وزرجه جوهر شاد؛ وسنذكرها حين الكلام على مسجدها العظيم وكان عهد الصفويين عهد نماء وازدهار للمدينة، فقد تنافس الملوك الصفويين في تعمير المشهد وتجميله، وتعمير المدينة كلها، ولاسيما الشاه طهماسب الأول (٩٣٠ - ٩٤٨) والشاه عباس الكبير (٩٩٥ - ١٣٠٧)، ولكن عناية الصفوين لم تكفها الغارات والنهب، فقد غصبها أمراء الأزبك والشيبانية ثلاث مرات على رغم الصفويين وسيطروا عليها أزمنة مختلفة وكذلك استولى عليها الأفغان حينما استولوا على إيران. ثم جاء البطل الكبير نادر شاه، فأكثر الإقامة فيها واختط قبره بها، وبنى في المشهد الرضوي أبنية رائعة. ثم عادت إلى الأفغان حينما زلزلت دولة نادر شاه بتنازع خلفائه على العرش. وتداولتها حوادث أخرى حتى استولى عليها آقا محمد خان القاجاري، وقتل سلطانها شاهرخ الأفشاري سنة ١٢١٠. وفي العصر الأخير ثار بها على القاجاريين بعض الثائرين فتذرع الروس بهذا إلى الاستيلاء عليها، فأطلقوا مدافعهم على المدينة في ٢٩ مارس سنة ١٩١٢، وهي الآن تنال نصيبها من العمران والطمأنينة السائدين في إيران اليوم والمدينة على ارتفاع ٩٣٠ متراً وطولها ٥٩ وعرضها ٣٦، في وادي كشف رود (نهر كشف) الذي ينبع على عشرين كيلاً إلى الشمال الغربي من طوس ويسمى أحياناً آب مشهد (نهر مشهد) ويصب في نهر هراة (هري رود) على ١٥٠ كيلاً إلى الجنوب الشرقي من مشهد، وتبعد المدينة عن شاطئه سبعة كيلات إلى الجنوب. ويبلغ ارتفاع الجبال عندها ثلاثة آلاف متر. فهي باردة الشتاء، جيدة الهواء. ونهر كشف لا يسقي المدينة، بل يأتيها الماء من عين اسمها جشمه كلاس عند منبع نهر كشف في قنوات طولها ٧٤ كيلاً جرها إليها الوزير الكبير والأديب العظيم والشاعر المفلق

стр. 6754

شير علي نوائي وزير السلطان حسين بن منصور بن بايقرا من أحفاد تيمورلنك - (المتوفى سنة ٩١٢هـ) وهي أكبر مدن خراسان اليوم، وتسمى أحياناً خراسان وسكانها زهاء سبعين ألفاً وتجارتها رائجة، ولكنها ليست كعهدها الأول، فقد كانت ملتقى طرق القوافل قبل أن يستولي الروس على التركستان وينشئوا سكة الحديد القزوينية. وبالمدينة شارعان عظيمان مشجران يخترقانها. وكان بها في عهد نادر شاه ٦٠ ألف دار. وسكانها الآن زهاء ٨٠ ألفاً وهي كثيرة المساجد، والمدارس بها زهاء عشرين مدرسة للعلوم الدينية، أقدمها المدرسة التي أسسها شاهرخ في سنة ٨٢٣، ويقصدها الطلاب من أرجاء إيران ومن أفغانستان والهند، فيحصلون العلوم الدينية بها تسع سنين، ومن شاء أن يزداد علماً توجه إلى النجف الأشرف ويحج إلى المشهد كل عام آلاف كثيرة يختلف التقدير فيها من ٣٠ ألفاً إلى مائة ألف. وبها مقابر كثيرة يحرص الشيعة على أن يدفنوا بها، فتنقل جثثهم إليها من الأقطار البعيدة، وتختلف قيمة القبور بها على قدر قربها من الحرم وبعدها وهي عند علماء الشيعة في المنزلة السابعة بين الأماكن المقدسة مكة فالمدينة فالنجف فكربلاء فسامراء فالكاظمية فالمشهد. وفي رواية أخرى أن الترتيب بعد كربلاء هكذا: الكاظيمة فالمشهد فسامراء فهي السادسة، ولكنها من حيث كثرة الزائرين واتساع المسجد وضخامته تكون بعد مكة والمدينة، وقبل المزارات الأخرى فيما أظن والكلام عن الحرم الرضوي في المقال الأتي إن شاء الله (عبد الوهاب عزام)

стр. 6755

القصص من الأدب السويدي الدوار المسحور للقصصية السويدية سِلما لاجرليف ولدت السيدة سلما لاجرليف في ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٨ بمدينة مارياك من أعمال فرملاند، واشتهرت بأقاصيصها القيمة، ونالت جائزة نوبل في الآداب لسنة ١٩٠٩ ولا تزال حية كلما تحدثت عن (بلاد الفير) والناس الذين يعيشون فيها، مر بخاطري حكاية قديمة لقروية خرجت صباح يوم إلى المرعى لتحلب أبقارها. ولما لم تجد الأنعام في المكان الذي اعتادت الوقوف فيه منتظرة إياها، اضطرت إلى أن تتوغل في الغابة باحثة عنها. غير أنها ضلت الطريق وكانت القروية قبيل أن تخرج من دارها قد ضاق صدرها فلما لم تجد الأبقار ساءت حالها. وبينا هي تشق طريقها بين الأعشاب والحشائش والنمام باحثة عن بقرها، كانت تفكر في حياة السأم التي تحياها، وأنه لا أمل مطلقاً في تبديلها. نعم، أنها تميل كل الميل إلى زوجها، ولكنه أبصرت أن زوجها لم يبق له صبر على العمل إذ تقدم سنه، كما تقدمت هي أيضاً في السن. وهي بطبيعة الحال تميل إلى مزرعتها، فقد ولدت في كنفها وشبت ولكن ليس لها ان تغض عينيها على صغرها وقيمتها التي لا تشرف. ولا يمكن مقارنتها بالمزارع الواسعة الفخمة الواقعة هنالك حول الكنيسة. ويزيد على ذلك ان مزرعتها تقع في قلب الغابة حتى أن الإنسان لا يرى طوال الأسبوع ادمياً غير من بالدار. أما هؤلاء الخدم فهي لا تريد أن تنسب إليهم ما لا يشرفهم، ولكن الله يعلم أنهم كانوا كسالى مهملين إلى حد فيه الكفاية وعندما استيقظت في ذلك النهار قالت لزوجها إنه لابد لهما من بيع هذه المزرعة التي تقع وسط الأحراج، وأن يستبدلا بها أخرى توفر لهما معاشهما دون كبير مشقة ولكنه لم يرغب في الاستماع إلى شيء من هذا. وذلك ما أغضبها إذ الحق كلن دون شك في جانبها

стр. 6756

وفجأة تبينت أن ذلك ما كانت تخشاه دائماً منذ أيام صباها. وكذلك كانت تخشى وقوع هذا الأمر. ولما كانت هذه الأفكار المحزنة هي رفيقتها الوحيدة في تسيارها، فقد نسيت بتاتاً اتباع علائم الطريق أو تتبع الأثر، حتى أصبحت لا تعرف المكان الذي وجدت به، ورأت أمامها شجرة من البلوط خيل إليها أن لها بها سابق معرفة، ولكن شجرة البلوط تلك كانت في أعماق الغابة، ولا يمكن أن تكون قد قطعت في تجوالها كل هذه المسافة. وأنصتت إلى أصوات البقر أو صوت نداء راعيها. ولكنها لم تسمع إلا سقسقة العصافير وجلست على صخرة ووضعت يدها فوق عينيها. ولكن ذلك لم يفدها شيئاً، إذ أن قلبها كان ينبض بشدة، وانتابتها أفكار شاردة أفزعتها. فقد سمعت من قبل عن أناس ذاقوا الأمرين في هذه الغابة، وضلوا الطريق فيها أياماً وأسابيع، وقد وجد أحدهم ميتاً ولم تطق القروية صبراً على الجلوس هادئة حتى تتبين معالم الطريق، فقامت لساعتها تضرب في الغابة من جديد دون أن تفكر بعد هذا في البحث عن الأبقار بل أتجه تفكيرها إلى البحث عن الطريق المؤدية إلى دارها وبعد أن سارت طويلاً دون أن تدرك أين هي، انبثق النور فجأة وتفتقت أمامها الأشياء وتجلت، إذ أخذت الغابة نهايتها، وبينت قبالتها (دواراً) فخماً لأحد الريفيين وما كادت تلمحه حتى وقفت مبهوتة. إذ هي تعرف عن يقين أنه لا يوجد في هذه المنطقة دوار آخر غير الذي تملكه. وما رأته ألان لن يكون إلا سراباً وصورة كاذبة. هذا أسوأ شيء رأته، فقد سحر عفريت الجبل أعينها. ولم تبحث عن دوار الجن ولم تجسر على النظر إليه، ولكن أعينها امتدت دون أرادتها إلى ذلك البناء الذي لم تر قط أبدع منه. لقد كانت الدار حقاً قديمة ولكنها مدعمة متينة. وكانت المخازن والأهراء عديدة فسيحة إلى حد أنها تكفي قرية بأملها قالت لنفسها: (أنه مع ذلك لا شيء هنالك يخالف ما عندي، اللهم إلا أن هذا أجمل وأعظم أضعافاُ مضاعفة. نعم، إن عفريت الجبل لا يهمه الثمن. وقد يخيل إلي أن هذه الدار مشيدة من أشجار البلوط. إذا لم أكن قد سحرت وكانت عيناي تتبينان الأشياء على حقيقتها، فلن يبقى من كل هذه العظمة غير كومة من النمل) ثم رجعت ثانية إلى الغابة، وكانت تتسلق هضاباً صعبة المرتقى وتنزل غيرها وعرة

стр. 6757

المنحدر، ومع ذلك لم تجد طريقاً، أو علامة الأميال، أو كوخاً ينشر فيه الخشب، حتى ولا منحدر ماء يصح أن يكون نجماً تهتدي به في طريقها. وكانت تسير وكأنها في قاع بحر خضم اخضر لونه. قالت في نفسها: (هنا وجب علي المسير حتى تعمني موجة خضراء وتطويني ضمنها) وفيما هي سائرة إذا بها قد وصلت إلى طرف الغابة مرة أخرى. ورأت ثانية نفس الدار الفخمة وهنالك تلك الدار. وعلى نوافذها ستائر بيضاء، ويتقدمها بضع أشجار من التفاح منبثقة. وكانت مدهونة بدهان أحمر جعلها تتألق في الزينة، حتى لكأنها مشتعلة وسط البقعة الخضراء كحشرة السعادة في ليلة صيف على طريق أخضر يفصل حقلين وكانت في هذه المرة قريبة منها لدرجة مكنتها من رؤية كل شيء فيها. وكانت آلات الحرث والزرع والعربات موضوعة في مخازنها، كما كانت الأخشاب مصفوفة صفاً. وكانت العربات تسير دون التواء بين الحقول. وكانت الخيول القصيرة الجميلة القوية البناء الممتلئة كالتي تتمناها، ترعى في المراعي التي تأثرت بالصقيع وكلما أنعمت النظر في كل شيء فيها أثار ذلك إعجابها، وقالت في نفسها: (أي، لو أن هذا الدوار الريفي لي، للذ لي المقام فيه؛ نعم إني أراه منعزلاً بعض العزلة غير أنه جميل للغاية، ومن أمامه البحيرة ومن خلفه الجبل) وقالت في نفسها (ذلك الرجل الذي يسير الآن بين مباني ذلك الدوار الريفي ليخرج الخيل، لاشك أنه صاحب المزرعة، ولم أر في يوم من من أيام حياتي رجلاً سمهرياً قوياً مثله) ولكن فرحها الأعظم كان بقطيع البقر الذي خرج تواُ من الغابة ووقف عند طرفها وقالت في نفسها: (هذه الأبقار مسحورة، لا يشك في ذلك كل من يراها. ضرع طويل وحوالب متوازية. وجميعها ذات لون أحمر كالجمر، أن حلب مثل هذه الأبقار لهو الفرح بعينه. . . . كم لتراً من الألبان تدر هذه الأبقار يا ترى؟) وشعرت بأن ذلك الأغراء يتزايد عندها ويدفعها إلى التقدم نحو البقر المسحور لتحلبه، ولترى ذلك الدوار الريف الفخم، الذي نسق كل شيء فيه أحسن تنسيق. وتشككت في ضعف طبيعتها. وأخيراً تقدمت نحو الدوار المسحور

стр. 6758

ولما وصلت إلى حيث وجدت البقر مستلقياً على الأرض استقبلها بخوار من الفرح. ووقفت لتراه، فتقدمت قائدة البقر ووضعت خيشومها في يدها كأنها اعتادت أن تجد شيئاً من لذيذ الطعام في هذه اليد فأدركت أن هذه الأبقار لا يمكن أن تكون إلا أبقارها. لقد ميزتها من جديد وهي تعرف اسم كل منها ولكن كيف يتفق هذا وذاك؟ كيف يصح لأبقارها أن تنام عند طرف الدوار الريفي المسحور؟ وفي نفس اللحظة انفتح باب الدار. وخرجت منه بنت صغيرة ذات شعر ذهبي مسترسل، وكانت مرتدية جلباباً أزرق مفوفاً حافية القدمين. هذه كانت ابنتها. ففتحت باب الحاجز. وأخذت الطفلة بين ذراعيها وضمتها إلى صدرها، وقالت لها: (إنك طبعاً ابنتي، ولكن لَم أنت هنا؟) وقالت الطفلة: (إنني طبعاً هنا حيث يجب أن أكون.) ووقفت القروية حيرى لا تعي شيئاً. وفي تلك الأثناء بدأت الطفلة التي لا زالت بين ذراعيها تمسح بيدها شعر أمها وتصففه. وبدأت ترفع قناع الرأس الذي أنحدر إلى العنق. ورأت أن أمها ليست كما كانت عليه من تألق وانشراح. ولكن العقدة انحلت وأصبح قناع الرأس في يديها وقالت الأم (انتظري قليلاً، أديري هذا الرباط على وجهه الآخر قبل أن تعقديه ثانية.) وظنت أنها بهذه الوسيلة قضت على كل الخيالات التي انتابتها، كما كانت هذه وسيلتها من قبل. وفجأت رأت الضالة أين هي فهي في دوارها الذي تملكه. هنا حيث ولدت وشبت، ولكن الشيطان قد مسها قبلاً ' لى حد لم تعرف معه دوراها ووقفت والطفلة على ذراعيها ترمي بنظرها إلى ما حولها، لا، إن هذا الدوار الريفي جميل وعظيم جداً إذا ما نظر إليه المرء باعتباره أجنبياً عنه. الآن عرفت أن لا مثيل له في تلك المنطقة، وكانت تريد تركه. إن كل ما عداه أصبح بغيضاً لها! وارتأت أن لابد من الذهاب إلى زوجها، وأن تحدثه بكل ما جرى، ولم تقبل ابنتها مفارقتها،

стр. 6759

وكانت كأن الزوج والطفلة قد التقيا بها بعد فراق طويل وقال الزوج: (على الأقل ليس هذا السحر الذي مسك بالسحر البغيض. وقد يستفيد الغير فائدة محققة لو أنه وقع لهم مثل هذه الحوادث. أنظري الآن، إنك لم تدركي من قبل ما في دارك هذه. عليك أولاً أن تجوبي العالم وتضلي الطريق مرات عدة حتى تنظري بمثل هذه العين وتدركي قيم الأشياء على حقيقتها فقالت القروية: (نعم، الحق معك، ومن الحسن أيضاً ألا يضل المرء كثيراً لدرجة يتعسر عليه معها الاهتداء إلى داره.) عربها عن الألمانية: ا. ا. ي.

стр. 6760

من روائع الشرق والغرب الوحدة ' لشاعر الحب والجمال لامرتين استسلم لامرتين بعد فجيعته في حبيبته (جواليا) إلى الهم، وأستأنس بالوحدة، واستكان للعبرة، وخلا إلى الحزن في خلوات (ميلي) ومن هناك بعث إلى صديقه (فريو) بهذه القصيدة في ٢٤ أغسطس سنة ١٨١٨ وهي: جلست محزون القلب، مستطار اللب، على قلة الجبل، وتحت ظُلة السنديانة العتيقة، أشيع شمسي النهار وهي تغرب، وأسرح بصري في وجوه السهل وهي تتغير فهنا النهر صخاب الموج، جياش الزبد، ينساب في جوف الوادي، ثم يضل في ظلام البعد! وهنا البحيرة راكدة السطح، راقدة الماء، تتراءى في جوانبها نجوم الليل! والطفل لا يزال يلقي على رءوس الجبال الشجراء ومضا من شعاعه، وملك الليل قد أخذ يصعد إلى عرش السماء في محفته الندية، فأشرقت جوانب الأرض، وازدهرت حواشي الأفق وناقوس الكنيسة الغوطى قد أخذ يقرع الهواء برنينه الديني، فكف الفلاح عن العمل، ووقف السائر عن المسير، واختلطت هذه الأرانين المقدسة بما بقي
следующие страницы →