Полный текст (65 431 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
جولة في ربوع أفريقيا
رد على مقال
أشكر للأخ الفاضل الدكتور محمد عوض حسن تقديره وجميل عطفه وتشجيعه وآسف جد الأسف لأني لم أوفق لكتابة جولتي بحيث تصادف هوى في نفسه فهو (كما خيل إلي) كان يريدها قصة تنقل عن يومياتي دون أن تغفل حتى أجور السفر وأماكن المبيت ومواقيت الارتحال والإقامة في كل بلد حللته وما إلى ذلك من التفاصيل التي لا شأن لها في نظري ولو فعلت ذلك لأخرجت دليلاً هو إلى كتب السياحة (أمثال بدكر) أقرب ولأغفلت غرضاً أنا شديد التمسك به في جولاتي كلها، وهو أن أثير الناحية العلمية والجغرافية كلما أتاحت لي مناسبات الرحلة ذلك.
ويأخذ الأستاذ علي أني تكلمت عن أماكن لم أطرقها وقصصت عن شعوب لم ألقها وضرب لنا مثلا، بلاد الكنغو وروديسيا وشعوب الشلوك. وأنا لم أكتب عن تلك البلاد إلا بمناسبة ما شاهدته من غلاتها التي كانت توسق في ميناء بيرا البرتغالية طيلة إقامتي بها وهي المنفذ الرئيسي لمنتجات بلاد روديسيا والكنغو. أما عن شعوب الشلوك فأني لاقيتهم مراراً وحققت بعض ما أعلمه عن سيرتهم وبخاصة في الملاكل من أعالي النيل الأبيض.
ويرى الأستاذ أن بعض النقص الذي نسبه إلى الكتاب راجع إلى إغفالي كتابة مذكرات يومية. مع أن هذا ما أفعله دائماً ولم أتهاون فيه ليلة واحدة في جميع جولاتي الإفريقية والآسيوية والأوربية غير أني لا أنشر من تلك المشاهدات إلا ما أراه ضرورياً وما تسمح به ظروف النشر.
ولو أراد الدكتور بصفة خاصة أن يطلع على يومياتي لوجدها طوع أمره. أما عن الهفوات التي أشار الأستاذ اليها فها أنا أبين ما عن لي فيها:
يقول الدكتور إن كلمة شيبا الإنجليزية هي سبأ العربية. وأظن إن هذا عين ما قلته فذكرته كلمة (شيبا) بين قوسين بعد ذكر كلمة سبأ العربية.
وهو ينبهني إلى أن نهر النيل (لم يصبح أعظم أنهار الدنيا وهناك ما هو أطول منه وأوفر ماء) وأنا لم أتعرض لطول النهر ومائه. ولا أزال على رأيي في أن النيل أعظم أنهار الدنيا على الأقل من وجهة نظري كمصري وحق لنا جميعاً تمجيده والإشادة بذكره
стр. 702
وعظمته. ومتى كانت عظمة الأنهار يا صديقي مقصورة على أطوالها ومقادير مائها؟
ويقول الأستاذ إن غابات أثوري في غرب جبال رونزوري فلا أستطيع أن أراها من فورت بورتال وأنا لم أقل في كتابي إني رأيتها. هذا فضلا عن إن أهل البلاد كانوا يشيرون اليها من فورت بورتال، وهم يطلقون عليها هذا الاسم على رغم ما أعلمه أنا وأنت من أن أكثفها حقاً ما كان على الجانب الغربي.
كذلكلم أقل قط يا سيدي الدكتور بأن للغوريلا ذنباً وذلك أمر يعرفه حتى صغار الطلبة، ولكني ذكرتها في مقام التشبيه إذ قلت إن الواحد من الزنوج يبدو كأنه الغوريلا أو القرد الكبير. فالذؤابة التي تتدلى من أعجاز القوم تشبه ذنب القرد ومظهرهم العام يحاكي الغوريلا.
أما قطن الجزيرة فغلة شتوية وقد كنت هناك في أواخر سبتمبر ولم يكن القوم قد بدءوا زراعته بعد. وهو يجنى في أوائل الربيع كما قلت غير أن تحديد الشهور بالضبط أمر غير ميسور، فنحن هنا في مصر مثلاً لا نبدأ زراعة القطن في شهر واحد في كل البلاد ولا في كل السنين فقد يتراوح البدء بين شهر وشهرين.
وقبل أن أختتم كلمتي أكرر للأخ الفاضل عظيم شكري وكبير إجلالي واحترامي.
محمد ثابت
حول قصة مصرية
قرأت في العدد السابع من مجلة الرسالة الغراء قصة مصرية بعنوان (حكمت المحكمة) لكاتبها (السيد أبو النجا).
وهذه القصة مصرية حقاً لأنها تصف ناحية من الحياة الاجتماعية المصرية في الريف. ولكنها من الوجهة الفنية قد شابها عيب جوهري أفقدها روعتها وأضعف عنصر الحياة فيها فالقصة كما كتبها صاحبها لم تحرج عن إنها قشور للقصة الحقيقية التي كان يجب أن تظهر على سواها وتكشف عن العوامل التي أدت إلى هذه المأساة.
أما خطة القصة الحقيقية التي كان يجب أن تكون فتتلخص في ما يأتي: -
١ - كيف اتصل إبراهيم أفندي بابنة الأعرابي؟
стр. 703
٢ - كيف كانت العلاقة بينهما؟
٣ - كيف ظهرت هذه العلاقة وعرفها والد الفتاة. هذه هي العناصر التي كان يجب أن تظهر في القصة. ومع شيءمن التحليل يبين أثر العواطف والمشاعر، ويكشف عن المحاولات التي بذلها إبراهيم أفندي في الوصول إلى غايته.
وقد كان من الطبيعي وقد خلت القصة من هذا العنصر الأساسي أن يلجأ واضعها إلى (الحوادث) فيسردها سرداً كأنها خبر من أخبار الصحف اليومية.
стр. 704
العدد ٩ - بتاريخ: ١٥ - ٠٥ - ١٩٣٣
стр. 705
شروح وحواشي
في المرأة أيضا
كتبنا في العدد السابع كلمة عن العيد جاء فيها أن غياب المرأة عن المجتمع الإنساني جر عليه فيما جر الجفاء والجفاف والسآمة والفوضى. فوقع هذا القول من الجنسين البارز والمستتر موقع التسليم والرضا. ولكن قليلا من صالحي الإخوان لا يزالون يرون إقصاء المرأة عن الحياة العامة أمراً من أوامر الدين، وقاعدة من قواعد الخلق، فكتبوا إلينا وإلى بعض الصحف يفندون هذا الرأي بحجج انتزعوها من أحاديث الظنون، وهواجس الخوف، ومواضعات العرف.
أما صلة الحجاب بالدين فقد فرغ من توهينها العلماء من أمد طويل. وشديد على العقل أن يسلم بأن البدويات والقرويات ومعظم الحضريات (ومجموعهن يربى على تسعين في كل مائة من جميع المسلمات) قد تعدين بسفورهن حدود الله منذ ظهر الاسلام، ولم يأخذ على أيديهن إمام ولا حاكم حتى اليوم.
وأما الاعتقاد بأن احتجاب المرأة هو الضمان الوحيد لحصانتها وعفتها فذلك إفلاس للتربية، وسوء ظن بالدين، وإلقاء بالنفس إلى الرذيلة!
فلو أن الفتاة وهي صغيرة فتحت عينها على القدوة الحسنة، وأذنها لصوت الواجب، وقلبها لنور الله لوجدت من روحها القوى وضميرها النقي وزرا من الفتنة وعصمة من الغواية.
فالتربية الصحيحة إذن هي الضمان الذي لا يضر معه سفور، ولا ينفع بدونه حجاب، وهي وحدها السبيل المأمونة إلى الغاية التي قصدناها من تلك الكلمة، ولا زلنا نعتقد اعتقادا لا ظل عليه للريب أن غاية الكمال الاجتماعي أن يكون الرجل في كفة والمرأة في كفة من ميزان المجتمع، وتلك هي السنة التي فطرنا عليها الله، والنظام الذي فرضته علينا الطبيعة، والواجب الذي يتطلبه العدل، أما المجتمع الأعرج الأشل البليد الخشن، فغير جدير بالسباق ولا باللحاق في هذا العصر الطموح الطائر، ومجتمعنا بغير المرأة هو ذلك المجتمع: فهو اعرج لأنه يمشي على رجل واحدة، أشل لأنه يعمل بيد واحدة، بليد لأن حدة العواطف تنقصه. خشن لأن لطافة الأنوثة تعوزه.
لاحظ مجلسا من مجالسنا احتشدت فيه الرجال شبابا وشيبا فماذا تجد؟ تجد الحركات
стр. 706
العنيفة، والأصوات الناشزة، والمناقشات الفجة، والأحاديث الجريئة، والكلمات المندية، والذوق العامي، والإحساس البطيء!
لاحظ هذا المجلس نفسه وقد حضرته امرأة (امرأة واحدة ليس غير) تجد الحركات تتزن، والأصوات ترق، والمناقشات تنتج، والأحاديث تحتشم، والكلمات تنتقى، والذوق يسمو، والإحساس يدق، ذلك لأن الرجل حريص بطبعه على أن يجمل سمته في عين المرأة، ويحسن صوته في أذن المرأة، ويسوغ رأيه في عقل المرأة، والأخلاق المكتسبة تبتدئ بالتطبع وتنتهي إلى الطبع.
جهل الأولون وظيفة المرأة فلم يعرفوها إلا متاعا وزينة، لذلك اشتد تنافسهم فيها وتنازعهم عليها واستئثارهم بها حتى ضربوا دونها الحجب، وأحصوا عليها الأنفاس، وبثوا حولها العيون، فجعلوها بذلك قينة لا شريكة، ومملوكة لا مليكة، وكان من جريرة ذلك عليها أن وهن جسمها لقلة العمل، وساء خلقها لفقد الحرية، وضعف تفكيرها لترك التدبير، وغفل ضميرها لعدم المسئولية، فلم تفكر إلا في حللها وحليها، ومدافعة الضرائر والجواري عن نصيبها من زوجها. . . لقد كان للأسلاف ولا شك عذر في إقصاء المرأة عن مكانها من المجتمع وخير أعذارهم انهم كانوا ينظرون إلى المرأة نظرهم إلى الكنز الثمين،. وكان من عادتهم في الكنوز أن يدفنوها في الأرض أو يحفظوها في الخزائن. ذلك إلى أن عمرانهم لم يكن من السعة والتعقد بحيث يطلب نشاط الجنسين جميعا، فحملَ الرجال وحدهم أعباءه وقالوا:
كتب الموت والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول
أما نحن فبأي عذر نعتذر وعلى أي حجة نعتمد؟ إن الأمم الراقية التي نعاصرها ونصارعها لم تزل تنظر إلى المرأة نظر الأسلاف إليها، ولكنها عرفت كيف تحتفظ بالكنوز وتستفيد منها، فهي تعرضها اليوم في المتاحف أداة علم ومتعة، وفي المصارف رأس مال وقوة. وعمراننا قد زخر واستبحر حتى اعتدى فيه العمل على الراحة، والتنافس على العدل، والقوة على الحق، وتسلح الغربي في جهاد الحياة بقوى الطبيعة في السماء والأرض، ونحن ما زال نصفنا اللطيف قاعداً عن الإنتاج عاطلا من العمل.
أنا لا أريد أن ندفع بفتاتنا في أتون الحياة المستعر فتحمل الفأس، وترفع المطرقة، وتقعد
стр. 707
للبيع، وتجلس للحكم، إنما أريد أن تعطى حريتها الطبيعية في حدود عملها الطبيعي، وأن تعلك كيف تساهم في شركة الزوجية، فتربي الولد، وتدبر البيت، وتدير الأسرة، وتعدل ميزانية الرجل، وتشعر أنها تعمل متضامنة مع بنات جنسها وبني قومها لتكوين أمة متماسكة الأجزاء وثيقة البناء لا ينال من وحدتها شهوة من هوى، ولا نزوة من جهل.
ذلك ما قصدنا إليه في تلك الكلمة الموجزة بسطناه اليوم بعض البسط لعل فيه جلاء لما اختلج في بعض النفوس من هذا الموضوع.
لعل في الثرثرة فائدة!
تريد (العاصفة) البيروتية أن تضع الموازين القسط للأدباء، فتقول فلان أحسن وفلان أساء، وهي لم توفق إلى إدراك الغرض القريب من الكلمة الواضحة التي وجهناها في عددنا الماضي إليها!! فقد قلنا لها ما خلاصته (أن محاولة التفريق بين أدباء العرب طيش ورعونة، وان التعصب للبلد كالتعصب للقبيلة نزعة بدوية ونغمة مملولة) ففهمت من ذلك أن الرسالة تقول: (. . . إن الإشادة بفضل أدباء سورية ولبنان على النهضة الأدبية في مصر ضرب من الطيش، وإن الإيجاز في الكلام نعرة بدوية ونغمة مملولة)
فإذا كان هذا مبلغ فهم العاصفة للكلام، فقد أخطأنا حين مضضناها بالملام، فان اللوم على العجز ظلم، والمناقشة مع الخبث مهاترة!
أحمد حسَن الزيات
стр. 708
أدب القوة وأدب الضعف
للأستاذ أحمد أمين
يروون أن جماعة من آل الزبير كانوا يجتمعون إلى مغنية فيسمعون ويطربون. حتى إذا استخف الطرب أحدهم (وهو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير) قال فيها:
أحلف بالله يميناً ومن … يحلف بالله فقد أخلصا
لو أنها تدعو إلى بيعة … بايعتها ثم شققت العصا
فبلغت هذه الأبيات أبا جعفر المنصور فدعاه إليه وعنفه على قوله، وعيّره بضعف آل الزبير من هذه الناحية إلى أن قال له (حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنيات، فدونكم يا آل الزبير وهذا المرتع الوخيم!)
وسخر المنصور من هذا الضرب من القول. وهذا النوع من الحياة، وقال إنما يعجبني أن يحدى لي بهذه الأبيات:
إن قناتي لنبع لا يؤيسها … غمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفاً تأمن مسارحه … وإن أخف آمناً تقلق به الدار
هذه القصة تمثل نوعين من الأدب: فنوع يصح أن تسميه أدبا رقيقاً، وإن كنت أشد صراحة فسمه أدبا ضعيفاً أو أدبا (مائعاً) كما يصح أن تسمي النوع الثاني أدبا قويا أو أدبا رصيناً.
ولست أعني بالضعف أو القوة ضعف الأدب أو قوته من الناحية الفنية، وإنما أعني ضعفه وقوته من الناحية الخلقية والاجتماعية، فقد يكون هذا النوع الذي أسميه ضعيفاً أو مائعاً في منتهى الرقي من الناحية الفنية، كما قد يكون الأدب القوي ليس قويا بالمقياس الفني.
وهذه القصة تمثل لنا أيضاً أن الأدب المائع والقوي أثر من آثار الحوادث والظروف، فقد فشل آل الزبير سياسياً ولم تتحقق مطامعهم. فاستولى عليهم اليأس وانصرفوا إلى اللهو وانسوا بالسماع وما إليه واحتقروا الخلافة حتى ليهمون أن يبايعوا جارية مغنية، ويحدث عبد الله بن مصعب هذا عن نفسه فيقول: إذا غنتني هذه الجارية.
حسبت أني مالك جالس … حفت به الأملاك والموكب
стр. 709
فلا أبالي واله الورى … أشرق العالم أم غربوا
أما المنصور فنجح وأسس ملكا ضخما، ووصل إلى هذا النجاح بقوته وحزمه، لذلك كان أحب شعر إليه شعر القوة والعظمة والحمية.
يخيل إلي إنا إذا ألقينا نظرة عامة على الأدب العربي من هذه الناحية رأينا الأدب الجاهلي قويا (كجلمود صخر حطه السيل من عل) حماسة قوية، وفخر قوي، بل وغزل قوي، والأدب الإسلامي إلى آخر العهد الأموي، أدب قوي، فيه عزة الفاتح، وإعجاب الناجح، ونشوة المنتصر، وإن كان فيه نغمات ضعف فنغمات الحزب الذي غلب على أمره، أو المحب الذي يئس في حبه، أما من عدا هؤلاء ففخر وإعجاب، وهجاء في أعلى درجات القوة.
فإذا نحن انتقلنا إلى العصر العباسي رأينا العزة العربية تأخذ في الضعف، ورأينا الانهماك في اللهو يبعث أدباً جميلا في فنه، ضعيفاً في روحه، فيقول رئيس المجددين في عصره بشار بن برد:
قد عشت بين الريحان والراح وال … مزهر في ظل مجلس حسن
وقد ملأت البلاد ما بين قغفو … ر إلى القيروان فاليمن
شعرا تصلى له العوانق وال … ثيب صلاة الغواة للوثن
وتوالت النكبات على الشرق من ظلم وجور وسوء في كل نظم الحياة الاجتماعية فكان الأدب العربي ظلاً لهذه الحياة (كان أدبا ضعيفاً)، إن أنت حصرته وجدته بين باك على مصائب الدهر كأبي العلاء، ومادح للولاة والأمراء والأغنياء. ومستهتر يصف استهتاره وصفاً أنيقاً بديعاً يرضي الفن ولا يرضي الروح، وما اخترع من الفنون كان من هذا الضرب، مقامات للبديع والحريري بنيت على التسول والاستجداء، وإفراط في المجون، أو إفراط في التصوف، وكلاهما فرار من حياة الجد والنثر حمل كل أنواع الزينة من سجع وبديع، فكان كالفتاة تسرف في التجمل الصناعي لما شعرت بنقصان جمالها الطبيعي.
ولم يظفر العالم العربي من العهد العباسي إلا بأفراد قلائل منحوا من القوة في أدبهم ما كان موضع الإعجاب كالمتنبي والبارودي، وكلاهما كانت قوته صدى لحياته، فالمتنبي فارس شجاع كان في أكثر شعره يسجل وقائع سيف الدولة مع الروم، ويدوّن مظاهر القوة
стр. 710
والفروسية، والبارودي كذلك رب سيف وقلم، فكان قلمه مسجلا لآثار سيفه، وقليل كان أمثال هؤلاء. وإلا فخبرني عن شعر البطولة والفروسية والحياة والقوة بعد، وأين الشعر الغنائي الذي صدر عن شعور بالعزة القومية في الأدب العربي؟ أليس عجيباً أن نرى شعر البهاء زهير وقد كان في أسمى منصب من مناصب الدولة وكان مشرفاً على الحروب الصليبية ومساهماً في تدبير شئونها لا يذكر لنا في شعره شيئاً من أغاني الفروسية، ثم ينصرف بكله إلى الغزل المائع. على حين أن الصليبيين خلفوا لقومهم أغاني وأشعاراً صليبية قوية، ولم يخلف لنا الأدب العربي في هذا الباب الا ما كان تافهاً ضعيفاً، لعل السبب في هذا ان المسلمين كان موقفهم في هذا موقف دفاع لا هجوم (وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا).
وبعد، فكل عاطفة من عواطف الإنسان (على كثرتها وتعددها) موضوع للأدب، وخير الأدب ما انبعث عن عاطفة صحيحة لا مريضة، فالشعر المتناهي في وصف ما يلاقي المحب من عذاب والذي يذوب رقة وحناناً ليس (في نظري) مؤسساً على عاطفة صحيحة كالذي في شعر العباس بن الأحنف وأمثاله، وهذا الشعر وإن أرضى الجمهور ولذ لهم هو في كثير من الأحيان أجوف، وهو في كثير من الأحيان نتاج عاطفة مريضة. وليس من الحق أن يبيع الإنسان عواطفه بهذه السهولة (والشاعر المجيد) هو الذي يثير العواطف بقدر، ويبنيها على أساس عميق، أما إن هو تغالى في ذلك وأثار عواطف حادة لأسباب واهية كان أدبه أدباً خفيفاً ضعيف القيمة مهما استلذه الناس وأعجبوا به.
هناك عواطف حنان، وعواطف إجلال. وعواطف جمال وعواطف قوة، وهناك ما يثير البطولة، وما يدفع إلى المجد، وما يدفع إلى اللهو، وكلها صالحة للأدب، وكلها في نظر الأدب سواء وان اختلفت قيمتها في نظر الأخلاق، ونظر دعاة الاصلاح، فالأخلاقي يرى أن الأدب الذي يثير لذة حسية أقل رقياً من أدب يثير شعوراً أخلاقياً كالإعجاب بالبطولة، واحتمال الآلام في سبيل أعمال جليلة، وأرقى الأدب في نظرنا ما أحيا الضمير وزاد حياة الناس قوة.
وأغرب ما في الأمر أن أدبائنا الذين انتفعوا بالأدب الغربي وعملوا على نقله إلى الأدب العربي أفرطوا في نقل هذا النوع من الأدب المائع وفرطوا في نقل الأدب القوي، وسبب
стр. 711
ذلك أنهم جاروا ميول الجمهور وسايروا رغباته فكانوا تجاراً أكثر منهم قادة، والجمهور إنما استلذ هذا النوع لأنه من قديم ألف البكاء، وكانت حالته الاجتماعية تدعو اليه، ولأنه ترك جده على كاهل غيره ففرغ للهو.
وكان هذا النوع من الأدب أضر بالشرقي من ضرره بالغربي، لأن الغربي عنده بجانب هذا الأدب الضعيف أدب آخر قوي، فإذا بعث الأول حناناً ورقة، بعث الآخر قوة وجلداً، فتعادلت حياته وتغذت نواحي عواطفه. أما الشرقي فليس له تراث حاضر من أدب قوي يسند ضعفه ويحيي نفسه، وسبب آخر وهو أن الشرقي (على العموم) ذو عاطفة أحد وهو لها أقل ضبطاً، فإذا نحن غذيناه دائماً بهذا الأدب الحاد زادت عواطفه ميوعة، مع أنه أحوج ما يكون إلى ما يقوي عاطفته ويضبط جموحها.
الحق أن الأدب عود ذو أوتار ويجب أن تكون أوتاره على نظام ما عند الإنسان من عواطف جدية وهزلية، ورقيقة وقوية، وضاحكة وباكية، ورخيصة وغالية، والعود الذي يوقع عليه الأديب الشرقي ناقص الأوتار، تنقصه الأوتار القوية والأوتار التي تبعث الحياة، والأوتار التي تبعث الضحك ليتلوه جد، والأوتار التي تهز النفس لتملأها أملاً، والأوتار التي تبعث النغم بصور بطولة، والتي تبعث النغم ليوقظ من سبات، عود الأديب الشرقي على نحو عود المغني الشرقي، أشجى أغانيه أحزنها، وخير نغماته أبكاها.
فهل يتقي الله الفنانون والأدباء في الجيل الناشئ فيصلحوا أغانيهم ويكملوا ما نقص من أوتارهم، ويستدركوا ما فاتهم، وينشدوا طويلا نشيد الحياة، كما أنشدوا من قبل طويلاً نشيد الموت؟
стр. 712
ساعة مع الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد بك
دقائق مجهولة من حياة الإمام محمد عبده
كانت نسائم الأصيل في مصر الجديدة قد أخذت تنفح جوها المحرور بالطراوة المنعشة حين غمزنا الجرس مستأذنين على الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد بك، وكان جوسقه الأنيق غريقا في سكون فلسفي حالم، وحديقته البهيجة ترف على جوانبها الأربعة بالجمال والعطر فتذهب عن صمته الانقباض وعن سكونه الوحشة، وكان كل شيء يقع عليه طرفك في الحديقة والدار يعلن عما وراءه من مزاج حكيم، وذوق فنان، ونفس شاعرة.
كان الأستاذ على عادته يستريض مع أرسطو في كتابه (الطبيعة) وهو السفر الثالث الذي يخرجه للناس من آثار المعلم الأول، وفي رأيه انه أجلّ كتب أرسطو وأدلها على سمو عبقريته وسر نبوغه. لقينا في البهو لقاء ذوي البيوتات الكريمة والأبهاء القديمة فسلّم في أريحية وحيا في هشاشة، ثم خيرنا بين مجلس الدار ومجلس الحديقة فاخترنا هذا، وجلس ثلاثتنا على كراسي قصيرة القواعد وثيرة المقاعد حول منضدة مستديرة فوقها مظلة صيفية على طراز ما يستعمله المصطافون على شواطئ البحار وفي فنادق الجبال، وجلس الأستاذ الحكيم قبالتنا على كرسي له ظلة كالعلبة المستطيلة تقي الجالس فيها وهجة شمس، أما كلبه الضخم الجميل فقد ذهب يتهادى في المماشي المزهرة، ومن حين إلى حين كان يعود ليداعب السامرين على قدر ما يفهم من الدعابة.
أخذ الأستاذ يطارحنا الحديث (على نحو ما كان يتحدث إلى تلاميذه صديقه أرسطو زعيم المشائين في مماشيه المظللة) بصوته النقي العذب، وجرسه العربي الواضح، وأدائه المتئد الموزون، ولهجته (الشرقاوية) التي ينثرها عمداً في خلال الحديث فتكسبه ظرفاً ورقة. ولطفي بك مسامر حلو النغمة، فكه اللسان، متفنن الحديث، متخير اللفظ، فلو رحت تكتب ما يقول لكان قريب الشبه مما تكتب. وبراعة الحديث صفة امتازت بها طبقته التي تأثر بها وأثر فيها من أمثال محمد عبده وسعد زغلول والهلباوي، فأنت في حضرتهم لا تشتهي الكلام لأن لذتك في أن تسمع، ولا تثير الجدال لأن همك في أن تستفيد. ومجلس لطفي بك يصدق الصورة التي رسمتها له في ذهنك قبل أن تلقاه من شهرته المستفيضة وأعماله المنشورة: فبديهته حاضرة وفكره نفاذ وبيانه أخاذ واطلاعه شامل ومنطقه مستقيم وهو
стр. 713
يتوخى في حديثه الإفادة واللذة فسامعه لا ينفك راضي العقل ريان العاطفة.
وقصارى ما تقوله فيه أنه خلاصة الجيل الماضي بأسره، وتطبيق صحيح لمدرسة الأفغاني وعصره. وأوضح مظهر لهذا التطبيق كان في نزعته السياسية وطريقته الكتابية. ففي (الجريدة) نهج للناس سياسة مصرية خالصة لا تتصل بالدعوة
العثمانية ولا بالجامعة الاسلامية، وفي (الجريدة) ابتكر للكتاب أسلوباً لفظه قدر لمعناه، ووصفه طبق على موصوفه، وسبيله قصد إلى غايته. فكان مذهباً جديداً جرى عليه الصحفيون إلى اليوم وأصدق الأمثلة عليه أسلوب صاحب البلاغ.
ولطفي بك بارع في سلسلة الحديث سريع إلى اقتناص المناسبة فلا تخشى على الحديث في مجلسه أن يبوخ ولا على الصموت في محضره أن يحرج.
قال حينما استقر بنا الجلوس يعيد التحية ويفتتح السمر: أنا أقرأ ما تكتبونه في (الرسالة) بشوق ولذة. . . ويسرني ان الكتابة في مصر قد بلغت من الكمال الفني حد الاعجاب، فأصبحت للألفاظ دلالتها الدقيقة، وللأوصاف بيانها المقصود، أما الكتابة في (أيامنا) فكانت بالتقريب، فمعاني الكاتب تقريبية وألفاظها الدالة عليها تقريبية، والأثر الذي تتركه في نفس القارئ (إن كان مبهم أو تقريبي) فقال له أحدنا:
- ولكن سواد القراء يقرءون اليوم بالتقريب
- طبيعي! فالكاتب أيام كان يكتب بالتقريب كان القارئ لا يقرأ وإذا قرأ لا يفهم، فلما ارتقى الكاتب إلى التدقيق ارتقى القارئ إلى التقريب.
ولقد تصرف كتاب العصر في فنون الكتابة فعالجوا بها شتى الأغراض في براعة وحذق. ولذلك لا أوافق الدكتور طه على جعله النثر لسان العقل والشعر لسان العاطفة فان من النثر ما يكون شعراً.
ثم تشاجن الحديث وتشقق بعضه من بعض فتناول المويلحيين والخضري وشوقي وأبا النصر والأفغاني والطويل حتى أدى إلى علاقته بالشيخ محمد عبده فقال:
- تخرجت في مدرسة الحقوق وأنا في الثانية والعشرين من عمري فرغبت الأسرة في زواجي فأوعز أبي إلى أمي ان تكلمني في ذلك فأبيته، ولم يشأ والدي أن يفاوضني بنفسه في ذلك الأمر فلجأ إلى الشيخ عبده وكانت المعرفة قد اتصلت بينهما بسببي فدعاني الشيخ
стр. 714
إلى داره. . . .
- لقد كان حسنا من الإمام أن يجمع قلوب الشباب حوله ويتدخل بالنصح في أمورهم الخاصة.
- لم يكن الأمر في التعميم والإطلاق على ما فهمت، فقد كان الشيخ في علاقته بالناس على انقباض وتحفظ والشباب أنفسهم هم الذين سعوا إليه والتفتوا حواليه لأنه كان بطبعه رجل ثورة، ولأن اتصاله بصالون نازلي هانم ومصطفى فهمي وكرومر أوهن أسبابه بالقصر وأيبس ما بينه وبين الخديوي، ولأنه كان يدعو إلى الإصلاح والتجديد فكان قريباً بنزعته إلى هوى الشبان، ولأنه كان ينتدب في كل عام لامتحان طلاب الحقوق المنتهين وقد اتصلت به معرفتي بسبب ذلك الامتحان نفسه. . .
- شت!! فكف الكلب المطيع عن النباح وكان ينبح شيئا أو شخصا خارج السور.
- فجاء الكلب الوديع حتى دنا من سيده.
- فانتبذ مكانا قريبا ونام.
ثم عاد الأستاذ إلى حديثه يقول: اقترحوا علينا في امتحان الإنشاء أن نكتب في هذا الموضوع: كيف كان للحكومة حق عقاب المجرم؟ وجعلوا زمن الإجابة أربع ساعات على ما أظن. فكتبت المذاهب الأربعة التي قررها العلماء في هذه المسألة ثم عقبت عليها ففندتها ونفيت أن يكون للحكومة على أي شكل من أشكالها (حق) عقاب المجرم لأنها قائمة على القوة لا على الحق. وأسرفت في التدليل على ذلك حتى ملأت الكراسة ثم خرجت فذكرت لرفاقي ما أجبت به فاضطربوا واكتأبوا وقرروا جميعاً أني لا محالة راسب، ثم اشتد من جانبهم اللوم والتقريع حتى ذهب من نفسي كل أمل في النجاح فلما كان يوم الامتحان الشفهي وقف الشيخ فقرظ موضوعي وكان قد وضع الدرجة النهائية، ولكنه نصح لي أن اقتصد الآن في هذه الآراء إشفاقا علي.
وكم للشباب من شطط في الآراء.
زرت الشيخ بعد ذلك في جهة شارع الشيخ عبد الله نائبا عن فريق من الطلبة التمس منه أن يقرأ لنا درساً في التفسير بمسجد الفتح على مقربة من مدرسة الحقوق، فأجاب الملتمس وانضم إلينا طلبة من دار العلوم فكنا بين الثلاثين والأربعين. وهنالك قويت الصلة بيني
стр. 715
وبين الشيخ حتى بلغت حد الألفة.
وفي سنة ١٨٩٧ سافرت في الشتاء إلى جنيف لغرض سياسي، فانتهزت هذه الفرصة وانتسبت إلى جامعتها في دروس في الأدب والفلسفة أقامتها في الصيف خاصة للحاصلين على درجة علمية، واتفق أن جاء الشيخ وسعد بك زغلول وقاسم بك أمين مصطافين وكان المرحوم قاسم بك يشتغل في كتاب تحرير المرأة وكان يقرأ لنا غالبا بعد الظهر في كتاب للفيلسوف الفرنسي (تين) ومن العجيب إننا كلما التوى علينا فهم عبارة كان الشيخ وهو أقلنا علماً باللغة الفرنسية، يجلو لنا غامضها.
سافر سعد باشا وقاسم بك وبقى الشيخ عبده فانتسب معي إلى دروس الأدب واقبل عليها بجد ومثابرة، وأذكر أن أستاذ الأدب كان قد قرر علينا فيما قرر كتاب (روي بلاس) لفكتور هوجو نقرأه وندرسه ثم نناقشه وننقده في الدرس أمامه فلما جاء يوم المناقشة أدلى كل طالب برأيه والأستاذ يعقب على الآراء فيخطئ ويصوب ويصحح حتى نخرج آخر الأمر بطائفة صالحة من الآراء الصائبة. وخرج الشيخ شديد الإعجاب بما رأى وسمع وقال: هكذا يكون التعليم! نحن في بلدنا لا نعلم واعتزم أن يدخل هذه الطريقة في الأزهر.
كان مراحنا ومغدانا قبل الدرس وبعده إلى حلوانية تجاه الكلية تدعى (اكسلين) ويأبى الشيخ ﵀ إلا أن يدعوها (اخصلين) على الرغم من وسامتها الظاهرة. وكان زيه وعمامته قيد الأبصار وموضع التساؤل ومستجر الحديث في كل مكان نحله. وهنا ذكر الأستاذ بعض الطرف التي تدل على ظرف الشيخ ولطف روحه ورقة شمائله ثم قال:. . . وكان من عادتنا أن المتقدم منا ينتظر المتأخر عند هذه الحلوانية حتى نذهب إلى الدرس معاً. ففي ذات يوم جئت قبله فانتظرته ثم انتظرته حتى مضى الوقت الذي كان يصل فيه عادة إذا تأخر وكانت الجامعة قد استقدمت أحد العلماء الطبيعيين ليحاضر في استحضار الأرواح والدخول عام والزحام لا بد شديد، فلما أزف موعد المحاضرة ولم يبق إلا دقائق قلت للفتاة: إذا جاء الشيخ فأخبريه أني انتظرته إلى قبيل المحاضرة. ثم مضيت فدخلت مدرج المحاضرات من بابه الأعلى وأخذت مجلسي بين الحضور. ولشد ما كانت دهشتي حين وثبت إلى عيني عمامة الشيخ جالساً في الصفوف الأمامية بين سيدتين جميلتين، يميل على هذه مرة وعلى تلك أخرى!! فداخلني من أمر الإمام ما لم أكن أعهده. ثم خيل إلي أن الزمن
стр. 716
يبطئ والدرس يثقل لأن رغبتي كانت تلح في الوقوف على جلية الخبر. فلما انتهت المحاضرة أسرعت في النزول إليه وفي عيني دهشة وعلى وجهي تعجب وبين شفتي كلام! وتبين الشيخ ذلك في هيئتي من بعيد، فصاح قبل أن أحدثه:
- تعال يا لطفي أقدمك إلى البرنسيس!!
وقدمني إلى الأميرتين نازلي وخديجة!
وكان ذلك أول معرفتي بالأميرتين المصريتين فدعتانا إلى الشاي في الفندق الفخم الذي تنزلانه.
وفي سنة ١٨٩٨ رغب الشيخ أن يقضي معي أياما بالبلد. فما علم بمقدمه رجال الإدارة والقضاء بالمنصورة حتى توافدوا إلى لقائه، وفيهم المرحوم حشمت باشا، وحفل المجلس بالناس على اختلافهم ودار الحديث. فقال الشيخ فيما قال أن السيد جمال الدين كان يقول: إذا أردت أن تحكم على أخلاق أمة فاجلس في قهوة من قهوات الفقراء، فما انطبع في نفسك من الانفعالات فاحكم به على هذه الأمة من غير تحرج، فأخذت أنقض هذا الحكم وأفنده والشيخ يدافع عنه ويؤيده فاستحييت أن ألح في معارضة الشيخ في المجلس فأمسكت.
وفي العصر ركبنا جوادين، وخرجنا نرتاض في المزارع والحقول فعدت إلى ذلك الموضوع فقال الشيخ لا أدري لماذا لا تصدق هذا؟ أليست قهوة الفقراء تجمع الفقير الذي سيبقى فقيراً، والفقير الذي سيصير غنياً، والغني الذي صار فقيراً؟
وفي سنة ١٩٠٥ أذكر إن الشيخ كان قادماً من الوجه القبلي وأظنه كان في السودان، فنزل عندي بالمنيا وكنت يومئذ نائبا بها، وحضر للسلام عليه رجال القضاء الأهلي والشرعي ووجوه البلد. فلما احتشد المجلس بالجمع قال أحد العلماء من رجال المحكمة الشرعية أن كثيراً من النصارى يدخلون في الإسلام فتضاعف بذلك شغلنا. فقال له الإمام: فيم تشتغل أيها الشيخ؟ فقال نعلمهم أركان الدين. فقال له: يكفي أن تقول له صل وصم وزك وحج فقال ولا بد أن نعلمه الوضوء. فقال قل له اغسل وجهك ويديك إلى مرفقيك وامسح رأسك واغسل رجليك، فقال ذلك لا يكفي ولا بد أن نعلمه حدود الوجه من أين يبتدئ وإلى أين ينتهي، فقال الشيخ بصوته الجهير في شيء من الحدة: سبحان الله يا سي الشيخ!! قل له
стр. 717
يغسل وجهه! كل إنسان يعرف حدود وجهه من غير حاجة إلى مساح!!
وهنا استأذنا الأستاذ الجليل في الانصراف على نية العودة إليه من حين إلى حين فنستزيد من طرائف هذه الأحاديث.
الزيات
стр. 718
هل للشعر المرسل مكان في العربية
للأستاذ محمد فريد أبو حديد. وكيل المدرسة التوفيقية الثانوية
يسر الرسالة أن تقدم إلى قرائها صديقاً من خيرة أصدقائها وهو الأستاذ محمد فريد أبو حديد صاحب (ابنة الملوك) التي تحدث عنها بالخير الأستاذ جيب في العدد الماضي، ومؤلف (صلاح الدين) وكاتب (المرحوم محمد) ومترجم (فتح العرب لمصر) لبتلر. والأستاذ فريد من أصفى أدبائنا شعوراً وأخصبهم قريحة وأوفرهم انتاجاً، وهو جندي باسل من جنود الأدب العربي، أغرم بالقراءة والبحث والكتابة وأسرف حتى خامره من ذلك داء مؤلم موئس عقله عن إخوانه وتلاميذه وقلمه بضعة شهور، فنحن بتقديمه اليوم إنما نقدم التهنئة الخالصة لأصدقائه بسلامته، والبشرى الطيبة لعشاق أدبه بقراءته.
(التحرير):
قرأت مقالين قيمين في الرسالة بعنوان (مجمع البحور) تعرض فيهما كاتباهما المفضلان إلى الشعر المرسل ومكانه في اللغة العربية. وليس بالعجيب أن ينفر بعض الكتاب من أسلوب لم يألفوه كما أنه ليس بالعجيب أن ينكر الأديب بدعة في الأدب العربي إذا ظن أن تلك البدعة قد تدخل إليه ما لا يزينه أو ما قد يتخذ سبيلاً إلى التزييف والابتذال. ولكنا مع ذلك لا نجد بدا من التسليم مع المنطق السليم بأنه إذا كان يراد إدخال بعض أنواع من التأليف في اللغة العربية فلا بد من وسيلة لفك قيود القافية. فالقافية غل متين يمنع الاسترسال في القول وإذا كان الاسترسال والإطالة لازمين كانت القافية حجر عثرة لا بد من إزالتها. فالشعر القصصي والرواية الشعرية لا بد فيهما من ترك القافية أو الاحتيال عليها لأنه من الطبيعي في الشعر القصصي أن يصور الشاعر صوراً كثيرة واضحة قد يحتاج في تصويرها إلى نظم آلاف الأبيات. وبذلك يحتاج الشعر القصصي إلى أن يكون النظم حراً لا يلتزم فيه قافية تضطر الشاعر إلى ما يجعل المعنى مبهما أو مقتضبا. وفي هذا وحده علة وجود الشعر المرسل في لغة مثل اللغة الإنجليزية.
وإنما يورد للشعر المرسل عيبان أولهما أنه يحرم الأذن من موسيقى القافية. والثاني أنه يحطم الحدود بين الأبيات فلا ترتاح الأذن إلا ما اعتادته من الوقف في آخر كل بيت والترنح مع الوزن من بدء مقدور إلى خاتمة منتظرة. وهذا قول لا شك في أن به حقا
стр. 719
كثيرا، فمن أراد الموسيقى والغناء فلا بد له من شعر موزون خفيف الروح إذا بدأت أول قطعة منه توقعت ما يليها، وإذا سمعت جرس القافية في أول بيت توقعت تمام المتعة بجرس ما بعدها. غير أنا لا نقصد أن يكون شعر الأغاني مرسلا فإنما للمرسل موضع غير الأغاني وهو كما ذكرنا ضرورة يلجأ إليها من أراد الإطالة في غرض من الأغراض.
وقد قال أدباء ممن يؤثرون الإبقاء على القافية في كل صنوف الشعر أن الشعر المرسل لا ضرورة إليه، فإذا شاء امرؤ أن يطيل وصفاً أو يؤلف قصة فما من شيء يمنعه من أن يفك نفسه من قيدي الوزن والقافية جميعاً ويجعل قوله نثراً صافيا. وليس في مقدرة أحد أن يقنع الناس برأيه في مسألة أدبية بأكثر من أن يعرض عليهم ما يستطيعون بناء حكمهم عليه، فان الحكم في مسائل الأدب مرجعه إلى الذوق وموقع الكلام من النفس. وليس من قصد أحد أن يتعصب لأسلوب خاص، فانه لا مأرب لأحد في ذلك إلا أن يكون لذلك الأسلوب في نظره ميزة على سواه. على أن مجال القول فسيح لمن شاء الانتصار للشعر المرسل، فانه فوق النثر في أنه موزون وللوزن حظ من الأثر الموسيقي الذي يمتاز به الشعر، كما أن الشعر المرسل يجعل الأديب ينحت قوله على نمط مقدر، فتخرج المعاني في ثوب مقدود على قدر ومقياس ينحيانه عن الفضول ويكسبان الأسلوب شيئا من الأناقة التي تنشأ عن اختيار الألفاظ الموافقة للوزن وتزويقها وتوثيق الاتصال بينها.
وبعد فالمثل أولى من تلك الحجج. ولهذا قد آثرنا أن نختار قطعة من تأليف ملك الشعر المرسل وهو شكسبير في روايته المشهورة (عطيل) وأنّا عارضوها على القراء مترجمة مرتين، مرة منهما من قلم الشاعر الكبير (خليل مطران) في نثر سهل حلو أدى المعنى أداءً دقيقا في أكثر المواضع ولكنه على كل حال لا يعاب عليه شيء في سلاسته ووضوحه. والترجمة الأخرى من قلم رجل آخر واتته المقدرة على أن يؤدي المعنى الإنجليزي في شعر مرسل. ورأينا ان نقرن بين الترجمتين حتى يمكن للقارئ أن يحكم بينهما ويحدث لنفسه رأياً في أفضلهما. والقطعة المختارة هي نبذة من الموقف الذي كان بين (ياجو) و (عطيل) يحاول فيه (ياجو) أن يظهر نفسه في مظهر الصديق الناصح ويدس في حديثه سم سوء الظن يبعثه إلى قلب (عطيل) ليجعله يحقد على زوجته الفاضلة راميا من وراء ذلك إلى غرض مادي شخصي ظن أنه لن يبلغه الا بالقذف في امرأة عطيل وتصويرها في
стр. 720
صورة من تهوى رجلاً آخر اسمه (كاسيو). كان ذلك الواشي (ياجو) يريد الإيقاع به. وعطيل يحب امرأته حباً شديداً فكان على الواشي المخادع أن يحكم حيلته ومكره حتى يستطيع أن يثير الشك
في قلب ذلك الزوج المحب. فابتدأ متظاهرا بالتردد في اتهام الزوجة وجعل يلمح إلى إن الشرف أغلى متاع للمرء حتى إذا ما رأى (عطيل) ينساق مع الغيرة جعل يتظاهر بذم غيرة الأزواج على نسائهم حتى دفع الزوج المسكين إلى أن يفتح قلبه وعقله للاتهام. وهذا البدء هو الموضع الذي نقلناه.
قال مطران في ترجمة تلك القطعة:
ياجو: حسن السمعة للرجل والمرأة يا سيدي العزيز أثمن جوهرة من حلي النفس. من يسرق كيس نقودي يسرق شيئا زريا. كان لي واصبح له وكان قبلنا لألوف آخرين. أما الذي يسرق حسن سمعتي فيختلس شيئاً لا يغنيه ويجعلني فقيراً جهد الفقر.
عطيل: وأيم السماء لأعرفن أفكارك
ياجو: لن تعرفها ولو كان قلبي في يدك. فهل تصل إليها وذلك القلب في حراستي.
عطيل: آها!
ياجو: أي مولاي أحذر الغيرة. تلك الخليقة الشوهاء ذات العيون الخضراء التي تسخر مما تتغذى به من لحوم الناس. الرجل الذي يثلم عرضه فيعرف مصابه ويكره جالبه عليه سعيد. سعيد بجانب ذلك الذي يقضي الدقائق الجهنمية شغفا إلا انه مستريب. عاشقا أشد العشق ولكن تساوره الشكوك.
عطيل: يا للشقاء!
ياجو: الفقر مع القناعة غنى بلا جاه عريض. أما النعم التي لا تحصى فتكون فقراً عقيماً عقم الشتاء البارد للذي يخشى أبدا أن يصبح معسرا. اللهم يا ذا الراحم أعف من الغيرة نفوس أمثالي.
عطيل: لم كل هذا، أتظن إنني سأعيش هذه العيشة مغيِّرا ظنوني كلما تغير هلال. كلا. متى نفذ الريب ثبتت النفس على حالة معه. تبدل مني بتيس قطيع يوم أدع نفسي بين أيدي الشبه التي تحدثها كل دسيسة. أنا لا تستفز غيرتي بأن يقال لي إن امرأتي جميلة وأنها
стр. 721
لطيفة المحاضرة وأنها تحب معاشرة الناس وأنها طليقة النفس في أحاديثها وتغني وتلعب وتحسن الرقص، كل هذه الأفعال تكون فاضلة متى كانت المرأة فاضلة. الخ
وقال المترجم الآخر في تأدية القطعة نفسها:
ياجو: شرف الإنسان أغلى (سيدي).
من سواد القلب هذا يستوي
فيه من كانوا ذكورا أو إناثا.
إن من يسرق مالي إنما
نال مني تافهاً غير خطير
إنما المال متاع هيّن
فلقد كان معي ثم مضى
ليديه بعد حين مثلما
كان قبل الآن عبداً لألوف
إنما سالب عرضي نال ما
ليس يغنيه وقد أفقرني
عطيل: قسماً لا بد من كشف ضميرك
ياجو: لا. لن تكشفه حتى ولو
كان ذاك القلب ما بين يديك
لا. ولن أفصح ما دام هنا
بين أضلاعي.
عطيل: ها!
ياجو: أيها السيد حاذر (لا تطع
هذه الغيرة) حاذر إنها
غولة ذات عيون خضرة
إنها تسخر من مقتولها
بعد أن تنهشه - كن حذرا
стр. 722
إن من يعرف في زوجته
أنها تخدعه، لكنه
ليس يهواها فلن تزعجه
إنما البؤس لمن في شكه
يتلظى والهوى يكوي فؤاده
عطيل: وا شقاءاه
ياجو: موسر من كان في الفقر قنوعا
وأشد الفقر مال طائل
مع خوف الفقر. ربي نجني
من لظى الغيرة واحفظ منه أهلي
عطيل: لم هذا القول؟ هل تحسبني
ذلك الغيران يمضي هائما
سابحا في غير من شكه
مثلما يسبح في أبراجه
قمر الليل؟ فلا كنت إذن
إنني إن كنت أمضي هائما
مثلما تحسب لم أبلغ سوى
مبلغ التيس. ولكن عزمتي
عزمة لا شك فيها إن بدا
لي وجه الريب. إني لا أرى
سببا للريب عند امرأتي
لو يقول الناس عنها أنها
ذات حسن. تشتهي الأكل اللذيذ
أو تحب الناس. أو ثرثارة.
أو تغني. بل إذا ما زعموا
стр. 723
أنها تلعب أو تحسن رقصا
ليس هذا الوصف عيبا. إنه
صفة محمودة عند العفاف.
ولعلي أستطيع أن آتي لقراء الرسالة ببعض أمثلة أخرى من هذا النوع من أساليب القول. تاركا لهم أما الانتصار له وإما خذلانه. فإذا وجدوه صالحا كان بابا يستطيع ذوو المقدرة من شبان الأدباء أن يلجوا منه إلى ميادين فسيحة.
стр. 724
العشق النجمي
للدكتور محمد عوض محمد
لئن كنت أيها القارئ ممن وقاهم الله غائلة العشق، ولم تنفجر في
صدورهم قنابل الغرام، ولم تضع المقادير قلوبهم بين سندان الشقاء
ومطرقة البلاء، إذن فأحمد الله، واشكرجدك الباسم!
لكن إذا كنت خلياً فاذكر الشجي، ولا تمنعك السعادة من أن ترثي للشقاء؛ فأن لصرعى الغرام عليك حقا، أن تذرف من أجلهم لتراً أو لترين من الدمع الساخن، ثم تسقي به ثراهم وتروي به الطلحة الحزينة التي تظل جدثهم.
وأني محدثك اليوم عن ضرب جديد من العشق، أو على الأقل ضرب كنت أحسبه جديداً. . إلى أن ألفيته قديماً، شأن كل الأشياء التي يطلع علينا بها المجددون. .
بيد أن العشق الذي نحن بصدده، إن لم يكن جديداً، فقد استحدثنا له اسمأً جديداً. ودعوناه (العشق النجمي). . وهو كما ترى
أسم طريف؛ ليس في الكتاب من سبقنا إليه. . . ولا خير في كاتب لا ينهض للجليل من الأمور فيبتدع لها الجديد من الأمور فيبتدع لها الجديد من الأسماء.
وأول من أصيب بالعشق النجمي فيما نعلم؛ أو على الأقل أول من سجلت أصابته رسمياً، هو العباس بن الأحنف إذ يقول عن حبيبته:
هي الشمس مسكنها في السماء … فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود … ولن تستطيع إليك النزولا
هكذا كان ذلك العشق المسكين: يطلب ما ليس إليه سبيل، ويظمأ والشراب عزيز، ويشتهي وقصارى جهده أن يشتهي.
ولعمرك مادام مناط حبه الشمس، فليس حظه منها سوى التطلع والتحديق، والزفير والشهيق. . هل كان يعلم عفا الله عنه! أن بينه وبين الشمس ٩٢ , ٠٠٠ , ٠٠٠ ميلا في الصيف و ٩٣ , ٠٠٠ , ٠٠٠ ميلا في الشتاء؟ وهي في كلا الحالين بعيدة المنال، ليس إليها في شتاء ولا صيف وصول.
ومن العبث أن ننصح أمثاله من العشاق أو نعذلهم، أو نطلب إليهم أن يصرفوا هواهم إلى
стр. 725
الممكن المتيسر، والقريب الداني. وان يراعوا صحتهم، فأن في طلب المحال سقماً وسهداً وإن التحديق في الشمس يضني القلب كما يضني البصر. . ولكن هيهات. . .
إن المحب عن العذال دائماً في صمم.
وأحسب القارئ قد أخذ الآنيفهم ما أعنيه بالعشق النجمي. وأظنه يتوهم أن العشق النجمي هو عشق الشيء البعيد المنال. . لكن هذا ليس الذي أرمي إليه. إن العشق النجمي هو عشق النجوم نفسها. . أجل النجوم التي في السماء على طريقة العباس بن الأحنف المذكور. ورويداً يظهر لك ما أظمره، شيئاً فشيئاً.
هنالك أمراض تصيب الناس من آن لآن. لكنها تصيبهم فرادى. أي تصيب هذا مرة، وذاك مرة أخرى. ثم يأتي بعد ذلك زمان تصبح فيه تلك الأمراض وباء يجتاح العالم كله إقليماً بعد اقليم، وشعب بعد شعب.
وهكذا (العشق النجمي) كان فيما مضى يصيب الناس فرادى، فأمسى الآن وباء شائعاً فاشياً، قد ملأ السهل والجبل وانتشر في المشرق والمغرب. وسبب ذلك أن قد ظهرت في العالم سماء جديدة تدعى (السينما) وقد امتلأت أرجاؤها بالنجوم.
والعشق الذي تتأجج ناره في قلوب المغرمين ببعض هذه النجوم لا يختلف، في كثير ولا قليل، عن ذلك الهوى المبرح الذي وصفه لنا العباس بن الأحنف. وقد يظن بعض البسطاء أن نجوم السينما أدنى إلينا وأقرب منالا، إذ نراها أمامنا ونشاهدها بأعيننا. وهذا لعمرك خطأ محض! فإنها قريبة على بعد، بعيدة على قرب.
والشرق نحو الغرب أقرب شقة … من بعد تلك الخمسة الأمتار. . .
والآن قد أدركت أيها القارئ ما (العشق النجمي) وأنه هو تلك اللوعة التي تحرق قلوب الناس في مشارق الأرض ومغاربها ومن أجل بعض النجوم التي تدور في أفلاك تدعى (الأفلام) في سماء يسمونها (الشاشة) البيضاء.
فالعشق النجمي أذن منسوب إلى نجوم السينما، وبالله لا تقل كواكب السينما! لأن الكواكب في علم الهيئة قريبة المنال دانية المزار ومن علمائنا اليوم من يحلم بالوصول إلى بعض الكواكب كالمريخ، أما النجوم فبعيدة بعد الشيء المستحيل وكذلك العشق النجمي فأن مرامه بعيد، ومأربه محال.
стр. 726
وأكبر ما يمتاز به هذا العشق أنه عذري. . فأنك قد تولع بنجمة فتانة من نجوم هوليود، فيمتلئ بحبها قلبك، وتملك عليك مشاعرك، فلا ترى في الأرض الفسيحة غير وجهها، ولا تسمع غير صوتها. هي حلمك إذا هجعت، ونجواك إذا صحوت. إن أبصرتها في قصة حزينة استولى عليك الحزن والألم. وإن أصابها برد أو زكام أصابك مثلها سعال وزكام. وإن رأيتها ويا للهول!، صريعة قتيلة، قطع الحزن نياط قلبك، وأظلم العالم في وجهك، فلا تزال كئيباً أسيفاً، جاحظ العين متقلص الشفتين، حتى تراها في فلم آخر فرحة ضحكة؛ فيسري عنك؛ وتبرق أسارير محياك. وتضحك حتى تبدو نواجذك. .
ومن الغريب انك لا تأخذك الغيرة حين ترى عشاقها الكثيرين، ولا تستنكر منها أن تبدل في كل فيلم زوجاً مكان زوج أو صاحباً مكان آخر. لا يهمك من هذا كله شيء لأنك لا تفكر في سعادتها، فكل ما ترضاه ترضاه. ويحلو في عينك ما يحلو في عينها. بل لقد ألهاك التفكير فيها عن التفكير في شيء آخر. . .
ثم أنت بعد كل هذا لا ترجو نوالا ولا وصالا، تعلم أنها بعيدة عنك بعد النجم. وإن قرّبها منك الفلم. وقد رضت النفس على هذا البعد الممزوج بالقرب، وهذا النوال المنطوي على الحرمان. وهذا الوصل الذي هو أدنى إلى القلي والهجران.
فلا تريد على حبك جزاء ولا لدائك دواء. ذلك أن هواك عذري أفلاطوني بريء. فلا تريد لنارك المتأججة أن تطفأ، ولا لغليك المستعر أن يشفى. حب هو الغاية والوسيلة، نار تأبى إلا اضطراماً ودمع يأبى إلا انسجاماً، وتنور يريد أن يفور، وكان يحلو له أن يثور. من غير مأرب تنشده، أو أمل تريد تحقيقه، أو غاية تبغي الوصول إليها. . بل إن الحب هو الشغل الشاغل عن كل أمل أو مأرب أو مرام. .
تلك إذن هي الظاهرة الأولى للعشق النجمي: انه هوى عذري طاهر عفيف نظيف. أما الظاهرة الثانية لذلك العشق. فهي انه يصيبك من بعيد. . وقديماً وصف لنا الشريف الرضي هذه الظاهرة فقال يخاطب نجمته!:
سهم أصاب وراميه بذي سلم … من بالعراق. . . لقد أبعدت مرماك!. . .
ذو سلم هذا مكان في جوار المدينة المنورة، يكثر الشعراء من ذكره حين ينسبون. ولو كان لديك أيها القارئ مصور جغرافي لأمكنك أن تقيس المسافة بين العراق وذي سلم، ولعلمت
стр. 727
أنها لا تتجاوز سبعمائة من الأميال. ومع ذلك يندهش
الشريف الرضي لان سهم الحب قد أصابه من ذي سلم والشاعر في العراق. لكن تلك المسافة لا تعد شيئاً إذا قورنت إلى البعد الهائل الذي يفصل ما بين هوليود وبين وادي النيل السعيد. . وأن النجمة الفاتنة لترمي بسهمها من تلك الأقطار القاصية.، فلا يلبث أن يصيب صميم الفؤاد، ويفتت الأكباد، في شرق العالم وغربه. لا تحول دونه بحار ولا قفار. . .
وفي الحب العادي قد يكون البعد من أسباب السلو، والبعيد عن العين بعيد عن القلب في زعم الناس. لكن البعد بين المحب والمحبوبة شرط أساسي في هذا الصنف من الغرام. بل إني زعيم بأن عاشق النجمة لو رآها على قارعة الطريق، وهي تبتاع شيئاً من الحلوى، أو داخلة إلى دكان الحلاق. . لرأى شيئاً كسائر الأشياء وامرأة كسائر النساء، ولما حدثته نفسه بأن قد يصيبه من مثل هذه قنبلة غرام. . بل ولا سهم ضئيل. .
كلا إنما يلعب حب النجوم بالأرواح عن بعد. ومن مستلزماته تلك الحجرات المظلمة القاتمة، تبعث في النفس رهبة، وتثير فيه شغفاً ورغبة. وهذه الأنوار الساحرة تنبعث من مكان خفي، وتسطع على لوح فضي: ظلام يتوسط النور، ونور يحيط به الظلام. وحسبك تلك الحال السحرية باعثة على الشجن، ومثيرة لمكامن الجنون.
وهكذا تستطيع النجمة، وهي على سواحل المحيط الهادي أن ترسل أشعتها إلى أطراف العالم، وتنشر شباكها في جميع الأقطار.
هذا وللعشق النجمي خصائص أخرى، ولكننا ضربنا عن ذكرها صفحا، لأنها تعد في المرتبة الثانية من الأهمية، وحسبنا ما ذكرناه وصفا لأعراض ذلك المرض. . أستغفر الله بل تلك العاطفة القاهرة، التي استرقت قلوب الناس من شباب وكهول، وصفدتهم بسلاسلها وأغلالها. وقد أسلموها قيادهم طائعين خاضعين. .
لقد تحسب أيها القارئ أن فيما ذكرناه غلوا أو أن نصيب الخيال فيه أكثر من نصيب الحقيقة. . وفي الحق أننا ما كنا نعلم أن لهذا الشيء وجوداً أو أن شره قد استفحل. وخطره قد أشتد إلى هذا الحد، لولا أن صديقنا العزيز (رشاد) قد أصابه ذلكالسهم، فأحزننا مصابه. ولقد تتاح لنا قريباً فرصة أخرى فنحدث القارئ بحديث ذلك الصديق وإن كان حديثاً أليماً.
стр. 728
هذا العذاب. . .
للأستاذ راشد رستم.
دخل الغابة ينشد الوحدة الهادئة الهادية، فرآها أول ما رأى في صمت الجذوع وتحملها، ثم تمثلها عند تساقط الأوراق واستسلامها، وفي السكون الشامل الذي يحيط به، وفي اللون الأخضر القاتم الذي يغشاه، ثم سمعها في أنين الغابة الداوي، ولاقاها عند الغدير الصغير الجاري، ورآها في قاع مجراه الصافي كامنة بين الحصا الأبيض الناعم، ثم شاهدها في تهدل الأغصان واضطرابها، وفي رعشة الأوراق المتحيرة ذات الحفيف المحزن، ووجدها ساكنة في الأعشاش الخاوية، ولمحها عالقة بأجنحة الطير المتثاقلة وهي تبيت. وفي آخر أشعة الشمس الصفراء وهي تغيب.
جلس في تلك الظلال القاتمة وحيداً بين الشجر، ينظر إلى السماء الناعسة يستنجدها وحيها المهيب. أو يستودعها سره العجيب. وقد بدت فروع الأغصان مع الأوراق على صفحة السماء وقت هذا الغروب في لون من سواد كئيب، كأنها (دنتلة) الحزن على صدر أملس رائع أسيف. قد صبغته نيران الزفرات والتنهدات بلون الشفق الوردي الهادئ صدر واسع عميق جذاب تحنو عليه شفاه الرحمة والإشفاق بقبلات العطف والحنان تترك فيه آثارا من حرارة التضامن الكامن في الصدور بين قلب حنون وآخر محزون. .
لم يفكر في شيء، فقد أحاطت به الأفكار من كل جانب، قام هارباً من تهافت الأفكار متعمقاً في الغابة يطلب الهدوء الأصيل في حضنها الظليل، ومن هاجمته أفكاره أعجزته تفكيراته، وقد يضيع بها أو يبقى بينها حيران زماناً حتى تجذبه إحداها فتشغله عن سواها، وهكذا يفر المرء من عذاب إلى عذاب.
على أنه وقد وجد سكينته عند الطبيعة فقد سلبها منه وآلمه فيه ابن الطبيعة، طلع عليه من خلال الأشجار أطفال يلعبون، والناس ملائكة صغاراً شياطين كبارا.
كَمِنَ له الصغار لما رأوه مقبلا هائماً، انتظروه إذ ظنوه سارحا هادئاً. فاجئوه يحسبونه خائفاً، فلما وجدوه رابطا ثابتا، عادوا يخشونه متحفزا ثائراً. ثم تنبه هو من تيهه فوقف باسماً، يدعوهم لاعبا مسالماً ضاحكاً، ولكنهم من الرجفة الأولى يفرون مستنجدين صارخين. فأنجدهم أهل لهم في الغابة يحتطبون، يسألونهم عن أمرهم وما دهاهم من
стр. 729
مفترس أو روح شرير، فكانوا يبكون صامتين، يشيرون إلى مكان قريب.
مفترس! وحش! روح شرير!!
ليس في المكان إلا ما في الغابة من شجر ووحشة ودوي طويل. خرج عليهم (الوحش) يدعوهم إلى الهدوء والاطمئنان. فتلقوه مؤنبين معرضين، فتولى عنهم في غيظ وكمد. مختفياً في الغابة الممتدة الواسعة. تلك الغابة العنيدة التي هو سيدها ومالكها والتي يهبها صدقه يسمح بحطبها وحياتها ومتاعها حلالا طيباً للسائلين والمحرومين.
أقبل على الغدير الصغير، وهنالك أمام خرير الماء الطاهر البريء، الجاري من الأزل إلى الأبد، وقف في إطراق وصمت وتسليم قليلاً ثم نظر إلى العود الذي يتوكأ عليه. وهو من حطب الغابة، وكتب به في بطء ولين وتفكير كلمات لا شك أنها ذاهبة مع الماء في مجراه. .
ثم أتخذ سبيله عائداً إلى البيت الذي يأويه وكان قد هجره بمن فيه وما فيه.
وإذ هو يمشي وئيدا كئيباً وقد طواه غسق الليل، أبصر المحتطبين خارجين من الغابة فرحين محملين وهم يذكرون الوحش المفترس والروح الشرير. . .
تثور نزعاته تطلب لوجودها جهراً. ولكنه يكظمها في نفسه صبرا، ثم تفور عواطفه فورا. فيحبسها في صدره غورا ثم يسرع الخطى على غير هدى قليلا حتى يدله الألم الساري وسط ظلام الحياة على حقيقة عذاب الإنسان للإنسان، ومكان الإحسان عند الإنسان، وأن الجهر بالإحسان إحسان. .
ثم يذكر ما كتب على صفحة ذلك الغدير الصغير، ويردده في ألم وثورة وأسف، حقاً إن في صمت الإحسان جنة للناس وعذاب للمحسنين. .
стр. 730
التجديد في الأدب
يناقش الدكتور عبد الوهاب عزام الأستاذ أحمد أمين في رأيه عن التجديد في الأدب، وقد دفعتني هذه المناقشة إلى إبداء رأي وذكر مناقشة، أما الرأي فهو: إن المعاجم اللغوية التي يقول الأستاذ أحمد أمين إن فيها (ألفاظا كثيرة ليس لها قيمة الا أنها أثرية تحفظ فيها كما تحفظ التحف في دار الآثار)، في هذه المعاجم ألفاظ كثيرة لها قيمة عظيمة عند من يحسن الأداء بها في مواقعها وكثير منها يؤدي لنا عن معان كنا نظن أن ليس لها في الألفاظ العربية ما يدل عليها، فالبحث عن هذه الألفاظ واستعمالها يزيد من غير شك في حيوية اللغة ونمائها، وقد فعل الدكتور محمد شرف والدكتور أحمد عيسى شيئاً من ذلك في معجمهما عن الحيوان والنبات، فكشفا في هذه القواميس عن ألفاظ عربية لنباتات وحيوانات كنا نستعمل عند الدلالة عليها أسماءها العلمية اللاتينية. وذلك لظننا خلو لغتنا من أسمائها.
وأما ما ذكره الأستاذ أحمد أمين من إلغاء هذه الألفاظ لأن الذوق العام للقراء لا يسيغها الآن، فأنا أظن بأن درجة المعرفة التي يصل إليها جمهور القراء ليست كافية للاعتبار والحكم على اللغة والكاتبين، والكاتب النافذ البصيرة له أن يقدم لهذا الجمهور القارئ ما يرى أنه مفيد من الألفاظ للإبانة عما يريد من معنى أو إحساس، ولو كان الجمهور القارئ لا يعرف هذه الألفاظ أو لا يسيغها ذوقه، ولكن المهم أن يقتصد في ذلك على الضروري المفيد ولا يتعمد الأِغراب.
هذا مع ملاحظة أن ما لا يسيغه ذوق الجمهور هو الأقلية من هذه الألفاظ المهجورة.
هذا عن رأيي، وأظنني فيه قريبا من الدكتور عزام وإن كنت أخالفه في بعض الشواهد التي أوردها في مقاله وفي بعض الآراء كذلك.
وأما عن المناقشة فقد جرت منذ شهور بيني وبين كاتب من كبار كتابنا المتحمسين لتبسيط اللغة، وكان يقول إن هذه الألفاظ الموجودة في القواميس هي مثل الزوائد والبقايا الأثرية في جسم الإنسان (كالزائدة الدودية وعجب الذنب مثلا) ويجب علينا طرحها لنكسب الوقت والسرعة، فقلت أنا، إن في هذه القواميس ألفاظا تؤدي لنا عن معان نتحير الآن في الأداء عنها بكلمة واحدة، فنعبر عنها بجملة أو سطر، فلو أننا استعملنا هذه الألفاظ وأشعناها لاكتفينا بلفظ واحد عن هذه الجملة أو السطر، فكسبنا بذلك الوقت والسرعة ولفظاً جديدا يزيد في لغتنا سعة، فقال: اذكر مثلا، قلت: أقرب مثل هو صديقك فلان الذي عرفتني به
стр. 731
أخيرا، فقد لاحظت ان لون عينيه مختلف فله عين زرقاء والأخرى كحلاء. فلو أردت أن أذكر لك هذه الصفة فيه استعملت لها سطراً من الكلام، ولكني وجدت في القاموس كلمة واحدة تؤدي هذا المعنى كله وهي (أخيف) وهذه الكلمة نفسها تغنينا عن جملة أخرى، فإن الأبناء الذين هم من أم واحدة وأباء شتى يقال لهم (أخياف) فيمكنك في الأول أن تقول (فلان أخيف) بدل (فلان إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء) وفي الثاني (هؤلاء الاخوة أخياف) بدل (هؤلاء الاخوة من أم واحدة وآباء شتى)، وقد كسبنا بذلك الوقت والسرعة ولفظة جديدة، وهذه الكلمة لا أحد يقول (حتى الأستاذ أحمد أمين) إنها نافرة أو ثقيلة على الجيل الحاضر، وقد استعملها ابن زيدون في قطعة جميلة من شعره.
فقال صديقي الكاتب الكبير في صيغة التحدي والتهكم، إنك بذكر هذا اللفظ أطلت في الوقت وأضعفت من السرعة لأنك ستشرحها للقارئ بهذه المعاني التي ذكرتها، فكان خيراً لك وله لو انك اكتفيت بالشرح عن المشروح فلم تذكر اللفظ الواحد ثم تتبعه بجملة شارحة، فقلت أنا أولاً لا أسلم بضرورة الشرح فان القارئ واحد من أثنين، قارئ يقظ يقرأ ليفهم ويفتش عن كل كلمة ولا يكتفي بالفهم الإجمالي، وهذا القارئ عندما يجد هذه الكلمة (إذا لم يكن يعرفها) سيبحث عنها في القاموس حتى يعرفها، ومن المرجح انه بعد ذلك لن ينساها، وهذه وحدها فائدة أخرى، والقارئ الثاني يمر على الكلام مراً ويكتفي بالفهم الإجمالي، فهذا ليس يهمني أن أشرح له، ولعله هو أيضا لا يهتم لشرحي، وعلى فرض التسليم بضرورة الشرح لهذه الكلمة ومثلها، فان الشرح لن يكون الا بمقدار ما تشيع هذه الألفاظ وتعرف لجمهور القارئين وعند ذلك تترك وحدها فيفهمها القارئ ونكسب نحن وهو الوقت والسرعة وألفاظاً جديدة تزيد في لغتنا وتنميها، ثم ذكرت له بعضاً من الألفاظ والجمل استعملها هو بدءا وشرحها في أول ما استعملها وأصبحت الآن مفهومة لكل قارئ وشائعة على أقلام الكاتبين وألسنة الناطقين حتى كأنها تستعمل منذ مئات السنين.
ولعلنا نجد في المقالات القادمة للأستاذ أحمد أمين أننا فهمنا من كلامه غير ما يقصده هو، وعندئذ فنحن على وفاق، أو في (خلاف لفظي. . .) كما يقول الأصوليون.
محمود. ع. الشرقاوي. عالم من الأزهر
стр. 732
فلسفة كانت
للأستاذ زكي نجيب محمود
كانت الفلسفة وهي في مهدها مطمئنة إلى تلك الأداة التي اتخذتها سبيلا إلى تفهم الكون وما يحوي من سر مكنون، فكانت تأتمن هذا العقل الإنساني وتثق به وثوقا لا يعرف الشك، ولكنها ما لبثت أن اشتد ساعدها واستقامت على قدمين راسختين، فانقلبت على تلك الأداة نفسها، وداخلها الريب في أمانتها ودقتها فيما تنقل إلى ذهن الإنسان من صور العالم المحس، فتناولتها بالبحث والتحليل.
وتظن أن (لوك) كان أول من تصدى لذلك البحث في تاريخ الفكر الحديث، وقد انتهى بعد بحثه الطويل إلى إنكار الآراء الفطرية التي يقول دعاتها أنها تولد مع الإنسان كمعرفة الخير والشر مثلا، وأكد أن العقل عند ولادة الطفل يكون كالصفحة البيضاء، خالياً من كل شيء، وقابلا للانفعال بالبواعث المختلفة، فإذا ما مرت به تجارب الحياة المختلفة، تركت فيه آثارا لا تمحى، وطريق تلك التجارب إلى العقل هي الحواس وحدها، وليس في حنايا العقل أثر واحد لم يسلك طريق الحواس أولا، فالآثار الخارجية تنتقل إلى الذهن في احساسات مختلفة، ثم تولد هذه الاحساسات شتى الآراء والأفكار. وما دامت الأشياء المادية وحدها هي التي يمكن أن تنتقل عن طريق الحواس، إذن فكل معلوماتنا مستمدة من الأجسام المادية دون غيرها. ومعنى ذلك ان المادة عند (لوك) هي كل شيء.
ثم جاء (بركلي) وخطا بعد ذلك خطوة جريئة. فقد سلم بمقدمات لوك، ولكنه اختلف وإياه في النتيجة. ألم يقل لوك بأن معلوماتنا جميعاً مشتقة مما يجيء عن طريق الحواس؟ إذن فنحن لا ندري عن الشيء الخارجي الا الاحساسات التي تنبعث إلينا منه، والأفكار التي تتولد من هذه الاحساسات عند وصولها إلى الذهن. خذ تفاحة مثلا، فهذا لونها يصل إليك ضوءاً عن طريق العين، وهذه رائحتها تصل عن طريق الأنف، وذاك طعمها تعلمه عن طريق الذوق، وذلك ملمسها وشكلها يصلان إليك عن طريق أعصاب اليد، فإذا تناول هذه التفاحة كفيف البصر؛ علم عنها كل شيء الا لونها، وإذا كان فاقداً لحاستي الشم والذوق، اقتصرت معرفته على الشكل والملمس، فإذا فرضنا أن أعصاب يده فقدت عملها أيضا، أنكر صاحبنا وجود التفاحة في يده مهما قدمت إليه من وسائل الإقناع. فلولا الحواس لما
стр. 733
كان للأشياء الخارجية وجود بالنسبة إلينا على الأقل. فالحواس هي التي كونتها. ولذلك لم يتردد بركلي في إنكار المادة إنكاراً تاماً. ولا يعترف بوجود شيء الا حقيقة واحدة يحسها في نفسه وهي العقل.
أجهز بركلي على المادة فمحاها من صفحة الوجود، وأشفق على العقل فسلّم به، ولكن جاء بعده هيوم، فأبى أن يقف عند هذا الحد المتواضع من الإنكار، وسارع إلى العقل بمعوله فألقاه في هوة العدم! ما هذا العقل الذي يتشبث بوجوده بركلي؟ ابحث في نفسك بحثاً باطنياً وحاول أن تعثر على ذلك العقل باعتباره ذاتاً مستقلة، فلن تعود بطائل، ولن تصادف في نفسك إلاّ سلسلة من الأفكار والمشاعر والذكريات يسوق بعضها بعضاً. فليس ثمة عقل، ولكنها عمليات فكرية وصور ذهنية لا أقل ولا أكثر. وإذاً فقد انهار العقل كما انهارت المادة من قبل! وهكذا قوضت الفلسفة بفؤوسها كل شيء، ثم وقفت بين تلك الأنقاض الخربة لا تجد وقوداً يذكيها، فقد ضاع العقل وضاعت المادة ولم يبق لها منهما شيء!؟
ولكن الله قيض لها فيلسوفنا العظيم (عمانوئيل كانت) فأعاد البناء من جديد، وشيده على أسس قوية ثابتة لا تزال قائمة حتى اليوم. فقد أنكر بادئ ذي بدء ما ذهب إليه لوك والمدرسة الإنجليزية إنكاراً تاماً، لأن التجارب التي يقول عنها لوك أنها مصدر معرفتنا جميعاً، لا يتحتم أن تلازمها الصحة دائماً، فهي إن صحت نتائجها اليوم فقد تخطيء غداً، فضلا عن أنها تقتصر على الجزئيات ولا تتعداها إلى التعميم الذي ينزع إليه العقل بطبيعته، ومما لا ريب فيه أن لدينا من الكليات العامة ما يستحيل عليه الخطأ، كأن نقول مثلا أن ٢ ٢=٤ فهذه حقيقة لم نعتمد في تحصيلها على تجربة خارجية، وإنما اكتسبت ضرورتها من طبيعة عقولنا، فليس العقل الإنساني سلبياً، ليس قطعة من الشمع تولد خالية ثم تخط فيها التجارب ما تشاء كما ذهب لوك، كلا ولا هو أسم يطلق على سلسلة الحالات العقلية كما ادعى هيوم، انما هو عضو فعال، يتناول الاحساسات التي تأتي إليه من العالم الخارجي فيؤلف بينها، ويكون منها الأفكار المختلفة، ويصبها في القالب الذي يشاء. العقل الإنساني قوة إيجابية تعمل على تنظيم ملايين التجارب التي تصادف الإنسان في حياته، وتخلق منها وحدة فكرية منظمة! ولكن كيف؟
يجتاز العقل في ذلك مرحلتين: الأولى هي الانتقال من مجرد الإحساس إي وصول الأثر
стр. 734
إلى الذهن، إلى الإدراك، أي فهم ذلك الأثر المعين. والثانية هي الانتقال من هذه المدركات الجزئية إلى المعقولات والكليات العامة. وسنفصل هذا الإجمال فيما يأتي:
تأمل نفسك لحظة، تجد عدداً من المؤثرات لا يحده الحصر يندفع إليك ويتسلل إلى ذهنك عن طريق الحواس، فهذه عشرات الأصوات تنتقل إلى أذنك من جهات مختلفة، وتلك آلاف المرئيات تبعث ضوءها إلى عينيك، وها هو ذا جسمك يحس في كل جزء من أجزائه بالمؤثرات المختلفة: يحس نعومة ملابسك أو خشونتها. كما يحس الحرارة والبرودة. فهذه الاحساسات العديدة المختلفة التي تصل إلى ذهنك من أبواب متباينة، تسبح في العقل صماء دون أن يكون لها معنى خاص الا إذا تآلفت أجزاؤها وارتبطت بمكان وزمان، وذلك التأليف والربط لا بد لهما من قوة ايجابية، هي العقل. فأنت قد ترى اللون الأصفر وتحس الشكل الدائري، وتشم رائحة معينة، وتذوق طعما خاصا ولا يكون لكل تلك المؤثرات مدلول واحد، الا إذا جمع العقل هذه الأشتات وربطها بمكان خاص (في جسم برتقالة مثلا) وعندئذ ينتقل إحساسك إلى إدراك لهذا الشيء المعين. فالواقع إن الاحساسات الأولية ليست إلا مؤثرات متفرقة تجيء إلينا من الخارج. ولا يكون لها معنى بذاتها، وهذا ما يشعر به الطفل في أول حياته العقلية. إذ يرى لون البرتقالة ويلمسها بيده، ويشمها ويذوقها. ولكنه مع ذلك لا يعرفها فإذا ما نمت قواه العقلية، أخذت هذه المجموعة من الاحساسات تتجمع وترتبط بهذا الشيء، وبذلك ينتقل حسه إلى مرتبة المعرفة والإدراك، ولا تعود صفات البرتقالة تؤثر في ذهنه مستقلا بعضها عن بعض كما كانت الحال من قبل، بل تنتقل إلى ذهنه كتلة متحدة مترابطة لا انفصال فيها. ولكن كيف أخذت تتجمع هذه الصفات في الذهن حتى تكون منها كل لا يتجزأ له مدلول خاص؟ هل تم ذلك بطريقة آلية، أي أخذت تتراص بجانب بعضها البعض. فسارع لون البرتقالة ووقف بجانب الرائحة والطعم والشكل. حتى تكونت صورة البرتقالة في الذهن، دون أن يتدخل العقل في هذا التكوين؟ هنا يجيب (لوك) ومدرسته بالإيجاب وينكره (كانت) كل الإنكار: ولا يفهم كيف تتحد جزئيات الإحساس التي سلكت إلى الذهن ألف سبيل وسبيل من تلقاء نفسها، الا أن يكون هناك قوة تنظم هذه الفوضى الحسية، قوة تؤلف بينها وتوجهها في الطريق التي تريد. قوة تشكلها وتصبها في قالب المعنى. هي قوة العقل. وآية ذلك أن الإنسان يأتيه في
стр. 735
كل لحظة آلاف الاحساسات، ولكنه لا يقبلها جميعا، بل ينتقي من ذلكالجيش الجرار من الدوافع والمؤثرات ما يلائم حالته في تلك اللحظة المعينة، وهذا دليل قاطع على فاعلية العقل، ولو كان الأمر يتم بالطريقة الآلية التي زعمها لوك وهيوم، لما كانت هناك أفضلية لإحساس على آخر، بل يرغم الإنسان على قبولها بأسرها، فكل صوت يقرع الأذن لا بد أن يصل إلى الذهن، وهكذا في سائر الحواس. ولكن ليس هذا هو الواقع. فها هي ساعتي تدق على مكتبي أثناء كتابة هذا المقال، ولكنني لا أسمعها لأنني لا أريد أن أسمعها فإذا ما توجهت بإرادتي إلى استماعها، تم ذلك على الفور مع أن صوتها لم يرتفع عن ذي قبل. وقد تكون الأم نائمة مستغرقة في نومها، فتحدث جلبة شديدة. أو تمر موسيقى أمام البيت بطبلها وزمرها. فلا تستيقظ من نعاسها، أما إذا تحرك ابنها الرضيع في مهده حركة خفيفة، أو بكى بصوت منخفض، هبت من نومها مذعورة، فما الذي آثر عندها هذا الصوت الخافت على مئات الأصوات التي تقرع أذنها؟ ألا يكون هناك قوة فعالة تعرف كيف تختار من المؤثرات ما هو صالح ملائم.
خذ مثلا آخر يدلك على إيجابية العقل في الإدراك. . انظر إلى هذين الرقمين ٣، ٢، وأجر فيهما عملية الجمع، تسارع إلى ذهنك النتيجة وهي خمسة، ثم أقرأهما ثانية معتزما إجراء عملية الضرب تجيء إلى ذهنك نتيجة أخرى هي ستة. هاتان فكرتان أو نتيجتان مختلفتان نشأتا في الذهن من باعث واحد. وكان السبب في اختلافهما اختلاف الغرض الذي توجه به الذهن نحو ذلك الباعث، ويتضح من هذا أن العقل ليس مجرد آلة (كمرآة) تلتقط الاحساسات كما هي، وعلى رغم أنفها، ولكنه قوة تدعو من البواعث ما تريد. ثم تفكر فيها بأشكال مختلف. وهو يستعين في هذا التفكير بالغرض الذي يوجهه إلى المؤثرات الخارجية.
ولما كان لا مندوحة للعقل عن أن يفرض مكانا وزمانا يسند إليهما أثر الأحاسيس المختلفة. لأنه لا يستطيع أن يتصور مدركات مطلقة، فليس في مقدوره مثلا أن يفهم اللون الأبيض مجرداً عن (مكان) ولا أن يدرك حادثة الا إذا نسبها إلى (زمان)، إلى ماض أو حاضر أو مستقبل، أقول لما كان لا مندوحة له عن فرض الزمان والمكان لفهم المادة التي تقدمها له المؤثرات الخارجية. اخترعهما اختراعا، فهما ليسا حقيقتين في ذاتهما. أي ليس في الوجود
стр. 736
الخارجي زمان ولا مكان، إنما خلقهما العقل ليتخذهما وسائل للادراك، وسبيلا لصب المعاني في المحسات.
شرحنا فيما سبق كيف تنتقل الاحساسات المنبعثة من الأشياء الخارجية إلى إدراك، ونريد الآن أن نوضح الخطوة الثانية التي يجتازها العقل في أداء وظيفته، عند الانتقال من هذه المدركات إلى مرتبة المعقولات أي تصور العلاقات الكائنة بين أجزاء الوجود بعضها ببعض، وبعبارة أخرى تلك الخطوة التي يخطوها العقل من مرحلة التجارب الجزئية إلى العلوم الكلية. فكما أن للعقل قوة يتمكن بها من تنظيم البواعث المختلفة في قالب المكان والزمان، فيدرك بذلك معنى الأشياء، كذلك له قوة أخرى، تجيء بعد هذه، وهي التي تنظم تلك المدركات في قوانين عامة، كقانون السببية، وقانون الجاذبية، وما إلى ذلك من النواميس التي تبوب على أساسها معلومات الإنسان، وهذه العملية هي كنه العقل وطبيعته. فالعقل عبارة عن عملية تنظيم التجارب وتبويبها، وهو في هذا التبويب والترتيب إيجابي فعال، وليس كما توهم لوك وهيوم قطعة من الشمع اللين التي تشكلها التجارب المختلفة وإلا فهل تستطيع أو تتصور الوحدة الفكرية التي تشتمل على فلسفة (أرسطو)، والتي تكونت ولا ريب من جزئيات أتته عن طريق التجربة والحواس، هل تستطيع أن تتصور أن تلك الجزئيات قد نظمت نفسها بطريقة آلية حتى بدت متماسكة في فلسفة متحدة، دون أن يتدخل العقل في ذلك التنظيم؟
تخيل أن بطاقات دار الكتب قد انتثرت في غرفها واختلطت ألفها بيائها، فهل تصدق أن هذه البطاقات تستطيع أن تجمع نفسها وترتب صفوفها؛ وتسلك طريقها إلى قمطراتها في نظامها الأبجدي؟!
هل يمكن أن يتم ذلك دون أن يتدخل الإنسان ويتناولها بالترتيب؟
كذلك حال العقل مع المدركات، فهي في الكون شتيت متضارب، وهي تصل إلى الذهن في هذه الفوضى: ألوان متباينة، وأصوات مختلفة، وأذواق عدة، وأشكال متنوعة، فيأخذ العقل في ترتيبها وتبويبها حتى ينتهي بها الأمر إلى هذه العلوم المنظمة المنسقة، وبديهي أن هذا التنسيق لم ينبعث إلينا من الأشياء الخارجية نفسها، وإذن فقد أخطأ لوك كل الخطأ حين زعم أن العقل سلبي، تنقش فيه التجارب بطريقة آلية، فإذا لم يكن الأمر كذلك فهل يستطيع
стр. 737
لوك أن يبين لنا كيف ان التجارب الواحدة تؤثر في مجموعة من الرجال، فتخرج منهم هذا الغبي وذاك الفيلسوف؟
كلا! لا ندحة عن التسليم بإيجابية العقل وقوته في تكوين المدركات من الاحساسات أولا، ثم في تكوين المعقولات من المدركات ثانيا.
وإن صح هذا التحليل، فيكون العالم كما نعرفه من تكوين عقولنا وصنعها، فنحن لا نعلم عن الأشياء الخارجية إلا مظاهرها التي تنتقل الينا، وليس في مقدورنا أن نتغلغل في بواطنها، وقد تكون هذه الصورة الذهنية التي كونتها عقولنا عن العالم الخارجي بعيدة جدا عن الحقيقة في ذاتها، فنحن لا نعلم عن القمر مثلا إلا ما انبعث إلينا منه من احساسات زائداً ما عملته عقولنا في تلك الاحساسات، فتكونت لدينا من هذا المزيج صورة عقلية عن القمر، أما أن هذه الصورة العقلية تطابق الواقع أو لا تطابقه، فلا يستطيع البشر أن يجيب!
وهكذا أثبت (كانت) وجود المادة، إلا أنه أنكر أن تكون فكرتنا عنها على مثال الحقيقة الواقعة.
ثم يعود (كانت) بعد ذلك فيرفض ما زعمه لوك من أن العقل يولد كالصفحة البيضاء، ويؤكد في يقين انه إنما يرث شعوراً لا يأتيه عن طريق التجربة والحواس ولا بد لكل إنسان أن يسلم بوجوده، هو ذلك الشعور الذي يدلنا على أن هذا خير وذاك شر، هو ذلك الشعور الذي لا يفتأ يؤنبك إذا نبوت عن جادة الخير ويطمئن ما دمت سالكها، هو ذلك الشعور الذي تحس من أعماقك انك لو اتبعت ما يمليه عليك، وحذا حذوك البشر أجمعون، لكان الخير كل الخير. ذلك الشعور الذي يقف لك بالمرصاد والذي يولد معك. هو الضمير. ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر هذا الصوت الواضح الجلي الذي يضيق للشر ويطمئن للخير. فأنت قد تكذب. وقد تنهب حقوق غيرك. ولكن لا يسعك إلا الاعتراف ولو أمام نفسك إن هذا خطأ ولو خيرت لما رضيت أن يسود الكذب والسلب بين الناس. وكل إنسان على الإطلاق يحمل بين جنبيه هذا الوازع الذي لا تأخذه عن أعمالك سنة ولا نوم، والذي يملي على صاحبه في غير لبس ولا غموض ما يجوز عمله وما لا يجوز.
وهذا الخير الذي يمليه الضمير إنما يقصده لذاته على الرغم من انه قد يتضارب مع صالح الفرد تضاربا صريحا. فالمثل الأعلى الذي يصبو إليه هو أداء الواجب دون النظر إلى
стр. 738
السعادة الشخصية.
ووجود الضمير دليل قاطع على ما للإنسان من حرية الإرادة لأن معنى رقابته أن الإنسان يستطيع أن يسلك هذا السلوك أو ذاك. ولو كان الإنسان مرغماً على أن يسير في طريق مرسومة لما كان لهذا الضمير فائدة. وكذلك يدل وجود الضمير على خلود الروح. ذلك لأن الحياة الدنيوية لا تأخذ المجرم بالقصاص في كل الأحيان، لا بل تضرب لنا الحياة آلاف الأمثلة بأن الشر هو السبيل إلى السعادة الشخصية، تعلمنا الحياة أن نمكر بالآخرين وأن من لا يظلم الناس يظلم، ولكنا على الرغم من ذلك ننشد الخير وننبذ الشر، فهذا الشعور لم يستمد من الحياة طبعا، فمن أين جاءتنا تلك النزعة للخير إذا لم نكن نعلم في أعماقنا أن هذه الحياة الدنيا ليست كل شيء، بل هي جزء من حياة ثانية خير وأبقى من الأولى، وأن هذا الطيف الزائل ليس الا مقدمة لبعث جديد؟
ثم يستطرد (كانت) في هذا المنطق، حتى يصل إلى إثبات وجود الله ، لأنه إذا كان الشعور بالواجب الذي يمليه الضمير بتضمن الدليل على حياة أخرى خالدة تجزي كل امرئ بما قدمت يداه، فهذا الخلود ناشئ بالضرورة عن سبب يلائمه، كي تتكافأ العلة والمعلول، أو بعبارة أخرى لا يمكن أن تتفرع الحياة الخالدة الا عن إله خالد.
هذا هو البناء الشامخ الذي شيده كانت، ولا يزال قائما في عالم الفلسفة تعمل فيه معاول الهدم فلا تنال منه الا كما تنال الريح الهينة من الجبال الشم الرواسخ، وعلى الرغم من أن كتاب القرن التاسع عشر حاولوا أن ينقضوا رأيه في الأخلاق والدين فقال قائل أن ليس ثمة ضمير يملي الخير، لأن الخير ليس مطلقاً فما هو خير اليوم قد يكون شرا غدا؟ وسخر ناقد من منطق (كانت) في إثبات وجود الله، فقال انه (كالحاوي) الذي يخرج من قبعته الفارغة ما يشاء، يريد بذلك انه انتزع نتيجة من مقدمات لا تؤدي إلى ذلك. أقول على الرغم من ذلك جميعا فلا يسعنا إلا أن نطأطئ الهامات إجلالا له وإكبارا.
стр. 739
المغنية الضريرة
من رسالة إلى صديق
أنت تأخذ على تبرمي بالحياة وانقباضي عما تزخر به القاهرة من شهوات السمع والبصر. ولكن أنسيت أن العين التي بيضها الحزن لا تستطيع أن تجتلي جمالا يرف في روضة، ولا حسنا يشرق في طلعة. وأن الفم المريض أزهد ما يكون في طعام وشراب. أنسيت أن صديقك كان يقطع أيام الشباب في مثل طلعة الصبح إشراقا وبهجة. ثم أمسى وقد استحال كل أولئك إلى ذكريات أليمة تعاوده في غرفة معزولة تدور به في مثل حلقة الواو كربا وضيقاً، فهو أبدا موصول الحنين متتابع الزفرات. أنسيت آمالي وأحلامي؟ (أما الآمال فقد عصفت بها النكبات حتى أحالتها إلى هشيم تذروه الرياح) وأما الأحلام فأنت تعرف أنها تكشفت عن رجاء ضائع وشباب هالك وحسرة لذاعة من شماتة الأعداء. ولكن مالي وللحديث في هذا ولست بسبيل من أن أتحدث إليك فيه اليوم؟ وإذن فدعني أحدثك حديث المغنية الضريرة التي سمعتها ليلة الأمس في حفل سعيت إليه في رفقة من الأصدقاء على الرغم مني. . . هي حلوة القسمات بديعة التكوين جميلة كالزهرة تسند في حدود الخامسة عشرة من عمرها. . . أخذت مجلسها على استحياء فيما يشبه أن يكون ذلة وانكساراً وشيئاً من الخجل غير قليل. وصدقني أن مرد ذلك فيما أعتقد أنها فقدت بصرها وهي طفلة لم تدرج بعد من لفائف مهدها. . وما أحسبك تعتقد أن سلاح المرأة في هذه الدنيا شيئا غير سهام العين. وفتنة اللحاظ ترسلها ذابلة مريضة، فإذا بها السيف حدة ومضاء، والشرك المنصوب لا يخطئ الفريسة ولا يعد والغرض. ولكن الأقدار التي قست عليها فجردتها من سلاحها الوحيد كامرأة لم تشأ أن تقسو عليها القسوة كلها فمنحتها صوتا عذبا حنونا يفيض بالأسى وتقطر من جوانبه اللوعة. . . وارتفع صوتها بالغناء حزينا شاكيا يهيج ودائع القلب. ويستدر روافد الدموع.
أتعرف ذلك البلبل الذي هاجمته جيوش الظلام. قصياً عن العش الذي عرف، والدوح الذي ألف، والنبع الذي منه رشف، والجو الذي في أنحائه غنى وهتف، أسمعته وهو بين لهفة إلى مهوى الفؤاد تقيمه، ووحشة من رهبة الليل تقعده، يصب ألحانه في إذن الوجود باكية حزينة تهز أوتار القلب. وتنتزع منه العطف والإشفاق والرثاء؟ أسمعته يشكو بغير لسان،
стр. 740
ويبكي بغير دموع فيبعث لك من الماضي البعيد كل دفين ومستور؟ إن كنت سمعته على هذه الصورة التي أسلفت لك. وكنت مثلي تحيا على أمل عزيز لديك ففقدته، وكنت مثلي تذيب حبة قلبك وجداً على حبيب يجزيك على عبادته كفرانا وجحوداً وعلى دمعك المسفوك ووجدك المبرح هوانا ونسيانا. إن كنت كذلك فأنت وحدك الذي يستطيع أن يدرك ذلك الأثر العميق الذي خلفته في نفسي تلك الفتاة الناشئة بصوتها الساحر الجميل. غناء كأنفاس الفجر ندية لينة، وشدو يصافح الأسماع في رفق ولين كنجوى العاشقين في هدأة السحر وقد بسمت لهما الدنيا وهاودتهما الأقدار والسلام!!.
عبد الوهاب حسن. قلم نشر مطبوعات الحكومة بوزارة المالية
следующие страницы →