Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
وفجأة تبينت أن ذلك ما كانت تخشاه دائماً منذ أيام صباها. وكذلك كانت تخشى وقوع هذا الأمر. ولما كانت هذه الأفكار المحزنة هي رفيقتها الوحيدة في تسيارها، فقد نسيت بتاتاً اتباع علائم الطريق أو تتبع الأثر، حتى أصبحت لا تعرف المكان الذي وجدت به، ورأت أمامها شجرة من البلوط خيل إليها أن لها بها سابق معرفة، ولكن شجرة البلوط تلك كانت في أعماق الغابة، ولا يمكن أن تكون قد قطعت في تجوالها كل هذه المسافة. وأنصتت إلى أصوات البقر أو صوت نداء راعيها. ولكنها لم تسمع إلا سقسقة العصافير
وجلست على صخرة ووضعت يدها فوق عينيها. ولكن ذلك لم يفدها شيئاً، إذ أن قلبها كان ينبض بشدة، وانتابتها أفكار شاردة أفزعتها. فقد سمعت من قبل عن أناس ذاقوا الأمرين في هذه الغابة، وضلوا الطريق فيها أياماً وأسابيع، وقد وجد أحدهم ميتاً
ولم تطق القروية صبراً على الجلوس هادئة حتى تتبين معالم الطريق، فقامت لساعتها تضرب في الغابة من جديد دون أن تفكر بعد هذا في البحث عن الأبقار بل أتجه تفكيرها إلى البحث عن الطريق المؤدية إلى دارها
وبعد أن سارت طويلاً دون أن تدرك أين هي، انبثق النور فجأة وتفتقت أمامها الأشياء وتجلت، إذ أخذت الغابة نهايتها، وبينت قبالتها (دواراً) فخماً لأحد الريفيين
وما كادت تلمحه حتى وقفت مبهوتة. إذ هي تعرف عن يقين أنه لا يوجد في هذه المنطقة دوار آخر غير الذي تملكه. وما رأته ألان لن يكون إلا سراباً وصورة كاذبة.
هذا أسوأ شيء رأته، فقد سحر عفريت الجبل أعينها. ولم تبحث عن دوار الجن ولم تجسر على النظر إليه، ولكن أعينها امتدت دون أرادتها إلى ذلك البناء الذي لم تر قط أبدع منه. لقد كانت الدار حقاً قديمة ولكنها مدعمة متينة. وكانت المخازن والأهراء عديدة فسيحة إلى حد أنها تكفي قرية بأملها
قالت لنفسها: (أنه مع ذلك لا شيء هنالك يخالف ما عندي، اللهم إلا أن هذا أجمل وأعظم أضعافاُ مضاعفة. نعم، إن عفريت الجبل لا يهمه الثمن. وقد يخيل إلي أن هذه الدار مشيدة من أشجار البلوط. إذا لم أكن قد سحرت وكانت عيناي تتبينان الأشياء على حقيقتها، فلن يبقى من كل هذه العظمة غير كومة من النمل)
ثم رجعت ثانية إلى الغابة، وكانت تتسلق هضاباً صعبة المرتقى وتنزل غيرها وعرة
стр. 6757
المنحدر، ومع ذلك لم تجد طريقاً، أو علامة الأميال، أو كوخاً ينشر فيه الخشب، حتى ولا منحدر ماء يصح أن يكون نجماً تهتدي به في طريقها. وكانت تسير وكأنها في قاع بحر خضم اخضر لونه. قالت في نفسها: (هنا وجب علي المسير حتى تعمني موجة خضراء وتطويني ضمنها)
وفيما هي سائرة إذا بها قد وصلت إلى طرف الغابة مرة أخرى. ورأت ثانية نفس الدار الفخمة
وهنالك تلك الدار. وعلى نوافذها ستائر بيضاء، ويتقدمها بضع أشجار من التفاح منبثقة. وكانت مدهونة بدهان أحمر جعلها تتألق في الزينة، حتى لكأنها مشتعلة وسط البقعة الخضراء كحشرة السعادة في ليلة صيف على طريق أخضر يفصل حقلين
وكانت في هذه المرة قريبة منها لدرجة مكنتها من رؤية كل شيء فيها. وكانت آلات الحرث والزرع والعربات موضوعة في مخازنها، كما كانت الأخشاب مصفوفة صفاً. وكانت العربات تسير دون التواء بين الحقول. وكانت الخيول القصيرة الجميلة القوية البناء الممتلئة كالتي تتمناها، ترعى في المراعي التي تأثرت بالصقيع
وكلما أنعمت النظر في كل شيء فيها أثار ذلك إعجابها، وقالت في نفسها: (أي، لو أن هذا الدوار الريفي لي، للذ لي المقام فيه؛ نعم إني أراه منعزلاً بعض العزلة غير أنه جميل للغاية، ومن أمامه البحيرة ومن خلفه الجبل)
وقالت في نفسها (ذلك الرجل الذي يسير الآن بين مباني ذلك الدوار الريفي ليخرج الخيل، لاشك أنه صاحب المزرعة، ولم أر في يوم من من أيام حياتي رجلاً سمهرياً قوياً مثله)
ولكن فرحها الأعظم كان بقطيع البقر الذي خرج تواُ من الغابة ووقف عند طرفها
وقالت في نفسها: (هذه الأبقار مسحورة، لا يشك في ذلك كل من يراها. ضرع طويل وحوالب متوازية. وجميعها ذات لون أحمر كالجمر، أن حلب مثل هذه الأبقار لهو الفرح بعينه. . . . كم لتراً من الألبان تدر هذه الأبقار يا ترى؟)
وشعرت بأن ذلك الأغراء يتزايد عندها ويدفعها إلى التقدم نحو البقر المسحور لتحلبه، ولترى ذلك الدوار الريف الفخم، الذي نسق كل شيء فيه أحسن تنسيق. وتشككت في ضعف طبيعتها. وأخيراً تقدمت نحو الدوار المسحور
стр. 6758
ولما وصلت إلى حيث وجدت البقر مستلقياً على الأرض استقبلها بخوار من الفرح. ووقفت لتراه، فتقدمت قائدة البقر ووضعت خيشومها في يدها كأنها اعتادت أن تجد شيئاً من لذيذ الطعام في هذه اليد
فأدركت أن هذه الأبقار لا يمكن أن تكون إلا أبقارها. لقد ميزتها من جديد وهي تعرف اسم كل منها
ولكن كيف يتفق هذا وذاك؟ كيف يصح لأبقارها أن تنام عند طرف الدوار الريفي المسحور؟
وفي نفس اللحظة انفتح باب الدار. وخرجت منه بنت صغيرة ذات شعر ذهبي مسترسل، وكانت مرتدية جلباباً أزرق مفوفاً حافية القدمين. هذه كانت ابنتها. ففتحت باب الحاجز. وأخذت الطفلة بين ذراعيها وضمتها إلى صدرها، وقالت لها: (إنك طبعاً ابنتي، ولكن لَم أنت هنا؟)
وقالت الطفلة: (إنني طبعاً هنا حيث يجب أن أكون.)
ووقفت القروية حيرى لا تعي شيئاً. وفي تلك الأثناء بدأت الطفلة التي لا زالت بين ذراعيها تمسح بيدها شعر أمها وتصففه. وبدأت ترفع قناع الرأس الذي أنحدر إلى العنق. ورأت أن أمها ليست كما كانت عليه من تألق وانشراح. ولكن العقدة انحلت وأصبح قناع الرأس في يديها
وقالت الأم (انتظري قليلاً، أديري هذا الرباط على وجهه الآخر قبل أن تعقديه ثانية.)
وظنت أنها بهذه الوسيلة قضت على كل الخيالات التي انتابتها، كما كانت هذه وسيلتها من قبل. وفجأت رأت الضالة أين هي
فهي في دوارها الذي تملكه. هنا حيث ولدت وشبت، ولكن الشيطان قد مسها قبلاً ' لى حد لم تعرف معه دوراها
ووقفت والطفلة على ذراعيها ترمي بنظرها إلى ما حولها، لا، إن هذا الدوار الريفي جميل وعظيم جداً إذا ما نظر إليه المرء باعتباره أجنبياً عنه. الآن عرفت أن لا مثيل له في تلك المنطقة، وكانت تريد تركه. إن كل ما عداه أصبح بغيضاً لها!
وارتأت أن لابد من الذهاب إلى زوجها، وأن تحدثه بكل ما جرى، ولم تقبل ابنتها مفارقتها،
стр. 6759
وكانت كأن الزوج والطفلة قد التقيا بها بعد فراق طويل
وقال الزوج: (على الأقل ليس هذا السحر الذي مسك بالسحر البغيض. وقد يستفيد الغير فائدة محققة لو أنه وقع لهم مثل هذه الحوادث. أنظري الآن، إنك لم تدركي من قبل ما في دارك هذه. عليك أولاً أن تجوبي العالم وتضلي الطريق مرات عدة حتى تنظري بمثل هذه العين وتدركي قيم الأشياء على حقيقتها
فقالت القروية: (نعم، الحق معك، ومن الحسن أيضاً ألا يضل المرء كثيراً لدرجة يتعسر عليه معها الاهتداء إلى داره.)
عربها عن الألمانية:
ا. ا. ي.
стр. 6760
من روائع الشرق والغرب
الوحدة
'
لشاعر الحب والجمال لامرتين
استسلم لامرتين بعد فجيعته في حبيبته (جواليا) إلى الهم، وأستأنس بالوحدة، واستكان للعبرة، وخلا إلى الحزن في خلوات (ميلي) ومن هناك بعث إلى صديقه (فريو) بهذه القصيدة في ٢٤ أغسطس سنة ١٨١٨ وهي:
جلست محزون القلب، مستطار اللب،
على قلة الجبل، وتحت ظُلة السنديانة
العتيقة، أشيع شمسي النهار وهي تغرب،
وأسرح بصري في وجوه السهل وهي تتغير
فهنا النهر صخاب الموج، جياش
الزبد، ينساب في جوف الوادي، ثم يضل
في ظلام البعد! وهنا البحيرة راكدة
السطح، راقدة الماء، تتراءى في جوانبها
نجوم الليل!
والطفل لا يزال يلقي على رءوس
الجبال الشجراء ومضا من شعاعه، وملك
الليل قد أخذ يصعد إلى عرش السماء في
محفته الندية، فأشرقت جوانب الأرض،
وازدهرت حواشي الأفق
وناقوس الكنيسة الغوطى قد أخذ
يقرع الهواء برنينه الديني، فكف الفلاح
عن العمل، ووقف السائر عن المسير،
واختلطت هذه الأرانين المقدسة بما بقي
стр. 6761
من ضوضاء النهار وصخبه!
ولكن نفسي كانت من كل هذا
خلية، فما تبعث فيها هذه المناظر الجليلة،
ولا تلك الصور الجميلة، نشوة ولا بهجة!
لقد كنت أتأمل الأرض وكأنها ظل
منتقل أو خيال طائف!
إن شمس الأحياء لا تدفئ الموتى!
فكنت أنقل عيني من الربى إلى
الجبال، ومن الجنوب إلى الشمال، ومن
ظلمة الغسق إلى حمرة الشفق، وأنفض
السهل والوعر، والمأهول والقفر، عسى
أن أجد لنفسي سعادة في مكان، أو أتوسم
لقلبي راحة في إنسان، فلا أعود بطائل!
وما تصنع لي هذه الوديان والأكواخ
والقصور، ما دمت لا أجد لجمالها في عيني
روعة، ولا لسحرها في قلبي فتنة؟؟
أيها الأنهار والأحجار والغابات
والخلوات العزيزة علي!! إن غيبة مخلوق
واحد من ربوعكن جعل عامركن خرابا،
ورد أنسكن وحشة!!
سواء علي أتطلع الشمس أم تغرب،
وتصحو السماء أم تغيم، ويظلم الليل أم
ينير الصبح، فليس لي بغية في اليوم ولا
رجية في الغد
وحينما أرسل عيني تتبعان الشمس في
стр. 6762
مدارها الرحب القصي، لا أبصر في كل
مكان غير الفراغ والخلو! لا حاجة لي إلى من
تظله السماء، ولا رغبة فيما تنيره الشمس!
ولكن من وراء هذا الفلك الدائر
وهذه الشمس الساطعة أمكنة أخرى
تسطع فيها الشمس الحقيقية! فلو أتيح
لنفسي أن تخلص من قفصها لرأت في تلك
السموات حبيبها الذي طالما بكت عليه،
وحنت إليه!
هنالك انتشى من رحيق الغبطة،
وأظفر بالأمل والمحبة، وأنعم بما تاقت إليه
نفسي من مُتَع لا تمر على سمع ولا تدور بخلد
ما أعجزني أن أطير إليك وأنا مثقل
بقيود المادة، خاضع لجاذبية الأرض!!
وليت شعري لماذا قضى الله أن أبقي إلى
الآن في أرض المنفى وما تربطني بها رابطة،
ولا تصلني بأهلها صلة!!
إذا ما ذوت الأوراق في المرج،
وأسقطها قر الخريف في الوادي، هبت
عليها الشمال فذهبت بها أباديد! وأنا بهذه
الأوراق الذابلة أشبه! فاحمليني أيتها الريح
كما حملتها، وانثريني في وجوه الفضاء كما
نثرتها، فما بعد الصباح إلا المساء، وما بعد
اليأس والوحدة إلا الفناء!
الزيات
стр. 6763
من الأدب الهندي
للشاعر الهندي خسرو الدهلوي
ارتفع العُقاب من الصخر إلى اللوح، ينفض للصيد جناحه ويصيح، واعجب ببسطه جناحه وقال: وجه الأرض اليوم تحت جناحي الطوال، أين في العالم ندي في هذا الفضاء؟ ما النسر وما السيُمرْغُ والعنقاء؟ هاأنذا أطير في الأوج وينفذ بصري الحديد، إلى الشعرة في قاع البحر البعيد، ولا تتحرك ذبابة على اليبس إلا بصرت باضطراب جناحها. وتمادى به العُجب ولم يخش القضاء، فانظر ماذا فعل به فلك السماء: صوب إليه قوساً من الكمين، فأنفذت فيه سهم القضاء المتين، أصاب السهم القاتل جناح العُقاب، فهو من الأوج إلى التراب، وقع على الأرض يضطرب، اضطراب السمكة وينتحب، ثم أدار عينه ذات اليمين وذات الشمال، فبلغ منه التعجب وقال: أني لقطعة من الخشب والحديد، هذه الحدةُ والسرعة والطيران البعيد؟ فلما أنعم النظر في سهم العذاب، رأي عليه ريش عقاب، فقال: من نبكي ولمن نشكو آلامنا، ومن أنفسنا هذا الذي أصابنا؟
وله أيضاً
طلبت أذني اسمك في كل مكان، ونحرت عيني وجهك في كل ناحية، ضربت برأسيكريح الصبا في كل باب وجدار، إذ ذهب وردي الضاحك وبقيت رائحته
الشاعر الهندي بيدل
إنما يأسرنا إحسان المنزهين عن الأغراض، فان شئت أن تصطادنا فانثر حبك بعيداً من الشباك
стр. 6764
من الأدب الفارسي
للشيخ سعدي الشيرازي
الملك حارس الرعبة وإن تكن له الدولة والصولة، فليس القطيع من أجل الراعي، ولكن الراعي لخدمة القطيع
وله أيضاً
يا طائر السحر تعلم العشق من الفراشة. قد احترقت وماتت ولم يُحس لها صوت. هؤلاء المدعون لا خبر عندهم في طلبه، أما الذين عرفوا الخبر، فلم يعرف لهم أثر
لمولانا جلال الدين الرومي
كان رجل يُسر إلى داره كل حين أن لا تسقطي قبل أن تنذريني. فانقضت الدار ليلة عليه بغته. فقال: كَثُر ما أوصيتك، وشد ما حذرتك! ألم أقل لك أنذريني قبل أن تنقضي لأفر عنك بعيالي! ما أخبرتني أيتها الدار الغادرة! فأين حق الصحبة الطويلة؟ لقد سقطت وأصبتنا بشر المصائب!
أجابت الدار مفصحة: كم كم أنذرتك ليلاً ونهاراً! كنت كلما فسحت من الصدوع فما، أن قد نفدت طاقتي وجاء الوقت فخذ حِذرك، دعاك الحرص إلى أن تسد فمي بالطين، فلم تدع لي صدعاً يبين، كلما فتحت فما في جدار، أخرسته علي بدار، فلم تدعني أنيس، فماذا أقول أيها المهندس؟
للفخر الرازي
ما حرًم قلبي العلم ساعة، ولم يبق سر إلا كسفت قناعه، فكرت اثنتين وسبعين سنة نهاراً وليلاً، ثم علمت أني ما علمت شيئاً
لابن سينا
تداولت مشكلات العالم بالحل، من تحت التراب إلى أوج زًحل، ولم تأسرني القيود والحيل، فحللت كل عقدة إلا الأجل!
عبد الوهاب عزام
стр. 6765
من هنا ومن هناك
الشعر الغنائي عند العرب وعند الايسلنديين
نشر الدكتور ج. أيستروب المستشرق الكبير بحثاً ممتعاً في الموازنة بين الأدب العربي قبل الإسلام وبين الأدب الأيسلندي في جاهليته، أي قبل الغزوات الشمالية. ولخص الدكتور نتيجة هذا البحث في مقال نشره في مجلة (جاتس دانسك مجزين الدانمركية) وهاك خلاصة رأيه:
يرى الدكتور أن هناك مشابهة قوية بين الأدبين: في الإلهام والعواطف وطرق الأداء. ومن الواضح أنه لم يقع اختلاط بين الشعبين في تلك العهود، إلا أن الدكتور يعزو ذلك التشابه إلى الأحوال الجغرافية التي فرضتها الطبيعة على الشعبين، وإلى الحياة الاجتماعية المماثلة التي نشأت عن تلك الأحوال: فايسلندا كانت عزلة عن العالم بالمحيط الأطلسي، وبلاد العرب كانت كذلك معزولة بالبحار والصحاري، ومن ثم كان الشعبان يحييان حياة محصورة، ويعيشان عيشة قبلية مستقلة، كل فرد فيها مستقل في حياته الاقتصادية عن الآخر
والطبيعة في كلا البلدين وعرة قاحلة تجعل جهاد العيش شاقاً مرهقاً؛ وأشد المشابهات وأعجبها بين الأدبين يرجعها الدكتور إلى الفخر والزهو اللذين يتميز بهما أفراد الشعبين، ويرى أن هذا الاعتداد بالنفس أثر من آثار الانعزال والاستقلال؛ وانعدام الحوادث الاجتماعية الكبيرةمن بيئتهم جعل الأعمال الفردية الضئيلة في نظر أصحابها أساسية جليلة
والهجاء عند قدماء الأيسلنديين والعرب فاحش مقذع، ولكنه شكل ثانوي لأدب شخصي بطبعه أخص صفاته أنه شخصي لأنه صدر عن قوم شخصيين انطووا على أنفسهم واستمدوا من عواطفهم. والشعر الغنائي على عكس الشعر القصصي يعبر عن آلام النفس وسرورها، وهذا الألم وذلك السرور لهما أثر كبير في تلك الحياة الأولية الساذجة. وبين هذا النوع من الأشعار التي نجد أكثرها مؤثراً واقلها عظيماً فروق جوهرية
وإذا كان العرب والأيسلنديون قد انصرفوا جميعاً عن الحياة اليومية الواقعية، وكانت لغتاهما تنمان على الصناعة اللفظية والأناقة الأرستقراطية، فان من خصائص العرب أنهم وجههوا همهم إلى الصور البيانية، ومن خصائص الأيسلنديين أنهم لا يعنون إلا بالنعمة
стр. 6766
الموسيقية
стр. 6767
بين المسرح والسينما
كتب الأستاذ لويس جوفيه في مجلة (لموا) عن الصراع القائم بين المسرح والسينما قال:
تنبأ بعضهم منذ طويل بموت المسرح، ولكن لينور ماند في روايته الأخيرة (شفق المسرح) قد أرسل في الناس نداء مؤثراً دعا فيه إلى إحيار الفن التمثيلي. ونحن كذلك جماعة صحت عزيمتهم على ألا يدعو أنفسهم فريسة لذلك الجبار كنج كنج - وهو السينما
وهذا الموسم التمثيلي قد جاء حجة لنا على ذلك. فأنا لم نشهد موسماً مثله قد فتح بمثل هذه القطع الرائعة، ولا قطعاً كهذه القطع استمر تمثيلها مدة طويلة. لا أريد أن أقدم أرقاماً مخافة أن أخطيء، ولكن أحداً من الناس لا يستطيع أن يمادي في نجاح (كما تحب) و (مس با) و (العهد الجديد) و (أمل) وروايات أخرى لا تقل عنها
إن هناك غير هذا الجمهور الضخم الذي يذهب إلى السينما، ولا يذهب إلى غيرها، جمهوراً يحب المسرح. وهو جمهور محصور من غير شك، ولكنه ارهف ذوقاً، وأصفى قلباً إلى المظاهرات الفنية مهما تكن. ولماذا نعارض المسرح بالسينما وكل منهما فن قائم بذاته؟ فللسينما طرق للتعبير والبيان غير محدودة، وهو في اعتباري طريقة ناجعة لتبسيط الأمور إلى أذهان الجمهور.
أما طرق التعبير في المسرح فضيقة قليلة، ولكنك ترى رجالاً أحياء، وذلك ما لا تستطيع السينما أن تعوضك عنه. فالإخراج وحده هو الشيء المتماثل في السينما والمسرح، وفن إدارة الممثلين فيهما واحد، ولكن النظام الآلي أضيف إلى ذلك في الاستديو، وأصبح شديد الخطورة والأهمية حتى صار الميكيانيكي هو المخرج.
قدم إلى المسرح روايات جيدة يأتك الفوز من تلقاء نفسه. لقد سئم الجمهور هذه الحكايات الصغيرة الداعرة التي ظلت أثناء زمن طويل موضوعاً لروايات المسرح. لإن هذه القصص المبتذلة الكالحة أصبحت لا تهم أحداً، ولا تزيد في الميزانية فرنكاً واحداً
إن شباب اليوم الجديد العملي يريد شيئاً آخر، فما هو ذلك الشيء. هو شيء يسيغ لهم الحياة اليومية، ويهون عليهم متاعبها، ويخفف عنهم مصاعبها. والمسرح لمن يحبونه هو النسيان والسلوان والترفيه من عناء الأعمال العادية. نحن ظماء إلى العجائب والروائع. نتمنى أن يوحي المسرح إلينا الأحلام، ويفجر لنا ينابيع جديدة للشعر. نريد من المسرح أن
стр. 6768
يكون مثابة للعجائب والسحر لا صورة سمجة للحياة اليومية
احملوا إلى مديري المسارح الروايات الجميلة، فقد مضى الزمن الذي كانوا يعتذرون فيه بضيق الوقت عن قراءة المخطوطات. . . لم يعد منها شيء. والشبان قد انصرفوا إلى القصة وأحجموا عن الرواية، كأن هؤلاء الشبان الذين نتكئ عليهم ونركن إليهم ونعتقد أن مساعدتهم ضرورية للمسرح، يخشون أن يتقدموا إليه
فليتقدم المخلصون للمسرح في هذه الساعة التي نشبت المعركة بينه وبين السينما فيضمنون فوزه ويؤمنون نجاحه بالإقبال عليه والكتابة له
стр. 6769
الشعر والعصور الأولى
نشرت (المصور) التي تصدر في فينا دراية ممتعة في مؤرخ الأدب وناقده الألماني والترمشج جاء فيها عن الشعر باعتباره إرثاً للتقاليد ما يأتي:
(الفن هو تقاليد ورثناها منذ عهد لا يدخل في حدود الذاكرة، إذ لا شيء في الوجود يعرض أمامنا إلا وهو يعود بأصله إلى تلك الصور والنقوش التي رسمها ونقشها إنسان أفريقيا الوحشي صوراً لأجداده وصيده، ومن ثم اتخذها آلهة يؤدي إليها فريضة العبادة
وبرغم ما بين الماضي والحاضر من التباين البعيد، فان من المستحسن البحث في حقيقة ارتقاء الفنان بقدر ما نعنى تتبع الخطوات الأولى التي مرت على الإنسان في حداثته. والأمر كذلك في الشاعر، إذ هو صورة للعالم تعبر عنه في عصر ما، وتلك صفة هامة تسبق أهميتها الاصطلاحات التي يستعملها ليخرج في إطارها تلك الصورة
وعلى قاعدة هذه الحقيقة الهامة، سهلت اليوم دراسة تاريخ الأدب والفن. فالخالق الذي يرتبط بعملية الخلق ويفيد العالم على أساس هذه العملية يختلف عن حضري مثقف بأعماله العقلية التي يقدمها إلينا. إذ لا نستطيع أن نتفهمها حتى نعود به إلى ماضيه الذي لا يزال مستقراً في قرارته
هذا وقد رسم لنا فرويد ذلك الجسر الذي يصلنا بذلك العالم المشبع بتلك التقاليد والفكر، وهذا الجسر هو الأحلام الخيال موحى الشاعر
وما من شعر رصين إلا ان له صلة بذلك العالم الأول، صلة بذلك الخيال البعيد المغمور بالأحلام
والشعر لا يثير إعجابنا ودهشتنا إلا لأنه مبعث الفكر عميقة، لم يأت بعد إدراك حقيقة طبيعتها. وعودة الشعر إلى ذلك العالم المغمور هي السبب في أن الشاعر يُرى بين أهل وطنه غريباً، كما أن موقفه يختلف عن موقف رجل يمتهن حرفة التجارة، كذلك ليس في وسعه أن يختلط بأهل عصره ويسايرهم في أفكارهم، لأن ذلك يعد حياداً عن طريقه الذي يجب أن يسلكه بين أناس يحيطون به ولا يعرفون قدره حتى يبلغ رسالته
стр. 6770
البريد الأدبي
كتاب عن لوتر
صدر أخيراً في فرنسا كتاب عن مارتن لوتر زعيم ألمانيا الروحي، وقد صدرت عن لوتر كتب عديدة بمختلف اللغات، ولكن هذا الكتاب الأخير يمتاز بطرافة تصويره للرجل الذي صدع من وحدة الكنيسة الرومانية واستطاع بثورته عليها أن ينشئ إلى جانبها مذهباً نصرانياً جديداً هو (البروتستانتية) الذي تتبعه عدة من الأمم العظيمة مثل ألمانيا وإنكلترا ومعظم الشعب الأمريكي. وهو من وضع العلامة المؤرخ فرنز فونك برنتانو عضو المجمع العلمي الفرنسي. وفونك برنتانو مؤرخ وافر البراعة والقوة، وافر الطرافة قبل كل شيء، وهو اليوم في نحو الثمانين من عمره ولكنه ما زال دائب البحث والإنتاج، وكتبه وبحوثه تثير دائماً في الدوائر العلمية كثيراً من الاهتمام والتقدير. وله في بعض الشخصيات والمسائل التاريخية نظريات جديدة؛ مثال ذلك أنه في كتابه عن (لوكريزيا بورجيا) ابنة البابا اسكندر السادس يذهب في شأنها إلى رأي جديد، ويصور هذه المرأة التي صورتها التواريخ والقصص، عاهراً من أشنع وأخطر نوع، سيدة عفيفة وزوجا أمينة مخلصة، وقديسة محسنة، ويدعم رأيه بالوثائق والوقائع التاريخية؛ ومن رأيه أيضاً أن لويس الخامس عشر ملك فرنسا الفاجر المتهتك، قد ظلمه التاريخ، وأنه لم يكن كما صور من إغراق في التبذل والغواية، وأن سجن الباستيل لم يكن دائماً كما تصوره التواريخ معتقلاً مروعاً تخمد فيه الرغبات والأنفاس، ولكنه في أحيان كثيرة كان يغدو من الداخل قصراً أنيقاً تقام فيه المآدب والحفلات الشائقة، بل وتهب فيه ريح الغرام والحب؛ وهكذا
أما لوتر فمن هو وما هو؟ هو نوع من البركان أو اللهب تنفست عنه ألمانيا في القرن السادس عشر، وهو ليس بقس فقط يحاول ثورة على الكنيسة، ولكنه رجل عظيم يضطرم بالمثل الإنسانية العامة؛ ومتصوف لا تضيره العزلة، ولكنه لا يرى الكمال في إخضاع النفس والشهوات؛ وهو من الوجهة الاجتماعية (محافظ)، وقد بذه من الوجهة الأخلاقية أحبار مثل البابا اسكندر بورجيا، فلم يخرج على الأخلاق والحشمة خروجهم، وما هو الزواج وشرب النبيذ؟ وقد أثارت نزعة (الأحياء) كل مسألة في كل مكان، ولكن لوتر لم يثر سوى مسألة واحدة هي (تنظيم الجمهورية النصرانية) ثم هو يمثل في ثورته روح
стр. 6771
الوطنية الألمانية الصميمة، فهو يبث الرعب والروع من حوله، ولكن من ورائه، بعيداً عن الفكرة الدينية، شعوب ألمانيا كلها؛ أحباراً وأمراء وشعباً
ومن هو لوتر من الوجهة الشخصية؟ هو رجل قوي البنية جاف الملماح، شاعر متواضع، وخطيب مفوه، ومجادل قوي الحجة، ومتصوف مكتئب، وموسيقي، وشجاع حين تجب الشجاعة، وديع ذلول إذا خلا بنفسه، مضطرم الذهن، يفيض رأسه دائماً بالتصورات المروعة؛ عدو الطبقات الرفيعة، دون أن يعرف كيف أو أني يسير
أما الثورة على رومة فليس من المحقق انه كان يرمي إلى الانشقاق عليها، ولعله كان يؤمل منها الإذعان والتسليم؛ ولعله كان يعتبر نفسه مصلحاً فقط للكنيسة، وهو ما يخلق بقس ذكي، وهناك ريب في أنه كان يعمل لانهيار هذا الصرح الشامخ الذي شادته الكنيسة خلال القرون، وأقامته فوق التوازن بين قوتين: زعامة الكنيسة الروحية، وسلطة أوربا الدنيوية. وأن أوربا في القرن العشرين، أوربا المضطربة، لا تستطيع إدراكاً لتلك الوسائل التي لجأ إليها هذا القس البارع - زعيم ألمانيا وزعيم الفردية - في تحقيق هذا الانقلاب العظيم
هذا هو ملخص الصور المختلفة التي يقدمها العلامة فونك برنتانو عن بطل ألمانيا القومي وبطل البروتستانتية في كتابه الجديد
البحث عن أصل الإنسان
ما زال البحث عن أصَل الأجناس البشرية من أهم المسائل التي يعني بها العلم الحديث؛ وفي كل عام توفد البعوث العلمية المختلفة إلى الأقطار المجهولة لتجري فيها ما تستطيع من التحقيقات والمباحث التي تلقي الضياء على أصل الإنسان والأجناس البشرية، وقد أعدت أخيراً في فرنسا بعثة جديدة لمعالجة هذه المباحث في مجاهل أفريقية؛ وذلك تحت رعاية وزارة المعارف الفرنسية، ومعهد علم الأجناس، ومؤسسة روكفلر العلمية، وانتخب لرآسة البعثة علامة ومكتشف شاب هو المسيو مارسل جريول الذي برهن على مقدرة خاصة في القيام بمثل هذه المباحث. وقد قاد المسبو جريول قبل ذلك بعثة في قلب أفريقية قطعت ما بين دكار عاصمة السنغال في الغرب وجيبوتي على البحر الأحمر في أقصى الشرق، ما بين سنتي ١٩٣١، ١٩٣٣؛ وقام قبلها أيضاً برحلة علمية في الحبشة، ونشر عنها كتاباً كان له وقع عظيم عنوانه (حملة المشاعل للإنسان). والبعثة الجديدة مكونة من
стр. 6772
تسعة أعضاء، منهم مصور سينمائي وثلاث سيدات، وتنوي البعثة أن تبدأ بالسيارات من غرب أفريقية متجهة نحو الشرق بطريق بلاد الدوجون والهابيس ومرتفعات باندياجرا ومنحنى نهر النيجر؛ وهي أنحاء اخترقها جريول من قبل ووضع عن خواصها وأحوال سكانها بحوثاً قيمة. وكان أهم ما لفت الأنظار ما كتب عن هؤلاء السكان السود من الحقائق الغريبة؛ وهي أنهم يعيشون في كهوف من الصخر رتبت مخادع صغيرة وكل مجموعة من الربى تكون قرية خاصة؛ وهم يعيشون في جو من التقديس يفيض بذكر الآلهة والخرافات الغريبة، ويعنون بصنع الأقنعة المقدسة والوشم المقدس؛ ولهم رسوم دينية مدهشة؛ والسحر ذائع بينم، وتكثر بينهم الرموز الخفية؛ وعلى الجملة فهم أكثر الشعوب تمثيلاً للإنسان الأول وعصر ما قبل التاريخ.
وستعني البعثة باستيفاء هذه البحوث والحقائق ويعنى السيدات المرافقات للبعثة بدرس أحوال النساء ونظام الأسرة في هذه الأنحاء
أزمة الفنون
كان للأزمة الاقتصادية أثرها في المسرح الفرنسي؛ فأغلق كثير من المسارح ودور اللهو المعروفة، وخفضت مرتبات مشاهير الممثلين والفنانين، وظهر هذا الأثر قوياً في مسرح الحكومة الرسمي (الكوميدي فرانسيز) أشهر مسارح فرنسا، وعجز دخله عن أن يفي بنفقاته، وأحدثت هذه الحالة في نظام المسرح العظيم اضطراباً لم يسبق أن عاناه؛ واهتمت وزارة المعارف الفرنسية بالأمر وأخذته بين يديها؛ وتباحث وفد من أقطاب الكوميدي فرانسيز مع وزير المعارف في الحلول الممكنة، وطلب أن ينظر بالأخص في معاشات أعضاء المسرح المحالين على المعاش لأن كثيراً منهم غدا في حالة يرثى لها. وكان من الحلول المقترحة لمعالجة الأزمة أن تقوم فرقة الكوميدي فرانسيز برحلات في الخارج، في إيطاليا وأمريكا الجنوبية وغيرها، وفي القاهرة الآن فريق من مثلي هذا المسرح الشهير يعملون في دار الأوبرا الملكية
شتيفان جروسمان
من الأبناء فينا أن الكاتب النقادة شتيفان جروسمان قد توفي في سن الحادية والستين، وكان
стр. 6773
جروسمان كاتباً وصحفياً كبيراً، ولد بمدينة فينا، ونشأ بها؛ وظهر في الصحافة بكتاباته النقدية القوية، وعني جروسمان بالمسرح وشئونه عناية خاصة، وكان له رأي في المسرح ينادي به ويعمل له، وهو أن يكون المسرح شعبياً محضاً، ينشأ للشعب ولثقافة الشعب؛ وقد ذاعت فكرته مدى حين في مدينة الفنون والمسارح (فينا) وغدت حركة حقيقية، ولكنها لم تفض إلى نتائج عملية. وكان جروسمان يرسل صيحاته النقدية والإصلاحية على صفحات في الصحف النمسوية الكبرى مثل (النوية فرايه يريسيه) و (التاجبلاط) وغيرهما، ومنذ أعوام غادر جروسمان فينا إلى برلين، واشتغل هنالك بالصحافة والشئون المسرحية أيضاً. ثم عاد إلى فينا بعد ردح من الزمن، وفيها توفي منذ أسبوعين
في جامعة السوربون
توفي العلامة المؤرخ رايمون جيو أستاذ التاريخ بجامعة السوربون في السابعة ة والخمسين من عمره. وكان مولده بباريس سنة ١٨٧٧، وتخرج من مدرسة المعلمين العليا (النورمال) ونال الأستاذية في التاريخ. وتولى التدريس زمناً قبل أن يجلس على (الكرسي). ولما توفي المسيو أميل بورجوا الذي كان يشغل كرسي التاريخ في كلية الآداب ومدرسة العلوم السياسية، عين مكانه فيه الأستاذ جيو. وللعلامة المتوفى كتب ورسائل كثيرة في موضوعات تاريخية مختلفة ولاسيما مسائل أوربا الحديثة
стр. 6774
الكتب
كتاب تتمة اليتيمة للثعالبي
نشره وقدم له الأديب عباس إقبال
مررت بباريس قبل سبع سنين، فزرت الأديب العلامة محمد بن عبد الوهاب القزويني لأفيد من علمه الغزير، لقيت عنده الشاب الأديب عباس اقبال، وكنت قرأت في كتاب للعلامة القزويني أن الثعالبي أكمل اليتيمة في كتاب سماه تتمة اليتيمة، وأن نسخة منه في مكتبة باريس؛ فتكلمنا يومئذ عن الكتاب، وعزمت أن أشير على لجنة التأليف والترجمة بطبعه. ثم ضرب الزمان ضرباته حتى ذهبت إلى طهران هذا العام فإذا صديقنا الأديب عباس إقبال قد طبع التتمة في جزءين صغيرين طبعاً متقناً وجاء يهديها الي، فسررت كل السرور بطبع هذا الكتاب القيم، وأثنيتعلى جهد الأديب إقبال وهمته
وإني لراج أن يذيع الكتاب بين الأدباء ليكمل به نقص اليتيمة
وفيما يلي ترجمة المقدمة الفارسية التي كتبها الأديب النابغة عباس إقبال لهذا الكتاب:
الأمام أبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري (٣٥٠ - ٤٢٩هـ٩) أديب من أدباء إيران النابغين، أمضى معظم عمره، أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس، في تأليف كتب كثيرة في فنون شتى من الأدب واللغة والتاريخ وكتب مؤلفاته كلها باللغة العربية اتباعاً لسنة ذلك العصر، إذ راجت سوق هذه اللغة واستأثرت بالعلوم واتسعت وعمت. ونحمد الله على أن أكثر مؤلفات الثعالبي، وبعضها رسائل صغيرة ذات أوراق قليلة، لم تذهب بها الحادثات
من كتب الثعالبي كتاب يعد من أجل كتبه، واليه يرجع أكثر صيته، وهو كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. كتب الثعالبي نسخته الأولى سنة ٣٨٤، ونسخته الآخرة بين سنتي ٤٠٢ و٤٠٧. وأودعه من آثار الشعراء المعاصرين والذين تقدموا زمانه بوقت قصير، وضمنه بعض أخبارهم
قسم الثعالبي كتاب اليتيمة أربعة أقسام: القسم الأول في محاسن أهل الشام والجزيرة، القسم الثاني في محاسن أشعار أهل العراق، القسم الثالث في محاسن أهل الري وهمذان واصفهان والجبل وما يتصل بها، القسم الرابع في محاسن أهل خراسان
стр. 6775
والكتاب لا يعني كثيراً بأخبار الشعراء الذين ترجم لهم الثعالبي في الأقسام الأربعة كما يعني بذكر أشعارهم، ونبذ من منثورهم أحياناً، ولكنه مع هذا يشتمل على كثير من الفوائد التاريخية المهمة، ولاسيما في القسمين الثالث والرابع اللذين يتضمنان تراجم الشعراء الذين عاشوا في إيران وما يتصل بها. وهو من هذه الجهة يحوي فوائد قيمة، وبعض الشعراء الذين ترجم لهم الثعالبي في هذين القسمين ممن عرفوا في عُرف ذلك العصر بالشعراء ذوي اللسانين: أي الذين نظموا بالعربية والفارسية. وقد أثبت في مواضع ترجمة بعض شعرهم الفارسي، وفي موضع أو اثنين نماذج من شعرهم الفارسي أيضاً. وهذه النبذ على قلتها ذات خطر يجعل اليتيمة من المنابع المهمة، لتحقيق تاريخ إيران وتاريخ الأدب الفارسي في القرنين الرابع والخامس
وقد ذيل اليتيمة كتاب آخرون، ساق كل منهم الكلام من حيث انتهى الثعالبي إلى زمانه هو. وأكثر هذه الذيول انتشاراً كتاب دمية القصر لعلي بن الحسن الباخرزي تلميذ الثعالبي. ويُعتبر ثاني اليتيمة في القيمة والفوائد التي ذكرنا.
ويؤسفنا أن الدمية على مكانتها الأدبية لم تطبع حتى اليوم: والطبعة الناقصة المشوهة التي طبعت في حلب قبل بضع سنين لا تعدل فلساً. وأول من ذيل اليتيمة فأكمل نقصها بذكر الشعراء الذين نسبهم المؤلف أو لم يظفر بشيء من أشعارهم وأخبارهم حين التأليف، أو نبَهُوا بعد انتشار الكتاب، هو الثعالبي مؤلف اليتيمة نفسه. ويؤخذ من مقدمة النسخة النهائية للمجلد الأول من اليتيمة أنه جد منذ نشر النسخة الأولى سنة ٣٨٤ في تكميل اليتيمة والزيادة عليها. حتى تسنى له أن ينشر النسخة الأخيرة بين سنتي ٤٠٢ و ٤٠٧، وأهداها إلى الأمير أبي العباس مأمون أبن مأمون خوارزمشاه المتوفى سنة ٤٠٧ في سن ٣٢
وبعد ما يقرب من عشرين سنة من انتشار النسخة الأخيرة من اليتيمة ألف الثعالبي كما يقول هو في مقدمة النسخة التي بأيدينا كتاباً لطيفاً على نسق اليتيمة وترتيبها سماه تتمة اليتيمة، أراد أن يرفع نقص اليتيمة ويجبر كسرها وان يكون ضميمة للكتاب الأصلي تبلغ به اليتيمة الحد الذي بلغه جهد الثعالبي.
ومعنى هذا أن كتاب اليتيمة ناقص بدون هذه التتمة؛ وقد عرف ذلك الثعالبي نفسه. ذلكم بأن الذيل الحاضر، يحتوي على أسماء كثير من الشعراء الذين أغفلتهم اليتيمة أو نبه شأنهم
стр. 6776
بعد انتشارها. فضلاً عن أنه يعين على إكمال تراجم عدة من الشعراء الفضلاء الذين ذكروا في اليتيمة. فالتتمة ذات خطر كبير ولاسيما قسمها الرابع الذي يتضمن أخبار أركان الدولة وأعيان الحضرة أي المنشئين والمستوفين والأدباء والشعراء الذين التفوا حول الملوك الغزنويين. هذا القسم يعد أعظم أقسام هذا الكتاب من حيث إنارَتُه مواضع مظلمة من تاريخ إيران وآدابها، واشتماله على أنباء كثير من الوزراء والمنشئين والشعراء والأدباء النابهين
ألف الثعالبي كتاب التتمة في أيام السلطان مسعود الغزنوي ما بين سنتي ٤٢٤ و ٤٢٨ وثَبَتُ هذا أن سنة ٤٢٤ وردت مرتين في هذا الكتاب (ص١١٤ و ١٤٥)، وأن شمس الكفاة خواجه أبا القاسم أحمد بن حسن الميمندي وزير السلطان مسعود كان قد توفي حين تأليف الكتاب، ووفاته كانت سنة ٤٢٤. (ارجع إلى صفحة ١٤٦ و١٥٥) فلا يمكن أن يكون تاريخ التتمة مقدماً على هذه السنة، والمؤلف مات سنة ٤٢٩؛ فتأليف الكتاب محصور بين سنتي ٤٢٤ و٤٢٩. وتتمة اليتيمة، كاليتيمة، اشتهرت منذ عهد المؤلف وصارت مرجع الأدباء. وقد اطلع عليها ياقوت الحموي ونقل عنها فقرات في كتابه معجم الأدباء. وحاجي خليفة يقول تحت عنوان اليتيمة إن للكتاب ذيلاً ألفه الثعالبي، ويذر اسمه صريحاً، ولكن هذا الاسم (تتمة اليتيمة) حرف إلى (يتيمة اليتيمة) في كشف الظنون المطبوع. وابن خلكان كذلك اطلع على هذا الكتاب وذكره في ترجمة أبي محمد عبد المحسن بن محمد الصوري (ج١ ص٤٢٨ - ٤٢٩ من طبعة باريس)، وقد نقل قطعة من الشعر نسبها الثعالبي في التتمة إلى أبي الفرج بن أبي حصين القاضي الحلبي (راجع ص٦٨ من هذا المتن) ثم اعترض على مؤلف التتمة وقال هذه الأبيات لعبد المحسن الصوري، رأيتها في ديوانه، وأخطأ الثعالبي في نسبة أشياء إلى غير أهلها فيحتمل أن تكون هذه الفقرة منها
قلنا إن كتاب التتمة كان في يد ياقوت الحموي. وقد نقل منه ياقوت فقرات بعينها، ومن ذلك نبذة في ترجمة أبي العلاء المعري (ج١ ص١٧٢)، وأبي علي بن مسكويه (ج٢ ص٩) والسيد المرتضى (ج٥ ص١٧٥)، وأبي جعفر محمد بن إسحاق البجاثي (ج٦ ص٤١٢) وغير ذلك. وليس خروجاً عن الموضوع أن أنبه هنا إلى مسالة: ينقل ياقوت في معجم الأدباء (ج١ ص١٧٢) أبياتاً رواها الثعالبي لأبي العلاء المعري، ثم يقول: قال
стр. 6777
وأنشدني لنفسه: (لست أدري ولا المنجم يدري) إلى أخر القطعة
وهذه القطعة، كما يتبين من هذا الكتاب (ص١٠) لأبي القاسم المحسن بن عمرو بن المعلى الذي يذكره الثعالبي في التتمة بعد أبي العلاء المعري بلا فاصل لا لأبي العلاء المعري. وراوي القطعة المذكورة أبو يعلى البصري لا أبو المحسن الدلفي المصيصي الذي يروي عنه الثعالبي ويتبعه ياقوت، أخبار المعري وأشعاره. فيفهم من هذا أن نسخة التتمة التي كانت في يد ياقوت فيها نقص، أسقط كاتبها بعد أخبار أبي العلاء المعري اسم أبي القاسم المحسن بن عمرو بن المعلى. وقد رأيت هذه الإشارة جديرة بالذكر هنا لتصحيح هذا الموضع من معجم الأدباء المطبوع
النسخة بأيدينا صورة من نسخة مخطوطة وحيدة في مكتبة باريس مكتوبة بخط نسخ جميل. وهي ملحقة بأجزاء التتمة كلها في جلد واحد يحوي ٥٩١ ورقة أي ١١٨٢ صفحة ورقمه (٣٣٠٨ وتشمل أقسام التتمة الأربعة من صفحة ٤٩٨ إلى ٥٩١. وقد طبعناها في جزءين لأسباب نذكرها بعد
نسخة باريس مؤرخة ١٧ صفر سنة ٩٨٩؛ وإذا استثنينا أغلاطا كتابية وسقطاً قليلاً، فالنسخة في نهاية الجودة والصحة
ثم ختم كلامة بقوله: والمرجو أن تقع هذه الخدمة الصغيرة موقع القبول عند الأدباء وينظروا إليها بعين الرضا والأنصاف
عبد الوهاب عزام.
стр. 6778
العدد ٨٢ - بتاريخ: ٢٨ - ٠١ - ١٩٣٥
стр. 6779
الثقافة المذبذبة
كتب إلي صديقي الأستاذ م. ف. ا. يقول:
(أنا معلم كما تعلم؛ ولكني معلم لا أعتقد فيما يعتقده فيه الكثرة من المعلمين سواي! وذلك أنني لا أومن كثيراً بأوربا، ولا بما جاء من أوربا، إلا أن يكون ذلك شيئاً نجنيه من نفع مادي أو كشف علمي. أما فيما يتعلق بالآراء والنفس، وفيما يتصل بالعقل والقلب، فأنا شرقي ولا أحب إلا الشرق، ومصري ولا أحب إلا مصر. ولقد كان مما يؤلمني دائماً أن أرى الابن الناشئ قد عاد من إنجلترا أو من فرنسا، فلا يكاد يظهر للأعين إلا في هيئة نابية يزعم أنها دليل المدنية التي اكتسبها من الغرب، فيمتدح فرنسا أو إنجلترا وما فيها من مناهج ومناظر ومعاهد، وهو في الحق إنما يريد أن يقول إنه أثر من آثار تلك المدنية السامية التي يمتدحها، فهو يصل إلى الزهو من طريق غير مباشر، ولا يقصد إلا إلى الفخر والإعجاب بالنفس. دع ذلك، فلو كان هذا وحده هو الأثر لهان الأمر، أما أن يتعدى الأمر ما وراء ذلك فهو البلية والنكبة، ذلك بأن هؤلاء الأبناء قد وصلوا بتلك النعرة الجوفاء إلى أن يخدعوا بعض الشيوخ، أو بعض الجُوف من الشيوخ، بأنهم دعاة العلم والمدنية، فألقيت إليهم مقاليد الأمور في بعض النواحي، وكان من سوء حظ مصر أن بلغ هذا الخداع حده في مسائل التعليم. وإليك مثلاً من ذلك: إن برامج التعليم الأدبية - وهي أداة الثقافة والقومية - لا نرى فيها أثراً للشخصية المصرية: فواضع برامج التاريخ هو بعض الجُوف ممن تعلموا تاريخ أوربا، فنقلوا من هذا ما ظنوه خيراً وجعلوه منهاجاً لتلاميذ المدارس الثانوية المصرية، فكانت النتيجة أنك إذا في برامج القسم الأدبي في التاريخ خيل إليك أنك تنظر في بعض برامج فرنسا أو إنجلترا. أو خليطاً من هذا وذاك، وأما مصر فلا شأن لها في ذلك وا حسرتاه! وكذلك الحال في سائر المواد الأدبية، حتى لقد حسبت وأنا معلم أننا إنما نسعى لأعداد أبنائنا ليكونوا أجانب في عواطفهم وعقليتهم وثقافتهم
أليس هذا من العبث يا سيدي الأستاذ؟ أرجو أن تتناول هذا المعنى بقلمك القوي، ولك من أبناء البلاد الثناء الجميل)
وصديقي الأستاذ بخبرته الطويلة وعقيدته النبيلة أولى بمعالجة هذا الموضوع، ولكنه اختار له هذا الأسلوب الصحافي لتتناوله الأقلام المختلفة بالبحث والجدل، فيكون الرأي أجمع، والحكم أقطع، والبلاغ أعم
стр. 6780
شكاة الأستاذ شكاة الشرق الإسلامي كله، فانه منذ غفا غفوته الثقيلة الطويلة فانقطع عن صدر الزمن لم يرد أن يبصر بعينه، ويسير على قدميه، ويعلم أن له تاريخاً ممتازاً، ووجوداً مستقلاً، وطابعاً خاصاً، ووحدة كاملة، ومدنية أصيلة؛ وإنما ذهب يتحسس من طريقه على نداء الصائد، ويتوكأ في سيره على عمود الشَّرَك، ويطمس على شخصه بالفناء في الغرب، كأن أهله لم يكفهم أن يكونوا عبيداً لأوربا بالجسم عن قوةٍ وقهر، فرضوا أن يكونوا عبيداً لها بالروح عن رضا وطواعية، فهم يتكلمون بلغتها، ويتأدبون بأدبها، ويتسمون بسمتها، ويتخلقون بخلقها، ويطبعون أذواقهم بالكره على غرار ذوقها، ويغالطون طباعهم في أصل الفطرة فيزعمون لعقولهم أن النفس المتمدنة لا يلائمها إلا ما يلائم الأوربي من أدبه ورقصه وغنائه وموسيقاه، كأن المسافة بين الشرق والغرب لا تحدث فرقاً، ولا تغير خَلْقاً، ولا تبدل طبيعة!
إن الاستعباد المادي دهمنا أمس على يد الآباء، والاستعباد الأدبي يدهمنا اليوم على يد الأبناء، وشتان بين استعباد كان عن إجبر وجهل، واستعباد يكون عن اختيار وعلم؛ والعبودية العقلية أشد خطراً وأسوأ أثراً من العبودية الجسمية، لأن هذه لا تعدى الأجسام والحطام والعَرض، ومثلها مثل الجسم يرجى شفاؤه متى عرف داؤه؛ أما تلك فحكها حكم العقل إذا ذهب، والروح إذا زهق، وهل يرجى لمخبول شفاء، أو ينتظر لمقتول رجعة؟
إن أكثر نَشْئِناَ الذين وردوا مناهل الثقافة العالية في أوربا إنما ذهبوا إليها وشخصياتهم هلاهل من تمزق الأسرة وتفكك البيئة وفساد التعليم وضعف التربية، فكونوا عقولهم على منطق الاعجاب، وميولهم على هوى التبعية، ثم عادوا وفي حوافظهم تاريخ غير تاريخ مصر، وعلى ألسنتهم أدب غير أدب العرب، وفوق غرائزهم خلق غير خلق الشرق، فتصرفوا تصرف المقلد، وتعسفوا تعسف الحائر، فلم يستطيعوا أن يكونوا غربيين لعصيان الطبيعة، وإباء الفطرة، ولم يريدوا أن يعودوا شرقيين لقوة الفتنة وضعف الإرادة
إن العلم لا وطن له، لأنه يتعلق باستخدام القوى واستثمار المادة في العالم كله لخير الناس كله؛ أما الآداب والفنون والأذواق والأخلاق والتقاليد فهي قِوَام الأمم، ولا تنزل أمة عنها ألا إذا نزلت عن ذاتها وزلت عن مستواها؛ فخضوع الثقافة القومية للإنجليزية في مصر وفلسطين، وللفرنسية في سورية والمغرب، وللأمريكية في العراق والمهجر، بلاء على هذه
стр. 6781
الأمم لا تسلم عليه وحدة، ولا يستقل معه وطن
أما عبث هذه الثقافة المذبذبة بالبرامج فَعِلته أن التعليم عندنا ليست له سياسة مرسومة ولا غاية معينة. قل لواضع البرنامج مهما يكن: أريد أن أصل بالتعليم إلى هذه الغاية، تجد الغاية نفسها هي التي تعيِّن السبيل وتحدد الوجهة؛ أما إذا كانت سياستنا في التعليم أن ننشئ المدارس ونهيئ المدرسين ونقيم الامتحانات، فان جماع الأمر في المعارف إذن أن تكون حقولاً للتجارب فيها لكل سياسة أثر، وكل ثقافة ثمر، ولكل أمة غير أمتها نصيب
أحمد حسن الزيات
стр. 6782
بنتُه الصغيرة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
فرغ أبو يحيى مالكُ بنُ دينار، زاهدُ البَصْرة وعالمها، من كتابة المُصْحَف؛ وكان يكتبُ المصاحف للناس ويعيشُ مما يأخذ من أجرة كتابته، تعففاً أن يَطْعَم إلا كَسْب يده، ثم خرج داره وَجْهُهُ المسجدُ، فأتاه فصلى بالناس صلاة العصر، وجلسوا ينتظرونه، واستوى هو قائماً، فركع وسجد ما شاء الله حتى قضى نافِلَتَه، ثم انْفَتَلَ من صلاته فقام إلى اسطوانته التي يستند إليها، وتحلق الناسُ حوله جموعاً خلْف جموعٍ، يذهب فيهم البصر مرة هنا ومرة هنا من كثرتهم وامتدادهم، حتى تغطى بهم المسجدُ على رحبة. ومد الإمام عينه فيهم ثم أطرق إطراقهً طويلة، والناسُ كأن عليهم الطير مَما سكنوا لهيبته، ومما عَجبوا لخشوعه؛ ثم رفع الشيخ رأسه وقد تندت عيناه، فما نظر إليهم حتى كأنما اطلع على أرواحهم فجرٌ رطْبٌ من سِحْر ذلك الندى
وبَدَرَ شابٌ حدَثٌ فسأله: ما بكاءُ الشيخ؟ وكان قريباً يجلس من الإمام في سَمْتِ بصره، فتأمله الشيخ طويلاً يقلب فيه الطرْفَ كالمتعجب، ولبث لا يجيبه كأنما عَقِدَ لسانهُ أو أخذته عن نفسه حالٌ، فما يثبتُ شيئاً مما يرى
وازداد الناس عجباً؛ فما جَرّبوا على الشيخ من قبلها حصراً ولا عِيا، ولا قطعه سؤالٌ قَط، ولا تخلف قطُّ عن جواب؛ وقالوا إن له لشأنا وما بُدٌ أن تكون من وراء حُبْسَته شعابٌ في نفسه تهدر بسيلها وتعتلج، فما أسرع ما يلتقي السيلُ، فيجتمعُ، فيصوبُ إلى مجراه، فيتقاذف
وتبسم الإمام وقال: أما إني قد ذكرتُ ذكرى فبكيتُ لها، ورأيتُ رؤيا فتبسمتُ لها؛ أما الذكرى، فهل تعملون أن هذا المسجد الذي يفهق بهذا الحشْد العظيم، وتقع فيه الدينية المدينة لكل أّذَانٍ وتطير - هل تعلمون أنه خلا قط من الناس وقد وَجَبَت الفريضة؟ قالوا: ما نَعْلمه. قال: فقد كان ذلك لعشرين سنةً خَلَتْ، في مَوْت الحسن، فقد مات عَشيةَ الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره، وحملناه بعد صلاة الجمعة، فتبع أهلُ البصرة كلهم جنازته واشتغلوا به، فلم تُقم صلاةُ العصر بهذا المسجد، وما تُركتْ منذ كان الإسلام إلا يومئذ؛ ومثل الحسن لا تموت ساعةُ موته من عُمرْ من شَهدَها، فذلك يومٌ عجيب قد لف
стр. 6783
نهاره البصرة كلها في كفن أبيض، فما بقيتْ في نفس رجلٍ ولا امرأة شهوةٌ إلى الدنيا، وفرغ كل إنسان من باطلة كما يفرغ من أيقن أنْ ليس بينه وبين قبره إلا ساعة؛ وظهر لهم الموتُ في حقيقة جديدة بالغة الروع لا يراها الأبناءُ في موت آبائهم وامهاتهم، ولا الآباء والأمهاتُ في موت من ولدوا، ولا المحب في موت حبيبه، ولا الحميم في موت حميمه؛ فإن الجميع فقدوا الواحد الذي ليس غيره في الجميع؛ وكما يموت العزيزُ على أهل بيت فيكون الموتُ واحداً وتتعدد فيهم معانيه، كذلك كان موتُ الحسن موتاً بعَدَدِ أهل البصرة!
ذاك يومٌ اشتد فيه الموتُ وكبر، وانكمشت فيه الحياةُ وصغرتْ، وتحاقرت الدنيا عند أهلها، حتى رجعت بمقدار هذه الحفرة التي يُلقى فيها الملوكُ والصعاليكُ، والأخلاطُ بين هؤلاء وأولئك، لا يَصغر عنها الصغير، ولا يكبرُ عنها الكبير؛ لا بل دون ذلك حتى رجعت الدنيا على قدر جيفة حيوانِ بالعراء، تنكشف للأبصار عن شوهاء نجسةٍ قد ارمت لا تُطاقُ على النظر ولا الشم ولا على اللمس؛ وما تتفجر إلا عن آفة، وما تتفجر إلا لهوام الأرض
تلك هي الذكرى، وأما الرؤيا فقد طالعتني نفسي من وجه هذا الفتى فأبصرتني حين كنتُ مثله يافعاُ مترعرعاً داخلاً في عصر شبابي، فكأنما انتبهتْ عيني من هذه النفس على فاتكٍ خبيثٍ كان في جناياته في أغلاله في سجنه، ومات طويلاً ثم بُعث!
إني مخبركم عني بما لم تحيطوا به، فارْعُوه أسماعم، واحضروه إفهامكم، واستجمعوا له، فانه كان غيب شيخكم، وأنا محدثكم به كيلا ييأسَ الضعيف ولا يقنط يائس، فإن رحمة الله قريبٌ من المحسنين
لقد كنتُ في صدر أيامي شرطياً، وكنت في آنفة الحداثة من قبلها أتفتى وأنشطر، وكنت قوياً معصوباً في مثل جبلة الجبل من غلط وشدة، وكنت قاسياً كأن في أضلاعي جندلةً لا قلباً، فلا أتذمم ولا أتأثم؛ وكنتُ مُدمِناً على الخمر، لأنها روحانية من عجز أن تكون فيه روحانية، وكأنها إلهيةُ يزورها الشيطانُ - لعنهُ الله - فيخلق بها للنفس ما تحب مما تكره، ويُثيبها ثواب ساعةٍ ليست في الزمن بل في خيال شاربها. وكأن جَهْلَ العقلِ نَفْسَه في بعض ساعات الحياة هو - في علم الشيطان وتعليمه - معرفةُ العقل نفسه في الحياة!
فبينا أنا ذاتَ يوم أجول في السوق، والناسُ يفورون في بيعهم وشرائهم، وأنا أرقب السارق وأُعد للجاني، وأتهيأ للنزاع - إذ رأيت اثنين يتلاحيان وقد لبّب أحدهما الآخر؛ فأخذت
стр. 6784
إليهما، فسمعت المظلوم يقول للظالم: لقد سلبتني فرح بنياتي، فسيدعون الله عليك فلا تصيب من بعدها خيراً، فأني ما خرجت إلا اتباعاً لقول رسول الله ﷺ : (من خرج إلى سوق من أسواق المسلمين، فاشترى شيئاً، فحمله إلى بيته، فخص به الإناث دون الذكور - نظر الله إليه.)
قال الشيخ: وكنت عزباً لا زوجة لي، ولكن الآدمية انتبهت في، وطمعت في دعوة صالحة من البنيات المسكينات، إذا أنا فرحتهن، ودخلتني لهن رقة شديدة، فأخذت للرجل من غريمة حتى رضي، وأضعفت له من ذات يدي لأزيد في فرح بناته، وقلت له وهو ينصرف: عهدٌ يحاسبك الله عليه ويستوفيه لي منك، أن تجعل بناتك يدعون لي إذا رأيت فرحهن بما تحمل إليهم، وقل لهن: مالك بن دينار
وبت ليلتي أتقلب مفكراً في قول رسول الله ﷺ ومعانيه الكثيرة، وحثه على إكرام البنات، وأن من أكرم بناته كَرُمَ على الله، وحرصه أن ينشأن كريمات فرحات؛ وحدثني هذا الحديثُ ليلتي تلك إلى الصبح؛ وفكرت حينئذ في الزواج، وعلمت أن الناس لا يزوجونني من طيباتهم ما دمت من الخبيثين؛ فلما أصبحت غدوت إلى سوق الجواري، فاشتريتُ جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، وولدت لي بنتاً فشغفتُ بها، وظهرتْ لي فيها الإنسانيةُ الكبيرة التي ليست في، فرأيت بعدما ما بيني وبين صورتي الأولى؛ ورأيتها سماوية لا تملك شيئاً وتملك أباها وأمها، وليس لها من الدنيا إلا شبع بطنها وما أيسره، ثم لها بعد ذلك سرور نفسها كاملاً تشب عليه أكثر مما تشب على الرضاع؛ فعلمت من ذلك أن الذي تكتنفه رحمة الله، يملك بها دنيا نفسه، فما عليه بعد ذلك أن تفوته دنيا غيره، وأن الذي يجد طهارة قلبه يجد سرور قلبه، وتكون نفسه دائماً جديدة على الدنيا؛ وأن الذي يحيا بالثقة تحييه الثقة؛ والذي لا يبالي الهم لا يبالي الهم به؛ وأن زينة الدنيا ومتاعها وغرورها وما تجلب من الهم - كل ذلك من صغر العقل في الأيمان حين يكبر العقل في العلم!
كانت البنيةُ بدء حياةٍ في بيتي وبدء حياة في نفسي، فلما دبت على الأرض ازددت لها حباً، وألفتني وألفتها، فرزقت روحي منها أطهر صداقة في صديق، تتجدد للقلب كل يوم، بل كل ساعة، ولا تكون إلا لمحض سرور القلب دون مطامعه، فتمده بالحياة نفسها لا بأشياء الحياة، فلا تزيد الأشياء في المحبة ولا تقص منها، على خلاف ما يكون في الأصدقاء
стр. 6785
بعضهم من بعض واختلافهم على المضرة والمنفعة
قال الشيخ: وجهدتُ أن أترك الخمر، فلم يأت لي ولم أستطعه؛ إذ كنت منهمكاً على شربها، ولكن حب ابنتي وضع في الخمر إثمها الذي وضعته فيها الشريعة، فكرهتها كرهاً شديداً، وأصبحت كالمكره عليها، ولم تعد فيها نشوتها ولا ريها؛ وكانت الصغيرةُ في تمزيق أخيلتها أبرعَ من الشيطان في حَوِْك هذه الأخيلة، وكأنما جرتني يدها جراً حتى أبعدتني عن المنزلة الخمرية التي كان الشيطان وضعني فيها، فانتقت من الاستهتار والمكابرة وعدم المبالاة، إلى الندم والتحوب والتأثم، وكنت من بعدها كلما وضعت المسكرِ وهمت به، دبت ابنتي إلى مجلسي؛ فأنظر إليها وتنتشر عليها نفسي من رقة ورحمة، فأرقب ما تصنع، فتجيء فتجاذبني الكأس حتى تُهْرِقها على ثوبي، وأراني لا أغضب، إذ كان هذا يسرها ويضحكها، فأسر لها وأضحك
ودام هذا مني ومنها، فأصبحت في المنزلة بين المنزلتين؛ أشرب مرةً واترك مراراً، وجعلتُ أستقيم على ذلك، إذ كانت النشوة بابنتي أكبر من النشوة بالزجاجة، وإذ كنتُ كلما رجعتُ إلى نفسي وتدبرت أمري، أستعيذ بالله أن تَعقِل ابنتي معنى الخمر يوماً فأكون قد نجستُ أيامها، ثم أتقدم إلى الله وعليَّ ذنوبها فوق ذنوبي، ويترحم الناسُ على آبائهم وتلعنني إذ لم أكن لها كالآباء، فأكون قد وُجدتُ في الدنيا مرةً واحدة وهلكتُ مرتين
ومضيتُ على ذلك وأنا أصْلُح بها شيئاً فشيئاً وكلما كبرت كبرت فضيلتي، فلما تمَّ لها سنتان ماتت!
قال الراوي: وسكت الشيخ فعَلِقَتْ به الأبصار، ووقفت أنفاسُ الناس على شفاههم، وكأنما ماتت لحظاتٌ من الزمن لذكر موت الطفلة، وخامر المجلسَ مثلُ السكْر بهذه الكأس المُذهلة، ولكن الطفلة دبت من عالم الغيب كما كانت تصنع، وجذبت الكأس واهرقتها، فانتبه الناس وصاحوا: ماتت فكان ماذا. قال الشيخ: فأكمدني الحزن عليها، ووهن جأشي، ولم يكن لي من قوة الروح والإيمان ما أتأسى به، فضاعفَ الجهلُ أحزاني، وجعلَ مصيبتي مصائب. والإيمانُ وحده هو أكبر علوم الحياة، يُبصرُك إن عميتَ في الحادثة، ويهديك إن ضَلِلت عن السكينة، ويجعلك صديق نفسك تكونُ وإياها على المصيبة، لا عدوها تكون المصيبة وإياها عليك؛ وإذا أخرجتِ الليالي من الأحزان والهموم عسكرَ ظلامِها لقتال نفسٍ
стр. 6786
أو محاصرتها فما يدفع المالُ ولا تردُّ القوةُ ولا يمنع السلطان، ولا يكون شيء حينئذ أضعف من قوة القوي، ولا أضيعَ من حيلةِ المحتال، ولا أفقرَ من غِنى الغنيَّ، ولا أجهلَ من علم العالم، ويبقى الجهدُ والحيلةُ والقوة والعلمُ والغِنى والسلطانُ - للإيمان وحده، فهو يكسر الحادث ويقلل من شأنه، ويؤيد النفس ويضاعفُ من قوتها، ويَرُدُّ قَدرَ الله إلى حكمةِ الله، فلا يلبثُ ما جاء أن يرجع، وتعود النفس من الرضى بالقَدرَ والإيمان به؛ كأنما تشهد ما يقع أمامها لا ما يقع فيها
قال الشيخ: ورجعتُ بجهلي إلى شرٍ مما كنتُ فيه، وكانت أحزاني أفراحَ الشيطان؛ وأراد - أخزاه الله - أن يَفْتَن في أساليب فرحه، فلما كانت ليلةُ النصف من شعبان، وكانت ليلة جمعة، وكانت كأول نور الفجر من أنوار رمضان - سوّل لي الشيطان أن أسكر سكْرةً ما مثلُها؛ فبتُّ كالميت مما ثملت، وقذفتني أحلامٌ إلى أحلام، ثم رأيت القيامة والحشر، وقد وَلدت القبورُ من فيها، وسيق الناسُ وأنا معهم وليس وراء ما بي من الكرب غاية؛ وسمعت خلفي زفيراً كفحيح الأفعى، فالتفت فإذا بتنينٍ عظيم ما يكون أعظم منه؛ طويلً كالنخلة السحوق، أسود أزرق، يُرسل الموت من عينيه الحمراوين كالدم، وفي فمه مثلُ الرماح من أنيابه، ولَجوْفهِ حرٌّ شديدٌ لو زِفَر به على الأرض ما نبتتْ في الأرض خضراء، وقد فتح فاه ونفخ جوفه وجاء مسرعاً يريد أن يلتقمني، فمررتُ بين يديه هارباً فزعاً، فإذا أنا بشيخ هرم يكاد يموت ضعفاً، فَعُذْتُ به وقلت أجرني أغثني. فقال: أن ضعيفٌ كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن مر واسرع، فلعل الله أن يسبب لك أسباباً للنجاة. فوليتُ هارباً وأشرفتُ على النار وهي الهول الأكبر، فرجعتُ اشتد هرباً والتنين على أثري، ولقيتُ ذلك الشيخ مرة أخرى، فاستجرتُ به فبكى من الرحمة لي وقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن اهرب إلى هذا الجبل، فلعل الله يحدث أمراً. فنظرتُ فإذا جبل كالدار العظيمة، له كوى عليها ستور، وهو يَبْرُقُ كشعاع الجوهر؛ فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فتحت الكوى ورفعت الستور، وأشرفتْ على وجوهُ أطفال كالأقمار، وقرب التنينُ مني، وصرتُ في هواء جوْفه وهو يتضرّم علي، ولم يبق إلا أن يأخذني، فتصايح الأطفال جميعاً: يا فاطمة! يا فاطمة!
قال الشيخ: فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت عليّ، فلما رأت ما أنا فيه صاحت وبكتْ، ثم
стр. 6787
وثبتْ كَرَمْية السهم، فجاءت بين يديّ، ومدت إلي شِمالها فتعلقت بها، ومدت يمينها إلى التنين فولى هارباً. وأجلستْني وأنا كالميت من الخوف والفزع، وقعدَتْ في حجري كما كانت تصنع في الحياة، وضربت بيدها إلى لحيتي وقالت: يا أبت (أَلَمْ يَأنِ للذينَ آمنوا أن تَخْشَعَ قٌلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟)
فبكيتُ وقلتُ: يابُنيّة، أخبريني عن هذا التنين الذي أراد هلاكي. قالت ذاك عملُك السوء الخبيث، أنت موتيه حتى بلغ هذاالهول الهائل والأعمال ترجعُ هنا أجساماً كما رأيت. قلت: فذاك الشيخُ الضعيف الذي استجرْتً به ولم يُجرْني؟
قالت: يا أبتِ، ذاك عملك الصالح، أنت أضعفْتَه فضَعُفَ حتى لم يكن له طاقة أن يغيثَك من عملك السيئ، ولو لم أكن لك هنا، ولو لم تكن أتبعت قولَ رسول الله ﷺ فيمن فَرّحَ بناته المسكينات الضعيفات - لما كانت لك هنا شمال تتعلق بها، ويمينٌ تَطْرد عنك
قال الشيخ: وانتبهتُ من نومي فزِعاً ألعن ما أنا فيه، ولا أراني أستقر، كأني طريدةُ عملي السيئ كلما هَرَبتُ منه هَرَبت به؛ وأين المَهْرَبُ من الندم الذي كان نائماً في القلب واستيقظ للقلب؟
وأملتُ في رحمة الله أن أربح من رأس مالٍ خاسر، وقلت في نفسي: إن يوماً باقياً من العمر هو للمؤمن عُمْرٌ ما ينبغي أن يستهان به؛ وصححت النية على التوبة، لأرجع الشباب إلى ذلك الشيخ الضعيف، وأسمنَ عظامه، حتى إذا استجرْتُ به أجارني ولم يقل (أنا ضعيف كما ترى!)
وسألتُ فدُللْتُ على أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، سيدِ البقية من التابعين؛ وقيل لي: أنه جمع كل عِلم وفن إلى الزهد والورع والعبادة، وإن لسانه السحر، وإن شخصه المغناطيس، وإنه ينطق بالحكمة كان في صدره إنجيلاً لم ينَزل، وأن أمه كانت مولاة لأم سَلمَة زوجِ النبي ﷺ ، فكانت ربما غابت أمه في حاجة فيبكي، فترضعه أم سلمةُ تعلله بثديها فيدِرّ عليه، فكانت بينه وبين بَركة النبوة صلة
وعدوتُ إلى المسجد والحسَن في حلْقته يقص ويتكلم، فجلست حيث انتهى بي المجلس، وما كان غيرَ بعيد حتى عَرتني نَفْضةٌ كنفضة الحمى، إذ قرأ الشيخ هذه الآية: (أَلَمْ يَأْنِ للذين
стр. 6788
آمنوا أن تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذكْر الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)
فلو لفظتني الأرضُ من بطنها، وانشقّ عني القبرُ بعد الموْت - ما رأيت الدنيا أعجب مما طالعتني في تلك الساعة؛ وأخذ الشيخ يفسرُ الآية، فصنع بي كلامه ما لو بُعث نبيٌّ من أجلي خاصةً لما صَنَع أكثر منه
وكلامُ الحسن غيرُ كلام الناس وغيرُ كلام العلماء؛ فانه يتكلم من قلبه ومن روحه، ومن وجهه ولسانه؛ وناهيكم من رجل خاشعُ متصدعٍ من خشية الله لم يكن يُرَى مْقبلاً إلا وكأنه أقبل من دفن حميم قد أنزله في قبره بيده، ولا يُرى جالساً إلا وكأنه أسيرٌ أمروا بضرب عنقه، وإذا ذُكِرَتْ النار فكأنها لم تخلق إلا له وحده؛ رجلٌ كان في الحياة لتتكلم الحياةُ بلسانه أصدق كلماتها
فصاح صائح: يا أبا يحيى، التفسيرَ التفسير! وصاح المؤذنُ: الله أكبر. فقطع الشيخ وقال: التفسير إن شاء الله في المجلس الآتي
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 6789
١ - الغزو الياباني الاقتصادي لأسواق العالم
للأستاذ محمد عبد الله عنان
يشعر العالم المتمدن اليوم بأن قوة جديدة خطيرة قد نزلت إلى الميدان الصناعي والتجاري، وهذه القوة تندفع إلى الإمام بسرعة مدهشة، وتجرف أمامها كل حاجز وكل مقاومة، وتضطرب لها جميع أسواق العالم شرقية وغربية: تلك هي قوة الغزو التجاري الياباني الذي تهتز أمامه اليوم معظم الأمم الصناعية والتجارية، وترقب تفاقمه في خوف وهلع. ولقد كان هذا الغزو منذ عامين أو ثلاثة شديد الوطأة على بعض الأسواق الكبرى، ولا سيما أسواق الإمبراطورية البريطانية، ولكنه اليوم يغدو مشكلة عالمية. فمن آسيا إلى أفريقية وأوربا وأمريكا الجنوبية يجتاح هذا الغزو المدهش جميع الأسواق القديمة، ويلقي الذعر في دوائر الصناعة والتجارة العليا، ويثير أينما حل كثيراً من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. ولقد حاولت الدول الصناعية والتجارية الكبرى أن تحد من أخطار هذا الغزو بجميع الوسائل الممكنة، وفي مقدمتها الحماية الجمركية، ولكنها لم توفق حتى اليوم إلى صده بطريقة ناجعة، لأنه يعتمد في قوته واندفاعه على أسس اقتصادية محكمة، ويتفوق بمزاياه المدهشة على كل منافسة ومقاومة، ويتحدى كل إجراء لرده لا يستمد من نفس الأسس الاقتصادية التي يقوم عليها
وقد ظهرت طوالع هذا الغزو الياباني في المشرق بقوة: في الصين والهند وأفغانستان وفارس والبلاد العربية ومصر؛ واجتاح الأسواق القديمة في الحبشة، وفي شمال أفريقية وفي جنوبها؛ ثم اجتاح أسواق أمريكا الجنوبية؛ كل ذلك بسرعة مدهشة لم تترك مجالاً للقيام بأية مقاومة منظمة؛ ولم يكتف بمنافسة الصناعة الأوربية المؤثلة في أسواقها القديمة فيما وراء البحار، ولمنه نفذ إليها في نفس مواطنها ومر معظم الأمم الأوربية ذاتها، وأصبحت البضائع والمنتجات اليابانية تتدفق عليها كالسيل، وتنافس البضائع والمنتجات المحلية منافسة الحياة والموت. ولما كانت قوة الأمم الغربية ورفاهتها وسلطانها السياسي والاقتصادي في أفريقية وآسيا تقوم على صناعتها وتجارتها قبل كل شيء فأنا نستطيع أن نتصور ما يثيره هذا الغزو الياباني الخطر في معظم الأمم والحكومات الأوربية من عوامل الخوف والجزع
стр. 6790
ونحن في مصر نشعر منذ حين بآثار هذا الغزو تنمو وتتسع بسرعة، وتبدو واضحة فيما ينهمر على سوقنا المصرية من صنوف البضائع والسلع اليابانية الرخيصة المغرية مع ذلك. وتشمل هذه المنتجات اليابانية معظم الحاجات الشخصية والمنزلية؛ من ثياب وأقمشة وحرائر وأحذية وخردوات وساعات وأدوات وآلات كهربائية وآلات حديدية وقاطعة، وأنواع الآنية، والأدوات الكتابية واللعب وغيرها مما لا يقع تحت حصر؛ وقد ظهر أثر هذه المنافسة في بعض صناعاتنا الفتية مثل صناعة الغزل إذ أخذت الأقمشة اليابانية القطنية والحريرية الرخيصة في منافسة منتجاتنا منافسة قوية، وكذلك صناعة الأحذية فقد أخذت الأحذية اليابانية تتدفق على السوق المصرية بأثمان غير معقولة. على أن أثر الغزو الياباني لا يقف في مصر عند هذا الحد؛ وإذا كانت مصر لا تتمتع بصناعة واسعة يخشى عليها مباشرة من هذا الغزو، فأنها يجب أن تخشى منه بحق على مستقبل محصولها الرئيسي وهو القطن الذي تستهلكه الصناعة الأجنبية وتحتاج إليه أشد الحاجة؛ ومن الواضح أن مستقبل القطن المصري يتوقف على رخاء الصناعات التي تقوم عليه وتستمد حاجتها منه؛ ولما كان الغزو الصناعي الياباني قد أخذ يهدد صناعة القطن في لانكشير، وهي أعظم عميل للقطن المصري، ويهدد الأسواق التي تعتمد عليها لانكشير في تصريف منتجاتها، فانه يحق لنا في مصر أن نرقب سير هذا الغزو الياباني بمنتهى الاهتمام، وأن نفكر فيما عسى أن يترتب على هذا الصراع الاقتصادي الخطير بين الصناعات الأوربية القديمة وبين اليابان في حياتنا الاقتصادية من الآثار
وسنحاول في هذا المقال عرض الموضوع من الناحية العامة، ودرس العوامل والأسباب التي مكنت اليابان من تنظيم غزوتها الاقتصادية المدهشة، ومن النجاح في مغالبة الصناعات الأوربية الراسخة، على حداثة عهدها بالنهضة الصناعية الحديثة
إن وثبة اليابان الحديثة ترجع إلى فاتحة هذا القرن فقط، أعني إلى انتصارها الباهر في الحرب التي خاضت غمارها مع روسيا سنة ١٩٠٥؛ فقد كان أول نصر حاسم أحرزته في العصر الحديث دولة أسيوية على دولة أوربية عظمى؛ وكانت أوربا القديمة تعتقد قبل ذلك في مناعتها، وتوقن أن العصر الذي تستطيع فيه دولة شرقية أن تهزم دولة غربية قد انتهى إلى الأبد، فجاء انتصار اليابان على روسيا مبدداً لهذا الحلم؛ وشعرت اليابان بقوتها
стр. 6791
ومنعتها، وازدادت ثقة بمستقبلها وحقها في تبوأ مكانتها الحقة بين الدول العظمى؛ ومن ذلك الحين تسير اليابان في ميدان التقدم الحديث بخطى مدهشة، وقد كان هذا التقدم في المبدأ محصوراً في أسيا، أو بعبارة أخرى في الشرق الأقصى؛ ولكن اليابان أخذت منذ نهاية الحرب الكبرى تتجه نحو الغرب بخطى سريعة؛ وكان الصراع بين اليابان والغرب يدور أولاً حول الغزو السياسي والاقتصادي للصين؛ فلما شعرت الأمم الغربية بأن نفوذها الاستعماري القديم في الصين أخذ يهتز ويضطرب أمام التقدم الياباني أرسلت صيحتها ونذيرها بالخطر الأصفر، وحاولت أن تصبغ المعركة الاستعمارية الاقتصادية بصبغة جنسية؛ ولكن هذه المعركة التي تضطرم حول اقتسام الصين واستعمارها انتهت أخيراً بانتصار اليابان على الدول الغربية؛ واستطاعت اليابان إلى جانب كوريا التي تملكها منذ بعيد، ن تغزو منشوريا وأن تستولي عليها، وبذا أصبحت تملك في الصين إمبراطورية استعمارية شاسعة غنية بمواردها. ولم تقف اليابان عند هذا الحد، بل أعلنت رداً على صيحة الخطر الأصفر، ما يشبه مبدأ مونرو الأمريكي، وهو أنها تعتبر نفسها صاحبة الحق الأول في استعمار الصين، وأنها ستقاوم منذ الآن فصاعداً أية محاولة من جانب الدول الغربية لتوسيع نفوذها السياسي والاستعماري في الصين
ولما حققت اليابان برنامجها الأول في الشرق الأقصى، ضاعفت جهودها في الاتجاه نحو الغرب ومنافسته في ميادينه الصناعية والتجارية، واستطاعت أن تنظم هذا الغزو الاقتصادي الجارف. ونستطيع أن نجمل أهم العوامل التي تعتمد عليها اليابان في تنظيمه في أمرين: الأول وفرة اليد العاملة، والثاني رخص العمل والأجور بنسب مدهشة. وقد نما الشعب الياباني في العصر الأخير نمواً سريعاً، وأضحى يبلغ اليوم خمسة وستين مليوناً في جزائر اليابان وحدها، هذا عدا كوريا وسكانها عشرة ملايين.
ويزيد الشعب الياباني في العام مليوناً، وهي نسبة مدهشة، ويرجع احتشاد الشعب الياباني في جزائره على هذا النحو إلى كثرة النسل التي لم تتأثر بنظريات المدنية الحديثة ووسائلها في ضبط النسل، وعدم إقبال اليابانيين على الهجرة، ووضع الأمم الغربية الحواجز في سبيل هجرتهم. وتدل الإحصاءات الأخيرة على أن عدد اليابانيين المهاجرين لا يزيد عددهم على أكثر من سبعمائة ألف في جميع أنحاء العالم. والياباني ميال بالطبيعة إلى البقاء في
стр. 6792
وطنه؛ ومما يذكي هذه الرغبة في نفسه نظام الملكية الصغيرة التي تسمّره في أرضه. وقد كان هذا الاحتشاد الهائل في تلك الجزر الصغيرة وتعذر سبل الهجرة من أكبر العوامل في دفع اليابان إلى اعتناق الفكرة الصناعية، والعمل على تحويل اليابان إلى بسيط شاسع من الصناعات الكبيرة التي تستطيع أن تستغرق هذه الملايين العديدة وان تمدها بالقوت. وقد نجحت هذه السياسة نجاحاً عظيما، حتى كان عدد المصانع يزداد في العصر الأخير بمعدل مائة إلى ثلاثمائة في العام الواحد. وكان عدد هذه المصانع سنة ١٩١٧ يزيد قليلاً عن ألفين، فوصل في سنة ١٩٢٩ إلى ٥٩٨٨٧ مصنعاً! ثم زاد في الأعوام الأخيرة زيادة كبيرة
ومن الغريب أن اليابان استطاعت أن تقوم بهذه المعجزة الصناعية رغم كونها ليست غنية في الموارد والمواد الأولية؛ فهي في الواقع تستورد كثيراً من المواد الأولية من الخارج. ولكن اليابان غنية في بعض المواد الحيوية كالفحم، فهي تملك منه مقادير وافرة، وتصدر منه أحياناً؛ وتملك أيضاً مقادير وافرة من البترول والحديد، ولكنها لا تفي بحاجتها. أما في المواد الأولية الزراعية فاليابان فقيرة جداً، وهي تستورد معظم ما تحتاج إليه من القطن والصوف والجلد وغيرها، على أن هذا النقص لا يمنع صناعتها من التقدم بخطى جبارة؛ فقد استطاعت كما سنفصل بعد أن تأخذ المحل الثالث في الصناعات القطنية بعد إنكلترا والولايات المتحدة رغم كونها تستورد القطن من الخارج
ومن الطبيعي أن يؤدي احتشاد السكان ووفرة الأيدي العاملة إلى رخص الأجور. ومسألة الأجور هذه إحدى معجزات الصناعة اليابانية ونعمها السابغة، وهي معقدة متنوعة النواحي؛ وتنخفض الأجور في اليابان إلى حدود غير معقولة؛ وللعامل الياباني (معيار للمعيشة) في منتهى التواضع، وليست له طلبات خاصة، فهو قنوع جد القناعة لا يطمح إلى أكثر مما يحقق ضرورات العيش، ولا يفكر في شيء من ألوان المتعة والترف التي يطمح إليها العامل الأوربي. وهو صبور لا يحسب في العمل حساباً للقوت، وليس له تشريع عملي يحميه، ولم يعرف بعد شيئاً من تلك النزعة العدائية التي تجعل العمل ورأس المال في الغرب خصمين دائمين، والتي تحفز الكتلة العاملة إلى الجهاد المستمر في سبيل حقوقها المادية والمعنوية. ومن الصعب أن نقدم بياناً رقمياً عن الأجور في اليابان يمثل حقيقة ما يكسبه العامل، لأن الأجور النقدية تدعم أحياناً بأنواع من المعاونات الخاصة، كالتعويض
стр. 6793
عن العمل الزائد، والمكافآت، ثم الأجور النوعية كتقديم الطعام أو المسكن أو الثياب. ولكن يستدل من المباحث التي أجراها مكتب العمل الدولي أن متوسط أجرة العامل الياباني تبلغ في اليوم: (١) في الصناعات الفنية ٢. ٢٠ ين (١١ فرنا - أو نحو ١٥ قرشاً) (٢) وفي المناجم ١. ٨٠ ين (٩ فرنكات أو نحو ١١ قرشاً) ويبلغ متوسط ما تأخذ المرأة ١. ٠٣ ين (نحو خمسة فرنكات أو سبعة قروش). وهذه النسبة تعتبر مرتفعة بالنسبة لبعض الصناعات الخفيفة مثل صناعة الغزل حيث يبلغ معدل الأجور أقل من ين أو نحو أربعة أو خمسة قروش. وفي كثير من الصناعات لا يزيد مستوى الأجور على مستوى الأجور الزراعية العادية
وفي الصناعات الصغيرة يوجد نظام مشترك في العمل والحياة يشبه نظام الأسرة، ومما تجدر ملاحظته إن كثيراً من أصحاب المصانع في اليابان لم يتأثروا بعد بنظريات الرأسمالية الغربية في استغلال الفرد، وما زالت تسود لديهم الفكرة العائلية القديمة في اعتبار صاحب العمل والعمال الذين معه، أسرة واحدة ترتبط برباط الأخوة والمصلحة المشتركة، وفي كثير من المعامل الصغيرة يتناول العمال طعامهم في المصنع ويقيمون في مساكن يعدها لهم صاحب العمل؛ ويقوم صاحب العمل بقسطه من العمل كباقي العمال، ويتناول طعامه معهم، ويعيش مثلهم في نفس المسكن، ولا يشعر العمال في هذا الجو إلا أنهم مع سيدهم زملاء وأخوة؛ وهذا النظام العائلي يعاون على الإنتاج في ظروف وتكاليف يسيرة لا تمكن منافستها على الإطلاق
ويرتبط بالعمل والأجور مسألة ساعات العمل، وهي من العناصر الهامة في تكاليف الإنتاج. ومن المعروف أن الكتلة العاملة في الأمم الغربية استطاعت أن تصل في تخفيض ساعات العمل وفي تقرير أيام العطلة والإجازات الدورية إلى نتائج مرضية جداً؛ فالأسبوع الصناعي في معظم الدول الغربية لا يتجاوز اليوم ٤٢ ساعة، ولا يتجاوز اليوم الصناعي ست ساعات أو سبعاً، وللعامل يوم عطلة أسبوعي مقرر هو يوم الأحد، وله فوق ذلك حق في إجازة سنوية أو دورية معينة تختلف باختلاف الظروف؛ وهذه الحقوق كلها مقررة بالتشريع؛ أما في اليابان فلا توجد فكرة التحديد في الزمن، وتدل المباحث الأخيرة على أن معدل اليوم الصناعي في معظم الصناعات اليابانية لا يقل عن عشر ساعات، على أنه لا
стр. 6794
توجد لذلك حدود أو قيود قانونية إلا فيما يتعلق بالنساء والأحداث، فاليوم العملي لهؤلاء يجب ألا يزيد على إحدى عشرة ساعة، والقانون يقضي بأن يمنحوا راحة مقدارها ساعة إذا زاد يوم العمل على عشر ساعات، ولا توجد في اليابان راحة أسبوعية للعمال كما في أوربا، لأن يوم الأحد هو عطلة نصرانية لا تقرها التقاليد اليابانية؛ ولا تعرف هذه التقاليد من جهة أخرى يوماً معيناً تخصصه للعطلة الأسبوعية، وقد كان في مشروع اتفاق واشنطون، في المادة الخاصة باليابان أن يمنح جميع العمال على اختلاف طوائفهم عطلة أسبوعية قدرها أربع وعشرون ساعة، ولكن اليابان لم تقر هذا الاتفاق. على أن المعامل الكبيرة اعتادت أن تمنح عمالها عطلة مقدارها يومان في الشهر، يوم في منتصف الشهر ويوم في نهايته؛ على أنه لا توجد لذلك كما قدمنا قواعد ثابتة، والعمال اليابانيون أنفسهم ينفرون من فكرة الراحة الدورية خوفاً من أن تنقص أجورهم تبعاً لتقريرها
ومما تقدم نرى أن الصناعة اليابانية تعمل في ظروف مدهشة تستطيع معها غزو كل سوق وسحق كل منافسة، وقد لخص كاتب اقتصادي وثبة اليابان الصناعية في هذه الكلمات: (إن الأجور الصناعية في اليابان سويت بالأجور الزراعية، وغدت ثلث ما كانت عليه سنة ١٩٢٩؛ وأسبوع العمل ستون ساعة؛ وقد يبلغ طبقاً لبعض الإحصاءات في صناعة القطن مائة وعشرين ساعة، وفي اليابان شعب يزيد في العام مليوناً، والعنصر البشري يعني به أكثر مما يعني بالآلات. . . وتلك في الواقع مدنية صناعية جديدة بين النظم الفنية الأمريكية ورخص العمل الشرقي، فمدير المصنع الياباني يتناول مرتباً قدره (١٧٠٠ ليرة) (نحو ٣٠ جنيهاً) وهو خمس ما يتناوله زميله الأمريكي. وأثمان المنتجات اليابانية أقل بنحو خمسة وثلاثين في المائة من أثمان منتجات أي سوق أوربية أو أمريكية). وأشار السنيور موسوليني في إحدى خطبه أمام مجلس النقابات الصناعي إلى نهضة اليابان الصناعية بقوله: (هنالك فيما وراء الاطلانطيق تفتحت مشاريع صناعية ورأسمالية هائلة؛ ولكن ثمة في الشرق الأقصى توجد اليابان وهي منذ أن اتصلت بأوربا في حرب سنة ١٩٠٥، تتقدم نحو الغرب بخطى شاسعة)
ويجب أن نذكر ما لنشاط اليابان البحري من أثر في تنظيم هذا الغزو، فلليابان أسطول تجاري ضخم يربطها بأوربا وأمريكا وجميع أنحاء العالم؛ ويعمل هذا الأسطول لحمل
стр. 6795
التجارة اليابانية إلى ما وراء البحار في ظروف مشجعة جداً، ويصطبغ عمله بلون التعاون القومي لأنه يعتبر أداة قوية لنشر التجارة اليابانية تسخر كل قواها ونشاطها لتحقيق هذه الغاية
وسنحاول أن نبحث في فصل آخر ما لهذا الغزو الاقتصادي الياباني من أثر في السوق المصرية وفي الاقتصادي المصري
محمد عبد الله عنان المحامي
следующие страницы →