← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

ومنعتها، وازدادت ثقة بمستقبلها وحقها في تبوأ مكانتها الحقة بين الدول العظمى؛ ومن ذلك الحين تسير اليابان في ميدان التقدم الحديث بخطى مدهشة، وقد كان هذا التقدم في المبدأ محصوراً في أسيا، أو بعبارة أخرى في الشرق الأقصى؛ ولكن اليابان أخذت منذ نهاية الحرب الكبرى تتجه نحو الغرب بخطى سريعة؛ وكان الصراع بين اليابان والغرب يدور أولاً حول الغزو السياسي والاقتصادي للصين؛ فلما شعرت الأمم الغربية بأن نفوذها الاستعماري القديم في الصين أخذ يهتز ويضطرب أمام التقدم الياباني أرسلت صيحتها ونذيرها بالخطر الأصفر، وحاولت أن تصبغ المعركة الاستعمارية الاقتصادية بصبغة جنسية؛ ولكن هذه المعركة التي تضطرم حول اقتسام الصين واستعمارها انتهت أخيراً بانتصار اليابان على الدول الغربية؛ واستطاعت اليابان إلى جانب كوريا التي تملكها منذ بعيد، ن تغزو منشوريا وأن تستولي عليها، وبذا أصبحت تملك في الصين إمبراطورية استعمارية شاسعة غنية بمواردها. ولم تقف اليابان عند هذا الحد، بل أعلنت رداً على صيحة الخطر الأصفر، ما يشبه مبدأ مونرو الأمريكي، وهو أنها تعتبر نفسها صاحبة الحق الأول في استعمار الصين، وأنها ستقاوم منذ الآن فصاعداً أية محاولة من جانب الدول الغربية لتوسيع نفوذها السياسي والاستعماري في الصين ولما حققت اليابان برنامجها الأول في الشرق الأقصى، ضاعفت جهودها في الاتجاه نحو الغرب ومنافسته في ميادينه الصناعية والتجارية، واستطاعت أن تنظم هذا الغزو الاقتصادي الجارف. ونستطيع أن نجمل أهم العوامل التي تعتمد عليها اليابان في تنظيمه في أمرين: الأول وفرة اليد العاملة، والثاني رخص العمل والأجور بنسب مدهشة. وقد نما الشعب الياباني في العصر الأخير نمواً سريعاً، وأضحى يبلغ اليوم خمسة وستين مليوناً في جزائر اليابان وحدها، هذا عدا كوريا وسكانها عشرة ملايين. ويزيد الشعب الياباني في العام مليوناً، وهي نسبة مدهشة، ويرجع احتشاد الشعب الياباني في جزائره على هذا النحو إلى كثرة النسل التي لم تتأثر بنظريات المدنية الحديثة ووسائلها في ضبط النسل، وعدم إقبال اليابانيين على الهجرة، ووضع الأمم الغربية الحواجز في سبيل هجرتهم. وتدل الإحصاءات الأخيرة على أن عدد اليابانيين المهاجرين لا يزيد عددهم على أكثر من سبعمائة ألف في جميع أنحاء العالم. والياباني ميال بالطبيعة إلى البقاء في

стр. 6792

وطنه؛ ومما يذكي هذه الرغبة في نفسه نظام الملكية الصغيرة التي تسمّره في أرضه. وقد كان هذا الاحتشاد الهائل في تلك الجزر الصغيرة وتعذر سبل الهجرة من أكبر العوامل في دفع اليابان إلى اعتناق الفكرة الصناعية، والعمل على تحويل اليابان إلى بسيط شاسع من الصناعات الكبيرة التي تستطيع أن تستغرق هذه الملايين العديدة وان تمدها بالقوت. وقد نجحت هذه السياسة نجاحاً عظيما، حتى كان عدد المصانع يزداد في العصر الأخير بمعدل مائة إلى ثلاثمائة في العام الواحد. وكان عدد هذه المصانع سنة ١٩١٧ يزيد قليلاً عن ألفين، فوصل في سنة ١٩٢٩ إلى ٥٩٨٨٧ مصنعاً! ثم زاد في الأعوام الأخيرة زيادة كبيرة ومن الغريب أن اليابان استطاعت أن تقوم بهذه المعجزة الصناعية رغم كونها ليست غنية في الموارد والمواد الأولية؛ فهي في الواقع تستورد كثيراً من المواد الأولية من الخارج. ولكن اليابان غنية في بعض المواد الحيوية كالفحم، فهي تملك منه مقادير وافرة، وتصدر منه أحياناً؛ وتملك أيضاً مقادير وافرة من البترول والحديد، ولكنها لا تفي بحاجتها. أما في المواد الأولية الزراعية فاليابان فقيرة جداً، وهي تستورد معظم ما تحتاج إليه من القطن والصوف والجلد وغيرها، على أن هذا النقص لا يمنع صناعتها من التقدم بخطى جبارة؛ فقد استطاعت كما سنفصل بعد أن تأخذ المحل الثالث في الصناعات القطنية بعد إنكلترا والولايات المتحدة رغم كونها تستورد القطن من الخارج ومن الطبيعي أن يؤدي احتشاد السكان ووفرة الأيدي العاملة إلى رخص الأجور. ومسألة الأجور هذه إحدى معجزات الصناعة اليابانية ونعمها السابغة، وهي معقدة متنوعة النواحي؛ وتنخفض الأجور في اليابان إلى حدود غير معقولة؛ وللعامل الياباني (معيار للمعيشة) في منتهى التواضع، وليست له طلبات خاصة، فهو قنوع جد القناعة لا يطمح إلى أكثر مما يحقق ضرورات العيش، ولا يفكر في شيء من ألوان المتعة والترف التي يطمح إليها العامل الأوربي. وهو صبور لا يحسب في العمل حساباً للقوت، وليس له تشريع عملي يحميه، ولم يعرف بعد شيئاً من تلك النزعة العدائية التي تجعل العمل ورأس المال في الغرب خصمين دائمين، والتي تحفز الكتلة العاملة إلى الجهاد المستمر في سبيل حقوقها المادية والمعنوية. ومن الصعب أن نقدم بياناً رقمياً عن الأجور في اليابان يمثل حقيقة ما يكسبه العامل، لأن الأجور النقدية تدعم أحياناً بأنواع من المعاونات الخاصة، كالتعويض

стр. 6793

عن العمل الزائد، والمكافآت، ثم الأجور النوعية كتقديم الطعام أو المسكن أو الثياب. ولكن يستدل من المباحث التي أجراها مكتب العمل الدولي أن متوسط أجرة العامل الياباني تبلغ في اليوم: (١) في الصناعات الفنية ٢. ٢٠ ين (١١ فرنا - أو نحو ١٥ قرشاً) (٢) وفي المناجم ١. ٨٠ ين (٩ فرنكات أو نحو ١١ قرشاً) ويبلغ متوسط ما تأخذ المرأة ١. ٠٣ ين (نحو خمسة فرنكات أو سبعة قروش). وهذه النسبة تعتبر مرتفعة بالنسبة لبعض الصناعات الخفيفة مثل صناعة الغزل حيث يبلغ معدل الأجور أقل من ين أو نحو أربعة أو خمسة قروش. وفي كثير من الصناعات لا يزيد مستوى الأجور على مستوى الأجور الزراعية العادية وفي الصناعات الصغيرة يوجد نظام مشترك في العمل والحياة يشبه نظام الأسرة، ومما تجدر ملاحظته إن كثيراً من أصحاب المصانع في اليابان لم يتأثروا بعد بنظريات الرأسمالية الغربية في استغلال الفرد، وما زالت تسود لديهم الفكرة العائلية القديمة في اعتبار صاحب العمل والعمال الذين معه، أسرة واحدة ترتبط برباط الأخوة والمصلحة المشتركة، وفي كثير من المعامل الصغيرة يتناول العمال طعامهم في المصنع ويقيمون في مساكن يعدها لهم صاحب العمل؛ ويقوم صاحب العمل بقسطه من العمل كباقي العمال، ويتناول طعامه معهم، ويعيش مثلهم في نفس المسكن، ولا يشعر العمال في هذا الجو إلا أنهم مع سيدهم زملاء وأخوة؛ وهذا النظام العائلي يعاون على الإنتاج في ظروف وتكاليف يسيرة لا تمكن منافستها على الإطلاق ويرتبط بالعمل والأجور مسألة ساعات العمل، وهي من العناصر الهامة في تكاليف الإنتاج. ومن المعروف أن الكتلة العاملة في الأمم الغربية استطاعت أن تصل في تخفيض ساعات العمل وفي تقرير أيام العطلة والإجازات الدورية إلى نتائج مرضية جداً؛ فالأسبوع الصناعي في معظم الدول الغربية لا يتجاوز اليوم ٤٢ ساعة، ولا يتجاوز اليوم الصناعي ست ساعات أو سبعاً، وللعامل يوم عطلة أسبوعي مقرر هو يوم الأحد، وله فوق ذلك حق في إجازة سنوية أو دورية معينة تختلف باختلاف الظروف؛ وهذه الحقوق كلها مقررة بالتشريع؛ أما في اليابان فلا توجد فكرة التحديد في الزمن، وتدل المباحث الأخيرة على أن معدل اليوم الصناعي في معظم الصناعات اليابانية لا يقل عن عشر ساعات، على أنه لا

стр. 6794

توجد لذلك حدود أو قيود قانونية إلا فيما يتعلق بالنساء والأحداث، فاليوم العملي لهؤلاء يجب ألا يزيد على إحدى عشرة ساعة، والقانون يقضي بأن يمنحوا راحة مقدارها ساعة إذا زاد يوم العمل على عشر ساعات، ولا توجد في اليابان راحة أسبوعية للعمال كما في أوربا، لأن يوم الأحد هو عطلة نصرانية لا تقرها التقاليد اليابانية؛ ولا تعرف هذه التقاليد من جهة أخرى يوماً معيناً تخصصه للعطلة الأسبوعية، وقد كان في مشروع اتفاق واشنطون، في المادة الخاصة باليابان أن يمنح جميع العمال على اختلاف طوائفهم عطلة أسبوعية قدرها أربع وعشرون ساعة، ولكن اليابان لم تقر هذا الاتفاق. على أن المعامل الكبيرة اعتادت أن تمنح عمالها عطلة مقدارها يومان في الشهر، يوم في منتصف الشهر ويوم في نهايته؛ على أنه لا توجد لذلك كما قدمنا قواعد ثابتة، والعمال اليابانيون أنفسهم ينفرون من فكرة الراحة الدورية خوفاً من أن تنقص أجورهم تبعاً لتقريرها ومما تقدم نرى أن الصناعة اليابانية تعمل في ظروف مدهشة تستطيع معها غزو كل سوق وسحق كل منافسة، وقد لخص كاتب اقتصادي وثبة اليابان الصناعية في هذه الكلمات: (إن الأجور الصناعية في اليابان سويت بالأجور الزراعية، وغدت ثلث ما كانت عليه سنة ١٩٢٩؛ وأسبوع العمل ستون ساعة؛ وقد يبلغ طبقاً لبعض الإحصاءات في صناعة القطن مائة وعشرين ساعة، وفي اليابان شعب يزيد في العام مليوناً، والعنصر البشري يعني به أكثر مما يعني بالآلات. . . وتلك في الواقع مدنية صناعية جديدة بين النظم الفنية الأمريكية ورخص العمل الشرقي، فمدير المصنع الياباني يتناول مرتباً قدره (١٧٠٠ ليرة) (نحو ٣٠ جنيهاً) وهو خمس ما يتناوله زميله الأمريكي. وأثمان المنتجات اليابانية أقل بنحو خمسة وثلاثين في المائة من أثمان منتجات أي سوق أوربية أو أمريكية). وأشار السنيور موسوليني في إحدى خطبه أمام مجلس النقابات الصناعي إلى نهضة اليابان الصناعية بقوله: (هنالك فيما وراء الاطلانطيق تفتحت مشاريع صناعية ورأسمالية هائلة؛ ولكن ثمة في الشرق الأقصى توجد اليابان وهي منذ أن اتصلت بأوربا في حرب سنة ١٩٠٥، تتقدم نحو الغرب بخطى شاسعة) ويجب أن نذكر ما لنشاط اليابان البحري من أثر في تنظيم هذا الغزو، فلليابان أسطول تجاري ضخم يربطها بأوربا وأمريكا وجميع أنحاء العالم؛ ويعمل هذا الأسطول لحمل

стр. 6795

التجارة اليابانية إلى ما وراء البحار في ظروف مشجعة جداً، ويصطبغ عمله بلون التعاون القومي لأنه يعتبر أداة قوية لنشر التجارة اليابانية تسخر كل قواها ونشاطها لتحقيق هذه الغاية وسنحاول أن نبحث في فصل آخر ما لهذا الغزو الاقتصادي الياباني من أثر في السوق المصرية وفي الاقتصادي المصري محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 6796

التاريخ الإسلامي للأستاذ علي الطنطاوي هذه حياة فخمة. . . . ليست حياة واحد، ولكنها حياة أمة، أمة حملت مصباح النور، حين عمّ الكون الظلام، وأرشدت العالم التائه في عُباب الجهل، إلى شاطئ العلم، وكانت حضارتها المدرسة الثانوية التي خرجت العقل البشري وثقفته، كما خرجته المدرسة الابتدائية اليونانية من قبلُ وثقفته. . . فكان لها الفضل على كل إنسان! حياة أبي بكر هي الصفحة الأولى من التاريخ الإسلامي، الذي بهر كل تاريخ وبذّه، والذي لم تحو تواريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف، والمجد والإخلاص. ذلك لأنه تاريخ الكمال الإنساني على وجه الأرض. . . . تاريخ المعجزة التي ظهرت في بطن مكة على يد رجل واحد؛ فلم تلبث حتى عمَّت مكة، ثم امتدت حتى شملت الجزيرة، ثم امتدت حتى بلغت أقصى الأرض. . . فكانت أكبر من الأرض، فامتدت في الزمان. . . . وستبلى الأرض، ويفني الزمان، والمعجزة باقية: (كلُّ مِنْ عَلَيْهاَ فَانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاِلِ وَألإِكْرَامِ) - (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذكْرَ وإِنِّأ لَهُ لَحَافِظُونَ) ذلك لأنه تاريخ الإسلام، الذي بدا سره في هذه الأمة البادية الجاهلة المتفرقة، فجعل منها أمة لم يكن ولن يكون لها نظير. . . . امتزجت روح الإسلام بأرواح المسلمين وغلبت عليها، ثم استأصلت منها حب الدنيا، وانتزعت منها الطمع والحسد، والغش والكذب، وأنشأت من أصحابها قوماً هم خلاصة البشر، وغاية ما يبلغه السمو الإنساني. . . أنشأت من أصحابها قوماً يغضبون لله، ويرضون لله، ويصمتون لله، وينطقون لله، قد ماتت في نفوسهم الأهواء، وبادت منها الشهوات، ولم يبق إلا دين يهدي، وعقل يستهدي قوم كان دليلهم الدين، وقانونهم هدى سيد المرسلين، وشعارهم شعار المساكين، وعيشهم عيش الزاهدين، ثم كانت فتوحهم فتوح الملوك الجبارين، وكانوا سادة العالمين؛ لم يمنعهم زهدهم من أن يكونوا أبطال الحروب وسادة الدنيا، ولم يفتنهم ما نالوا من مجد، وما بلغوا من جاه، عن دينهم وتقواهم قوم ينصب لهم أميرهم قاضياً، فيلبث سنة لا يختصم إليه اثنان! ولم يكونوا ليختصموا

стр. 6797

وبين أيديهم القرآن، وكل واحد منهم يعرف ما يحق له، فلا يطلب أكثر منه، ويعرف ما يجب عليه فلا يقصر في القيام به، ويحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى ليسلم الناس من لسانه ويده: إذا مرض المسلم عاده المسلمون، وإذا افتقر أعانوه، وإذا أحسن شكروه، وإذا ظُلُم نصروه، وإذا ظَلَم ردعوه، دينهم نصيحة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ أما إنهم لا يختصمون إلا على مكرمة وإحسان، ولقد كان عمر يتعاهد عجوزاً عمياء، في بعض حواشي المدينة، فكان يجيئها سحراً، فيجد امرأً قد سبقه إليها فبرها وأحسن اليها، واستسقى لها وأصلح من أمرها، فيعجب منه ويزيد في البكور، فلا يسبقهُ فرصده مرة من أول الليل، حتى جاء فإذا هو. . . . . أبو بكر الصديق، وهو يومئذ خليفة أو بكر وعمر يستبقان إلى بر عجوز عمياء، في بعض حواشي المدينة. . . الله أكبرّ عقمت أم التاريخ أن تلد مثل هذا التاريخ الذي يأتي بسيد الأمة، في ثوب خادم الأمة، حتى يفتش في الليل عن عجوز عمياء، أو رجل مقعد، أو أسرة محتاجة، أو مظلوم ضعيف، أو ظالم عاتٍ - ليخدم العجوز، ويحمل المقعد، ويساعد المحتاج، وينصر المظلوم، ويأخذ على يد الظالم، لا يبتغي على ذلك جزاء ولا شكوراً، لأنه يعمل لله، ولا يرجو الثوب من غير الله. . . الله أكبرّ ضل قوم زعموا أن الإسلام إنما أنتشر بالسيف، لا والله! إنما انتشر بمثل هذه الأخلاق السماوية، إنما فتح المسلمون ثلاثة أرباع العالم المتمدن، بهذا الإيمان الذي ملأ قلوبهم، وهذا النور الذي اشرق على نفوسهم، وهذه القوة التي عادت بها عليهم عقيدة التوحيد. علموا أن الله هو الفعال لما يريد، وانه المتصرف في جميع الأكوان، وأن كل شيء بقضاء منه وقدر، وأنهم إن غُيِّب عنهم القدر، وخفي عليهم علمه، فقد أنزل عليهم القرآن، ووضح لهم سبيله فاتبعوه القرآن، ووقفوا عن أمره ونهيه، فكتبوا في سجل القدر من السعداء والمؤمن الذي يعلم أن الله هو الفرد الصمد، الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأنه لا يجير عليه من نبي ولا رسول، ولا يشفع عنده ألا بأذنه، وليس بينه وبين العبد واسطة ولا نسب، ويعلم أن الله ينصر من ينصره، وأنه لا يضع أجر من أحسن

стр. 6798

عملاً، لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يبالي بشيء إذا كان مع الله، ولا يطمع في جوار أحد إذا كان جاراً الله، ولا يحفل بالدنيا وما فيها إذا باع نفيه من الله راضياً مختاراً، بأن له الجنة. . . . كانت هذه العقيدة أصل كل خير ناله المسلمون الأولون، وكان وهنها في النفوس اصل كل شر نال المسلمين المتأخرين الذين أفسدوا عقيدة التوحيد بما شرعوا لأنفسهم من البدع والعقائد، فتفرقوا أيدي سبا، وذلوا في أرضهم، وهوجموا في عقر دارهم، وحفظ المسلمون الأولون على هذه العقيدة صفاءها وجمالها. ففتحوا ما فتحوا، وكان فتحهم أعجوبة التاريخ، يقف أمامها العقل خاشعاً للعظمة والجلال، حائراً للغموض والخفاء. أمة بدوية على غاية ما تكون عليه الأمم البادية من الخلاف والجهل، لا دين يوحد قبائلها ويهذب من نفوسها، ولا جامعة تجمعها، ولا حكومة تدير أمورها، اللهم إلا حكومة في العراق تخضع لملوك العجم، وحكومة في الشام تطيع ملوك الروم وتلبث على ذلك عصوراً. . . . ثم تنهض نهضة الأسد، تحمل في يمناها نور القرآن، تضيء به للشعوب طريق المجد في الدنيا، والسعادة في الآخرة. وفي يسراها السيف تردُّ به الضالين المعاندين، المصرّين على الضلال، إلى سبيل الحق والهدى ويبدو فيها سر الإسلام بيّناً جلياً، فإذا هذا التفرق وهذه الجاهلية، أخوة في الإسلام، وتمسك بالفضائل، وإذا هذا الضعف قوة لا تعدلها قوة، وإذا هذه الحمية الجاهلية تواضع لله، ورضا بأحكامه، ونزول عند أوامره ونواهيه، وإذا بدوي من بني وهيب يكون بسر الإسلام - قائداً من أعظم قواد الدنيا - يهدُّ أقوى صرح للظلم، ويدك أكبر بنيان للجور على وجه الأرض، ويغرس في (القادسية) مكان الجبروت الفارسي بذور الحضارة الإسلامية التي نمت وازدهرت حتى أظلت الدنيا وإذا بدوي قاسٍ غليظ من بني عدي يكون بسر الإسلام عظيماً من عظماء التاريخ، يبرز في العلم والسياسية والبلاغة، ويكون له القدح المعلى، في فنون الفكر، وفنون الحرب، وفنون القول، ويسوس وحده الجزيرة وسورية والعراق ومصر وإفريقية فلا يعرف التاريخ أعدلَ ولا أقوم ولا أفضل منه - حاشا رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار وإذا تاجر من تجار مكة يكون بسر الإسلام، أعظم العظماء، بعد الأنبياء

стр. 6799

هذه أعجوبة التاريخ، وهذا هو الفتح الأعظم! أجل! إن الفتح الإسلامي لهو الفتح الأعظم، الذي لم يعرف التاريخ فتحاً مثله. وكثيرٌ هم الفاتحون، الذين فتحوا بلاداً واسعة بسيوفهم، وأخضعوها بجندهم، وحكموها بقوتهم وسطوتهم، ولكن ليس فيهم مثل المسلمين، الذي فتحوا البلاد بإيمانهم، وفتحوا القلوب بعد لهم، وفتحوا العقول بعلمهم، فكانوا أصحاب السلطان، وكانوا دعاة الإيمان، وكانوا بُناة المجد والحضارة والعمران طبقوا في القرن السابع قواعد الحرب الإنسانية - التي علمت بها أوربة في القرن التاسع عشر وسعت إلى تطبيقها في القرن العشرين، فلما لم تفلح وغلبت طباعها الذئبية على إنسانيتها المصطنعة، اكتفت منها بتسطيرها في كتب الحقوق الدولية واخذ المجددون من الشرقيين. . . . . ببريقها ولمعانها! لقد فتحنا ثلاثة أرباع العالم المتمدن، ولكنا كنا نحمل العلم والهدى، والعدل والغنى، إلى البلاد التي نفتحها، وكنا لا نعمد إلى الحرب إلا إذا اختار أعداؤنا الحرب، وأبوا أن يلبوا داعي الله - ثم لا نخون ولا نغدر، ولا نغل ولا نمثل، ولا نقتل رسولاً ولا نهدم منزلاً، ولا ننازل عُزلاً، ولا نهيج معتزلاً، ولا نمس عابداً متبتلاً. ثم إذا صالحنا أعداؤنا، ودخلوا في ذمتنا، حميناهم مما نحمي منه أولادنا وأهلينا، وإذا أسلموا كانوا إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا، لا يفرق بين المسلمين عرق ولا لغة، ولا جاه ولا نسب، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى فأين هذه الفتوح من فتوح الاستعمار التي أثارتها أوربا؟ فتحنا البلاد فتركنا أهلها أحراراً في دينهم ومعابدهم، أحراراً في قضائهم ونظمهم، أحراراً في أموالهم وأولادهم، فملكنا بالعدل قلوب الناس وأسعدناهم بالعلم، وبسطنا عليهم ظلال الأمن، ونشرنا فوقهم لواء الحضارة، حتى لقد صار أهل البلاد يستصرخون المسلمين على حكوماتهم، ويبذلون لهم عونهم على ملوكهم لا بغضاً لملوكهم ولا عداء لأوطانهم، ولكن حباً في العدل، ورغبة في السلام، وشوقاً إلى العلم والحضارة والعمران فتحنا الحيرة فأهدى أهلها طائعين مختارين هدية إلى أبي بكر فقلبها وعدها من الجزية عدلاً منه وتعففاً، وخشية أن يظلم أهل ذمته، أو أن يكلفهم شططاً، وتفتحون البلاد فَتَبْتزون

стр. 6800

أموالها ابتزازاً، وتمتصون دماءها امتصاصاً، وتمدون أيديكم إلى كل خير فيها هكذا كانت فتوحنا وهذه فتوحكم: مَلكْناَ فكانَ العْدَلُ مِنَّا سَجِيَّةً … فلمَّا مَلَكْتُمْ سَالَ بالدَّمِ أَبْطَحُ وَحَلَّلْتُمُ قَتْلَ الأسُارى وَطالَما … غَدَوْنَا عَلَى الأَسْرى نَمُنُّ وَنَصفَح فَحَسْبُكُم هذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا … فَكُلُّ إِنَاءٍ بالَّذِيِ فِيهِ يَنْضَحُ ولم يظهر سر الإسلام في الفتوح، وفي الخلفاء والأمراء فقط، بل لقد ظهر في المسلمين جميعاً، فجعل من نفوس النساء والعجائز والأطفال مناراً يهتدي به الناس، ومثلاً أعلى للنفوس الكبيرة، حتى أن أبا بكر ليقسم مالاً بين النساء، ويبعث إلى عجوز من بني النجار بقسمها من هذا المال، مع زيد بن ثابت فتقول: - ما هذا؟ - فيقول: مال قسمه أبو بكر بين النساء - فتقول: أترشونني عن ديني - فيقول: لا - فتقول: أتخافون أن أدع ما أنا عليه؟ - فيقول: لا - فتقول: والله لا آخذ منه شيئاً لا تأخذ منه شيئاً، لأنها لم تسلم رغبة ولا رهبة، ولكنها أسلمت لله، فهي تبتغي ما عند الله لا تأخذ منه شيئاً، لأنها لا تحب أن يدخل بينها وبين ربها فيشغلها عن الإخلاص لدينها، ويطمعها المال في المال، فتزيد في العبادة، وتبالغ في التدين، فتكون كأنما تعبدت للمال، وعقيدة التوحيد، التي استقرت في نفس هذه العجوز، كما استقرت في كبار الصحابة وعلمائهم، تدفعها إلى أن تعمل لله وحده، وتسأل الله وحده، وتؤمن بالله وحده وتجتمع فئة من المسلين معارضة تريد أن تستأثر بالحكم، لأنها ترى لها فيه حقاً، ولا تقبل في ذلك هوادة، ثم يأتيها ثلاثة رجال من الفئة التي تعارضها، وتجتمع لتناوئها، فترجع عما اعتزمته بكلمة واحدة تبصر فيها ضياء الحق قال عمر للأنصار يوم السقيفة: - ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر للصلاة؟ - قالوا بلى - قال: فآيكم تطيب نفسه أن يتقدم من قدمه رسول الله ﷺ ؟

стр. 6801

- قالوا: لا أحد! - ثم قاموا يبتدرون البيعة فأين هذا من منازعات الأحزاب على الحكم في الدولة الراقية في القرن العشرين؟ وأين ديمقراطية أوربة ودعواها الخلاص من الحكم الفردي من ديمقراطية المسلمين الأولين؟ أما إن استبداد لويس الرابع عشر، هو استبداد روبسبير، وهو هو استبداد هلتر، لم تنج أوربة من الاستبداد في الحكم يوماً واحداً، ولم يحقق النظام البرلماني شيئاً من أمانيها الديمقراطية ومبادئها البراقة التي تخدع بها الأطفال الكبار من الشرقيين أما نظام الحكم في الإسلام، فهو النظام الديمقراطي الصحيح، الذي لا يجعل من أمير المؤمنين أكثر من منفذ للقانون الإلهي الثابت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهو أبعد شيء عن النظام الملكي الوراثي. وكان المسلمون الأولون يفهمون هذا النظام أصح فهم وأجودّه، وكأن العامل من عمالهم يعلم أنه إنما يسأل عن عمله بين يدي الله، وإنما يقوم به لمصلحة المسلمين لا لرضاء أمير المؤمنين، وقد يبالغون في ذلك حتى أن مُعاذ بن أيمن يقدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فيقول له أبو بكر: ارفع حسابك. فيقول: أحسابان: حساب من الله وحساب منكم؟ والله لا ألي لكم عملاً أبداً ويطلب أمير المؤمنين عثمان من خازنه مالاً، فيأباه عليه. فيقول: (إنما أنت خازن لنا، إذا أعطيناك فخذ، وإذا سكتنا عنك فاسكت) فيقول الخازن لأمير المؤمنين: (ما أنا لك بخازن، ولا لأهل بيتك، إنما أنا خازن المسلمين: ثم يجيء يوم الجمعة وأمير المؤمنين يخطب فيقول (أيها الناس: زعم عثمان أني خازن له ولأهل بيته، وإنما كنت خازناً للمسلمين، وهذه مفاتيح بيت مالكم) ويرمي بها. . . هذا هو تاريخ المعجزة التي جاء بها سيد العالمين محمد رسول الله ﷺ ، وهذا هو تاريخ الإنسانية الكاملة، تاريخ المسلمين الأولين، خلاصة البشرية. فطالعوه يا شبان المسلمين، وتدارسوه، واسعوا لتكتبوا هذا التاريخ مرة ثانية على صفحة الحياة. . . وتقولوا للعالم بأفعالكم لا بأقوالكم: نحن أبناء أولئك الآباء. . . . على طنطاوي

стр. 6802

كيف صرف الله عني السوء؟ بقلم الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني اشتهيتُ أن أقول الشعر في الأسبوع الماضي، بعد أن فطمتُ قلبي سنوات وسنوات، فدخلت مكتبتي - أعني غرفتها لا رفوف الكتب فيها - وأغلقت الباب، وقلت لنفسي (الآن، أمنت أن يزعجني هؤلاء الأطفال الملاعين ويُطيروا عقلي - أو ما بقي لي منه، وهو قليل - بضجاتهم وكراتهم وزماراتهم وأسئلتهم التي لاتنتهي، ومشاكلهم العويصة التي لا تحل، واستبدادهم الذي لا يطاق. إنهم أطفال جديدون وأنا رجل قد شيخت، وهم حركة دائمة، وأنا فتور يزداد على الأيام، وسينتهي - عاجلاً أو آجلاً، بل آجلا إن شاء الله - إلى الركود. وهم استعداد مطلق، وأنا نطاق محدود. وكيف بالله أطيق أن أظل ألاعبهم الكرة، أو أجاريهم في الزمر والوثب والصياح؟؟ وما صبري على هذه الأسئلة التي ليس لها عندي جواب؟؟ سألني أحدهم - أصغرهم - (بابا) قلت: (نعم) قال: (هل أنت بابا؟) قلت: (نعم، وأمري إلى الله يا بني) قال: (صحيح؟) قلت: (أو يخامرك شك يا ملعون؟؟ أم لا يعجبك أبوك؟؟) فجعل يردد كلمة (بابا) مستغرباً ثم سأل (يعني آيه؟) فلم أجد عندي جواباً حاضراً لسؤاله، وعالجته، وحاورته داورته حتى انصرف عن هذا الموضوع، ولكنه لم ينسه، فهو يكر علي به كل بضعة أيام. فمن كان يعرف لسؤاله هذا جواباً مقبولاً فليسعفني به، وله الثواب من الله وسألني مرة، ونحن على السفينة الذاهبة بنا إلى بيروت: (هذا هو البحر؟) قلت: (هو بعينه - أعني بموجه) قال: (هل للبحر حنفية؟)

стр. 6803

قلت: (لا) قال: (لماذا؟) فهربت من الجواب لأنه طويل، وكان بي كسل في تلك الساعة، فعاد يسأل: (ماذا يحدث إذا وقعتُ فيه؟) قلت: (تغرق فتموت) قال: (يعني أكون كالسمك الذي فيه؟) قلن: (كلا. إن السم الذي فيه حي، أما أنت وأنا فأنا نموت إذا وقعنا فيه، لأنا لا نعرف السباحة، ولم نخلق لنعيش في الماء كالسمك) قال: (نموت كيف؟) قلت: (نموت ي أخي! سبحان الله العظيم!) قال: (ولكني أريد أن أعرف) قلت: (أنا لم أمت، فكيف أعرف؟) قال: (بابا) قلت: (يا ساتر استر. نعم يا سيدي!) قال: (أريد منك شيئاً) قلت: (على العين والرأس يا حبيبي، قل يا سيدي. تفضل يا روحي!) قال: (لماذا تتكلم هكذا؟) قلت: (لأني أعرف أنك ملعون خبيث) قال: (لا. . . .) وضحك (إنما أريد أن أراك) قلت: (وهل عميتَ؟ ألستً تراني أمامك؟) قال بسرعة: (لا لا لا. . . . إنما أريد أن أراك، في. . . . . في الماء!) قلت: (تعال إلى الحمام، فان فيه حوضاً عظيماً) قال: (لا) ممطوطة، بازدراء، (في البحر. . .) قلت: (يعني تريد أن أغرق، وأموت؟) قال: (آه! لأجل خاطري. ألست تحبني؟)

стр. 6804

فلولا أدركتني أمه، لوجب علي أن أغرق تحت عينه. وهكذا إلى أخر ذلك إن كان لما يتقاضاني آخر يعرف فقالت لي نفسي: (اسمع يا مازني. انك قليل العقل، ما في هذا شك) قلت: (أشكرك. فهل تسمحين أن تبيني السبب؟) قالت: (نعم. هذا أنت تخلو بي، لتنظم شعراً، فبدلاً من أن تتناول القلم وتكتب، تذهب تتمثل ما يدور بينك وبين أولادك، فتضيع الوقت في غير طائل ولا تصنع شيئاً. فإذا لم تكن هذه قلة عقل فانه يسرني أن أعرف ماذا هي؟) قلت وأنا مغيظ: (استدراك! إني لا أخلو بك لأقول الشعر، أعني أنك - ولا مؤاخذة - ليت الباعث على قول الشعر) قالت: (لا تكن قليل الذوق أيضاَ!) قلت: (إنها الصراحة والحق، لا قلة الذوق. ثم إنك مخطئة. فأني لم أدخل هذه الغرفة لأنظم شعراً، بل إني اشتهيت هذا، فأنا أريد أن اهتدي إلى الوسيلة التي تعينني عليه) قالت: (الوسيلة؟ أية وسيلة؟ تناول القلم واكتب!) قلت: (يا سلام؟ ما اذكاك! لو كان هذا كل ما يتطلبه قول الشعر لما عجز أحد عنه) قلت: (أذن ماذا تبتغي؟) قلت: (اسمعي أقل لك. . . إني اصفيتُ، أو على الأصح انقطعت عن النظم لأنك خلية، فأنا أريد الآن أن أشجوك، أعني أن أملأك) قالت: (كيف؟ فإني غير فاهمة؟) قلت: (لك العذر، فقد صرت كالصحراء، التي نسيت الماء من طول ما انحبس عنها) قالت: (ألا تقول وتوجز؟) قلت: (إذن أقول إني أريد أن يعمر قلبي الخرب، وبعبارة أخرى أقرب إلى فهمك الكليل، أريد أن أحب) قالت: (تريد؟ هه؟) قلت: (أه أريد! وأي غرابة في ذلك؟) قالت: (لا فائدة من الخلاف فانك مكابر، وماذا تنوي أن تصنع؟)

стр. 6805

قلت: (أنوي؟ ليس أسهل من ذلكّ أدور بعيني حتى تقع على واحدة تستحق أن أحبها - هذا ما أنوي أن أصنع) فمطّت شفتها - مجازاً - وأشاحت عني بوجهها، فقلت في سري، والله لأغيظها! وخرجت ألتمس الحب، وأدور بقلبي على النساء، وأفتحه لمن شاءت أن تقع منهن فيه، وكنتُ مستعداً - لأكيد لنفسي - أن أحب عشرين امرأة دفعة واحدة، ولم لا؟ إن كل ما يعينني، وما أبغيه، هو الحب، لا المرأة، وأثره لا وسيلته وأداته، فكلما كانت النار أقوى، واللهب أعلى كان ذلك خيراً لي، ثم إني أريد أن أجرب كل حب، أعني الحب من كل صنف، ولون، حتى الذي يعقب الخبل ويورث الجنون، والذي يحرق الثياب، ويترك القلب عارياً وصرت كلما رأيت سرباً من الفتيات، أقول لهن (ادخلن يا فتيات!) فيقلن: (أين؟) فأقول: هنا في قلبي. . إنه عظيم! شيء مهول جداً. يسعكن جميعاً ويسع مائة من أمثالكن. البدار البدار، فانها فرصة لا تعوض فيتضاحكن ويمضين عني - لا أدري لماذا. كأنما لهن طلبة في الحياة غير الحب، أو سبيل إلى طلبتهن غيره؟ ألاقي غيرهن. فأدق الناقوس، وأستوقفهن وأسألهن: (ما قولكن؟) فيقلن: (في أي شيء؟) فأقول: (في أن أحبكن جملة؟) فيقلن: (مجنون؟) فأقول: (أطعنني، فأني أعرف ما لا تعرفن! هذا قلبي قد فتحته لكُنَّ، على آخره، فادخلن فيه، أنتن ومن تخترن غيركن من صواحباتكن، فلن يضيق بكن، فانه أعمق وأرحب من البحر الأعظم. . أزخرنه لي، وغصن في أعماقه، وأمددن لي أيديكن بالدر المكنون الذي لا تبلغه يداي) فيمضين عني ولا يعبأن بي، فيهبط قلبي، وتفتر دقاته، وتهي نبضاته، وألمح النفس تبتسم ابتسامة الشماتة، فيستفزني ذلك، فأكر إلى البحث ولا أطيل. . . . . لقيتُ أخر الأمر فتاة قالت لي:

стр. 6806

(هل تريد أن أحبك؟) قلت: (لا. . . إنما أريد أن أحبك أنا) قالت: (وماذا يمنعك؟) قلت: (صحيح! أما والله إني لمغفلّ وماذا منعني أن أحب نساء الدنيا كلهن؟؟ أم تراني كنت أحسب أن الأمر يحتاج إلى استئذانهن؟) فقالت وهي تضحك: (أنت تحبني - هذا حسن. . .) فقاطعتها قائلاً: (لا تغلطي يا فتاتي، إني (أريد أن أحبك) قالت: (لا بأس. أنت تريد أن تحبني، هذا حسن، وأنا ماذا أصنع بنفسي؟) قلت: (لا شيء. أو إذا شئت، فان في وسعك أنت أيضاً أن تحبينني) فضحكت وقالت: (أهو شيء بالإرادة؟) قلت: (إنك سخيفة كنفسي، ولا مؤاخذة!) فقالت: (ولماذا تريد أن تحب؟) قلت: (لأني أريد أن أقول شعراً، وعلى أن هذا شيء لا يعنيك، فدعيني وما أريد، والباقي عليّ، فلن يكلفك شيئاً) فتركتني لرأيي، وجعلت وكدي بعد ذلك أن أحبها، وذهبت أقنع قلبي بأنه قد اصبح عامراً ولكن نفسي - قبحها الله، أو زادها قبحاً - كانت تخرج لي لسانها هازئة، فيهيجني هذا منها، يسخطني عليها، فأغافلها أحياناً وأتحسس قلبي بيدي لأستوثق، وأضع راحتي على بطني لعلي أشعر بالنار التي يجب أن تكون مضطرمة فيها، فلا أحس أن النبض أسرع أو أقوى، ولا ترتد راحتي إلا باردة كما كانت. فأقول لفتاتي: (أسمعي. هاتي أذنك، فأني أخشى أن تسمعني نفسي فتشمت بي) وأسر إليها أني لا أحس شيئاً من مظاهر الحب، وعلاماته، فأنا آكل كالمنهوم، وأنام كأني حقنت بالمورفين، ولا أراني أفكر في شيء غير ما يتفق أن أكون فيه،. . . لا خفقان في القلب، ولا اضطراب في الصدر، ولا شوق، ولا شيء ما يصفه المحبون غيري، بل أنا أنسى اسمك، واسميك كل يوم، كما تعرفين، اسماً جديداً، فأي حب هذا؟ خبريني! فقالت: (لا أدري - هو حبك، على طريقتك إذا كان صحيحاً أنك تحب)

стр. 6807

فأسألها: (ولكن هل تظنين أني أحب؟) فتقول: (وكيف أعرف أنا؟) فأسألها مستغرباً: (ألم يقولوا إن بين القلب والقلب رسولاً، فكيف ضل الرسول يا ترى؟) فتول: (لم يأن أن تحب يا صاحبي. ولست بفتاتك على ما أرى؟) فأقول: (ولكنك الفتاة الوحيدة التي وافقتني على ما اقترحت؟) فقالت: - وأدهشتني - (نعم. وافقت ورضيت، بأن تحبني إذا شئتَ، فبقيت أنت لا تحب، ووقعتُ أنا) فصحت بها: (ايه؟ ماذا تقولين؟) قالت - بهدوء -: (لقد سمعت. . . .) قلت: (أعيديه على مسمعي. . .) قالت: (كلا. . . هكذا أحلى!) فكاد الفرح يذهب بلبي، فما عرفت أن أحداً أحبني في هذه الدنيا مذ جئت إليها، ولا ذق في حياتي هذه اللذة، ولم يكن ذنبي أني حرمتها، ولا ذنب النساء أيضاً، وأحسب أن عيونهن تتخطاني - لقصري - فلا يرينني، ولو رأينني لأحبني بلا شك - كما فعلت هذه الفتاة الكريمة، بعد أن جلست! وعدت إلى بيتي، وخلوت بنفسي في المكتبة، وقلت لها وأنا أكاد أرقص (والآن يا نفسي، يمكنك أن تطقي من الغيظ وتنفلقي من الكمد) وأحسست بالشعر يجيش في صدري، وشعرت كأنه ليس علي إلا أن أدهور لساني في شدقي، أو أن أرفع سن القلم على الورقة، فإذا به يجري وحده بالكلام المونق المعجب وجئت بورقة، وبريت القلم، ووضعت تلك على رجلي، وهذا ما بين أصابعي، وتوكلت على الله، وأقمت القلم على الورقة، وإذا بنقر على الباب، فكدت أجن، ونهضت ففتحته بكرهي فدخل صاحب لي فلما رأي تجهم وجهي قال: (هل أنت مشغول؟) قلت: (تسأل البحر هل فيه ماء؟) قال: (معذرة. على كل حال لن آخذ من وقتك إلا دقائق، إنك تعرف. . .)

стр. 6808

وذكر اسم الفتاة - فتاتي التي تحبني بارك الله فيها - فصحت به (آيه؟) فقال: (إني أتكلم بلغة عربية فيما أظن؟) قلت: (ألا توجز؟ ما لها؟) قال: (حسن. سأوجز. إني سعيد) قلت: (وأنا مالي!) قال: (هنئني!) قلت: (بماذا؟) قال: (لقد قابلتها - للمرة الثالثة - ولم أخبرك لأنه لم يكن هناك ما يستحق أن يقال. ولكنها اليوم قابلتني - أعني استقبلتني بعد أن خرجت أنت من عندها، فكان مما قالته لي (إنك شاب، وأنا شابة، وأنا أصبو إليك كما تصبو إليّ، صحيح أني أقول لبعض معارفي من الكهول إني أحبهم، ولكني مضطرة إلى هذا لأحتفظ بودهم، أما أنت فشيء آخر - أنت شاب مثلي!) فما قولك في هذا؟ قلت: (قولي؟ أنا؟) قال: (نعم؟ ما رأيك؟) قلت: (صدقها!) فسألني: (هل كذبت عليك يا ترى كما كذبت على غيرك؟) قلت: (علي أنا؟ لا! وهل يستطيع أن يخدعني أحد؟ والآن أذهب. . . . . .) قال: (بسرعة؟ هكذا!) قلت: (نعم فأني أريد أن أمزق دواوين الشعراء التي عندي) قال: ألا يكفيك أن تكف أنت عن الشعر؟) قلت: (كلا. . . . وسأحرقها أيضاً بعد تمزيقها؟ الشعر! يا للسخافة!. . . . .) قال: (أعطنيها ولا تمزقها) قلت: (كلا. . . إنك شاب. وحرام علي أن أسيء إليك وأن أضلك. . . . اخرج. . . اخرج. . . مع السلامة. . .)

стр. 6809

إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 6810

بيت الإبرة للأستاذ قدري حافظ طوقان هي آلة عجيبة ذات مبدأ ثابت لا تحيد عنه، ولا تعرف غير الاتجاه نحوه، فهي دائماً وأبداً تتجه نحو الشمال والجنوب. هذه الآلة العجيبة المغناطيسية تستعمل في السفن البحرية لإدارة سيرها ولها تاريخ عجيب أوقع العلماء في حيرة وارتباك، إذ لم يستطع أحد منهم البت في نسبة اختراعها، بل لم يستطع الوصول إلى جواب شافٍ مرضٍ عن السؤالين الآتين: ممنْ اخترع هذه الآلة؟ لمن الفضل في إيجادها واستعمالها والاستفادة منها؟ يدعى الصينيون أنهم أول من اخترعها، ويدعى ذلك أيضاً العرب واليونان والاترسكيين والفنلنديين والطليان. تدعى كل هذه الشعوب السبق في اختراعها وفي استعمالها، وكل منها يقول إنه هو السابق في الانتفاع من هذا الاختراع، وكل منها يقول إن الآخرين كانوا عالة عليه في استعمال بيت الإبرة وفي الاستفادة منها، وكل منها يقول أيضاً إن الفضل في تقدم صناعة البوصلات البحرية رجع إلى علمائه ومشاهير بحارته بحث الباحثون في أصل الإبرة واختراعها، وأخذ البحث معهم وقتاً طويلاً وسبب لهم عناء عظيماً، وبرغم كل ذلك لم يقفوا على الحقية، ولم يتمكن عالم من معرفة تاريخ تطور صناعة البوصلات البحرية معرفة تؤدي إلى نتائج جلية واضحة، معرفة تزيل سحب الشك والغموض المحاط بها أصل اختراع الآلة المذكورة، فهي حقاً آلة عجيبة ولها تاريخ أعجب، واختلاف الأمم على ذلك مما يثير الدهشة والاستغراب لقد اطلعنا على أكثر ما قيل في هذا الصدد وعلى بعض ما كتبه العلماء في المجلات ودوائر المعارف في هذا الموضوع، واستطعنا من كل ذلك تكوين فكرة عن أصل الإبرة وتاريخ اختراعها واستعمالها وكيفية الانتفاع منها في الأسفار البحرية، وسنعطي رأياً في ذلك على ضوء معلومات وبحوث الذين سبقونا في ولوج هذا الباب وقبل الخوض في البحث يجدر بنا أن نذكر شيئاً عن المغناطيس وعن رأي الأقدمين فيه فهذا مما يسهل علينا الدخول في موضوع المقال عرف اليونان شيئاً عن المغناطيس، وكلمة مغناطيس مأخوذة من لغتهم، وقالوا بان فيه خاصية الجذب قبل غيرهم، قال أرسوط (حجر المغناطيس. . أنه حجريجتذب الحديد،

стр. 6811

وأجود أصنافه ما كان أسود مشوباً بالحمرة ومعدنه ساحل بحر الهند، وهو قريب من بلادها. . .) هذه الخاصية أثارت استغراب كثير من الأمم، فكانت مثار دهشتهم. وقد كثرت الأقوال الغريبة فيه (في المغناطيس)، ومن هذه الأقوال. أنه إذا أصاب المغناطيس رائحة الثوم أو البصل بطل تأثيره وذهبت خاصية الجذب، وإذا غسل بالخل عاد التأثير ورجعت إليه الخاصية المذكورة. وقال بعض الأقدمين بأن له خواص علاجية وصحية منها: أنه إذا علق إنسان المغناطيس على إنسان آخر نفع الأخير من وجع المفاصل، وإن لمسته المرأة التي تعسرت ولادتها وضعت في الحال، وأن الذي يعلقه في عنقه فقد استفاد كثيراً، إذ يكبر عقله وتقوى فيه ملكة الحافظة، وأن له سلطاناً على أمراض الطحال، واستعمله ابقراط علاجاً للعقم، وقال بليناس بأنه نافع ومفيد في أمراض العين، وقال ابن سينا إن درهماً منه يضاد التسمم بالحديد الذي كان يظن أنه سام. وجاء في بعض الكتب بأن المغناطيس كثيراً ما استعمله الأقدمون للجروح، وقال علماء العرب إنه ينفع في النقرس والحصا. ولقد علق الفرنجة على هذه الأقوال وفندوها، ولا يتسع المجال لذكر شيء من ذلك لا سيما والبحث فيها يخرجنا من موضوع مقالنا وللمغناطيس عدا خاصية الجذب، خاصية أخرى هي من الأهمية بمكان عظيم، وهذه هي خاصية الاتجاه، وقد عرفها الصينيون وكانوا أول من قال بذلك. قال الكلمة التي يستعملها الصينيون لتدل على بيت الإبرة هي - ومعناه الإبرة التي تتجه نحو الجنوب، ويقول أيضاً: ويظهر أنهم استعملوا هذه الخاصية في الأسفار البحرية، وقد عملوا الآت لذلك ليس فيها شيء من الصنعة أو الإتقان. وقال ديفس إن الطرق التي كان يستعملها البحارة الصينيون في عمل الإبرة تدل على أنهم لم يستعينوا بغيرهم من بحارة الأمم، إذ لو استعانوا واطلعوا على الآت غيرهم لاستطاعوا أن يحسنوا صنعها ولما عملوها بالشكل الذي وجدت فيه عندهم، ويقول أيضاً: إن العرب بطريقة غير معروفة اقتبسوا آلة بيت الإبرة عن البحارة الصينيين وأنه عن طريق المسلمين دخل هذا الاختراع أوربا. وجاء في بعض الكتب أن البحارة الصينيين عرفوا خاصية الاتجاه في المغناطيس قبل الميلاد بمئات من السنين، وأنهم ذكروا ذلك في قاموسهم الذي وضع بعد الميلاد بمائة سنة، وقد استعملوه للإرشاد إلى الجهات الأربع في سفر البحر سنة ٣٠٠م

стр. 6812

وأما عن تسمية هذه الآلة فيقول روبرتُسنْ إنه لم يكن في لغات العرب والعجم والترك كلمة تعني وأنهم كانوا يستعملون ذلك كلمة بوصلة، وهي كلمة مأخوذة عن اللغة الإيطالية، ولكن بادجر لا يوافقه على هذا تماماً حيث يقول: (رغم كون البحارة لعرب الموجودين حول البحر الأبيض المتوسط استعملوا كلمة بوصلة لتدل على كلمة إلا أننا نجد أن كلمة (بيت الإبرة) هي الأثر شيوعاً واستعمالاً في الأقطار الموجودة حول البحار الشرقية، والاصطلاح (بيت الإبرة) مستعمل في أكثر الكتب، وهذا ما جعلنا نفضل استعماله على غيره في هذا المقال. قلنا إن اليونان أول من عرف في المغناطيس خاصية الجذب، وأن الصينيين أول من عرف فيه خاصية الاتجاه، ولقد أخذ العرب والمسلمون هاتين الخاصيتين واستعملوهما في أسفارهم البحرية). جاء في كنز التجار: - (ومن خواص المغناطيس أن رؤساء البحر الشامي إذا أظلم عليهم الجو ليلاً ولم يروا من النجوم ما يهتدون به إلى تحديد الجهات الأربع يأخذون إناءً مملوءاً ويحترزون عليه من الريح بأن ينزلوه إلى بطن السفينة. ثم يأخذون إبرة وينفذونها في سمرة أو قشة حتى لتبقى معارضة فيها كالصليب ويلقونها في الماء الذي في الإناء فتطفو على وجهه ثم يأخذون حجراً من المغناطيس كبيراً ملء الكف ويدنونه من وجه الماء ويحركون أيديهم دورة اليمين فعندها تدور الإبرة على صفحة الماء ثم يرفعون أيديهم على غفلة وسرعة فان الإبرة تستقبل بجهتيها جهة الجنوب والشمال. رأيت هذا الفعل منهم عياناً في ركوبنا البحر من طرابلس الشام إلى إسكندرية في سنة أربعين وستمائة. وقيل إن رؤساء مسافري بحر الهند يتعوضون عن الإبرة والسمرة شكل سمكة من حديد رقيق مجوف مستعد عندهم يمكن أنه إذا ألقي في ماء الإناء عام وسامت برأسه وذنبه الجهتين من الجنوب والشمال. .) وإذا اطلعت على كتاب سارطون القيم في (مقدمته لتاريخ العلوم) تجد أنه يرجح كون اختراع بيت الإبرة هو من نتاج قرائح المسلمين إذ يقول: (إن البحارة المسلمين على الأرجح هم أول من استعمل خاصية الاتجاه في المغناطيس في عمل الإبر في الأسفار البحرية، وكان ذلك في أوار القرن الحادي عشر للميلاد. . .) وبنفي سارطون القول بأن البحارة الصينيين استعملوا خواص المغناطيس وطبقوها في آلات للأسفار البحرية وغيرها. ولدى قراءة تاريخ العرب للعلامة سيديو نجد أنه ينفي كون البحارة الصينيين

стр. 6813

استعملوا الإبرة المغناطيسية في الأسفار البحرية ويدعم قوله هذا بما يلي: (. . . . وكيف يظن أنهم (أي أهل الصين) استعملوا بيت الإبرة مع أنهم لم يزالوا إلى سنة ١٨٥٠م يعتقدون أن القطب الجنوبي من الكرة الأرضية سعير تتلظى. . .) وهو القائل أيضاً بأن العرب استعملوا بيت الإبرة في القرن الحادي عشر للميلاد في الأسفار البحرية والبرية وفي ضبط المحاريب يظهر مما مر أنه ما من أحد بحث في هذه الآلة وتاريخ استعمالها واستطاع أن يصل إلى نتائج حازمة شافية تزيل شكاً اكتنف هذا الموضوع، وغموضاً استولى عليه. وعلى كل حال يمكننا القول بأن العرب عرفوا شيئاً عن المغناطيس، وأنهم عرفوا فيه خاصتي الجذب والاتجاه، وأنهم على الأرجح أول من استعملها في عمل الإبرة في الأسفار البحرية وأن آلة (بيت الإبرة) واستعمالها في الملاحة دخلاً أوروبا عن طريق البحارة المسلمين وبينما أنا أهيئ هذا المقال قرأت مصادفة في أحد أعداد مجلة الهلال (مجلد ٣٠ ج٧) مقالاً عنوانه (العرب والبحار) بقلم الأستاذ المحقق عبد الله مخلص، وقد وجدت فيه شيئاً عن اختراع بيت الإبرة المغناطيسية فلم أشأ أن أمر على ذلك دون تعليق. جاء في مقال (العرب والبحار) بأن أبن ماجد هو الذي اخترع (الإبرة المغناطيسية) أو أنه هو (مخترع الإبرة المغناطيسية) وهذا النص هو الذي حفزني إلى التعليق. ما لا ريب فيه أن نسبة اختراع بيت الإبرة إلى ابن ماجد (أحد نوابغ المسلمين في الملاحة) خطأ وليس فيها شيء من الصحة. فقد ثبت لدى العلماء والباحثين أن استعمال الإبرة المغناطيسية كان معروفاً في أواخر القرن الحادي عشر للميلاد بينما ابن ماجد وجُد في القرن التاسع للهجرة أو القرن الخامس عشر للميلاد، فالقول بأنه هو مخترع الإبرة المغناطيسية غلط، ولا يرتكز على منطق عدا كونه خلاف الواقع. وقد تكون هذه النسبة آتية عن مهارته في تسيير السفن وعن براعته في فن الملاحة، وعن وقوفه على أصول الإبرة المغناطيسية، وكيفية استعمالها وفهمه المبادئ المنطوي عليها عملها. وعلى ذكر ابن ماجد أقول: قليلون جداً الذين يعرفون أن ابن ماجد من نوابغ المسلمين في الملاحة وأنه كان يلقب بأسد البحر الهائج، وأنه (هو الربان العربي الذي سير الأسطول البرتغالي بقيادة فاسكودي غاما في طوافه حول الأرض من مالندي وهي جزر في المحيط الهندي على ساحل أفريقيا الشمالية

стр. 6814

إلى كلكتا في الهند. . .) ويقال إن أباه ومن قبله جده كانا من رجال الملاحة المشهود لهم بالمهارة والبراعة وقد وضعا نظريات جديدة ومفيدة في علم البحر، ثم جاء من بعدها ولدهما ابن ماجد فألف كتباً قيمة في علم الملاحة وقد بناها على المشاهدة والتجربة منها: كتاب الفوائد في أصول علم البحر والقواعد، وكتاب علم الملاحة ويشتمل على تاريخ الملاحة وعلاقتها بالنجوم في خليج العجم والبحر والهندي وشواطئ جزيرة العرب وسومطرة وسيلان وزنجبار وغيرها، وكتاب حاوية الاختصار في أصول البحار، وله أيضاً أرجوزة في علم الملاحة، وله قصائد أخرى في وصف شواطئ جزيرة العرب. وكان ابن ماجد يلقب نفس بشاعر القبلتين ويعرف بسليل الأسود. ولقد بقيت القواعد التي وضعها ابن ماجد معتمد البحارة المسلمين في مالندي إلى أواسط القرن التاسع عشر للميلاد. وقال برتن الإنكليزي إن بحارة عدن في سنة ١٢٧١هـ (١٨٥٤م) كانوا قبل السفر يقرءون الفاتحة لروح الشيخ ماجد. ولا ريب إن المقصود بالشيخ ماجد هو ابن ماجد نابلس قدري حافظ طوقان

стр. 6815

١٠ - محاورات أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود تساءل سيبيس: فيم قولك إن الإنسان لا ينبغي أن يستل حياته، وأنه يجب على الفيلسوف أن يُعدَّ نفسه ليلحق بالموتى؟ فأجاب سقراط: إنكما يا سيبيس وسمياس، تعرفان فيلولاوس فهلا سمعتماه قط يتحدث عن هذا؟ إني يا سقراط لم أفهم قوله أبداً ليست كلماتي كذلك إلا صدى، ولكني شديد الرغبة في أن اروي ما سمعته، فالحق أني مادمت مرتحلاً إلى غير هذا المكان فيجب ألا يُشْغَلَ الفكرُ ويدور الحديث إلا حول هذا الرجل الذي أوشك أن أقوم به، وماذا عساي أن أفعل خيراً من هذا منذ الآن إلى أن تغرب الشمس؟ إذن فحدثني يا سقراط، لماذا استقر الرأي على ألا يكون الانتحار حقاً مشروعاً؟ لقد سمعت فيلولاوس يقيناً يؤكد ذلك عندما كان يمكث بيننا في طيبة؛ وثم أناس آخرون يقولون مثل هذا القول، ولو أن أحداً منهم لم يستطع قط أن يفهمني ما يقول فأجاب سقراط. ولكنك يجب أن تحاول الفهم ما استطعت، ولابد أن يأتي اليوم الذي تفهم فيه، أحسبك تعجب لماذا تشذ هذه الحالة وحدها، ومعظم الشرور قد تجيء بالخير عرضاً (لأنه أليس من الجائز أن يكون الموت كذلك أفضل من الحياة في بعض الظروف؟) وإذا كان خيراً للإنسان أن يموت، فما الذي يمنع أن يقدم لنفسه الخير بنفسه؛ ألزامٌ عليه أن ينتظر من غيره يد الإحسان؟ فقال سيبيس ضاحكاً في لغته الدُّورية القومية: أي وحق جوبتر! فأجاب سقراط - إني أُسلّم بأن في هذا تناقضاً ظاهراً، ولكن قد لا يكون هذا التناقض حقيقياً، هناك مذهب جرت به الألسنة في الخفاء بأن الإنسان سجين، وليس له الحق في أن

стр. 6816

يفتح باب سجنه ليفر هارباً، إن ذلك إشكال عظيم لست أفهمه فهماً دقيقاً، ولكني أعتقد مع ذلك أن الآلهة هم أولياؤنا وأننا مِلْكٌ لهم، أفلست ترى ذلك؟ قال سيبيس - نعم، إني أوافق على ذلك فلو أن ثوراً مثلاً مما تملك أنت أو حماراً، شاءت له إرادته أن يحيد بنفسه عن الطريق، على حين أنك لم تُشِرْ له برغبتك في وجوب موته، أفلا تسخط عليه، ثم ألا تعاقبه إن استطعت؟ فأجاب سيبيس - يقينا وإذن فقد يكون في القول بأن الإنسان يجب أن ينتظر، وألا يُهلك حياته بنفسه، حتى يقضي الله فيه أمراً، كما فعل بي الآن، سندٌ من العقل قال سيبيس - نعم يا سقراط، إن في ذلك ولا ريب سنداً من العقل، ولكن كيف بعد هذا تستطيع أن توائم بين هذه العقيدة الصحيحة في ظاهرها وهي أن الله مولانا ونحن له عبيد، وبين ما كنا نضيفه إلى الفيلسوف من رغبة في الموت؟ أما أن يرغب من هم أبلغ الناس حكمة، في ترك هذا العمل الذي تحكمهم فيه الآلهة، وهو خير الحاكمين، فلا يسلم به العقل، لأنه يستحيل على صاحب الحكمة أن يظن بنفسه المقدرة، لو أطلقت له حرية العمل على أن يعني بنفسه أكثر مما تُعنى به الآلهة، ربما توهم ذلك المأفون، وقد يحتج بأن خيراً له أن يفر من سيده دون أن يضع في اعتباره بأن واجبه هو أن يثبت حتى النهاية، لا أن يفر من الخير فراراً لا حكمة فيه. أما الرجل الحكيم فلا أخاله إلا راغباً في أن يكون أبداً مع من هو خير منه. أنظر يا سقراط. فهذا يناقض ما قد قيل الساعة تواً، إذ يترتب على هذا الأساس أن يأسف ذو الحكمة لفراق الحياة، وأن يغتبط له الجهول فصادفت حماسة سيبيس فيما يظهر غبطة من سقراط، فالتفت إلينا وقال: هاكم رجلاً لا يبرح متسائلاً، ولا تكفي لإقناعه الفترة القصيرة، وليست كل حجة ترضيه فأضاف سمياس - ولكن اعتراضه الآن يبدو لي على شيء من القوة، فأي غناء عسى أن يكون في ذي الحكمة الحق، إذا هو ابتغى أن يلوذ بالفرار، وأن يستخف بترك سيده الذي هو أفضل منه؟ وليت أخال سيبيس إلا مشيراً إليك، فهو يظن أن أنك لا تتردد في تركنا، بل لا تتردد في ترك الآلهة الذين هم كما اعترفت أولى أمرنا الصالحون

стр. 6817

فأجاب سقراط - نعم ذاك قول يستقيم مع العقل، ولكن أهو في ظنك دعوى ينبغي أن أجيب عنها كما لو كنت أمام القضاء؟ قال سمياس - ذلك ما كنا نبتغي إذن فلأحاول أن ألقي في نفوسكم أثراً خيراً ما تركت حين كنت أدافع عن نفسي أمام القضاة، فلست أتردد يا سيبيس وسمياس في الاعتراف بوجوب الأسى من الموت، إذا لم أكن راسخ العقيدة بأني ذاهب إلى طائفة أخرى من الآلهة ذوي الخير والحكمة (وإني لأوقن بهذا يقيني بأي شيء آخر من هذا القبيل) وإلى الراحلين من الرجال (وإن كنت لا أقطع بهذا قطعي بالأولى) وهم يَفْضُلون هؤلاء الذين أخلفُهم ورائي، فلست لهذا أبتئس، كما كان يُنتظر أن أفعل، لأني آمل خيراً، بأن ثمت شيئاً لا يزال مدخراً للموت، وهو كما قد قيل منذ القدم أدنى جداً إلى الخير منه إلى الشر قال سمياس - ولكن هل تريد أن تستصحب أراءك معك يا سقراط فلا تنقلها إلينا! إنا قد نرجو أيضاً أن نساهم في ذلك النفع، وأنت إذا وفقت بعد ذلك لإقناعنا، كل ذلك منك رداً على ما اتُّهمتَ به فأجاب سقراط - سأبذل وسعي، ولكن دعوني أستمع أولاً لما يريده كريتون. إنه كان قد هم أن يقول لي شيئاً فأجاب كريتون - أردت أن أقول يا سقراط أن الخادم الذي أمر بإعطائك السم قد أنبأني، لأبلغك، بأنه يحسن بك ألا تكثر الكلام لأنه يزيد من الحرارة، وهذه تؤثر في فعل السم؛ لقد اضطر أحياناً أولئك الذي أثاروا نفوسهم أن يجرعوا السم مرتين أو ثلاثاً قال سقراط - إذن فليؤد واجبه، وليتأهب لإعطاء السم مرتين أو ثلاثاُ، إذا لزم الأمر، وحسبنا هذا فأجاب كريتون - لقد كدت أوقن بأنك ستقول ذلك، ولكني لم أجد محيصاً عن إرضائه قال سقراط - لا تأبه له وهانذا الآن أجيبكم - أنتم يا قضاتي - فأبين لكم أن من عاش فيلسوفاً حقاً، معه الحجة في أن ينعم بالاً إذا ما اقترب من الموت، وأنه قد يرجو أن يصيب في العالم الآخر بعد الموت أعظم الخير. سأشرح لكما أي سيبيس وسيماس كيف يمكن أن يكون هذا، فيغلب فيما أرى

стр. 6818

أن يسيء الناس الظن بطالب الفلسفة الصحيح، لأنهم لا يدركون أنه أبداً دائب السعي وراء الموت والموتى. وإن صح أنه ما برح راغباً في الموت طوال حياته، ففيم الجزع إذا ما تهيأت له غايته التي كان لا يفتأ ساعياً إليها راغباً فيها فضحك سمياس وقال - إني وإن كنت لا أسوق القول متندراً هازلاً، لأقسم بأنه لا يسعني إلا أن اضحك إذا ما فكرت فيما سيقوله هذا العالم اللعين، حين يخبَّر بهذا - سيقولون بأن هذا بالغ الحق - ومَنْ في دُورِنا من أهل، سيؤيدونهم، في قولهم بأن الحياة التي يتمناها الفلاسفة هي لا شيء غير الموت، وإنهم قد تبينوهم فإذا هم حقيقيون بالموت الذي يتمنون وهم على حق يا سمياس في قولهم هذا، إذا استثنيت منه هذه العبارة: (إنهم تبينوهم) لأنهم لم يتبينوا طبيعة هذا الموت الذي يتمناه الفيلسوف الحق، ولا كيف هو حقيق بالموت أو راغب فيه، فلندعهم وليتحدث بعضنا إلى بعض قليلاً: أنحن معتقدون في وجود ما يسمى بالموت؟ فأجاب سمياس - كن من ذلك على يقين وهل يكون الموت إلا انفصال الروح عن الجسد؟ والإنسان إنما يبلغ هذا الانفصال إذا ما قامت الروح بذاتها مفصولة عن الجسد، وقام الجسد مفصولاً عن الروح - أليس ذلك هو الموت؟ فأجاب - هو كذلك. وليس شيئاً غير هذا وما قولك يا صديقي في مسألة أخرى، أحب أن تدلي إلي برأيك فيها، وقد تلقى إجابتك عنها ضوءاً على موضوع بحثنا، هل ترى جديراً بالفيلسوف أن يعني بلذائذ الأكل والشرب - إن صح أن تدعى هذه لذائذ؟ فأجاب سيماس - لا، ولا شك وماذا تقول في لذة الحب، أينبغي له أن يُعنى بها؟ لا ينبغي بحال من الأحوال وهل يجوز له أن يطيل الفكر في غير ذلك من ألوان لذة الجسد - كحيازة اللباس الفاخر، والنعال، مثلاً، أو غيرهما من زينات البدن؟ ألا يجدر به بدلاً من أن يعني بهذا أن يزدري كل شيء مما يزيد على حاجة الطبيعة؟ فماذا تقول؟

стр. 6819

يجب أن أقرر بأن الفيلسوف الحق ينبغي أن يزدريها ألست ترى أن ينصرف بكليته إلى الروح لا إلى البدن؟ إنه يود أن يتخلص من البدن وأن يعود إلى الروح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ذلك حق وترى الفلاسفة يلتمسون في مثل هذا الأمر كل سبيل لفصل الروح عن الجسد أكثر مما يفعل سائر الناس جميعاً ذلك صحيح بينا يعتقد سائر الناس يا سمياس ان حياة تخلو من لذائذ البدن ولا تأخذ منها بقسط، ليست حقيقة بالبقاء، بل يرون أن إنساناً لا يفكر في مسرات الجسد، يكاد يكون كالأموات ذلك جد صحيح وبعد فماذا عسانا أن نقول عن السبل الحقيقية التي تقتضيها المعرفة؟ إن كان ثمت ما يدعو الجسم للمساهمة في تحصيلها، فهل يكون عائقاً لها أم معيناً عليها؟ أعني هل يأتينا البصر والسمع بحقيقة ما؟ أليس هما دليلين خاطئين كما لا يفتأ ينبئنا الشعراء؟ فان كان خاطئين ومبهمين، فماذا عسى أن يقال عن سائر الحواس؟ ولا أحسبكم معارضين في أنهما أضبط الحواس فأجاب سمياس - يقيناً وإذن فمتى تدرك الروح الحقيقة؟ - لأنها إن أشركت معها الجسم فيما تحاول أن تبحثه، فهي مخدوعة لا محالة - نعم، هذا صحيح - أفلا يجب إذن أن ينكشف لها الوجود بوساطة الفكر، إن كان له أن ينكشف - نعم - وأحسن ما يكون الفكر حينما ينحصر في حدود نفسه، حتى لا يشغله شيء من هذه - فلا أصوات ولا مناظر ولا ألم ولا لذة مطلقاً - وذلك إنما يكون عندما يصبح الفكر أقل اتصالاً بالجسد، فلا يصله منه حس ولا شعور، بل يتصرف بتطلعه إلى الكون - هذا صحيح

стр. 6820

(يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 6821

٨ - بين القاهرة وطوس المشهد وطوس للدكتور عبد الوهاب عزام يرى الوافد على مدينة المشهد قبة عالية مغشاة بالذهب ومنارتين مذهبتين رفيعتين. فهذا أول ما يسر البصر من مسجد الإمام علي الرضا. فإذا ذهب إلى المسجد الذي يسمى الحرم الرضوي أو العتبة المقدسة (آستانة مقدس) رأى أبنية جميلة شامخة واسعة رائعة لا يستطيع المشاهد أن يعرف خططها ويدرك أقسامها إلا بعد تأمل طويل وزيارات كثيرة إذا دخل القادم المدينة من غربيها فسار في الشارع الكبير تلقاء الشرق انتهى إلى أبواب ضخام رائعات وراءها طريق مبلط ينتهي إلى مدخل الحرم الرضوي فيلجه إلى الصحن القديم (صحن كهنه) وهو فناء واسع تجري في وسطه قناة ماء ويحيط به مساكن لطلاب العلم وغيرهم. وإني أشفق على القارئ من تفصيل الكلام في وصف هذا الحرم العظيم الذي توالت عليه الأيدي بالتشييد والتزيين قروناً كثيرة. فحسبي أن أقول إن في وسط الحرم قبة الإمام الرضا وأروقة متصلة بها ويمتد الصحن القديم شمالي هذه الأبنية، والصحن الجديد شرقيها، ومسجد جوهر شاد جنوبيها. ويحار الطرف في جمال القبة الشريفة وزينتها وفيما في المسجد كله من الكاشاني والبلور والذهب الخالص، والقبة تقوم على قبر الإمام الرضا. وهو في جانب منها، ويُظن أن قبر هرون الرشيد في وسط القبة ولكن لا يرى الزائر منه أثراً أقدم ما في هذه البناية يرجع إلى سنة ٥١٢ وهو بناء السلطان سنجر السلجوقي. وقد توالى الملوك والكبراء من بعده على البناء والتنافس فيه، ومن هؤلاء السلطان ألجايتو، من الملوك الأيلخانية، وشاه رخ بن تيمورلنك وزوُجه جوهر شاد، ومشير علي نوائي وزير السلطان حسين بايقرا، ثم الملوك الصفويون ولا سيما طهماسب وعباس الكبير؛ ومن القاجاريين فتح علي شاه وناصر الدين شاه. كل هؤلاء بذلوا جهدهم في أن يؤثروا في المشهد الرضوي أثراً خالداً يكسف آثار من سبقهم فتركوا هذا البناء الجليل الذي يعجز القلم عن تصويره للقارئ وقد وعدت في المقال السابق أن أصف مسجد جوهر شاد هذه الأميرة التقية الخيرة، فهو

стр. 6822

مسجد يمتد جنوبي لمشهد الرضوي من الشمال إلى الجنوب (٩٥ ٨٤ متراً) وأعظم أواوينه الإيوان الجنوبي، وهو عقد هائل ارتفاعه ٢٥ متراً غشى كله بالكاشاني الجميل، وعلى دائرته آيات من القرآن بأحرف كبيرة جميلة كتبها بخطه الأمير بايسنقر بن شاه رخ بن تيمورلنك، وذلك إلى آثار أخرى دليل على عناية أمراء المسلمين بالفنون الجميلة ولاسيما الخط. وفي هذا الإيوان كرسي من الخشب يقال إن المهدي سيجلس عليه أول ما يظهر للناس؛ وفي وسط المسجد مصلى يسمى مسجد ييرزن (مسجد المرأة العجوز) وفيما يلي المشهد الرضوي بنية اسمها دار الحفاظ. وتصل المسجد بالمشهد الرضوي أبواب صغيرة زرنا المسجد الرضوي صبيحة الجمعة ثالث رجب سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف فرأينا أفواجاُ من الزائرين والزائرات متزاحمين بين مصل ومسبح وداع وباكٍ ومقبل للأعتاب ومطيف بالضريح المقدس، ولهذا الحشر دوي يملأ القلب خشوعاً ورهبة، وسار بنا الدليل إلى بناء في ناحية من الحرم أسمه حجرة التشريفات، فصعدنا إلى حجرة كبيرة بها جماعة من القوام على الحرم فأحسنوا لقاءنا وقدموا إلينا الشاي، وتحدثوا معنا بالعربية والفارسية معلنين سرورهم واغتباطهم، ومتحدثين بالاخوة الإسلامية التي تجمعنا وإياهم؛ ثم انصرفنا شاكرين أملين أن نعود إلى شرف الزيارة مرات حتى تقضي النفس لبانتها من مشاهدة هذا الجمال والجلال ويوم الأحد التالي زرت المكتبة الرضوية وهي في الصحن الجديد في الطبقة الثانية، وقد اطلعت فيها على مصاحف يحار الإنسان في مرآها ويعجز عن وصفها، وحدثني قيم المكتبة أن بها آلافاً عدة من المصاحف المخطوطة: رأيت قطعة من مصحف بخط كوفي في آخرها: (كتبه علي بن أبي طالب)، ومصحفاً كاملاً بخط كوفي في أخرها: (كتبه الحسن بن علي بن أبي طالب) ورأيت مصحفاً وقفه إبراهيم قطب شاه سنة ٩٧٠ فيه ٣٣٩ ورقة، وفي كل صفحة ١٢ سطراً محلاة بالذهب والمينا، وطول الصفحة ٥٦ قيراطاً وعرضها ٣٧، وفيه من بدائع الصناعة ما يجل عن الوصف، فما يزال الناظر فيه حائر القلب والطرف؛ ومصحف آخر وقفه السيد محمد جعفر خان سنة ١١٤٨ فيه ٦٠٦ ورقات كل ورقة لها نقش خاص يخالف نقش الورقات الأخرى. وفي هذه المصاحف من عجائب النقش والوراقة والتجليد ما لا يدركه إلا ابرائي. وقد قيل لي إن بعض الأوربيين بذل في

стр. 6823

جلد مصحف منها مئات الجنيهات فلم يظفر به. ورأبت ورقة واحدة من مصحف في طول قامة الرجل الطوال. وبها سبعة أسطر بخط الأمير بايسُنقر وقد شهدنا في مدينة المشهد افتتاح مستشفى الشاه رضا وهو مستشفى كبير بأجهزة حديثة، ومعرض صناعات خراسان، ورأينا ألعاباً رياضية كالتي رأيناها في ميدان سلطنت آباد بطهران وقد وصفها آنفاً. وكانت حفلات للغداء والعشاء دعا إليها رئيس الوزراء ومتولي الحرم الرضوي، ألقيت فيها خطب كثيرة. وزرنا مدفن نادر شاه، وهو البطل الكبير الذي رفعته همته من رعي الغنم إلى رعاية الأمم، والذي أخرج الأفغانيين من إيران، ودبر الأمور باسم الصفويين حيناً، ثم استبد بالأمر وتسمى نادر شاه، ثم فتح أفغانستان والبنجاب وغنم كنوزاً لا تحصى من دهلي، واضطر الدولة العثمانية إلى مصالحته على ما أراد لدولته، وتوفي سنة ١١٦٠ بعد أن سيطر على إيران عشرين سنة - دخلنا حديقة واسعة في وسطها بناء مرتفع قليلاً يشتمل على حجرات عدة، دخلنا واحدة منه فقيل هنا دفن نادر شاه وسيشاد له قبر هنا طوس: على خمسة وعشرين كيلاً إلى الشمال من مشهد، آثار المدينة الكبيرة التي كانت من أعظم مدن خراسان، والتي نشأت جماعة من كبار العلماء والأدباء: مدينة طوس: وطوس اسم إقليم في خراسان كان فيه مدينتان كبيرتان: طابران ونوقان. فأما طابران فقد اتسعت ونبهت حتى سميت طوساً باسم الإقليم كله، وبقي اسم طابران على إحدى محلاتها. وأما نوقان فكان على مقربة منها قرية سناباذ التي دفن فيها الرشيد العباسي والرضا العلوي فنمت حتى صارت مدينة المشهد الحاضرة واتصلت أبنيتها بنوقان ونسخت اسمها وقد اشتبه أمر طوس ونوقان على بعض الجغرافيين فقالوا إن مدينة طوس مدينتان: طابران ونوقان. قال ياقوت، عن طوس: (وهي مدينة بخراسان بينهما وبين نيسابور عشرة فراسخ تشتمل على بلدتين يقال لإحداهما (طابران)، وللأخرى (نوقان)) والحق أن لإقليم طوس مدينتين كبيرتين هما طابران التي سميت طوس ونوقان التي اندمجت في مشهد كما قدمت. وكان لطوس شأن في التاريخ الإسلامي، وتقلبت بها الغير حتى خربها ميرانشاه ابن تيمورلنك سنة ٧٩١هـ

стр. 6824

وينسب إلى مدينة طوس الإمام الغزالي، ونصير الدين الطوسي وغيرهما من العلماء. وقد مات الغزالي بها ودفن بالطابران إحدى محلاتها، رابع عشر جمادي الآخرة سنة ٥٠٥ ورثاه الابيوردي فقال: بكى على حجة الإسلام حين ثوى … من كل حي عظيم القدر أشرفُه وما لمن يمتري في الله عبرته … على أبي حامد لاح يعنفُه تلك الرزيّة تستهوى قُوى جَلَدِي … والطرف تسهره والدمع تنزفه فماله خلّة في الزهد منكرة … ولا له شبه في الخلق نعرفه مضى، وأعظم مفقود فجعت به … من لا نظير له في الخلق يخلفه وينسب إلى طوس كذلك الشاعر الفارسي أبو القاسم الفردوسي صاحب الشاهنامة المتوفى سنة ٤١١. وبها مات ودفن على مقربة من باب رزان أحد أبواب المدينة. في سورها الشمالي الشرقي وقد زار نظامي العروض قبر الفردوسي سنة ٥١٠ وقال: (وكان داخل الباب بستان للفردوسي فدفُن فيه وهو اليوم هناك) وقال هو لتشاه السمرقندي سنة ٨٩٣ (وقبره في طوس بجانب مزار العباسبة، ومرقده الشريف معروف اليوم، يزوره الناس) ويقول القاضي نور الله في أواخر القرن العاشر الهجري إنه زار قبر الفردوسي وقد رآه بعض سياحي أوربا، أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وقال خانيكوف سنة ١٨٥٨ إن البناء الصغير الذي كان يميز قبر القردوسي قد اندثر وقد اجتهد أدباء إيران حتى عرفوا بالقرائن مكان القبر فشادت الدولة عليه بناء فخماً يرى القارئ صورته تحت هذا: سرنا إلى طوس عشية يوم الجمعة ثالث شهر رجب (١٢ أكتوبر سنة ١٩٣٥ - ٢٠ مهرماه سنة ١٣١٣) فبلغناها بعد نصف ساعة فملنا إلى الشرق، واجتزنا نهر كشف في جادة واسعة تفضي إلى حديقة الفردوسي، فرأينا بستاناً كبيراً يتوسطه حوض واسع، وراءه بنية جميلة رائعة. وهي مصطبة واسعة مربعة يتوسطها بناء مربع القاعدة يرتفع زهاء أربعة أمتار، كتب على أربعة أوجهه أبيات من الشاهنامة. وزيد على الوجه الأول كتابة تبين عن عناية جلالة الشاه رضا بهلوي بالفردوسي، وأمره بتشييد البناء في التاريخ المبين

стр. 6825

به وللبناء باب صغير على جانبيه نقوش تمثل حوادث في الشاهنامة. ويفضي الباب إلى حجرة وسطها قبر عليه صفيحة مربعة من المرمر نحت فيها كلمات معناها أن أدلة كثيرة تثبت أن هنا قبر الفردوسي وتاريخ مولد الشاعر ووفاته، وفي الجدار المقابل للباب كوّة. والبناء في جملته جميل رائع جلسنا في سرادق ضرب هنالك، فلما اقترب مقدم جلالة الشاه، سرنا إلى النصب فوقفنا على سجاجيد فرشت بين الحوض والبناء، وقف الوفود وحدهم، وأعيان الإيرانيين وحدهم. ثم أقبل جلالة الشاه، فسلم على الوافدين واحداً واحداً، يعرفه بهم رئيس الوزراء ووزير المعارف. ثم ارتقى جلالة الشاه النصب، ووقف يقرأ كلمة افتتاح تذكار الفردوسي. ثم قطع بمقراض الشريط المحيط بالنصب ودخل فرأى قبر الشاعر، ثم دُعي الوفود فدخلوا. ثم وقف جلالة الشاه في ناحية من الحديقة يتحدث مع وزراءه، ثم ركب سيارته. وبقينا زمناً نمتع العين بما نرى، ونأخذ بأطراف الحديث ورأيت على يسار الجادة المفضية إلى حديقة الفردوسي بناء له قبة وقد تهدمت أعاليه، فقال من كان معنا من أهل مشهد إنه قصر بناه الرشيد، وقال بعض المستشرقين إنه قبر الغزالي. وإنه بني على نسق مرقد السلطان سنجر في مرو، وعلى نسقه بني مرقد السلطان الجاينو في السلطانية. وإنما العلم عند الله رجعنا إلى مشهد فبقينا إلى صبيحة الاثنين. ثم أخذنا طريقنا عوداً إلى طهران عبد الوهاب عزام

стр. 6826

أحمد المتنبي للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي ١ أحمدٌ كان مثل بحرٍ رحيب … موجه فوق لُجِّه كالكثيبِ شغلَ الناسَ منذ كانَ بشعرٍ … قاله معجِزاً لكل أديبِ إنْ يكن أحمدٌ تنبّأَ في القو … م فما إن عليه من تثريبِ فلقد كان الشعرُ يُوحى إليه … سُوَرَاً للاصلاحِ والتهذيبِ إنما معجزاته في معاني … هـ وفي لفظه وفي الأسلوبِ كم له من معنىً تراه قريباً … وهو في نفسِ الأمرِ غير قريبِ ومن اللفظ ما يكاد من الرق … ة يجري إلى صميمِ القلوبِ ٢ أحمدٌ كان شاعراً وحكيما … وبأسرار النفس كان عليما أحمدٌ لا يفنى وإن كان في قب … رٍ عَفَتْه الأيام عَظْماً رميما أحمدٌ كان في الزعامة للشع … ر وفي العلمِ بالحياةِ عظيما قد أراد الحُسَّادُ للحُرِّ هضما … فأبى الحُرُّ أن يكون هضيما جعل الشعر كالنهار مضيئاً … بعد ان كان الشعرُ ليلاً بهيما وكأن الديوان في جمعه ما … قاله كان للنجوم سديماً قتلوا الشاعرَ العظيم اغتيالا … وفشا قتله فكان أليماً ٣ أيها الشاعر الحفىّ القدير … باسمك اليوم يهتف الجمهور أكبر الفضل ما تقّدره الأجيا … ل من بعد أهله والدهور إنما قد أصاب شاكلةَ الأمـ … ة لما أصابك المقدور ذُمَّ دنيا غرّارة ليس تخلو … من رزايا يسوء فيها المصير أفجعُ الحادثات في الغرب والشر … ق على النابه الأديب تدور

стр. 6827

قاءل الشعر قد يبور مصاباً … بُلِمٍّ وشعره لا يبور حبذا الشعر آتياً من شعور … إنما يلمس الشعورَ الشعور ٤ يا قتيل الآداب إنك باق … وستحيا في أنفسِ العشّاق كل بيتٍ قد قلته فيك ارثى … آهةٌ لي جاءت من الأعماقِ حَرَم القاتلوك أمتهم من … كِلمٍ ملء الدهر والآفاق ولقد صارعتَ الخطوبَ إلى أن … أطفأتْ منك كوكباً ذا ائتلاق شاعر العقل، شاعر المجد والفخ … ر الأثيلين، شاعر الأخلاق والذي آمنتْ ببعثته النا … س على خِلفةٍ من الأذواق جاءت الخيل وهي تنحط إعيا … ء وراء المحجَّل السبّاق ٥ إنما أنت للقريب الجديد … مثلما أنت للقديم البعيد لستُ ممن يَقْلُون كل قديم … غير أني أحبَ كل جديد أنت في الدولتين كنتَ رسولا … ذا كتاب تدعو إلى التوحيد ولقد صاغوا الشعرَ قبلك من لف … ظٍ ووزنٍ وصُغته من حديد واحدٌ أنت من عباقرةٍ ما … توا على الأرض غيلةً للخلود أنت من جني القريض عليهم … قَتِلَ الشعرُ كم له شهيد! كنتَ حيناً كالليث يزأر للبط … ش وحيناً كالبلبل الغِرِّيد ٦ أنت بالشعر إذ هززتَ الشعوبا … كنت تُرضي النُهى وتُرضي القلوبا حِكَمٌ للذي أراد صوابا … ونسيبٌ لمن أراد النسيبا تلك نارٌ إذا خَبَت فهي تُبقي … من جديد للمصطلين لهيبا يتعب الدهرُ في التخِّيرِ حتى … يهبُ الناسَ شاعراً أو أديبا قد دعاك العُلا فسرتَ إليه … ودعوتَ العُلا فكان مجيبا

стр. 6828

إنه وحده الحبيب الذي قد … كنتَ منه وكان منك قريبا ولئن كنتَ للغبيّ بغيضا … فلقد كنتَ للذكيّ حبيبا ٧ أنت فردٌ يا أحمدُ المتنبي … في قريضٍ نظمته، إي وربّي! ما دعوتَ القوافي الغُرّ إلا … وهي عند الدعاء جاءت تلبّي كثر الناقدو قريضك بالبا … طل ستراً لصدقه بالِكْذبِ رُبَّ بنت للشعر قد وأدوها … في ربيع الصبا على غيرِ ذنبِ غير أن الأيام قد ضربتهم … بعد حرب تأججت أيّ ضربِ شاعرُ أنت للعروبة جمعا_ء … برغم الحُسّاد في كل حقبِ ولقد قالوا ما لأحمدّ قبرٌ … كذبوا، إن قبر أحمد قلبي ٨ لك في الشعر عزّةٌ قعساء … عَجَزَتْ عن بلوغها الشعراء إنهم ضلوا في ظلام الليالي … وهدتك المجرّة البيضاء إنما قالة القريض كثير … وقليلٌ من بينها النبغاء بين من راضوا الشعر أو قرضوه … ليس إلا لاسم الزعيم البقاء القريض الشريف ممن أهانو … هـ بما أسندوا إليه بَراء ليس من حظ العبقريّ إذا بَرْ … رَزَ إلا العِداء والبغضاء ليس بالشعر ما خلا من شعورٍ … وإن احلولى لفظه والبناء ٩ فاق شعرٌ به نطقتَ مبينا … غُررَ الأولين والآخرينا كان يحكي اليراعُ منك حساماَ … كلما احتل من يديك اليمينا كنت تسطو فيه فَيُبدي زئيراً … ثم تشكو به فيُبدي أنينا ضحكوا غِرَّةً فأسبلَت دمعا … كنتَ تبكي به على الضاحكينا ضمّ ديوانك الذي هو فِرَدو … سٌ من الشعر البِكر حوراً عينا

стр. 6829

إنني كلما له جئت أتلو … أقرأ الحُسْنَ والهدى واليقينا ولقد أبصرُ الكماةَ أمامي … وأرى قسطلاً فأُغضي العيونا ١٠ كان ليلٌ يدجو كان صباحُ … تتغذّى بضوئه الأرواح أنت في بحر كنتَ تسبح والبا … قون في حوض ماؤه ضحضاح بك ليلُ القريض بعد ظلام … لاح للعين صبحه الوضّاح ثم زاد المقصرون صناعا … تٍ إليها الأديب لا يرتاح ثم كان الغواة فيه فريقي … ن لكلٍّ عتادُه والسلاح ففريقٌ مٌقلدٌ لسواه … وفريقٌ أباح ما لا يُباح ثم شّبتْ بين الفريقين حربُ … كثرت في الغِمار منها الجِراح ١١ واحدٌ أنت من ملوك المعاني … ما له في سلطانه من ثان شاعر العقل والعواطف في النف … س وما في قرارها من أماني لا يدانيك ناقدُ قد تحدّى … إنه هادمٌ وأنت الباني ما لهم في البلاغة اليوم أرضٌ … ولك المشرقان والمغربان أنت ما كنت ترسل الشعرَ إلا … بعد نضج في العقل أو في الجنان بعد ألفٍ من السنين تقضّى … أكبرتْكَ الأقوامُ في مهرجان تعتري السامعي قريضك منهم … هزةٌ في الأرواح والأبدان ١٢ إنما جاءت الوفودُ ترامى … لتحييك ركُعاً وقياما إنهم يُكبِرونَ منك زعيما … اقعد الناسَ شعرُه وأقاما أنهم لبّوا دعوةَ الشَعبِ لما … قدموا أفواجاً فكانوا كراما لك يا أحمدٌ الإمامة في المو … ت كما كنتَ في الحياة إماما حبذا أبياتٌ بها كنت تشدو … فَجَرَت أمثالاً تزين الكلاما

стр. 6830

سكت البلبلُ الذي كان يشدو … كلَ صبحٍ فيوقظ النواما محسنُ للتجديد أحمدُ في البد … ء فَمَنْ ذا سيحسن الأتماما؟ (بغداد) جميل صدقي الزهاوي
следующие страницы →