← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

أحمد المتنبي للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي ١ أحمدٌ كان مثل بحرٍ رحيب … موجه فوق لُجِّه كالكثيبِ شغلَ الناسَ منذ كانَ بشعرٍ … قاله معجِزاً لكل أديبِ إنْ يكن أحمدٌ تنبّأَ في القو … م فما إن عليه من تثريبِ فلقد كان الشعرُ يُوحى إليه … سُوَرَاً للاصلاحِ والتهذيبِ إنما معجزاته في معاني … هـ وفي لفظه وفي الأسلوبِ كم له من معنىً تراه قريباً … وهو في نفسِ الأمرِ غير قريبِ ومن اللفظ ما يكاد من الرق … ة يجري إلى صميمِ القلوبِ ٢ أحمدٌ كان شاعراً وحكيما … وبأسرار النفس كان عليما أحمدٌ لا يفنى وإن كان في قب … رٍ عَفَتْه الأيام عَظْماً رميما أحمدٌ كان في الزعامة للشع … ر وفي العلمِ بالحياةِ عظيما قد أراد الحُسَّادُ للحُرِّ هضما … فأبى الحُرُّ أن يكون هضيما جعل الشعر كالنهار مضيئاً … بعد ان كان الشعرُ ليلاً بهيما وكأن الديوان في جمعه ما … قاله كان للنجوم سديماً قتلوا الشاعرَ العظيم اغتيالا … وفشا قتله فكان أليماً ٣ أيها الشاعر الحفىّ القدير … باسمك اليوم يهتف الجمهور أكبر الفضل ما تقّدره الأجيا … ل من بعد أهله والدهور إنما قد أصاب شاكلةَ الأمـ … ة لما أصابك المقدور ذُمَّ دنيا غرّارة ليس تخلو … من رزايا يسوء فيها المصير أفجعُ الحادثات في الغرب والشر … ق على النابه الأديب تدور

стр. 6827

قاءل الشعر قد يبور مصاباً … بُلِمٍّ وشعره لا يبور حبذا الشعر آتياً من شعور … إنما يلمس الشعورَ الشعور ٤ يا قتيل الآداب إنك باق … وستحيا في أنفسِ العشّاق كل بيتٍ قد قلته فيك ارثى … آهةٌ لي جاءت من الأعماقِ حَرَم القاتلوك أمتهم من … كِلمٍ ملء الدهر والآفاق ولقد صارعتَ الخطوبَ إلى أن … أطفأتْ منك كوكباً ذا ائتلاق شاعر العقل، شاعر المجد والفخ … ر الأثيلين، شاعر الأخلاق والذي آمنتْ ببعثته النا … س على خِلفةٍ من الأذواق جاءت الخيل وهي تنحط إعيا … ء وراء المحجَّل السبّاق ٥ إنما أنت للقريب الجديد … مثلما أنت للقديم البعيد لستُ ممن يَقْلُون كل قديم … غير أني أحبَ كل جديد أنت في الدولتين كنتَ رسولا … ذا كتاب تدعو إلى التوحيد ولقد صاغوا الشعرَ قبلك من لف … ظٍ ووزنٍ وصُغته من حديد واحدٌ أنت من عباقرةٍ ما … توا على الأرض غيلةً للخلود أنت من جني القريض عليهم … قَتِلَ الشعرُ كم له شهيد! كنتَ حيناً كالليث يزأر للبط … ش وحيناً كالبلبل الغِرِّيد ٦ أنت بالشعر إذ هززتَ الشعوبا … كنت تُرضي النُهى وتُرضي القلوبا حِكَمٌ للذي أراد صوابا … ونسيبٌ لمن أراد النسيبا تلك نارٌ إذا خَبَت فهي تُبقي … من جديد للمصطلين لهيبا يتعب الدهرُ في التخِّيرِ حتى … يهبُ الناسَ شاعراً أو أديبا قد دعاك العُلا فسرتَ إليه … ودعوتَ العُلا فكان مجيبا

стр. 6828

إنه وحده الحبيب الذي قد … كنتَ منه وكان منك قريبا ولئن كنتَ للغبيّ بغيضا … فلقد كنتَ للذكيّ حبيبا ٧ أنت فردٌ يا أحمدُ المتنبي … في قريضٍ نظمته، إي وربّي! ما دعوتَ القوافي الغُرّ إلا … وهي عند الدعاء جاءت تلبّي كثر الناقدو قريضك بالبا … طل ستراً لصدقه بالِكْذبِ رُبَّ بنت للشعر قد وأدوها … في ربيع الصبا على غيرِ ذنبِ غير أن الأيام قد ضربتهم … بعد حرب تأججت أيّ ضربِ شاعرُ أنت للعروبة جمعا_ء … برغم الحُسّاد في كل حقبِ ولقد قالوا ما لأحمدّ قبرٌ … كذبوا، إن قبر أحمد قلبي ٨ لك في الشعر عزّةٌ قعساء … عَجَزَتْ عن بلوغها الشعراء إنهم ضلوا في ظلام الليالي … وهدتك المجرّة البيضاء إنما قالة القريض كثير … وقليلٌ من بينها النبغاء بين من راضوا الشعر أو قرضوه … ليس إلا لاسم الزعيم البقاء القريض الشريف ممن أهانو … هـ بما أسندوا إليه بَراء ليس من حظ العبقريّ إذا بَرْ … رَزَ إلا العِداء والبغضاء ليس بالشعر ما خلا من شعورٍ … وإن احلولى لفظه والبناء ٩ فاق شعرٌ به نطقتَ مبينا … غُررَ الأولين والآخرينا كان يحكي اليراعُ منك حساماَ … كلما احتل من يديك اليمينا كنت تسطو فيه فَيُبدي زئيراً … ثم تشكو به فيُبدي أنينا ضحكوا غِرَّةً فأسبلَت دمعا … كنتَ تبكي به على الضاحكينا ضمّ ديوانك الذي هو فِرَدو … سٌ من الشعر البِكر حوراً عينا

стр. 6829

إنني كلما له جئت أتلو … أقرأ الحُسْنَ والهدى واليقينا ولقد أبصرُ الكماةَ أمامي … وأرى قسطلاً فأُغضي العيونا ١٠ كان ليلٌ يدجو كان صباحُ … تتغذّى بضوئه الأرواح أنت في بحر كنتَ تسبح والبا … قون في حوض ماؤه ضحضاح بك ليلُ القريض بعد ظلام … لاح للعين صبحه الوضّاح ثم زاد المقصرون صناعا … تٍ إليها الأديب لا يرتاح ثم كان الغواة فيه فريقي … ن لكلٍّ عتادُه والسلاح ففريقٌ مٌقلدٌ لسواه … وفريقٌ أباح ما لا يُباح ثم شّبتْ بين الفريقين حربُ … كثرت في الغِمار منها الجِراح ١١ واحدٌ أنت من ملوك المعاني … ما له في سلطانه من ثان شاعر العقل والعواطف في النف … س وما في قرارها من أماني لا يدانيك ناقدُ قد تحدّى … إنه هادمٌ وأنت الباني ما لهم في البلاغة اليوم أرضٌ … ولك المشرقان والمغربان أنت ما كنت ترسل الشعرَ إلا … بعد نضج في العقل أو في الجنان بعد ألفٍ من السنين تقضّى … أكبرتْكَ الأقوامُ في مهرجان تعتري السامعي قريضك منهم … هزةٌ في الأرواح والأبدان ١٢ إنما جاءت الوفودُ ترامى … لتحييك ركُعاً وقياما إنهم يُكبِرونَ منك زعيما … اقعد الناسَ شعرُه وأقاما أنهم لبّوا دعوةَ الشَعبِ لما … قدموا أفواجاً فكانوا كراما لك يا أحمدٌ الإمامة في المو … ت كما كنتَ في الحياة إماما حبذا أبياتٌ بها كنت تشدو … فَجَرَت أمثالاً تزين الكلاما

стр. 6830

سكت البلبلُ الذي كان يشدو … كلَ صبحٍ فيوقظ النواما محسنُ للتجديد أحمدُ في البد … ء فَمَنْ ذا سيحسن الأتماما؟ (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 6831

فانك مصري للأستاذ فخري أبو السعود لمناسبة ما أبداه بعض الإفرنج من إمارات الاستهجان أثناء عرض مناظر المؤتمر الوطني بدور السينما أَقِمْ صَاغِراً وَأرْغَمْ حياتَكَ وَأشْقَهَا … فإِنَّكَ مِصْرِيٌّ وإنكَ مُسْلِمُ! وإنك شرِقيٌ وَنَسْلُ أَعَارِبٍ … يَدِرينُكَ غَرْبِيٌّ وَيَعْلوُكَ أَعْجَمُ وإنك بين البِيضِ أسمرُ كالِحٌ … وحَظكَ في الدنيا كجِلْدِك أَسْحَمُ وإنك ذيلُ العصرِ والغَيْرُ رأسُهُ … تَقَاعَسْتَ عنه محجما حيثُ يُقْدِمُ ولسْتَ بِفَعَّالٍ ولست بصانعٍ … وغيرُك مشهودُ الصناعة مُحْكَم يجيءُ بآيات الحضارة مُبْدعاً … وتَعْجَبُ مما بات يأْتِي وَتَسْهَمُ وأنتَ إذا قال المُفَاخِرُ عاجزٌ … وأنْ نَطَقَتْ بِيضُ الصَّوَاِرِم مُفْحَم ورأْيُكَ منْبُوذٌ وقولُك ضائعٌ … وسيَّانِ منه صارخٌ وَمُكَتَّمُ وأرضُكَ مَلهى للدخيل وملعبٌ … وجِدُّكَ مَلهاةٌ لمن يَتَهَكَّمُ وحقُّك مبذولٌ وسعيك طائِشٌ … وإِرْثُكَ بين الطامعين مُقَسَّمُ وأنِتَ أَجيرٌ في بلادك خادم … وغيرُك يُسْتَجْدي رضاه ويُخْدَم تَوَلَّى بِأصْفَى دَرِّها ونتاجها … ويُرضيك ما يَبْقَي ويكفيك درهم ولَا تَعْتَبِنْ يوماً عليه إذا انبرى … يسبُّك مُفتاتاً علي ويشتم فمِثْلُكَ مَنْ دَرَاى إذا احْتَدَّ غاضبٌ … ومثلُكَ مَنْ يُغضي ويعفو ويَحْلُمُ وغيرُك مَنْ إِنْ مَسَّهُ الحيفُ عافَهُ … وثاَرَ على مُستكبرٍ يَتَهضَّمُ ولا تَمْدُدَنْ كَفَّا إليه مصافحاً … فَتُرْفَضَ وَاصْمُتْ إِنَّ صَمْتَكَ مَغْنَمُ بذا قضت الأَقدار: شَعبٌ مكاثِرٌ … عزيزٌ، وشعبٌ يُسْتَذَلُّ ويُظْلَمُ ولا تَذْكُرَنْ مجداً لمصرَ وأعْصُراً … تَسَامى بها المُلكُ الرفيعُ المعظَّم ولا تَذْكُرَنْ عهداً به السُّمْرُ وَطَّدُوا … بناءً لهم في العالمين ودعَّموا وعهداً إذا رَجَّى به الناسُ مُنْتَمىً … إلى العِزِّ قال العزُّ للعَرَبِ انْتَمُوا! وعهداً به أمْسَى الزمانُ مسِّبحاً … بحمد الالى لله صَلَّوْا وسَلَّموا

стр. 6832

ولا تَرْثِيَنْ تلك العهودَ ولا تَنُحْ … عليها فما يَثْنِي المشَيَّع مأْتَمُ وتلك عهودٌ قد تَوَلّتْ وقد تَلَتْ … شُعُوبٌ ومَنْ لم يْحكُموا الناسَ ُيحكَموا فَعِشْ رَاغماً أو فاسْمُ للعز ضارِباً … بِعَزْمٍ إذا ما أَحْجَم الجنُّ يَقْحَمُ وحزمٍ يُصمُّ السَّمْعَ عن هَجْوِ كاشحٍ … وجِدٍّ يُجِبُّ الصَّمْتَ لا يَتكلمُ فخري أبو السعود

стр. 6833

من الأدب الفرنسي المعاصر أندريه جيد بقلم علي كامل كثيراً ما تقع أعيينا على صورة نقشها يراع رّسام بارع ليعبر بها عن فكرة من الأفكار فإذا هذه الصورة توافق هوى في نفوسنا لأول نظرة بحث نرى فيها خير ما يمكن التعبير به عن هذه الفكرة. كذلك قد نقرأ جملة قصيرة خطها قصصي أو ناقد يصف بها شخصاً من الأشخاص فإذا هذا الوصف بالنسبة لنا كأنه كان ضالة منشودة وصلنا أليها بعد طول عناء. . . كأن كلا منا كانت تتردد أمام عينه هذه الشخصية يريد وصفها وتحديدها ولكن عبثاُ، حتى جاءت الجملة التي قرأها فنزلت على قلبه وأعصابه المتلهفة القلقة برداً وسلاماً! كان يجب أن يمر بنفسي هذا الخاطر وأنا أقرأ الدراسة القيمة التي كتبها في الشهر الماضي الناقد الفرنسي بنجامان كْرمُيو عن أندريه جيد. ذلك الكاتب الفذ الذي جاوز الخامسة والستين وهو مع ذلك لا يزال شاب القلب والنفس يتزعم مدرسة (التحرر الأخلاقي) في الأدب الفرنسي الحديث، ويعالج مشاكل الشباب النفسية وخصوصاً الجنسية والنزعات الطائشة المتغلبة التي تلازم الكثير منهم بصراحة جريئة وحرية لا حد لها حتى نفر الشيوخ من ذلك الكاتب الشيخ. واحتفظ الشباب بالولاء له وتمجيده والتهام أدبه لم أكد أقرأ قول بنجامان كرميو: (لأن أول نظرة إلى أندريه جيد تبين لنا أنه مخلوق مضطرب قلق، معقد، يتركب من عدة شخصيات. ولكنه يمت إلى نوع نادر من البشر) ثم قوله. (وعندئذ لا نلبث أن نعرف أن فنه صورة منه). ولم أكد أقرأ ذلك حتى مرت أمام عيني كشريط سينمائي كل الصور التي رأيتها لأندريه جيد. وتذكرت عدداً من مجلة كان قد نشر - لمناسبة لا أذكرها الآن - بضع صور له في فترات حياته المختلفة: في الشباب والرجولة والكهولة. وتذكرت معه هاتين العينين الحائرتين، والوقفة المضطربة، والشارب المحلوق النادر بين الفرنسيين. الذي ينزل به من سن الستين إلى الثلاثين. فعرفت عندئذ مقدار ما في بنجامان كرميو من الصدق ودقة الملاحظة نعم إن فن أندريه جيد وفلسفته هما قبل كل شيء صدى لمشكلة نفسه ومأساة حياته. فقد نشأ جيد في أسرة دينية متقشفة من أب بروتستنتي وأم كاثوليكية. وكان أثر بروتستانتية والده

стр. 6834

أعمق من أثر كاثوليكية والدته. وربى جيد تربية دينية خالصة، فكانت هذه التربية وتناقضها مع طبيعة جيد أولا ومع الظروف التي صادفت شبابه ثانياً سبباً قاسياً في أن تجعل من حياته مأساة إنسانية كبرى، وأن تجعل شخصيته فريسة لحرب شعراء بين جيد المتدين بولادته وأسرته وتربيته، وجيد المتحرر تحرراً كلياً من سيطرة الدين بعقله وإرادته عندما بلغ جيد سن الشباب استيقظت نفسه على أشعار الجيل الأول من المدرسة الرمزية في الشعر الفرنسي تحت زعامة فرلين ورامبو وملارمي. وكان عهد ازدهار هذا الجيل قد آذن بالمغيب وخلفه الجيل الثاني الذي من أعضائه فرنسيس جيمز وبول كالوريل، وبول فور. فانضم إليهم أندريه جيد إذ وجد في الشعر الرمزي الحالم السابح في أجواء الخيال، المتحرر حتى من القيود الشعرية نفسها، سبيلاً إلى الانطلاق من عالمه الديني الضيق المخنوق. ولم يكن تأثر جيد بالشعراء الرمزيين قاصراً على فنهم فحسب، بل وجد في حياة الكثير منهم مثل فرلين ورامبو مثلاً أعلى لحياة الفنان الحر الطليق الذي يريد أن يصل إلى فهم الحياة الحق مهما كلفه ذلك من الثورة على كل تقليد، والخروج على كل عرف أخلاقي؛ على أن رمزيه أندريه جيد لم تبلغ في تحكم العاطفة بها ما بلغته رمزية الجيل الأول. فهو أقل حدة في العاطفة وجموحاً في الخيال. وهو أمر سخرية وأعمق تفكيراً واشد رغبة في إدراك حقيقة نفسه، وأعظم انطلاقا وتعلقاً بالحياة المرحة. وفي أول كتبه ' (دفاتر أندريه ولتر) (١٨٩١) تراه يعبر عن ذلك بقوله (يجب النظر إلى الحياة بعين شاملة وطبيعة طلقة مع الاحتفاظ بالنفس المتيقظة) وفي ذلك الوقت أيضاً - وقت شباب جيد - غزت فرنسا أفكارُ الفيلسوف الألماني (نيتشه)، والكاتب الأيرلندي (أوسكار وايلد) فتأثر بهما اندريه جيد تأثراً عظيماً. أخذ عن الأول فكرته عن (السبرمان)، وعن الثاني فكرته عن سيادة الفن وحق الفنان في أن يحيا على هامش العادات الأخلاقية المرعية، والاثنان - جيد ووايلد - يتفقان في إيمانهما بفكرة الجمال عند الأثينيين القدماء ذلك تأثر جيد بفكرة الكاتب الفرنسي موريس باريس عن (عبادة النفس) وأخذ عنه سخريته العالية وأخيراً يجيء دور الكاتب الروسي دستوفسكي فكما أن نيتشه وأوسكار وايلد كانا أعظم من

стр. 6835

أثر في جيد الشباب، كان دستوفسكي أعظم من أثر في جيد الرجل من ذلك نرى أن جيد قد تأثر بكل الآراء المتطرفة المعاصرة له، أليس هو القائل: (إن كل ما هو متطرف يؤثر في؟) لقد تأثر بالشعراء الرمزيين الفرنسيين، وبأوسكار وايلد الايرلندي، ونيتشه الألماني، ودستوفسكي الروسي. لذا كان أدبه كلاسيكي النزعة على أن جيد على رغم كلاسيكيته بعيد كل البعد عن العبودية لمن تأثر بهم. فشخصيته القوية المستقلة تنبض بها أعماله كلها بشكل قوي مؤثر، وإن طبيعته الثائرة القلقة وجهده الصارخ في التحرير تجعلانه يجري وراء الثقافة الواسعة التي لا تعرف التمييز بين كاتب وآخر (فأنا - كما يقول - أنتظر دائماً شيئاً أجهله: أنتظر ضروباً جديدة من الفن وأفكاراً جديدة) ولقد بلغت به رغبته الحادة في المعرفة الشاملة إلى دراسة اللغات الأجنبية كي يقرأ أعمال من يعجب بهم بلغاتهم الأصلية كانت أعمال جيد الأولى (دفاتر أندريه ولتر) (١٨٩١) و (١٨٩٢) و ' (١٨٩٣) عبارة عن اعترافات تتضمن نزعات جيد الفكرية التي أراد بها التحرر مرة واحدة من حياته الطاهرة المتقشفة. ففي أول أعماله يقول (الحياة الطلقة، تلك هي أسمى حياة، سوف لا أستبدل بها غيرها مطلقاً. لقد ذقت من هذه الحياة الطلقة ضروباً كثيرة. على أن الحياة الحقيقة كانت أقصرها) وفي هذه الأعمال الثلاثة الأولى يلمح القارئ بين سطورها ميولاً جامحة خفية يحاول جيد أن يحجم عن التصريح بها على أن هذه الحرية التي يبيحها جيد لنفسه دون قيد لا تلبث أن يطغى عليها أحياناً إحساسه الديني فيقول في نفس الكتاب: (إنني أتمنى وأنا الآن في الحادية والعشرين من عمري، وهي السن التي تنطلق فيها من عقالها الشهوات، أن اقمعها بالعمل المضني اللذيذ. إنني أود في الوقت الذي يجري فيه الآخرون وراء ملذاتهم أن أذوق اللذات الخشنة التي تلازم حياة الصومعة) وفي (١٨٩٧) نرى جيد يبلغ انطلاقه الكلي من حيث الدعوة إلى أن المعرفة لا تأتي عن طريق الفكر بل عن طريق الحس. من ذلك قوله: (إنك لا تستطيع أن تقدر المجهود الذي كان لزاماً علينا بذله لكي نحس إحساساً صادقاً بالحياة، والآن وقد تحقق ذلك فهو

стр. 6836

كالحال مع كل شيء آخر عن طريق الحس والشهوة) وكقوله أيضاً (لقد تسكعت هنا وهناك كي أستطيع أن ألمس كل من يتسكع - إن قلبي يفيض بالحنان والحنين إلى كل من لا يعرف أين مكان دفته. وأحب حباً مفرطاً كل من يهيم بالتجوال والتصعلك) ثم انظر كيف لا يستطيع الفرار في هذا الكتاب أيضاً من إحساسه الديني حين يقول: كنت أقرأ (عقيدة العلم) لفيخت فشعرت بأنني سأعود متديناً من جديد وفي قصة ' (١٩٠٢) نرى عبقرية جيد، وتأثره العميق بالفيلسوف نيتشه، قد تعاونا على إظهار فكرة (التحرر الأخلاقي) حيث نرى بطل القصة (ميشيل) - وهو رجل مريض - يتقدم نحو الشفاء كلما حرر نفسه من الأوضاع الأخلاقية وفي (١٩٠٩) و (١٩١١) و (١٩١٩) نرى جيد - وخصوصاً في القصة الأولى - يعالج شخصيات تخالف تماماً في تفكيرها ونزعتها ما نراه من الأفكار والنزعات في الأعمال الأولى، لأن الأولى استسلام مطلق لنداء الحياة، والثانية استسلام مطلق لنداء العاطفة الدينية. فبينما نرى (ميشيل) في قصة ' ذلك الثائر على نظام الأسرة، الهاجر لماله وزوجته، المتمرد على الراحة والأستقرار، الراغب في الرحيل إلى أبعد مكان، الواجد في الحرية الجسدية والانطلاق الحسي شفاءه العاجل. نرى أيضاً (أليسا) في قصة تلك الفتاة الوادعة المتقشفة التي تغمرها العاطفة الدينية حتى تدفعها إلى رفض الزواج من أبن عمها (جيروم) الذي تحبه لكي تقصر نفسها على الاستسلام لاحساساتها الدينية، وتقترب من الله الذي تسميه (الأحسن) ولاشك أن القصي العبقري هو الذي يرسم لنا بين حين وآخر صوراً إنسانية متباينة تختلف كل الاختلاف عن شخصية راسمها الذي تسمو عبقريته كلما استطاع التجرد من كل مؤثر ذاتي. وهذا هو ما نراه في قصتي , للقصصي العظيم بلزاك، والقصتان تقتربان من حيث تناقض نفسية الشخصيات من قصتي جيد وعلى أن الفرق بين بلزاك وجيد - من هذه الناحية - أن بلزاك في قصتيه يرسم لنا شخصيات خارجة عن نفسه. أما جيد فكل شخصية من شخصيات قصصه عبارة عن فكرة متحركة من أفكاره. ففي قصتيه السابقتين تراه يختفي وراء شخصيتي (ميشيل) و (أليسا)، فشخصة (أليسا) هي صدى حياة جيد

стр. 6837

الطفل الذي نشا بين أعطاف الدين فطبع حياته كلها بطابع لم يجد جيد وهو رجل سبيلاً إلى التخلص منه؛ وشخصية (ميشيل) هي شخصية جيد الشاب المفكر الذي نظر حوله فوجد أن حياة الزهد الماضية قد حرمته كل متع الحياة فلم يجد وسيلة إلى التحرر من تراث ماضيه وتعويض ما فقده من العمر في أحضان الزهد والحرمان إلا بإنكار كل قاعدة أخلاقية واستغلال كل دقيقة للتمتع بكل لذة مستطاعة وقد يلام أندريه جيد ويتهم فنه القصصي بالنقص لأنه اختفى وراء كل شخصياته ولم يرسم لنا صوراً إنسانية خارجة عن نفسه شأن القصصيين العباقرة. والواقع أن جيد ليس له من النبوغ القصصي نصيب عظيم، وإنما عبقريته الحق هي في تلك الدعوة الحارة إلى (سيادة الحياة) وفي ذلك البحث المتواصل قي سبيل فهم نفسه والنفس الإنسانية. وقي ذلك الاحتمال الباسل لهذا الكفاح العنيف داخل نفسه بين تربيته وبين تفكيره بين العاطفة الدينية وبين الإباحية الأخلاقية. ثم أخيراً في محاولته الجريئة للتوفيق بينهما كما سنرى. ذلك كله هو الذي يعطي فن أندريه جيد لوناً تجديدياً وضاء، ويعطي كتبه ذيوعاً قل أن نصادفه في كتب أعاظم الكتاب المعاصرين. أليس هذا الفن - كما يقول الناقد أندريه بير - هو خير تعبير عن اضطراب العصر الذي نعيش فيه؟ إن في كل صفحة من صفحاته تجد النفوس القلقة الجامحة مجالاً لا مثيل له لراحتها لنفسية، فهو يكتب ما يقول (حتى يجد كل مراهق يصبح فيما بعد مماثلاً لي وأنا في السادسة عشرة من عمري - ولكنه يكون اكثر مني حرية وشجاعة وأعظم كمالا - جواباً لسؤاله المرتجف) فما هو هذا الجواب؟ ذلك ما سوف نراه (البقية في العدد القادم) علي كامل

стр. 6838

القصص ضحية الوهم بقلم القصصي الإيطالي المعروف ماسيمو بونتمبلي عهد إلي (رينيه كلامار) أن أقتل الوقت مع (ميني)، لأنه يريد أن يقضي أمراً يقصيه عنها نحو نصف الساعة. فأخذنا نسير في طريق اللوفر. وعلى حين غرة تركتني ميني مسرعة إلى الناحية الأخرى من الشارع لترى صندوقاً زجاجياً مستطيل الشكل وضع أمام حانوت لبيع أدوات صيد السمك. وكانت الأسماك الذهبية تسبح في الماء الصافي الذي امتلأ به الإناء. وكأنها من شدة فرحها لا تعرف بحراً خضماً أعظم من هذا الصندوق الزجاجي وقالت ميني بعد أن صفقت بيديها: (يا إلهي، ما أجملها!) ودنوت أنا منها. ووافقتها على ذلك، وفي صوتي نبرات الجد، قائلاً: (نعم، إنها جديرة بأن تحوز إعجاب الناس.) فنظرت إلي ميني نظرة ناقد وقالت: (ما هذا التعبير: جديرة بأن تحوز إعجاب الناس؟ أنه لا يقال إلا لما يصنعه الإنسان بيده سواء أكان هذا صوراً أم شعراً كالذي يتكلم عنه أصدقاؤك. وكذلك يمكن أن يقال هذا عن الثياب. . . .) ولكني قاطعتها بقوة من يريد الفصل في الموضوع: (لابد لي أن ألفت نظرت إلى أن رينيه كلامار وأنا وغيرنا - وهنا أخذت تنظر إلي كمن يتفرس في معرفة الأشياء - ذكروا أكثر من مرة أنك جديرة بأن تحوزي إعجاب الناس، ومع ذلك فأنت لست من صنع إنسان) (وابتسمت ميني شاكرة، ولكنها أجابت في منطق معكوس: (ولكني على أي حال لست سمكة) فتشبثت برأيي وقلت: (على أني قلت إن هذه السمكات جديرة بأن تحوز إعجاب الناس، لأنها سمكات غير حقيقية، هي سمكات تقليدية.)

стр. 6839

فحدقت ميني فيّ أولاً، ثم في السمك ثانياً، ثم عادت تحدق في، ثم صفقت بيديها وقالت: (أصحيح هذا؟) وكانت ميني من أولئك الذين يعيشون وينمون ولا يتعدون دور الطفولة. ومثل هؤلاء يسهل إغراؤهم وقيادتهم، وليس عندهم من الأشياء ما لا يمكن تصديقه والإيمان به إذا ما قيل لهم ذلك. قالت ميني: - ولكن كف تتحرك هذه الأسماك؟ فقلت لها: (إن الكهرباء مسلط عليها.) فالتفتت بسرعة إلى الأسماك وانحنت على الصندوق تدقق النظر إليه. وكانت يداها المرتجفتان مثبتتين على موضع قلبها. وقالت ولكن كيف تيسر لها كل ذلك؟ إنها تفتح فاها. والصغيرة هذه تتحاشى الكبيرة في سيرها نحو سطح الماء. وهناك في الركن الآخر اثنان يتقارضان القبل، كأنهما شقيقان. . . . أي. أي. . . وفي القاع السمكة الكبيرة وقد اهتزت المياه من فوقها كفرس البحر الذي رأيناه في حديقة الحيوان، وكان رينيه معنا) - (نعم إنه لشيء عجاب. . . ولكن أناشدك الله ألا تمسي هذه المياه فان الكهرباء سارية فيها.) فاسترجعت ميني إصبعها من فوق سطح الماء وقالت: (وهذه السمكة وجارتها ألم ينظرا إلي الآن بنظرات حادة؟) وأبصرت صديقي وقلت: (ها هو ذا رينيه.) فقالت هي: (أي رينيه، يجب أن تنظر إلى هذه الأسماك!) وقلت مخاطباً رينيه: إن ميني تعتقد أن هذه الأسماك حقيقية.) وكان رينيه يعرف طبعي جيداً، ومعرفته بميني تكاد تكون نوعاً من اختصاصه. فاندفه يشاطرني هذري

стр. 6840

ولم تجد ميني طيلة ذلك اليوم شيئاً آخر تفكر فيه. ثم قالت فجأة: - (وكيف تكون هذه؟ أصلبه هي أم لينة؟) - (ماذا تعنين؟) - (الأسماك الصناعية) - (هي لينة كالحقيقية) - (وماذا تصير لو أنها أُخرجت من الماء؟) - تصير كالأسماك الحقيقية بالضبط، إذ تبغي استنشاق الهواء وترتجف بضع مرات ثم تجمد ولا تتحرك كأنها ميتة.) - (ثم بعد ذلك؟) - (ثم بعد ذلك. . . تنتن وتفسد) - (وإذا ما دفعها إنسان إلى هر؟) - (يلتهمها كأنها سمكة حقيقية) وفي المساء التالي جلست وإياي في البهو تنتظر رينيه، فقد ذهب لشراء بعض لفافات من التبغ - (ميني، ما دامت هذه الأشياء تشغل بلك فسأفصح لك عن سر عظيم. بعد أن اخترعت الأسماك الصغيرة، حاول العلماء خلق أحياء أخرى فاخترعوا العصافير مثلاً. عصافير صغيرة تحفظ الغناء) - حقاً، إنني شاهدتها وهي من صنع (نورمبرج) من أعمال ألمانيا، ويجب أن تملأ الزنبرك إذا ما أردنا سماع غنائها. وبرغم أنها تحرك المنقار والرأس فأنها لا تطير، وهي صلبة كالمعادن.) - كل ذلك صحيح يا ميني. ولكن العصافير الأولى كانت كالعصافير الحقيقية تماماً. كانت كالأسماك التي شاهدناه في طريق اللوفر. والآن أفضي إليك السر العظيم، ولقد أردت أن أدلي به إليك من قبل ولكن الفرصة لم تسنح لي. قلت لك خلق العلماء أحياء أخرى ثم. . . ولكن يجب أن تقسمي ألا تذكري ذلك لأحد) - (حسن، أقسم على ذلك)

стр. 6841

- (ثم. . . ثم خلقوا آدميين) - (يا إله السماء. . . .!) - (خلقوا اثني عشر شخصاً: ست رجال وست نساء) - (يا إلهي. . . وكيف كان هؤلاء؟) - (هم كتلك الأسماك. هم مثلي ومثلك) - (ولكن أين هم الآن؟) - (هذا ما لا يعرفه أحد. وبهذا حفظ السر. فبعد أن خلقوا خرجوا من المعامل. وأخذ الناس يبحثون عنهم دون جدوى. ولا يعرف غير الله موضعهم) - (ولكنهم تدثروا بالملابس؟) - (طبعاً!) - (ومتى كان ذلك؟) - (منذ أكثر من سنة) - (وأين ساروا؟) - (هنا، هنا في باريس. وكانوا كاملين في كل شيء، ولا يمكن تمييزهم من الآدميين الحقيقيين. تصوري يا ميني أننا قد نكون تقابلنا مع أحدهم دون أن نعلم) - (لا، لا. إنني أشعر بالشيب يدب في رأسي، لقد اعتزمت إلا أخرج من المنزل، ويجب على الناس أن يبحثوا عنهم. ولماذا لا يعثرون عليهم؟ وواجب هؤلاء أن يقولوا بأنهم ليسوا آدميين حقيقيين - (ولكنهم لا يعرفون شيئاً عن ذلك كله. إنهم يعتقدون أنهم من لحم ودم كبقية خلق الله) واختل تفكير ميني، ولم أفلح أنا ورينيه في تشتيت تلك الأفكار الخبيثة عنها. وقد أقسمنا لها بكل عظيم (أننا لم نبغ إلا الهذر من كل تلك الأمور) - (هذا تذكرانه لي الآن حتى أهدأ بعض الهدوء، ولكني أعرف وأعتقد اعتقاداً جازماً بأن كل ما ذكر لي قد وقع، ومن يدري؟ ربما كان ذلك الرجل القادم. . . . . لا، لا. . . لنرجع ثانية إلى المنزل وكانت كلما مرت برجل في طريقنا ظنته صناعياً. وفجأة تأوهت، وأحجمت عن السير.

стр. 6842

ورأت في بيتها ملجأها الوحيد، ولتبق هي في غرفة منه نابية، أو في ركن منه مظلم. ولم تتزحزح هذه الأفكار عن مخيلتها، وقد تراكمت فكانت أثقل من جبل، وفي الليل كانت تنزعج وتصرخ في منامها. فكنت أنا ورينيه نوقظها. وكنا نقسم لها أغلظ الأيمان من جديد. غير أنها كانت تعتبر كلامنا غير أهل للإجابة عليه، وبدأ الشك والسوداء يستوليان عليها. وأخيراً قال لها رينيه: - (ماذا يحزنك يا ميني؟) - ماذا يحزنني. . .؟ لا يعرف أحد إذا كان الذي ينظر إلي أو الذي يكلمني هذا من لحم ودم. لا، لا، أولى لي أن أموت! ثم أدارت رأسها في حركة ميكانيكية وقال: - (وأنتما لا تعرفان. . .) ولم يكن في مقدرة أحد أن يغريها بترك باريس. ولماذا؟ قد يكونون متفرقين في بقية العالم وكانت لا تود رؤية أحد حتى خادمتها الصغيرة لم تطق رؤيتها في المنزل. ثم لزمت الفراش لا تفارقه وكنا أنا ورينيه نتناوب السهر عليها، ونقدم لها الطعام فلا تأكل منه إلا يسيراً. وكانت حياة ملؤها وخز الضمير. وعند ما كانت تغفو كنا نستدعي الأطباء سراً، ليشيروا بعلاج يرجع لها رشدها. ولكن تلك الفكرة التي لازمتها كانت توغل في الصميم، فتركزت أفكارها حول نقطة واحدة. . . (ربما كان أحدهم من رأيته أو حادثته. . .) وكانت حياة كلها نكد، يزيد في ظلماتها الذنب المشترك. وكنت أنا ورينيه نمضي الساعات دون أن ننبس بكلمة أو ينظر أحدنا إلى صاحبهُ وفي ذات يوم تولانا الرعب من فكرة طارئة. ماذا يكون الحال يا ترى لو خيل إلى ميني أن أحدنا أو كلينا من أولئك الرجال المصنوعين، الذين يفزع منهم الشياطين لمجرد ذكرهم أو تخيلهم. ألم نكن نحن أول من قال لها عن هذا الاختراع السخيف؟. ولكن هذه الفكرة لم تستول عليها، بل اكتسحت مخيلتها فكرة أشد خطراً وأبعد غوراً كانت ليلة من ليالي الربيع. وقد غرقت ميني في النوم الهادئ ففرحنا. وفتحنا النافذة، وأطللت أنا ورينيه على الطريق نتسلى برؤية النجوم مرة وبإمعان النظر في الظلام المخيم

стр. 6843

على جوانب الشارع مرة، وتارة كانت تستلفت أنظارنا الأنوار الحمراء التي تضيء أسماء الحوانيت، وتارة أخرى تسترعي أبصارنا الإعلانات الوضاءة. . . وعلى حين سمعنا صوتاً جهورياً مرتجفاً. ولما نظرنا خلفنا وجدنا ميني واقفة فوق سريرها باسطة ذراعيها، وتكاد تنخلع من الرعدة. فأسرعنا إليها ولكنها فزعت منا. وقذفت بنفسها من السرير فارتطمت بالمرآة. وحدقت أولاً في قميص نومها ثم في قبضة يدها. ثم دفعت وجهها ليلتصق بالمرآة. ونظرت إلى صورتها وحدقت فيها كأنما تريد اكتشاف كنه ما بها - (أي نعم، إن الأمر لهو كذلك. إنني أراه جلياً واضحاً. نعم، إنني أنا هو. إنني لست من لحم ودم. كلا، كلا. إنني أنا ذلك الإنسان الصناعي وما كنت أدري ذلك من قبل) فصاح كل منا: - (ميني!) - (لا إنني أفهم الآن كل شيء. إنني متأكدة إنكما لن تعرفا ذلك. . . ولكن ماذا، أنا فاعلة الآن؟ وماذا في وسعي أن أعمله؟ سامحني يا رينيه! الذنب ليس ذنبي) حاولنا أن نمسك بذراعيها، وهي تحدق في الفضاء. . ولكنها رفعت يدها وأشارت نحو الباب وقالت: - (ماذا هنالك؟) - لاشيء، لا أحد يا ميني، هدئي روعك! - ولكن هنالك. . . . .، هنالك، من هنالك. . .؟ انظروا انظروا من هو؟ وشع ضوء مخيف من عينها كسا وجهها ضياء جافاً، وانطلت علينا الحيلة، وذهبنا إلى الباب لنهدئ من حدتها. وما كدنا نصله حتى التفتنا إلى الخلف دون سبب، ولكن بعد أن فات الأوان، إذ وقفت ميني كعفريت من الجن على حافة النافذة. فلم نتمالك من الصراخ وهرعنا إليها. ولكنها كانت قد قذفت بنفسها إلى الشارع. ولم يبق منها إلا قطعة من قميص نومها معلقة في يد رينيه. وساد السكون ثواني حسبناها ساعات وإذا بجسدها يرتطم بالإسفلت فيقضي على أنفاسها وعلى هواجسها عربها عن الألمانية: ا. ا. ي

стр. 6844

من أقاصيص الجاهلية حرب البسوس بقلم اليوزباشي أحمد الطاهر - (ما عهدتك تمضي ليلتك في السامر ياجساس، أكان حديث القوم عذباً فألقيت إليه السمع، أم كان لسانك ذرباً فدفعت عن بكر؟). - (نعم يا خالتاه. لقد دفعت عن بكر بلسان صدق في السامرين، ودفعت هذه القرية التي يسددها كليب لنا في كل مجمع وناد، ولم أنس يا خالتي أن أدفع عنك مقالة السوء التي نالك بها كليب، فقلت للقوم: إنكم تعلمون موضع البسوس من أهلها وتعلمون موضع أهلها من العرب. ومن كانت في هذا الشرف من القوم فما أبعدها عن السعاية والوقيعة. وما نقموا من البسوس يا قوم إلا ما اشتهرت به حماية الجار، وحفظ الذمار؛ وهي بعد ليست ثرة ولا نمة. واندفعت يا خالتاه أقرع حجج كليب حجة بعد حجة: وأورد فرياته فرية بعد فرية، فإذا القوم على كليب ساخطون، وعلى بكر وبني شيبان عاطفون.) هشت البسوس بنت المنقذ لمقالة جساس ابن أختها، وضمته إلى صدرها وقبلته في مفرقه. واستوت تقص عليه ما سمعت من نساء الحي. ولم يكن للحي من حديث في سامرهم وناديهم ومجمعهم إلا ما بين بكر وتغلب من إحن وحفائظ أخذت البسوس على نفسها عهداً بإذاعتها في القوم وإفشائها في غير قصد ولا أناة. قالت: (هذا كليب بن ربيعة التغلبي قد أخذته العزة بالإثم وبغى على قومه لما دانوا به من الطاعة له والانقياد لسلطانه، حتى بلغ من بغية أن يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه، ويجير على الدهر فلا تحفز ذمته، ويحمي الوحش في مسارحه فلا يهاج، ولا تورد إبل مع إبله، ولا توقد نار مع ناره. ولقد أخذت الناس رعدة من قوته وسلطانه. وضربوا الأمثال بعزته وطغيانه، وما مبعث هذا البغي وهذا الطغيان إلا النصر الذي أحرزه يوم خَزَازَى حين قاد معداً ففض جموع اليمن. وما النصر يحرزه القائد إلا الفضل الذي أفاضه عليه الجنود، بالتفافهم حول لوائه واندفاعهم على العدو. فما كان القائد ليحرز نصراً لو تخلى عنه الجنود. ولكن قد يحرز الجند نصراً وقد ولى عنهم القائد. على أنه يا ابن أخت، لو كان فيه ذمامة من حياء، أو بقية من وفاء، لما تعاظم على قوم رفعه، ولا تكاثر على شعب رفده. ولو كان ممن يرعون

стр. 6845

العهد ويحفظون الذمار لرعى عهد النسب وحرمة القربى، ولرعي الصلة الوشيجة، والخاصة الوليجة. أليست زوجه جليلة وهي أختك؟ إن أعجب يا جساس فما أعجب إلا لصبر هذه اللكاع عليه، وسكوتها على بغيه، وهي زوجه أولى الناس بتقويمه إذا اعوج، وتليينه إذا صلب، وسياسته إذا شط؛ وهي أولى الناس بالمدافعة عن أخيها وعن خالتها، وما ادخر كليب وسعاً في النيل من أخيها ومن خالتها. لا أبغي يا جساس من قولي أن أنغل بينك وبين أختك ولا بينك وبين كليب. كلا. ولا أن أبذر شقاقاً بين جليلة وزوجها، ولكني أرى من كليب بغياً واستهانة، وأرى منك ضعفاً واستكانة، وأرى من جليلة صمتاً للمذلة وصبراً على الهوان. وكأني بك تقرها على صمتها وترضي عن صبرها. وأنت لا تقل عن كليب في طول النجاد، ورفعة العماد، على يفاعك وحدث سنك.) قام جساس وقد استحصد، وغلى الدم في رأسه وركبه الشيطان، وأقسم ليقصمن ظهر كليب، ولينصرن عشيرته، ولينضحن عن بني شيبان. ثم احتواه الليل فبات يرعى النجوم، ويستعرض الهموم، حتى انبلج الصبح فإذا هو يسعى إلى البسوس يقص عليها ما جاش به صدره، وما استقر عليه عزمه. قال: (يا خالتاه. لقد قدحت الذهن حتى استعر، وعببت الرأي حتى اختمر، وشاورت النفس فطاب لها الحمام، وغمزت العزم فألفيته شديد العُرام، وأنا اليوم علي أن ألتمس كليباً في غرة فأنتقم لبكر وبني شيبان، وأرفع عنهم المذلة والهوان.) قالت: (وهل شاورت الحي فيما اعتزمت؟) قال: (الرأي الخطير كالجمرة المستعرة كلما تادولتها الأيدي فترت حرتها وانطفأت جذوتها. وما يركن ذوو الرأي إلى المشورة إلا حين تعجز هممهم عن النفاذ، وتقعد عن النجاز، فيلتمسون لدى الناس رأياً يتخذونه لقعودهم سبباً، ولعجزهم تعلّة، وأنا إن أصحرت بالتدبير فما آمن أن ينتهي إلى كليب فيعتصم ويتقي.) وكانت البسوس قد استودعت سراً. . . وكان ما أفضى به جساس إلى البسوس حديث القوم في سامرهم وناديهم تتناقله يشكر وشيبان، وذهل وقيس، ووائل وبكر، وغير أولئك من القبائل والبطون والأفخاذ وفي ضحوة من النهار اجتمع عند البسوس: همام بن مرة أخو جسّاس، والفِنْد الزماني سيد

стр. 6846

بكر وفارسها وشاعرها، وبسطام بن قيس فارس بني شيبان، وأبو فَيْد عمرو بن الحرث السدوسي، والحرث بن عباد فارس النعامة وفارس ربيعة وشاعرها. وجلس جساس مطرقاً ينكت الأرض يعود في يده والقوم ينظرون إليه وينظر إليهم في حيرة ووجوم قال بسطام: (ما بالك يا جساس تحبس النفس على الأذى، وأنت فينا تنظر يمنة فلا تجد إلا فارساً مغواراً، أو أسداً كراراً، وتنظر يسرة فلا تجد إلا بصيراً في الرأي، أو نصيراً في الشدة؟) قال جساس: (أعلم ذلك. وأعلم أنه لا يدفع الهون ولا يرد البلاء إلا سفك الدماء) قال همام بن مرة. (إنه كذلك. .) قال أبو فيد: (أما الهون فقد لحق بكراً حتى أذلها، وأما البلاء فقد وقع ماله من دافع. وأما الصبر عليه فأمر يرجع إليكم ويعود عليكم، ولست أدري إن كنتم لكليب وتغلب أكفاء في القتال، ولكني أعلم أنكم لا تقلون عنهم في الشرف، ولستم دونهم في المنزلة، فان كنتم على هذا تصبرون، فقد رضيتم من العيش بالدون، وإن أحمسكم الذل وقام رجالكم للحرب يؤرجون فإني بريء مما تفعلون) فنهض الحرث بن عباد، والفند الزماني مغضبين وقد هم أحدهما بأبي فيد يعصر عنقه وقالا أو قال أحدهما: (ثكلتك أمك يا رسول الوقيعة، تحمس الرجل وتستثيره، وتنغل بينه وبين القوم ثم تقول إني بريء مما تفعلون؟ لشد ما أمعنت في الوقيعة والسعاية، ولعمري ما مؤرج الحرب إن قامت إلا أنت. قم لادر ضرعك) وفر ابو فيد لا يلوي على شيء (وأنت يا جساس أصلح من شأنك، وهون عليك بأسك، واستشعر الحكمة، واستلهم الصواب، ولا تبرم الرأي إلا بعد التدبير، ولا تعقد العزم إلا بعد التفكير؛ ولك من رعاية الله خير معين ونصير) وانفض مجلس القوم، ودخل جساس إلى فناء البسوس واجماً مطرقاً قالت البسوس: (هون عليك فالخطب أيسر مما ترى، ولعل الخير في الأناة، قم فلقد رثأت لك لبناً يفثأ غضبك) قال: (ما بي حاجة إلى الشراب) قالت: (هو لبن احتلبته من سراب ناقة سعد وقد

стр. 6847

استودعنيها وأحل لي حلبتها.) قال: (لا)، ومضت البسوس إلى شانها، ولبث جساس مطرقاً وما هي إلا فينة حتى عادت سراب تشخب دماً. واستبانت البسوس ما بها فإذا كليب قد اشتد عليها بسهم فخرم ضرعها؛ فنفرت وهي ترغو وعادت إلى حظيرتها. وما نقم كليب منها إلا أنها تبعت آيلاً له ودخلت وترعى في حماه صاحب البسوس: وأذلاه! واجاراه! وقام جساس يتبين الخبر، فلما وقف على ما كان قال: (اسكتي يا خالة فلأقتلن غدا جمل هو أعظم عقرا من ناقة جارك) واعتقل رمحه وخرج إلى الفلاة يتوقع غرة كليب. وتبعه عمرو ابن الحرث بن ذهل على فرسه ومعه رمحه حتى لقيا كليباً في حماه فقال له جساس (يا ابن الماجدة عمدت إلى ناقة جارتي فعقرتها) قال كليب (أتراك ما نعي أن أذب عن حماي؟) ولم يجبه جساس إلا بطنعة قصم بها صلبه، وثنى عمرو بطعنة من خلفه قطعت بطنه. ووقع كليب وهو يفحص برجله وقال لجساس (أغثني بشربة ماء) قال (تجاوزت شبيثاً والاحصْ) قال الراوي: وكانت الحرب بين بكر وتغلب، وسميت حرب البسوس، وقيل في ناقتها (أشأم من سراب) ولبثت الحرب أربعين عاماً. وسأقص عليك من أنبائها عجبا أخرجها: اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 6848

البريد الأدبي عيد (التيمس) المائة والخمسون احتفلت جريدة (التيمس) أخيراً بمرور مائة وخمسين عاماً على إنشائها وأصدرت بهذه المناسبة عدداً خاصاً هو آية من آيات الصحافة الحديثة في تحريره وفي طبعه؛ وفيه تقص تاريخها منذ إنشائها، وتستعرض المراحل والعصور المختلفة التي مرت بها، والحوادث والأعمال العظيمة التي ساهمت فيها واستطاعت أن تؤثر في مجراها، وعلاقاتها ومواقفها المختلفة إزاء الإمبراطورية البريطانية. وقد تلقت (التيمس) بهذه المناسبة سيلاً من التهاني، من معظم حكومات العالم وملوكه، ومن سفراء الدول المختلفة في لندن ومن أقطاب العلم والأدب في سائر أنحاء العالم والتيمس فخر الصحافة الإنكليزية، وتاريخها ليس تاريخ صحيفة عظيمة فقط، ولكنه تاريخ لصفحات باهرة من الجهاد السياسي والعلمي والأدبي، ومعرض بديع لتقدم الصحافة الكبرى خلال القرن الماضي. وقد أنشئت (التيمس) في سنة ١٧٨٥، أنشأها جون والتر (الأول) باسم (السجل اليومي العام) ثم غير الاسم في يناير سنة ١٧٨٨ إلى اسمها الحالي وهو (التيمس). وكان جون والتر صحفياً بالفطرة، وافر المقدرة والبراعة؛ وكان شعاره أن يخرج صحيفة معتدلة الثمن سباقه إلى الأخبار متنوعة المواد قوية بمواردها وإعلاناتها، وفي سنة ١٨٠٣ خلفه ولده جون والتر (الثاني) في تحرير الصحيفة وإدارتها؛ وفي عهده دخلت التيمس في عهد جديد من القوة والتقدم، وقامت بدور هام في إذاعة حوادث الحروب النابوليونية وفي الدعاية ضد نابليون، وكثيراً ما كانت تسبق إلى نشر الأخبار قبل أن تعلم بها الحكومة. وفي سنة ١٨١٧ تولى تحريرها السياسي كاتب قوي هو توماس بارنس، فسار بها سريعاً في طريق الزعامة السياسية؛ وكان يستخدم لمعاونة أقطاب الأحزاب والحكومة مثل دزرائبلي ولورد بروجهام وسترلنج في الدعوة إلى سياسة مستقلة تميل إلى (المحافظة) وبلغ من نفوذ بارنس أن وصف بأنه (أقوى رجل في إنكلترا) وفي ذلك العهد بلغت (التيمس) في تنظيم الأخبار الداخلية والخارجية والأبواب الصحفية ذروة القوة والطرافة، واشتراك في تحرير أقسامها الأدبية والفنية أعلام العصر وفي مقدمتهم ماكولي وفاكري وتوماس مور؛ وتقدم استعدادها الفني والطباعي تقدماً مدهشاً

стр. 6849

ولما توفي بارنس سنة ١٨٤١ خلفه في تحرير القسم السياسي تاديوس دلاين. وفي أيام حرب القرم (سنة ١٨٥٣) بعثت التيمس إلى ميدان القتال بمراسل حربي شهير هو وليم رسل، وذاعت شهرة التيمس يومئذ بما كانت تنشره من الملاحظات الفنية والأخبار الطريفة. واستمر دلاين في إدارة التيمس السياسية أعواماً طويلة، وجعل منها أداة سياسية مستقلة، وكان من معاونيه في تحرير القسم السياسي أعظم ساسة العصر وكتابه. ولما توفي جون والتر الثاني سنة ١٨٤٧، خلفه ولده جون والتر الثالث في ملكية الجريدة؛ وفي عهده تقدمت من الوجهة الفنية تقدماً عظيماً، وزودت بأحدث الآت العصر، وخلف دلاين توماس شنري فاستمر في توجيه سياسة التيمس حتى وفاته سنة ١٨٨٤، ثم خلفه (بكل)؛ واشتهرت التيمس في هذا العهد بحملاتها على جلادستون ومعارضته في سياسة (الهوم رول) في أيرلندة، وحملاتها على الزعماء الايرلنديين وما وجهته إليهم من تهم اقتضت تأليف لجنة حكومية للتحقيق، وغرمت التيمس في هذا السبيل مبالغ طائلة، ووقعت على رغم انتشارها وازدهارها في مصاعب مالية. ولما توفي صاحبها جون والتر الثالث في سنة ١٨٩٤، وضع نظام للفصل بين ملكية الجريدة وآلات الطباعة، وبذلت محاولات عديدة لإنقاذ الصحيفة من متاعبها المالية ولكنها برغم ذلك أشرفت على الإفلاس ووصل أمر الشركة إلى القضاء، فقرر بيعها. وفي سنة ١٩٠٧ عرضت التيمس بعد مائة واثنين وعشرين عاماً من تأسيسها للبيع، فاشتراها اللورد نور ثكليف وتولى إدارتها موبرلي بل؛ وجددت آلاتها وعُددها الفنية؛ وفي عهده أنشأت التيمس ملحقها الأدبي، وملحقاً للتربية، وملاحق أخرى. ولما توفي سنة ١٩١١ خلفه جوفري داوزون مديرها الحالي. واستمرت التيمس تخفض من ثمنها حتى بيعت ببنس واحد (سنة ١٩١٤) وترتب على ذلك مضاعفة انتشارها حتى بلغ ما تبيعه ١٥٠ ألفاً. ودخلت الحرب الكبرى بهذا الرقم، وأدت أثناء الحرب خدمات جليلة للجيش والصليب الأحمر، واستطاعت أن تجمع للصليب الأحمر وحده ستة عشر مليوناً. وأصدرت أثناء الحرب تاريخها الشهير عن الحرب ودائرة المعارف للحرب وغيرهما وفي سنة ١٩٢٢ توفي لورد نور ثكليف فاشترى ملكية الصحيفة جون والتر (الرابع) وعادت التيمس بذلك إلى ملكية الأسرة التي أنشأتها، واشترك معه الماجور آستور هذا هو ملخص تاريخ (التيمس) ولا تزال الصحيفة الكبرى إلى اليوم محتفظة بنزعتها

стр. 6850

المستقلة مع ميل إلى المحافظة. ومع أنها تقل في الانتشار عن كثير من الصحف الإنكليزية الأخرى، فأنها لا تزال في طليعتها من حيث النفوذ السياسي والمقام الأدبي مباحث علامة اجتماعي يقوم العلامة الاجتماعي الروماني الأستاذ جوستي بأبحاث وتجارب طريفة لإثبات نظرياته الاجتماعية وتطبيقها. والأستاذ جوستي من أقطاب علم الاجتماع المعاصرين، وقد ذاع صيته ونظرياته في جميع الأوساط العلمية الغربية؛ وكان الأستاذ مدى حين وزيراً للمعارف الرومانية، وهو الآن أستاذ الاجتماع في جامعة بوخارست ورئيس المعهد الاجتماعي. وقد دعته جامعة باريس أخيراً ليقوم بعرض بحوثه ونظرياته؛ وتلقت جريدة (الجورنال) منه شرحاً لطريقته خلاصته، أنه يقوم بأبحاث جغرافية وجنسية واقتصادية. وفولكورية (ما يتعلق بالأمثال والعادات الشعبية) في القرية ويدرسها كوحدة اجتماعية، وأنه هو وتلاميذه قد اختاروا بعض قرى ترانسلفانيا، وقسموا السكان أصنافاً بحسب السن والحالة والأسرة؛ واختاروا بعض الأسر ووضعوا لها شجرة أنسابها، ووضعوا تاريخاً لملكياتها وتقلب أحوالها، وكذلك وضعوا قوائم خاصة بأحوالها المعيشية وتربيتها وميزانياتها إلى غير ذلك. ويعتمد الأستاذ جوستي على هذا المباحث الدقيقة في وضع نظريات بخصوص الوحدة الاجتماعية الحديثة، وهي القرية، وهو في طريقته هذه يشبه ابن خلدون في اعتبار القبيلة وحدة اجتماعية للبادية وبناء نظرياته على أساس أحوالها وتطوراتها الثقافة النسوية النازية تقوم اليوم في ألمانيا ثقافة نسوية خاصة هي إحدى ذيول الحركة الفكرية النازية؛ وقد تناولت إحدى الزعيمات النازيات شرح هذه الثقافة في جريدة (بيرزن تسيتونج) وتحدثت عن مسألة الأزياء وأثرها في تطور نفسية المرأة؛ فقالت إن الثقافة النسوية الجنوبية لا تناسب الشعوب الشمالية؛ ذلك أن الجنوب يجد مثله الأعلى في المرأة في الشباب والجمال الغض، ولكن الشمال يراه في الأمومة، وتتطور الأزياء تبعاً لهذه المثل. وقد كان لاقتباس الأزياء وأسباب التجميل الجنوبية أثر سيئ في المرأة الشمالية، في جسمها وفي أذواقها وفي روحها. ولهذا يدعو النازي إلى الرجوع إلى المثل الشمالية القديمة في رد المرأة إلى

стр. 6851

حظيرة الأسرة والأمومة الذكرى الألفية للمتنبي استفاض الحديث في جميع الأقطار العربية عن عزم الحكومة العراقية على إقامة مهرجان فخم للشاعر العبقري أبي الطيب أحمد المتنبي بمناسبة مرور ألف عام على وفاته. وقد تريثنا في نشر هذا الخبر لأنه لم يَعْدُ أن يكون حديثاً من أحاديث المنى لم تَعِد به حكومة ولم تتعهد به جماعة. على أننا ما شككنا قط في أن العراق سيهتبل هذه الفرصة ليجعل من هذا العيد الأدبي مظاهرة عربية تحتشد لها قلوب العرب وأصدقاء العرب ليهتفوا على ضفاف الرافدين لهذا الشاعر الخالد. وكان اليقين أن العراق منبت هذا النبوغ لا يدع السبق إلى هذا العيد لقاهرة كافور أو لحلب سيف الدولة، ولكنا تلقينا من صديقنا الشاعر الجليل الأستاذ الزهاوي كتاباً يذكر فيه أنه كان قد أعد لمهرجان المتنبي قصيدتين صغيرة وكبيرة، فلما رأى قومه انصرفوا عن هذه الفكرة فلم يعودوا يحفلون بها ولا يعملون لها، بعث بهما إلى الرسالة، فنشرنا الصغرى في عدد سابق، ونشرنا الكبرى في هذا العدد. وبقينا نقلب الخبر بين ثقتنا في المخبر، وعلمنا بعصبية العراق، فلا نجد له مساغاً في وجه من الوجوه وفاة فيلسوف وزعيم صيني من أنباء الهند الصينية أن الزعيم الفيلسوف (بام بوي شان) قد توفي في مقامه المنعزل على مقربة من (هوي) (الهند الصينية) في نحو السبعين من عمره؛ وكان (بام بوي شان) من تلاميذ المدرسة الصينية القديمة، ومن أقطاب مفكريها؛ بدا حياته بتعليم اللغة الصينية والفلسفة في معاهد سيحون وهتوى، ولكنه جنح إلى السياسة، وأنضم إلى زعماء الحركة التحريرية، واستطاع بنفوذه الفكري والثقافي أن يثير على الحماية الفرنسية دعاية قوية، وانتهت هذه الدعاية بثورة عنيفة انتهت بمقتل الملك (تاي بين دي توان فو). وفي سنة ١٩١٣ ألقيت القنابل على حاكم الهند الصينية مسيو البيير سارو في شرفة أحد الفنادق، ولكنه نجا وقتل بعض حاشيته. واتهم (بام بوي شان) في هذه الجناية، وقضي عليه غيابياً بالإعدام؛ ولكنه فر إلى الصين. وغدا (بام بوي شان) عندئذ بطلاً وطنياً وزعيماً روحياً وفكرياً للحركة الوطنية على مثل صن يات صن في الصين وغاندي في الهند.

стр. 6852

ولكن قبض عليه في شنغهاي سنة ١٩٢٥، وقدم للمحاكمة مرة أخرى فحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. وعلى أثر الحكم عليه أضربت الهند الصينية بقلاقل عنيفة فاضطرت السلطات أن تصدر العفو عنه بعد شهرين. وعلى أثر ذلك أذاع الفيلسوف بياناً على مواطنيه قال فيه إنه يعتزل القيادة العنيفة ويدعو منذ الآن إلى سياسة الوفاق. وكان هذا التحول أكبر عامل في ضياع نفوذه السياسي، فعاش منذ ذلك الحين في عزلة، ينقطع إلى تأملاته ونظرياته الفلسفية والروحية التي كانت قبساً جديداً من فلسفة الصين القديمة

стр. 6853

من روائع الشرق والغرب المساء لشاعر الحب والجمال لامرتين قال لامرتين: (كنت منذ شهور قد فقدت موضوع الحماسة والحب، فذهبت أقبر نفسي في ظلام العزلة عند أحد أعمامي في قصر (دورسي) لدى تلكالجبال الموحشة الشجراء من أعالي بورجونيا، وهناك نظمت هذه الأبيات في تلكالغاباتالتي تحيط بذلك القصر) أقبل المساء وهمدت الأصوات، وأنا أجالس على الصخور الجرد أتابع بنظري مركبة الليل وهي تتقدم في معامي الفضاء ثم لاحت الزهرة في حاشية الأفق، وأرسل الكوكب العاشق على الأرض ضوءه المخفي، فشعشع تحت قدمي خضرة الروض ومن دوحة الزان ذات الورق الفينان واللون الأحوى، أسمع اختلاج الأغصان، كما تسمع خفقان الأشباح بين أجداث الموتى وعلى حين فجأة انفصل من كوكب الليل شعاع تسلل إلى جبهتي الساهمة، ومس في لينٍ عيني الحالمة أيهذا الانعكاس اللطيف للكرة الملتهبة! أيها الشعاع الباهر ماذا تبتغي مني؟ أجئتتحمل إلى أحشائي المضطربة قبس النور إلى نفسي وعيني؟ أهبطت من السماء لتفضي إليَّ بسر العالم، وتلقي عليَّ دفائن هذا الكوكب الذي يعيدك النهار إليه؟ هل أرسلتك عناية خفية إلى البؤساء، لتضيء قلوبهم بنور الرجاء؟ هل هبطت لتبدد الظلام عن وجه الغد لتلك القلوب الكسيرة التي تضرع إليه؟ أيها الشعاع الإلهي أأنت فجر ذلك اليوم الذي لا انقضاء له؟ إن قلبي يشتعل في ضوئك، وشعوري يتملكه مرح مجهول، وفكري منصرف إلى أولئك الذين ضحا ظلهم في الحياة؛ فهل أنت أيها الضوء اللألاء، أرواح أولئك الأحباء؟ أنا أشعر بأني أقرب ما أكون إليهم! فلعل أرواحهم السعيدة قد لبست صورهم البعيدة، ثم عادتتطوف بهذه الربوع، وتجوس خلال هذه الغيضة

стр. 6854

فإذا كنت أيتها الأشعة أشباح الأحبة، فعودي إليَّ في كل مساء بعيدة عن الغوغاء والضوضاء، لتمتزجي بأفكاري وأحلامي، وتنيري ظلام لياليَّ وأيامي أعيدي السلام إلى صدري المضطرب، والحب إلى قلبي الملتهب، واسقطي على كبدي كما تسقط أنداء الليل على قيظ النهار ولفح الهاجرة تعالي إليَّ وأقبلي عليَّ. . . ولكن أبخرة محزنة تصاعدت من جنبات الأفق فحجبت ذلك الشعاع اللطيف، ثم عابت هي وهو في ظلام كثيف! الزيات

стр. 6855

دجلة للأديب التركي شهاب الدين ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام قطعة منثورة كتبها أديب كبير من أدباء الترك المعاصرين - جناب شهاب الدين الذي أحزن الأدباء نعيه العام الفائت ولست أرى القطعة تمثل حياة البادية عامة، ولن حياة جماعة على شاطئ دجلة، ومهما يكن فقد أحسن الكاتب تصوير ما رأى حقيقة أو خيالاً، وهي نموذج من الأدب التركي الجديد جديرة بإطلاع قراء الرسالة تجري دجلة واسعة كذكاء العرب، قوية كروح العرب، تلوح مرة لجة ترابية مائجة، ومرة شريطاً من الحرير سماوي اللون، وحيناً تتمعج كأزقة بغداد، وآخر تسير أقوم من شوارع باريس، وهنا تتحوى مضطربة، وهناك تمتد مطمئنة. . . هذا النهر المبارك الذي يحمل في أحضانه ربيعاً من البركات يتقصى من الأبنية البشرية عند القُرنة، فينفذ في غابات النخيل فكأنه بلغ بيئته المحبوبة، فموجه أكثر حرية وأشد زخوراً وأعظم وقاراً وجرأة يعيش النبات في البلاد المعتدلة والشمالية بمساعي الإنسان، وهنا في المناطق الحارة على العكس، يعيش الإنسان في حمي الأشجار والأعشاب، ولا سيما غابات النخيل يزيدني النظر والتأمل إيماناً بأن سكان هذا الإقليم هي هذه الأشجار المهيبة، وما أبناء نوعنا إلا ضيوف ظلالها. ترى عيناي الآن نخلة فخوراً متفردة، فلله كيف سمقت مزهوة، وكيف نمت وانتشرت عُسُبها وخوصها في أبهة وجلال. هذه النخلة تنادي في كبرياء وعظمة أن هذه التربة لها، وأن غيرها لا يستطيع أن يكون مالكاً طبيعياً لهذه الأرض إذا ما انتهت غابات النخل بعماراتها الخضراء انطفأت الحياة على شاطئ النهر. فلا شيء يبدل قسوة الصحراء هناك إلا كثبان الرمال الشاحبة التي تبدو في الأفق صغيرة كأنها القبور؛ وإلى الجانبين بحر من الرمل ليس له ساحل. وها نحن أولاء نشق سكوت الصحراء وسكونها. لا حجر ولا شجر، ولا حيوان ولاظل، ولكن ضياء - ضياء مطرد يزيغ البصر من كل جانب. لا حركة ولا شية من حركة إلا ملاعب الضياء. وعلى

стр. 6856

الكائنات التي حولنا ركود وصمت، وضياء محيط مسيطر، دائم لا يحول. يحسب الإنسان أن هذين الشاطئين لم يهتزا بالحياة قط، ولا دَّوى عليهما صوت قط، ولا وقع عليهما ظل قط، ولدا من الأزل بغير حياة، وذلك يذهبان إلى الأبد انبسطت هذه الصحراء الذهبية الخالية من الأنس، والغُفل من الصناعة. ثم انبسطت حتى صارت جمالاً نائماً غير محدود سأكتفي بتسجيل المشاهد صادقاً كالسينما محرراً من قيود البلاغة. هنا قرية فقيرة تؤلفها عدة من أكداس اللبن جاثمة على الرمل المقفر، مغبرة كالتراب، ميتة كالصحراء، أشد إقفاراً من الخرابة المهجورة، كأنما الرمال اختمرت ثم رّبت فكنت القرية. ولو لم أر نفراً من البُداة جالسين القرفصاء لظننت أن كلاب البحر أنشأت هذه القرية الحزينة. كذلك كانت في فقرها وحقارتها. . . ما أهل البادية إلا نبات بشري غريب، سيئ الجد، لا سعي دائب في الدماغ، ولا عمل عظيم في العضلات، كل قُوى حياتهم مصروفة إلى القعود والنوم والهضم والتناسل، ينمو وأحدهم كجذع نخلة فيكبر فيثمر فيجف. كذلك ترجمة كل أطفال البادية إنما يشكو البدو أربعة أشياء: الذباب والحر والجوع والجُباة. فأما الذباب فيذبه، وأما الحر فيروحه بسعف النخيل، وأما الجوع فيدفعه بما يلتهم من الأرز الكثير، وأما الجباة فكلما ذكرهم حرق الأرم من تحت شاربيه تتجلى روح الطفولة في بني الصحراء جميعاً، صغيرهم وكبيرهم؛ فمن كل شيء سرور وضحك، ومن أتفه الحادثات وسيلة إلى القيل والقال، والظل بل العدم ينطقهم ويضحكهم ساعات. وهم ما داموا أيقاظاً يتحدثون ويضحكون، ويضحكون ويتحدثون، والعالم عندهم لعبة كبيرة، وحادثات العالم لعب ولهو. البدوي يعمل قليلاً , يعمل في غير جد، يعمل لتكرار ما أورثه آباؤه. لا يحب التغيير، وهو غريب عن دخائل الاشياء، قد نسى الماضي، وتوهم الغد جنيناً لما تحمله أمه. وحساب ربحه وخسارته محدود بأربعة وعشرين ساعة. يسكره السرور ويتيمه اللون والرُّواء؛ مولع بالعطر والسكر، الصباح الذي يأكل فيه العسل سعيد، والمساء الذي يقاسي فيه البصل شقي، فبالعسل والبصل يتحرك ميزان سعادته. وإذا نالت يده رائحة

стр. 6857

زكية، ولقمة حلوة، وامرأة مؤنسة، حسب نفسه أسعد ملوك العالم. فراشه الرمل، ولحافه السماء؛ وأجمل أحلامه غصن من الياسمين، وقدح من الجُلاب، وليلى لها عين غزال. قلتُ إنه طفل، طفل طيب. . كل قرية لها توابع حيوانية جديرة بالتأمل فهذه إبلٌ راغية، هادرة، رازمة، تهزأ رقابها الطويلة بما حولها من الجُدُر والحظائر. وهذا قطيع من المعز ينتف جلد الأرض الهزيل، هذه الأشواك المغبرة. وهنا كلب ينبح السفينة من الساحل، وهناك دجاجات تطير من قمامة إلى أخرى. وفي الهواء عدد من الحمائم. وهذه جاموسة مدت رأسها إلى النهر ترى قرينها المزينين في جبهتها العاطلة من الفكر، وبين الحين والحين تطأطيئ إلى الماء لتشرب جرعة كبيرة من صورة السماء وفي الفينة بعد الفينة يبرز رأس امرأة من كوة كوخ. ينشق فمها الحائر الأبكم عن ابتسامة ميتة، وجهها كله برقع من جلد متكنع. وكل زينتها وحليتها ولباسها ثوب في لون الطين. تحسب كل واحدة منهم جسداً بغير روح قد التف في كفن أسود. كذلك حُرمنَ الحياة. وينظرن إلينا نظرات مترددات - نظر الظبي إلى صياده. وكل رجل عندهن حاكم ظالم أطفال البداة يثيرون في القلب أبلغ رحمة: أيديهم عصى ضامرة، وعيونهم يملؤها ابتسام مضطرب. وأبدانهم الراجفة في القُمُص الزرقاء نحيلةٌ شاحبة ضعيفة هامدة؛ يطيرون وراء السفينة ساعات من أجل ثمرة واحدة. أو لقمة من الخبز. صائحين ضاحكين. ينقطون الساحل بأشباحهم السوداء وا رحمتاه لأطفال البادية البائسين! مهما يكن العلمَ الخافق فوق الصحراء فان لها حاكماً طبيعياً هو الشمس الشمس توقد هنا كل موجود، وتُلهب كل شيء: كل الأشياء التي حولنا تسبح من الشروق إلى الغروب في ملاعب نورية مختلفة الألوان. وستتقلب السماء والتلال والأرض والأفق حتى ماء النهر كل يوم من الفجر إلى الشفق، في دقائق من ألوان الورد والبنفسج، والذهب والزمرد، والياقوت والفيروزج. وهنا يولد الضياء كل يوم ويتلون ويتلألأ، ويتحلل ويتجمع، ويذوب ويغيب. ثم يستأنف الليل حياته في مطر من النجوم يتجلى في قاع النهر

стр. 6858

نشهد الآن اجمل الساعات - ساعة أفول الشمس، والنهر والآفاق مغشاة بأشعة العقيق والكهرمان. وينبعث على ظهر السفينة صوت مؤذن ينادي للصلاة - هذا النداء المرتعد في سكون العشى، هذا النداء البلوري، الذي يملؤه الوجد، وتتقسمه السكتات القصيرة، يطير فيعلو، فيصعد إلى العيون، كأنما يبلغ سدة الخالق العظيم. الله أكبر. الله أكبر. . . .

стр. 6859

العدد ٨٣ - بتاريخ: ٠٤ - ٠٢ - ١٩٣٥

стр. 6860

مجلس نادر. . . . نعم مجلس نادر! وندرته في طبيعة الغرض منه، وشخصية الداعي إليه، وقيمة الجالسين فيه؛ كان الغرض منه إصلاح ما بين أخي طه وبيني، وإصلاح ما فسد من ذات البين بين صديقين شيء في طبع هذا الأدب المعاصر نادر؛ وكانت الشخصية الداعية إليه هي الآنسة الجليلة (مي)، وشخصية (مي) في عصور الشرق الأخيرة نادرة؛ وكان الجالسون فيه الدكتور طه، والأستاذ مصطفى عبد الرزاق، والدكتور أحمد زكي، والأستاذ محمد عبد الله عنان، وتهافُتُ هذه العبقريات المختلفة على شعاع لطيف من ذكاء المرأة الشرقية المثقفة نادر؛ وكان البهو المترف الذي سَمرنا فيه قد انسجم بأثاثه ونظامه وألوانه وألوان وضوئه مع ذوق الآنسة الشاعرة، فكان نمطاً من الحديث الصامت أذى المشاعر وألهم الأذهان في الحديث الناطق! قالت الكاتبة النابهة وقد انتظمنا حولها عقداً كانت هي واسطته: (ارجو أن تكونوا شخصاً واحداً. . . . .) فقال لها الدكتور طه: (نعم وتكونين أنت روحه) وعلى ظَرف هذا الخطاب، وبراعة هذا الجواب جرى سقاط الحديث. وكانت الآنسة تُصَرف الكلام وتساجل هؤلاء الأعلام ببديهة حاضرة ولقانة عجيبة، فمثلتْ لي صورة من صور أولئك الأدبيات اللاتي أنشأن باستعدادهن للأدب مجالس في عهوده الزاهرة، كسكينة ابنة الحسين، والولاة ابنة المكتفي بالله، ومدامُ دِرَمْبُوييه، ومدام جوفرين، وأضرابهن ممن وقفن بين اللغة والبلاغة، وبين الأدب والذوق، وبين الفن والسمو، ثم وشين ثقافة عصورهن بألوان شتى من أناقة المعرض، وجمال الأداء، وحسن المبادهة، فقدرت في نفسي مبلغ ما تفيده المرأة المثقفة في مناهج الأدب ومظاهر الفكر وقواعد السلوك وأوضاع العُرف، وقلت: مساكين نحن! إذا ظفر أدبنا بهذه المجالس، فأَنَّي تظفر مجالسنا بهذه المرأة؟ لست بطبيعتي وتربيتي رجل صالون ولا حديث مجلس، لأن المجامع المختلطة التي تدفع الحياء عن الذهن، وتُذهب الخوف عن اللسان، وتجعل أطراف الحديث في متناول كل جالس، أبَتْها علينا التقاليد، فأنا أردك حتى في هذه الجهة أثر هذه المجالس في علاج هذا النقص الاجتماعي الموروث

стр. 6861

تشقق الحديث عن صور شتى من لَفتات الذهن النشيط، ثم مسحت (مي) بيدها الساحرة على ما كان بين الصديقين فاذا الماضي يعود كله، وإذا الحاضر يذهب كله. وعلاقة هذين الصديقين علاقة نشأت مع الصبي واستحارت مع الشباب وتوثقت على الزمن، فلما نال منها العهد المجرم الذي نال من كل شيء جزعت الآنسة الريمة فيمن جزع، وظلت تتحين المناسبة لسفارة الوفاق والمودة حتى تم لها ذلك ليلة الأمس!! وللانسان ماضٍ من الأمكنة والأزمنة والأشخاص لا يستطيع مهما جدا أن يسقطه من حياته: فمسقط الرأس، وملاعب الطفولة، ومسارح الهوى، ومغاني الأحبة، وغفلات العيش، ورفقة الحداثة، لا ينسخها في ذاكرتك ما يمر على عينك من ضخامة العمران وبسطة السلطان، وسورة المنصب، وزحمة المنافسة، وصور الوجوه، وتنوع العلائق ألْهُ عنها بالحاضر إذا شئت، وأثبت نظرك في وجه الغد إن استطعت، فانك صائر ولابد إلى الذكرى بعد الأمل، ولائذ بأمن الماضي من خوف المستقبل؛ وحينئذ تجد هذه المراحل السعيدة واضحة في خيالك، مشرقة في نفسك، تجدد عمرك المفقودة، وتحدد زمانك المبهم، وتفيض على جفاف قلبك شعوراً هادئاً لذيذاً باستحضار ما غيبت من لذة، واستذكار ما نسيت من سعادة كان حسب صديقي حسبي لحظة من الذكرى تعيد عازب الحلم وتكسر عادية الجدل، ولكننا كنا وكانت مصر يومئذ تكابد محنة من الطغيان العاسف أوهنت الأعصاب، وحللت الروابط، ومدت بين الناس أسباب العلل أخي طه! لقد تعانقنا عند اللقاء كان لم تكن جفوة، وتناقلنا الحديث في المجلس كأن لم تكن خصومة، وتمنت ربة الدار أن يكون بيننا عتاب فلم نجد مائلاً في النفس إلا أن كلينا صورة من شباب الآخر وقطعة من وجوده! تلك كانت جناية العهد البغيض كما قلت: أفرطفيه الجور حتى نسينا العدالة، وتنكرت المعرفة حتى اتهمنا الصداقة، وران الشك على القلوب حتى حال بيننا وبين الحقيقة. فالحمد لله الذي أظهرك على الكيد، وأظفرك بالكائد، اعادك، وأعادك موفور الكرامة إلى موضعك عزيزتي الآنسة مي!

стр. 6862

جزعت أول الناس لهذا الخلاف الواغل عن باعث من طبعك، وتبت في كف هذا الجدل القاسي بوحي من شعورك، وسعيت للصالح هذا السعي النبيل بدافع من نفسك، وكل ذلك وليس بيننا غير العلاقة التي يبرمها الأدب بين أهله على بُعد! فأنا أسجل لك في الرسالة هذا الحب الغرزي للخير، والاخلاص الطبيعي للعلم، والايمان الصادق بالأدب، والجهاد المتصل في تأليف القلوب بالمودة، وتثقيف العقول بالمعرفة، وتغذية النهضة الفكرية بالانتاج الخصيب، واسمحي لي أن أبشر أصدقاء الرسالة وقراءها بأن قبلت أن تدخلي في اسرتها، وأن تحملي نصيبك من دعوتها، وذل فضل آخر من يضاعف الشكر لك، وفوز جديد للرسالة يجدد الشكر لله أحمد حسن الزيات

стр. 6863

بنته الصغيرة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي تتمة . . . وجاء من الغد أبو يحيى مالُ بنُ دينار الى المسجد، فصلى بالناس، ثم تحول الى مجلس درسه وتعكفوا حوله؛ وكانوا الى بقية خَبَره في لهفةٍ كأن لها عُمراً طويلاً في قلوبهم، لا ظَمَأ ليلةٍ واحدة وقال منهم قائل: أيها الشيخ، جُعِلْتُ فِداك، ما كان تأويلُ الحَسَنِ لتل الآية من كلام الله تعالى، وكيف رجَعَ الكلام في نفس مًرْجِعَ الفكر تتبعُه، وأصبح الفكر عندك عملاً تحذو عليه، واتصل هذا العملُ فكان ما أنت في وَرَعك ,. . . .؟ فقطع الامام عليه وقال: هَوِّنْ علي يا هذا؛ إن شيخك لأهوَنُ من أن تذهب في وصفه يميناً أو شِمالاً، وقد روي لنا الحَسَن يوماً ذلك الخبرَ الوارد فيمن يُعذِّب في النار ألف عم من أعوام القيامة، ثم يدركه عفوُ الله فيخرج منها، فبكى الحسن وقال: (يا ليتني كنت ذلك الرجل!) وهو الحسنُ يا بني، هو الحس فضج الناس وصاح منهم صائحون: يا أبا يحيى، قتلتنا بأساً. وقال الأول. إذا كان هذا فأوشك أن يعمنا اليأس وقنوط، فلا ينفعنا عملٌ ول تأتي عملاً ينفع قال الشيخ: هونوا عليكم، فان للمؤمن ظنَّين: ظناً بنفسه، وظناً بربه؛ فأما ظنه بالنفس فينبغي أن ينزلَ بها دون جَمحَاتها ولا يفتأ ينزل؛ فاذا رأى لنفسه أنها لم تعمل شيئاً وجب عليها أن تعمل، فلا يزال دائماً يدفعها، وكلما أكثرتْ من الخير قال لها: أكْثِرِي. كلما أقلتْ من الشر قال لها: أقلي. ولا يزال هذا دأبُهُ ما بقي؛ وأما الظن بالله فينبغي أن يعلوَ به فوق الفَتَرات والعِلل والآثام ولا يزال يعلو؛ فان الله عند ظن عبده به، إنْ خيراً فله وإنْ شرا فله. ولقد روينا هذا الخبر: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ تسعاً وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فاتاه، فقال: إنه تسعاً وتسعين نفساً، فهل من توبة؟ قال: لا! فقَتَله فكمل بن مائة! ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له توبة؟ قال: نعم؛ ومَن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فان بها أُناساً يعبدون الله ، فاعبد الله معهم ولا ترجعْ الى أرضك، فانها

стр. 6864

أرضُ سَوْء فانطلق، حتى إذا نصفَ الطريق أتاه ملكُ الموت، فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مٌقبلاً بقلبه الى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قَ. فاتاهم ملكٌ في صورة آدمي فجعلوه حكماً بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرْضَين، فالى أيهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى الى الارض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة! قال الشيخ: فهذا رُجل لما مشى بقلبه الى الله حُسبت له الخطوة الواحدة، بل الشبر الواحد؛ ولو أنه طوف الدنيا بقدميه ولم يكن له ذلك القلب، لكان كالعظم المحمولة في نعش؛ قبرها في المشرق هو قبرها في المغرب، وليس لها من الأرض ولا للأرض منها إلا معنى واحدٌ لا يتغير؛ هو أنه بجملته ميت، وأنها بجملتها حُفْرة والانسان عند الناس بهيئة وجهه وحِلْيتِه التي تبدو عليهن ولكنه عند الله بهيئة قلبه وظنه الذي يظن به؛ وما هذا الجسم من القلب إلا كقشرة البيضة مما تحتها. فيا لها سخريةً أن تزعم القشرة لنفسها أن بها هي الاعتبار عند الناس لا بما فيها، إذ كان ما تحويه لا يكون إلا فيها هي؛ ومن تُبعدُ في حماقتها فتسأل: لماذا يرميني الناس ولا يأكلونني. . . . . .؟ إن هذه الأخلاق الفاضلةَ في هذا الانسان لا تجد تمام معناها إلا في حالة بعينها من أحوال القلب، وهي حالة خشوعه على وصفها الذي شرحته الآية الكريمة: (أَلَمْ يَأنِ للذين آمَنُوا أن تَخشَعَ قُلوبُهمْ لِذِكْرِ الله وما نَزَلَ مِنَ الحق.) فالأخلاقُ الفاضلةُ محدودةٌ بالله والحق معاً، وهي كلها في خشوع القلب لهذين؛ فان من القلب مخارجَ الحياة النفسية كلها قال الشيخ: وأنا منذ حفظتُ عن الحسن تأويلَ هذه لآية، واستَنَنْتٌ بها، مضيتُ أعيشُ من الدنيا في تاريخ قلبي لا في تاريخ الدنيا، وأدركتُ من يومئذٍ أنْ ليس حفظُ القرآن حِفْظَه في العقل، بل حفظُه في العمل به؛ فان أنت أثبت الآية منه وكنت تعمل بغير معناها، وتعيش في غير فضيلتها فهذا - ويحك - نسيانُها لا حفظُها. وقد كان قومُنا الأولون بمعانيه كالشجرة الخضراء النامية؛ فيها وَرَقُها الأخضر وزهرهُا وثمرها، وعلى ظاهرها حياةُ باطنها، فلما ثبتَ الناس على الشكل وحده، ولم يبالوا القلبَ وأحوالَه أصبحوا كالشجرة

стр. 6865

اليابسة؛ عليها ورقُها الجاف ليس في بقائه ولا سقوطه طائل ما أصبحتُ ولا أمسيت منذ حفظتُ تفسير الآية إلا في حياة منها، وهذه الآية هي دلَّتْني بمعانيها أن ليس الحياةُ الأرضيةُ شيئاً إلا ثورةَ الحي على ظُلْمِ نفسه، يَستكفُّ عنها أكثر مما يَسْتَجرُّ لها؛ والناسُ من شقائهم على العكس يستجرون أكثر ما يستكفون، وإنما السعيدُ مَن وجد كلمات روحانية إلهية يعيشُ قلبه فيهن، فذاك لا يعمل أعماله كما يأتي ويتفق، بل يحذو على أصل ثابت في نفسه، ويختار فيما يعمل أحسنَ ما يعمل؛ ومِن ثم لا يكون جهادُه مُرَاغمةً أو خضوعاً في سبيل الوجود كالحيوان، بل في سبيل صحة وجوده؛ ولا يكون غرضه أن يلابس الحياةَ كما تأخذه هي وتدعه، بل أن يحيا في شرف الحياة على ما يأخذها هو ويَدَعُها إن الشقاء في هذه الدنيا إنما يجره على الانسان أن يعمل في دفع الأحزان عن نفسه بمقارَفَتِه الشهوات وباحساسه غرورَ القلب؛ وبهذا يُبعد الأحزان ليجلبها على نفسه في صورٍ أخرى! قال الشيخ: وكان مما حفته من تفسير الحسن قوله: إن كل كلمة في الآية تكاد تكون آية، وليست الكلمةُ في القرآن كما تكون في غيره، بل السمو فيها على الكلام، أنها تحمل معنىً وتومئ إلى معنىً وتستنبعُ معنى؛ وهذا ما ليس في الطاقة البشرية، وهو الدليل على أنه (كِتَابٌ أُحِكَمتُ آياتهُ ثم فُصِّلَتْ) يقول الله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله وما نزل من الحق) (ألم يأن) هذه الكلمة حثٌ، وإطماعٌ، وجدالٌ، وحُجة؛ وهي في الآية تُصرخ أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال الدين للايمان، وأن وقت هذا الخشوع هو كمالُ العمر وكيف يعرف المؤمنُ أنه (سيأنى) له أن يعيش ساعة او ما دونها؟ إذَنْ فالكلمةُ صارخةٌ تقول: الآنَ الآنَ قبل ألا يكون آن. أيْ: البدَارَ البدَارَ ما دمتَ في نَفَسٍ من العمر؛ فان لحظة بعد (الآن) لا يضمنها الحي. وإذا فني وقتُ الانسان انتهى زمنُ عمله فبقى الأبد كله على ما هو؛ ومعنى هذا أن الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، إنْ هو إلا اللحظةُ الراهنة من عمره التي هي (الآن). لأنظر - ريحك - وقد جُعِلَ الأبد في يدك؛ انظر كيف تصنع به؟
следующие страницы →