Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6861
تشقق الحديث عن صور شتى من لَفتات الذهن النشيط، ثم مسحت (مي) بيدها الساحرة على ما كان بين الصديقين فاذا الماضي يعود كله، وإذا الحاضر يذهب كله. وعلاقة هذين الصديقين علاقة نشأت مع الصبي واستحارت مع الشباب وتوثقت على الزمن، فلما نال منها العهد المجرم الذي نال من كل شيء جزعت الآنسة الريمة فيمن جزع، وظلت تتحين المناسبة لسفارة الوفاق والمودة حتى تم لها ذلك ليلة الأمس!!
وللانسان ماضٍ من الأمكنة والأزمنة والأشخاص لا يستطيع مهما جدا أن يسقطه من حياته: فمسقط الرأس، وملاعب الطفولة، ومسارح الهوى، ومغاني الأحبة، وغفلات العيش، ورفقة الحداثة، لا ينسخها في ذاكرتك ما يمر على عينك من ضخامة العمران وبسطة السلطان، وسورة المنصب، وزحمة المنافسة، وصور الوجوه، وتنوع العلائق
ألْهُ عنها بالحاضر إذا شئت، وأثبت نظرك في وجه الغد إن استطعت، فانك صائر ولابد إلى الذكرى بعد الأمل، ولائذ بأمن الماضي من خوف المستقبل؛ وحينئذ تجد هذه المراحل السعيدة واضحة في خيالك، مشرقة في نفسك، تجدد عمرك المفقودة، وتحدد زمانك المبهم، وتفيض على جفاف قلبك شعوراً هادئاً لذيذاً باستحضار ما غيبت من لذة، واستذكار ما نسيت من سعادة
كان حسب صديقي حسبي لحظة من الذكرى تعيد عازب الحلم وتكسر عادية الجدل، ولكننا كنا وكانت مصر يومئذ تكابد محنة من الطغيان العاسف أوهنت الأعصاب، وحللت الروابط، ومدت بين الناس أسباب العلل
أخي طه!
لقد تعانقنا عند اللقاء كان لم تكن جفوة، وتناقلنا الحديث في المجلس كأن لم تكن خصومة، وتمنت ربة الدار أن يكون بيننا عتاب فلم نجد مائلاً في النفس إلا أن كلينا صورة من شباب الآخر وقطعة من وجوده!
تلك كانت جناية العهد البغيض كما قلت: أفرطفيه الجور حتى نسينا العدالة، وتنكرت المعرفة حتى اتهمنا الصداقة، وران الشك على القلوب حتى حال بيننا وبين الحقيقة. فالحمد لله الذي أظهرك على الكيد، وأظفرك بالكائد، اعادك، وأعادك موفور الكرامة إلى موضعك عزيزتي الآنسة مي!
стр. 6862
جزعت أول الناس لهذا الخلاف الواغل عن باعث من طبعك، وتبت في كف هذا الجدل القاسي بوحي من شعورك، وسعيت للصالح هذا السعي النبيل بدافع من نفسك، وكل ذلك وليس بيننا غير العلاقة التي يبرمها الأدب بين أهله على بُعد! فأنا أسجل لك في الرسالة هذا الحب الغرزي للخير، والاخلاص الطبيعي للعلم، والايمان الصادق بالأدب، والجهاد المتصل في تأليف القلوب بالمودة، وتثقيف العقول بالمعرفة، وتغذية النهضة الفكرية بالانتاج الخصيب، واسمحي لي أن أبشر أصدقاء الرسالة وقراءها بأن قبلت أن تدخلي في اسرتها، وأن تحملي نصيبك من دعوتها، وذل فضل آخر من يضاعف الشكر لك، وفوز جديد للرسالة يجدد الشكر لله
أحمد حسن الزيات
стр. 6863
بنته الصغيرة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
تتمة
. . . وجاء من الغد أبو يحيى مالُ بنُ دينار الى المسجد، فصلى بالناس، ثم تحول الى مجلس درسه وتعكفوا حوله؛ وكانوا الى بقية خَبَره في لهفةٍ كأن لها عُمراً طويلاً في قلوبهم، لا ظَمَأ ليلةٍ واحدة
وقال منهم قائل: أيها الشيخ، جُعِلْتُ فِداك، ما كان تأويلُ الحَسَنِ لتل الآية من كلام الله تعالى، وكيف رجَعَ الكلام في نفس مًرْجِعَ الفكر تتبعُه، وأصبح الفكر عندك عملاً تحذو عليه، واتصل هذا العملُ فكان ما أنت في وَرَعك ,. . . .؟
فقطع الامام عليه وقال: هَوِّنْ علي يا هذا؛ إن شيخك لأهوَنُ من أن تذهب في وصفه يميناً أو شِمالاً، وقد روي لنا الحَسَن يوماً ذلك الخبرَ الوارد فيمن يُعذِّب في النار ألف عم من أعوام القيامة، ثم يدركه عفوُ الله فيخرج منها، فبكى الحسن وقال: (يا ليتني كنت ذلك الرجل!) وهو الحسنُ يا بني، هو الحس
فضج الناس وصاح منهم صائحون: يا أبا يحيى، قتلتنا بأساً. وقال الأول. إذا كان هذا فأوشك أن يعمنا اليأس وقنوط، فلا ينفعنا عملٌ ول تأتي عملاً ينفع
قال الشيخ: هونوا عليكم، فان للمؤمن ظنَّين: ظناً بنفسه، وظناً بربه؛ فأما ظنه بالنفس فينبغي أن ينزلَ بها دون جَمحَاتها ولا يفتأ ينزل؛ فاذا رأى لنفسه أنها لم تعمل شيئاً وجب عليها أن تعمل، فلا يزال دائماً يدفعها، وكلما أكثرتْ من الخير قال لها: أكْثِرِي. كلما أقلتْ من الشر قال لها: أقلي. ولا يزال هذا دأبُهُ ما بقي؛ وأما الظن بالله فينبغي أن يعلوَ به فوق الفَتَرات والعِلل والآثام ولا يزال يعلو؛ فان الله عند ظن عبده به، إنْ خيراً فله وإنْ شرا فله. ولقد روينا هذا الخبر: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ تسعاً وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فاتاه، فقال: إنه تسعاً وتسعين نفساً، فهل من توبة؟ قال: لا! فقَتَله فكمل بن مائة! ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له توبة؟ قال: نعم؛ ومَن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فان بها أُناساً يعبدون الله ، فاعبد الله معهم ولا ترجعْ الى أرضك، فانها
стр. 6864
أرضُ سَوْء
فانطلق، حتى إذا نصفَ الطريق أتاه ملكُ الموت، فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذاب؛ فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مٌقبلاً بقلبه الى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قَ. فاتاهم ملكٌ في صورة آدمي فجعلوه حكماً بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرْضَين، فالى أيهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى الى الارض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة!
قال الشيخ: فهذا رُجل لما مشى بقلبه الى الله حُسبت له الخطوة الواحدة، بل الشبر الواحد؛ ولو أنه طوف الدنيا بقدميه ولم يكن له ذلك القلب، لكان كالعظم المحمولة في نعش؛ قبرها في المشرق هو قبرها في المغرب، وليس لها من الأرض ولا للأرض منها إلا معنى واحدٌ لا يتغير؛ هو أنه بجملته ميت، وأنها بجملتها حُفْرة
والانسان عند الناس بهيئة وجهه وحِلْيتِه التي تبدو عليهن ولكنه عند الله بهيئة قلبه وظنه الذي يظن به؛ وما هذا الجسم من القلب إلا كقشرة البيضة مما تحتها. فيا لها سخريةً أن تزعم القشرة لنفسها أن بها هي الاعتبار عند الناس لا بما فيها، إذ كان ما تحويه لا يكون إلا فيها هي؛ ومن تُبعدُ في حماقتها فتسأل: لماذا يرميني الناس ولا يأكلونني. . . . . .؟
إن هذه الأخلاق الفاضلةَ في هذا الانسان لا تجد تمام معناها إلا في حالة بعينها من أحوال القلب، وهي حالة خشوعه على وصفها الذي شرحته الآية الكريمة: (أَلَمْ يَأنِ للذين آمَنُوا أن تَخشَعَ قُلوبُهمْ لِذِكْرِ الله وما نَزَلَ مِنَ الحق.)
فالأخلاقُ الفاضلةُ محدودةٌ بالله والحق معاً، وهي كلها في خشوع القلب لهذين؛ فان من القلب مخارجَ الحياة النفسية كلها
قال الشيخ: وأنا منذ حفظتُ عن الحسن تأويلَ هذه لآية، واستَنَنْتٌ بها، مضيتُ أعيشُ من الدنيا في تاريخ قلبي لا في تاريخ الدنيا، وأدركتُ من يومئذٍ أنْ ليس حفظُ القرآن حِفْظَه في العقل، بل حفظُه في العمل به؛ فان أنت أثبت الآية منه وكنت تعمل بغير معناها، وتعيش في غير فضيلتها فهذا - ويحك - نسيانُها لا حفظُها. وقد كان قومُنا الأولون بمعانيه كالشجرة الخضراء النامية؛ فيها وَرَقُها الأخضر وزهرهُا وثمرها، وعلى ظاهرها حياةُ باطنها، فلما ثبتَ الناس على الشكل وحده، ولم يبالوا القلبَ وأحوالَه أصبحوا كالشجرة
стр. 6865
اليابسة؛ عليها ورقُها الجاف ليس في بقائه ولا سقوطه طائل
ما أصبحتُ ولا أمسيت منذ حفظتُ تفسير الآية إلا في حياة منها، وهذه الآية هي دلَّتْني بمعانيها أن ليس الحياةُ الأرضيةُ شيئاً إلا ثورةَ الحي على ظُلْمِ نفسه، يَستكفُّ عنها أكثر مما يَسْتَجرُّ لها؛ والناسُ من شقائهم على العكس يستجرون أكثر ما يستكفون، وإنما السعيدُ مَن وجد كلمات روحانية إلهية يعيشُ قلبه فيهن، فذاك لا يعمل أعماله كما يأتي ويتفق، بل يحذو على أصل ثابت في نفسه، ويختار فيما يعمل أحسنَ ما يعمل؛ ومِن ثم لا يكون جهادُه مُرَاغمةً أو خضوعاً في سبيل الوجود كالحيوان، بل في سبيل صحة وجوده؛ ولا يكون غرضه أن يلابس الحياةَ كما تأخذه هي وتدعه، بل أن يحيا في شرف الحياة على ما يأخذها هو ويَدَعُها
إن الشقاء في هذه الدنيا إنما يجره على الانسان أن يعمل في دفع الأحزان عن نفسه بمقارَفَتِه الشهوات وباحساسه غرورَ القلب؛ وبهذا يُبعد الأحزان ليجلبها على نفسه في صورٍ أخرى!
قال الشيخ: وكان مما حفته من تفسير الحسن قوله: إن كل كلمة في الآية تكاد تكون آية، وليست الكلمةُ في القرآن كما تكون في غيره، بل السمو فيها على الكلام، أنها تحمل معنىً وتومئ إلى معنىً وتستنبعُ معنى؛ وهذا ما ليس في الطاقة البشرية، وهو الدليل على أنه (كِتَابٌ أُحِكَمتُ آياتهُ ثم فُصِّلَتْ)
يقول الله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله وما نزل من الحق)
(ألم يأن) هذه الكلمة حثٌ، وإطماعٌ، وجدالٌ، وحُجة؛ وهي في الآية تُصرخ أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال الدين للايمان، وأن وقت هذا الخشوع هو كمالُ العمر وكيف يعرف المؤمنُ أنه (سيأنى) له أن يعيش ساعة او ما دونها؟
إذَنْ فالكلمةُ صارخةٌ تقول: الآنَ الآنَ قبل ألا يكون آن.
أيْ: البدَارَ البدَارَ ما دمتَ في نَفَسٍ من العمر؛ فان لحظة بعد (الآن) لا يضمنها الحي. وإذا فني وقتُ الانسان انتهى زمنُ عمله فبقى الأبد كله على ما هو؛ ومعنى هذا أن الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، إنْ هو إلا اللحظةُ الراهنة من عمره التي هي (الآن). لأنظر - ريحك - وقد جُعِلَ الأبد في يدك؛ انظر كيف تصنع به؟
стр. 6866
تلك هي حكمة اختيار اللفظة من معنى (الآن) دون غيره على كثرة المعاني
ثم قال: (للذين آمنوا) وهذا كالنص على أن غير هؤلاء لا تخشع قلوبهم لذكر الله ولا للحق، فلا تقومٌ بهم الفضيلة، ولا تستقيم بهم الشريعة، وعلِمُهم وجاهلُهم سوء؛ لا يخشعان إلا للمادة؛ وكأن إنسانهم إنسانُ ترابي، لا يزال يضطربُ على مَْر الليل والنهار بين طرفين من الحيوان: عَيشِه وموته؛ وما تقسو الحياةُ قسوتها على الناس الا بهم، وما ترقُّ رقتها إلا بالمؤمنين
وجَعل الخشوعَ لقلوب خاصةً، إذ كان خشوعُ القلب غير خشوع الجسم؛ فهذا الأخير لا يكون خشوعاُ، بل ذلاً، أو ضَعَةً، أو رياءً، أو نفاقاً، أو ما كان. أما خشوع القلب فلن يكون إلا خالصاً مُخلصاً مَحْضَ الإرادة
واشترطَ (القلبَ) كأنه يقول: إنما القلب أساسُ المؤمن، وإن المؤمن ينبع من قلبه لا من غيره، متى كان هذا القلب خاشعاً لله وللحق. فان لم يكن قلبه على تلك الحال، نَبَعَ منه الفاسقُ والظالم والطاغية وكل ذي شر. ما أشبه القلبَ تنفرعُ منه معاني الخُلُق، بالحبة تَنسَرِحُ منها الشجرة؛ فخُذْ نفسَك من قلبك كما شئت؛ حُلواً من لوٍ ومُراً من مُر
وخشوعُ القلب لله وللحق، معناه السمو فوق حب الذات وفوق الأثرة والمطامع الفاسدة؛ وهذا يضع للمؤمن قاعدةَ الحياة الصحيحة، ويجعلُها في قانونين لا قانونٍ واحد؛ ومتى خشع القلب لله وللحق عَظُمت فيه الصغائر من قوة إحساسه بها، فيراها كبيرةً كبيرةً وإن عَمِىَ الناسُ عنها، ويراها وهي بعيدةٌ منه بمثل عين العُقاب، يكون في لُوحِ الجو ولا يغيب عن عينه ما في الثرَى
وقد تخشع القلوبُ لبعض الأهواء خشوعاً هو شرٌ من الطغيان والقسوة؛ فتقييدُ خشوعِ القلب (بذكر الله) هو في نفسه نَفْيٌ لعبادة الهوى وعبادة الذاتِ الإنسانية في شهواتها.
وما الشهوةُ عند المخلوق الضعيف إلا إلهُ ساعتها. فيا ما أحكمَ وأعجبَ قولَ النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرقُ السارقُ حين يسرق وهو مؤمن، ولا يَشربٌ الخمرَ حين يشربها وهو مؤمن). جَعَلَ نزعَ الايمان موقوتاً (بالحين) الذي تُقْتَفُ فيه المعصية؛ إذ لم يكن الله عند هذا الشقي هو إله ذلك (الحين)
والخشوعُ لِمَا (نزَلَ من الحق) هو في مناه نَفْيٌ آخرٌ للكبرياء الإنسانية الي تُفسِد على المرء
стр. 6867
كل حقيقة، وتَخرج به من كل قانون؛ إذ تجعل الحقائق العامة محدودةً بالانسان وشهواته، لا بحدودها هي من الحقوق والفضائل
ويخرج من هذا وذلك تقريرُ الإرادة الإنسانية، وإلزامُها الخيرَ والحق دون غيرهما، وقهرُها للذات وشهواتِها، وجعلُها الكبرياءَ الإنسانية كبرياءَ على الدنايا والخسائس، لا على الحقوق والفضائل. إذا تقرر كل ذلك انتهى بطبيعته إلى إقرارا السكينة في النفس، ومحوِ الفوضى منها، وجَعْلِ نظامها في إحساس القلب وحده؛ فيحيا القلبُ في المؤمن حياةَ المعنى السامي، ويكون نبْضُه علامةَ الحياة في ذاتها، وخشوعُه لله وللحق علامة الحياة في كمالها
وقال: (ما نزَلَ من الحق) كأنه يقول: إن هذا الحق لا يكون بطبيعته ولا بطبيعة الإنسان أرضيا، فاذا هو ارتفع من الأرض، وقرره الناسً بعضُهم على بعض، لم يجاوز في ارتفاعه رأسَ الإنسان، وأفسدتْه العقول؛ إذ كان الإنسان ظالماً متمرداً بالطبيعة، لا تحكمه من أول تاريخه إلا اسماءُ ومعانيها وما كان شبيهاً بذلك ما يجيئه من أعلى؛ أيْ بالسلطان والقوة؛ فيكون حقاً (نازلاً) مُتدَفِّعاً كما يَتصَوبَّ الثُّقْلُ من عالٍ، ليس بينه وبين أن ينفذ شيء
والخشوعُ لما نزل من الحق ينفي خشوعاً آخر هو الذي أفسد ذاتَ البينِ من الناس، وهو الخشوع لما قام من المنفعة وانصرافُ القلب اليها بايمان الطمع لا الحق
وبجملة الآية على ذلك الوجه يتحقق العدلُ والنصفَةُ بين الناس؛ فيكون العدل في ل مؤمنٍ شعوراً قلبياً، جارياً في الطبيعة لا مُتكلفاً من العقل؛ وبهذا وحده يكون للانسان إرادةٌ ثابتة على الحق في كل طريق، لا إرادةٌ لكل طريق، وتستمر هذه الإرادة مُتسقةً في نظامها مع إرادة الله، لا نافرةً منها ولا متمردة علها؛ وهذا وذاك وذلك يُثبت القلبَ مهما اختلفت عليه أحوال الدنيا، فلا يكون من إيمانه إلا سُموه وقوتهُ وثباتهً، وينزل العمرُ عنده منزلةَ اللحظة الواحدة، وما أيسرَ الصبرَ على لحظة! ما أهونَ شر (الآن) إن كان الخيرُ فيما بعده
ألم يأنِ؛ ألمْ يأن؛ ألم يأن. . . .
قال الشيخ: وكان الحَسنُ في معانيه الفاضلةِ هو هذه الآية بعينها؛ فما كانت حياته إلا اسلامية كهذا الكلام الأبيض المشرق الذي سمعته منه؛ شعاره ابداً: (الآن قبل ألا يكون آن.) وغمامه: (خُذْ نفْسك من قلبك.)
وطريقتهُ (شَرفُ الحياة لا الحياةُ نفسها)
стр. 6868
وكان يرى هذه الحياة كوقعة الطائر؛ هي عملُ جناحين مُسْتوفِزين أبداً لعملٍ آخر هو الأقوى والأشد، فلا ينزلان بطائرهما على شيٍ إلا مطويين على قدرة الارتفاع به، ولا يكونان أبداً إلا هَفَافين خفيفين على الطيران؛ إذ كانا في حكم الجو لا في حكم الأرض، وآلةُ الوقوع والطيران بالانسان شهواته ورغباته؛ فان حطته شهوةٌ لا ترفعه فقد او بقته وأهلكته وقذفت به ليؤخذ.
لقد روينا عن النبي ﷺ : (لا يبلغ العبد ام يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس) وهذا ضربٌ من خشوع القلب المؤمن فيما يحل له، يدع أشياء كثيرة لا بأس عليه فها او أتاها، لقوى على أن يدع ما فيه بأس، فان الذي يترك ماله يكون أقوى على ترك ما ليس له.
والنفسُ لابدّ راجعةٌ يوماً إلى الآخرة، وتاركة اداتها؛ فقوام نظامها في الحياة الصحيحة ان تكون كل يمٍ كأنها ذهبت إلى الآخرة وجاءت. وتلك هي الحكمة فيما فرضته الشريعةُ الاسلامية من عبادةٍ راتبة تكون جزءاً من عمل الحياة في يومها وليلتها. فاذا لم تكن النفس في حياتها كأنها دائماً يذهب إلى مصيرها وترجع منه، طمسها الجسم وحبسها في إحدى الجهتين، فلم يبق لها فيه إلا أثر ضئيل لا يتجاوز النصح، كاعتراض المقتول على قاتله، يحاول أن يرد السيف بكلمة. . .! وبذلك يتضاعف الجسم في قوته ويشتد في صولته، ويتصرف المرء دينه، وتقذف به يميناً وشمالاً، على قصدٍ وعلى غير قصد، وتمضي به كما شاءت في مدرجةٍ مدرجةٍ من الشر؛ ومثلُ هذا المسرفِ على نفيه لا يكون تمييزه في الدين ولا إحساسه بالخير إلا كذلك السكير الذي زعموا أنه أراد التوبة، وكانت له جرتان من الخمر، فلما اتعظ وبلغ في النظر إلى نفسه وحظ إيمانه وأراد ان يطيع الله ويتوب - نظر الى الجرتين ثم قال: أتوب عن الشرب من هذه حتى تفرغ هذه. . .!
قال الشيخ: ثم إني تُبتُ على يد الحسن، وأخلصت في التوبة وصححتها، وعلمت من فعله وقوله أن حقيقة الدين هي برياء النفس على شرها وظلمها وشهواته، وأن هذه الكبرياء القاتلة للإثم هي في النفس أختُ الشجاعة القاتلة للعدو الباغي، يفخر البطل الشجاع بمبلغه من هذه، ويفخر الرجل المؤمن بمبلغه من تلك، وأن خشوع القلب هو معناه حقيقة هذه الكبرياء بعينها.
стр. 6869
وحدثتُ الحسنَ يوماً رؤياي وما شبه لي من عملي السيئ وعملي الصالح، فاستدْمَعَتْ عيناه:
وقال: إن البنتَ الطاهرةَ هي جهادُ أبيها وأمها في هذه الدنيا، كالجهاد في سبيل الله؛ وإنها فوزُ لهما في معركةٍ من الحياة، يكونان هما والصبر والايمان في ناحية منها قبيلاً، ويكون الشيطاُن والهمُّ والحزن في الجهة المُناوِحَةِ قبيلاً آخر
إن البنتَ هي أم ودار، وأبواها فيما يكابدان من إحسان تربيتها وتأديبها وحياطتها والصبر عليها واليقظة لها - كأنما يحملان الأحجارْ على ظهرَيهما حجراً حجراً، ليَبْتَنيا تلك الدار في يومٍ الى عشرين سنة أو أثر، ما صحبته وما بقيتْ في بيته.
فليس ينبغي أن ينظر الأبُ الى بنته إلا على أنها بنته، ثم أمٌ اولادها، ثم أمُ احفاده؛ فهي أكبرُ من نفسها، وحقها عليه أكبر من الحق، فيه حُمتها وحرمة الانسانية معاً؛ والأب في ذلك يُقرِض الله إحساناً وحناناً ورحمة، فحقٌ على الله أن يُوفيه من مثلها، وأن يُضعف له
والبت ترى نفسها في بيت أهلها - ضعيفةً كالمنقطعة وكالعالة، وليس لها إلا الله ورحمةُ أبويها؛ فان رحماها، واكرماها فوق الرحمة، وسراها فوق الكرامة، وقاما بحق تأديبها وتعليمها وتفقيهها في الدين، وحَفِظا نفسها طاهرة كريمةً مسرورةً مؤدَّبة - فقد وضعا بين يدي الله عملاً كاملاً من أعمالها الصالحة، كما وضعاه بين يدي الانسانية. فاذا صارا الى الله كان حقاً لهما أن يجدا في الآخرة يميناً وشمالاً يذهبان بينهما إلى عفو الله وكرمه، كما قال رسول الله ﷺ : (من كان له ابنةُ فأدبها فأحسن تأديبها، وغَذَاها فأحسن غَذاءَها، وأسبغَ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه - كانت له مَيْمَنَةً ومَيَسرةً من النار إلى اجنة.)
فهذه ثلاثُ لابد منها معاً، ولا تُجْزِيءُ واحدةٌ عن واحدة في ثواب البنت: تربيةُ عقلها تربية احسان، وتربيةُ جسمها تربية إحسان وإلطاف، وتربيةُ روحها تربية إكرام وإلطاف وإحسان
قال الشيخ: والله أرحمُ ان تضيعَ عنده الرحمة؛ والله أكرم أن يضيع الإحسان عنده، والله أكبر. . .
وهنا صاح المؤذن: الله أكبر
فتبسم الشيخ وقام إلى الصلاة.
стр. 6870
طنطا
مصطفى صاداق الرافعي
стр. 6871
صور من التاريخ الاسلامي
١ - الفردوسي
للأستاذ عبد الحميد العبادي
احتفلت الأمة الإيرانية في أكتوبر الماضي بذرى مرور ألف سنة على ميلاد شاعرها الأكبر ابي القاسم الفردوسي، وقد دام احتفالها نحو شهر من الزمان كانت إيران كلها فيه متصلة الأعياد بادية البشر والسرور. ولم تكن الحفاوة بتل الذكرى مقصورة على الايرانيين وحدهم، فقد شاركهم فيها العالم المتحضر شرقه وغربه، فأوفدت ثماني عشرة دولةكبيرة إلى إيران من يمثلها في الاحتفال بذكرى الفردوسي، وزاد بعضها من قبيل المجاملة للإيرانيين والمبالغة في تقدير شاعرهم فاحتفى بتلك الذكرى احتفاء خاصاً في عواصمه. فعل ذلك الألمان في برلين، والانجليز في لندن، والفرنسيون في باريس، والايطاليون في رومية. وعما قريب تحذو مصر حذوهم فتهب ذكرى الفردوسي أسبوعاً من الزمن يتحدث فيه بالقاهرة نفر من فضلائها عن حياة الفردوسي وشعره، وعن أثر قومه في عالم الفن والأدب
وأريد بهذه المناسبة أن أعرض في هذا المقال وفي مقال آخر آت ببيان وجيز لسبب حفاوة الفرس وغير الفرس بذكرى الفردوسي. وسنرى أن البحث سيكشف لنا عن شخصية فذة عجيبة حقاً. شخصية استطاعت من جهة أن تستنفذ قومية ولغة كان يتنازعهما البقاء والعدم، ومن جهة أخرى ساهمت بنصيب موفود في ميراث العالم الأدبي الباقي على وجه الزمان
هو أبو القاسم الحسن بن علي الفردوسي، وكلمة (الفرودسي) لقبه الشعري، فقد جرت عادة الفرس من قديم أن يخلعوا على شعرائهم ألقاباً خاصة كالدقيقي، وملك الشعراء، ومحكم الشعراء وهكذا. ولد على رأى بعض الثقات حوالي عام ٣٢٥هـ بقرية من قرى مدينة طوس بخراسان يقال لها (باز)، وورث عن أبيه ضياعاً كانت تغل عليه في صدر حياته كفايته من المال. وتعلم في حداثته ما كان يتعلمه أمثاله من ابناء الدهاقين في ذلك الزمان، فحذق الفهلوية والعربية، وشغف في صباه بقرض الشعر الفارسي والتوفر على مطالعة القصص الفارسي القديم. فأنشأ كل ذلك فيه اعتداداً بقومه واعتناقاً لمذهبهم الشيعي. وشدا
стр. 6872
شيئاً من آراء المتكلمين من المعتزلة، فنشأ فارسي الهوى، شيعي المذهب، معتزلي الرآي
كان أمر خراسان في ذلك الوقت إلى الدولة السامانية، وهي دولة فارسية من الدول التي تقسمت سلطان الدولة العباسية بضعف السلطة المركزية في بغداد ابتداء من القرن الثالث الهجري. وقد جهد السامانيون في بعث الروح القومي الفارسي مستعينين على ذلك بما للتاريخ والأدب من القوة في إذكاء الروح القومي عامة. فنقل وزيرهم البلعمي برسم الأمير منصور الساماني تاريخ الطبري إلى الفارسية، وتقدم عاملهم على طوس أو منصور ابن عبد الرزاق إلى رجل يقال له أبو منصور المعمري في جمع أخبار الفرس القدماء في شكل تاريخ شعبي لفارس من أقدم عصورها إلى الفتح الأسلامي، فعهد بالأمر إلى أربعة من الفرس الزرداشتيين فجمعوا ذلك التاريخ من الكتب المحفوظة في قلاع فارس، وفي خزائن الموابذة والدهاقين. ثم كتبوا ذلك التاريخ بالفارسية الحديثة وسموه (الشاهنامة) أي (كتاب الملوك)، وكان ذلك حوالي عام ٣٤٧هـ؛ وأراد السامانيون أن يسهل على الفرس تناول هذا التاريخ وتداوله فعهد الأمير نوح ابن منصور الساماني ينظمه شعراً إلى فتى فارسي شاعر يعرف بالدقيقي. فأخذ الدقيقي في ذلك فنظم منه ألف بيت ثم هلك غيلة حوالة عام ٣٦٦هـ.
اطلع الفردوسي على الشاهنامة المنثورة وعلى ما نظم الدقيقي منها من نسخة أعاره إياها صديق له يقال له (محمد لشكري). وأشار عليه ذلك الصديق أن يتم ما شرع فيه الدقيقي، وصادف ذلك هوى في نفسه، فامتثل الاشارة وعكف على نظم الشاهنامة من حيث انتهى صاحبه، فقضى في ذلك ثلاثاً وعشرين سنة أتم فيها نسخة الشاهنامة الأولى (٣٨٩هـ) ثم أهدى تلك النسخة إلى كبير من كبراء الفرس الظاهرين بأرض أسبهان يقال له أحمد الخالنجاني، فأجازه عليها بجائزة يسيرة
في تلك السنين الطوال كانت خراسان قد تبدلت بها الحال، لاضطراب أمر الدولة السامانية القومية المستنيرة، وعراها ما يعرو البلاد عادة عند التأذن بذهاب دولة وقيام أخرى. فأهملت المرافق العامة وخاصة مرافق الري، والبلاد يعدُ بلاد زراعية، فشح الماء، وجف الزرع، وأجدبت الحقول، ونالت ملاك الأراضي شدة تعذر علبهم معها أداء الخراج الموضوع على أراضيهم. وكان الفردوسي بطبيعة الحال من ضحايا تلك الشدة الاقتصادية،
стр. 6873
وزاده ضنكا وسوء حال انصرافه إلى حية الأدب المحصن، واضطراره إلى أن يستكفي غيره النظر في شئون ارضه. ويظهر أثر تلك الحال واضحاً قي ترديده في شعره الشكوى من الفاقة وتنكر الزمان.
وقد اضطر آخر الأمر إلى مسألة أصدقائه، فأعانه منهم نفر كرام النفوس أوفياء القلوب، كافأهم عن صنيعهم بأن نوه بذكرهم في الشاهنامة. والحق أن الفردوسي، وقد فقد الانتفاع بأرضه أصبح يرى أن من حقه على الناس أن يكافئوه على جهوده الأدبية بمال يزوج منه ابنته الوحيدة، ويفق منه على نفسه في شيخوخته.
وطفق لذلك يبحث عن أمير نبيل او ملك جليل يهدي إليه الشاهنامة فيجيزه عنها بجائزة تحقق أمنيته، وسرعان ما وجد ذلك الملك الجليل في شخص السلطان محمود الغزنوي.
والسلطان محمود الغزنوي أوحد ملوك الاسلام لذلك العهد، واحد أبطال التاريخ الاسلامي على الإطلاق. قد شاد بعزمه وهمته ملكاً عريضاً وسع الهندستان، وخراسان وتركستان، وطبرستان، وفارس. وأصبحت قاعدته (غزته) بمساجدها ومدارسها وخزائن كتبها وعلمائها الأعلام من أمهات المدن الاسلامية. ويقال إنه يجتمع قط في مدينة أسيوية في وقت واحد من أعيان الأدب وأقطاب العلم والفلسفة مثل من اجتمع بغزته على عهد السلطان محمود. ذلك بأن السلطان كان شغوفاً بالعلم والأدب، حريصاً على اجتذاب العلماء من مختلف البلدان الاسلامية ليقيمهم بحضرته، فيزدان بهم بلاطه، وتكون له من قربهم شهرة أدبية تضاف إلى شهرته الحربية التي طبقت الآفاق. ومن العلماء الذين حفلت بهم غزته على عهد، البيروني والعتبي المؤرخان، والفارابي الفيلسوف، وأبو الفتح البستي الشاعر العربي، والمسجدي والعنصري والفرخي، وكلهم من سباق شعراء الفرس في الاسلام. وكان الرئيس أبو علي بن سينا قد قصد حضرة السلطان ثم بداله فعدل عنها إلى جهة أخرى.
وكان السلطان كلما فرغ من حرب وأقام بعاصمته متودعاً، جلس إلى أولئك العلماء يحدثهم أو يستمع إلى حديثهم، وهو في تصيده العلماء ومباهاته بهم يذكرنا بسيف الدولة الحمداني، والحكم المستنصر الأندلسي، وبفردريك الأكبر ملك بروسيا، ولويس الرابع عشر ملك فرنسا
ذلك هو الملك الجليل الذي رآه الفردوسي مهوى فؤاده ومحط آماله. فأخذ يعد العدة لانتجاع
стр. 6874
حضرته والاعتراف من فبض جوده. فجعل يراجع الشاهنامة، مطامنا بين أجزائها، مكملاً ما نقص منها، مستدركاً ما فاته في نسختها الأولى ومحلياً فصولها بَمدَح سنية بطوق بها جيد ذلك الملك العظيم. وقد قضى في ذلك إحدى عشرة سنة، فقد فرغ من إعداد النسخة الثانية للشاهنامة عام ٤٠٠ هـ وبلغت عدة أبياتها ستين ألفاً
توجه الفردوسي إلى غزنة ومعه راوية ونسخة الشاهنامة، فلقى وزير السلطان الرئيس الكبير أبا العباس الفضل بن أحمد، وكان معيناً بشر الفارسية، ولا ريب أنه أدرك أنها ثمرة مجهود عقل جبار، ولكنه مع ذلك لم يتقبلها بقبول حسن. والروايات القديمة مجمعة على أن الوشاية والكيد قد عملا عملهما في إفساد قلب السلطان على الوزير والشاعر معاً. ولكن الأمر أجل من ذلك وأعظم. فليس من شك في أن ذلك السلطان التركي المسلم، الذي أنفق من الجهد في إعلاء كلمة الأسلام في الهند ما أنفق، والذي كان نصيراً للسنة، وخصماً ألد للباطنية والمعتزلة، هذا السلطان لم يعجبه أن يشيد الفردوسي بمجد حازه الفرس أيام مجوسيتهم، كما لم يعجبه أن ينفخ في بوق العصبية الفارسية، وأن يدير كتابه على الحروب التي وقعت في القديم بين إيران وطوران، كما لم يعجبه تشيعه وجهره بآرائه الدالة على اعتزاله. كل ذلك قعد بالسلطان أن يجيز الشاعر بالجائزة التي كان يتوقعها، والتي كان يعلق عليها آمالاً كباراً. فيقال إنه بعث إليه بعشرين ألف درهم فقط مكافأة على مجهود خمس وثلاثين سنة
لكن الفردوسي لم يكن الرجل الذي يحتمل هذا التقصير في حقه. فقد جزى السلطان شر جزاء. فيقال إنه دخل حماماً فلما خرج منه شرب فقاعاً، ثم قسم عطية السلطان بين الحمامي والفقاعي. وبلغ ذلك السلطان فهاج غضبه، وهم بأن يبطش بالشاعر، فلاذ الفردوسي بالفرار من غزنة، وظل مختبأ بمدينة هراة ستة أشهر نظم فيها مائة بيت من الشعر هجا فيها السلطان هجاء لاذعاً موجعاً. فلما سكن عنه الطلب خرج إلى طرستان ونزل على صاحبها الأصبهبد بأن الأمر لم يعرض عليه كما ينبغي، واشترى منه هجو السلطان بأن الأمر لم يعرض عليه كما ينبغي، واشترى منه هجو السلطان بمائة ألف درهم، ثم محا ذلك الهجو من الشاهنامة محواً. بيد أن الفردوسي رأى أنه غير آمن على نفسه في طبرستان لأنها داخلة في حكم السلطان محمود، فخرج عنها إلى العراق العربي،
стр. 6875
ونزل على أميره سلطان الدولة البويهي. ونظم له قصة (يوسف وزليخا) وهي من قصص القرآن الكريم.
والفردوسي يصرح في صدر هذه القصة بأنه نظمها تكفيراً عن إضاعته عمره في نظم الشاهنامة، التي حشوها أساطير الفرس الأولين، ولكن يظهر أن الفردوسي أراد بنظم تلك القصة أن يلائم بين نفسه وبين البيئة العربية التي أدى به تطوافه إليها
ومهما يكن من شيء، فلا شك أن الفردوسي رأى نفسه غريباً بالعراق، وأن سراج حياته يوشك أن ينطفئ، وأحب ان يوافيه أجله في مسقط رأسه، قريباً من ابنته ووسط أهله ومعشره، وهون الخطب عليه أن السلطان كان قد ذهب عنه غضبه عليه، وأن أمره كان قد نسى أو تنوسي ببلاط غزنه. فخرج من العراق شاخصاً نحو طوس، فبلغها شيخاً فانياً مهدود القوى قد جاوز الثمانين
وتذكره السلطان محمود في ذلك الوقت، وذلك أنه كان راجعاً من الهند الى عاصمة ملكه، فعرض له ثائر في قلعة حصينة، فأرسل السلطان الى الثائر رسولاُ أن (إيت غدا، وقدم الطاعة واخدم حضرتنا، والبس التشريف، وارجع) فلما كان الغد ركب السلطان والى جانبه وزيره أحمد بن الحسن الميمندي. فلما بصر السلطان بالرسول مقبلاً قال للوزير (ترى ماذا يجعل من الجواب؟) فتمثل الوزير ببيت من الشاهنامة معناه (إذا لم يكن الجواب كما أريد، فأنا والجرز والميدان وافراسياب) فقال السلطان (لمن هذا البيت الذي تنبعث الشجاعة منه؟) قال (للمسكين أبي القاسم الفردوسي الذي أحتمل العناء خمساً وعشرين سنة وما جني أية ثمرة) قال السلطان (أحسنت بما ذكرتني، إني ليحزنني أن يحرم عطائي هذا الرجل الحر، ذكرني في غزنة لأرسل اليه شيئاً) فلما قدم الوزير غزنة ذكر السلطان، فقال السلطان (مر لأبي القاسم بستين ألف دينار بعطايا نيلجا، ويجحمل على الإبل السلطانية، ويعتذر اليه)
غير أن القدر الساخر شاء ألا تنفذ مشيئة السلطان، فيقال إنه عندما وصلت الابل التي تحمل الهدية إلى طوس، كان الفردوسي قد أسلم الروح (٤١١هـ)، وإنه بينما الابل داخلة من بعض أبواب المدينة، كانت جنازة الشاعر خارجة من باب آخر
وأراد رسل السلطان أن يدفعوا الهدايا الى ابنة الفردوسي، ولكنها اعتذرت من عدم قبولها.
стр. 6876
عند ذلك أمر السلطان أن ينفق المال في بعض وجوه البر، فعموا به رباطاً للمجاهدين على حدود أقليم طوس. وكذلك نفي السلطان عن نفسه آخرة الأمر تهمة لتقصير في حق الشاعر الكبير. فان ادعى مدح أنه ظلمه في الأولى فقد أنصفه في الثانية، ودل بذلك على نفس كبيرة وحلم عظيم
تلك بالاختصار سيرة الحكيم أبي القاسم الفردوسي. وهي سيرة تفصح عما أوتيه ذلك الشاعر من قوة تتمثل في صدق عزيمته، وبهد همته، وعظم غايته، وثبات مقصده، كما أنها تفصح عن ضعفه الذي يبدو في حدة مزاجه، وكثرة شكواه من الفاقة وتبرمه بالناس والزمن، ثم في ندمه في ملع قصته الثانية على ما أنفق من جهده واضاع من عمره في نظم ملحمته الأولى. على أن ذلك كله ليس مناط تعظيم قومه لذكراه، إنما مناط ذلك هو الصنيع الجليل الذي أسداه الى القومية الفارسية واللغة الفارسية الحديثة.
ولبيان ذلك ينبغي أن نرجع مع الزمن الى أوائل القرن الأول الهجري، فقد حمل العرب إذ ذاك على الدولة الفارسية، وما هي إلا سنوات معدودات، حتى كانوا قد قضوا على ملك آل ساسان، وصيروا فارس أقليماً من أقاليم الخلافة العربية، وانتشر الاسلام بعقب ذلك في فارس حتى كاد يقضي على الدين الزرادشتي، كما انتشرت العربية بين الفرس حتى أخملت الفهلوية وكادت تمحوها
قبل الفرس الاسلام عن طواعية نفس وطيب خاطر. أما القومية فقد جاهدوا من أجل الاحتفاظ بها جهاداً عظيماً. وقد تطور هذا الجهاد من مجرد مطالبة بالحقوق العامة قام بها الموالي زمن الدولة الأموية، الى مؤازرة للثائرين عليها من الخوارج والشيعة، الى ثورة عامة انجلت عن سقوط الدولة الأموية العربية، وقيام الدولة العباسية التي كانت فارسية في أكثر أوضاعها العامة، الى استقلال سياسي يسره ضعف السلطة المركزية ببغداد، الى سعي حثيث في أن يكون للفرس وجود قومي صحيح
الى هذا المجهود الضخم الموجه الى الاحتفاظ بالقومي، قام الفرس بمجهود آخر رائع من أجل إنهاض لغتهم وتعميم استعمالها في بلادهم
لقد طغت العربية على الفهلوية في العصر العربي الأول طغياناً كان من أثره أن انحصر استعمال هذه اللغة في حدود إقليمية ضيقة: في فارس وخراسان وطبرستان، ولم تسلم
стр. 6877
الفهلوية في معاقلها هذه من التأثر بالعربية، فقد أصبحت تكتب بالحرف العربي ودخلتها ألفاظ وتعابير عربية أحالتها الى طور جديد من تاريخا عرفت فيه بالفارسية الحديثة. وبتنبه الشعور القومي عم استعمال اللغة المذكورة في تلك الأقاليم الثلاثة، حتى كادت العربية تنمحي من بعضها، كما يؤخذ من قول المتنبي:
مغاني الشعب طيبا في المغني … بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها … غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها … سليمان بترجمان
وقد عول ساسة الدول الثلاث: الطاهرية والقارية والسامانية، على ان يجعلوا الفارسية الحديثة لغة أدب وتدوين، فشجعوا الشعراء على النظم بالفارسية، وأمر السامانيون بتدوين تاريخ قومي للفرس، ونظمه بهذه اللغة كما تقدم القول
وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزه الفرس في أمر قوميتهم ولغتهم فانهم في أواخر القرن الرابع بحاجة الى مدد أدبي ممتاز يبعث في القومية الفارسية روحاً قوياً، ويثب دعائم الفارسية الحديثة وينهضها على أساس ثابت، وقد أمد الفردوسي قومه بهذا المدد. فالشهنامة تعي بأبسط عبارة وأبلغ تصوير تاريخ الفرس القدماء ومفاخرهم وآدابهم وأساطيرهم. لذلك اضحت في حياة ناظمها - وهذا أمر منقطع النظير - ملحمة قومية، ولم يمض طويل زمن حتى غدت (قرآن القوم) على حد تعبير صاخب المثل السائر
لقد أدى الفردوسي (رسالته الخاصة) أحسن الأداء، وأصبح فضله على قومه ولغته باقياً من بقي قومه ولغته وقد عرف له قومه هذا الفضل فذكروه في هذه الأيام فأحسنوا ذكراه، وشادوا فوق رفاقه بناء عالياً، وهذا جهد مثوبة الحي للميت. وان الانسان ليذكر في هذا المقام دانتي الإيطالي، وكورياس اليوناني، فكلاهما أذكى الروح القومي في بلهد، وجدد بمجهوده الخاص دارس لغته، هذا بنثره، وذاك بشعره.
البقية في العدد القادم
عبد الحميد العبادي
стр. 6878
في الأدب المصري
مجالس الأدب في القرن الثامن عشر
بدار رضوان بك
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
مما اعتاد الناس سماعه أن يقول قائل: لا حيا الله أيام القرن الثامن عشر في مصر! وقد لا يتورع القائل أن يرمي ذلك العهد بأقبح التهم وأشنع الآراء: فيصفه تارة بالظلم، وتارة بالظلمة؛ وما اكثر ما تسمع الآذان ذكراه مصحوبة بتسمية لاذعة، فلا يقال إلا أنه كان عهد المماليك، أو عهد ظلم العثمانيين. وليس في ذلك عجب، فالناس كانوا قديماُ لا يرون الماضي على حقيقته، فهم إما أن يروه عصراً أعظم من عصرهم لا يستطيع حاضرهم أن يجاريه في شئ، وإما أن يروه عهداً دون عهدهم لا يرضون أن تقاس حال أيامهم به. والأيام كالناس تختلف في الخطوط وتتباين، فكما أن بعض الناس يكتسب من الحمد فوق ما يستحق، وينسب اليه من كريم الخلال ما ليس من طبعه، فذلك الأيام، قد ينعت الناس بعض عصورها بما ليس من طبعه، وينسبون اليه من الفضائل أكثر مما يجدر به، وكما أن بعض الناس قد يسلب جزاه، وتجحد حسنته، وينكر فضله، فكذلك قد يظلم التاريخ عهداً من العهود، فلا يقر له بفضل، ولا يحجم في وصفه عن تهمة، ولا يتعرض له بالأذى: ولقد كان عصر أمراء المصرين من هذه العصور المظلومة التي جحد التاريخ فضلها، وأذاع مثالبها، واخفى مناقبها، وصورها صورة مشوهة بغيضة. ولسنا بسبيل بيان الأسباب التي حملت التاريخ على ذلك الظلم، ولكنا نكتفي بأن نقول إن الأحياء قد يكون لهم نفع من اتهام الاموات، وقد يعود بعض الخير من الافتراء على الجدود. ولا حاجة بنا إلى التطويل في دفع هذا الاتهام ولا في دفع هذا الافتراء، فما في هذه الإطالة تحقيق للقصد. وحسبنا أن نصف مجلساً أدبياً في بعض هذه الأيام الماضية، وللقارئ أن يحكم من هذا الوصف إذا كانت تلك الأيام الغابرة جديرة بما يصفها به المتهمون المفترون:
كانت أمور مصر في منتصف القرن الثامن عشر قد خلصت إلى اثنين من الزعماء: أحدهما الأمير ابراهيم، والآخر الأمير رضوان. وقد أصبحا صاحبي الأمر في البلاد لا
стр. 6879
ينازعهما إلا المنافسون في دخائل صدورهم؛ وأما ظاهر الأمر فلم يكن لهما فيه شريك. حتى أن الباشا العثماني الذي كان يمثل السلطان لم يكن له إلى جانبهما أمر ولا نهي.
ولقد كان لكل من هذين الأميرين متجه يتجه اليه في رياسته، فكان ابراهيم صاحب السلطان، قائد الجيوش، ومدبر السياسة؛ على حين كان رضوان مؤلف القلوب، وقبلة القصاد؛ وان الأميران على اختلاف اتجاهيهما متفقين متآلفين، فقضيا في رياستهما سبع سنين ونيفاً
وكان بيت رضوان يتألق بالأنوار الساطعة، ويخلع عليه الفن المصري رواءه وبهاءه، وتجتمع في أبهائه هامات العنصر من الأدباء والعلماء، وقد كان بمصر حينئذ في الحق أداء وعلماء، على رغم من يتهم هذا العصر بالظلمة والانحطاط.
هناك على ضفة الخليج المصري اشترى رضوان داراً من أحد أكابر التجار، كانت واقعة على بركة الأزبكية، وموضعها اليوم ما يلي حديقة الأزبكية وميدان الأوبرا. وكانت تلك البركة إذ ذاك متنزهاً من منتزهات القاهرة المحبوبة، تحيط بها بيوت أعيان التجارة والأمراء. وكان للمير رضوان فوق ذلك في الناحية الشمالية الغرية من هذه البركة منظرة بديعة تطل من الغرب على الخليج الناصري، ومن الجنوب على بركة الأزبكية، ومن الشمال على بركة أخرى استحدثها الأمير بتوسيع مجرى الماء في الخليج القاهري مما يلي قنطرة الدكة. وقد نسق الأمير قصريه أبدع تنسيق، وجعل لهما حدائق فسيحة نقل البها بديع الزهر والشجر، وأقام في أركانها الجواسق الجميلة. وجعل في جوانب الحدائق مما يلي البركة قناطر لتجري المياه من تحتها، واتخذ فوق تلك القناطر مجالس للنزهة والاسترواح. وأما داخل القصور فكانت القباب العالية المحلاة بذوب المسجد، واللازورد، والزجاج الملون، وقد نقشت اعاليها وأسافلها بأروع النقوش وأدقها. وكانت الأنوار تسطع في هذه القباب في أثناء الليل فتكاد تخطف الأبصار من بهائها ودوائها
وفي هذه الأبهاء التي تأخذ بمجامع القلوب كان يجتمع أدباء العصر وأعيان العلماء يتسامرون في حضرة الأمير المحبوب، ويتجاذبون أطراف الملح والنوادر في حشمة ووقار لا يخرج عنهما أحد. وكان من هؤلاء اديب العصر الاعظم قاسم بن عطاء الله المصري، وصديقه مصطفى أسعد الدمياطي، وإلى جانبهما مجمع باهر من شيوخ وشبان، بعضهم
стр. 6880
للجد والوقار كالشيخين الشبراوي والحفني، وبعضهم للفكاهة كالشيخ عامر الانبوطي الهجاء
واجتمع مجلس الأدباء يوماً في القصر، وإذا بالأمير يسأل عن أحدهم فلا يجده. قال: (اين ابن الصلاحي؟) ولم يكد ينتهي من سؤاله حتى رد في جانب البهو صوت جهوري ينشد:
شاق طرف السرور وظرف الربيع … فتملى بحسن تلك الربوع
ما ترى الزهر ضاحكاً لبكاءِ ال … طل من در قطره بالدموع
وغصون الرياض تخلع أثوا … ب التداني على الندى الخليع
فأنسنا بجمع إخوان صدق … زان طبع الوفاء قدر الجميع
يا صلاحي أرح فؤادك والبس … من بشير اللقا قميص الرجوع
فالتفت الجلوس كلهم نحو القادم فاذا هو الذي كان يسأل الأمير عنه؛ وصاح الشيخ عامر قائلاً: (لقد ذكرنا القط. . . .) فضحك الجمع ولم يمتنع عن الضحك الأمير، وجاس الأدباء بعضهم إلى بعض في أنحاء البهو الأعظم من قصر رضوان، وجلس الأمير على سرير عال من آيات الفن المصري، جوانبه من الخشب المخروط، تكتنفه وتتخلله رسوم من العاج والآبنوس والصدف، وقد كُسيت جوانب السرير بالحر الملون البديع، تتغير ألوانه في ضوء المصابيح المتألقة كما تتغير الألوان إذا وقع الضوء على رقاب الحمام القرمزي الداكن.
وأتجه الأمير إلى الأديب الأكبر ابن عطاء وأقبل عليه باسماً وقال له: (ماذا جئت به اليوم يا ابا عطاء؟ لقد رأيتك بالأمس تسير بين أشجار البستان، فقلت في نفسي لابد أن متحفنا اليوم بشيء جديد).
فأبتسم الأديب وقال: (الحق ما تقول أيها الأمير، دامت نعمتك، وأقر الله أعيننا ببقائك وعلو دولتك)
فقال له الأمير: (إذن فهات، وقد أحضرت لك الشيخ عامر الأنبوطي عمداً)
فصاح الأديب ابن عطاء وهو باسم وقال: (أعوذ بجاهك منه أيها الأمير!)
فصاح عند ذلك الشيخ متدخلا في الحديث (وماذا تخشى يا ابن عطاء؟ أليس لكل منه فنه؟)
فنظر إليه بن عطاء وهو باسط يديه بسطة الرجاء وقال: (لقد عذت بكنف الأمير من لسانك، فدون سوى إذا شئت)
стр. 6881
فقال الأمير ضاحكاً: (إذن أنا مجبرة منك يا شيخ عامر) وضحك الشيخ عامر وقال: (إذا شئت أيها الأمير، فلقد والله قضيت الليلة الماضية أشحذ لساني وذهني لنزاله. وقد والله فوت على فريستي)
فضح الندى وأنصت بعد لأي لمدحة الأديب ابن عطاء: فأنشأ يقول:
بكت بدمع الطل عين النرجس … فأضحكت ثغر الأقاح الألعس
واستمر في مزدوجته يصف البستان حيناً والماء حيناً.
فيقول منها:
حديقة بها السرولا محدق … جدولها مسلسل منطلق
في جوه نجم الزهور مشرق … والبان ظله غدا يسترق
من وجنة الماء احمرار الورد
ثم تخلص إلى ذكر الحب على سنة الأقدمين من الشعراء، وتخلص من ذلك إلى مدح رضوان فقال:
دع علة التعليل بالأماني … واقصد حمى الموصوف بالأمان
وانف لباس البؤس والأحزان … واسأل عن النعيم من رضوان
سَلْ ما تريد، لا تخف من رد
ملينا جلت لنا أوصافه … لم بيد في غير العطا إسرافه
ضياؤه قرت به أضيافه … تفعل في جيش العدى أسيافه
ما يفعل الصرصر يوم الحصد
إلى أن أكمل مدحته بين اهتزاز الأمير واعجاب السامعين، لولا ابتسامة عابثة من الشيخ عامر وهو ينظر إلى الأمير.
فقال له الأمير: (وما تستطيع أن تقول في هذا يا شيخ الهجائين؟)
فقال الشيخ: (لا أقوال في هذا شيئاً مادام فيه ذكرك ومديحك أيها الأمير: ولكنه لو لم يستعذ بك وجدني قائلاً)
فتحرك الأديب ابن عطاء حركة غضب وأنفة وقال:
(أيسمح لي الأمير أن أرد عليه جواره إلى حين، لا حرمني الله جوارك، فان هذا الشيخ قد
стр. 6882
ظن أنني اتوارى منه ضعفاً)؛ فتبسم الأمير وقال: (نازله بقصيدة اخرى جديدة إذا شئت)
فصاح الشيخ عامر وظنها فرصة في ابن عطاء فقال: (أصبت القصد لازلت موفقاً أيها الأمير)
فاهتز ابن عطاء وقال: (نعم إذا شئت أيها الأمير، إن عفوي خير من إعدادي، وإذا شئت قلت)
فأذن له الأمير وتطلع الحاضرون إلى الأديب يظنون أنه سيسف ويتعرض لطعنات منازلة الهجاء. فقال ابن عطاء:
ترك الهجر ووافى كرم … بعد ما كان لعهدي قد نسى
أهيف القد كغصن عَلبِما … من نسيم الروض فن الميس
فاهتز الأمير وقال: (هيه يا ابن عطاء!)
فسرت في الشاعر هزة جديدة واستمر يقول:
مفرد في الحسن ثني معجباً … ألف القد بشكل حَسَن
غصن بان هزه ريح الصبا … خده يزهو على الورد الجني
ساحر الجفن أرانا عجباً … أسره للأسد حال الوسن
وما زال بالسمط وراء السمط، والعقد من بعد العقد، حتى تخلص إلى مدح الأمير على عادته إلى أن ختم موشحه قائلاً:
كفه الغيث على الناس همي … فأعاد الخصب بعد اليَبَس
أصبح الدهر به مبتسماً … وهو فيه محل اللعَس
فنزل اليه الأمير من سريره وعانقه وقال له: (بمثلك تزدان مجالس الملوك يا ابن عطاء، والله لو لم أجد من المال إلا قوت يومي لما وجدت له محلاً أحب من إهدائه اليك)
ثم التفت الى الشيخ عامر وقال:
(لقد أنطقه الولاء أيها الشيخ فماذا تستطيع أن تقول؟
فقام اليه الشيخ وقبل رأسه وقال:
(يا أمير الشعر قددِنا اليك)
فصاح الشيخ مصطفى اللقيمي الدمياطي من جانب المجلس وقال:
стр. 6883
(أما الأمارة فلا نراها في الشعر. إن هي إلا في تلك السياسة، وهذه الدولة والرياسة. فدع عنك التعرض لهذا، فما أظنك مصيباً من الجائزة شيئاً)
فضحك الحاضرون شماتة في الهجاء الذي لم يترك من أهل الشعر ولا من اهل العلم أحداً إلا وتره وحرك حقده
وكان الشيخ الهجاء قد انكسر عند ذلك، غير انه لم يرض أن يترك من الوخز فقال ناظراً الى الشاعر الآخر:
(وما لك أنت؟ لأني بك قد تحركت غيرتك. غير أن لست بمستطيع اليوم أن تقول شيئاً. فقد ملك اليوم ابن عطاء) فقال الأمير مدفعاً عن الدمياطي:
(ومالك أنت به يا شيخ عامر؟ أنسيت مدحته العظمى؟ أنسيت مدامته الارجوانية في المقامة الرضوانية؟ لقد ينقطع عمر الكثيرين دون مثلها)
فقال الشيخ عامر ولم يثنه دفاع الأمير:
(إن هي إلا بيضة الديك) وأشار الى الشاعر، ثم صاح وجه الشاعر الدمياطي، وقال غاضباً:
(لو شئت الهجاء لهجوتك، ولكنك أقل من أن أهجوك، فاسمع إذن مدحتي في زين الملوك وأقر بعجزك وصغارك)
ثم اندفع يقول:
بشرى الربيع لقد وافت بشائره … وفاح دونك في الآفاق عاطره
ومالت القضب بالأطيار مطربة … وقد تبسم من عجب أزاهره
فسر مقدمه الحالي أخا شجن … يهجه من معاني الدوح ناضره
ثم أوغل في وصف الربيع وزهره ونسيمه وعطره، فأبدع وأطرب إلى أن تخلص من وصفه الممتع إلى مدح الأمير فقال:
والزهر من فرح أهدى النثاريها … لما سما الورد واستعملت مظاهره
حكى بمنظره الحالي ومخبره … صفات رضواننا السامي زواهره
أمير مجد لنا تتلى مدائحه … مدة الزمان كما تروى مآثره
تخاله الليث والمريخ في يده … إذا بدا جائلاً والسيف شاهره
стр. 6884
روض نضير ولكن مثمر أبداً … غيث ولكن ندى عمت مواطره
وما زال ينتقل في ذلك المدح من معنى إلى معنى إلى أن قال:
خذ من زمانك ما أغناك مغتنما … وأنت ناه لهذا الدهر آمره
ودم بروض العلا والعز منبسطاً … بمطربات الهنا يشدوك طائره
فصفق الأمير طرباً عندما بلغ الشعر ذلك، وصاح بالشيخ عامر يقول:
(عزمت علي يا شيخ إلا ما قمت إليه وقبلت رأسه كمل فعلت بالأديب ابن عطاء، فما هو بدونه مرتبة في الشعر ولا في الولاء. ولكم جميعاً مني أسنى جائزة)
فقام الشيخ إلى الشاعر وقبل رأسه وهو يقول:
(وما لكم لا تشكرون لي وخزاتي. أيها الأمير أكنا نظفر منهما بهاتين الدرتين بغير وخزات لساني؟)
فضحك الأمير والحاضرون منه وقال رضوان:
(أتذر البيت القديم يا شيخ عامر؟ لقد قلته لي منذ أيام فلولا أن النار تحرق ما حولها ما شم أحد رائحة ال. .)
فقال الشيخ منشداً البيت:
لولا اشتعال النار فيما جاورت … ما كان يُعرف طَيبَ عرف العود
فقال الأمير (هو هذا. هو هذا. لقد حفظت معناه ولكني لا أقوى على حفظ لفظه.)، ثم نظر إلى مملوك واقف إلى يمينه، وقد وضع يديه على صدره تأدباً وقال له:
(يا محمود، اذهب إلى خازنداري، وبلغه أمري باحضار ما اعتدت بذله في مثل هذا اليوم)
ولم يخرج أحد من الحاضرين في ذلك المجلس بغير ما يرضيه، غير ان الشيخ الحفني أبى أن يأخذ شيئاً من الأمير، بل قبل الأمير يده وسأله الدعاء، وخرج الشيخ الوقور وهو يدعو للأمير بالتوفيق والهداية)
وكان الشاعر ابن الصلاحي في كل ذلك متواضعاً ساكناً لم يثر لغيره، ولم يتقدم لمنافسة، بل كان يرب كما يطرب الحضور ويعجب كما يعجبون، ولما أوشك عقد الجمع أن ينفرط رفع عقيرته فأنشد مرتجلاً:
يا مساء السرور كيف اختلسنا … فيك أنسا كأنما هو شك
стр. 6885
قد أنسنا في فتحه بالتداني … ودهانا ختامه وهو مسك
ثم سار وهو يقول مرتجلاً:
إلى القبة الفيحاء سرنا فسرنا … ربيع المنى في ثغر طلعتها الغرا
أنسنا بها من كل بدر ولا نرى … عجيباً طلوع البدر في القبة الخضرا
فنظر إليه الأمير رضوان مبتسماً وقال: (هيه يا ابن الصلاحي لقد فوت علينا الليلة إنشاد منك) فقال الشاعر باسماً وهو ناظر إلى الأرض (دمت للملك يا مليك الزمان فالعود أحمد)، ثم حيا الأمير وسار في أثر صحبه خارجاً
محمد فريد أبو حديد
стр. 6886
الغزو الاقتصادي الياباني لاسواق العالم واثره في
الاقتصاد المصري
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمه
استطاع الغزو الاقتصادي الياباني أن يحدث أثره في معظم الأسواق القديمة بسرعة مدهشة. وقد قال مسيو هيرونا وزير الخارجية اليابانية في إحدى تصريحاته الأخيرة إن هذه النهضة الصناعية والتجارية التي تضطلع بها اليابان إنما هي ثمرة العمل والمثابرة، ولا تعتمد على وسائل غير شريفة، وليس وراءها أية نزعة عدائية. وقد بينا في مقالنا السابق ظرفاً من الظروف والأحوال الاقتصادية المشجعة التي تعمل فيها الصناعة اليابانية، ولكن اليابان لا تستطيع بمثل هذه التأكيدات أن تهدئ ما يبثه غزوها الاقتصادي في معظم الدول الصناعية والتجارية من عوامل الخوف على مستقبلها الاقتصادي. ويجب أن نذكر أن النفوذ الاقتصادي إحدى الوسائل القوية التي يعتمد عليها الاستعمار الغربي في توطيد نفوذه وسلطانه في أفريقية وآسيا، وأنه يكون غالياً طليعة الفتح السياسي وذريعته، فاذا اضطربت دعائم هذا النفوذ الاقتصادي، اضطربت دعائم السيادة الاستعمارية التي تقوم عليه؛ والتحرير الاقتصادي دعامة قويه للعمل في سبيل التحرير السياسي. فالدول الاستعمارية التي يزعجها الغزو الياباني لا تقف في مقاومته عند تقدير الاحتمالات الاقتصادية وحدها، ولكنها تنظر الى آثار من وجهة أشد خطراً وأبعد مدى وهي وجهة مستقبلها الاستعماري
ولا ريب أن بريطانيا العظمى في مقدمة هذه الدول، بل هي أولها واسبقها الى التأثر بهذه المنافسة الخطرة التي تهدد نفوذها الاقتصادي والاستعماري في معظم أرجاء امبراطوريتها الشاسعة، وتخلق لها مشكلة امبراطورية في منتهى الخطورة. ذلك أن بريطانية العظمى تسمد كثيراً من أسباب غناها وقوته وعظمتها من نفوذها الاقتصادي وتفوقها الصناعي والتجاري؛ وهذا النفوذ الاقتصادي اقوى دعامة في صرح سلطانها الاستعماري؛ فاذا تقوضت دعائم هذا النفوذ اضطرب بناء الامبراطورية كله. وبريطانيا تشعر اليوم بأن تقدم
стр. 6887
الغزو الاقتصادي الياباني بهذه القوة المدهشة يعرضها لمثل هذا المأزق الدقيق؛ وتشعر باقي الدول الاستعمارية مثل فرنسا وهولنده وإيطاليا، بأنها تواجه نفس الخطر؛ وترى الولايات المتحدة أسواقها القديمة في أمريكا الجنوبية تفلت من يدها لتذهب الى قبضة منافستها الأسيوية؛ وتعمل الدول الغربية جميعاً لرد هذا الغزو كل بواسائها الخاصة، وقد نراها غير بعيد تحاول رده بوسائل مشتركة إذا عجزت من مقاومته منفردة كما حاولت أيام غزو اليابان لمنشوريا وتقدم الاستعمار الياباني في الصين
وقد يكون الغزو الاقتصادي الياباني من هذه الناحية أعنى من ناحية العمل على تقويض نفوذ الدول الغربية الاقتصادي في أفريقيا وآسي وإضعاف سلطانها الاستعماري بذلك، خليقاً بعطف الأمم الشرقية وتأييدها، خصوصاً وأنه لا يبيت وراءه مطامع استعمارية، - واليابان تقف بأطماعها الاستعمارية عند الصين وسيادة الباسفيك -، وهو خليق بعطف الأمم المغلوبة بقدر ما يحدث للأمم الغربية الغالبة من صعاب ومتعب تفت في بنائها الاقتصادي وسيادتها الاستعمارية؛ ولكن العطف على جهود اليابان من هذه الناحية العامة، يجب ألا يحول بيننا وبين تقدير العوامل والآثار الاقتصادية الضارة التي تترتب عليها من الوجهة المحلية؛ وما يعنينا قبل كل شيء هو بحث هذه الآثار في اقتصادنا المصري، فقد أخذت طلائع الغزو الياباني تحدث أثرها في السوق المصرية بسرعة، وتثير من العوامل والاحتمالات ما قد يعرض مستقبلنا الاقتصادي الى أخطر النتائج إذا لم تتخذ الوسائل اللازمة لتوطيده وحمايته
ذلك ان محصول مصر الرئيسي ونعنى القطن يرتبط أشد الارتباط في انتاجه وفي تصريفه بصناعة القطن البريطانية؛ هذا ومن جهة أخرى فان في مصر الآن صناعات قطنية هامة يجب حمايتها وتشجيعها على التوسع والنمو؛ والصناعة القطنية اليابانية تتقدم بسرعة ويحدث هذا التقدم أثر السيئ في الصناعات القطنية البريطانية التي تستهلك أعظم كمية من القطن المصري؛ ومن الغريب أن اليابان مع كونها لا تنتج سوى قليل من القطن الرديء، استطاعت أن تتقدم في الصناعة القطنية حتى أصبحت في انتاجها ثالثة دول العالم بعد الولايات المتحدة وانكلترا؛ ويبلغ ما تصدره اليابان من البضائع القطنية نحو ٢٠ % من مجموع صادراتها، واليابان تستورد كميات عظيمة من القطن الرديء من الهند والولايات
стр. 6888
المتحدة ولا تستورد سوى كمية ضئيلة من القطن المصري. وقد بلغت قيمة ما استوردته في سنة ١٩٣٠ من القطن فقط ٣٦٢ مليون ين (نحو ٢٤ مليون جنيه)
ولكي يستطيع القارئ أن يقدر مدى تقدم التجارة اليابانية في مصر نضع أمامه الأرقام الآتية عن قيمها في الأعوام الأربعة الأخيرة:
سنة ١٩٣٠١٩٣١١٩٣٢١٩٣٣
ج. م ١. ٧٣٢ , ٠٧٧ ١ , ٥٣٥ , ٢٨٢ ٢. ١٥٢ , ١٤٠ ٢. ٨٧٣. ١٣١
ففي أقل من عامين زادت الصادرات اليابانية إلى مصر نحو ٤٠ %، وأصبحت التجارة اليابانية في مصر سنة ١٩٣٣ تعدل نحو ١٢ % من مجموع تجارة مصر الخارجية (وقد بلغ في هذا العام ٢٦ , ٧٦٦ , ٩٩١)
وتمثل البضائع القطنية والحريرية أكبر نسبة في الصادرات اليابانية إلى مصر؛ وقد نمت نسبة الصادرات القطنية بسرعة مدهشة في الأعوام الثلاثة الأخيرة كما يتضح من البيان الآتي:
مقدار ما ورد إلى مصر من البضائع القطنية والحريرية اليابانية مقدراً بالجنيه
سنة
١٩٣١
١٩٣٢
١٩٣٣
بضائع قطنية مختلفة
٧٦١ , ٢٣٤ ج. م
١. ١٠٤. ٦٧٣
١. ٨٣٤. ٨٧٧
بضائع حريرية مختلفة
. . . . . . . . . . .
٦٢٦. ٨٧٤
٥٠١. ٩٢٠
стр. 6889
ومن ذلك يتضح أن الصادرات القطنية اليابانية إلى مصر بلغت نحو ثلاثة أمثالها في ظرف عامين؛ ومن المحقق أن هذه النسبة قد ارتفعت في العام الحالي (الذي لم ينته بعد) وسوف ترتفع باطراد إذا استمرت الامور على حالها.
وقد كانت منتوجات لانكشير (انكلترا) القطنية حتى أعوام قلائل تحتل المكان الاول في مصر، كما ان لانكشير اكبر عميل لمصر في شراء قطنها؛ ولكن المنافسة اليابانية كانت شديدة الوطأة على الصناعة القطنية البريطانية في مصر والهند وفي معظم الاسواق الامبراطورية؛ وقد اصابت هذه المنافسة تجارة لانكشير في الهند بخسائر فادحة؛ ورفعت حكومة الهند الرسوم الجمركية على البضائع القطنية اليابانية مراراً حتى بلغت ٧٥ %، ومع ذلك فان ذلك لم يحقق للتجارة البريطانية ما كانت تتمتع به في الهند من التفوق؛ واضطرت بريطانيا أن تجري في ذلك السبيل مع اليابان مفاوضات خاصة وان تعقد معها اتفاقاً تجارياً خاصاً تحصل به على بعض المزايا خاصاً تحصل به على بعض المزايا نظير تحديد المنسوجات القطنية اليابانية الصادرة الى الهند باربعمائة مليون ياردة تحصل عنها رسوم جمركية قدرها ٥٠ % من قيمتها. أما في مصر فما زالت تجارة لانكشير في انحطاط مستمر، وقد هبطت تباعاً في الأعوام الثلاثة الاخيرة بسرعة يوضحها البيان الآتي:
مقدار ما تستورده مصر من المنسوجات والبضائع القطنية من انكلترا
سنة
١٩٣١
١٩٣٢
١٩٣٣
ج. م
١. ٧٤٢. ٠٠٠
١. ٥٦. ٤٦٦
١. ٢٣٢. ٨١١
ويتضح من ذلك ان ما استوردته مصر سنة ١٩٣٣ من البضائع اليابانية يزيد عما
стр. 6890
استوردته منها من انكلترا بنحو ستمائة ألف جنيه؛ وأن اليابان أصبحت تحتل المكان الأول في الصادرات القطنية إلى مصر بعد أن كانت انكلترا تحتله باستمرار
ومن ذلك نفهم مدى جزع لانكشير من تدهور مركزها في السوق المصري؛ وهو جزع يبدو فيم تعلق به الصحف الانكليزية على هذا الموقف، وفيما ينذر به أقطاب الصناعة البريطانية من وقوع رد الفعل على مص ذاتها حيث تضطر المصانع البريطانية أن تقلل من شراء القطن المصري إذا استمرت الحال على ذلك. وهذه هي أخطر نقطة في الموضوع بالنسبة لمصر. ذلك أن ما تستورده مصر من مصنوعات انكلترا القطنية لا يتناسب مع ما تشتريه انكلترا من القطن المصري؛ وإليك مقدار ما اشترته انكلترا من قطننا في الأعوام الاخيرة:
١٩٣١١٩٣٢١٩٣٣
ما قيمته٦. ٤٦٩. ٢٠٤ ٥. ٥٢٧. ٣٩٣ ٨. ٧٦٧. ٢٨٠ج. م
ويقابل ذلك ما تشتريه اليابان وهو:
ما قيمته١. ٢١٣. ١٦٢ ١. ٠٧٨. ٦٨١ ١. ١٦٨. ٥٢٨ ج. م
فانكلترا تشتري من قطننا في العام نحو ٤٠ % منه بينما لا تشتري اليابان اكثر من ٦ او ٧ %، ومع ذل فان اليابان تصدر إلى مصر من البضائع القطنية أكثر مما تصدره انكلترا
والنتيجة المحتومة لذلك، إذا استمر هذا الوضع الشاذ، هي ان لانكشير ستضطر غلى أن تقلل شيئاً فشيئاً من استهلاكها للقطن المصري مادامت لا تجد اسواقاً لتصريف منتوجاته؛ وعندئذ يقع الضرر المحقق على المنتج المصري
هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان في مصر صناعة قطنية ناشئة تضطلع بها شركة مصر، وتوظف فيها ملايين عديدة من الاموال المصرية؛ وقد قطعت شركة مصر لغزل القطن ونسجه خطوات كبيرة في أعوامها القلائل واصبحت اعظم منشأة صناعية في مصر؛ وهي تستهلك كل عام مقداراً كبيراً من القطن المصري وتمد السوق المحلية بكميات عظيمة من المنتوجات القطنية المتقنة الصنع المعتدلة الثمن مع ذلك. وكان ما يستهلكه سنة ١٩٣١ من القطن المصري ٢٢. ٣٠٨ قناطير فزاد في العام الثاني إلى ٥٠. ٧٧٥ قنطاراً وفي الذي يليه الى ٩٧. ١٤٣ قنطاراً، ثم زاد في العام الماضي (١٩٣٤) الى ١٥٢ ألف
стр. 6891
قنطار. وزادت منتوجاتها من الغزل والنسيج تبعاً لذلك زيادة كبيرة حتى وصلت (سنة ١٩٣٤) الى ١٣ مليون رطل من الغزل، والى ٣٥ مليون ياردة من النسيج.
وهي تسير بسرعة في سبيل التقدم وتتخذ الأهبة لمضاعفة أعمالها ومشاريعها، بحيث يتضاعف ما تستهلكه من القطن المصري عاماً بعد عام ويتضاعف ما تنتجه من الغزل والنسيج
ولكن هذا الصرح الاقتصادي العظيم يجد نفسه اليوم أمام غزو البضائع القطنية اليابانية الرخيصة للسوق المصري، وهو غزو يشتد أثره يوماً بعد يوم، وتجد هذه البضائع الرخيصة في السوق إقبالاً سريعاً تشجعه وتذكيه الازمة الاقتصادية؛ وقد بينا كيف تعمل الصناعة اليابانية في ظروف مدهشة تمكنها من هذا الغزو، والصناعة القطنية اليابانية تستعمل القطن الرديء الرخيص، الهندي او الامريكي، في حين أن شركة الغزل المصرية لا تستعمل سوى القطن المصري، لكي تعاون بذلك على استهلاكه، وتحقق الاغراض الاقتصادية القومية التي قامت من اجلها، فاذا استمر هذا الغزو الياباني دون اتخاذ ما يجب لرده، واستمر إقبال المصريين على البضائع القطنية الرخيص، عرضت الصناعة القطنية المصرية لمصاعب تحد من نموها وتقدمها، وعرضت الملايين المصرية التي توظف فيها، والايدي المصرية العاملة التي تقوم بها، الى عواقب لا تحمد ولا يرضاها اي مصري
وما نريد ان ننوه به بنوع خاص، هو أن الأمر هنا لا يتعلق بالناحية القومية والواجب القومي في تشجيع الصناعات القومية، ولكنه يتعلق باعتبارات اقتصادية خطيرة. ذلك أن هذه المنسوجات الرخيصة تستهلك لرداءتها بسرعة، في حين أن المنسوجات الجيدة التي تنتجها الصناعة المصرية من القطن المصري تمتاز بالمتانة وبطول استعمالها، فهي بذلك أجدى وأفر على المستهلك الذي يقدر مصلحته الحقيقية. هذا ومن جهة أخرى فان الصناعة المحلية تستهلك قطناً مصرياً، وتعاون المنتج المصري بذلك على تصريف اقطانه، فاذا لم يعاونها المصريون من جهة أخرى باستهلاك منتوجاتها، فانها تعجز عن المضي في تحقيق هذه المعاونة الاقتصادية الجليلة.
ولهذا كله يجب على مصر أن تقطن لما يهدد مستقبلها الاقتصادي من جراء هذا الغزو المفاجيء، وان تبحث في وسائل الحماية السريعة لصناعاتها الفتية. وعبء هذه الحماية
стр. 6892
يقع على عاتق الحكومة والامة معاً. فاما الحكومة فمن واجبها وفي مقدورها ان تلجأ الى مضاعفة الحماية الجمركية لتحمي المنتوجات المحلية من هذا السيل الداهم؛ على أن هذه الحماية وحدها لا تكفي كما أثبتت التجارب الاخيرة في مصر وغير مصر؛ وإنما يجب ان تقرن في الوقت نفسه بمعاونة الأمة وتفضيلها للمنتوجات القومية على سواها؛ وهي بهذه المعاونة لا تحقق واجباً ونياً فقط، وإنما تخدم في الوقت نفسه مصالحها الاقتصادية
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 6893
حول ١٩ يناير
للأستاذ محمد محمود جلال
اليوم تبحر من السويس إحدى الجواري المنشئات في البحر علماً على تقدم وتسخير القوى، تقل الرهط الكريم من رجال الزراعة والاقتصاد غلى بور سودان. وكنت اعد لتلك الرحلة عدتي، حتى حالت فجأة ظروف قاهرة دون ما تعلقت به الأمنية. فاليوم ندعو الله ان يقرن التوفيق بخطاهم، ونسجل لهم هذه اليد سابقين الى الاعتراف سبقهم الى خير العمل
ولعل هذه الرحلة الموفقة باذن الله اولى الخطى، ولعلها بداية حزم ترقبه البلاد من قديم، فتلها خطوات في مختلف ميادين السعي المجدي؛ ولعلها بادرة التنبه، ولعل الله جل شانه حين قدرها شهر يناير موعداً قد اراد ان يسدل على التقصير من ستره، وان يكون في المستقبل ما ينفض عن الماضي الغبار
فلقد مر (١٩ يناير) وكأن لم يلحظه احد، فلم نر لذكراه الا سطوراً نشرت بالأهرام من هيئة واحدة، هي هيئة الحزب الوطني؛ حتى لكأنه يوم يمر كسواه، وكأنه ليس ذلك اليوم الذي امسى على غصب صارخ، وتفريق مروع، وعبث من القوة بالحق عبثاً لم يرو التاريخ له مثيلاً
وبين (بور سودان) على البحر الأحمر و (بور سعيد) على البحر الأبيض صحيفة من المجد كاد يطويها الزمان لولا كفالة التاريخ، وكوامن من الذكريات والعبر من حق الجيل الجديد علينا أن نبسها وننشرها، ومن واجب الأدب المصري أن يبذل لها أثمن بضاعته وأغلى جهوده. فلم يزل الأديب منذ القدم قواماً على الواجب والفضيلة، يتحسس مواضيعها، ويخرجها في خير الثياب واصدقها غذاء للأمم في حياتها، وإيقاظاً لهمم فيما تحاول من تصحيح وتهذيب
واذا كان الشطر الأول من الاسمين أعجمياً دخيلاً، ففي الشق الثاني من كليهما شفاء ورحمة للمؤمنين
فالمرحوم (سعيد باشا) عزيز مصر أصبح في التاريخ - وبعد أن خلقت سياسة الانجليز (حادثة وادي حلفا وتفتيش الجنود) فاضطرت الخديو عباس الثاني إلى العودة الى القاهرة - آخر من زار (الوجه السوداني) من ملوك مصر
стр. 6894
وقد زخر التاريخ الحديث بفيض من خير الأنباء غن زيارته، فأينما حل ان الاستقبال حافلاً، صادراً من القلوب لا اثر فيه لرياء ولا مصانعة، وحسبك من قرة عين لمليك أن يرى أبنية شاهقة وطرقاً ممهدة وادارة مستقرة حازمة، تعاونت على تأسيسها وتمهيدها وإقرارها أباد من اقاليم الوجه البحري، وأخرى من الوجه السوداني، وثالثة من الوجه القبلي
ولعله ﵀ أراد أن يختبر ذلك البناء المعنوي المدعم، ويشهد العالمين - وفي مقدمتهم قناصل الدول - حين أشاع عزمه على إخلاء السودان من بني الوجهين البحري والقبلي، فهب أبناء الوجه السوداني في ألم وحيرة يرجون ويلحون في أن يعدل عن فكرة تنافي طبيعة الوجود. فآمن بأساس ملكه وحصل على ما أراد من التجربة
وإني لأذكر في ألم ومرارة كيف أصبح مجلس النواب بالقاهرة خلواً من أبناء السودان وقد كانوا زينة المجالس الأولى؛ فقد كان الوجه السوداني ممثلاً بعدد يوازي نواب الوجه القبلي
وفي عام ١٩١١ أبان المرحوم (أبانا باشا) رئيس الجمعية الجغرافية في بحث له بالمؤتمر المصر أن مقارنة العظام التي عثر عليها في المقابر تثبت أن الذين يقطنون وادي النيل من عنصر واحد
ثم انظر بعد ذل تلق الوحدة في اللغة وتلقها في الدين وتجدها في العرف كما تجدها في العادات
ولكنك حين نبحث في القاهرة وهي قلب البلاد تأخذ قلبك حسرة لاذعة. فلست تجد فيها بين مظاهرها المختلفة مظهراً واحداً يدل على تل الوحدة الطبيعية ويشير إلى هذه الروابط الوثيقة
بين ظهرانينا نخبة من الشعراء، سجلوا كثيراً من الحوادث ذات البال، حتى امتد فضلهم إلى شؤون تبعد عن مصر، وقد خلت دواوينهم من ذكر السودان وشؤونه، بل لم تنوه قصيدة بتلك التجربة التي قام بها المرحوم سعيد باشا، وفي عرفي انها وحيدة في التاريخ الحديث
أعرف أن المنظر والمعاشرة أكثر العوامل إيحاء. ولكن التاريخ ما يزال للكثير من الكتاب والشعراء مصدر وحي من أغزر المصادر بتناول الفريقان من كأسه دهاقاً من روعة
стр. 6895
وفيضاً من غذاء
بل إن الروعة المعنوية لحادث كبير او تصرف حصيف، او خلق كريم، لتكون في كثير من الاحيان اوفر مادة واكرم اثارة من مظهر مادي
وإذا كانت الجزيرة ببساتينها وقصورها، والروضة بحافل تاريخها، والأزهر الشريف بماضيه، تأخذ باللب وتلهم القائل، ففي جزيرة السودان، وفي غاباته، وفي منابع النيل السعيد الكريم، وفي مجاري مياهه الأولى وروافده سمة للفكر والقول، وأي سعة؟
لقيت في إحدى سفراتي ضابطاً شهماً اقام بالسودان، اخذ يحدثني عن رحلات قام بها في ربوعه، والضابط اقرب الناس إلى اختصار القول وأبعدهم عن زخرفه؛ ومع ما بيني وبين ما يصف من شقة بعيدة، فقد ظلت طوال الرفقة أخيذ القلب بالصور الرائعة يعرضها واحدة تلو اخر حتى دونت منها كثيراً، وحتى تمنيت لو كنت شاعراً فأصوغها نظمياً أقوم به ببعض الواجب نحو بلادي
وكم يكون من خالص التوفيق أن تدعو (الرسالة) إلى رحلة فريق من الأدباء في العام القادم، يصلون ما انقطع في عالم الأدب
ثم انظر بعد لك الى المسارح!! فلن تجد رواية حدثت وقائعها بالسودان. بل إنك واجدها حافلة بالمناظر الأوربية، وبكثير من مناظر القاهرة وبعض القرى، دون أن يحظى بصرك بمنظر واحد يمثل لك الخرطوم قائمة شاهقة على الأيدي الثلاث، ولا منابع النيل إليك حقيقة الأواصر في الوحدة المباركة، ولا بمثال الشجاعة وكرم الخلق الذي تسير على نوره الركبان
إنا حين نقول في أدبنا القومي عن اهل الوجه البحري، إنهم أولو ذوق سليم، وعن الوجه القبلي إنه موطن الكرامة والكرم وجب أن نقول عن أهل السودان إنهم أهل الوفاء والشجاعة
كان الأمير (علي بن دينار) ممتعاً بكثير من مظاهر الحكم، وليس أغنى من الانجليز ولا أسخى منهم يداً وقت الحرب، وهم المسيطرون حواليه، ولكن ذلك لم يكن مغرياً له، فهو لم يفتأ يذكر أنهم نكبة وادي النيل وهو منه، فما ثار إلا عليهم وفاءً لحق النيل وواديه، وظناً منه بسنوح الفرصة
стр. 6896
وفي السودان علماء، وذكاء أهله غير منكور، ولا نعرف في العاصمة عنهم إلا قليلاً، حين تذكر الصحف قدوم بعضهم للاستشفاء أو لتبديل الهواء، ومن واجبنا أن نبحث عن مؤلفاتهم وأن نتناولها بتعليق يجعل من الأمتين في العالم الأدبي كتاباً واحداً؛ ولاشك أن في السودان شعراء، فما زلنا نحس باقوال (سر الختم) و (علي عبد اللطيف) في محاكمتهم سنة ٢٤، روح الشاعرية ممزوجة بالوفاء والشهامة. ومن واجب صحفنا وجماعاتنا الأدبية أن تبحث بما أوتيت من وسائل الصحافة عن تلك الكنوز
ليقم الأدب وجماعاته وصحفه بهذا الواجب، وليس العيب أن يكشف الزمان عن نقص ولا أن نعترف بالنقص، ولكن العيب أن نقعد عن تلافيه
ولنقل من اليوم: الوجه البحري، والوجه القبلي، والوجه السوداني. وليس عند اله جهد ضائع، ولكن في الدنيا كسل مضيع
محمد محمود جلال
стр. 6897
النزعة العملية في الأدبين العربي والانجليزي
للأستاذ فخري ابو السعود
من الطريف والمفيد معاً ألا نزال نوازن بين الأدب لاختلاف ظروفهما يختلفان كثيراً وقلما يتفقان؛ والموازنة بين وجوه اختلافهما العديدة - ووجوه اتفاقهما إن كانت - تلقي ضوءاً على مختلف الظواهر في كليهما، وتبرز شتى الأسباب والمسببات في تاريخهما، وقد قيل: وبضدها تتميز الأشياء
وأعني بالنزعة العملية في الأدبين اتصالهما بالحياة اليومية والاجتماعية والسياسية والوطنية ومساهمة أقطابهما في تلك الشؤون، والأدبان هنا أيضاً على طرفي نقيض: فالنزعة العملية تسود الأدب الانجليزي من أقدم أيامه، وهي باطراد عصراً بعد عصر، بينما هي تكاد تنعدم في الأدب العربي؛ وما كان منها في صدر تاريخه قد تضاءل بكر العصور
فالانجليز بطبيعتهم العملية لم يترددوا في زج الأدب في غمار الحياة الملية والاستعانة به في شؤونها، وأدباؤهم لم يحجموا عن الاخذ بحظهم من أشغال الدنيا ومخاطراتها، أما العرب فعلى عظيم منزلة الأدب لديهم وشدة احتفائهم به، كان أدبهم دائماً بواد والحياة العملية بواد؛ وكان فناً نظرياً محصناً من توفر عليه انقطع عن غيره وعاش في عالم من الحفظ والرواية والتاريخ والتصنيف
فكان من أدباء الانجليز من ضربوا بسهم الفن والعلم والدين والحرب والشف الجغرافي وكبار وظائف الدولة، وهم مع ذلك مؤلفاتهم الشعرية والنثرية المعبرة عن خوالجهم النفسية ونظراتهم في شؤون الحياة مستقلة تمام الاستقلال عن وظائفهم في الحياة العملية او متأثرة بها، ومن أولئك سبنسر وبيكون ورالي وبنيان وسدني سميث ودزرائيلي
ومنهم من شاركوا في التقلبات السياسية فكانوا دائماً في صف الحرية وفي جانب الشعب، ولم يستظل منهم إلا القليل بلواء الملكية ابتغاء السلامة والغنيمة. وممن ضربوا بسهم في هذا الباب توماس مو مؤلف (اليوتوبيا) الذي قطعت اليزابث يده لدفاعه عن حرية الشعب الدينية؛ ويقال إنه بعد قطع يده رفعها هاتفاً بحياة الملكة لأنه كان يحب ملكته الباسلة، ولكنه كان أكثر حباً للحرية والشعب. ومنهم ملتون الذي أيد الجمهورية في ظل كرومويل وعمى
стр. 6898
بصره في الدفاع عنها أمام أنصار الملكية
ومنهم من اضطلعوا بعبء الاصلاح الاجتماعي الاخلاقي عقب الفساد الذي تركته الملكية العائدة من فرنسا بعد موت كرومويل، وإديسون، وستيل بطلا هذا الإصلاح الناجع الفريد في بابه.
ومنهم من كرس أعماله لإصلاح حال العمال عقب التطور الصناعي وزعيمهم دكنز، او لإصلاح القانون الجنائي ومعاملة المسجونين تمشياً مع عصر النور والحرية، ومن اولئك جالزورذي. ومن الأدباء الفكتوريين من صرف همه الى ترفيه الجمهور والذوق العام بالمحاضرة عن الفن والأدب، وكبير هؤلاء رسكن. وزادت هذه النزعة الاجتماعية الاصلاحية بتشعب نواحي الحياة حتى طمت في عصرنا الحاضر
بل كان من أولئك الفكتوريين جماعة خاضوا ميدان الصناعة والتجارة، فانشأوا شركة لصنع الأثاث، وكانوا يرسمون تطريز الأثاث بأنفسهم، إذ ساءتهم الطرازات الشائعة في عهدهم؛ وأنشأ أحدهم وهو الشاعر المصور وليم موريس مطبعة ومعملاً للحبر لكي يطبع كتبه على النمط الذي يختاره وبالحبر الذي يفضله
بل كان من أدباء الانجليز من عاف الاجتماع الانساني قاطبة ونقم على أنظمة الملكية والكنيسة، وحاول إنشاء مجتمع جديد تسود فيه البساطة والمساواة والأخاء، ومن هؤلاء الشعراء شعراء عهد الثورة الفرنسية؛ فالكتاب الفرنسيون الذين مهدوا لتلك الثورة أمثال روسو وفولتير اكتفوا بالعمل النظري وتركوا لتنفيذ لغيرهم، أما معاصروهم ومن جاء بعدهم من الأدباء الانجليز فحاول كثيرون منهم تنفيذ العمل بأنفسهم. وقد انتقل شيلي إلى إيرلندة ثم إلى أوربا لإنشاء مدينته الفاضلة، وإن يكن قد منى بالفشل في الحالتين؛ وعاضد وردزورث الثورة الفرنسية بقوة لمناداتها بمبادئها المعروفة حتى نقم على دولته إعلانها الحرب على فرنسا الثائرة، وكاد ينتظم في أحد أحزاب الثورة، ويركب تيارها الخطر
أولئك بعض رجال العمل من أعلام الأدب الانجليزي المساهمين في الحياة الاجتماعية بفكرهم ومجهودهم، وما نخالنا واجدين مماثليهم بين أعلام أدبنا: فقد كان من يتوفر على الأدب من أبناء العربية ينصرف كما تقدم عما عدا الأدب، ويقصر أدبه على التعبير عن خوالجه الفردية وذكر مآربه وحبه وشرابه وغضبه ورضاه ونعيمه وشقائه، ويكاد لتوفره
стр. 6899
على الأدب لا يجد قوت يومه إن لم يكن له مورد سهل، ويضطر إلى التقرب إلى مَوْليَ يمتدحه ويفوز بأعطيته؛ وقد كان هذا من دواعي استطالة هذه الظاهرة في الأدب العربي: ظاهرة المدح التي سرعان ما تلاشت من الأدب الإنجليزي
والقليلون من أعلام الأدب العربي الذين شاركوا في الحياة العملية إنما صنعوا ذلك جرياً وراء مطامعهم الشخصية لا دفاعاً عن مصالح أقوامهم؛ ولذا كان أقصى همهم أن يستوزروا للحكام، ولم يدر بخلدهم مناقشة سياسة أولئك الحكام، وإنما ظلوا أبواقاً لهم وكتبه مجيدين؛ ومن ثم كان ما يتصل بالسياسة من ذخائر الأدب العربي هو الرسالة الديوانية التي دبجها أولئك المنشئون على لسان أمرائهم
والمجيدون من أعلام الأدب العربي الذين ساهموا في حياة العمل بمناهضة السلطة القائمة كقطري بن الفجاءة مثلاً قلائل، وكان جلهم في صدر الاسلام، ومن لم يفعل ذلك منهم طلباً لغاية شخصية فعلة لعقيدته الدينية حين كانت العقائد الدينية مضطرمة في الصدور
لقد كان الشعر والخطابة في الجاهلية أداتين من أدوات الحياة العملية والسياسية في ذلك المجتمع البدوي، فلما جاء الاسلام كان في أصوله شورياً يخول الرعية مشاورة راعيها، ولكن دولته قامت على بقايا الملكيات المستبدة القديمة، فقامت الخلافة العربية على غرار تلك الملكيات التي تجمع الأمر كله بيدها، ولم يعد الخليفة يشاور إذا هو شاور رعياً لحق عليه بل التماساً للرأي إن أعوزه، ولا هو كان ملزماً باتباع مشورة غيره؛ وصار من المسلم به أن الحكم لأمير لا دخل للرعية فيه. ويدهى أن الأدب الذي ينمو في مثل هذه الظروف يظل مكفوفاً عن شؤون السياسة كما كانت بقية الرعية مكفوفة، فهذا سبب انعزال الأدب العربي عن السياسة
فالأدباء ممثلو أممهم: ففي انجلترا حيث كان الدستور والحياة النيابية هما العقيدة التي يدين بهال الشعب شارك الأدباء كما شارك غيرهم من أفراد الشعب في الحياة السياسية وتوطيد أركان الحرية، وفي الأقطار العربية حيث كانت الملكية المطلقة هي القاعدة أحجم الأدباء عن غمار السياسة كما كان بقية الشعب محجماً
ولقد خفق من وطأة الحكومة المطلقة على الأدب أن أكثر الخلفاء والأمراء كانوا أدباء او عشاقاً للأدب، وانوا جميعاً يقربون رجال الأدب ويغدقون عليهم؛ على أن هذه الحالة كانت
стр. 6900
لها مساوئها بجانب مزاياها: إذ زخر أدبنا دون غيره من الآداب العالية بأشعار المديح والتهنئة والاستجداء، وشتان بين أدب ينمو في ظلال الحرية والاستقلال، وآخر بين قيود الرعاية والحماية والمنحة
كان الدستور محور السياسة في انجلترا، وكان الدين محورها في الأقطار العربية، فعليه انقسمت الأمة أحزاباً في أول الأمر، ومنه انبعثت الفتن والثورات وقامت الأسر الحاكمة وتقسمت الإمبراطورية العربية دولاً ودويلات، وبحافز منه جاهد المسلمون الروم ثم الفرنجة. كان الدين في كل هذه الأطوار مبعث النشاط السياسي وزناد الروح الوطنية والقومية، ولا ترى الشعر العربي يحفل بالحماسة وروح القومية إلا في عصور الجهاد تلك
فالحياة الديمقراطية في انجلترا كانت العامل الأول في اتسام الأدب الانجليزي بالنزعة العملية ومساهمته في الحركات السياسية والاجتماعية، واختراع الطباعة كان عاملاً آخر ساعد اتصال الأدباء بلحياة الاجتماعية واعتمادهم على جمهور القراء بدل الاعتماد على منح الأمراء، ونتج من توثق هذا الاتصال نشوء الصحف الدورية فكانت عاملاً جديداً في هذا الميدان أعقبه تعميم التعليم
فعاملا امتلاء الأدب الانجليزي بالنزعة العملية هما الحياة الديمقراطية أولاً وانتشار المطبوعات ثانياً، وقد كان كلا العاملين يعوزان الأدب العربي، ومن ثم يزخر الأدب الانجليزي بالشؤون الاجتماعية والسياسية والوطنية بينما يقتصر الأدب العربي على وصف المشاعر الانسانية العامة وتصوير حالات النفس وأطوار الفرد
فخري أبو السعود
следующие страницы →