Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.
стр. 6896
وفي السودان علماء، وذكاء أهله غير منكور، ولا نعرف في العاصمة عنهم إلا قليلاً، حين تذكر الصحف قدوم بعضهم للاستشفاء أو لتبديل الهواء، ومن واجبنا أن نبحث عن مؤلفاتهم وأن نتناولها بتعليق يجعل من الأمتين في العالم الأدبي كتاباً واحداً؛ ولاشك أن في السودان شعراء، فما زلنا نحس باقوال (سر الختم) و (علي عبد اللطيف) في محاكمتهم سنة ٢٤، روح الشاعرية ممزوجة بالوفاء والشهامة. ومن واجب صحفنا وجماعاتنا الأدبية أن تبحث بما أوتيت من وسائل الصحافة عن تلك الكنوز
ليقم الأدب وجماعاته وصحفه بهذا الواجب، وليس العيب أن يكشف الزمان عن نقص ولا أن نعترف بالنقص، ولكن العيب أن نقعد عن تلافيه
ولنقل من اليوم: الوجه البحري، والوجه القبلي، والوجه السوداني. وليس عند اله جهد ضائع، ولكن في الدنيا كسل مضيع
محمد محمود جلال
стр. 6897
النزعة العملية في الأدبين العربي والانجليزي
للأستاذ فخري ابو السعود
من الطريف والمفيد معاً ألا نزال نوازن بين الأدب لاختلاف ظروفهما يختلفان كثيراً وقلما يتفقان؛ والموازنة بين وجوه اختلافهما العديدة - ووجوه اتفاقهما إن كانت - تلقي ضوءاً على مختلف الظواهر في كليهما، وتبرز شتى الأسباب والمسببات في تاريخهما، وقد قيل: وبضدها تتميز الأشياء
وأعني بالنزعة العملية في الأدبين اتصالهما بالحياة اليومية والاجتماعية والسياسية والوطنية ومساهمة أقطابهما في تلك الشؤون، والأدبان هنا أيضاً على طرفي نقيض: فالنزعة العملية تسود الأدب الانجليزي من أقدم أيامه، وهي باطراد عصراً بعد عصر، بينما هي تكاد تنعدم في الأدب العربي؛ وما كان منها في صدر تاريخه قد تضاءل بكر العصور
فالانجليز بطبيعتهم العملية لم يترددوا في زج الأدب في غمار الحياة الملية والاستعانة به في شؤونها، وأدباؤهم لم يحجموا عن الاخذ بحظهم من أشغال الدنيا ومخاطراتها، أما العرب فعلى عظيم منزلة الأدب لديهم وشدة احتفائهم به، كان أدبهم دائماً بواد والحياة العملية بواد؛ وكان فناً نظرياً محصناً من توفر عليه انقطع عن غيره وعاش في عالم من الحفظ والرواية والتاريخ والتصنيف
فكان من أدباء الانجليز من ضربوا بسهم الفن والعلم والدين والحرب والشف الجغرافي وكبار وظائف الدولة، وهم مع ذلك مؤلفاتهم الشعرية والنثرية المعبرة عن خوالجهم النفسية ونظراتهم في شؤون الحياة مستقلة تمام الاستقلال عن وظائفهم في الحياة العملية او متأثرة بها، ومن أولئك سبنسر وبيكون ورالي وبنيان وسدني سميث ودزرائيلي
ومنهم من شاركوا في التقلبات السياسية فكانوا دائماً في صف الحرية وفي جانب الشعب، ولم يستظل منهم إلا القليل بلواء الملكية ابتغاء السلامة والغنيمة. وممن ضربوا بسهم في هذا الباب توماس مو مؤلف (اليوتوبيا) الذي قطعت اليزابث يده لدفاعه عن حرية الشعب الدينية؛ ويقال إنه بعد قطع يده رفعها هاتفاً بحياة الملكة لأنه كان يحب ملكته الباسلة، ولكنه كان أكثر حباً للحرية والشعب. ومنهم ملتون الذي أيد الجمهورية في ظل كرومويل وعمى
стр. 6898
بصره في الدفاع عنها أمام أنصار الملكية
ومنهم من اضطلعوا بعبء الاصلاح الاجتماعي الاخلاقي عقب الفساد الذي تركته الملكية العائدة من فرنسا بعد موت كرومويل، وإديسون، وستيل بطلا هذا الإصلاح الناجع الفريد في بابه.
ومنهم من كرس أعماله لإصلاح حال العمال عقب التطور الصناعي وزعيمهم دكنز، او لإصلاح القانون الجنائي ومعاملة المسجونين تمشياً مع عصر النور والحرية، ومن اولئك جالزورذي. ومن الأدباء الفكتوريين من صرف همه الى ترفيه الجمهور والذوق العام بالمحاضرة عن الفن والأدب، وكبير هؤلاء رسكن. وزادت هذه النزعة الاجتماعية الاصلاحية بتشعب نواحي الحياة حتى طمت في عصرنا الحاضر
بل كان من أولئك الفكتوريين جماعة خاضوا ميدان الصناعة والتجارة، فانشأوا شركة لصنع الأثاث، وكانوا يرسمون تطريز الأثاث بأنفسهم، إذ ساءتهم الطرازات الشائعة في عهدهم؛ وأنشأ أحدهم وهو الشاعر المصور وليم موريس مطبعة ومعملاً للحبر لكي يطبع كتبه على النمط الذي يختاره وبالحبر الذي يفضله
بل كان من أدباء الانجليز من عاف الاجتماع الانساني قاطبة ونقم على أنظمة الملكية والكنيسة، وحاول إنشاء مجتمع جديد تسود فيه البساطة والمساواة والأخاء، ومن هؤلاء الشعراء شعراء عهد الثورة الفرنسية؛ فالكتاب الفرنسيون الذين مهدوا لتلك الثورة أمثال روسو وفولتير اكتفوا بالعمل النظري وتركوا لتنفيذ لغيرهم، أما معاصروهم ومن جاء بعدهم من الأدباء الانجليز فحاول كثيرون منهم تنفيذ العمل بأنفسهم. وقد انتقل شيلي إلى إيرلندة ثم إلى أوربا لإنشاء مدينته الفاضلة، وإن يكن قد منى بالفشل في الحالتين؛ وعاضد وردزورث الثورة الفرنسية بقوة لمناداتها بمبادئها المعروفة حتى نقم على دولته إعلانها الحرب على فرنسا الثائرة، وكاد ينتظم في أحد أحزاب الثورة، ويركب تيارها الخطر
أولئك بعض رجال العمل من أعلام الأدب الانجليزي المساهمين في الحياة الاجتماعية بفكرهم ومجهودهم، وما نخالنا واجدين مماثليهم بين أعلام أدبنا: فقد كان من يتوفر على الأدب من أبناء العربية ينصرف كما تقدم عما عدا الأدب، ويقصر أدبه على التعبير عن خوالجه الفردية وذكر مآربه وحبه وشرابه وغضبه ورضاه ونعيمه وشقائه، ويكاد لتوفره
стр. 6899
على الأدب لا يجد قوت يومه إن لم يكن له مورد سهل، ويضطر إلى التقرب إلى مَوْليَ يمتدحه ويفوز بأعطيته؛ وقد كان هذا من دواعي استطالة هذه الظاهرة في الأدب العربي: ظاهرة المدح التي سرعان ما تلاشت من الأدب الإنجليزي
والقليلون من أعلام الأدب العربي الذين شاركوا في الحياة العملية إنما صنعوا ذلك جرياً وراء مطامعهم الشخصية لا دفاعاً عن مصالح أقوامهم؛ ولذا كان أقصى همهم أن يستوزروا للحكام، ولم يدر بخلدهم مناقشة سياسة أولئك الحكام، وإنما ظلوا أبواقاً لهم وكتبه مجيدين؛ ومن ثم كان ما يتصل بالسياسة من ذخائر الأدب العربي هو الرسالة الديوانية التي دبجها أولئك المنشئون على لسان أمرائهم
والمجيدون من أعلام الأدب العربي الذين ساهموا في حياة العمل بمناهضة السلطة القائمة كقطري بن الفجاءة مثلاً قلائل، وكان جلهم في صدر الاسلام، ومن لم يفعل ذلك منهم طلباً لغاية شخصية فعلة لعقيدته الدينية حين كانت العقائد الدينية مضطرمة في الصدور
لقد كان الشعر والخطابة في الجاهلية أداتين من أدوات الحياة العملية والسياسية في ذلك المجتمع البدوي، فلما جاء الاسلام كان في أصوله شورياً يخول الرعية مشاورة راعيها، ولكن دولته قامت على بقايا الملكيات المستبدة القديمة، فقامت الخلافة العربية على غرار تلك الملكيات التي تجمع الأمر كله بيدها، ولم يعد الخليفة يشاور إذا هو شاور رعياً لحق عليه بل التماساً للرأي إن أعوزه، ولا هو كان ملزماً باتباع مشورة غيره؛ وصار من المسلم به أن الحكم لأمير لا دخل للرعية فيه. ويدهى أن الأدب الذي ينمو في مثل هذه الظروف يظل مكفوفاً عن شؤون السياسة كما كانت بقية الرعية مكفوفة، فهذا سبب انعزال الأدب العربي عن السياسة
فالأدباء ممثلو أممهم: ففي انجلترا حيث كان الدستور والحياة النيابية هما العقيدة التي يدين بهال الشعب شارك الأدباء كما شارك غيرهم من أفراد الشعب في الحياة السياسية وتوطيد أركان الحرية، وفي الأقطار العربية حيث كانت الملكية المطلقة هي القاعدة أحجم الأدباء عن غمار السياسة كما كان بقية الشعب محجماً
ولقد خفق من وطأة الحكومة المطلقة على الأدب أن أكثر الخلفاء والأمراء كانوا أدباء او عشاقاً للأدب، وانوا جميعاً يقربون رجال الأدب ويغدقون عليهم؛ على أن هذه الحالة كانت
стр. 6900
لها مساوئها بجانب مزاياها: إذ زخر أدبنا دون غيره من الآداب العالية بأشعار المديح والتهنئة والاستجداء، وشتان بين أدب ينمو في ظلال الحرية والاستقلال، وآخر بين قيود الرعاية والحماية والمنحة
كان الدستور محور السياسة في انجلترا، وكان الدين محورها في الأقطار العربية، فعليه انقسمت الأمة أحزاباً في أول الأمر، ومنه انبعثت الفتن والثورات وقامت الأسر الحاكمة وتقسمت الإمبراطورية العربية دولاً ودويلات، وبحافز منه جاهد المسلمون الروم ثم الفرنجة. كان الدين في كل هذه الأطوار مبعث النشاط السياسي وزناد الروح الوطنية والقومية، ولا ترى الشعر العربي يحفل بالحماسة وروح القومية إلا في عصور الجهاد تلك
فالحياة الديمقراطية في انجلترا كانت العامل الأول في اتسام الأدب الانجليزي بالنزعة العملية ومساهمته في الحركات السياسية والاجتماعية، واختراع الطباعة كان عاملاً آخر ساعد اتصال الأدباء بلحياة الاجتماعية واعتمادهم على جمهور القراء بدل الاعتماد على منح الأمراء، ونتج من توثق هذا الاتصال نشوء الصحف الدورية فكانت عاملاً جديداً في هذا الميدان أعقبه تعميم التعليم
فعاملا امتلاء الأدب الانجليزي بالنزعة العملية هما الحياة الديمقراطية أولاً وانتشار المطبوعات ثانياً، وقد كان كلا العاملين يعوزان الأدب العربي، ومن ثم يزخر الأدب الانجليزي بالشؤون الاجتماعية والسياسية والوطنية بينما يقتصر الأدب العربي على وصف المشاعر الانسانية العامة وتصوير حالات النفس وأطوار الفرد
فخري أبو السعود
стр. 6901
١١ - محاولات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
- وفي هذا يزدري الفيلسوف البدن، فتفر منه روحه وتود أن تنعزل بنفسها
- هذا صحيح
- حسناً، ولكن بقي شيء آخر يا سمياس، أثمت عدل مطلق أم ليس له وجود؟
- لا ريب في أنه موجود
- وجمال مطلق وخير مطلق؟
- بالطبع
- ولكن هل حدث لك أن رأيت واحداً منها بعينيك؟
- يقيناً لم أره
- ألم تدركها قط بأية حاسة جثمانية أخرى؟ (ولست أتحدث عن هذه وحدها، بل كذلك عن العظمة المطلقة وعن الصحة وعن القوة وعن كُنْه كل شيء، أي حقيقة طبيعته) ألم يأتك علمها قط خلال أعضاء الجسد؟ أليس الذي يريد عقله على أن يتصور كنه الشيء الذي هو بصدد بحثه أضبط تصورٌ، إنما يسلك أخصرَ السبل التي تؤدي الى معرفة طبائعها الكثيرة؟
- يقيناً
- أما من يظفر بمعرفتها أسمى ما تكون نقاء، فهو ذلك الذي يسعى اليها واحدة واحدة، فيتناولها بالعقل وحده، دون أن يأذن للبصر او لغيره من الحواس الأخرى بالتطفل او التدخل في مشاركة العقل وهو منصرف الى التفكير، بل ينفذ بأشعة العقل ذاته، بكل صفاتها، الى ضوء ما فيها من حقائق، بعد أن يكون قد تخلص من عينيه وأذنيه، بل ومن كل جسده، الذي لا يرى فيه إلا عنصر تهويش، يعوق الروح عن إدراك المعرفة ما دام متصلاً بها - ليس أرجح الظن أن يظفر مثل هذا الرجل بمعرفة الوجود، إن كانت معرفته في مقدور البشر على الإطلاق؟
стр. 6902
فأجاب سمياس - إن في ذلك يا سقراط لحقاً رائعاً
- أو ليس لزاماً على الفلاسفة الحق إذا هم اعتبروا ذلك كله أن يغوصوا في أفكارهم، فاذا ما التقوا تحدث بعضهم الى بعض عن تفكيرهم بمثل هذه العبارة: إنا اهتدينا الى سبيل من التأمل قمينة ان تنتهي بنا وبالجدل الى هذه النتيجة: وهي أنه مادمنا في أجسادنا وما دامت الروح ممتزجة بهذه الكتلة من الشر، فلن تبلغ شهوتنا حد الرضى، إنها لشهوة الحقيقة، ذلك لأن الجسد مصدرٌ لعناء متصل، علته هذه الحاجة الى الطعام، وهو كذلك عرضة للمرض الذي ينتابنا فيحول بيننا وبين البحث عن الحقيقة، وهو كما يقول الناس، أبداً لا يدع لنا السبيل الى تحصيل فكرة واحدة، لما يملأنا به من صنوف الحب والشهوات والمخاوف والأوهام والأهواء، وكل ضرب من ضروب الجهالة، وإلا فمن أين تأتي الحروب والمعارك والأحزاب إن لم تكن آتية من الجسد وشهوات الجسد؟ فالحروب يثيرها حب المال، والمال إنما يُجمع من أجل الجسد وخدمته، ومن جراء هذا كله يضيع الوقت الذي كان ينبغي أ، ينفق في الفلسفة، هذا ولو تهيأ للفلسفة الميل والفراغ لنفث الجسد في مجرى التأمل الشغب والاضطراب والخوف ليحول بيننا وبين رؤية الحقيقة، وقد دلت التجارب جميعاً على أنه لو كان لنا أن نظفر عن شيء ما بمعرفة خالصة لوجب أن نتخلص من الجسد، ولزم على الروح أن تشهد بجوهرها جواهر الاشياء جميعاً؛ ولست أحسبنا إلا ظافرين بما نبتغي، وهو ما نزعم أننا محبوه، وأعني به الحكمة، لا اثناء حياتنا بل بعد الموت كما تبين من الحديث. فان كانت الروح عاجزة عن تحصيل المعرفة وهي في رفقة الجسد، فالنتيجة كما يظهر أحد أمرين: إما أن تكون المعرفة ليست على الاطلاق حقيقة بالتحصيل، وإما أن تحصيلها يكون بعد الموت إن كانت جديرة به؛ فعندئذ، وعندئذ فقط، تنعزل الروح في نفسها مستقلة عن الجسد، وأحسب أننا في هذه الحياة الحاضرة نسلك أخصر السبل إلى المعرفة، لو كنا نبذل نحو الجسد أقل ما يمكن بذله من عناية وشغف، فلا نصطبغ بصيغة الجسد، بل نظل أصفياء إلى الساعة التي يشاء فيها الله نفسه ان يحل وثاقنا، فاذا ما ظهرنا من ادروان الجسد، وكنا اتقياء، وتجاذبنا مع سائر الأرواح النقية أطراف الحدث، تعرفنا أنفسنا في الأشعة الصافية التي تضيء في كل مكان، فلا ريب أن ذلك هو ضوء الحقيقة، فلن يُؤذن لشيء دنس أن يدنو مما هو طاهر، إنه لن يسع محبي
стр. 6903
الفلسفة الحقيقية، يا سمياس، إلا أن يفكروا في هذه الالفاظ وأشباهها، وأن يقولها بعض لبعض، أفأنت موافقي على ذلك؟
- يقناً يا سقراط
- ولكن أن صح هذا يا صديقي، فما أعظم الأمل إذن في أنني إذا ما بلغت غاية رحلتي، فلن يقلقني هذا الهم الشاغل الذي صادفني وإياكم في حياتنا الأولى؛ أما وقد تحددت ساعة رحيلي، فذلك ما أرْحلُ به من رجاء، ولست في ذلك فريداً، بل هكذا كل رجل يعتقد أن عقله قد تطهر
فأجاب سمياس - يقينا
- وماذا يكون التطهير غير انفصال الروح عن الجسد كما سبق لي القول، واعتياد الروح أن تجمع نفسها وتحصرها في نفسها بعدياً عن مطارح الجسد جميعاً، وانعزالها في مكانها الخاص، في هذه الحياة كما في الحياة الأخرى، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وفكاكها من أغلال البدن؟
فقال - هذا جد صحيح
- وماذا يكون ذلك الذي يُدعى الموت سوى هذا الانفصال نفسه، وتحل الروح من الجسد؟
فقال - لا شك في ذلك
والفلاسفة الحق وحدهم دون غيرهم يبحثون في انطلاق الروح ويتمنون ان يكون. اليس انفصال الروح وفكاكها من الجسد هو موضوع بحثهم الخاص؟
- هذا صحيح
- إنه لتناقض مضحك كما قلت في بادئ الأمر، أن ترى أناساً يحاولون بالدراسة أن تكون حياتهم قريبة من حالة الموت ما استطاعوا، فاذا ما ادركهم الموت أشفقوا منه
- يقيناً
- إذن يا سمياس. فما دام الفلاسفة الحق لا ينفكون يبحثون في الموت، فالموت عندهم، دون الناس جميعاً، أهون الخطوب. أنظر الى الأمر على هذا النحو: كم يبلغ منهم التناقض أن يناصبوا الجسد عداوة متصلة، وأن يتمنوا لو خلصت لهم الروح وحدها، فاذا ما أجيبوا الى ذلك، كن منهم السخط والجزع، في مكان اغتباطهم بالرحيل الى ذلك المكان، حيث
стр. 6904
يؤملون إذا ما بلغوه أن يظفروا بما قد أحبوا في الحياة (ألا وهي الحكمة)، وأن يتخلصوا في الوقت نفسه من مرافقة عدوهم. وكأين من رجل تمنى أن يذهب الى العالم الأسفل، آملاً أن يصادف هناك معشوقة دنيوية، او زوجاً، أو ولداً، ليتحدث إليهم. أبعد ذلك يشفق من الموت مضنْ هو للحكمة محب صحيح، ويعتقد كذلك أن لن تتاح له بحق إلا في العالم الاسفل؟ أليس يقابل لرحيل بالبشر؟
إنه يا صديقي لابد فاعل إن كان فيلسوفاً حقاً، لأنه سيوقن يقيناً ثابتاً أنه لا يستطيع أن يلتمس الحكمة في نقائها إلا هناك فقط، دون أي مكان آخر. وإن صح هذا، فأبلغ به من أحمق - كما سبق لي القول - إن كان يَفْرَقُ من الموت
فأجاب سمياس - لا ريب في أنه فاعل
وأنت إذا رأيت رجلاً يجزع من اقتراب الموت، كان جزعه دليلاً قاطعاً على أنه ليس محباً للحكمة، ولكنه محب للجسد، وربما كان في الوقت نفسه محباً للمال، أو القوة، أو كليهما
فأجاب - هذا جد صحيح
- إن ثمت يا سمياس لفضيلة تدعى الشجاعة. أليست هذه صفة خاصة بالفلسفة؟
- بقينا
- وكذلك الاعتدال. أليس الهدوء، وضبط النفس، وازدراء العواطف، التي يسميها الدهماء أنفيهم بالاعتدال، صفة مقصورة على أولئك الذين يحتقرون الجسد ويعيشون في الفلسفة؟
- ليس في ذلك خلاف
- وأنت إذا نظرت إلى الاعتدال والشجاعة عند سائر الناس، ألفيت بينهما، في حقيقة الأمر، تناقضاً
- وكيف ذلك يا سقراط؟
فقال - إنك عليم بأن الناس بصفة عامة ينظرون عامة إلى الموت شراً وبيلاً
فقال - هذا صحيح
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 6905
٩ - بين القاهرة وطوس من طوس إلى طهران
للدكتور عبد الوهاب عزام
برحنا المشهد عائدين إلى طهران والساعة عشر إلا ربعا من صباح يوم الاثنين سادس رجب (١٥ أكتوبر) فمررنا بقرية اسمها قدمكاه (موضع القدم) وقد ذكرتها في سيرنا من نيسابور إلى مشهد وأرجأت الكلام عنها إلى الاياب إذ لم نعرج عليها في الذهاب. وقفت السيارة فنزلنا وملنا ذات اليسار فدخلنا ساحة بين جدارين فيها طاقات لا ابواب لها بناها بعض السلاطين ليأوى إليها المسافرون. ثم صعدنا إلى مستوى ينحدر منه مجرى ماء. فانتهينا إلى شجرات عادية بجانبها حجرة كبيرة. ولقينا قيم المكان فقال أنا كشيش قدمكاه. قلنا يا صاح أن الكشيش رجل الكنيسة وانت رجل مسلم، فقال أنا خادم القدم المبارك.
ولجنا الباب فرأينا على يسارنا بنية فيها حجر بركاني اسود فيه اثر قدم. قال دليلنا هذا قدم الامام على الرضا، ثم خرج بنا إلى حجرة أخرى في وسطها بركة صغيرة مستديرة بها ماء صاف يشف عن سمكات صغيرات يجلن بين سطحه والقاع. قال هذه عين الامام الرضا فاشربوا. فغسلنا أيدينا داعين منشدين:
(وعين الرضا عن كل عيب كليلة)
نزلنا سائرين غلى الجادة فشربن الشاري وقوفاً واستأنفنا المسير إلى نيسابور. ونزلنا في الخيام التي ضربت لنا من قبل عند قبر الخيام فاسترحنا وطعمنا.
خرجنا من نيسابور والساعة ثلاث بعد الظهر، فوردنا سبزاور ستا إلا ثلثا، فأوينا إلى النزل الذي وصفته من قبل، وبعد العشاء اجتمع بعضنا في حجرة الأستاذ العلامة كوبر علي زاده محمد فؤاد مندوب الحكومة التركية، وجاء مغنون من أهل القرية فغنوا من رباعيات الخيام وغيرها ضاربين على التار (آلة تشبه العود) فطربنا لهذا الغناء وهذا المجلس الذي جلس فيه علماء من أمر شتى دون ترتيب ولا تكلف، بعضهم على السررُ والآخرون على الأرض، فأخذنا نوقع بأيدينا على نغمات التار.
ولا أنسى الأستاذ كريستنسون الدانمركي وقد مد رجليه وأمسك عود الدخان (البيبة) بفمه ونشط للصفق على أنغام الموسيقى.
برحنا سبزاور والساعة تسع ونصف، فبلغنا داوَر زَن بعد ساعة ونصف ونزلنا بها منزلنا
стр. 6906
الأول فاسترحنا وتغدينا. ثم فارقناها والساعة واحدة ونصف نؤم شاهرود، وكان بردها لا يزال عالقا بي، فقلت لأصحابي: سأترك في شاهرود الغلة التي أخذتها منها. قال الأديب رشيد الياسمي: إن الله يأمركم أن تؤدون الأمانات الى أهلها. وبعد ساعة وقفنا على قرية اسمها عباس أباد فجاء شبان يعرضون علينا من صنعة القرية مسابح وأزراراً وأشياء أخرى مصنوعة من حجر ازرق ضارب إلى السواد فاشترينا منها للذكرى.
ثم سرنا فمررنا بزيدر فنزلنا به ربع ساعة فشربنا الشاي عند شجيرات وقناة هناك، وأسرعنا المسير ليتسنى لنا أن نعرج إلى بسطام فنزور أبا يزيد قبل الغروب، فعطبت سيارتنا على مقربة شاهرود، وذهبت فضلة الوقت في إصلاحها فاضطررنا أن نعدل عن بسطام إلى شاهرود فوردناها بعد المغرب ونزلنا في دارين داخل البلد استُبدلتا بالدار التي بظاهر البلد بعد الذي أصابنا من بردها في الطريق إلى المشهد. وبكرت أنا والأستاذ عبد الحميد العبادي والأديب أحمد الصراف آملين أن نزور بسطام ونرجع قبل أن يتأهب أصحابنا للسفر، فما زلنا ننتظر سيارتنا حتى فقدنا الرجاء في زيادة أبي يزيد فسرنا مع الركب آسفين مرسلين للشيخ الصوفي تحيتنا على البعد
سرنا عن شاهرود والساعة سبع ونصف من صباح الأربعاء مزمعين أن نبلغ طهران عشية اليوم. وبين شاهرود وطهران أربعمائة كيل وثلاثة. وردنا دامغان بعد ساعة، فرأينا أن نتلبث بها لنرى بعض مشاهدها ولم تكن وقفنا بها في ذهابنا إلى المشهد،
كانت دامفان مدينة فومس، وهي اليوم من ولاية طبرستان وتبعد ٦٤ كيلاً من استراباد، جنوبي جبال ألبرز. على حدود العراق العجمي وخراسان. ويقال إنها في موضع مدينة هِكتمبيليس إحدى المدن العظيمة في مملكة الأشكانيين القديمة، وأن إسكندر المقدوني أدرك دار الثالث قتيلاً على مقربة منها.
قال ياقوت راوياً عن مسعر بن مهلهل: (الدامغان مدينة كثيرة الفواكه. وفاكهتها نهاية. والرياح لا تنقطع بها ليلاً ونهاراً. وبها مقسم للماء كسروى عجيب يخرج ماؤه من مغارة في الجبل ثم ينقسم إذا انحدر عنه على مائة وعشرين قسماً لمائة وعشرين رستاقاً لا يزيد قسم على صاحبه، ولا يمكن تأليفه على غير هذه القسمة.
وهو مستطرف جداً ما رأيت في سائر البلدان مثله ولا شاهدت أحسن منه)
стр. 6907
قال ياقوت: (قلت أنا جئت إلى هذه المدينة في سنة ٦١٣ مجتازاً بها إلى خراسان، ولم ار فيها شيئاً مما ذكره لأني لم أقم بها)
وأنا اقول قول ياقوت، وأزيد أن مقسم هذه المياه تهدم إبان الغارة الافغانية فيما يقال
وإلى الشمال الشرقي من المدينة، ينبوع عظيم يسمى جشمئه على (ينبوع علي) يزوره الناس، ويزعمون أنه يفيض على حجر به أثر من حافر فرس الرسول صلوات الله عليه. وقد بني حوله فتح علي شاه ١٢١٧
وقال ياقوت: (وبينها وبين كرد كوه قلعة الملاحدة يوم واحد، والواقف بالدامغان يراها في وسط الجبال)
سألنا عن الآثار الساسانية التي بدامغان فقيل لنا إنها بعيدة عن البلد، وطرقها غير معبدة، وهي ليست ذات خطر. ثم هُدينا إلى بناء اسلامي قديم، فدخلنا إلى فناء فيه قبور لاطئة بالارض، ينتهي غلى حجرة كبيرة وسطها قبر كبير سياج من الخشب، وعليه كتابة قديمة كثيرة، وإلى يسار الداخل قبر صغير لا سياج له، فأما الضريح فقيل إنه لأحد أبناء الأئمة العلويين، وأما الذي إلى يسار الداخل، فقيل إنه لشاهرخ، ورأينا حجرة أخرى مغلقة كتب عليها: أمر بعمارة هذا البناء شاهرخ. وقد ظننت أنه شاهرخ بن تيورلنك، وعجبت كيف دفن هنا وقد مات في الري. ثم تذكرت شاهرخ حفيد الملك نادرشاه، الذي أسره آقا محمد القاجاري في دامغان، وما زال يعذبه ليسلم إليه حزائن جده نادرشاه حتى مات سنة ١٢١١، فقلت هذا قبر الأمير الضرير المنكود الطالع
بلغنا سمنان والساعة إحدى عشرة وربع فنزلنا منزلنا الأول في المصنع الذي بظاهر البلد. وقلت للأستاذ العبادي لا يفوتنا اليوم أن نرى مسجد الجمعة في سمنان. فقلنا للأديب سيف آزاد صاحب مجلة (إيران باستان) فرفقنا وصحنا في الطريق أحد ضباط الشرطة، ودخلنا من باب كبير تزينه نقوش وتمثيل وكتابة فيها اسم ناصر الدين شاه الى طريق على جانبيها أبنية للجند وخرجنا من باب آخر فسرنا في شارع مشجر وأزقة ضيقة، ثم ترجلنا وتركنا السيارة وتخللن الطرق حتى انتهينا الى مسجد صغير جميل، قرأنا فيما عليه من كتابة اسم الشاه طهماسب الصفوي
ثم ذهبنا الى مسجد الجمعة وهو قديم عظيم، وأقدم ما فيه منارته، وهي فيما يظهر بقية
стр. 6908
مسجد كبير بناه السلاجقة ثم هدمه التتار فأقيم المسجد الحاضر على جانب من عرصته. ثم زاد فيه إيواناً كبيراً أحد وزراء السلطان شاهرخ بن تيمور سنة ٨٢٨
وخرجنا من مسجد الجمعة فمشينا في سوق طويلة مسقوفة تنبئ بعظم المدينة في الماضي، وقد أنشدني الأديب سيف آزاد في مسجد سمنان بيتاً معناه
(وا أسفا على المسجد الذي في سنمنان، إنه يوسف في السجن)
اجتمعنا على الغداء في سمنان، ونحن نعلم أن الركب سيتفرق في طهران فلا يجتمع، فتكلم بعض الوافدين شاكراً حكومة إيران، والموظفين الذين رافقونا في مسيرنا إلى طوس وإيابنا، وأجاب السيد ابتهاج والأديب رشيد الياسمي معربين عن سرورهم وافتخارهم بمصاحبة الضيوف الخ، وأرسلنا برقية إلى وزير المعارف نبلغه والحكومة الايرانية شكرنا. وكان الوزير قد تخلف في المشهد هو والوزراء الآخرون، ليصحبوا جلالة الشاه في سفره إلى جرجان. . .
ركبنا السيارات والساعة اثنان وربع بعد الظهر، فجد بنا المسير حتى نزلنا في فيروز كوه فاسترحنا وشربنا الشاي في مطعم هناك. ثم ركبنا فما زلنا في فيروز كوه (جبل فيروز) قممه وشعابه ووديانه حتى عيل الصبر، وأظلم الليل ورهقنا الاعياء. ثم دخلنا طهران والساعة ثمانية من المساء فأوينا إلى الفندق بشق الأنفس
(يتبع)
عبد الوهاب عزام
стр. 6909
الراعي
للأستاذ محمود الخفيف
راعني في الحقل إنشادٌ بديع … والندى يغسل أجفان الصباحْ
فتطلعت الى راعي القطيع … قد شجاه حسنُ اقبال الربيع
وتبدت روعة الكون له
فتغنى في هيام ومراح
باسم كالصبح في طلعته … حالم العينين لماح الجبين
حمرة الاصباح في وجنته … وصفاء الكون في مقلته
مرهفٌ كالغصن نشوان الصبا
غردٌ كالطير فياض الحنين
ثمل اللفتة في إقباله … تتراءى فوق عطفيه عصاه
مرح يختال في سرباله … معجل يعثر في أذياله
أو حليم قربُ المرعي له
فتهادى وتأني في خطاه
ذاكرٌ ليلاه في تحنانه … رائع الانشاد في الارض الفضاء
تحمل الريحُ صدى ألحانه … فتهزُ الحقلَ من أركانه
تذهل النوامَ عن أحلامهم
قبل أن تغرق في سيل الضياء
يصفُ الحب كما يعرفه … قلبه الخالص من سوء الطباع
هاتفٌ، يسألُ (من ينصفه … من غزال صد، لا يعطفه
دمعه المفسوح أو يرفه
عن دلال لج فيه وخداع)
أخت نفسي منه روعةٌ … واستخفى معانيه العذاب
ملكتني إذ تعني نشوةٌ … وتنزت في فؤداي صبوة
تركتني غارقاُ في حلم
стр. 6910
ضاحك الاطياف رفاف الجناب
تضحك الارض مع الشمس له … ويشيع السحرُ في أركانها
يتبدى ل شيء حوله … طافحَ البشر طروباً مثله
وترى الورق شجاها لحنه
فتغنت في ذرى افنانها
يصبحُ الراعي طروباً شادياً … مطمئناً ليس يدري ما الشجن
وتراه حين يمس راضيا … في ظلام الكوخ يغفو ثاويا
ناعمَ البال قريراً آمنا
هادي الضجعة ريان البدن
لم يكد صفوة حرصٌ ولا … سَهَّدَتْ جفنيه أطماع الحياة
لن تراه نائحاً يوماً على … أمل فات ولا يصبو إلى
ما طواه الغيب في أحشاءه
حسبه الله فلا يرجو سواه
ملهمٌ رُكبَ في فطرته … حب ما في الكون من آي الجمال
تسمع التسبيح في لهجته … وترى لاعجابَ في نظرته
ساذجُ الأحلام إلا أنه
صادق الوجدان مشبوب الخيال
كم رأى الفجر وما في أفقه … من جمال واجتلى نور السحر
وتماى الصبح في إشراقه … يفتن النظار من عشاقه
بصفاء تعلق الروحُ به
عبقري الحسن موموق الصور
ولكم أنس من حالي الضحى … ومن الآصال مزدان الحُللْ
يجدُ الكونَ جميعاً مسرحاً - يجتليه غادياً او رائحاً
هائم يضرب في آفاقه
دائم الترحال موصول الجذل
стр. 6911
ولكم شاهد إقبال الدجى … حين ذابت فيه ألوان الشفق
ورأى الليلَ إذا الليلُ سجا … وانجلى البدرُ وضيئاً أبلجا
تقبس الألحاظ من رونقه
قبل أن يدركه موج الغسق
كم رأى الحقول النضره … حفلت بالحسن في عيد الربيع
ورأى الصيف يعفى أثره … بيد عاتيةٍ مقتدرة
تركت جنته خلويةً
جف فيها الزهر والروض المريع
ولكم أبهجه صفو الخريف … ورآى سحر مجاليه الوضاء
واغتدى يرتع في ظل وريف … قد سرى في جوه نفح لطيف
يملأ الصدر به مستروحا
قبل أن تعصف انواء الشتاء
يا قنوعا مثلت عيشته … عيشة الانسان في فجر الوجود
يا خليا انسه وحدته … إيه يا من برئت فطرته
من غرور العيش في زخرفة
يا طليقاً ما دري معنى القيود
يا قرير العين في خلوته … لم يجرب مزة غدرَ الصديق
يا نقي القلب في غزلته لم ير العالم في زحمته
هات من لحنك ما يطربني
يا غريراً انت بالبشر خليق
يا رضي النفس في إيمانه … نعمت نفسك في ظل رضاها
إيه يا من قر في وجدانه … من هدى الله ومن رضوانه
ما ترنمت به في غبطة
فطن القلب إليها فوعاها
هات من لحنك يا راعي القطيع … قد نفي لحنك عن قلبي الحزن
стр. 6912
هيه إني ما تغنيت سميع … وسأمضي شاكراً هذا الصنيع
ذاكراً لحنك مفتوناً به
إن في ذكراه روحاً وسكن
محمود الخفيف
стр. 6913
من الأدب الفرنسي المعاصر
أندريه
بقلم علي كامل
تتمه
يرى أندريه جيد - ويتفق معه في ذلك مارسل بروست والكاتب الايطالي بيراندللو - أن الشخصية ما هي إلا وهم زائف، وان الانسان صنيعة الظروف والاحتمالات
ومهما كن مقدار ما في هذه الآراء من الحق أو الباطل فقد كان لها الفضل الأول في تجديد القصة الأوربية لما تضمنته من تحطيم فكرة (الأخلاق الثابتة) و (النماذج الانسانية) التي كانت أساس القصة التحليلية في الأدب الغرب لتقيم على انقاضها أسس فكرة (اللاشعور) قبل العالم (فرويد) نفسه. كما أن هذه الآراء قد أبانت الأثر العظيم للغرائز الجنسية وعدم توازن العواطف في حياة الاشخاص متأثرة في ذلك بقصص الكاتب الروسي دستويفسكي
على ان ما يمتاز به اندريه جيد من كل من مارسل بروست وبيراندللو انه لا يكتفي بالنظر الى الامور نظرة العالم النفسي، بل إنه يخرج من دراسته (بقاعدة) يرى من الواجب السير عليها في الحياة: تلك القاعدة هي وجوب ان يسعى الانسان الى فهم طبيعته وإدراك حقيقة نفسه بنفسه، وما ذلك إلا بالخضوع لكل الدوافع المتنوعة مهما كانت، والتذرع بالشجاعة لتحقيق كل ما يجيش فيه من الرغبات دون اختيار، اي دون ان يقول الانسان لنفسه: هذا متفق ومع الآداب العامة، وهذا مغاير لها؛ هذا يمس الدين وهذا لا يمسه. . . الخ يجب ان يكون كل منا (كطفل ضال، وُجد دون أن تُعرف حالته المدنية، دون اوراق. . . قذفه المجهول، لا يَعرِف له ماضياً ولا قاعدة يسير عليها ولا سند يعينه، ولا ون له ولا أجداد)
أن هذه هي الوسيلة الوحيدة عند جيد لانكشاف حقيقة نفوسنا أمام أعيينا، وعندئذ نسير على هدى طبيعتنا
وفي قصته مزيفو النقود - (١٩٢٥) نرى الفتى (برنار) يخاطب القصصي (ادوار) ويسأله النصح كيف يضع قاعدة لحياته، فيجيبه ادوار قائلاً: (إن هذه القاعدة تجدها في نفسك على أن يكون قصدك السير الى التقدم. ليس عندي ما اقوله لك. إنك لا تستطيع أن
стр. 6914
تستمد هذه النصيحة إلا من نفسك. فلا تحاول أن تتعلم كيف تعيش إلا بأن تعيش)
ولكي نعيش (في نظر جيد - عيشة لا يقيدها قيد يجب ألت نتردد عند الحاجة في الثورة على نظام الاسرة والجري وراء إحساساتنا تقودنا الى حيث الحقيقة العظمى. فالاستقرار هو ألد أعداء جيد، لأن رائده هو أن نكون متأهبين دائماً لتغيير جديد في حالتنا
وفي كتابه الأغذية الأرضية نسمع جيد يخاطب (ناتانابيل: إياك أن تستقر في مكان، فبمجرد أن تغيرت ظروف هذا المكان واصبحت موافقة لطبيعتك، او جعلت انت نفسك موافقاً لظروف المكان، عندئذ لا تبقى لك فائدة تُرجى من وجودك، فيجب ان تهجره، ليس هناك أخطر عليك من أسرتك، من غرفتك، من ماضيك)
وفي قصة ' نسمع (مينالك) يقول: (إنني لا اريد ان اتذكر. فاعتقادي ان هذا منع لوصول المستقبل. واعتداء على الماضي الذي لم يعد لي فيه حق، إنني بنسياني الكامل للأمس أجدد كل ساعة من حياتي. إن كوني كنت سعيدا لا يكفيني، لأنني لا أومن بالأشياء الميتة. وما كنت عليه وزال عني الآن هو عندي كأنه لم يكن)
على أن فكرة جيد عن التحرر المطلق كما رأينا لم تقض على عاطفته الدينية. بل لقد أحدث عنده هذا الايمان القوى بالتحرر وبالاستسلام لكل إحساس يغمرنا، نتيجة عكسية، إذ جعل جيد يترك العنان لإحساسه الديني يطغي عليه بين وقت وآخر دون أن يحاول كتبه، فنراه يتكلم عن الله والحياة الخالدة بأسلوب متصوفٍ زاهد، ففي كتابه الاغذية الارضية وهو كتاب الذي ينفجر فيه بالدعوة إلى التمتع بالحياة الحسية يقولك (إنك حيثما تذهب لا تستطيع أن تقابل إلا الله) وأيضاً (ناتانابيل: لا تأمل أن تجد الله إلا في كل مكان) وفي كتابه الأغذية الأرضية الجديدة يقول: (يجب أن نفكر في الله بأقصى ما يمكن من الانتباه واليقظة. . . إنني عندما أهجر التفكير في الخالق إلى التفكير في المخلوق تنقطع صلة نفسي بالحياة الخالدة وتفقد حيازتها لمملكة الله)
والآن، أليس من التناقض مع فكرة (التحرر الأخلاقي) والدعوة إلى التمتع بالحياة أن يغمر جيد إحساس أشد المتدينين إيماناً فيفكر في اله كل يوم - كما يقول - ولا يستطيع له فراقاً؟
إن جيد يبرر موقفه بفلسفة هي أهم نواحي التجديد في تفكيره. إنه يفصل بين اللذة والحب أو بعبارة أخرى بين الجسد والنفس لذا نراه يبيح من جهة تحقيق كل مقتضيات الجسد،
стр. 6915
ومن جهة أخرى تحقيق كل مقتضيات النفس في الالتجاء إلى قوة عُليا.
ولا شك أن رأي جيد هذا لا يتفق مع عقيدة دينية، ولكنه في صميمه وَحْي طابعه الديني الذي لم يستطع التخلص منه فأراد التوفيق بين إحساسه الديني ومذهبه الفكري في التحرر الأخلاقي
وفي العبارة الآتية يعترف لنا جيد ان هذه الناحية من تفيره كانت خلاصاً وتبريراً لما اوقعته فيه مشكلته النفسية. يقول: (أما فيما يتعلق بي فقد قلت مراراً كيف أن الظروف وما تتجه إليه طبيتي كانت تدعوني إلى التفرقة بين الحب واللذة لدرجة أنه كانت تؤلمني فكرة المزج بينهما) ثم يقول لقد فصلت أنا أيضاً بين اللذة والحب، بل إن هذا الفصل بين الأثنين قد ظهر لي أنه كان لازماً. فاللذة أكثر نقاء والحب أعظم كمالاً
يرى جيد أن انطلاقنا وخضوعنا لمطالب أجسادنا إنما هو نوع من السذاجة والبراءة وأن اجابة الانسان لنداء طبيعته وغرائزه التي ولدت معه إنما هو خضوع لارادة الله.
وما الفرق عنده بين من يجري ميوله وشهواته لها وبين من يكبح بعضها إلا كالفرق بين (من يأكل كل شيء ومن لا يأكل غير الخضراوات)
ويقول جيد أيضاً: (ليس الانسان شيء غير طاهر) ' لذا كان ما تفيض به بيعة الانسان من ميول وشهوات لا يجب في نظره أن يحمل غير معنى الطهر والنقاء والاخلاص لأنفسنا فيجب أن نطيعها دون اختيار (لأن كل اختيار إنما هو تحديد لحريتنا)
على أن جيد يشترط لكل عاطفة تحركنا أن تكون مخلة لكي نطيعها ونجيب نداءها. ففي نسمعه يقول: (إن لذاتي لا تحجب وراءها فكرة خفية. لذا لا ينبغي أن يتبع هذه اللذات أي شعور بالندم) فهو يقصد بل أن يقول إن فكرة الحرية والانطلاق إذا استترت وراءها نية او غرض معين خرجت عن دائرة البراءة والاخلاص
وفي ضوء ما ذكرنا نرى أن فكرة أندريه جيد فكرة مزدوجة مضمونها:
أولاً: الناحية الجسدية الحيوانية في الانسان وهي الناحية البريئة الساذجة
ثانياً - الناحية المعنوية، وهي إما الناحية الخاصة بالاحساس الديني، وإما الناحية الشيطانية في الانسان
ففكرة جيد هي الفصل بين هاتين الناحيتين اللتين هما في الواقع حقيقتان من حقائق
стр. 6916
الطبيعة الانسانية - الناحية الجسدية والناحية المعنوية - ثم السمو بهما الى أقصى ما يمكن من الطهر والنقاء. وما السبيل الى ذلك إلا بنبذ كل ما لا أساس له من الحق والصدق، وفي مقدمة ذل بالطبع كل ما يرغمنا عليه المجتمع.
ولقد استخدم جيد في البداية عبقريته كناقد فذ في تبرير حقه في الانطلق والتمتع بالحياة وفي (الحب الذي لا يجرؤ أن يقول اسمه) على أنه فيما بعد صرف همه الى العناية الشاملة بكل تقاليد المجتمع وحقائقه الفارغة وأوهامه لكي يعمد بعد ذلك الى تنقيحها في نظم التربية ويفصح مظاهر الرياء بين الطبقات والوسطى الى غير ذلك مما يراه من المفاسد الاجتماعية التي تقف حائلاً بين الانسان وبين حريته التامة.
ولقد كانت (فردية) اندريه جيد سبباً في ان يبقى حتى الثامنة والخمسين من عمره بعيداً كل البعد عن الاهتمام بالمصلحة العامة او الايمان بعقيدة سياسية او اجتماعية على اعتبار ان الاصغاء لافكار الغير يحد او يغير من افكار الانسان الخاصة التي يجب ان تكون بعيدة عن كل تأثير خارجي. واندريه جيد في عزلته السياسية والاجتماعية كان يخالف تماماً كثيراً من أعاظم الكتاب الفرنسيين المعاصرين مثل اناتول فرانس وشارل موراس وموريس باريس وشارل بيجوي ورومان رولان وغيرهم.
على ان جيد بعد رحلته الى الكونغو واواسط افريقيا خرج مرة واحدة من دائرته الخاصة الى دائرة المجتمع الانساني بأجمعه. يفكر في ظروف الحياة فيه بعين نقيض بالرحمة الواسعة والحنان العظيم حتى ان المرء ليحس بأنه قد نسى نفسه ولم يعد يفكر الا في الآخرين!
وفي كتابيه ونرى جيد يدافع عن الأمم المستعمرة لا بمهاجمة فكة الاستعمار نفسها ولكن بالمطالبة بحق إيثار هذه الأمم في التقدم المطرد في جميع شؤون حياتهم وبتسفيه كل استعمار ينتهك حرمة هذه الحقوق المقدسة
ولكن هل بقي جيد عند هذا الحد من الاعتدال في تفكيره السياسي وهو الذي من دأبه السير إلى أقصى حدود التطرف؟ لا. إذ لم يكد ينقضي وقت يسير حتى رأينا جيد يرتمي في أحضان الشيوعية التي اعترف بأنه عند اعتناقها كان يجهل صميم نظرياتها، ولاش أن اعتناق جيد للشيوعية مخالفة تامة لأسس تفكيره السابق، لان جيد (الفردي) قد أصبح يؤمن
стр. 6917
بنظام يقيد مصلحة الفرد في سبيل مصلحة المجموع. وجيد الثائر على أي نظام من نظم التربية على اعتبار أن التربية تقييد وتحديد قد أصبح يؤمن بالمثل العليا الشيوعية. وجيد الذي كان ألد عدو للعقيدة الثابتة قد أصبح إيمانه بالشيوعية تسليم منه بالنظريات الماركسية كنظرية (التفسير الاقتصادي للتاريخ) مثلاً. . . . وغيرها. على أن في الشيوعية أيضاً تتحقق معظم أفكار جيد وىماله، ففيها شرود نهائي من ماضيه الديني الذي أثقله زماناً طويلاً، وفيها التخلص من عبودية نظام الأسرة الذي طالما حاربه وناضل في سبيل القضاء عليه، وفيها أمل جديد في الوصول الى ما يسميه جيد (مملكة الله) أي قتل الجوانب الخبيثة في الانسان بالتخلص من كل أنانية والتحرر من كل تفكير ذاتي، وهو يرى فيها أيضاً الشفقة الزائدة والتفكير الجدي في محو الشقاء الانساني
ولعل من العجيب أن أندريه جيد منذ أعلن إيمانه بالشيوعية لم يعمل أي عمل أدبي جديد، مقتصراً على نشر المقالات المختلفة التي تدور كلها تقريباً حول تبرير انقلابه الجديد، ولا نقول الاخير، فهل منا من يضمن أن جيد يستقر على حال؟!
لعل مظاهر التقلب والقلق الدائم وعدم الاستقرار الي صاحبت جيد عشرات السنين هي أعظم ما يرفعه (كانسان) لانها نتيجة تغلغل عاطفة الحرية في دمه الى حد قل أن يكون له نظير، فظل طول حياته (حديقة من التردد) - كما يسميه أكبر أتباعه الكاتب الفرنسي جاك ريفيير - لا يهدأ له بال. يدرس الحياة بنواحيها الفكرية والحسية، يسافر الى أقصى البلاد. كل ذلك لكي يصل الى الحقيقة المنشودة التي يسعى وراءها. وبرغم عبء ماضيه الديني الثقيل فقد استطاع ان يحطم أغلاله لينطلق باحثاً منقباً
إننا حين نحكم على اندريه جيد يجب أن ننظر الى مجموع شخصيته، متغاضين عن تلك السبل الشاردة التي اختطفها في حياته الخاصة ودعوته العامة، وتعتبر في نظر ناقديه - مبالغة قصوى في تفسير معنى الحرية - لقد علمنا جيد كيف ننتصر على الخجل المقيت والرهبة البغيضة التي لا معنى لها، علمنا كيف نكشف دخائل نفوسنا ولا تتركها في الظلام الدامس لا نعرف كنهها كأن ليس لنا بها صلة، علمنا كيف نسلط عليها ضوءاً وهاجا نستمده من صميم إرادتنا وشجاعتنا، علمنا يف نصرح بكل ما يجيش في خفايا قلوبنا من النزعات الصارخة - علمنا كيف ومتى تماماً حقيقة نفوسنا. . . ليس بالاستسلام لغرائزنا
стр. 6918
الحيوانية كما يتهمه اعداؤه ظلماً، بل بأن تساير طبيعتنا مهما كانت بسذاجة عظيمة، سواء ما كان منها خاصاً بالناحية الحيوية او بالناحية الروحية، وان نكون دائماً على أتم أهبة لمواجهة الحياة المتغير وجاراتها على الدوام في قالب جديد
علي كامل
стр. 6919
بيان للناس
بقلم صاحب السعادة محمد طلعت باشا حرب
لمناسبة حلول موسم الحج الشريف لبيت الله الحرام - يسرني أن أذيع على مواطنينا الأعزاء بعض ما قلمت به (شركة مصر للملاحة البحرية) لراحة الراغبين في تأدية هذه الفريضة المقدسة:
اولاً - قامت الشركة بتجهيز باخرة ثانية (الكوثر) لمشاطرة شقيقتها (زمزم) شرف نقل الحجاج، وهي باخرة غاية في الفخامة ولا تقل عن زمزم أناقة ونظاماً ونظافة
وستوجه الدعوة لزيارتها قبل مبارحتها الاسكندرية كما فعلنا في العام الماضي بالنسبة لزمزم وسيدعي ايضاً لفيف من رجال الصحافة والأصدقاء للسفر عليها من الاسكندرية لبور سعيد في طريقها إلى السويس. وبفضل اشتراك الباخرتين في النقل أصبحت محلات الدرجة الممتازة (اللوكس) والدرجتين الاولى والثانية متوفرة تماماً، وأصبحت الشركة مستعدة باذن الله تعالى لنقل أي عدد من ركاب هذه الدرجات في الذهاب والاياب
ثانياً - لزيادة راحة الحجاج في نزولهم من الباخرتين وطلوعهم اليهما بجدة قد أعدت الشركة مراكب كبيرة (قليلة الغاطس) وجعلتها شبه صنادل تقف على جانبي الباخرة عند رسوها وجهزتها بالسلالم والكبارى اللازمة لنزول الحجاج منها وصعودها إليها بكل راحة وبدون أدنى خطر مهما كانت الرياح شديدة ومهما كان البحر هائجاً
وهذه الصنادل التي يسع الواحد منها نحو الخمسمائة حاج مجهزة (بالدكك والكراسي والخيام) (تندات) للوقاية من الشمس والمطر ويجرها رفاص لداخل الميناء
وفضلاً عن ذلك فالسنابك الأصلية موجودة أيضاً للنقل منها للميناء إذا تعذر لسب ما وصول الصنادل إليها: وهذه تضحية جديدة من الشركة تكلفها مبالغ لا يستهان بها، ولكنها تبذلها عن طيب خاطر حسبه لله تعالى دون أن يحرم أصحاب السنابك والمشتغلون عليها من اهل الحجاز أجورهم المقررة بالتعريفة الرسمية التي تدفعها الشركة اليهم كاملة من مالها
والشركة تنتظر منهم أن يقابلوا ذلك بالشكر الجزيل وزيادة العناية في خدمة الحجاج
ثالثاً - لتشويق من يرغب من أهل اليسار من الطبقتين العليا والمتوسطة في أداء الحج
стр. 6920
فكرت الشركة - فيما فكرت فيه - في ايجاد محلات لائقة لهم بجدة ومكة المكرمة - فاستأجرت منزلين بهما زودتهما بكل وسائل الراحة، وبالادوات الصحية العصرية، والأثاث الوثير الفاخر، والأطعمة النظيفة، وجهزتها بالثلاجات والمراوح الكهربائية وبالنور الكهربائي، فأصبح لا عذر من هذه الوجهة - حتى لمن تعودوا الترف والرفاهية - في عدم القيام بفريضة الحج. وكل ذلك بأجور غاية في الاعتدال لا تتجاوز جنيهاً مصرياً عن كل يوم بما في ذلك الأكل والنوم عن الشخص الواحد للسرير الواحد
نعم إن عدد الأسرة محدود في الوقت الحالي، ولكن مع زيادة الاقبال ستفكر الشركة في زيادة الأماكن
ويمكن حجز الأسرة من مكتب الشركة او بالباخرة او بذات المنازل بجدة ومكة
وزيادة في راحة الحجاج قبلت الشركة اقتراح (قومسيون نقل الحجاج) الخاص بالقيام بتقديم الغداء لهم بالبواخر في جميع الدرجات - فقامت بذلك في العام الماضي وستقوم في هذا العام بتقديم الغداء النظيف الصحي لهم جميعاً مغتبطة بعملها الذي تقصد به وجه الله قبل أن تنظر إلى الربح
فهي تقدم الى ركاب الدرجة الثالثة الخبر الكافي والأطعمة الصحية من الخضار واللحم والأرز والحلوى والجبن والزيتون للفطور والغداء والعشاء بمكيات وفيرة - وهي التي تشرف على شراء القمح وطحنه وعجنه وخبزه لتستوثق من أنها تقدم خبزاً جيداً نظيفاً غير مخلوط - كما تشرف على شراء الزيدة وتسييحها، وعلى شراء العجول والخراف الجيدة السليمة، وعلى ذبحها وطبخها لتقدم غداء شهياً صحياً كما قدمنا
وكان هذا بثمن زهيد قدره ٤٠ قرشاً عن كل حاج الدرجة الثالثة طول مدة السفر بحراً ذهاباً وإياباً
ورابعاً - الاتفاق تام بين الشركة والحكومة الحجازية على بذل قصارى الجهد من جانبها لتمهيد الطرق وتوفير الوسائل الصحية والاجتماعية لراحة الحجاج
وقد تبرعت الشركة والبنك وبعض أهل الخير بمبالغ لاتمام المستشفيات في مكة المكرمة، وتجهيزها بأحدث الآلات الجراحية واشعة رنجتن ليمكنها القيام بأجل الخدمات لحجاج بيت الله الحرام على اختلاف اوطانهم ولأهل البلاد انفسهم
стр. 6921
وهذا فوق أنه عمل إنساني جليل يزيد في اطمئنان الحاج، وتشجيع الاقبال على استكمال هذا الركن من الدين
وبما ان الحرب العالمية أثرت أكبر تأثير في رخاء المدينة المنورة ويسر أهلها حتى هاجر معظمهم وأصبح الباقون - من حضر وبادية - في ضنك عظيم يفتت الأكباد، كانت العناية بشؤونهم واجبة، وفي مقدمة ما يعني به دراسة حالة تلك الربوع، وأهل باديتها لعل الله يوفق لمشروع يشغل بعض الأيدي العاطلة ويشحذها لعمل فيه خير ورزق لهم، ويرد للمدينة بعض روائها القديم
خامساً - اتفقت الشركة مع الحكومة الحجازية على دراسة مشروع تعبيد محل السمعي بين الصفا والمروة ليكون أكثر انطباقاً لما يقتضيه من الاجلال والاحترام. وعلى منع أنهيال الاتربة عليه، وتدفق السيول التي تغشاه في أكثر الأوقات بل وتتعداه الى المسجد الحرام
وقد ارسلنا بعض الخبراء لدرس المشروع ووضع التصميمات والتقارير اللازمة لعرضها على الحكومة الحجازية والتفاهم على تنفيذها
سادساً - البحث جار فيما إذا كان من المتيسر إيجاد خط جوي بين جدة والمدينة لتيسير الزيارة لكثيرين ممن يستصعبونها الآن، وإذا نجح المسعى نتمكن من تنظيم خط جوي بين جدة والمدينة مرتين او ثلاث مرات في اليوم
فيتمكن الحاج من تأدية الزيارة والعودة في يوم واحد أو يومين لمن أراد البيت. وفي هذا كسب الزيادة لمن لا يجد في وقته متسعاً لها، او لمن تمنعه المتاعب من القيام بها، ولا ربح لأهل المدينة بسبب زيادة عدد الزائرين
سابعاً - أوجدت الشركة (كوثر) كما أوجدت في العام الماضي على (زمزم) مسجداً للصلاة ومكتبة بها كثير من كتب الدين والأدب وغيرها، كما أن بهما علماء يحاضرون الحجاج في أمور دينهم
ثامناً - أوجدت الشركة بالسويس لراحة الحجاج او عائلاتهم الذين يحضرون قبل ميعاد السفر او يرغبون في الاستراحة قبل مغادرتهم السويس في العودة (فندقاً) مستوفياً شروط النظافة والراحة، نسأل الله أن يجعله نواة شركة للفنادق المصرية
تقوم بأيدي المصريين وأموالهم، وقد سميناه من باب التيمن (لوكاندة مصر)
стр. 6922
تاسعاً - سيجد حجاج بيت الله الحرام على الباخرتين مكتبين لبنك مصر لتبديل العملة المصرية بالذهب او بالريالات السعودية ولتبديل هذه بالعملة المصرية - حين العودة - ولقد رأى من حج منهم في العام الماضي أي تسهيل عملنا. ولعلهم يذكرون أننا صرفنا لهم العملات الذهب والسعودية بأسعار أرجح مما كانت تصرف به في جدة أو مكة
واذا صح ما أذاعته الجرائد من أن الحكومة المصرية السينية تريد أن تكلفنا بصرف جنيهات ذهبية لحسابها الى الحجاج فنحن مستعدون للقيام بهذه العملية بالسعر الذي تحدده الوزارة، فيمتنع ما أذاعه في العام الماضي بعض المغرضين الذين لم يقفوا على حقائق الأمور - إذ ظنوا أننا أخذنا الذهب من الحكومة بالسعر الذي تشتريه هي به من السوق المصرية وبعناه بالأسعار العالية؛ على أن الحكومة قد باعت لنا الذهب في العام الماضي بسعره في (لوندرة) يوم البيع حتى دون استبعاد نفقات نقل الذهب براً وبحراً والتأمين والمحافظة عليه والقيام بمهمة المصارفة
ومع كل ذلك فقد بعنا الذهب للحجاج بأقل من الأسعار التي وجدوها في جدة ومكة ببضعة قروش في الجنيه. وقد بعنا للحجاج الريالات السعودية بثمن يرجح السعر الذي وجدوه بجدة بنحو نصف ريال سعودي في الجنيه، ومن صرفنا لهم بمصر بسعر أقل قبل معرفة حقيقة السوق رددنا لهم الفرق إما بالباخرة أو بالقيد لحسابهم الجاري لدينا بمصر، أو بصرفه لهم نقداً بعد عودتهم، ولم نسمع في تاريخ البنوك بمثل هذا
وقد عملنا الترتيب اللازم بحيث يرد لنا يوم قيام الباخرة من السويس تلغرافات بالسعر الحالي لكل العملات بجدة لنصرف للحجاج ما يلزمهم بأسعار أوفق لمصلحتهم
وفي حال تكيفنا من الحكومة بصرف الذهب لحسابها يكون ل بالسعر المتفق عليه ويعلن للحجاج
ولتسهيل قبض تحاويل بنك مصر على الحجاز ولراحة الحجاج قد جعلنا الصرف بجدة من محل وكلائنا بها (الحاج عبد الله رضا وشركاه) وقد عينا مندوباً للبنك بمكة بمنزل شركة مصر للملاحة البحرية لخدمة الحجاج وتأدية طلباتهم المالية وصرف التحاويل بها
وانفقنا في المدينة المنورة مع (حضرات الشيخ عبد العزيز الخريجي وشركاه) على أن يكونوا وكلاء في ذلك وهم من أشهر تجارها
стр. 6923
وأمامنا مشروع بخصوص العملة سنعرضه على حكومتنا السنية عسى أن تقره للمواسم المقبلة، ففيه تحقيق مصلحة الحجاج وعدم غبنهم على قدر الاماكن. وإذا نجح هذا المشروع - ولا ندري لماذا لا ينجح - اتيح للحاج أن يحج ويعود دون أن يكون مضطراً لحمل نقود معه
فبنك مصر يتولى حينئذ شئونه المالية من البيت للبيت - على حد تعبير مصلحة السكة الحديد - فيدفع عنه بالحجاز كل الرسوم والضرائب وأجور للمطوفين والأتومبيلات والجمال مما هو مقرر في التعريفة بحساب الذهب - ويقدم له هناك ما يحتاجه من عملة سعودية لنفقاته المحلية المقررة بهذه العملة
وقد وافقت حكومة الحجاز على هذا المشروع الذي يضع حداً لفوضى تبديل العملة والتلاعب فيه، ولا يبقى إلا أن يعرض على حكومتنا السنية حتى إذا ما بدت لها مزايا فيه من عدم غبن الحجاج اقرته، وعملت على تنفيذه محاطاً بكل ما يضمن مصلحتهم
عاشراً - افردنا محلا في كل من الباخرتين لبيع الاحرامات (من بفتة وبشاكير) لمن يرغب فيها من الحجاج، وهي من صناعة شركة مصر للغزل والنسيج وأثمانها معتدلة
وحتى لا يطيل الحجاج في عودتهم المكث في جدة - رأت الشركة ان يكون نقلهم من جدة للطور على (زمزم) ومن الطور الى السويس على (كوثر) وهذا تسهيل كبير لهم ووفر في الوقت
مما تقدم ترون الجهد الجهيد الذي تبذله شركة مصر للملاحة البحرية، ويبذله بنك مصر لتوفير اسباب الراحة والطمأنينة لحجاج بيت الله الحرام كتب الله لهم السلامة في الذهاب والاياب ووقفنا لخدمتهم وتوفير اسباب الراحة والامان لهم أينما كانوا وحيثما حلوا
وكل ما نطلبه من حجاج بين الله الحرام هو أن يعاونونا على حفظ النظام والمواعيد وألا يكونوا سبباً في إثارة الخواطر بين تلك الربوع المقدسة، وليعلموا أننا لا نريد إلا راحتهم، فان رقع تقصير فعن غير قصد، ولنا من حسن نيتنا خير شفيع.
(وما هجرتنا إلا الى الله ورسوله)
ولما كانت العصمة لله، وما نحن إلا بشر نخطئ ونصيب، فانا على أتم استعداد لسماع أية ملاحظة بريئة، أو أية شوى نزيهة، أو أية نصيحة خالصة، أو إرشاد نافع، الى ما يكون
стр. 6924
من ورائه تحقيق أمانينا جميعاً التي تنحصر في وجوب العناية بحجاج بيت الله الحرام والسهر على راحتهم ابتغاء مرضاة الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا
فبراير ١٩٣٥
محمد طلعت حرب
стр. 6925
القصص
كانديلورا
بقلم لويجي بيراندللو
صاحب جائزة نوبل لعام ١٩٣٤
(لم يعرف للقصصي الايطالي لويجي بيراندللو، الذي فاز بجائزة نوبل الأدبية عام ١٩٣٤، قصة كلاسيكية تجلت فيها مقدرته الفنية الرائعة، وتبينت فيها نظرته الفلسفية: (هذا او ذاك. . .) مثل ما تجلت في هذه القصة.)
انزل المصور الفنان (نين بابا) حافة قبعته بيديه الغليظتين ساعة ان قال لزوجته (كانديلورا): (لا فائدة ترجى. صدقيني يا عزيزتي أن لا فائدة ترجي.)
وصرخت كانديلورا مهتاجة: (وأي فائدة ترجى إذاً؟ افي معاشرتك ليقضي علي من الغضب والمعاندة؟)
ورد عليها نين بابا في هدوء: (نعم يا حبيتي. ولن دون أن يُقضي عليك. بقليل من الصبر. أنظري، سأذكر لك شيئاً. (شيكو). . . . . . .)
- إنني أمنعك من تسميته بهذا الاسم.)
- (ألا تسمينه كذلك؟)
- (نعم، ولأني أنا أسميه هكذا)
- (هه. . . . حسن. لقد ظننت أني أرضيك بهذا. أيجب أن أسميه البارون؟ البارون. أريد أن أقول إن البارون يحبك يا حبيبتي كانديلورا، ويبذل المال في سبيلك. . . .)
- (في سبيلي أنا يبذل المال؟ يا سافل! ألم يبذل من أجلك مالاً أكثر؟)
- (لو أنك تركت لي الكلام. . . . . هو يبذل المال من أجلي ومن أجلك. ولكن انظري، ما معنى أنه يبذل من أجلي مالاً أكثر؟ كوني منطقية مع نفسك. إن معنى ذلك أنه لا يقدرك إلا لأنك في ظلي الذي أخلعه عليه. هذا ما لا يمكن إنكاره.)
وتميزت كانديلورا من الغضب وقالت: (ظل؟ من شعاع لمثل هذا. . .) ورفعت قدمها
стр. 6926
مشيرة إلى حذائها، ثم استطردت قائلة: (لم يلحقني منك إلا العار ولا شيء إلا العار!)
وتبسم نين بابا , اجب بهدوء أكثر من ذي قبل: (كلا، أستميحك المعذرة: إن العار يلحقني أنا، فيما إذا ما تكلمنا عن العار. إنني الزوج. وهذا أهم شيء، صدقيني يا لوريتا. ولو لم أكن زوجك، ولم تعيشي في ضيافتي تحت هذا السقف، لفقدت كل جاذبية، أتفهمين؟ هنا يمكن للجميع أن يدللوك دون ان يخشوا عقاباً. والجميع يتمتعون متاعاً عظيماً بقدر ما تلحقين بي من عار وشنار. وبدوني يا لوريتا تصبحين شيئاً تافهاً شديد الخطورة، وما كان شيكو. . . البارون ليبذل. . . ماذا أنت فاعله؟ أتبكين؟ لا، انظري. . . إنني لا أقوال إلا هذراً.)
واقترب نين من كانديلورا. وأراد أن يسمك بذقنها، ولكن لوريتا قبضت على ذراعه، وفتحت فاها كحيوان مفترس وعضته، وطالت عضتها دون أن تتهاون. وكانت أسنانها تغور باستمرار في الذراع، بينما كان هياجها يزداد. وانحنى نين حتى يمكنها من ذراه، وأطبق على أسنانه وابتسم هادئاً للألم المروع الذي سببته له. وازدادت عيناه ضياء واتساعاً. ولما أن انفكت أسنان كانديلورا عن ذراعه - وكأن حملاً قد أزيح عنه - أحس بأن موضع ما أكلت جرح من النار، ولم ينبس بكلمة. وأخرج في هدوء ذراعه من ردائه، ولكن القميص لم يطاوعه، إذ كان قد غرز في اللحم الحي. وانطبعت على كم القميص بقعة من الدم، دائرة دموية، هي دائرة أسنان كانديلورا القوية. وكان أثر الواحدة بجانب الأخرى ظاهراً، وأخيراً تمكن نين من إخراج كم قميصه، والابتسامة لم تفارق وجهه الشاحب. وكانت رؤية الذراع وحدها تشيب. فموضع أثر كل سن في الدائرة جرح. وكان اللحم المحيط بالدائرة قد ايود لونه. قال نين مظهراً لما ذراعه: (ألا ترين؟) وصرخت كانديلورا، وهي ملقاة على المقعد تتمشدق: (هكذا أريد أن أعض قلبك!) وأجاب نين: (هذا ما اعرفه. وهذه الرغبة تقنعك بأنه أولى لك ألا تتركيني.
أذهبي بالقبعة، وأتني بصبغة اليود والشاش المعقم والرباط. جميعها في الخانة العليا من مكتبي يا لوريتا. هي الثانية من اليمين. إنني اعرف أنك حيوان صغير مفترس يحب العض، ولهذا أحرص دائماً على الضمادات اللازمة)
وأمسكت كانديلورا بذراعه ونظرت في عينيه وشفعتها بنظرة قصيرة إلى ذراعه، واعجب
стр. 6927
نين بها ساعة هذه النظرة
لكانديلورا سحر في اللون والحركة، وهي تشحذه للعمل. فعينا الفنان تكتشفان في هذه المرأة اشياء ابداً جديدة ومتعددة. ففي هذه الظهيرة تبدو وهي في حديقة المنزل، وتحت شمس شهر اغسطس المحرقة، التي تنشر ظلالاً حادة في كل مكان، ولها أثر مخيف. وكانت في نفس الصباح، حينما آبت من حمام البحر حيث قضت بضعة أسابيع محترقة الجلد سمراء اللون من فعل الشمس وملح البحر، لون شعرها منطفئ، وضاءة العينين أشبه ما تكون بعنز تشتهي النوم. وكانت بذراعيها العاريتين المفتولتين وبكفلها النامي تظهر في كل حركة بسيطة أن رداءها الأزرق الحريري الذي يناقض لون جسدها ويلتصق به يكاد يتقطع. وكان هذا الرداء مدعاة للسخرية. لقد كانت كانديلورا تقضي نصف يومها عارية تمرح على شاطئ البحر المنعزل، وترقد بجسمها الصامد على الرمال المتقدمة من حرارة الشمس الملتهبة، بينما كانت تشعر بنسيم البحر البارد يهب على قدميها. فكيف لهذا الرداء الازرق ان يخفي عراها؟ لقد ارتدته مجاملة للعرف، ولكنه في الواقع اظهرها في حالة غير محتشمة اكثر مما لو كانت عارية
ومع كل ما كانت عليه من غضب لحظت في عينيه إعجابه بها. وسرت إلى شفتيها بفعل الغريزة ابتسامة الرضا. واستاءت لساعتها من فعلتها هذه. وانقلبت ابتسامتها ضحكة استهزاء. وصارت ضحكة الاستهزاء فجأة نحيباً وشهيقاً وهربت إلى المنزل
وأخرج نين بابا لسانه لها دون وعي وهو يرقب مسيرها. ثم نظر إلى ذراعه المجروحة التي تشع ألماً محرقاً من فعل حرارة الشمس. ثم شعر فجأة أن عينيه أغرورقتا بالدموع. ومن يعرف السبب؟ وتحت تلك الشمس المحرقة في وسط الحديقة حيث الظلال الحادة مترامية شعر بين بابا بأنه كاد ينزعج من وجود اشياء عدة لا حراك بها من حوله: الأشجار، وجذوع أشجار البلوط، والاحواض المركزة على جوانبها صخور صناعية، وسطح الماء الاخضر، والمقاعد ماذا تنتظر كل هذه الاشياء؟
إنه يمكنه أن يتحرك وأن يسير. ولكن يا للغاربة! كأن كل هذه الاشياء التي من حوله ولا حراك بها تنظر إليه؟ ثم هي لا تنظر إليه مجرد النظر بل ترسل إليه سخريتها في سحر يشع من جمودها العجيب، وصورت له أن قدرته على المسير ليس من ورائها طائل، إلا
стр. 6928
أن تظهره بمظهر الغباوة الداعية للسخرية
وهذه الحقيقة تمثل ثراء البارون شيكو. وهنا سكن نين بابا منذ ستة شهور، إلا أنه لم يشعر بالاشمئزاز من نفيه ومن كانديلورا إلا في صبيحة أمس، وحين آبت الساعة من البحر تجسم وزره ووزر عراها أمام عينيه. غير أنه اضطر إلى الضحك ساعة أن قالت له تهرب الآن من هذا العار. وقد أفصحت له أنها تبغي ذلك
حقاً إن صور نين بابا ستلقي رواجاً بعد الآن. وان قيمة فنه الجديد الخاص به قد بلغت اخيراً أعلى مرتبة. وليس ذلك لأن الناس حقاً فهموه، ولكن أمزجة الأغنياء من زوار معرضه وعقلياتهم تنقاد لحكم النقد الفني فيقفون إزاء لوحاته معجبين
النقد؟ وأيضاً كلمة النقد لا وجود لها في غير سراويل النقدة.
والناقد الذي قصدته كانديلورا وجلة يوماً ما، لكي ترجمة في وجهه بأنه غير عادل حين يؤدي بفنان مثل نين بابا الى التهلكة جوعاً - ذلك الناقد الكلمة دون غيره، كتب مقالاً عظيماً يلفت به انظار المترددين الى فن نين بابا الجديد والطابع الشخصي فيه.
ولكنه طلب أجراً مقابل اعترافه بالفنان. على ألا يُدفع هذا الاجر نقداً، بل شكراً حيوياً تقدمه كانديلورا له. ولم يكن من كانديلورا إلا أن قدمت دون تريث هذا الشر جزيلاً. غير قاصرة على ذل الناقد، بل عممت هذا الشكر للذين أعجبوا بفن زوجها، ذلك الفن الجديد. فقد ملكتها نشوة فرح لانتصار زوجها. وشكرت الجميع وبخاصة البارون شيكو، الذي جرى في ذلك إلى حد أن ترك للزوجين منزله، حتى يكون له شرف إيواء فنان معذب. . . .
مسكينة كانديلورا! لقد خافت الفقر وقالت ان الفقر ليس هو الحاجة ولا الذل. وانه ليس لما حق فيما يكسبه زوجها. ودفعتها عدم اهليتها هذه للانتقام. وعلى اي صورة؟ منزل. سيارة. قارب بخاري، حلى. جواهر ثمينة، تنزهات خلوية. أدوات زينة. مآدب. . . ولم تشعر هي بغضب منه، إذ بقي دون أن يتغير في شيء. . . فلا هو حزين ولا هو فرح، ولا زال مهملاً في هندامه كما كان. . . . . . . وليست له بهجة في غير الوانه. لا يعرف مطلباً سوى التفرغ لفنه، حتى يصل إلى القرار، القرار المكين، كي لا يرى شيئاً من صور الحياة الوضيعة التي تحيط به
стр. 6929
من المحتمل، كلا، بل بكل تأكيد ان تلك الحياة الوضيعة - حلى لوريتا والترف والدعوات والمآدب - تدل على شهرته. شهرته وعاره - ولم لا؟ وماذا يهمه من أمر ذلك؟
إنه يقدم روحه وكل ما فيه للمتعة بورقة يدخل عليها الحياة برسمه، بينما يصير هو لحماً ودماً وشرايين لتلك الورقة. أو للمتعة بحجر صلب لا حس فيه ليجعله فوق لوحته حجراً حياً حساساً، هذا ما يعنيه
عاره؟ حياته؟ حياة الآخرين؟ سباب الأجانب الذي لا فائدة من الانصات اليه؟ إنه لا يحيا إلا لفنه، وهو العمل الذي يتمخض عنه النور والألم ويتمثل في روحه
وقال هذا الصباح للوريتا وكأنه في عام آخر إنها تعجبه - دون أن يعير الأمر اهتماماً خاصاً - حقاً إنها أعجبته، لأنها ارتضت أن تكون شريكة مطيعة في الحياة، غير عابثة بالفقر، شركة قنوعاً راضية، له أن يطمئن الى صدرها، وطبيعي أن تهاجمه لوريتا كنمرة. ولكن ماذا نفعل بعد ذلك؟ ألا تعود بصبغة اليود والشاش المعقم والضماد؟ لقد صعدت المسكينة باكية
الآن يجب أن يحب لوريتا. ولربما كان ذلك رد فعل لعدم مبالاته. أليس ذلك جنوناً؟ ولو أنه كان يحبها حقاً لحق عليه قتلها. عدم المبالاة هذا ضروري، هو المقدمة التي لا مفر منها، وليتحمل العار الذي تمثله الى جانبه. أيهرب من هذا العار؟ كيف يمكن ذلك. وكل منهما قد رأى هذا العار ليس بعيداً عنه ولا محيطاً به بل رآه في نفسه أيضاً. والسبيل الوحيد هو ألا يهتم كلاهما بذلك. فهو يتابع تصويره وهي توالي تمتعها بشيكو مؤقتاً ثم بغيره أو به مع غيره في وقت واحد، فرحة غير حاملة هماً. إن الحياة. . . . لا شيء. . . وهي تسير على هذه الوتيرة أو تلك، دون أن تترك أثراً. ويجب على الانسان أن يضحك من الأشياء التي ولدت خبيثة، والتي ليس لها من الكيان ما يغري، أو لها كيان، ولكنه قبيح يجعلها تتألم الى أن تصبح رماداً مع الزمن. وكل شيء يحمل طيه آلام تكوينه، آلام مصيره الذي لا قدرة له على تغييره. وهذا هو الجديد في فنه، إذ يجعل أشخاصه يشعرون بذلك الألم. . . وهو يعرف جيداً أن كل أحدب عليه أن يعرف كيف يحمل حدبته معه. وينطبق ذلك على الوقائع كما ينطبق على الأشخاص. فاذا ما كانت الواقعة واقعة فستبقى كذلك دائماً أبداً، ولن تغير. فكانديلورا مثلاً لو أنها بذلت أقصى جهدها لتصير خلواً من
стр. 6930
العار ما كانت أصلاً عندما كانت فقيرة لما استطاعت. ولعل كانديلورا لم تك قط خلواً من العار حتى في أيام طفولتها. وإلا لما أمكنها فعل ما فعلت، ثم هي تفرح لعملها هذا
وتحت حرارة الشمس انقبض الدم في موضع العضة من ذراعه، وتجعد سطحه وازداد نبضه وانفتحت يده وتوترت شرايينه
واستفاق نين بابا من تأملاته وخطا نحو المنزل ونادى مرتين عند مدخل السلم وفي الممشى:
(كانديلورا! كانديلورا!)
ورن صدى صوته في الغرف الخالية ولم يجبه أحد. دخل في الغرفة المجاورة لمحل عمله ومكتبه، ولكنه تراجع من هول ما رأى. كانت كانديلورا منبطحة على أرض الغرفة البيضاء المفعمة بالنور. ورداؤها في غير انتظام. وكأنها دارت حول نفسها فانكشف فخذها. أسرع أليها ورفع رأسها، يا ألهى ماذا فعلت. الفم والذقن والرقبة والصدر يضرب لونها بين السواد والصفرة: لقد شربت صبغة اليود
ثم ناداها قائلاً: (إنه لا شيء! لا شيء ما هذه الفعلة الحمقاء يا حبيبتي كانديلورا. يا طفلتي. . . إنه حقاً لا شيء. . . إنه يؤذي المعدة طبعاً قفي)
وحاول أن يوقفها على قميها؛ ولكنه فشل، إذ أن المسكينة قد تصلب جسمها من شدة الألم. ومع ذلك لم يقل لها مسكينة، بل قال: (طفلتي. . .! طفلتي. . . .!) ذلك لأنه ظن ان تجرعها اليود أمر تافه مزر. (طفلتي!) رددها ثانية، وقال لها (يا صغيرتي الحمقاء). وحاول أن يستر فخذها بالرداء الأزرق فقد أصاب منه نظراً، وأدار عينه الى الناحية الأخرى حتى لا يرى فمها الأسود
هو وحده في ذلك المنزل. لقد وصلت لوريتا اليوم من حمام البحر. وكانت قبل ذهابها قد طردت الخادمة، فلا أحد يساعده على رفعها من الأرض، ولا أحد يأتي بعربة تحملها الى أقرب مستشفى حتى يؤدوا لها الاسعافات السريعة. ولحسن الحظ سمع بوق سيارة البارون شيكو وهي قادمة في الطريق، وسرعان ما ظهر البارون بهندامه الأنيق ووجهه الأصفر الذي ينم عن شيخ ضعيف العقلية مديد القامة متصاب
وثبت البارون شيكو (المونوكل) على إحدى عينيه وقال: (ماذا جرى؟)
стр. 6931
وصرخ نين في وجهه قائلاً: يا إلهي، ساعدني على إنهاضها)
ولم يكادا يحملانها حتى رأيا أن يدها التي كانت منطوية تحت فخذها قابضة على المسدس، كما رأيا تغرة من الدم
وتنهد نين: (آه. . . آه. . .) وهو ينقلها هو وشيكو إلى غرفة النوم
إن لوريتا لم يتصلب جثمانها من شدة الأم، ولكن من الموت. ولما وضعت الجثة على السرير صرخ نين بابا وجه شيكو قائلاً:
(من كان معكما في حمام البحر؟ قل لي من كان هذا الصيف معكما في الحمام؟)
وفقد شيكو صوابه وتمتم ببعض الأسماء
وزأر (نين) كالوحش وهجم عليه وأمسكه من قميصه وهزه هزات عنيفة وقال له: ([اإلهي! كيف يكون كل غني متمول أبله قصير النظر؟)
وتساءل شيكو وقد خاف على نفسه، وكان من شدة الخوف يتراجع باستمرار: (انحن حقاً بلهاء؟)
واشتد تأنيب نين بابا إياه، وقال له: (أنتم، نعم أنتم بلهاء لدرجة أنكم تذكون الأمل في المساكين بأنهم سيكونون محبوبين مني! أتفهم ذلك؟ منى! منى! منى - محبوبين!)
ثم وقع على جثمان لوريتا وانفجر يبكي بكاءاً مراً
عربها عن الألمانية:
ا. ا. ي
стр. 6932
من روائع الشرق والغرب
الوادي
لشاعر الطبيعة والجمال لامرتين
تعب قلبي كل شيء حتى من الأمل،
فلن يثقل بعد اليوم بأمانيه على القدر،
فأعرني يا وادي صباي وأحلامي،
ملجأ يومٍ انتظر فيه موافاة حمامي
ذلك هو الشعب يضرب في حشايا الوادي،
والغابات الكثيفة تقوم على سفوح الربي،
وأدواحها الحانية تقلى الظلال على جبيني
فتملأ شعاب نفسي بالسكون والغبطة
وهناك جدولان اختفيا تحت أعراش الخضرة،
يرسمان في انسيابهما منعطفات الوادي،
ثم يمتزح منهما الموج والخرير بالخرير،
ويفنيان وهما من المنبع على مدى قصير
كذلك جرى نبع أيامي جريان هذين الجدولين،
ثم ذهب من غير هدير ولا سمة ولا رجعة!
ولكن ماءها كان صافياً شديد الصفاء؛
اما نفسي فلم يتراءَ في كدرها صفو ولا هناء!
إن طراءة الجدولين وبرودة الظلال،
تعقلانني طيلة النهار على ضفافهما الخطيبة،
أهدهد نفسي على خرير مائها السلسال،
كما يُهدهَدُ الفل على المناغاة الرتيبة
стр. 6933
آه، حبذا المقام هنا بعيداً عن الناس وحيداً مع الطبيعة!
يحيط بي سور أخضر من رياض الأرض،
ويقوم حوالي أفق محدود فيه مجال للبصر،
فلا أسمع غير همس الموج ولا أبصر غير وجه السماء
لقد رأيت كثيراً واحسست كثيراً واحببت كثيراً
ثم جئت هنا حياً لأبحث عن هدوء (ليتيه)!
فيا أيها الوادي الجميل! كن لي ذلك
النهر الذي يُذهب بالنسيان هموم القلب؛
ففي النسيان وحده منذ اليوم سعادتي ونعيمي
إن قلبي في رخاء ونفسي في سكون،
وإن ضوضاء العالم لتفنى قبل أن تصل إلي
كالنغم البعيد يخفت على طول المدى
ثم لا يقع منه في الآذان إلا صدى
من هذا المقام ومن خلال ذاك الغمام
أرى الحياة حولي تغوص في غيابة الماضي،
فلم يبق مائلاً غير الحب بقوى ويتجدد،
كالصورة الكبيرة تبقى على اليقظة من حلم تبدد
استروحي يا نفس في هذا الملجأ الأخير،
كالمسافر اللاغب يجلس على باب المدينة،
وقلبه ذاخر بالأمل والطمأنينة،
فيستثنى قبل أن يدخل نسيم المساء العبث
فلننفض عن اقدامنا الغبار كما نفض هذا الرجل المجهود،
فانا لن نسلك هذه الطريق مرة اخرى؛
ولنْنْشق مثله في آخر المدى المحدود،
نفحات الهدوء المبشر بالسلام الدائم
стр. 6934
إن أيامك الكئيبة القصيرة كأيام الخريف،
تنقبض انقباض الظلال عن حوادر الهضاب؛
فالصداقة تغدر بك، والرحمة تتخلى عنك،
وتقطع وحدك الدرب الى عالم القبور
ولكن الطبيعة هناك تهيب بك وتحنو عليك!
فألق نفس في أحضانها التي لا تتجافى عنك،
فان كل شيء يتنكر لك وينزوي عنك إلا الطبيعة،
فجوها هو الذي ينضح على آلامك،
وشمسها هي التي تشرق على أيامك
بالأشعة والظلال لا تزال تحيطنا الطبيعة.
فطهر قلبك من الغرور الباطل والمتاع الزائل،
واعبد هنا الصدى الذي يعبده فيثاغورس،
وأرهف أذنك مثله لموسيقى السماء.
ثم اتبع الشمس في السماء والظل في الأرض،
وطِرْ في السهول مع ريح الشمال،
وحُس مع شعاع هذا الكوكب الهادي
خلال الغابات في ظلال هذا الوادي.
إن الله خلق العقول لتدركه،
فاكتشف في الطبيعة خالق الطبيعية؛
فان صوتاً لا يني يُحدث المرء عن ربه،
ومن ذا الذي لم يُصخْ إلى هذا الصوت في قلبه؟
الزيات
стр. 6935
صائب التبريزي
أبيات شتى
١ - نحن كالقسي: نصيبنا من صدينا انحناء طهورنا، وكل ما نحوز لغيرنا
٢ - ليدي جرأة غير ما عهد الناس؛ لا تحبني غصناً غفل عنه الحراس
٣ - ليس الظالم بنجوة من سهام آهات المظلوم، إن أنين القوس قبل أنين الهدف المكلوم
٤ - يا رب من دعا علينا أن نكون كقافلة الأمواج: ليس في سفرنا للاستراحة منزل
٥ - ليس اطمئناناً سكون القلب في مصابه، ولكن ضاقت الدنيا عن اضطرابه. إن خفقان النجم يصيح في لوعة: ليس هذا البناء المعوج مكاناً للدعة
٦ - خُتم المجلس ليلاً بحديث طرتك المسلسلة، فتنهض كل من نهض وفي رجليه سلسلة. إن الأعصار الذي هب في هذه الصحراء، روحه المجنونة الحائرة يلفها الغبار في الفضاء
٧ - إن الجذبة التي سلبت كف الجنون العنان، بدأت فقطعت من محمل ليلي الزمام
٨ - ليست أوجه الاثنتين والسبعين ملة إلا إلى هذه السدة؛
ترى عاملاً حيران، ولم يضل أحد طريقه
٩ - إن قطرة من الدموع تكفي لخراب العالم، كما تبدد قطرات الماء نوم النائم
١٠ - ولّ وجهك شطر الحانة ثم انظر طمأنينة القلب - انظر عالماً فارغاً من فكر الغد، إنك تطبق كالحباب عينك فترى نفسك، ولو فتحت عينك للضياء، لأبصرت فناءك في هذه الدأماء
١١ - إن عيني لتطير كالشرار الى نوم الفناء، كما بعدت عن وجهك الناري الوضاء
١٢ - أضاء في كل ظفر هلال للعيد، ليلة تناولت كأساً من ذكر السعيد
عبد الوهاب عزام
следующие страницы →