Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.
стр. 6931
وصرخ نين في وجهه قائلاً: يا إلهي، ساعدني على إنهاضها)
ولم يكادا يحملانها حتى رأيا أن يدها التي كانت منطوية تحت فخذها قابضة على المسدس، كما رأيا تغرة من الدم
وتنهد نين: (آه. . . آه. . .) وهو ينقلها هو وشيكو إلى غرفة النوم
إن لوريتا لم يتصلب جثمانها من شدة الأم، ولكن من الموت. ولما وضعت الجثة على السرير صرخ نين بابا وجه شيكو قائلاً:
(من كان معكما في حمام البحر؟ قل لي من كان هذا الصيف معكما في الحمام؟)
وفقد شيكو صوابه وتمتم ببعض الأسماء
وزأر (نين) كالوحش وهجم عليه وأمسكه من قميصه وهزه هزات عنيفة وقال له: ([اإلهي! كيف يكون كل غني متمول أبله قصير النظر؟)
وتساءل شيكو وقد خاف على نفسه، وكان من شدة الخوف يتراجع باستمرار: (انحن حقاً بلهاء؟)
واشتد تأنيب نين بابا إياه، وقال له: (أنتم، نعم أنتم بلهاء لدرجة أنكم تذكون الأمل في المساكين بأنهم سيكونون محبوبين مني! أتفهم ذلك؟ منى! منى! منى - محبوبين!)
ثم وقع على جثمان لوريتا وانفجر يبكي بكاءاً مراً
عربها عن الألمانية:
ا. ا. ي
стр. 6932
من روائع الشرق والغرب
الوادي
لشاعر الطبيعة والجمال لامرتين
تعب قلبي كل شيء حتى من الأمل،
فلن يثقل بعد اليوم بأمانيه على القدر،
فأعرني يا وادي صباي وأحلامي،
ملجأ يومٍ انتظر فيه موافاة حمامي
ذلك هو الشعب يضرب في حشايا الوادي،
والغابات الكثيفة تقوم على سفوح الربي،
وأدواحها الحانية تقلى الظلال على جبيني
فتملأ شعاب نفسي بالسكون والغبطة
وهناك جدولان اختفيا تحت أعراش الخضرة،
يرسمان في انسيابهما منعطفات الوادي،
ثم يمتزح منهما الموج والخرير بالخرير،
ويفنيان وهما من المنبع على مدى قصير
كذلك جرى نبع أيامي جريان هذين الجدولين،
ثم ذهب من غير هدير ولا سمة ولا رجعة!
ولكن ماءها كان صافياً شديد الصفاء؛
اما نفسي فلم يتراءَ في كدرها صفو ولا هناء!
إن طراءة الجدولين وبرودة الظلال،
تعقلانني طيلة النهار على ضفافهما الخطيبة،
أهدهد نفسي على خرير مائها السلسال،
كما يُهدهَدُ الفل على المناغاة الرتيبة
стр. 6933
آه، حبذا المقام هنا بعيداً عن الناس وحيداً مع الطبيعة!
يحيط بي سور أخضر من رياض الأرض،
ويقوم حوالي أفق محدود فيه مجال للبصر،
فلا أسمع غير همس الموج ولا أبصر غير وجه السماء
لقد رأيت كثيراً واحسست كثيراً واحببت كثيراً
ثم جئت هنا حياً لأبحث عن هدوء (ليتيه)!
فيا أيها الوادي الجميل! كن لي ذلك
النهر الذي يُذهب بالنسيان هموم القلب؛
ففي النسيان وحده منذ اليوم سعادتي ونعيمي
إن قلبي في رخاء ونفسي في سكون،
وإن ضوضاء العالم لتفنى قبل أن تصل إلي
كالنغم البعيد يخفت على طول المدى
ثم لا يقع منه في الآذان إلا صدى
من هذا المقام ومن خلال ذاك الغمام
أرى الحياة حولي تغوص في غيابة الماضي،
فلم يبق مائلاً غير الحب بقوى ويتجدد،
كالصورة الكبيرة تبقى على اليقظة من حلم تبدد
استروحي يا نفس في هذا الملجأ الأخير،
كالمسافر اللاغب يجلس على باب المدينة،
وقلبه ذاخر بالأمل والطمأنينة،
فيستثنى قبل أن يدخل نسيم المساء العبث
فلننفض عن اقدامنا الغبار كما نفض هذا الرجل المجهود،
فانا لن نسلك هذه الطريق مرة اخرى؛
ولنْنْشق مثله في آخر المدى المحدود،
نفحات الهدوء المبشر بالسلام الدائم
стр. 6934
إن أيامك الكئيبة القصيرة كأيام الخريف،
تنقبض انقباض الظلال عن حوادر الهضاب؛
فالصداقة تغدر بك، والرحمة تتخلى عنك،
وتقطع وحدك الدرب الى عالم القبور
ولكن الطبيعة هناك تهيب بك وتحنو عليك!
فألق نفس في أحضانها التي لا تتجافى عنك،
فان كل شيء يتنكر لك وينزوي عنك إلا الطبيعة،
فجوها هو الذي ينضح على آلامك،
وشمسها هي التي تشرق على أيامك
بالأشعة والظلال لا تزال تحيطنا الطبيعة.
فطهر قلبك من الغرور الباطل والمتاع الزائل،
واعبد هنا الصدى الذي يعبده فيثاغورس،
وأرهف أذنك مثله لموسيقى السماء.
ثم اتبع الشمس في السماء والظل في الأرض،
وطِرْ في السهول مع ريح الشمال،
وحُس مع شعاع هذا الكوكب الهادي
خلال الغابات في ظلال هذا الوادي.
إن الله خلق العقول لتدركه،
فاكتشف في الطبيعة خالق الطبيعية؛
فان صوتاً لا يني يُحدث المرء عن ربه،
ومن ذا الذي لم يُصخْ إلى هذا الصوت في قلبه؟
الزيات
стр. 6935
صائب التبريزي
أبيات شتى
١ - نحن كالقسي: نصيبنا من صدينا انحناء طهورنا، وكل ما نحوز لغيرنا
٢ - ليدي جرأة غير ما عهد الناس؛ لا تحبني غصناً غفل عنه الحراس
٣ - ليس الظالم بنجوة من سهام آهات المظلوم، إن أنين القوس قبل أنين الهدف المكلوم
٤ - يا رب من دعا علينا أن نكون كقافلة الأمواج: ليس في سفرنا للاستراحة منزل
٥ - ليس اطمئناناً سكون القلب في مصابه، ولكن ضاقت الدنيا عن اضطرابه. إن خفقان النجم يصيح في لوعة: ليس هذا البناء المعوج مكاناً للدعة
٦ - خُتم المجلس ليلاً بحديث طرتك المسلسلة، فتنهض كل من نهض وفي رجليه سلسلة. إن الأعصار الذي هب في هذه الصحراء، روحه المجنونة الحائرة يلفها الغبار في الفضاء
٧ - إن الجذبة التي سلبت كف الجنون العنان، بدأت فقطعت من محمل ليلي الزمام
٨ - ليست أوجه الاثنتين والسبعين ملة إلا إلى هذه السدة؛
ترى عاملاً حيران، ولم يضل أحد طريقه
٩ - إن قطرة من الدموع تكفي لخراب العالم، كما تبدد قطرات الماء نوم النائم
١٠ - ولّ وجهك شطر الحانة ثم انظر طمأنينة القلب - انظر عالماً فارغاً من فكر الغد، إنك تطبق كالحباب عينك فترى نفسك، ولو فتحت عينك للضياء، لأبصرت فناءك في هذه الدأماء
١١ - إن عيني لتطير كالشرار الى نوم الفناء، كما بعدت عن وجهك الناري الوضاء
١٢ - أضاء في كل ظفر هلال للعيد، ليلة تناولت كأساً من ذكر السعيد
عبد الوهاب عزام
стр. 6936
الكتب
ضحايانا الأطفال
تأليف أجنس دي ليما
ترجمة الأستاذ محمد عبد الواحد خلاف
طبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر وثمنه ١٠ قروش
تعتبر تربية النشىء وإعدادهم للحياة من أهم المسائل وأجدرها بعناية أولى الأمر وسواهم من المربين والكتاب؛ وتشعر مصر في نهضتها الحالية بشديد الحاجة إلى تقرير سياسة عامة تأخذ بها في تربية أبنائها، ذلك أنها قضت زمناً طويلاً تحت تأثير عوامل مختلفة امتد خطرها فشمل جميع نواحي الحياة، وفي مقدمتها أمور التربية والتعليم، فقد احكمت الأغلال وأقيمت العراقيل في تلك الناحية الجوهرية من نواحي التقدم، وكانت نتيجة ذلك أن أصبحت سياسة التعليم عندا مهلهلة، وصارت ثقافتنا مذبذبة، وظلت مصر في لبس من الأمر تسير إلى غير قصد، ولا تستند في سيرها إلى مبدأ
لذلك يحق لنا أن نغبط بكل بحث في التربية يضطلع به من تأخذه الغيرة من أبناء مصر، ولقد اعتزمت لجنة التأليف والترجمة والنشر، أن تضم إلى مجهوداتها المتنوعة في نشر الثقافة إصدار سلسلة من كتب التربية بين معرب ومؤلف، تحت إشراف الأستاذ اسماعيل القباني تحاول فيها كما جاء في مقدمة الأستاذ في هذا الجزء الأول من السلسة، (أن تبسط على التتابع النظريات والاتجاهات السائدة في عالم التربية في الوقت الحاضر، والأسس الاجتماعية والسيكولوجية التي تقوم عليها، وأساليب تطبيقها في نختلف الظروف والبيئات، ونتائج التجارب التي أجريت عليها) وغاية القائمين بهذا العمل الجليل أن يمهدوا السبيل لأن (تكون لنا فلسفة للتربية توفق بين أحدث الآراء في العالم من جهة، وأغراض النهضة القومية التي لاح فجرها في مصر من الجهة الأخرى)
وهذا الكتاب، الذي أحدثك عنه هو الحلقة الأولى من تلك السلسلة المباركة اضطلع بترجمته الأستاذ الجليل محمد عبد الواحد خلاف مدير إدارة الجمعية الخيرية الاسلامية، فأخرجه على الرغم من شواغله الجمة على خير ما يرجى من جمال سبك وحسن نظام
стр. 6937
ولهذا الكتاب في موضوعه، وفيما انتهج من طريقة أهمية فريدة، ذلك أنه ليس من تلك الكتب التي تتناول موضوع التربية من ناحيته الجافة، ناحية النظريات العلمية المجردة التي تهتم بالقضايا دون الوقائع، أو بعبارة اخرى تهتم بمبادئ العلم دون من تنطبق عليهم تلك المبادئ من الاطفال، فان تلك الكتب النظرية في منحاها محصورة الفائدة ثقيلة في الغالب تتطلب من القارئ صبراً طويلاً، وجهداً كثيراً، لي يستخلص منها ما يرجو من فائدة، وإن كان ما يصيبه منها في النهاية معاقاً بقواعد العلم أكثر منه بغايته
وإنك لتستبين روح الكتاب من عنوانه، فمؤلفته تنكر النظم المدرسية التقليدية، وتعتقد أننا نضحي بأولادنا ونعاملهم كما لو كانوا أعداءنا بالقائهم في تل الأبنية التي هي أشبه بثكنات الجند، حيث يكتنفهم جو خانق بغيض من قوانين ونظم، يؤخذون بها أخذاً في كل صغيرة او كبيرة من حركاتهم، وحيث يجرعون من مواد الدراسة مالاً غنية فيه من معلومات يسأمونها وفنون من القول والعمل يساقون اليها في طرق عسكرية، توبق أرواحهم، وتطمس على قلوبهم وتغل نشاطهم، وتحول بينهم وبين الاستقلال الشخصي والنبوغ الذاتي
ولن تقف المؤلفة في كتابها موقف الهادم، بل إنها تسلك طريقة إيجابية، فتعرض على القارئ كثيراً من التجارب العملية في بعض المدارس الحديثة بأمريكا ومبلغ نجاحها، وما أنتجه من أثر في تغيير وجهة التربية تغييراً يمهد السبيل لناء هذا العلم من جديد على أسس عملية، تحل مشاكله وتضمن للطفل ما يرجى له من سعادة، وما يرجى منه للمجتمع
وتلك الروح العملية هي الميزة الفذة لهذا الكتاب التي سبق أن أسرت اليها، فهو خلاصة تجارب مربية متحمسة لمبدئها عاملة على إسعاد الطفل وإعداده لحياته خير إعداد. وهذه الميزة فضلاً عن عظيم فوائدها قد خلصت الكتاب من روح السأم وأنجته من الثقل، فأنت تطالعه في تشوق واستمتاع، وتقف منه على أمور كثيرة شيقة، كاستخدام مقاييس الذكاء واستكشاف الفرد، والسير وراء الطفل، وحالة بعض المدارس التجريبية، ومدارس العمل مع الدراسة واللعب، وتجارب بعض أساطين التربية في مختلف مراحل التعليم وسواها من المسائل العملية
والأستاذ المترجم بطويل خبرته، ونافذ بصيرته، وضلاعته في الانجليزية، كفيل بان يحفظ للكتاب روحه في لباسه العربي، وأنا وإن أقرأ الأصل، أحس من دقة الأداء ومن سهولة
стр. 6938
الفهم واستواء التراكيب العربية، على بعد ما بين اللغتين من الاختلاف في البناء والأسلوب، أن التعريب قد تم على خير ما يرجى اتباعه في تناول مثل هاتي الكتب الدقيقة، فاذا أضفت الى هذا أن الاستاذ خلافا متحمس لهذه النظرية، كثير الترديد لها في أحاديثه كلما تطرق الحديث الى نقد التربية في مصر، أيقنت معى أنه خير من يضطلع بنقل هذا الكتاب الى لغتنا
وإني لعظيم الغبطة، إذ أقدم هذه الحلقة الأولى، أو هذه الباكورة الطيبة من سلسلة التربية، الى جمهور المربين والمدرسين وعامة القراء، شاكراً للأستاذ خلاف حسن اختياره وحميد مجهود
الخفيف
الاسلام والحضارة العربية
تأليف لجنة التأليف والترجمة والنشر وثمنه ١٥ قرشاً
أصدرت لجنة التأليف والترجمة والنشر الجزء الأول من كتاب الاسلام والحضارة العربية، وقد طبع في دار الكتب ويقع في نحو ثلثمائة وستين صفحة
أوحت فكرة هذا الكتاب إلى مؤلفه الجليل الأستاذ كرد علي، أريحية عربية نبيلة، تتبينها في مثل قوله (وسبيل هذا الموجز الآن تصحيح هفوات من أساءوا وما برحوا يسيئون للعرب ودينهم ورسولهم ومدنيتهم وذكر ما أثرته الحضارة العربية في أمم الغرب والشرق، وما مني به الاسلام، لما غير أهله ما بأنفسهم، من خصماء غير رحماء، نالوا من روحه وجسمه فالتاثت أحواله وتنكرت معالمه والألماع إلى ما قام به المسلمون بعد طول الهجعة، يلبون على استعارة مجد أضاعوه، وعلقوا اليوم يقطعون إليه أشواطاً، حتى لم يبق أمامهم غير مراحل لبلوغ الغاية)
وما أحسب تسمية هذا الكتاب بالموجز إلا تواضعاً من صاحبه، فهو من الكتب الحافلة بشتى المسائل والبحوث. ثلثه الأول يدور حول الرد على مخالفي الاسلام وتفنيد مزاعمهم وبيان منازعهم في الخلاف، فتقرأ فيه كثيراً من التهم التي ألصقها المتعبون بالاسلام والرد عليها في قوة حجة وسلامة منطق، يصحبهما الهدوء والرزانة، كما يدعمهما سعة الاطلاع
стр. 6939
ونفاذ البصيرة، ومن أمثلة المسائل التي يتوق كل مسلم بل كل منصف إلى الوقوف على حقيقتها، والتي شرحها الأستاذ أحس شرح وفندها خير تفنيد، ما نسب إلى الاسلام من مذابح دينية وما اتهم به المسلمون من إحراق مكتبة الاسندرية، ومن بغضهم حرية الفكر وتعصبهم ضد العلم، وما يردده الشعوبيون من أباطيل وتهم كمسألة صدق الرسول في دعوته، والقضاء والقدر وتعدد الزوجات والطلاق والحجاب والاسترقاق والربا والتصوير والنقش. . . الخ.
ولم يقتصر الأستاذ المؤلف على ما ساق من براهين، بل لقد مكنته سعة اطلاعه من عرض أقوال المبطلين، مشيراً إلى ما ينهض منها حجة على أصحابها وما ينسخ منها بعضه بعضاً، كما أنه كان موفقاً غاية التوفيق في بيان العوامل التي أدت الى جفاء الغربيين في موقفهم من الاسلام، وفي بيان ما يقعون فيه من أخطاء وأسباب تلك الأخطاء، التاريخي منها والديني والثقافي، مما يعد بحق من أجل الخدمات التي يؤديها رجل نحو دينه ويضطلع بها عالم ابتغاء الحقيقة
وفي ثلثي الكتاب الباقيين، يستعرض الأستاذ كرد علي أحوال العرب منذ جاهليتهم، فيتكلم عن العرب قبل الاسلام وديانتهم وأثر المدنيتين اليهودية والنصرانية فيهم، ثم عن العرب في الاسلام، مبتدئاً بشرح عاداتهم وأخلاقهم وأثر الاسلام فيهم مورداً رأى لبون ودوزى في الفتوح العربية، ولقد عني ببيان ما عرفه العرب من علوم ومبلغ عناية خلفائهم بالعلم وتشجيع العلماء، وبين مواطن اللغة العربية وأثرها في اللغات الشرقية والغربية
وكان طبيعياً بعد ذل أن يتعرض لوصف حال الغرب في شباب الاسلام، فيقابل بين ما كان يتمتع به العرب من نور ونظام، وما كان يتخبط فيه الأفرنج من فوضى وظلام، وأشهد لقد كان معتدلاً منصفاً في هذا الباب، فلم يجر على سنن غيره من متعصبي الغرب، ولن تحس له حقداُ او تتبين في نقده سخيمة او ضغناً بل كان رائده الدليل والحجج التاريخية
ولقد قدم هذا الباب توطئة لبيان أثر العرب ومدينتهم في الغرب، فن له من هذا الوضع الطبيعي وهذا الترتيب المنطقي خير مساعد، وراح يعرض لنا ما كشفه العرب وما ابتكروه وما نقلته عنهم أوربا عن طريق اسبانيا وصقلية وجنوبي إيطاليا، ثم عقد في خاتمة هذا الجزء أربعة فصول هامة، قارن في أحدها بين موقف المسلمين وأعدائهم في الحروب
стр. 6940
الصليبية، وبين في فصلين منها غارات المغول والأتراك والمستعمرين من الغربيين على بلاد المسلمين وغيرهم، وشرح في الفصل الأخير اثر المدينة الغربية في البلاد العربية وما تخللها من خير وشر
وإني لأتقدم بجزيل الثناء إى الأستاذ كرد علي، موقناً أن من يطالعون هذا الكتاب من أبناء العربية سيشكرون له شدة إخلاصه وحسن بلائه
الخفيف
стр. 6941
العدد ٨٤ - بتاريخ: ١١ - ٠٢ - ١٩٣٥
стр. 6942
كلمات في الصداقة
للآنسة النابهة (مي)
مهداة إلى الأستاذ أحمد حسن الزيات، وإلى الدكتور طه حسين، وإلى أصحابهما جميعاً
قد تبدو هذه الكلمات غريرةً للذين لا يرون في الصداقة إلا وسيلة نفعية تعود على كلٍ من المرتبطين بها بفائدةٍ محسوسة: كالظهور بمظهر العظمة، أو التمكن من دحر منافس، أو التعاون على الإساءة إلى شخص أو أشخاص، أو جني ثمرةٍ ملموسة وتحقيق غرض مالي أو اجتماعي
ونخطئ إن نحن نسبنا إلى أهل هذا العصر وحدهم الصداقة المغرضة، لأن تلك كانت شيمة الكثيرين في جميع العصور وعند جميع الأقوام. قد تكون في هذا العصر أكثر لنور وإلى الهواء - إذا أنت طلبت هذا من الصداقة وعند الصديق، فما أنت في نظر تلك الفصيلة من الناس إلا من أهل الشذوذ والغباوة. . . على الأقل!
وعلى رغم كل ذلك فموضوع الصداقة من الموضوعات التي نُقبلُ عليها في اهتمام ولهفة ولو جاز لي أن أشير إلى خلق خاص في، قلتُ إني أشعر بشيء غير قليل من الأسف كلما انتهى إلى أن صديقين كريمين تجافيا بعد التصافي. وقد يكون ذلك أن انفصام عرى الصداقة بين الآخرين كأنما ينال من إيماني بالصداقة ويزعزع من رجائي فيها
أولى ذكرياتي في هذا الموضوع ترجع الى قصة فرنسية، هي (أبرص بلدة آووستا) بقلم كزافييه دي ميستر، واظنني قرأتها لأول مرة وأنا في سن العاشرة تقريباً. فيها وصف ذلك الجندي الكاتب اجتماعه برجلٍ ابتلى بداء البرص المروع، فنبده الناس من مجالسهم، وحايدوا الدنو من الدار التي عاش فيها وحده حبيساً طوال الأعوام
تُطوح السبيل بالكاتب الغريب إلى تلك البلدة وتسوقه الى الدار المخيفة، ويلجُ باب الحديقة فيبصر الرجل الموبوء وهو لا يدري بحالته. وعندما يحذره الأبرص ويفضي إليه بمحنته لا يلوذ الكاتب بالفرار، وإنما يقترب منه ويجلس إليه مستفسراً عن معيشته وأحواله، وعما يحسه في الابتعاد عن أولئك البشر الذين هم منهم، فيعترف الأبرص بأن آلامه الأدبية تفوق أوجاعه الجسدية، يعترف بعذابه في حزن هادئ يشبه الامتثال والرضى، يعترفُ بحاجته الى الشعور بأن قلباً يعطف عليه ويحن إليه، بأن يداً تصافح يده، بأن صدراً يتلقاه
стр. 6943
ويحتضنه، حتى أنه لشدة حاجته تلك يحتضن أحياناً جذوع الشجر ويضمنها إليه ما استطاع، كأنها كائنات انسانية. يعترف بشوقه الى سماع صوت بشري، الى تبادل السلام والحديث مع من يفكر تفكيره ويحس إحساسه، الى جميع تلك الأمور التي عرف قيمتها لأنه حُرِمَ منها، والتي يتمتع بها الجميع جاهلين أنها منحة ومتعةٌ لأنها عاديةٌ بينهم. ويقولُ فيما يقول وكأنه يلخص جميع صنوف عذابه في هذه الكلمة:
- لم يكن لي يوماً صديق
والكاتب الذي عرف كيف يُصغي الى شكايته في هدوء ورباطة جأش، تهتاج تلك الكلمة شجونه وتحز الشفقة في قلبه فلا يتمالك من الهتاف:
- يا لك من تَعس!
تلك الكلمة من الأبرص، ورد الجندي الكاتب عليها، استقرت في موضع عميق من روحي عند قراءة القصة، بل القصة كلها تجمعت عندي في تلك الكلمة وفي التعقيب عليها؛ وقد يكون لها الأثر الكبير في تكوين إيماني العنيد بأن لابد من وجود الصداقة - مع اعتقادي بأن نفاسة الصداقة نفسها تحتم فيها الندرة
لسنا في حاجة إلى دهور نعيشها لندرك كم في هذه الحياة البشرية من خبث ومراوغة ونفاق. اختباراتٌ قليلة تكفي لتدلنا على أن بعض المُثُل العليا تخذلنا وتصرعنا بلا رحمة، ثم تنقلب مسوخاً ساخرة مزرية، لا تلبثُ أن تكثر عن أنيابها، مهددة متوعدة - وهي التي تجلببت في نفوسنا من قبل جلباب القدسية والعبادة!
اختباراتٌ قليلة في أحوال معينة، وأحوال مفاجئة، تكفي لتظهر لنا أن من الناس من يتاجر بكل عاطفة صالحة لتنفيذ أغراض غير صالحة، ومن يستغل كل استعداد كريم لنتيجةٍ غير كريمة، ومن لا يكتفي بالظلم والاجحاف، بل لا يتورع عن إيذاء الذين أخلصوا النية في معاملته، ولم ينله منهم إلا الخير.
وكم مِن مذيعٍ أنباء الصداقة لا لسبب آخر سوى التوغل في الإيذاء باسم الصداقة، في أساليب سلبية أو إيجابية لا يعلم إلا هو كم هي خبيثة وكم هي فعالة
وكيف تعامل أولئك الناس عندما تكشف عما يضمرون؟ أتحاسنهم. إنهم يحسبون المحاسنة ضعفاً ومداراة، فيمعنون في الأذى؟ أتخاشنهم؟ إنهم يزعمون المخاشنة جحوداً ومكابرةً،
стр. 6944
فيمعنون في الأذى. ولعل الشاعر العربي كان في حالةٍ كتلك عند ما أرسل هذه الزفرة المنغومة التي هي من أبلغ ما أعرف في معناها:
عذيري من الإنسان، ما إن جفوتهُ … صفالي، ولا إن صرتُ طوعَ يديه
وإني لمشتاقٌ إلى ظل صاحب … يروقُ ويصفو إن كدرتُ عليه
يأس هذا الشاعر يدل على حاجته الضميمة إلى صداقة نقية غير مغرضة. فنحن مهما تنر لنا معنى الصداقة الصافي، ومهما غدر بنا الغادرون فعلمونا الحذر - فإننا لا نستطيع إنكار احتياجنا العميق إلى الصديق. لأن لدينا مرغمين كمية في المودة والوفاء والتسامح والغفران والتضحية لابد من تصريفها وإنفاقها لنزيد بالعطاء غنى. وعند من نصرفها وعلى من ننفقها إلا على الأشخاص الذين نراهم قمينين بأنبل ما عندنا من فكر، وأصدق ما لدينا من عاطفة؟
أيها الذين ربطت الحياةُ بينهم بروابط المودة والأخاء والتآلف الفكري والنبل الخلقي، حافظوا على صداقتكم تلك واقدروها قدرهاّ فالصداقة معينٌ على الآلام ومثارٌ للمسرات، وهي نور الحياة وخمرتها، وكم تكن من خير ثقافي وعلمي للنابهين!
لا تخافوا أن تكونوا من أهل الشذوذ والسذاجة في نظر المغرضين! ألا يئست نفسا فقدت كل سذاجة، وسارت على وتيرة واحدة، لا تعيش إلا للغرض وبالغرض! ما أفقرها وإن كانت ثرية! وما ألصقها بالثرى وإن كانت علية! وحسبكم أنتم أنكم بإيمانكم بالصداقة توجدون الصداقة، وبممارستكم أساليب الصداقة إنما تكونون خميرة الصفاء والصلاح والوفاء!
(مي)
стр. 6945
٣ - كلمة وكُليمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
إذا أَسندت الأمةُ مناصبها الكبيرة إلى صِغَار النفوس، كبرت بها رذائلهم لا نفوسُهم. . .
شَرّ المًصْلحين رجلُ مُسلطٌ على أُمةٍ يحكمُها بعقل كبيرٍ فيه موضعُ فكرةٍ مجنونة. . . .
إذا فَسَقَ الحاكم، فقد حَكمَ الفسق
تُبْتلى الأممُ أحياناً ببعض المجددين، فلا يكون أولُ جديدهم إلا عيوبَ أنفسهم
يقول لك الكذابُ إنه سكره الكَذِب، ولكنه في هذا أيضاً كذاب. .
قيمةُ كل شيء هي قيمةُ الحاجة إليه؛ فترابُ شبرٍ من الساحل هو في نظر الغريق أثمن من كل ذهب الأرض
حقيقة الذل ألا يعرفَ الذليل حقيقةَ نفسهِ
المعلمُ ثالثُ الأبوينْ؛ فلينظرُ كيفَ يأبو حين ينظر كيف يُعلم
إنما كَثُرت الآراء في المرأة، لأن المرأة هي ما يفهمهه كل رجلٍ منها بنفسه
لا تبلغُ الفلسفةُ ولا العلمُ ولا النهضة النسائية. . في تعريف المرأة، أكثر من أنها ليست رَجلا. . .
لو عًقًلَ نساءُ هذا الزمن؛ لطالَبْنَ بحقوقهن في الرجال، لا بحقوقهم على الرجال
يبالغٌ بعضُ الكتاب في مُظاَهَرة النساء على تمردهن، إذ كانت هذه هي اللغة الفصيحةَ التي يُنادى بها جمالُ المرأة. . . . .
أبلغُ الرد على هؤلاء المغالياتِ في المطالبة بحقوق المرأة، أنهن أو أكثرهم، بين واحدةٍ فَقَدَت الرجُل، وأخرى سُلِبت الرجُل، وثالثةٍ لم تَنَل الرجُل؛ فهي أحلامُ إفلاسٍ كما ترى. . .
إسْتِرجَال المرأة، وسوءُ خُلُقِ المرأة، وقَذَارةُ المرأة، أحَدُ الثلاثة هو في قُبحِهِ - كالثلاثة جميعاً
العشقُ الدنئ دنيءُ مرتين؛ حتى إن المرأةَ الساقطةَ لو أخْلَصت الحب لرجل من عشاقها، لسقطت مرة ثانية في رأي الباقين
في الأممِ المنحطة، تجد نفاق الكبار للكبار، هو الذي أضاع الكبارَ والصغار
في مثل هذا العصر، يكادُ يكون التعريفُ الصحيح للأفضلِ من الناس أنه الأقل سفالة
стр. 6946
كثيراً ما جَنًتِ المروءة على أهلها؛ ولكن احتمال هذه الجناية هو أيضا من المروءة
إذا عاملت لئيماً فأنت بين اثنين: أما أن تبيعه ذمتك بلا شيء، أو تشتري ذمته بشيء. . .
أقنع اللئيم بالكرم الذي في نفسك؛ فبهذه الطريقةِ وحدها يفهم اللؤم الذي في نفسه
الخطرُ الذي تكونُ فيه العنايةُ الإلهية، هو نجاحٌ اسمه الخطر.
علمُ الجاهل في شيئين: في سكوته، وفي السكوت عنه
أشد ما في الكسل أنه يجعلُ العملَ الواحدَ كأنه أعمالٌ كثيرة
الرجلُ العظيم في فنه، قالبٌ إنسانيُ لا إنسان؛ فلا يُقاسَ إلا ليُقاسَ عليه غيرهُ
من هوان الدنيا على الله أن رذيلة المًلحد في رأي المؤمن هي أخت غفلة المؤمن في رأي الملحد
ليس في بغضاء اللئيم أبغضُ من طريقة إظهارها، إنه لا يعلن بُغضه بل لؤمه المبغضُ
الرأسُ الفارغُ من الحكمة لا يُوازنه في صاحبه إلا فمٌ ممتلئ من الثرثرة
ما أضيع النصح في الحب وفي الخمر؛ لأن العاشق والمُدمنَ كلاهما أشدُ افتقاراً لسروره منه إلى عقله
أفلا ترى المرأة أن طبيعته تجعلُ نظرها إلى الرجل في بعض الأوقات مهيأ لبعض العمى. . .
قال لي عاشقٌ حزين: ما أقدس الحزن الذي فيه روحانيةُ الفرح؛ إنه حزنٌ وسرورٌ وشهوةُ نفس
إذا لم يكن في الدنيا إلا قاضٍ واحدٌ ينفذُ قضاؤه، ثم احتجتَ أن ترفع قضية غصبٍ أو (نصبٍ) على هذا القاضي. . . فهذه صورةُ كل عاشقٍ ومعشوقة في الدنيا
رأيتْ في نومي ذات مرة أني دعوتُ طبيباً لمريض عندي؛ ثم قلت له وقد وصف الداء: هل نُسخنُ الماء؟ فقال: لا تسخن الماء؛ ولكن ضَعْه على النار حتى يَسْخُن. . . هذا بعينه أسلوبُ كبرياء المرأة العاشقة حيت تقول: لا على وزن (لا تسخن الماء ولكن. .)
إذا طال هجرُك لمن تحبها، كان أثرُ مرور الزمن عليها كأثره في الحرير المصبوغ؛ إن لم يبدُ في العين ذليلَ النسيج، بدا فيها ذليلَ اللون. . .
الرجلان العاشقان لامرأة واحدة لا يتحابان، والملكان الطامعان في مملكة واحدة لا يتسالمان،
стр. 6947
والطفلان الشريكان في لعبة واحدة لا يتصافيان. فاللعبة إمرأة الطفلين، والملك إمرأة الملكين؛ أما المرأة فهي إمرأة ومُلكٌ ولعبة، وأتم النساء من تجمعهن
يقول لك الزاهد العابد: أخرج من الدنيا وأدخل في نفسك، ويقول لك الماجن الخليع: أخرج من نفسك وادخل إلى الدنيا، ويقول لك الحكيم العاقل: كن في الإنسانية تكنْ في نفسك وفي الدنيا
تُرى ماذا يحتاجُ الحيوانُ في أوربا من قوام عيشه ولذاته، غير ما يحتاج إليه حيوانٌ مثله في قرية من قرى الزنج؟ فليس فقرُ المدينة فقر الطبيعة، ولكنه فن العقل والخيال والوهم. وهذه الطبيعةُ تكفي كل أهل الأرض شمساً وهواءً وطعاماً وشراباً وجمالاً. ولكنها لا تنبتُ خيالات للعيش ولا قواعدَ للعيش.
فأصبحت لا تكفي ما دام غنيُ واحد ينفق في لذة يومٍ قوت مدينة. لا يأكل الحمار الأرض كلها ليجيع الحمير. ولكن الغني يفعل ذلك
رأيتُ القوانين كملاجئ اللقطاء. هذه تربى صغار الأطفال وتلك تربى صغار الجرائم. .
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 6948
في الأدب المصري
مجالس الأدب في القرن الثامن عشر
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
لقد هممت اليوم أن أكتب إلى الرسالة الغراء مقالاً ثانياً أستأنف فيه وصف مجالس الأدب في مصر في القرن الثامن عشر في أيام رضوان بك أمير مصر وأحد مليكيها في ذلك العصر، ولكني رأيت الأمر قد استعصى علي إذ جعلت انقل من قول أحد شعراء العصر بعض ما راقني، وذلك الشاعر هو ابن الصلاحي، فرأيت ذلك البعض الذي اخترته قد زاد على المقدار الذي يجمل بي أن أجعله لمقال واحد. فعدلت عن رأيي الأول وقلت حسبي أن أخص بهذا المقال ذلك الشاعر وحده. ولعل الاختصار على حديث شاعر واحد أبلغ في قصدي وأقوى لحجتي التي أرمي من ورائها إلى بيان حقيقة في تاريخ مصر. فان غزارة قول شاعر واحد من شعراء هذا العصر لدليل على أن ثقافة ذلك العصر لم تكن ثقافة ضحلة، بل كانت ثقافة أعمق وأقوى مما يتوهمه الكثيرون
كان ابن الصلاحي ناظماً وناثراً وعالماً من علماء العصر. نال من العلم الموروث أقصى ما يناله المتطلع إلى الحياة العقلية. وقد كان تلميذاُ للشيخ محمد الحفني المشهور وأجازه ذلك الشيخ إجازة علمية قد يكون من الطريف أن ننقلها هنا. قال الشيخ:
(نحمدك يا عليم يا فتاح، يا ذا المن بالعلم والصلاح، ونصلي ونسلم على أقوى مسند، وعلى آله وصحبه معادن الفضل والمدد. أما بعد فان المولى العلامة الفهامة الحاذق الأديب، واللوذعي الأريب، مولانا الشيخ محمد الصلاحي السيوطي قد حاز من التحلي بفرائد المسائل العلية أوفي نصيب، بفهم ثاقب وإدراك مصيب، فكان أهلاً للانتظام في سلك الأعلام، بإجازته كما هو سنن أئمة الاسلام، فأجزته بما تضمنته هذه الوريقات، من العلوم العقلية والنقلية المتلقاة عن الاثبات، وبسائر ما تجوز لي روايته أو ثبتت لدي درايته، موصياً له بتقوى الله التي هي أقوى سبيل للنجاة، وألا ينساني من صالح دعواته في أوقات توجهاته، نفعه الله ونفع به، ونظمه في عقد أهل قربه، وأفضل الصلاة والسلام على أكمل رسل السلام وعلى أئمة الهدى، وصحبة نجوم الاقتدا. كتبه محمد بن سالم الحفناوي الشافعي ثامن جمادي الثانية سنة ثمان وسبعين ومائة وألف)
стр. 6949
وقد كان ابن الصلاحي فوق ذلك كاتباً حسن الخط كتب نسخة من القاموس بخط يده، وقد كان للخط الحسن نهضة في ذلك العصر مثل سائر أحوال البلاد، فقد نبغ من معلميه جماعة من أفاضل الكتاب مثل الضيائي والشاكري والحزانري والحمامي
ولكن أكبر ما امتاز به ابن الصلاحي ميله الى فن الأدب، فقد أخذ منه بالحظ الأوفر، وقد اتصل بحلقة الأدب في بلاط الأمير رضوان ونال من خيره الشيء الكير. على أنه كان غير منقطع إليه، بل كانت له مجالس خاصة مع جماعة من أدباء عصره ومشيخة العلم فيه. ولعل خير ما قاله من قصائد ما جاش في نفسه في تلك المجالس الخاصة
قال يصف خطرات نفسه
بُثا عن النائي الغريب … جملاً من الخبر العجيبِ
واستوقفا الركبان ما … بين الاراكة والكثيب
واستنشدا القلب الذي … قد ضاع من بين القلوب
سلبته يوم الدوحتي … ن طليعة الرشأ الربيب
وسرت به نحو الخيا … م يد الصبا ويد الجنوب
ترنو الهوادج عن صفا … شمس تميل إلى الغروب
والبدر يذهب من خلا … ل السحب في مرأى عجيب
والرق يخفق والمزا … هر مثل قلبي في وجيب
يا حادي العيس التي … سارت على قلبي الجنيب
علل عليل هوى فعه … دك ما تقادم بالطبيب
إني وإن شط النوى … وقف على حب الحبيب
كابدت ما كابدت من … شق المرائر والجيوب
وعلمت كيف تقوم أس … واق المعارك والحروب
ولقيت دون البيض وقع … السمر بالصدر الرحيب
من كل ريم جائل … في برد جردته النشيب
يحكى الغزالة في الترف … ع والغزالة في الوثوب
ألحاظه ترويك ديوا … ن الحماسة عن حبيب
стр. 6950
وقعات أسمهه ترك … ن جميع حسمي في ندوب
كم ليلة عانقت في … ها قامة الغصن الرطيب
في معهد ما فض عن … هـ الأنس إلا ختم طيب
والزهر يضحك من بكا … ء الطل بالثغر الشنيب
والريح تكتب في الغدي … ر حديث أسرار الغيوب
والطير تقرأ والغصو … ن تهز أعطاف الطروب
والورق تصدح في الغصو … ن بصوت محزون كئيب
في رنة الشادي وهي … نمة القطا والعندليب
عجماء تعرب في السؤا … ل وتستجيب بلا مجيب
والليل أرسل ذيله … رصداً على أعلى القضيب
يحكي الشعور كأنه … يروي الفروع عن الخطيب
أرنو وأحشائي من ال … حدثان في شك مريب
لولا الرقيب ظفرت من … لقياه بالفرج القريب
وكشفت من وصلي به … ما قد ألم من الكروب
ولئن حل بنفس القارئ من هذه النفثة مثل ما حل بقلبي، لأيقن أن ابن الصلاحي إنما كان يترجم عن قلب نابض بحياة حقيقية لا تكلف فيها، وأنه كان يصدح بأنغام تبين عن حرارة ووجدان طبيعي. وها هي ذي نفثة أخرى أختار منها البعض لا أنه أحسن ما بها، ولكنه مثل مما تحويه من آيات. وهي في مدح شيخه الحفني:
مِلْ بي فقد وقد الهجير … إني بظلك مستجير
وأرح مطيك يا سمي … ر فقد أضر بها المسير
هذا الحمى فارصد إذا … ما استأنس الظبي النفور
واطرق كناس الغيد حي … ث ينام راعيه الغيور
وأمط ستائره فذ … لك حين تنفتح الخدور
واسأل من الظبيات عن … عهد تضن به الصدور
واحفظ فؤادك أن تصي … ب عيونهن فهن حور
стр. 6951
من كل غانية يل … ح بوجهها القمر المنير
تختال في مرح الشبا … ب فيخجل الغصن النضير
تسعي فتعقدها روا … دفها وينهضها الحضور
سكرى رأت كسر القلو … ب فصار ناظرها الكسير
فعلت بسحر جفونها … ما ليس تفعله الخمور
حنثت معاطف خدها … لكن لواحظها ذكور
لم أنس إذ وافى البشي … ر يلوح في فمه السرور
إذ أقبلت ريح القبو … ل بها وأدبرت الدبور
فضممتها وبمهجتي … من حر أشواقي سعير
فتعوذت بالروض من … شر بأنفاسي يطير
روض تعلق بالمجر (م) … ة من جوانبه نهور
تبدو به زهر الزهو … ر لأنه فلك يدور
ضحكت ثغور زهوره … فبكى لها النوء المطير
وحنت نواعره وحن … ت وهي من غيظ تفور
ذكرت قديم عهودها … فأنهل مدمعها النمير
يا طيب أنفاس الربي … ع ففي تنفسها عبير
والجو مجمرة علي … ها من ضبابتها بخور
والورق ساجعة لها … في كل ناحية سمير
عجماء تعرب عن ضما … ئرنا وليس لها ضمير
والريح تعتنق الغصو … ن بها فتعتبق الزهور
وبدت شموس الراح تح … ملها الكواكب والبدور
وبكت عيون السحب حي … ن تساقط الدمع الغزير
نحنا معاً فتحلت ألم … أغصان منا والنحور
رعيا لذياك الحمى … والطرف متهيج قرير
ومرور أيام الصبا … من دونها العيش المرير
стр. 6952
ثم انتقل إلى مدح شيخه ومضى فيه مثل قوله:
ملأ النواظر منه إج … لالا وليس له نظير
وحماه ينفك الأسي … ر به ويستغنى الفقير
منن تذل لها الرقا … ب ولا يقوم بها الشكور
وجرت لنحو حماك آ … مالي وأنت بها جدير
خذها على شرط الصيا … رف إن ناقدها بصير
أليس هذا قولاً يترجم عن … قلب جياش وخيال وثاب؟
وقال في بعض مجالسه:
هات لي قهوة الشفا من شفاهك … وإسقنيها على فخامة جاهك
عاطينها يا أوحد العصر لطفا … وبديع المثال في أشباهك
يا غزالاً لو صور البدر شخصا … ليضاهيك في البها لم يضاهك
عاطنيها جهراً شفاها ولا تخ … ش ملاما فلذتي في شفاهك
وأرسل إلى صديق له:
ذكرتك لا أني نطقت وإنما … ذكرتك في نفسي فكنت سميرها
ذكرتك في روض تبسم عن شذا … وقد فتحت كف النسيم زهورها
ذكرتك والأطيار تنطق عن هوى … كأنك قد آويت منها ضميرها
فلا خير في أرض إذا لم تكن بها … سميراً ولا في روضة لن تزورها
ذلك مثل من أدب حي حياة تنبض قوية، يتفتح عن زهر نظير غض، وهو في الوقت عينه أدب عميق قوي، تسمع منه نغمة حلوة بليغة تدل على روح شعب محس بنفسه آخذ في سبيل الحياة والشباب
فالحق أن شعب مصر في القرن الثامن عشر، كان آخذاً في سبيل نهضة حقيقية في كل جوانبه، نهضة وطنية صرف لا تشوبها رطانة أجنبية ولا لوثة أعجمية ولا سيطرة غربية. نهضة لو سارت في سبيلها وبلغت قصاراها لكانت مصر بها اليوم في مستوى اليابان أو إيطاليا أو فيما هو فوق ذلك. غير أن القرن الثامن عشر، وا حسرتاه، انتهى بنكبة شاملة وداهية فادحة بإغارة الفرنسيين على مصر، واكتساحهم كل آثار تلك النهضة الشابة فقضى
стр. 6953
عليها ولما يتم نموها، وحفرت بين ماضي مصر وحاضرها هوة عميقة تقطع تيار الرقي الوطني، وتقف في سبيل وصل الطارف بالتالد
فمجد مصر السياسي في القرن الثامن عشر أصبح نسياً، ومجد مصر الاجتماعي في ذلك القرن ذلك قد أصبح أثراً دارساً، وجهاد مصر الدستوري قد صار دفيناً تحت أنقاض تلك الكارثة، فلم تبق منه معالم ولا آثار. غير أنا إن فاتنا أن نبني على أثر هذا التراث المنهوب، أو ضاع علينا أن نصل حاضرنا بذلك الماضي المضيع، فليس أقل من أن نعرف أن لنا في ذلك الماضي أنفاساً يليق بنا أن نحرض عليها، وأنغاماً يجمل بنا أن نسجلها
محمد فريد أبو حديد
стр. 6954
كيف حفرت بئراً. . . . . . لنفسي؟
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
شقراء، ذهبية الشعر، لا أدري كيف أنبتتها هذه الصحراء؟ ومن بنات الفقراء، ولكن لها دلاً وأناقة تخطئهما عند اللواتي نشأت في كنف النعمة والترف والثراء، وفي كلامها خفة وهَزَجٌ، وفي مشيتها تبختر لا يقل، وميسْ ليس من الاختيال. وكانت ترسل شعرها الوحف ولا تفرقه أو تضفره أو تعقصه، بل ترده عن جبينها الوضاء وتحسر جمته عن أذنٍ، وتستر أذناً. ولا تثبته بالأمشاط أو الدبايبس، ولا تعصب رأسها بالمناديل، فإذا عبث به الهواء وأسال قصتها على وجهها رفعت الشعرات بإصبعها أو نحتها عن أذنها، وكنتُ لا أراها تبتسم إلا خيل إلى أنها ترى حلماً يسرها فيثب قلبي إلى حلقي، واجد حر النار في كفى
وكان بيتي في ذلك الوقت على (تخوم العالمين) وكانت له حديقة صغيرة جعلتها شغلاني. وكان الماء كثيراً وثمنه زهيداً، لا يتجاوز خمسة عشر قرشاً في الشهر بالغاً ما بلغ ما أجريت منه، فكنتُ آخذ كفايتي منه وأسنه على وجهه للجيران، وكانت هذه الشقراء تجيء كل مساء بجرة فتملؤها مرةً أو اثنتين أو عشراً - كما تشاء. فأقف لها وأحادثها وأساعدها على رفع الجرة إلى رأسها. ولم تكن هي الوحيدة التي تستسقي، ولكنها كانت أبرعهن شكلاً وأخفهن على الفؤاد، وكانت تأنس مني الميل إليها والإعجاب بها، فتطيل الوقوف معي أحياناً، أو تتولى عني عزق الأرض أو بذر الحب أو سقي الزرع، وإجتزاز الكلأ والعشب والحشيش أو نزع ذلك بأصوله، وكانت أعرف مني بذلك كله واخبر، وكانت تضحك مني لجهلي فتقول لي مثلاً:
(ألا تحش هذه الملوخية؟ لقد كادت تكتهل)
فأقول: (ملوخية؟ لقد طرحتُ هنا حب فجل فكيف تخرج الأرض ملوخية؟)
فتقول: (كلا، هذه ملوخية وقد بلغ نبتها المدى، فاختضرها وإلا فسدت)
فأقطع ورقة وأمضغها فأجد طعم الملوخية ولا أجد طعم الفجل، وكنت أهمل أن أكتب أسماء البذور على الورق الذي أحفظه فيها، واعتمد على ذاكرتي والذكاء فيختلط علي الأمر، وأروح أظنني زرعت جزراً فإذا هو خيار، وكنت لجهلي ألقي البزر ولا أعني بإعداد
стр. 6955
الأرض وإخلائها من الحجارة، وكانت أرض هذه الحديقة جَلْدَةً في مواضع كثيرة وفي بطنها حجارة غليظة مختلطة بطينها، فلا يخرج شيء مما يقع على هذه الجلاميد.
فكانت الشقراء تنبهني إلى ذلك وتعرفنيه. وكنت ربما تركت في الشتاء ما لا يبقى عليه أصله، وقلعت ما يُبيد الشتاء فرعه ويُبقي أرومته، فتصلح لي من خطئي ما يتيسر إصلاحه، ولم أكن أعرف الفرق بين ما يسمو من النبات صُعداً ويستغنى بنفسه، وما يحتاج، وهو يسمو، إلى ما يتعلق به ويرقي فيه، وما يتسطح على وجه الأرض، فأغرس الأعواد لما ينبت مفترشاً، وأدع ما يحتاج إلى التعلق بلا عصب، فكانت هي تعلمني وتقوم المعوج وتعالج ما أفسدت
ثم حدث ان شركة الماء وضعت لنا في البيت (عداداً) يحاسبنا على القطرات بعد أن كنا نأخذ بلا حساب، ولا ننقدها في الشهر إلا خمسة عشر قرشاً، فأرهقني هذا (العداد) وكلفني فوق ما أطيق، وصرت بين أمرين: إذا أبقيت على الحديقة جعت وتضورت، فان أرضها كثيرة الرمل يذهب فيها الماء ولا يبقي منه للنبات ما يكفيه، فحاجتها إلى السقي لا تنقضي. وإذا أنا ضننتُ بالماء ذهبت الحديقة. فشق على ذلك واشتد همي، وطال وجومي من جرائه. ورأت هي اغتمامي وسهومي فسألتني فأمضيت بشجني فقالت:
(احفر بئراً)
قلت: (ايه؟ أحفر بئراً؟)
قالت: (نعم. ماذا يمنع أن تفعل؟)
قلت: (يمنع أن هذه أرض مضرسة، حشوها حجارة ولا يمكن أن يكون في جوفها ماء)
قالت: (من أدراك؟ إني أعتقد أن في أرضك ماء غزيراً)
قلت: (أما الحرث والزرع فشيء عرفنا أن تعرفينه، وإن كنت لا أدري من أين جاءك هذا العلم، وأما الآبار وحفرها. .)
فقاطعتني وقالت: (أظنني أستطيع أن أدلك على موضع العين في هذه الأرض - غداً في النهار اختبر الأرض وأجسها)
وفي عصر اليوم التالي جاءت وفي يدها عود على هيئة اللام ألف، ولكن في ساقه، قبل موضع التشعب، طولاً وقالت:
стр. 6956
(أنظر. سأجس الأرض بهذا) ورفعته لعيني
فقلت: (وكيف تصنعين؟ إنه غصن لا أكثر)
قالت: (هو حسبي. وما أعرفه خذلني أو كذبني قط، ولكن عهدي بهذا الجس بعيد وأخشى أن أكون فقد فقدت القدرة على استنبائه)
قلت: (استنباؤه؟ أو يقول لك هذا الغصن أين منبع الماء في جوف الأرض؟)
قالت: (نعم، وسترى بعينك إذا وفقني الله)
وأقبلت على الأرض تجسها شبراً شبراً، وكانت تضع العود على الأرض كأنها تغرسه فيها بأصابعها وتنظر إلى شعبيته برهة، ثم ترفعه وتقدمه خطوة أو خطوتين، وهكذا يميناً وشمالاً، حتى رأيت إحدى الشعبتين تميل قليلاً فعجبت
فقالت: (هنا ماء ولكنه قليل)
ومضت تنقل العود من مكان إلى مكان حتى بلغت الجدار الآخر فقالت:
(يخيل إلي أني سأخفق)
فلم أقل شيئاً، وماذا عسى أن أقول؟ لقد تركتها تختبر الأرض وأنا كافر بها - أعني بالفتاة وقدرتها على الاهتداء إلى منابع الماء في بطن الأرض، ولكني قلت إنه لا بأس علي من ذلك، وحسبي أني أقضي معها ساعة أنعم فيها بحديثها وبالنظر إليها، ولكن انثناء العود إلى الأرض، من تلقاء نفسه، ومن غير أن يمسه شيء حيرني، وصرفني عن الفتاة وجمالها، إلى هذه الظاهرة الغريبة
وجعلت أقول لنفسي: (إذا كان كل ما يتطلبه الأمر أن يجيء الإنسان بمثل هذا العود ذي الشعبتين، وأن يركزه أو يغرسه في الأرض، فإذا كان هناك ماء انثنى وحده، فما أسهل ذلك!! وكيف غاب هذا عن الناس وفاتهم هذا العلم اليسير؟)
ولم أكتم هذا الذي دار بنفسي، فقالت بابتسام: (لا. إن المعول على اليد لا على العود)
ولم افهم شيئاً، ولكني سكت، فقد تجهمتْ، وطال سكوتها وتقطيبها، وثبت حملاقها، وبدت لي كأنها تعصر نفسها عصراً، ثم قالت:
(افتح هذا الباب)
وكان باب حجرة مهجورة في فناء البيت، نحبس فيها الدجاج، ففتحته فدخلت وقالت: (انزع
стр. 6957
هذا البلاط)
فأطعت، وتجشمت عناء شديداً، ولكني أمضيت لها مشيئتها، فحنت على الأرض، وأقامت العود في ترابها، وإذا بالشعبتين جميعاً - بعد هنيهة - تنثنيان على الأرض - عمودياً - حتى لخيل إلي أنهما ستقصفان
ونهضت، ومسحت العرق المتصبب، وقالت:
(هنا يجب أن تحفر. الماء غزير، ولكنه بعيد. وماذا يهم؟ ستجد فوق الكفاية من الماء)
ولم يخالجني شك في صدقها، فجئنا بعد أيام بالرجال، فحفروا ووسعوا، واحتجنا أن نهدم الجدار الذي فيه الباب فأتينا عليه، وانحدر الرجال الى أكثر من ستة أمتار، وقضوا في ذلك أياماً طويلة، حتى بلغ أحدهم حجراً فزحزحه بالمعول فأنبط الماء من تحته واستغنيت عن شركة الماء
وقلت للفتاة: (لماذا جشمت نفسك هذا العناء)
قالت: (هو جزاء المعروف)
قلت: (ليس إلا؟)
قالت: (وعز علي أن تضطر الى تضييع الحديقة)
قلت: (وماذا أيضاً؟)
قالت: (لا أدري ماذا أيضاً؟ غلبني شعوري)
قلت: (ليس في وسعي أن أجزيك. . .)
قالت تقاطعني: (لا تحاول!. . . حسبي أني أعدت الى وجهك الابتسام)
قلت: (اسمعي. إن الحديقة مدينة لك بحياتها، وأنا مدين لك بمعنى هذه الحياة، ولست أظنها تقوي على فراقك، ولا أنا يا فتاتي. . . . . .)
قالت: (لم أصنع شيئاً)
قلت: (أزخرت حياة كادت تجف وتذوي، فماذا يستطيع إنسان أكثر من هذا؟)
قالت: (كلا. كل ما صنعت أني وجدت ماء، وقد وجدته مائة مرة قبل اليوم، فلم أسمع مثل كلامك. . . . إنك تمزح ولاشك!)
قلت: (بل أنا جاد. لا غنى بي ولا بالحديقة عنك. . . فما قولك؟)
стр. 6958
قالت: (كلا. للحديقة صاحبها. ولك الدنيا، أما أنا فذاهبة)
قلت: (ذاهبة؟ أين؟)
قالت: غدا - أو بعد غد - يرحل أبي، وأنا معه، فما بقي ما يستوجب مقامنا)
فدنوت منها ووضعت يدي على كتفها وسألتها:
(أنت أو عزت إليه؟)
قالت، وهي مطرقة: (نعم. والآن أستودعك الله!)
فتعلقت بها فلم يجدني ذلك وقالت:
(أنا بنت الصحراء، وأنت ابن المدينة. . . لست لي، ولست لك. . . . وقد تركت لك الحديقة. . . لتذكرني بها)
وكان هذا آخر عهدي بها. . .
ولكني لم أطق هذه الذكرى، ولم أعد أحتمل أن أرى الحديقة أو البئر التي حفرتها، فتركت ذلك كله وانتقلت الى بيت آخر. . . بعيد. . . . بعيد جداً، ولا حديقة له
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 6959
الغرض من التربية في المدرسة الإنجليزية
للأستاذ محمد عطية الأبراشي
المفتش بوزارة المعارف
الغرض من التربية الإنجليزية تهذيب الخلق وتربية الروح والعقل والجسم، مع المحافظة على الاستقلال الشخصي لكل فرد من الأفراد. ولا يُقاس النجاح في التعليم بإنجلترا بمقدار ما يعرف التلميذ من المواد الدراسية فحسب، ولكنه يقاس كذلك بما يستطيع أن يفعله وبمقدار استعداده للعمل. فعلى هذه الأسس الثلاثة وهي: العلم، والقدرة على العمل، والاستعداد للعمل - يقاس النجاح في التعليم بإنجلترا. ومع أن عدد المتعطلين هناك قد بلغ نحو ثلاثة آلاف ألف عامل، وعدد المتخرجين في المدارس كل سنة يبلغ نحو ٢٥٠ ألف شاب لا تجد فرداً واحداً يقول: أغلقوا المدارس، ولكنك تجد من يقولك أطيلوا مدة الدراسة، وافتحوا موارد العلم لطلابه، فبغير نور العلم لا تزدهر نهضة، وبغير المدارس لا تعتز أمة. والحياة العملية مفتوحة أمام الجميع.
وإذا ترك الطالب المدرسة وكان عالماً قادراً على العمل، مستعداً لأن يعمل، فلا خوف عليه في هذه الحياة. وما المدرسة إلا عالم مصغر، فالحياة المدرسية الإنجليزية صورة من الحياة العالمية الخارجية، تُعد التلميذ للحياة الاجتماعية التي تنتظره، فيخرج من المدرسة عالماً بشؤن الحياة، يحاول أن يعرف نفسه، ويعرف العالم الذي يعيش فيه، عاملاُ بما علم، مستعداً لأن يعمل أي عمل تصل إلى ذروة العلا. يعيش الشاب في عالم الحقيقة لا عالم الخيال، ولا يضيره أن يظهر صغيراً في عمله في بدء الأمر، بل يعمل ويثابر، ويخطئ ويصيب، ويجتهد حتى يصل إلى الكمال أو ما يقرب منه
وإذا تمثلت الروح العسكرية في التربية الألمانية، وظهرت الروح التعاونية في التربية الأمريكية، فتربية الشخصية المستقلة تتمثل في التربية الإنجليزية
وإن روح التعليم في إنجلترا مؤسسة على دراسة الطفل والتفكير فيه، وفي شخصيته ومستواه، وتقديمه على سواه؛ أي مؤسسة على التضحية بكل شيء في سبيل النهوض به فالطفل هو مركز التعليم، وهو النقطة الرئيسية التي يعني الجميع بها، وهو الذي يضحي من أجله بكل شيء. ولئن عني الأسبرطيون قديماً بالقوة الجسمية والتربية العسكرية، واهتم
стр. 6960
الاثينيون من اليونان القدماء بالفلسفة وتربية الذوق وحب الجمال، وأولع الرومان في غابر الأزمان بالخطابة والقوة الكلامية فلقد عني الإنجليز اليوم بأعداد الطفل للحياة، للقيام بواجبات الحياة
وقد رأى أحد الإنجليز، ورأى فلاسفة اليونان من قبل، أن العقل السليم في الجسم السليم، ولكن المربين من الإنجليز يرون الآن أن يضيفوا إلى العقل السليم والجسم السليم: الخلق القويم، والشعور بالواجب. فالمدرسة الإنجليزية لا تفكر في تعليم المواد فحسب، بل تعمل على تربية العقل، والجسم، والخلق، وتهذيب الادارة، وتقوية الملاحظة لدى كل فرد، وتعطيه الفرصة في أن يستفيد من قوانين الطبيعة، ويقدر ما فيها من فن أو جمال، وتفهمه الحياة كما هي، وتشعره بواجبه نحو غيره وواجبه نحو الله ونفسه وأمتهن وتعده للحياة الكاملة. فللمدرسة أثر كبير في تكوين الطفل لا ينقص عن اثر المنزل والأصدقاء وتجارب الحياة
وإن المدرسة الإنجليزية تشعر بالواجب الملقي على عاتقها نحو التعليم، ونحو تحسين الأحوال الاجتماعية والصحية والخلقية، وتقوم به خير قيام. والمدرس الإنجليزي في إنجلترا يستطع بما له من نفوذ، وباجتهاد في أن يكون المثل الأعلى الذي يصح الاقتداء به - أن يثبت في نفوس التلاميذ أحسن العادات من الجد والمثابرة على العمل وأداء الواجب، وكتمان الشعور، وإجلال كل نبيل، والاستعداد لتضحية النفس، والعمل على الوصول إلى الحقيقة والشعور بالواجب والاستقامة. فالمدرس يعمل على تكوين أعضاء عاملين ينفعون المجتمع الذي يعيشون فيه بحيث تفخر بهم الأمة التي ينسبون إليها
محمد عطية الأبراشي
стр. 6961
إلى الأستاذ توفيق الحكيم
سياحة في نهر (الجنون)
هل هناك اقتباس. . . .؟!
بقلم جورج وغريس
ليعذرني الأستاذ توفيق الحكيم إن أردت أن أقوم بسياحة قصيرة في (نهر الجنون) ذلك النهر الرهيب الذي شاء الأستاذ أن يتدفق ماؤه من قطرات قلمه على صحائف إحدى عشرة من (مجلتي) الغراء في العدد الرابع منها الصادر في منتصف شهر يناير الماضي. والحق إنني لا أخشى أن أصاب بالجنون إن قمت بسياحة قصيرة في ذلك النهر أو انتهل جرعة من مائه، فليس أحب الى نفسي من أن ترشف من فيض ذلك القلم العذب الذي يذكرنا بصاحب (أهل الكهف) و (شهرزاد) و (عودة الروح). . . .
ونهر الجنون الذي خطر لي أن أكتب عنه هو عنوان لقصة تمثيلية طريفة من فصل واحد تناولها الأستاذ الحكيم في حوار لطيف، وتتلخص وقائع تلك القصة في أنه في قديم الزمان كان يجري في بلاد نائية نهر يشرب منه سكان تلك الجهة، ففي إحدى الليالي نقمت الآلهة على ذلك النهر، فأرسلت أفاعيها تهبط من السماء ثم تسكب سمومها في مائه فإذا به في لون الليل، ويرى الملك كل ذلك في رؤيا هائلة، ويسمع من يهتف به: (حذار أن تشرب بعد الآن من نهر الجنون. . . .) فيمتنع الملك هو ووزيره عن الشرب من ماء النهر، ويكتفيان بنبيذ الكروم فإذا بهما في تمام قواهما العقلية. أما الملكة وسائر أفراد الشعب فانهم يتهافتون على الماء ويستقون منه فيصيب عقولهم مس من الجنون.
فإذا كان أول هذا الفصل يظهر الملك منفرداً مع وزيره في القصر، ويتحادث معه في تل الرؤيا الهائلة التي رآها، ويبدي جزعه الشديد أن تشرب الملكة مع الشاربين من النهر برغم تحذيره إياها فيصيبها الجنون كما أصاب جمع الناس الذي شربوا معها، ثم يُظهر حزنه لعظيم على عقلها الراجح وذهنها اللامع في سماء تلك المملكة، ويتمنى لو أن وزيره أمكنه أن يجد لها الدواء الناجع، أو لو أنه استطاع أن يحضر لها رأس الأطباء، فيخبره وزيره أن رأس الأطباء أيضاً قد أصابه الجنون، فيسأله أن يأتي لها بكبير الكهان فيعلمه
стр. 6962
أنه أيضاً مجنون لأنه شرب مع الشاربين، ولا يوجد في المملكة من لم يشرب من ماء النهر سواهما، فيحزن الملك لذلك أشد الحزن، ويذهب، ويذهب مع وزيره الى معبد القصر يسألان السماء الغوث والرحمة. . . .
يخرج الملك والوزير من باب فتدخل من باب آخر الملكة ورأس الأطباء وكبير الكهان، ويبدو الجزع على وجوههم، ويتحدثون عن الملك ووزيره اللذين أصيبا بالجنون لامتناعهم عن الشرب من النهر دون جميع الناس، وتسأل الملكة رأس الأطباء وكبير الكهان أن يستخدما الطب ويستنزلا المعجزات لإنقاذ الملك من هذا الجنون المفرط فلما يُظهر كل منهما عجزه عن رده الى صوابه تحزن الملكة لذلك أشد الحزن وتشير عليهما ألا يذيعا الخبر لأن المصيبة سوف تكون فادحة لو علم الناس أن الملك والوزير قد جنا. وتبكي المكلة زوجها الذي أصبح معتوهاً لا يذكر النهر إلا في فزع، ويزعم ن ماءه مسموم ولا يشرب إلا نبيذ الكروم، وبينما هي تدير الرأي معهما تلمح الملك آتيا عن بعدن فتطلب منهما أن يتركاها منفردة معه، لعلها تستطيع أن تقنعه بأن يشرب من ماء النهر، ثم يقبل عليها الملك، فيتفرس كل منهما في صاحبه وفي قلب كل منهما إشفاق على الآخر لما أصابه من الجنون، فتسأله الملكة عن السر في هذه النظرات العميقة، فيجيبها أنه يسأل السماء أن تستجيب دعاءه، فتفرح الملكة لهذه الرغبة في الشفاء وتخبره أنها عثرت على الدواء المطلوب، وأن هذا الدواء هو أن يشرب من ماء النهر، فيغتم الملك ويعود الى حزنه ويأسه، لأنه كان قد ظن أن الملكة قد اهتدت الى دواء لشفاء جنونها، ويخرج صارخاً بوزيره ينجده.
أما الوزير الذي كان في خارج القصر فيدخل على الملك في تلك اللحظة وهو يرتجف من الخوف ويخبره أن جميع الناس أصبحوا يعتقدون أن الملك ووزيره قد أصيبا بجنون، أما هم فعقلاء؛ فيدهش املك لذلك أشد الدهش ويدور بينه وبين وزيره الحوار الآتي:
الملك: صه! من قال هذا الهراء. . . . . .؟
الوزير: تلك عقيدتهم الآن
الملك: (في تهكم حزين) نحن المصابان وهم العقلاء. . . .!
أيتها السماء رحماك! إنهم لا يشعرون أنهم قد جنوا
стр. 6963
الوزير: صدقت
الملك: يخيل إلي أن المجنون لا يشعر أنه مجنون
الوزير: هذا ما أرى
الملك: إن الملكة وا حسرتاه كانت تحادثني الآن وكأنها تعقل ما تقول، بل لقد كانت تبدي لي الحزن وتسدي إلي النصح
الوزير: نعم نعم. . كذلك صنع بي كل من قابلت من رجال القصر وأهل المدينة
الملك: أيتها السماء رفقاً بهم!
الوزير: (في ترد) وبنا. . . .؟!
الملك: (متسائلاً في دهش) وبنا. . . . .؟!
الوزير: مولاي. . . إني. . . . أريد أن أقول شيئاً
الملك: (في خوف) تقول ماذا؟
الوزير: إني كدت أرى
الملك: (في خوف) ترى ماذا.
الوزير: انهم. . . كل شيء
الملك: من هم؟
الوزير: الناس المجانين. إنهم يرموننا بالجنون ويتهامسون علينا ويتآمرون بنا، ومهما يكن من أمرهم وأمر عقلهم فان الغلبة لهم، بل انهم هم وحدهم الذين يملكون الفصل بين العقل والجنون. لأنهم هم البحر وما نحن الاثنان إلا حبتان من رمل. . أتسمع مني نصحاً يا مولاي. . .؟
الملك: أعرف ما تريد أن تقول
الوزير: نعم هلم نضع مثلهم ونشرب من ماء النهر!
الملك: (ينظر إلى وجه الوزير ملياً) أيها المسكين! إنك قد شربت. أرى شعاعاً من الجنون يلمع في عينك
الوزير: كلا لم أفعل بعد
الملك: أصدقني القول
стр. 6964
الوزير: (في قوة) أصدقك القول أني سأشرب. وقد أزمعت أن أصير مجنواً مثل بقية الناس: إني أضيق ذرعاً بهذا العقل بينهم
الملك: تطفئ من رأسك نور العقل بيدك!
الوزير: نور العقل! ما قيمة نور العقل في وسط مملكة من المجانين؟ ثق أنا لو أصررنا على ما نحن فيه لا نأمن أن يثب علينا هؤلاء القوم. إني لأرى في عيونهم فتنة تضطرم، وأرى أنهم لن يلبثوا حتى يصيحوا في الطرقات (الملك والزير) قد جنا. فلنخلع المجنونين)
الملك: ولكن لسنا بمجنونين
الوزير: كيف نعلم؟
الملك: ويحك. . . أتقول حقاً؟
الوزير: إنك قد قلتها الساعة يا مولاي: إن المجنون لا يشعر أنه مجنون
الملك: (صائحاً) ولكني عاقل وهؤلاء الناس مجانين!
الوزير: هم أيضاً يزعمون هذا الزعم
الملك: وأنت ألا تعتقد في صحة عقلي؟
الوزير: عقيدتي فيك وحدها ما نفعها؟ إن شهادة مجنون لمجنون لا تغنى شيئاً
الملك: ولكنك تعرف أني لم أشرب قط من ماء النهر
الوزير: أعرف
الملك: وأن الناس كلهم قد شربوا منه
الوزير: أعرف
الملك: وإني قد سلمت من الجنون لأني لم أشرب وأصيب الناس لأنهم شربوا
الوزير: هم يقولون إنهم إنما سلموا من الجنون لأنهم شربوا وأن الملك إنما جن لأنه لم يشرب
الملك: عجباً! إنها لصفاقة وجه
الوزير: هذا قولهم وهم المصدقون. أما أنت فلن تجد واحداً يصدقك
الملك: أهكذا يستطيعون أيضاً أن يجترئوا على الحق؟
الوزير: الحق؟ (يخفي ضحكه)
стр. 6965
الملك: أتضحك؟
الوزير: إن هذه الكلمة منا في هذا الموقف غريبة
الملك: (في رجفة) لماذا؟
الوزير: الحق والعقل والفضيلة كلمات أصبحت ملكاً لهؤلاء الناس أيضاً. هم وحدهم أصحابها الآن
الملك: وأنا. . .؟
الوزير: أنت بمفردك لا تملك منها شيئاً (الملك يطرق في تفكيره وصمت)
الملك: (يرفع رأسه أخيراً) صدقت إني أرى حياتي لا يمكن أن تدوم على هذا النحو
الوزير: أجل يا مولاي. وإنه لمن الخير لم أن تعيش مع الملكة والناس في تفاهم وصفاء ولو منحت عقلك من أجل هذا ثمناً
الملك: (في تفكير) نعم إن في هذا كل الخير لي. إن الجنون يعطيني رغد العيش مع الملكة كما تقول. وأما العقل فماذا يعطيني. . .؟
الوزير: لا شيء. . . أنه يجعلك منبوذاً من الجميع مجنوناً في نظر الجميع
الملك: إذن فمن الجنون إلا أختار الجنون
الوزير: هذا عين ما أقول
الملك: بل إنه لمن العقل أن أوثر الجنون
الوزير: هذا لا ريب بين العقل والجنون
الملك: ما الفرق إذن بين العقل والجنون
الوزير: (وقد بوغت) انتظر. . . . (يفكر لحظة) لسن أتبين فرقاً
الملك: (في عجلة) على بكأس من ماء النهر
هذا مجمل القصة والجزء المهم من الحوار الذي دار بين الملك ووزيره، وانتهيا منه بأن العقل لا يغنيهما شيئاً في ملكة من المجانين، لذلك آثر أن يكونا منهم. وموضوع القصة - كما ترى - لطيف طريف، وليس في هذا مجال لشك أو موضع لغرابة، ولكن مما استرعى نظري إنني كنت أقرأ بدايتها قراءة الشاعر بما سيحدث في نهايتها، فما أتيت على آخرها حتى ظللت أفكر فيمن سمعت أو قرأت عنه تل القصة حتى هداني التفكير الى كتاب
стр. 6966
(المجنون) للمرحوم جبران خليل جبران فعثرت فيه على قصة قصيرة تحت عنوان (الملك الحكيم) وقبل أن أقول عنها شيئاً أورد نصها فيما يلي:
(كان في إحدى المدن النائية ملك جبار حكيم، وكان مخوفا لجبروته محبوباً لحكمته - وكان في وسط تلك المدينة بئر ماء نقي عذب يشرب منه جميع سكان المدينة من الملك وأعوانه فما دون، لأنه لم يكن في المدينة سواه. وفيما الناس نيام في إحدى الليالي جاءت ساحرة إلى المدينة خلسة، وألقت في البئر سبع نقط من سائل غريب، وقالت: (كل من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصير مجنوناً)
وفي الصباح التالي شرب كل سكان المدينة ماء البئر وجنوا على نحو ما قالت الساحرة، ولكن الملك والوزير لم يشربا من ذلك الماء
وعندما بلغ الخبر آذان المدينة طاف سكانها من حي الى حي، ومن زقاق الى زقاق، وهم يتسارّون قائلين (قد جن ملكنا ووزيره. . إن ملكنا ووزيره أضاعا رشدهما. إننا نأبى أن يملك عليك مليك مجنون. هيا بنا نخلعه من عرشه!)
وفي ذلك المساء سمع الملك بما جرى، فأمر على الفور بأن يملأ حق ذهبي (كان قد ورثه عن أجداده) من مياه البئر. فملأوه في الحال وأحضروه إليه. فأخذ الملك بيده وأداره إلى فمه.
وبعد أن ارتوى من مائه دفعه إلى وزيره فأتي الوزير على ثمالته
فعرف سكان المدينة بذلك وفرحوا فرحاً عظيماً جداً، لأن ملكهم ووزيره ثابا إلى رشدهما)
فما رأي القارئ اللبيب في هذا. . . . . .؟ وما رأي الأستاذ الفاضل فيما كتب. . .؟ أليس هناك تشابه تام بين القصتين في الفكرة والمعنى والأشخاص بل وفي بعض الألفاظ. . . . . . . . . .؟
إني مع احترامي الشديد وتقديري العظيم للكاتب الفنان، أرى في ذلك أحد أمرين: إما أن تكون الفكرة مأخوذة مما كتبه المرحوم جبران خليل جبران، وليس في هذا حرج، ولكن كان الأجدر بالكاتب في هذه الحالة أن يذكر اسم المؤلف الذي اخذ عنه تلك الفكرة، وله بعد ذلك الفضل في تقربها إلى الأذهان بصوغها في قالبه الخاص الرائع، وفي تحويرها من حكاية قصصية إلى قصة تمثيلية
стр. 6967
وإما أن يكون ذلك من قبيل توارد الخواطر وتشابه الأفكار بين كاتبين مختلقين في زمنين متقاربين، وليس في هذا أيضاً من حرج. . . ولكن دعني ألا أعتقد به هنا قبل أن تأتيني بجرعة من ماء ذلك النهر في حق من ذهب أو إناء من خزف
إسكندرية
جورج وغديس
(الرسالة) هناك فرض ثالث وهو ان يكون مصدر الكاتبين
واحداً
стр. 6968
الشيخ الخالدي
مجلس أخر من مجالسه
للدكتور عبد الوهاب عزام
كتبت في عدد من الرسالة ما سمعته من الشيخ الخالدي في أحد مجالسه بحلوان. واليوم أنشر حديثاً آخر حدث به في مجلس بالروضة:
جمعني والشيخ الجليل مجلس في دار الأستاذ عبد الحميد العبادي ليلة الاثنين الثالث والعشرين من رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف، فلما اطمأن بنا المجلس قلت: قد سمعنا حديث شيخنا العلامة عن المدراس في المشرق إبان مجد المسلمين، فهل له أن يتم الحديث بذكر مدارس مصر والمغرب
قال: بقي من دارس المشرق مدارس الأناضول، ومنها مدرسة آلتون باي التي بناها السلاجقة في قونية، وبقيت معمورة الى زمن الحرب الكبرى. وقد طلب العلم بها السيد الشريف الجرجاني والفناري (وها من ذرية سيدنا عمر. وسيف الدين الآمدي عربي من بني ثعلية إخوة بني يربوع). وفيها مدرسة قره طاي كبير في قونية، ولا تزال آثاره قائمة وهي من بناء السلاجقة أيضاً، وقد درس فيها جلال الدين الرومي، وفي بروسة مدرسة السلطان مراد الأول ومدرسة السلطان محمد حلبي. ومن علمائها الخيالي وخواجه زاده الذي كتب (تهافت الفلاسفة) يتوسط فيه بين الغزالي وابن رشد؛ ومن علمائها كذلك ملاخسرو وحسن جلبي. وله حاشية على كتاب المطول في البلاغة
ومن مدارس حلب المدرسة الحلوية وكان يقرأ فيها الكاشاني صاحب كتاب البدائع في الفقه، وكان يفتي هو وامرأته، لا يخرج الفتوى حتى تعرض عليها. ثم المدرسة المستنصرية في بغداد في غنى عن التعريف
ومن مدارس مصر المدرسة الكاملية التي بناها الملك الكامل الأيوبي ومدرسة صلاح الدين، بناها للأمام نجم الدين الخبوشاني قرب مسجد الإمام الشافعي. والخبوشاني منسوب إلى خبوشان إحدى قرى نيسابور. وقد دفن بجانب الإمام الشافعي واندثر قبره، والمدرسة الصالحية التي أسسها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكانت لمذاهب الفقه الأربعة، والمدرسة الشيخونية , وكل هذه المدارس كانت صغيرة القدر بالقياس إلى جامع عمرو
стр. 6969
الذي كان مباءة العلوم الإسلامية منذ الفتح الإسلامي إلى القرن التاسع. وقد رأيت بالآستانة كتباً قديمة قرئت بجامع عمرو وعليها سماعات العلماء إلى سنة ٧٠٠ وسنة ٨٠٠ والشاطبي إمام القراء درس بهذا الجامع. ومن دور العلم في القاهرة خانقاه سعيد السعداء بالجمالية، وكان ينزل بها كبار العلماء، وممن نزل بها القطب الشيرازي والشريف الجرجاني، ومبارك شاه المنطقي، وقطب الدين الرازي. ويؤسفني ان وزارة الأوقاف لا تعني بها عناية تكافئ مكانتها في التاريخ الإسلامي: ومن مدارس القاهرة مدرسة المؤيد
وأما الأزهر فقد صار من دور العلم الكبير بعد سنة تسعمائة، وعلماؤه الذين ذكرهم الجبرتي متأخرون وأقدمهم الشيخ خالد الأزهري. وأما ابن هشام وابن عقيل فلم يتعلما فيه
وكان في الإسكندرية دار الحديث، ومدرسة الحافظ السلفي، وكان ينزل بها العلماء الوافدون من المغرب، ومدرسة الأمام الطرطوشي مؤلف سراج الملوك
ودور العلم في المغرب كانت جامع القيروان؛ قرأ فيه أصحاب الإمام مالك وأئمة مذهبه ومنهم سحنون، وابن عكر، وابن الحداد، وسحنون الصغير، وابن اللباد، والإمام اللخمي أحد محرري مذهب مالك، وعبد الحميد الملقب بمالك الصغير، وهو شيخ المازري، وغير هؤلاء ممن ذكروا في كتاب معالم الإيمان في تاريخ القيروان لابن ناجية، وهو شارح الرسالة التي ألفها عبد الله ابن أبي زيد صاحب كتاب النوادر، وهذا الكتاب واحد وعشرون مجلداً في مكتبة أياصوفيا، وبعض مجلداته في مكتبة القرويين بفاس
وجامع الزيتونة بتونس، وهو قديم عمره بند الأغلب سنة ١٤٥. ومن علمائه المازري شارح صحيح مسلم، وشارح التلقين للقاضي عبد الوهاب وهو عشر مجلدات كبار. ولا تزال اسطوانته معروفة في الجامع، وابن عبد السلام، وابن عرفة، وابن خلدون، وابن راشد القفصي وهو أعلمهم، والوانشريسي صاحب كتاب المعيار، والأبي شارح صحيح مسلم (وشرح المازري الذي ذكرته آنفاً اسمه المعلم في شرح صحيح مسلم، وكتاب الأبي اسمه متمم المعلم، وللقاضي عياض شرح اسمه إكمال المعلم)، ويحيى بن خلدون أخو عبد الرحمن بن خلدون المعروف، وأبو الحسن الشاذلي، وله أسطوانة في الجامع معروفة. ومن دور العلم بجاية وتلمسان، وكان بها مدرسة السلطان أبي الحسن المريتي، ومدينة سبتة، وقد ألف فيها القاضي عياض كتاب العيون الستة في أخبار سبتة. وهو كتاب يشهد بكثرة
стр. 6970
العلماء الذين نبغوا فيها.
ومن دور العلم العظيمة جامع القرويين بفاس أسسه مولاي إدريس الأصغر. وهو يضاهي جامع القيروان بفاس أسسه مولاي إدريس الأصغر. وهو يضاهي جامع القيروان في سعته، وواجهته مركبة على ٢٠٠ اسطوانة بين كل اثنتين خمس خطوات
وقد ألف في تاريخ علماء فاس كتابان: الأول جذوة الاقتباس فيمن حل من العلماء بفاس، وهو لابن القاضي الفشتالي (نسبة إلى فشتالة على نهر ورغة)، والثاني جذوة الأنفاس فيمن اقبر من العلماء بفاس، وهو للشريف الكتاني من المعاصرين ومن مدارس المغرب مدرسة يوسف بن تاشفين في مراكش
وكانت مدن العلم في الأندلس، قرطبة، واشبيلية، وطليطلة، ومرسية، وبلنسية، وشاطبة، وسرقسطة، وغرناطة، في الزمن الأخير
وكان أهل الأندلس يحفظون دواوين شعراء الجاهلية بالرواية والاسناد كالحديث النبوي، وقد جاء في تاريخ قرطبة (كانت قرطبة في الدولة الإسلامية قبة الإسلام، ومجتمع علماء الأنام والأعلام. بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية. وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر والشعراء)
وقد بلغ من تشددهم في الرواية أن أبا علي القالي جاء الى الأندلس ومعه كتاب سماع في اللغة، فاستعاره الخليفة (لا أدري أكان الخليفة الناصر أم ابنه المستنصر؟) وأبقاه عنده زماناً فلما أرجعه أبطل القالي العمل به في الرواية. لأن الكتاب خرج من يده زمناً طويلاً قرأت هذه الحكاية في كتاب (الألماع في أصول السماع) للقاضي عياض. رأيت نسخة من هذا الكتاب في الأستانة (أيا صوفيا) وأخرى في الشام، وللقاضي عياض (الشارحة) في الحديث. أعجب به ابن الصلاح فقال:
مشارق أنوار تجلت بسبته … وذا عجب كون المشارق بالغرب
مشارق أنوار طلعن بمغرب … أنرن جميع الشرق بالطالع الغربي
فلله ما ابدي عياض فأشرقت … مشارقه في كل قطر بلا غرب
ومن اجل عناية آهل الأندلس برواية الشعر نبغوا في اللغة.
وحسبك ابن سيده صاحب المخصص والمحكم، وقد رأيت الجلد الأول من المحكم بخط
следующие страницы →