← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

(المجنون) للمرحوم جبران خليل جبران فعثرت فيه على قصة قصيرة تحت عنوان (الملك الحكيم) وقبل أن أقول عنها شيئاً أورد نصها فيما يلي: (كان في إحدى المدن النائية ملك جبار حكيم، وكان مخوفا لجبروته محبوباً لحكمته - وكان في وسط تلك المدينة بئر ماء نقي عذب يشرب منه جميع سكان المدينة من الملك وأعوانه فما دون، لأنه لم يكن في المدينة سواه. وفيما الناس نيام في إحدى الليالي جاءت ساحرة إلى المدينة خلسة، وألقت في البئر سبع نقط من سائل غريب، وقالت: (كل من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصير مجنوناً) وفي الصباح التالي شرب كل سكان المدينة ماء البئر وجنوا على نحو ما قالت الساحرة، ولكن الملك والوزير لم يشربا من ذلك الماء وعندما بلغ الخبر آذان المدينة طاف سكانها من حي الى حي، ومن زقاق الى زقاق، وهم يتسارّون قائلين (قد جن ملكنا ووزيره. . إن ملكنا ووزيره أضاعا رشدهما. إننا نأبى أن يملك عليك مليك مجنون. هيا بنا نخلعه من عرشه!) وفي ذلك المساء سمع الملك بما جرى، فأمر على الفور بأن يملأ حق ذهبي (كان قد ورثه عن أجداده) من مياه البئر. فملأوه في الحال وأحضروه إليه. فأخذ الملك بيده وأداره إلى فمه. وبعد أن ارتوى من مائه دفعه إلى وزيره فأتي الوزير على ثمالته فعرف سكان المدينة بذلك وفرحوا فرحاً عظيماً جداً، لأن ملكهم ووزيره ثابا إلى رشدهما) فما رأي القارئ اللبيب في هذا. . . . . .؟ وما رأي الأستاذ الفاضل فيما كتب. . .؟ أليس هناك تشابه تام بين القصتين في الفكرة والمعنى والأشخاص بل وفي بعض الألفاظ. . . . . . . . . .؟ إني مع احترامي الشديد وتقديري العظيم للكاتب الفنان، أرى في ذلك أحد أمرين: إما أن تكون الفكرة مأخوذة مما كتبه المرحوم جبران خليل جبران، وليس في هذا حرج، ولكن كان الأجدر بالكاتب في هذه الحالة أن يذكر اسم المؤلف الذي اخذ عنه تلك الفكرة، وله بعد ذلك الفضل في تقربها إلى الأذهان بصوغها في قالبه الخاص الرائع، وفي تحويرها من حكاية قصصية إلى قصة تمثيلية

стр. 6967

وإما أن يكون ذلك من قبيل توارد الخواطر وتشابه الأفكار بين كاتبين مختلقين في زمنين متقاربين، وليس في هذا أيضاً من حرج. . . ولكن دعني ألا أعتقد به هنا قبل أن تأتيني بجرعة من ماء ذلك النهر في حق من ذهب أو إناء من خزف إسكندرية جورج وغديس (الرسالة) هناك فرض ثالث وهو ان يكون مصدر الكاتبين واحداً

стр. 6968

الشيخ الخالدي مجلس أخر من مجالسه للدكتور عبد الوهاب عزام كتبت في عدد من الرسالة ما سمعته من الشيخ الخالدي في أحد مجالسه بحلوان. واليوم أنشر حديثاً آخر حدث به في مجلس بالروضة: جمعني والشيخ الجليل مجلس في دار الأستاذ عبد الحميد العبادي ليلة الاثنين الثالث والعشرين من رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف، فلما اطمأن بنا المجلس قلت: قد سمعنا حديث شيخنا العلامة عن المدراس في المشرق إبان مجد المسلمين، فهل له أن يتم الحديث بذكر مدارس مصر والمغرب قال: بقي من دارس المشرق مدارس الأناضول، ومنها مدرسة آلتون باي التي بناها السلاجقة في قونية، وبقيت معمورة الى زمن الحرب الكبرى. وقد طلب العلم بها السيد الشريف الجرجاني والفناري (وها من ذرية سيدنا عمر. وسيف الدين الآمدي عربي من بني ثعلية إخوة بني يربوع). وفيها مدرسة قره طاي كبير في قونية، ولا تزال آثاره قائمة وهي من بناء السلاجقة أيضاً، وقد درس فيها جلال الدين الرومي، وفي بروسة مدرسة السلطان مراد الأول ومدرسة السلطان محمد حلبي. ومن علمائها الخيالي وخواجه زاده الذي كتب (تهافت الفلاسفة) يتوسط فيه بين الغزالي وابن رشد؛ ومن علمائها كذلك ملاخسرو وحسن جلبي. وله حاشية على كتاب المطول في البلاغة ومن مدارس حلب المدرسة الحلوية وكان يقرأ فيها الكاشاني صاحب كتاب البدائع في الفقه، وكان يفتي هو وامرأته، لا يخرج الفتوى حتى تعرض عليها. ثم المدرسة المستنصرية في بغداد في غنى عن التعريف ومن مدارس مصر المدرسة الكاملية التي بناها الملك الكامل الأيوبي ومدرسة صلاح الدين، بناها للأمام نجم الدين الخبوشاني قرب مسجد الإمام الشافعي. والخبوشاني منسوب إلى خبوشان إحدى قرى نيسابور. وقد دفن بجانب الإمام الشافعي واندثر قبره، والمدرسة الصالحية التي أسسها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكانت لمذاهب الفقه الأربعة، والمدرسة الشيخونية , وكل هذه المدارس كانت صغيرة القدر بالقياس إلى جامع عمرو

стр. 6969

الذي كان مباءة العلوم الإسلامية منذ الفتح الإسلامي إلى القرن التاسع. وقد رأيت بالآستانة كتباً قديمة قرئت بجامع عمرو وعليها سماعات العلماء إلى سنة ٧٠٠ وسنة ٨٠٠ والشاطبي إمام القراء درس بهذا الجامع. ومن دور العلم في القاهرة خانقاه سعيد السعداء بالجمالية، وكان ينزل بها كبار العلماء، وممن نزل بها القطب الشيرازي والشريف الجرجاني، ومبارك شاه المنطقي، وقطب الدين الرازي. ويؤسفني ان وزارة الأوقاف لا تعني بها عناية تكافئ مكانتها في التاريخ الإسلامي: ومن مدارس القاهرة مدرسة المؤيد وأما الأزهر فقد صار من دور العلم الكبير بعد سنة تسعمائة، وعلماؤه الذين ذكرهم الجبرتي متأخرون وأقدمهم الشيخ خالد الأزهري. وأما ابن هشام وابن عقيل فلم يتعلما فيه وكان في الإسكندرية دار الحديث، ومدرسة الحافظ السلفي، وكان ينزل بها العلماء الوافدون من المغرب، ومدرسة الأمام الطرطوشي مؤلف سراج الملوك ودور العلم في المغرب كانت جامع القيروان؛ قرأ فيه أصحاب الإمام مالك وأئمة مذهبه ومنهم سحنون، وابن عكر، وابن الحداد، وسحنون الصغير، وابن اللباد، والإمام اللخمي أحد محرري مذهب مالك، وعبد الحميد الملقب بمالك الصغير، وهو شيخ المازري، وغير هؤلاء ممن ذكروا في كتاب معالم الإيمان في تاريخ القيروان لابن ناجية، وهو شارح الرسالة التي ألفها عبد الله ابن أبي زيد صاحب كتاب النوادر، وهذا الكتاب واحد وعشرون مجلداً في مكتبة أياصوفيا، وبعض مجلداته في مكتبة القرويين بفاس وجامع الزيتونة بتونس، وهو قديم عمره بند الأغلب سنة ١٤٥. ومن علمائه المازري شارح صحيح مسلم، وشارح التلقين للقاضي عبد الوهاب وهو عشر مجلدات كبار. ولا تزال اسطوانته معروفة في الجامع، وابن عبد السلام، وابن عرفة، وابن خلدون، وابن راشد القفصي وهو أعلمهم، والوانشريسي صاحب كتاب المعيار، والأبي شارح صحيح مسلم (وشرح المازري الذي ذكرته آنفاً اسمه المعلم في شرح صحيح مسلم، وكتاب الأبي اسمه متمم المعلم، وللقاضي عياض شرح اسمه إكمال المعلم)، ويحيى بن خلدون أخو عبد الرحمن بن خلدون المعروف، وأبو الحسن الشاذلي، وله أسطوانة في الجامع معروفة. ومن دور العلم بجاية وتلمسان، وكان بها مدرسة السلطان أبي الحسن المريتي، ومدينة سبتة، وقد ألف فيها القاضي عياض كتاب العيون الستة في أخبار سبتة. وهو كتاب يشهد بكثرة

стр. 6970

العلماء الذين نبغوا فيها. ومن دور العلم العظيمة جامع القرويين بفاس أسسه مولاي إدريس الأصغر. وهو يضاهي جامع القيروان بفاس أسسه مولاي إدريس الأصغر. وهو يضاهي جامع القيروان في سعته، وواجهته مركبة على ٢٠٠ اسطوانة بين كل اثنتين خمس خطوات وقد ألف في تاريخ علماء فاس كتابان: الأول جذوة الاقتباس فيمن حل من العلماء بفاس، وهو لابن القاضي الفشتالي (نسبة إلى فشتالة على نهر ورغة)، والثاني جذوة الأنفاس فيمن اقبر من العلماء بفاس، وهو للشريف الكتاني من المعاصرين ومن مدارس المغرب مدرسة يوسف بن تاشفين في مراكش وكانت مدن العلم في الأندلس، قرطبة، واشبيلية، وطليطلة، ومرسية، وبلنسية، وشاطبة، وسرقسطة، وغرناطة، في الزمن الأخير وكان أهل الأندلس يحفظون دواوين شعراء الجاهلية بالرواية والاسناد كالحديث النبوي، وقد جاء في تاريخ قرطبة (كانت قرطبة في الدولة الإسلامية قبة الإسلام، ومجتمع علماء الأنام والأعلام. بها استقر سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعدية واليمانية. وإليها كانت الرحلة في رواية الشعر والشعراء) وقد بلغ من تشددهم في الرواية أن أبا علي القالي جاء الى الأندلس ومعه كتاب سماع في اللغة، فاستعاره الخليفة (لا أدري أكان الخليفة الناصر أم ابنه المستنصر؟) وأبقاه عنده زماناً فلما أرجعه أبطل القالي العمل به في الرواية. لأن الكتاب خرج من يده زمناً طويلاً قرأت هذه الحكاية في كتاب (الألماع في أصول السماع) للقاضي عياض. رأيت نسخة من هذا الكتاب في الأستانة (أيا صوفيا) وأخرى في الشام، وللقاضي عياض (الشارحة) في الحديث. أعجب به ابن الصلاح فقال: مشارق أنوار تجلت بسبته … وذا عجب كون المشارق بالغرب مشارق أنوار طلعن بمغرب … أنرن جميع الشرق بالطالع الغربي فلله ما ابدي عياض فأشرقت … مشارقه في كل قطر بلا غرب ومن اجل عناية آهل الأندلس برواية الشعر نبغوا في اللغة. وحسبك ابن سيده صاحب المخصص والمحكم، وقد رأيت الجلد الأول من المحكم بخط

стр. 6971

الجواليقي هذا ما اقتبسته من حديث شيخنا الخالدي في هذا المجلس، أفاض فيه دون أن يرجع الى كتاب أو ورقة. وكم من مجالس للشيخ العلامة لم تدون. ولو كتبت أحاديثه ونشرت معها كتبه ونتفه في تاريخ العلم والعلماء لاستفاد المسلمون علماً واسعاً، وظفروا بما فقدوه من تاريخ أسلافهم. ولعلنا نسعد بكتابة بعض مجالسه. والله ولي التيسر عبد الوهاب عزام

стр. 6972

من تراثنا العلمي تعبير الرؤيا لأبن قُتيبة وصف وتلخيص لنسخة مم كتاب مفقود للأستاذ علي الطنطاوي يزاول ابن قتيبة في هذا الكتاب بأسلوبه المتين، وطريقته السوية، بحثاً هو اليوم جيد في اللغات الأوربية، لم يكد يعرفه أصحابها قبل فرويد النمساوي وأصحابه: يونج السويسري، وادلر الألماني، وبودوان الفرنسي، ورفرز الانجليزي، وهو ينفق وهؤلاء الباحثين في كثير من مسائل هذا البحث، وإنما يختلف عنهم في أنه استمد من معين النبوة، فأصاب كبد الحقيقة، وتمكن من سواء الثغرة. اتكلوا على ظنونهم، فحاموا حول الورد، وصدروا من غير ري! والكتاب كما سترى في وصفه من الكتب الجليلة التي نرجو أن يتيح الله لها ناشراً، وهذه النسخة التي تصفها من مخطوطات (المكتبة العربية) العامرة (بدمشق) أما تعبير الرؤيا فقد ثبت في الدين، ونطقت به السنة، وتواترت به الأخبار: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبى هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة واربعين جزءاً من النبوة) وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن سَمُرةَ بن جُندب، انه قال، قال رسول الله ﷺ : (نحن الآخرون السابقون، وبينا أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فطارا. فأولتهما الكذابين بين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء (أي الأسود) وصاحب اليمامة (أي مسيلمة) والأخبار في ذلك مستفيضة وأما ابن قتيبة، فهو الإمام العَلَم. صاحب التصانيف الجليلة: أدب الكاتب، وعيون الأخبار، وطبقات الشعراء، والميسر والقداح والمعرف وغيرها. . .

стр. 6973

قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص (هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة) وقال الحافظ السيوطي في البغية: (كان أبن قتيبة رأساً في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، ثقة ديناً فاضلاً) وقال القاضي ابن خلكان: (وان فاضلاً ثقة وتصانيفه كلها مفيدة) وقال الخطيب البغدادي: (كان ثقة ديناً فاضلاً) وقال الحافظ الذهبي: (ما علمت أحداً اتهمه في نقله) وقال ابن النديم: (كان صادقاً فيما يرويه، عالماً باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه، والشعر والفقه، كثير التصنيف والتأليف، توفي ابن قتيبة سنة (٢٧٦) وله (٦٣) سنة أما كتابه تعبير الرؤيا فقد ذكره ابن النديم في الفهرست في باب الكتب المؤلفة في تعبير الرؤيا، وسماه تعبير الرؤيا. وذكره أبو الطيب اللغوي في كتابه (مراتب النحويين) كما نقل الأستاذ محب الدين الخطيب في مقدمة (الميسر والقداح) وذكره في كتاب (فهرست ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف الشيخ أبو بكر بن خير ابن عمر بن خليفة الأموي الأشبيلي (طبع سرقسطة سنة ١٨٩٣) باسم (عبارة الرؤيا) قال: كتاب عبارة الرؤيا لابن قتيبة؛ حدثني به أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر ﵀، عن أبي علي الغساني، قال: حدثني به أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي، عن أبي بكر أحمد بن محمد ابن إسماعيل المهندس. عن أحمد بن مروان المالكي عن ابن قتيبة ثم ذكر لروايته طريقاً أخرى، والنسخة التي نصفها مروية من طريق أقصر وتلتقي برواية أبي بكر هذا عند أحمد بن مروان المالكي، وهذا مما يثبت صحة نسبة هذه النسخة لأبن قتيبة ﵀ وقال الزمخشري في (الفائق) في مادة (جنه) وهو يفسر بيت الفرزدق في كفه جنهى ريحه عبق … من كف أروع في عرنينه شمم قال القتبي (يعني ابن قتيبة) الجنهى، الخيزران. ومعرفتي بهذه الكلمة عجيبة، ذلك أن رجلاً من أصحاب الغريب سألني عنه (الجنهى) فلم أعرفه. فلما أخذت من الليل مضجعي أتاني آت في المنام، فقال لي: ألا اخبرته عن الجنهي؟ قلت: لم أعرفه قال: هو الخيزران! فسألته شاهداً، فقال: (هدية طرفنه، في طبق مجنه) فهببت وأنا أكثر التعجب، فلم ألبث إلا

стр. 6974

يسيراً، حتى سمعت من ينشد: في كفه جنهي. . . . . . . وكنت أعرفه: في كفه خيزران. قال في (تاج العروس) في تفسير الجنهي: هو الخيزران رواه الجوهري، عن القتيي قال (يعني ابن قتيبة) وسمعت من ينشد: في كفه جنهي. . والقصة التي رواها الزمخشري مروية في الورقة الخامسة عشرة من المخطوط الذي نصفه، وهذا مما يثبت صحة نسبته إلى ابن قتيبة، ومما يثبت هذه النسبة أسلوب الكتاب، فأنه لا يكاد يختلف عن الأسلوب الذي نعرفه لابن قتيبة، في تحقيقه اللغوي وتفسيره الغريب، وإكثاره من الشواهد أما هذه النسخة فتقع في (١٣٤) صفحة من القطع الصغير في كل صفحة (١٥) سطراً، وهي مكتوبة بخط نسخي جميل، على ورق صقيل، ويزيد عمرها على (٥٠٠) سنة في الصفحة الأولى منها، اسم الكتاب: كتاب عبارة الرؤيا تصنيف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ﵁ وفيها كتابات أخرى، أكثرها ممحو: من مواهب ذي الكرم على عبده رجب الأعلم اشتريته من سي يحيى الذهبي وقيل في المعاني: ونكس الرأس أهل الكيميا خجلاً … وقطروا أدمعاً من بعد ما سهروا إن طالعوا كتبه بالدرس بينهم … صاروا ملوكاً وان هم جربوا افتقروا تعلقوا بجبال الشمس من طمع … فتى منهم قد غره القمر ونو - الشمسي خادم - الفقير - لسنة ١٢٠٩=من شهر ذي الحجة من تركة الشيخ عمر بن عبد الهادي ﵀ وفي الصفحة الأخيرة، هذه العبارة مكتوبة بخط الناسخ: (آخر كتاب تعبير الرؤيا لأبن قتيبة ﵁، قابلناها على نسخة الأصل بقدر الإمكان: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد فقد وقع الفراغ من كتابة هذه النسخة الشريفة الموسومة بكتاب عبارة الرؤيا على يد العبد الضعيف

стр. 6975

النحيف الراجي إلى رحمة الله الباري يحيى بن محمد البخاري في عشرين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثمانمائة بدمشق المحروسة صانها الله تعالى عن الآفات والنكبات، اللهم اغفر لكاتبه ولمن نظر فيه آمين يا رب العالمين) وفيها أسماء بعض المالكين: دخل هذا الكتاب في نوبة العبد الفقير رجب الأعلم المجاور بمدرسة العمرية عفى عنه آمين الحمد لله مالكه من فضل ربه الهادي، الشيخ عبد الرزاق الهادي غفر الله له آمين، كتبه الفقير ابنه محمد ساقها الرب الهادي، إلى محمد الهادي والنسخة مشكولة ولكنه شكل لا يعتد به، وليس في هوامشها تعليقات تذكر رواية الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين كتاب تعبير الرؤيا تصنيف أبي محمد عبد الله بن محمد بن مسلم ابن قتيبة قرأت على الشيخ الصالح أبي الحسن عبد الباقي بن فارس بن أحمد المقري المعروف بابن أبي الفتح المصري، أخبركم أبو حفص عمر بن محمد بن عراك الحضرمي قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن مسلم بن قتيبة الدينوري، قال: مقدمة الكتاب: الحمد لله الذي رفع منار الحق، وأوضح سبيل الهدى، وقطع عذر الجاحدين، بما أشهدنا من صنعته الظاهرة، وآياته الباهرة وأعلامه الدالة عليه، وآثاره المؤدية إليه. في كل ماثل للعيون. من فلك دائر، وكوكب سائر، وجبال راسيات، وبحار طاميات ورياح جاريات، وفُلك في البحر مسخرات بأمره الخ. . (قال) حدثني محمد بن عبيد، عن. . . . عن. . عن أم كرز الكعبية قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وحدثني محمد بن زياد عن. . .

стр. 6976

عن. . . . عن عروة أنه قال في قوله الله : (لَهُم البُشرى في الحياة والدنيا وفي الآخرة) قال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له (قال أبو محمد) وليس فيما يتعاطى الناس من فنون العلم، ويتمارسون من صنوف الحكم، شيء هو اغمض والطف، واجل واشرف، وأصعب مراداً وأشكالاً، من الرؤيا، لأنها جنس من الوحي، وضرب من النبوة الخ. . . ولأن كل علم يطلب فأصوله لا تختلف، ومقاييسه لا تتغير، والطريق إليه قاصد، والسبب الدال عليه واحد، خلا التأويل: فان الرؤيا تتغير عن أصولها باختلاف أحوال الناس في هيئاتهم، وصناعاتهم وأقدارهم، وأديانهم، وهممهم، وإراداتهم. وباختلاف الأوقات والأزمان فهي مرة مثل مضروب يُعبر بالمثل والنظير، ومرة تنصرف عن الرائي لها إلى الشقيق أو النظير أو الرئيس، ومرة تكون أضغاثاً ولأن كل عالم بفن من العلوم، يستغني بآلة ذلك العلم لعلمه، خلا عابر الرؤيا: فانه يحتاج إلى أن يكون عالماً بكتاب الله وبحديث الرسول ﷺ . ليتعبرهما في التأويل. وبأمثال العرب، والأبيات النادرة، واشتقاق اللغة، والألفاظ المبتذلة عند العوام، وأن يكون مع ذلك أديباً لطيفاً ذكياً، عارفاُ بهيئات الناس وشمائلهم وأقدارهم وأحوالهم، عالماً بالقياس حافظاً، ولن تغنى عنه معرفة الأصول، إلا أن يمده الله بتوفيق، يسدد حكمه للحق، ولسانه للثواب، وأن يحضره الله تعالى تسديده، حتى يكون طيب الطعمة، نقياً من الفواحش، طاهراً من الذنوب، فإذا كان كذلك، أفرغ الله عليه من التوفيق ذَنوباً، فجعل له من مواريث الأنبياء نصيباً وسأخبرك عن كيفية الرؤيا، بالاستدلال على ذلك من كتاب الله والحديث، إذ كنت لم أجد فيه مقالاً كافياً لإمامٍ متبع، وأقدم قبل ذلك ذكر النفس والروح، إذ كنت لا تصل إلى علم كيفيتها إلا بمعرفتهما، وفرق ما بينهما. وعلى الله أتوكل فيما أحاول واستعين (الى أن قال) وفد اختلف الناس في النفس والروح، فقال بعضهم، هما شيء واحد يسمى باسمين، كما يقال، إنسان ورجل، وهما الدم أو متصلان بالدم، يبطلان بذهابه، والدليل على ذلك، أن الميت لا يٌفقد من جسمه إلا دمه، واحتجوا لذلك أيضاً من اللغة: بقول العربي: نُفِست المرأة (إذا حاضت) ونَفِست (من النفاس) وبقولهم للمرأة، عند ولادتها: نٌفَساء،

стр. 6977

لسيلان النفس وهو الدم. ويقول ابراهيم النخعي: كل شيء ليست له نفس سائلة لا ينجس الماء - الخ. . . البقية في العدد القادم علي الطنطاوي

стр. 6978

١٢ - محاورات أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود - أو ليس البواسل من الرجال يحملون الموت، لأنهم يخشون ما هو أعظم من الموت شراً؟ - هذا صحيح - إذن فكل الناس ما خلا الفلاسفة شجعان، إلا إنها شجاعة من الخوف والوجل. وإنه لعجيب ولا شك أن يكون الرجل شجاعاً لأنه مذعور جبان! - صحيح جداً - أو ليس هذا بعينه شأن المعتدلين؟ إنهم معتدلون لأنهم مفرطون - قد يبدو ذلك متناقضاً، ولكنه مع ذلك هو ما يحدث في هذا الاعتدال الأحمق - فهناك من اللذائذ ما يحرصون على تحصيلها ويخشون ضياعها، فهم لذلك يتعففون عن نوع من الملذات لأن نوعاً آخر قد استولى عليهم، وإذا عرِّف التفريط بأنه: (الخضوع لسلطان اللذة) فانهم لا يقهرون لذة، ألا لأن لذة تقهرهم، وذلك ما أعنيه بقولي إنهم معتدلون لأنهم مفرطون - يظهر أن ذلك حق - ومع ذلك، فليس من الفضيلة استبدال خوف أو لذة أو ألم بخوف آخر أو لذة أو ألم، وهي متساوية كلها، أكبرها بأصغرها، تساوي النقد بالنقد. أي عزيزي سمياس، أليس في النقد قطعة واحدة صحيحة هي التي ينبغي أن تستبدل بالأشياء جميعاً؟ - وتلك هي الحكمة، ولن يشرى شيء بحق أو يباع، شجاعة كان أم عفة أم عدلُ، غلا إن كان للحكمة ملازماً، وإلا إن كانت هذه الحكمة له بديلاً. ثم أليست الفضيلة الحق بأسرها رفيقة الحكمة، بغض النظر عما قد يكتنفها من المخاوف واللذائذ أو ما إليهما من لخيرات أو الشرور؟ إلا أن الفضيلة التي يكون قوامها هذه الخيرات التي تأخذ في استبدال بعضها ببعض بعد أن تكون قد انفصلت عن الحكمة، ليست من الفضيلة إلا ظلها، ولا يكون فيها من الحرية أو العافية أو

стр. 6979

الحقيقة شيء، أما التبادل الحق فيقضي أن تمحي هذه الأشياء محواً، وما ظهورها إلا العدل والشجاعة والحكمة نفسها. وإني لأتصور أن أولئك الذين أنشأوا الاسرار، لم يكونوا مجرد عابثين، بل قصدوا إلى الجد حينما عمدوا إلى شكل فرمزوا به إلى أن من يمضي إلى العالم الأسفل دنساً جاهلاً سيعيش في حمأة من الوحل، أما ذلك الذي يصل إلى العالم الآخر بعد التعليم والتطهير فسيقيم مع الآلهة. وكما يقولون في الأسرار: (كثيرون هم من يحملون عصا السحر، أما العالمون بالسحر فقليل) وهم يريدون بهذه العبارة فيما أرى، الفلاسفة الحق، الذين أنفقتُ حياتي كلها أبحث بينهم لعلي أجد مكاناً، ولست أشك في أني عندما أبلغ العالم الآخر، بعد حين قصير، سيأتيني إن شاء الله علم يقين، عما إذا كنت قد التمست في البحث سبيلاً قويمة أم لا، وإن كنت قد أصبت التوفيق أم لم أصبه. أي سمياس وسيبس، لقد أجبت بهذا على أولئك الذين يؤاخذونني بعدم الحزن أو الجوع لفراقكم وفراق سادتي في هذا العالم، فقد أصبت بعدم الخوف لأنني اعتقد أنني سأجد في العالم الأسفل أصدقاء وسادة آخرين، يعدلونكم خيراً، ولكن الناس جميعاُ لا يسيغون هذا، وإنه ليسرني أن تصادف كلماتي عندكم قبولاً أكثر مما صادفت عند قضاة الأثينيين - أجاب سيبيس - إني موافقك يا سقراط على معظم ما تقول، ولكن الناس أميل الى عدم التصديق فيما يتصل بالروح. إنهم، يخشون ألا يكون لها مستقرٌ إذا ما فصلت عن الجسد، وإنها قد تذوى وتزول في يوم الموت ذاته - فلا تكاد تتحلل من الجسد حتى تنطلق كالدخان أو الهواء، ثم تتلاشى في العدم. فلو قد تستطيع أن تتماسك أجزاؤها، وأن تظل كما هي بعد أن تكون قد خلصت من شرور الجسد، لرجونا يا سقراط، محقين فيما نرجو، أن ما تقوله حق، ولكنا بحاجة الى كثير من الإقناع ووفير من الحجج، لإثبات انه إذا مات الإنسان فروحه تظل مع ذلك موجودة، وتكون على شيء من قوة الذكاء - فقال سقراط - هذا حق يا سيبيس، فهل لي أن أقترح حديثاً قصيراً عما يحتمل لهذه الأشياء من وجوه؟ - قال سيبيس - لست أشك في أني شديد الرغبة في معرفة رأيك عنها - فقال سقراط - لا أحسب أن لأحد ممن سمعني الآن، حتى ولو كان أحد أعدائي القدماء من الشعراء الهازلين، أن يتهمني بالخبط في الحديث عن موضوعات لا شأن لي فيها.

стр. 6980

فأذنوا إن شئتم بأن نمضي في البحث إن مشكلة أرواح الناس بعد الموت: أهي موجودة في العالم الأسفل أم غير موجودة، يمكن مناقشتها على هذا النحو: يُؤكد المذهب القديم الذي كنت أتحدث عنه، إنها تذهب من هذا العالم الى العالم الآخر، ثم تعود إلى هنا حيث تولد من الميت، فان صح هذا وكان الحي يخرج من الميت، للزم أن تكون أرواحنا في العالم الآخر، لأنها إن لم تكن، فكيف يمكن لها أن تولد ثانياً. إن هذا القول حاسم، لو كان ثمت شاهد حقيقي على أن الحي لا يولد إلا من الميت، أما إذا لم ينهض على هذا دليل، فلا بد من سوق أدلة أخرى فأجاب سيبيس - هذا جد صحيح - إذن فدعنا نبحث هذه المسألة، لا بالنسبة إلى الإنسان وحده، بل بالنسبة إلى الحيوان عامة، وإلى النبات، وكل شيء يكون فيه التوالد، وبذلك تسهل إقامة الدليل. أليست كل الأشياء التي لها أضداد تتولد من أضدادها؟ أعني الأشياء التي كالخيِّر والشرير، والعادل والجائر - وهناك من الأضداد الأخرى التي تتولد من أضدادها، عدد ليس إلى حصره من سبيل، وإنما أريد أن أبرهن على أن صحة هذا القول شاملة لما في الكون من أضداد، أعني مثلاً أن أي شيء يكبر، لابد أنه قد كان أصغر قبل أن أصبح أكبر - صحيح - وأن أي شيء يصغر، لابد أنه قد كان يوماً أكبر ثم صار أصغر - نعم - وأن الضعف يتولد من الأقوى والأسرع من الأبطأ - جد صحيح - والأسوأ من الأحسن، والأعدل من الأظلم؟ - بالطبع - وهل هذا صحيح عن الأضداد كلها؟ وهل نحن مقتنعون بأن جميع الأضداد ناشئة من أضداد؟ - نعم - ثم أليس ثمت كذلك في هذا التضاد الشامل بين الأشياء جميعاً، فعلان أوسطان، لا ينفكان

стр. 6981

يسيران من ضد الى الضد الآخر جيئة وذهاباً؛ فحيث يوجد أكبر وأصغر، يوجد كذلك فعل متوسط بينهما، يعمل للزيادة والنقصان، ويقال للشيء الذي ينمو إنه يزيد، وللشيء الذي يتناقص إنه يذوي فقال - نعم - وهناك غير ذلك عمليات كثيرة أخرى، كالتجزئة والتكوين والتبريد والتسخين، التي تضمن تساوياً بين ما يخرج من شيء وما يضاف الى شيء آخر. أليس ذلك صحيحاً بالنسبة الى الأضداد كلها، حتى ولو لم يعبر عنها باللفظ دائماً - فهي تتولد الواحد من الآخر، وثمت انتقال، أو فعل، بين بعضها وبعض - فأجاب - هذا جد صحيح - جميل، أفليس هناك ضد للحياة، كما أن النوم ضد اليقظة؟ - فقال - بل هذا حق - وما هو ذاك؟ - فأجاب - هو الموت - فان كان هذان ضدين، فهما متولدان إذن. أحدهما من الآخر، وبينهما كذلك فعلان أوسطان. - بالطبع (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 6982

من صور التاريخ السلامي الفردوسي للأستاذ عبد الحميد العبادي تتمة بينت في مقالي السابق السبب الذي من أجله يكبر الفرس الفردوسي ويعدونه شاعرهم القومي فقلت إن الفردوسي بنظمه (كتاب الملوك) الذي يضم بين دفتيه تاريخ الفرس الأقدمين وأساطيرهم وآدابهم، قد أمد القومية الفارسية واللغة الفارسية الحديثة، بمد قوى، رسم للأولى حدوداً واضحة، وشرع للثانية منهجاً ظلت تسير فيه حتى يومنا هذا؟ والفردوسي بهذا الصنيع الجليل قد هيأ السبيل لظهور فارس الحديثة ذات الشخصية البارزة في تاريخ الشرق الحديث ولكن ما السبب في أن شعوباً أخرى غير الفرس تحفل بالفردوسي وتجله، ولم تتحاش أن تعلن ذلك الاحتفال بذكراه الألفية؟ وجواب هذا السؤال موضوع هذا المقال يعد الفردوسي عند علماء الأدب ونقاده شاعراً قصصياً من شعراء الطبقة الأولى، فهو في مرتبة هوميروس ودانتي وملتن. والشاعر القصصي العظيم هو الذي ينشئ ملحمة أي منظومة قصصية طويلة بليغة يعتبرها قومه غرة أدبهم. وحفظ هذه المنظومة من الذيوع والانتشار يتوقف على نوع موضوعها. فإذا كان الشاعر قد اخترع الموضوع اختراعاً وتخيله تخيلاً ثم أفرغ عليه بعد ذلك ثوب بلاغته وقوة تصويره فهي ملحمة محدودة الذيوع، يقبل على قراءتها خاصة الأدباء والمثقفين وأساتذة الأدب في الجامعات. ومن هذا الصنف (المهزلة) لدانتي و (الجنة المفقودة) لملتن. أما إذا ألف الشاعر موضوعه من الحكايات الشائعة في قومه، وأساطيرهم التي يعتقدونها، وأغانيهم التي يتغنون فيها بذكر ما اختلف عليهم من الأحداث، ثم عرض ذلك كله عرضاً شعرياً قوياً بليغاً، وكان في ذلك فيلسوف النظرة يتناول العالم من ثنايا الخاص فيصور العالم وهو يصور قطعة منه محدودة، ويصف الطبيعة البشرية وهو يصف قبيله ومعشره، ويتناول الزمن وهو يتناول برهة منه، إذا فعل الشاعر ذلك فقد كتب لملحمته الذيوع والخلود. وسرعان ما يحل الحديث الموفق

стр. 6983

المحكم محل القديم المبعثر المتفرق، فتنسخ الملحمة الجديدة الحكايات القديمة، وتأخذ مكانها من قلوب الأمة التي تصور فعالها، وعلى مر الزمن تنفذ الملحمة من حدود المحلية والإقليمية وتشيع في أنحاء العالم المتمدين وتستحيل أثراً أدبياً عالمياً. وأشهر ملاحم هذا النوع، الألياذة والشاهنامة التي نحن بصدد الكلام عليها والشاهنامة تسترعي اهتمام غير واحد من خاصة المتأدبين فاللغوي يطالع فيها صفحة واضحة من تاريخ اللغة الفارسية الحديثة، والاجتماعي يجد فيها عوناً على تصور المجتمع الفارسي القديم، ومعرفة أخلاق القوم وعادتهم ومواضعاتهم، والمعنى بالأساطير القديمة ينتفع بها انتفاعاً جماً في دراسة الميثولوجيا الإيرانية والمقارنة، ومؤرخ الأديان يستخلص منها صورة مجملة لعقائد الإيرانيين القدماء، والمؤرخ السياسي يرجع إليها في دراسة النظم الفارسية القديمة ويجد فيها صدى قوياً لعلاقة الفرس بمن جاورهم من الأمم وخاصة الهند والترك والعرب. والفنان الذي تستهويه بلاغة العبارة ودقة المعاني وقوة التصوير يرى في الشاهنامة مُثلاً عُليا لكل ذلك. فالفردوسي يعرج في سماء البلاغة حتى يسامي النجم، وهو في الوقت نفسه يخاطب الناس بمألوف حديثهم ومتعارف معانيهم، ثم هو وصاف مبدع، إذا تصدى لوصف واقعة حربية أراك ميدان القتال، وجلا على عينك ما يجري فيه من كر وفر، وهجوم وتحيز، وأراك السيوف تلمع، والحراب تشرع، وأسمعك تصايح الكماة، وصهيل الخيل، وأنين الجرحى، وصور لك ظفر الغالب وهزيمة المغلوب. فإذا انتقل إلى وصف مجلس من مجالس الدعة والأنس مثل لعينك أسباب السرور ودواعيه وأدواته، ونقل إليك ما يشيع في المجلس من صفاء النفوس، واختلاط القلوب، فإذا أراد تصوير العاطفة البشرية أراك حنو الأم، وعطف الأب، وله العاشق، ووفاء الزوجة وإخلاص الصديق. لقد أدرك الفردوسي قوام الفن وملاكه، أدرك معنى الجميل ومعنى الجليل، وعرف كيف يعبر عنهما على أن الناحية الأخلاقية من الشاهنامة هي عندي أهم نواحيها وأبعثها على التقدير العام بها. فالفردوسي لم يقصد إلى أن يكون مؤرخاً، ولا إلى إظهار بلاغته بمقدار ما قصد إلى أن يكون كتابه كتاب أدب وحكمة وتهذيب، نلحظ ذلك في الجانب التعليمي من كتابه، فالفردوسي لا يبرح واعظاً ومرشداً وهادياً، سالكاً حينا طريق الحقيقة وحينا طريق المجاز،

стр. 6984

ونلحظ ذلك القصد أيضاً في خلو الشاهنامة خلواً مطلقاً من الألفاظ والمعاني التي ينبو عنها الأدب والذوق السليم. . . بهذه المزية يصح القول بأن (كتاب الملوك) كتاب يتأدب بمطالعته الناس في كل زمان وكل مكان، وإذا كانت (الألياذة) تنمي فينا عاطفة الحياء والغضب للحق، وفضيلة الإيثار والانتصار للضعيف، وإذا كانت (مهزلة) دانتي تعرفنا بطريقتها الرمزية أي أساليب الحياة يؤدي في الآخرة إلى الثواب وأيها يؤدي الى العقاب، وإذا كانت (الجنة المفقودة) تقوي الروح الديني في نفس القارئ، فإن الشاهنامة ترمي إلى تهذيب النفس وتكميلها وفلسفة الشاهنامة الأخلاقية تقوم على أربعة أمور عظام: الأيمان، والواجب، وطهارة القلب، والزهد والأيمان عند الفردوسي ليس ذلك الشعور الذي يخالط ضعفاء النفوس وخورة الطباع، ولكنه إيمان الأبطال والملوك. فالفردوسي يتعمد أن يظهر أبطاله وملوكه عند استكمالهم أسباب العزة والجبروت في مظهر النقص والافتقار إلى عون الله ومدده مبالغة منه في توكيد ضرورة الإيمان في الحياة، ورغبة منه في كبح جماح النفوس الطاغية، وكسر شرة القلوب العاتية. ولنمثل لذلك من الشاهنامة نفسها: فعندما خرج الملك (كيخسرو) إلى قتال (أفراسياب) انتقاماً لمقتل ابنه (سيا وخسر) جعل يدعو الله أن ينصره على عدوه. تقول الشاهنامة (وبعد ذلك اغتسل الملك كيخسرو ودخل متعبداً لهم، وجعل طول ليلته يتضرع إلى الله تعالى ويبتهل ويعفر خده بالتراب ويستنصره على أفراسياب، ويستعين به عليه، فقطع ليلته تلك بالسجود لله تعالى والدعاء، فلما انتصر على خصمه وفر خصمه من وجهة وأعياه طلابه رجع إلى الله يستعينه ويستهديه). تقول الشاهنامة (فاغتسل ذات ليلة وأخذ كتاب الزند وخلا بنفسه في مكان خال ولم يزل طول ليلته ساجداً لله تعالى يبكي ويتضرع إليه سبحانه ويقول (إن هذا العبد الضعيف الموجع الجسم والروح طاف الدنيا، فسلك رمالها وقفارها، وقطع جبالها وبحارها، طالباً لأفراسياب الذي أنت تعلم أنه سالك غير طرق السداد، وسافك بغير الحق دماء العباد، وأنت تعلم أني لا أقدر عليه إلا بحولك وقوتك، فمكني منه. وإن كنت عنه راضياً، وأنت تعلم ولا أعلم، فاصرفني عنه، وأطفئ من قلبي ثائرة عداوته وقف بي على

стр. 6985

سواء الطريق والنهج القويم) وعندما غمر الثلج أسفنديار وأصحابه في طريق (هفنجوار) الوعر الشاق ووجد ذلك البطل المغوار نفسه أمام قوة لا قبل له بها لم يسعه إلا أن يسلم أمره إلى الله تعالى فتقول الشاهنامة (فبينا هم كذلك إذ أظلم الجو واشتدت الريح، ونشأت سحابة أبرقت وأرعدت وأطبقت عليهم ثلاثة أيام بلياليها، تهيل عليهم الثلج هيلاً، حتى امتلأت الأودية، فصاح اسفنديار. . وقال: قد اشتد علينا الأمر وليس ينفعنا الآن رجولة ولا قوة. والرأي أن نلجأ إلى من لا ملجأ منه إلا إليه، فانه الكاشف للضر والقادر عليه. فاجتمعوا ورفعوا أيديهم وتضرعوا إلى الله تعالى مبتهلين، ودعوه دعوة الصادقين، فسكت الهواء وانجلت السماء) والأصل الثاني من أصول الفلسفة الأدبية (لكتاب الملوك) القيام بالواجب: الشاهنامة تعني بهذا الأصل الذي هو قوام الحياة اليومية أتم عناية. فأعظم ملوك الشاهنامة أقومهم بواجبه، وواجب الملك في رعيته العدل، والحلم، والسخاء، وترك الاستبداد فإذا ما حاد الملك عن هذا السنن (جفت الألبان في الضروع، ولم يأرج المسك في النوافج، وشاع الزنا والربا في الخلق، وصارت القلوب قاسية كالحجر الصلد، وعاثت الذئاب وضريت بالأنس، وتخوف ذوو العقول من ذوي الغواية والجهل،) وعهد كسرى أنوشروان لابنه هرمز حافل بتلك الآداب السلطانية التي تنص صراحة على ما يجب على الملك نحو نفسه ونحو رعيته وبطولة أبطال الشاهنامة تستند إلى شعورهم القوي بالواجب. أنظر كيف لبي رستم طلب (جًيْو) إنقاذ ابنه (بيثرن) وكان مقيداً مغلولاً في مطمورة مظلمة بأرض طوران. وقوله له (لا تهتم فإني لا أحط السرج عن الرخس حتى آخذ بيج بيثرن وأضعها في يدك) وانظر خطاب جيو للملك كيخسرو (أيها الملك! إن أمي ما ولدتني إلا لطاعتك، وتحمل المكاره فيما هو سبب راحتك. وهأنذا أشد وسطي في امتثال أمرك، ولا أسألك إلا سبيل خدمتك ولو أمطر الهواء على ناراً، وتحولت الأشفار في عيني شفاراً) وقول (اكشهم) لبيثرن وهو يجود بروحه (أيها الحبيب النافج لا تحمل على نفسك كل هذا، فانه أشد علي مما أنا فيه. واستر جراح رأسي بالترك، واجتهد في حملي الى حضرة الملك، فان قصارى بغيتي، وغاية أمنيتي، أن أتزود منه بنظرة، وأقر عيني بطلعته ولو لحظة، وإذا مت بعد ذلك مت وليس في قلبي حسرة، فإني لم ألد إلا للموت، ومن أدرك أمله فكأنه لم يمت، وأيضاً تجتهد

стр. 6986

فلعلك تستطيع أن تحمل هذين العدوين للذين أهلكهما الله على يدي إلى المعسكر، وأن لم تقدر فاحمل رءوسهما وعدتهما حتى تعرضها على الملك، ليعلم أني ما هلكت في غير شيء) وروعة شخصية المرأة في الشاهنامة تقوم على وفور حضها من الأنوثة والوفاء لزوجها، يدل على ذلك نواح (ثهمينة) على ابنها (سهراب) ووفاء (منيزة) لزوجها (بيتزن) في محنته مع إن أباها كان المسلط على عذابه وكما تفرض الشاهنامة القيام بالواجب من حيث هو فضيلة أساسية للحياة الفاضلة فإنها تدل بالأمثلة المحسوسة والوقائع المادية كيف يؤدي الواجب. فينبغي أن نؤدي الواجب محلى بأحسن آداب السلوك من جد ورفق، وسهولة خلق، وضبط نفس، ورقة شمائل، ولا أدل على ذلك من الحوار الذي دار بين بطلي الشاهنامة (رستم) و (اسفنديار) عندما لج بهما اللجاج وحمى الخصام، فهو حوار ينم عن نبل خلق وسراوة نفس. وقد بلغ من دقة حس الفردوسي ورقة قلبه أن أوجب علينا الوفاء لمن أحسن إلينا ولو كان حيواناً أعجم. أنظر بأي قلب وأية شمائل يخاطب رستم الغزالة التي كان طرده لها سبباً في وقوعه على عين ماء روي منها بعد أن كاد يهلك عطشاً، فهو يخاطبها بقوله: (لا زلت يا غزالة الريف، تفيئين الى الظل الوريف، وتكرعين في الزلال المعين، وتتقلبين بين الورد والياسمين، وأيما قوس راعك أنباضه: فلا زالت متقطعة أوتاره، فانك سددت رمقي وشفيت غلتي) والأصل الثالث من أصول فلسفة الشاهنامة الأدبية طهارة القلب؛ والفردوسي يحثنا في غير موضع من كتابه على أن ننفي عن قلوبنا أدواء الحقد والحسد والضغينة. يقول رستم لاسفنديار: (. . . . . . . وطهر قلبك بفضيلة الرجولة من دنس الداء الدفين) والفردوسي لا يكتفي بأن يندب قارئه الى تطهير قلبه، بل لقد يتولى هو بنفسه ذلك مستخدماً في ذلك طريقه العرض الدرامي التي نلحظها في أكبر الملاحم والقصص. نلحظها في آثار هوميروس، وسفوكليس، واسخيلوس، وشكسبير، وملتن، ودستويفسكي. وذلك أن يعمد الشاعر الى حادث رائع مفظع، فيعرضه عرضاً فنياً قوياً، فيهز قلب القارئ ويمخضه، فيكون ذلك منه بمنزلة الدواء المر يتجرعه المريض على مضض، ولكنه تكون فيه سلامته من علته؛ وقد بلغ الفردوسي بسلوك هذه الطريقة أسمى غايات الفن، وأتى من رائع

стр. 6987

القصص ما يشغف القلب حسنه، ويسحر اللب بيانه. انظر كيف يعرض قصة قتل رستم ابنه سهراب على غير علم منه بأنه ابنه! تقول الشاهنامة: (. . . . ثم تناوشا الحرب، وتطاعنا حتى انتثرت كعوب رماحهما، فاستل كل واحد منهما سيفه، وتضاربا، وكأن النار تمطر من سيوفهما، ولم يزالا حتى تكسرت سيوفهما، فمدا أيديهما الى عموديهما، ورفعاهما، وجعلا يتضاربان ويتقارعان حتى تمزقت الأدراع الموضونة على أكتافهما، وتقطعت التجافيف على خيلهما، فضعفا، ووقف دوابهما، وبقيا من العرق غريقين، ومن العطش محترقين، فوقف الأب من جانب، والابن من جانب آخر، ينظر أحدهما الى الآخر. فيا عجبا! كيف انسدت دونهما أبواب التعارف، ولم تتحرك بينهما عروق التناسب؟ والأبل من غلظ أكبادها، تعطف على أولادها، والطيور في جو السماء، والحيتان في قعر الماء، لا تنكر أولادها وأفراخها! والإنسان من فرط حرصه تخفى عليه فلذة كبده ويستنكر قرة عينه ولا ينزع الى ولده!) ثم يقول رستم: (لم أر قط قتالاً بهذه الصفة، ولقد انقطع رجائي من رجولتي) فإذا ما استأنفا القتال، قال سهراب لرستم وهو يجهل أنه أبوه: (إني أرى أن نخلع الجوشن، ونطرح السيف، ونكف عن القتال، فإن قلبي يميل كل الميل إليك، وإن وجهي ليغمره الحياء منك) ولكن يخيب رجاه، ويعود الأب وابنه الى المبارزة، فيتغلب الأب ويصرع ابنه، ويجثم على صدره، ثم يذبحه ذبحاً، ثم يتبين له، وقد سبق السيف العزل، أنه إنما ذبح ابنه، فيشق جيبه، ويضرب صدره، وينتف شعره، ويندب ولده، ويحاول استنقاذه من براثن الموت فيعجزه ذلك؛ ويموت سهراب، فتتقد لوعة الحزن في صدر رستم، ويصيح من فرط العذاب: (من الذي أصيب بمثل ما به أصبت؟ ومن الذي فجع بمثل ما به فجعت؟ قتلت ولدي حين شاب رأسي وانقضى عمري!) إن القارئ ليتابع مشاهد هذه القصة وقلبه يتوثب في صدره فرقاً وذعراً. فإذا بلغ الى الكارثة الأخيرة فقد لا يملك دمعه أسى وحزناً، وهذا الذي قصد إليه الشاعر رغبة منه في أن يمكن فيه لعاطفتي الحنو والرحمة ولا يقف الفردوسي عند هذا الحد من تطهير قلب قارئه، بل يجتهد في أن يروض من نفسه ويكبح من جماحها بأن يجلو لها تقلب هذه الدنيا، وتصرف أحوالها بالناس تصرفاً قد يسوء

стр. 6988

ضعاف النفوس، ولكنه لا ينال من ذوي النفوس القوية منالاً وهو على عادته يعمد الى أقوى شخصياته فيجعلها مناط فلسفته رامياً بذلك الى أن نأخذ الدنيا كما هي فنفرح بها إذا أقبلت في غير اغترار بها؛ ولا نأسى عليها إذا هي أدبرت. وإن فلسفته من هذه الناحية لترجع فلسفة الرواقيين الذين يريدوننا على أن نتجرد من العاطفة جملة، فلا نفرح ولا نحزن، ولا نغضب ولا نعتب. انظر كيف يصف الشاعر مصير الملك أفراسياب عندما قلب الزمان له ظهر المجن، وتجهم له وجه القدر، فآل أمره الى أن وقع أسيراً في يد رجل عابد فشد وثاقه واضطره الى أن يخاطبه بقوله (أيها العابد! ما تريد من رجل اختفى في مغارة ضيقة) فلما عنفه العابد على ما احتقب من أوزار قال (بهذا جرت على أقلام قضاة الله في الأزل، ومن المعصوم في هذه الدنيا الغدارة من الزلل؟) وإن مصير الملك دارا واغتيال عبديه له تقرباً بدمه الى الاسكندر ليجري مجرى حديث أفراسياب من حيث الدلالة على تقلب الدنيا، وهي تربنا الفردوسي جبرياً يرى أن الإنسان لا يملك لنفسه مع القدر نفعاً ولا ضراً وإذا كان ذلك دأب الدنيا، فحليق بالعاقل أن يرفضها ويزهد فيها. والزهد في الدنيا هو الأصل الرابع من أصول فلسفة الشاهنامة الأخلاقي، والفردوسي لا يألو جهداً في صرف قلوبنا عن أن تفتن بالدنيا ولكن في غير اخلال بالواجب الذي يفرضه علينا وجودنا فيها. انظر إلى تصويره الحال المعنوية على الملك كيخسرو عندما انقبضت نفسه، وأزمع التخلي عن الملك، والذهاب في الأرض، فقد عهد إلى ابنه، وودع أكابر الدولة (ثم سار. . . وصحبه رءوس الإيرانيين. . . إلى أن صعد إلى جبل، فأقاموا عليه أسبوعاً، وخرج في أثره نساء الإيرانيين ورجالها زهاء مائة ألف نفس، يبكون ويضجون حتى طن بصياحهم وعويلهم السهل والجبل. ثم بعد أسبوع أشار الملك على الأكابر والسادات بالانصراف من ذلك المكان وقال: إن أمامنا طريقاُ صعباً لا ماء فيه ولا عشب، فانصرف دستان، ورستم وجوذرد، ولم ينصرف عنه الباقون، فسار الملك، وساروا معه حتى وصلوا إلى ماء، فنزلوا هناك، وقال لهم الملك: إذا طلعت الشمس غداً حان وقت المفارقة، فباتوا ليلتهم عند العين. ولما كان الثلث الأخير من الليل، قام الملك ودخل العين، واغتسل ثم ودعهم إلى إيران، ولما طلعت الشمس ركب الملك، وغاب عن أعينهم)

стр. 6989

وحديث الاسكندر الملك الشاب الفاتح الطموح مع أهل مدينة البراهمة المنقطعين عن الدنيا، والراضين منها بأيسر أمرها يرى إلى أي حد يذهب الفردوسي في تقرير فلسفته القائمة على العزوف عن الدنيا وعدم الركون إليها وبعد، فأرجو أن أكون قد بينت للقارئ السبب في تقدير غير الفرس للفردوسي وللشاهنامة، وأختم هذا البحث بأن أنبه على أن مظهر هذا التقدير قديم، فقد ترجم الفتح بن علي البنداري الشاهنامة إلى العربية الفصحى في أوائل القرن السابع الهجري، وأن الشاهنامة قد نقلت إلى أشهر اللغات الأوربية الحديثة، وأن بعض هذه التراجم في غاية الدقة والعناية والإتقان عبد الحميد العبادي

стр. 6990

١٠ - بين القاهرة وطوس طهران الى قم واصبهان للدكتور عبد الوهاب عزام أوى الركب الى الفندق متعباً، وجمعتُ التعب والمرض، وكان وزير المعارف والعلامة بديع الزمان قد كلماني والأستاذ العبادي في إلقاء محاضرة في مدرسة سبهسلار بعد الإياب من مشهد، فعدنا الى طهران وإذا رقاع الدعوة قد أرسلت، وإذا الجرائد تخبر بأني سألقي محاضرة في مدرسة سبسهلار والساعة ست من يوم الخميس. فأصبحت في شغل من هذا الأمر أجهد للوفاء بالوعد، فإذا جسم علل وصوت مبحوح، فكلمت الأستاذ بديع الزمان معتذراً، فجاء الى الفندق هو ورئيس المدرسة وطلبا من الأستاذ العبادي أن يقول كلمة، فوعدهما، ووعدتهما أن أكون طوع أمرهما إن رزقت العافية، وإلا أرسلت كلمة تقرأ على الحاضرين فلما دنا الموعد أجاب الأستاذ العبادي الدعوة، وأرسلت كلمتي مع السيد صالح الشهرستاني مكاتب البلاغ في طهران، فقرأها على الجمع، وكان موضوعها موقف المسلمين من مدينة أوربا، وما يلزمهم من الاستمساك بسنتهم، وأخذ الحذر أن يفتتنوا فيقلدوا فيضلوا. وتكلم الأستاذ العبادي في العلائق التاريخية بين مصر وإيران، وقد قرأت في الجرائد الإيرانية بعد العودة الى مصر وصف الاحتفال وترجمة الكلمتين، وخطبة الأستاذ بديع الزمان في مكانة اللغة العربية بين الفرس. وقد نشرت جريدة البلاغ الخطب الثلاث، كما نشرت بياناً وافياً عن حفلات الفردوسي كلها وكان في خطة وفود الفردوسي الذهاب الى أطلال مدينة الري وهي على مقربة من طهران، فتخلفت مكرها أسفاً، ويوم الجمعةُ جلنا في المدينة، فاشترينا من الكتب والاسطوانات (والإيرانيون يسمونها الصفحات. وهي تسمية أقرب الى الحقيقة واللغة) وزرنا المفوضية المصرية مودعين ثم خرجنا الى دار على أصغر خان المعروف في طهران باسم المصري، وهو أخو حسن بك اليزدي التاجر الكبير بالقاهرة، وكان يحتفل بختان أنجاله، فجلسنا في جماعة من الفضلاء، واستمعنا للمرة الثانية الى غناء المطربة ملوك خانم، واقترحت أن تسمعنا الأغنية المطربة: (مرغ سحر ناله سركن) لنودع طهران على هذه النغمات الحزينة، ثم تحدثت المغنية، فإذا هي تعرف أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

стр. 6991

وتدلي برأيها بينهما، فقلنا هذا كلام ملوك. قالت نعم. وكلام الملوك ملوك الكلام. فانظر كيف يعني الإيرانيون نساء ورجالاً باللغة العربية عناية آبائهم من قبل. ثم استأذنا في القيام لنأخذ أهبتنا للسفر الباكر صباح الغد برحنا طهران والساعة عشر من صباح السبت حادي عشر رجب (٢٠ أكتوبر) أنا والأستاذ العبادي في سيارة مفردة، وهو أول سفر لنا في إيران منفصلين عن وفود الفردوسي؛ سافر جماعة من طريق الشمال، وآخرون طريق بغداد أدراجهم، وجماعة آثروا المقام في طهران يوماً أو يومين، وكانت نيتنا اصبهان، وبينها وبين طهران تسع ساعات بالسيارة، وقد تقدمنا بمدة يسيرة الشاعر الإنكليزي درينك ووتر وقفنا بعد أربعين دقيقة على قرية، فرُئيت جوازات السفر، وكذلك طُلبت الجوازات في كل مدينة مررنا بها، حين ندخلها وحين نخرج منها حتى رجعنا إلى همذان على طريقنا الأولى من بغداد إلى طهران. وذلك أن هذه الطريق كانت طريق الوفود في ذهابهم وإيابهم فيُسر لهم السير وأعفوا من مراسم السفر في إيران وبعد الظهر بقليل نزلنا في محطة على الطريق اسمها منظرية فدخلنا بستاناً فيه أشجار رمان فأكلنا واسترحنا ساعة، ثم سرنا حتى بلغنا مدينة قم والساعة اثنتان وثلث. فدخلنا ونحن نذكر قصة الصاحب بن عباد وقاضي قم. كتب إليه الصاحب أيها القاضي بقم … قد عزلناك فقم فكان القاضي يقول إذا سئل عن سبب عزله: أنا معزول السجع من غير جُرم ولا سبب قم مدينة في العراق العجمي على الجادة بين طهرن واصبهان وعلى ١٢٠ كيلاً إلى الجنوب الغربي من طهران. يشقها نهر يأتي من جُرباذقان قرب همذان. وفاكهتها كثيرة منها الرمان والتين والبطيخ والفستق قال يا قوت: (وهي مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر للأعاجم بها، وأول من مصرها طلحة بن الأحوص الأشعري) وذلك في عهد الحجاج بن يوسف. والظاهر أنها قديمة كانت قبل الإسلام، ثم عمرت في الإسلام ومصرت وقد قال دعبل بن علي فيها تلاشى أهل قم واضمحلوا … تحل المخزيات بحيث حلوا

стр. 6992

وكانوا شيدوا في الفقر مجداً … فلما جاءت الأموال ملوا ظلت بقم مطيتي يعتادها … همان: غربتها وبعد المدلجَ ما بين علج قد تعرب فانتمى … أو بين آخر معرب مستعلج وأهلها عرفوا بالتشدد في التشيع قبل أن يعم التشيع إيران؛ وقد روى ياقوت في ذلك حكاية ظريفة قال: (ومن ظريف ما يحكى أنه ولّيَ عليهم وال، وكان سنياً متشدداً، فبلغه عنهم أنهم لبغضهم الصحابة الكرام لا يوجد فيهم من اسمه أبو بكر قط ولا عمر. فجمعهم يوماً وقال لرؤسائهم: بلغني أنكم تبغضون صحابة رسول الله ﷺ وإنكم لبغضكم إياهم لا تسمون أولادكم بأسمائهم. وأنا أقسم بالله العظيم لئن لم تجيئوني برجل منكم اسمه أبو بكر أو عمر، ويثبت عندي أنه اسمه لافعلن بكم ولأصنعن. فاستمهلوه ثلاثة أيام، وفتشوا مدينتهم واجتهدوا فلم يروا إلا رجلاً صعلوكاً حافياً عارياً أحول، أقبح خلق الله منظراً، اسمه أبو بكر لأن أباه كان غريباً استوطنها فسماه بذلك، فجاءوا به فشتمهم وقال: جئتموني بأقبح خلق الله تتنادرون علي وأمر بصفعهم: فقال له بعض ظرفائهم: أيها الأمير اصنع ما شئت فان هواء قم لا يجيء منه من اسمه أبو بكر أحسن صورة من هذا. فغلبه الضحك وعفا عنهم.) وقم تلي المشهد الرضوي بين مزارات الشيعة في إيران، بها حرم السيدة فاطمة بنت موسى الكاظم وأخت علي الرضا، ولذلك دفن فيها كثير من العلماء والصالحين والملوك. وقد روي الشيعة فيها عن جعفر الصادق: ألا إن الله حرماً وهو مكة. ألا إن لرسول الله حرماً وهو المدينة. ألا إن لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، ألا إن حرمي وحرم ولدي من بعدي قم. ألا إن قم الكوفة الصغيرة. ألا إن للجنة ثمانية أبواب ثلاثة منها إلى قم (تقضي فيها امرأة هي من ولدي واسمها فاطمة بنت موسى. ويدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم) اهـ لما اقتربنا من المدينة رأينا قبة المعصومة أخت الرضا تبص في الهواء في حلتها الذهبية. ولما دخلنا المدينة على مخفر الشرطة فرأوا جوازات السفر. وقال سائق السيارة لشرطي، هذان من المستشرقين يريدان زيارة الحرم فاصحبهما. فسار الشرطي أمامنا في رحبة

стр. 6993

تملؤها أنقاض دور مهدمة، وبصرنا بنهر صغير سريع الجرية. قال الشرطي: طغا الماء على المدينة منذ أشهر فخرب مئات من دورها. ثم عبرنا الماء على خشبات ممدودة عليه فرأينا ماء ضحضاحاً يخوض فيه الناس والدواب. وسرنا في شارع به دكاكين وفنادق صغيرة، فانتهينا إلى باب المسجد. رأينا صحناً رحباً ينتهي إلى بناء عال مقبب. ولقينا شيخ فتقدمنا فدخلنا إلى مرقد السيدة فاطمة، وهو ضريح كبير عليه سياج من الفضة كثير الحلي. فوقف الشيخ يدعو بالعربية دعاء طويلاً ذكر فيه الأئمة العلويين. ثم ملنا ذات اليسار إلى حجرة بها قبر كبير مربع لا سياج له ولا زينة، قال هذا قبر الشاه عباس، ثم ولجنا باباً إلى حجرة أخرى بها قبران أحدهما للشاه حسن آخر الصفويين، والآخر للشاه طهماسب، فيما أذكر، فهؤلاء ثلاثة من الملوك الصفويين دفنوا في جوار المعصومة. ثم خرجنا إلى الصحن فرأينا حجرات فيها قبور لملوك القاجاريين وبنيهم. رأينا فيها قبر محمد قارجار وفتحعلي شاه وعليهما صفيحتان من المرمر الشفاف عليهما صور ملائكة ذات أجنحة، وعلى قبر فتحعلي صورته منحوتة في المرمر. وقد رأينا من قبل في النجف الأشرف في مسجد الإمام على قبرا آخر للقاجاريين على هذه الشاكلة. ولست أعرف في القبور الإسلامية قبوراً عليها صور غير هذه القبور. وسرنا الى يسار الداخل إلى الصحن فإذا باب يفضي الى صحن آخر فسيح: وهذا المسجد معهد للدراسة الدينية يقيم به الطلاب. قال الشرطي وهو يحدثنا: في قم أربعة وأربعون وأربعمائة وأربعة آلاف من بني الأئمة الطاهرين قتلهم الظالمون ركبنا السيارة والساعة ثلاث وعشر نسير صوب الجنوب نؤم أصبهان وفي المقال الآتي حديث اصفهان الرائعة الجميلة (يتبع) عبد الوهاب عزام استدراك ١ - نسيت أن أذكر في حديثي عن مدينة المشهد أني زرت فيها الشيخ الكبير بهاء الدين

стр. 6994

العاملي الهمداني أحد أعلام المسلمين في القرن الحادي عشر وصاحب المؤلفات الكثيرة في التفسير وألف بها كتاب الكشكول وقال فيها: يا مصر سقيالك من جنة … قطوفها يانعة دانية ترابها كالتبر في لطفه … وماؤها كالفضة الصافية الخ توفي بأصفهان سنة إحدى وثلاثين وألف، ونقل إلى المشهد فدفن بها في داره. وقبره اليوم في حجرة في السوق قريبة من أحد أبواب مسجد الإمام الرضا ٢ - كان طبيب قافلتنا في الذهاب من طهران إلى المشهد والأياب، الطبيب الحاذق نجم آبادي، وقد عني بي وبغيري ممن توعكوا في السفر. فكان حقاً على أن أذكره بالثناء، وقد جاء إلي ونحن بنيسابور عند قبر الخيام فقال أكتب لي في دفتري تذكاراً. فكتبت: قد عراني على الطريق سقام … ولنعم الطبيب نجم آبادي قد نعمنا بخلقه ودواء … وشكرنا له جميل الأيادي عزام

стр. 6995

صورة شتوية إلى بائعة شوك. . . للأستاذ أنور شاؤل ألْبرْدُ يَلْذَعُ وَجْنَتَيْكِ وَسَاعِدَيْكِ الْعَارَيَيْنْ وَالْحَقْلُ أَقْفَرُ لَا رَفِيقَ يُزيلُ عَنْكِ الْغُمتيْنْ إلا الطُّيُورُ مُرَفْرِفَاتٍ حًوماً في الْجانَبَيْنْ لَوْ تَسْتَطيِعُ بمنِقْرٍ دَفَعتْ أذَاكِ وَمخْلبينْ وَحَمَتْ حِمَاكِ بُمْقلَتَيْنْ الزَّمْهَرِيرُ هُوَ اْلأليفُ يَهُبُّ لَا رِيحُ الصَّبَا وَخَزَاتُهُ فَوْق السُّهُوِل وَفَوْقَ هَامَاتِ الرُّبى تَنْسَابُ في بُرْدِ الضُّحى أَفْعَى وَتَلْسَعُ عَقْرَبَا رِفْقاً بِحُسْنِكِ يَا صَبيَّةُ وَاحْذَري أَنْ يَنْضَبَا رِفَقاً مُخَضَّبَة الْيَدَيْنْ إنْ كَانَ ظَهْرُكِ خَاضِعاً لِعَناَءِ مَا حَمَّلْتِهِ أوْ كَانَ عُنْقُكِ طَائِعاً رَهْناً بِمَا كَبلْتِهِ فَاْلَقلْبُ أنِّى يَسْتَريحُ لِما بهِ عَللتِهِ وَالْفِكرُ عَنْ آماله وَرُؤاهُ أني يلتهي يًا مَنْ تَطيلً النظرتينْ؟ أَلُّشوكُ يًدْمى رَاحَتَيْكِ فَلَا يرِقُّ وَلَا يَلِينْ وَغَداً يَزُفُّ النَّارَ تَحْمى في الليَالي إلآخرينْ هُمْ يَدْفَؤُونَ وَأَنْتِ مِنْ قُرِّ الشِّتاَ تَتَضوَّرينْ تَشْقَيْنَ أَنْتِ لكَيْ تَزيدِي في رَفاَهِ الْمُسْعَديِنْ فَتَقرُّ مِنْ بَلْوَاكِ عَيْنْ قَطْرُ النَّدَى هَذَا عَلى الأْشْوَاكِ أَمْ دَمْعُ المُقَلْ نَارُ الأَسى هَذِى التي تَخْفِينَ أمْ نَورُ الأمَلْ

стр. 6996

إني أَرَاكِ إلى المْدَيِنَةِ تَقْصدِينَ عَلَى عَجَلْ فَحَذَارِ تَخْدَعُكِ الَبهَارِجُ في مَقاَلِ أوْ عَمَلْ أوْ تُؤْمنينَ بِماَ تَرَيْنْ بغداد أنور شاؤل المحامي

стр. 6997

إلى الريف. . . . . للأستاذ محمد يوسف المحجوب إلى الريف سِرْ بي يا قطارُ فان لي … فؤاداً للقيا الريف لهفان صاديا إلى الريف طِرْبي، فالليالي بغيضة … بمصر إلى مَنْ بات حيرانَ شاكيا إلى موطني الغالي، ومَهْد طفولتي … ومَبْعث آمالي، ومأوى رجائيا إلى مَشْرعٍ، أرْوَى فوادي نميرُه … وأُسقيت من رقراقه الماء صافيا إلى مَرْتعٍ، فيه صحابي ومِعْشري … وأهلي وجيراني، ومجلى شبابيا إلى (قريتي) حيث المروج شذية … تفيض جمالاً باهرَ النور باهيَا بريك عَجِّل، كي أُعيدَ نضارتي … لديها، وأَقضي العيدَ جذلانَ لاهِيا هنالك نُعمى الله فَيضٌ، فلا ترى … فقيراً تشكي البؤسَ أو بات طاويا ولا الشمسَ فيها بالضياء ضَنينةً … ولا الماَء مَقْطوعاً، ولا النُّورَ خابيا ولا الدفَء ممنوعاً، ولا البردَ قَاتِلاً، … ولا الأفقَ مَحدوداً، ولا الطرفَ نابيَا هناك الثرى المحبوبُ يَذكو عبيرهُ … كأن الثرى المحبوبَ مَسَّ الغواليا حقول زهاها الحُسْنُ طُرَّا فأسْفَرتْ … تتيهُ به وَهْداً، وتزهَي روابيا تَضم بِساطاً سندسَّيا، وجَنَّةً، … ومطبوعَ حُسْنٍ فاتِن اللُّب سابِيَا أيا (قريتي) هذا وفائي أصوغه … لديك ثناءً خالد القول باقيا إذا امتدح الناس المدائن وارتضَوْا … حضارتَها، واستعذبوها مغانيا فهأنذا أُعْلى مكانك في القُرى … وأدْرَأُ بالأشعار عنك العواديَا وأفْصح عن حُسْنِ بِوَادْيك كامنٍ … ليُبْصر قَوْمي منه ما كان خافيَا حياتُكِ أقصى ما تمنَّاه مُْتَرفٌ … بمصر إذا ما راح عن مصر ضاحيا هدوء، وإشراق، وزرع، وجَدْول … وأنسٌ إذا أمسى بك الذئب عاويا! ألَيْسَتْ ذئابُ الوَحْش خَيْرً امَغبَّةً … من الذئبِ إنْساناً لئيماً مُرائيا؟ أيا (قريتي) كم أشتهي أن أعيش في … ظلالِك دَهْري هادئ البال راضيا! ويا رُفقتي فيها، إذا شَطتِ النوى … وأصبحتمُ تَسْتَبعْدُون التلاقيا فهأنذا أدنو بقلبي وخاطري … وهاهي ذي روحي تؤدِّي الجوازيا

стр. 6998

إن أرتحلْ عنكم إلى دار غُربتي … فما زالَ قلبي حافظ العهد راعِيَا محمد يوسف المحجوب مدرس بالأوقاف الملكية

стр. 6999

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٦ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا للأستاذ خليل هنداوي لهنري هاين صفحة قيمة يقارن فيها بين مذاهب هؤلاء الثلاثة، ويذكر ما لهم من تأثير في الحركة الفكرية، وكأنه يجد أن الرسالات التي بشروا بها لم تكن تنطق إلا عن رسالة واحدة هي رسالة الكمال والمثل الأعلى. يقول: (لا نجد - عند كانت - إلا كتاباً مسطوراً. أما عند - فيخت - فنحن نتجرد من الكتاب ونرى أنفسنا إزاء رجل جبار قد اتحدت إرادته وفكرته حتى صارتا قطعة واحدة، كنت أقارن بين نابوليون وفيخت، وهما متفقان مزاجاً، وظهورهما في قومهما متشابه من جميع الوجوه، كلاهما يمثل سلطته (الذاتية) حيث لا نرى الفكرة إلا مقرونة بالعمل. ولكن هذه المبالغة في الإرادة والاعتماد على الذات جعلت عملها سريع الانهيار، فمذهب - فيخت - العملي يشبه إمبراطورية ذلك العظيم، تلك الإمبراطورية التي لم تكد تظهر حتى تصدى لها الزوال فأصبحت كأن لم تغنَ بالأمس. ولكن ثورة (نابليون) لا تزال تسري في عروق أوربا، وهكذا كان شأن فلسفة (فيخت) فإن مذهبه قد انهار. ولكن النفوس والأفكار لا تزال - من بعده - مضطربة حائرة جاء (مذهبه في المثل الأعلى) خطيئة كبيرة في مجموع فلسفته. ترى في كل جزء من أجزائها استقلالاً سائداً وإرادة واسعة وحرية بعيدة، وتحس بشيء يسيطر على عقول الفتيان. ومذهب (فيخت) في (الذاتية) كان يلائم خلقه الحديدي، ومثل هذا المذهب القوي لا يلائم غير صاحب هذا الخلق الجبار. ولا ننسى نصيب (شيلنج) فقد كان علماً من أعلام الفلسفة الألمانية. نظر إلى الطبيعة نظرة سلم وأحب أن يعلن الهدنة بينها وبين النفس، وأراد أن يجمع بينهما، فأحيا الفلسفة القديمة التي جاء بها اليونان الأقدمون قبل سقراط. ولكنه استسلم كثيراً لسلطان الخيال، ولم يخاطب العقل كثيراً فتضعضعت فلسفته تحت مطرقة العقل، فجاء (هيجل) وتبوأ مقعد الفلسفة، فاعتزل (شيلنج) ونزل في (مونيخ) وهناك رأيته يعيش هائماً كالشبح، بعينين غشيتهما صفرة، ووجه ذليل كأنه صورة شقية لمدينة خربة مهجورة)

стр. 7000

١٧٧٠ - ١٨٣١ حياته ولد (هيجل) في (استتجار) وأكب في بدء نشأته على اللاهوت كزميله من قبل، فقضى خمسة أعوام في جامعة (توبنج) حيث تعرف فيها الى (شيلنج) ونشأت بينهما صداقة متينة. . . وبينا أعوام يركب مركب الحيرة من دنياه مات أخوه؛ فأحيا ما ورثه منه في نفسه شيئاً من الأمل الذي كاد ينطفئ بعد إيماض. فعاد الى (ابنا) حيث التقى للمرة الثانية (بشيلنج) وأخرج معه المجلة الفلسفية. ولم يكن هيجل حتى ذلك الحين ليطمع في أكثر مما بلغ أو يمد عنقه الى أكثر مما نال، ولكن عبقرية هيجل أخذت تميط اللثام عن وجهها وتدرج بدون استحياء، وظهرت براعته وحرية تفكيره في المقالات التي حبرها للذود عن أراء زميليه، وكأن الحظ أراد أن يواتيه مرة أخرى، فترك (شيلنج) منبر الجامعة، فاتسع المجال لهيجل لإبداء قوته وإظهار مقدرته؛ فعجل ذلك في تعيينه أستاذاً. وفي عام ١٨٠٦ حين كان المدفع يلعلع في (ابنا) أنجز الفيلسوف كتابه ' الذي يحتوي على جميع نظراته الفلسفية. وازاء هذه الضربات التي نزلت ببلاده، وقف وقفة المتأمل ونظر إليها والى عللها نظر الفيلسوف. وقد كتب الى أحد أصدقائه هذه الرسالة. . (قد سر نفسي ما علمته عنك بأنك عازم على قضاء الشتاء مستسلماً الى العزلة والفلسفة، وقد تحب الفلسفة العزلة الهادئة؛ ولكنها مع ذلك لا تحتاج الى أن تكره المجتمع أو أن تفر من أعمال الناس. . وأنت، أنت معير انتباهك لتاريخ اليوم، وفي الحق لن تجد أبلغ منه ولا أوعى، هو يريك أن الحضارة لا بد غالبة على البربرية، وأن العقل الذي يفر سوف يقهر الفطنة المسكينة التي لا تفكر، العلم هو حصننا المنيع. . . يعلمنا ألا نبقى فاتحين أفواهنا كالمتثائبين أمام الحوادث، لا نجعلها وليدة مصادقة غريبة أو ابنة براعة رجل واحد، ولا أن نقيد حظ نصر مملكة بربوة كان يجب عليها امتلاكها، أو بأخرى أهملت نسياناً، ولا أن نرسل الأنين حزناً وراء انتصارات قضى عليها جور الحظ. إن ثورة فرنسا الدامية قد أنقذت الشعب الفرنسي من أوضاع شوهت النفس الإنسانية وخنقت أراوح الشعوب كما خنقت روح هذا الشعب، كل فرنسي ألف أن يتمثل مصرعه أمامه،

стр. 7001

وهذه الأوضاع والتقاليد التي يحمل عليها الناس حملاً قد لقيت مصرعها في فرنسا، وهذا ما يكتب روح العظمة لهذا الشعب. . . . .) وليس التحليل النفسي موضوع هذا الكتاب، وإنما هو يصف مراحل النفس في أصل نشأتها وحياتها حتى اليوم الذي يتيقظ فيها كل شعورها ووعيها، إذ تشعر بذاتها أنها قادرة على تحقيق (العلم المطلق) وبهذا يمكننا أن ندعوه درس أطوار النفس البشرية، وهذا الدرس يعمل بواسطة نظرياته المنطقية على إنماء الحركة البشرية وعلى إعداد حركة العلم المطلق الذي تبدو بوادره وأخيراً يعد محاولات وتجارب أخفقت في ميدان الحياة أهاب به الحظ فدعي الى (برلين) الى المنبر الذي كان يشغله (فيخت) فلبث فيه حتى نزل به الوباء الذي اجتاحه فيمن اجتاح عام ١٨٣١. وهو خلال تدريسه قد قام بأسفار ورحلات صغيرة تدل عليها رسائله الخاصة إلى امرأته اللطيفة ذات الروح الرقيقة التي كانت تعبد زوجها وتعجب به وتحترق، ولكنها لا تفهمه. زار المناطق المنخفضة، ونزل في (فينا) وهبط (باريس) ضيفاً على الفيلسوف الفرنسي (فيكتور كوزان) وقد كان منزله في برلين محط النازلين من فلاسفة ولاهوتيين وأدباء على اختلاف نحلهم ومللهم، ورجال لدولة الذين يهرعون إلى سماع حكمه ودرره، وكتب في هذه الفترة كتابه (المنطق) و (معلمة فلسفية) وبعض المحاضرات التي كان يؤثر بها طلابه في الجامعة أسلوبه على أن أسلوب هيجل قد جاء مثلاً قاسياً في التعقيد والإبهام اللذين اتصف بهما، فهو صعب صعب لا يقدر على إدراك أحاجيه ومراميه إلا النبيه المفكر، وهو - برغم هذا كان أعظم مفكر ألماني يجهر بآرائه، وينزل بها صريحة إلى قرائه؛ تتلمسه فتجده مظلماً، وتستوضحه فتراه مبهما، أما هيجل الأديب فانك ملاقيه واضحاً في تضاعيف رسالاته، أما هيجل الفيلسوف فهو ذو أسلوب وحشي، تسنح له فكرة فيزجيها إلى الناس كما يريد بأسلوبه. ولقد تلمح في ثنايا سطوره كلمة أو عبارة لامعة فتعجب من هذا وتود لو يدوم! وهو أشد استرسالاً - من كانت - إلى المبهمات، لأن - كانت - تكاد تكون عباراته محدودة في مواطن معدودة، أما أسلوب هيجل فهو يحالفه - أني أشرفت عليه - , اشرف

стр. 7002

عليك، هذا الإبهام وهذا التعقيد. . . فلسفته إن المتعمق في فلسفة (هيجل) يجد أن جوهرها لا يخلو من أجزاء مقتبسة من (شيلنج) و (سبينوزا)، وهيجل هو القائل عن (سبينواز) (لا ينقص هذا الرجل إلا أن يعتبر الجوهر الإلهي روحاً طاهراً , أن يوحد هذا الروح مع الروح الإنساني بدلاً من أن يرى أن الروح الإنساني هو عنصر جاء على شكل الجوهر الإلهي ولكنه مجرد من الحرية والشخصية) ونظر (هيجل) إلى الواحد المطلق الذي افترضه (شيلنج) فراعه هذا الواحد الذي امتزج فيه ضدان لا يجتمعان بوساطة قانون بارد!. فمر (هيجل) بمادة سبينوزا والواحد المطلق؛ وأناب مناب هاتين المادتين (الفكر) , الماضي في حركته التفكيرية. . وقد تبدو هذه الحركة في ظاهرها حرة اسمية، ولكنها - في الحقيقة - حركة جديدة تعمل على بناء الكون بناء جديداً. ولم يكن السكون المطلق عاملاً من عوامل هذه الحياة، ولكن هي الفعالية، قانون الحياة الأسمى. وهكذا يحل التبدل المستمر محل الثبات المستقر وحركة الفكر تتمشى على نمط واحد، وكل خطوة يخطوها الفكر إلى الأمام تتألف من ثلاث حالات متتالية. كل ما هو موجود يكتنفه حد من ذاته، والوجود يحتوي على العدم. وجواز الوجود إلى العدم والعدم إلى الوجود إنما هو التحول. فالوجود والعدم والتحول إنما هي قانون الأشياء بدون استثناء، فلا يحدث شيء ولا يترقى إلا تبعاً لهذه الأطوار. وقد شبهوا مذهب (هيجل) بكنيسة مشيدة على الطراز القوطي، يرى الناظر في كل جزء منها رسم البناء مصغراً؛ يريدون أن الفروع المشتقة من فلسفته صور مصغرة عن الأصول ها هو ذا الفكر الماضي في حركته التفكيرية يظهر خطره ويبدو أثره في الكون من مهد الحياة الناقصة الى عهد الحياة الكاملة، الى عصر الإنسان، وهو خلال ذلك يمر بأدوار الكمال، وفي كل دور يتبدل شأنه ويقوى سلطانه وينفسح مداه. كل طور يصعد إليه هو أسمى من الطور الذي تخطاه، ولكن السمو كل السمو لا يتجلى إلا في المفكر المبدع. وكل خلق - جماداً كان أو ذا روح - مخلوق لذاته، لا يتزحزح عما هو عليه، ولا يجوز من طوره الى طور غيره. وفي بعض مواطن ترى (هيجل) يرذل مذهب القائلين بالاستحالة. وكل كائن - عنده - يمثل صورة متفاوتة الكمال ملائمة لفكرة الكائن. أو قل (هدفاً) يرقى

стр. 7003

إليه في سيره نحو الهيئة الإنسانية، حيث يتم له لأول مرة أن يكمل ويتم. والطبيعة عنده ليست بصورة كاملة، أن هي إلا (مسودة) في كتاب الخليقة، لأن هيجل لا يرى فيها إلا مجموعة متناقضات لا تتوافق ولا تلتئم، تدل على عجز ظاهر وعلى اضطراب في المنطق. وقد أعطانا صورة جديدة عن الكون كما يود أن يكون. فهو في نظراته الفلكية مثلاً لا يبحث كثيراً في هذا الفضاء اللامتناهي. وإنما هو يرى الأرض - نظرياً - قلب الوجود، ويرى النجوم العالقة بالسماء كالبثور الطافحة على جلد الإنسان (يتبع) خليل هنداوي

стр. 7004

القصص إبليس يعشق للأديب حسين شوقي كان إبليس يقيم في مصيف (دوفيل)، ولم تمض أيام معدودة على قدومه إليها حتى كان من أثر وجوده بها عدة حودث انتحار، وقعت بين رواد قاعتي (الروليت) و (البكارا). . ولكن هبطت عليه ذات يوم برقية من مجلس الشياطين الأعلى المنعقد في (بروكن) تعدوه الى الذهاب من فروه إلى قرية س. . . في جبال الألب ليقضي هناك على أسرة صغيرة تعيش في سرور وهناء لا حد لهما، لأن الشياطين كما تعلم لا يطيقون رؤية بني البشر سعداء. . بلغ إبليس القرية، ولم يكد يصل إليها حتى قصد الدار التي تسكنها هذه الأسرة السعيدة لينتهي من أمرها في سرعة، ثم يعود على عجل إلى مصيفه في (دوفيل) حيث كان يتلذذ من إلحاق الأذى بلاعبي الورق. . كانت هذه الأسرة السعيدة مؤلفة من ثلاثة: الزوج، وهو شاب جميل في الخامسة والعشرين والزوجة، وهي فتاة جميلة أيضاً في سن العشرين، والولد، وهو طفل لطيف في الأشهر الأولى من عمره. . وكانت هذه الأسرة تسكن منزلاً صغيراً جميلاً شيد على رابية تشرف عليها جبال الألب الشاهقة وكأنها أسوار رفعتها يد العناية لحماية القرى المجاورة وسكانها الهادئين، من حوادث الطبيعة العظيمة. . ذهب إبليس يزو الأسرة السعيدة في زي بائع أم متجول، كي يتعرف موضع عمله، فلم يجد الزوج إذ كان في عمله بالحقل، ولكنه وجد الزوجة في الحديقة تدلل طفلها، وقد ضمته إلى صدرها. حقاً! إن السعادة كانت بادية بأجلى مظاهرها على وجه الزوجة، ولكنها اعتذرت في لطف عن عدم الشراء، قم قدمت إليه قدحاً من النبيذ ليرفه به عن نفسه من عناء المسير، فشربه إبليس ثم شكر الزوجة وانصرف وهو حانق على مجلس الشياطين الأعلى الذي أزعجه في مصيفه (بدوفيل) لأمر تافه مثل هذا، لأن القضاء على سعادة هذه الأسرة بسيط جداً، فقد يكفي إعطاء الطفل جرعة من جراثيم الدفتريا، ليقضي عليه فوراً، فتصبح الأسرة في يأس ونكد

стр. 7005

كم واجه إبليس حوادث أدق في (دوفيل)! إنه ما يزال يذكر مع الغبطة حادث البارونة س. . التي وسوس إليها أن تبيع حليها لتعطي ثمنها إلى عشيقها كي يخسر هذه النقود على المائدة الخضراء أولاً فأولاً، ولما نفذت الحلي وهدد العشيق البارونة بالهجر، لجأت إلى تزوير إمضاء وجها على شيك، ولكن اكتشف التزوير فاضطرت البارونة أن تنتحر اتقاء للفضيحة والعار في مساء يوم زيارته لمنزل تلك الأسرة، اقتنص إبليس بضعة جراثيم دفتريا فوضعها في قنينة ثم حفظها في جيبه. . ثم ذهب إبليس في اليوم التالي يزور الزوجة، وقد تزيا في هذه المرة بزي بائع حرائر، ولن لم يكد يقترب من المنزل حتى سمع صوتاً جميلاً ينبعث من الحديقة لم يسمع أعذب منه منذ خروجه من الفردوس، فوقف يصغي إليه. . ثم تقدم خطوات. . . فشاهد الزوجة الجميلة مكبة على طفلها وهو راقد في مهده تناغيه. تأثر إبليس بجمال هذا النظر تأثراً شديداً، فألقى القنينة بعيداً وانسحب كي لا يعكر صفاء هذه الأم الجميلة. . أحس إبليس في طريق عودته الى الفندق بسعادة عميقة تغمر نفسه، فخبأ وجهه بين يديه حتى لا يراه شيطان آخر على هذه الحالة، فيحاول أن يقضي على سعادته! يا للعجب! إن إبليس عاشق! إنها حقاً نهاية النهايات! أخذ إبليس طوال الليل يفكر في حاله، لا يدري ما يفعل. . فكرأولاً في قتل الزوج ليتقدم بعد ذلك الى المحبوبة في صورة شاب جميل سري، ولكن تراءى له عندئذ المحبوبة سابحاً في الدموع على فقدها زوجها، فأقصى عنه تلك الصورة القاسية المنطوية على الحقد والأنانية، لأن إبليس لم يعد شريراً وقد طهر الحب قلبه. . وللمرة الأولى، أحس إبليس انه بائس، أشد بؤساً من متسولي الهند. . . وللمرة الأولى أيضاً، بكى إبليس، وكانت دموعه هذه المرة دموعاُ بشرية بيضاء على غير العادة، إذ كانت عيونه قبل ذلك تفرز سائلاً أسود مثل نفسه السوداء. . . ولما لم يجد إبليس وسيلة للاستيلاء على المحبوبة دون تكدير صفوها، قرر أن ينتحر. . غادر إبليس الفندق وسط الظلام، ثم ذهب فتسلق أعلى قمة في الجبل وقفز منها الى السماء، فاحترق جسمه من السرعة التي انطلق بها في الجو. . .
следующие страницы →