Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.
стр. 7001
وهذه الأوضاع والتقاليد التي يحمل عليها الناس حملاً قد لقيت مصرعها في فرنسا، وهذا ما يكتب روح العظمة لهذا الشعب. . . . .)
وليس التحليل النفسي موضوع هذا الكتاب، وإنما هو يصف مراحل النفس في أصل نشأتها وحياتها حتى اليوم الذي يتيقظ فيها كل شعورها ووعيها، إذ تشعر بذاتها أنها قادرة على تحقيق (العلم المطلق) وبهذا يمكننا أن ندعوه درس أطوار النفس البشرية، وهذا الدرس يعمل بواسطة نظرياته المنطقية على إنماء الحركة البشرية وعلى إعداد حركة العلم المطلق الذي تبدو بوادره
وأخيراً يعد محاولات وتجارب أخفقت في ميدان الحياة أهاب به الحظ فدعي الى (برلين) الى المنبر الذي كان يشغله (فيخت) فلبث فيه حتى نزل به الوباء الذي اجتاحه فيمن اجتاح عام ١٨٣١. وهو خلال تدريسه قد قام بأسفار ورحلات صغيرة تدل عليها رسائله الخاصة إلى امرأته اللطيفة ذات الروح الرقيقة التي كانت تعبد زوجها وتعجب به وتحترق، ولكنها لا تفهمه. زار المناطق المنخفضة، ونزل في (فينا) وهبط (باريس) ضيفاً على الفيلسوف الفرنسي (فيكتور كوزان) وقد كان منزله في برلين محط النازلين من فلاسفة ولاهوتيين وأدباء على اختلاف نحلهم ومللهم، ورجال لدولة الذين يهرعون إلى سماع حكمه ودرره، وكتب في هذه الفترة كتابه (المنطق) و (معلمة فلسفية) وبعض المحاضرات التي كان يؤثر بها طلابه في الجامعة
أسلوبه
على أن أسلوب هيجل قد جاء مثلاً قاسياً في التعقيد والإبهام اللذين اتصف بهما، فهو صعب صعب لا يقدر على إدراك أحاجيه ومراميه إلا النبيه المفكر، وهو - برغم هذا كان أعظم مفكر ألماني يجهر بآرائه، وينزل بها صريحة إلى قرائه؛ تتلمسه فتجده مظلماً، وتستوضحه فتراه مبهما، أما هيجل الأديب فانك ملاقيه واضحاً في تضاعيف رسالاته، أما هيجل الفيلسوف فهو ذو أسلوب وحشي، تسنح له فكرة فيزجيها إلى الناس كما يريد بأسلوبه. ولقد تلمح في ثنايا سطوره كلمة أو عبارة لامعة فتعجب من هذا وتود لو يدوم! وهو أشد استرسالاً - من كانت - إلى المبهمات، لأن - كانت - تكاد تكون عباراته محدودة في مواطن معدودة، أما أسلوب هيجل فهو يحالفه - أني أشرفت عليه - , اشرف
стр. 7002
عليك، هذا الإبهام وهذا التعقيد. . .
فلسفته
إن المتعمق في فلسفة (هيجل) يجد أن جوهرها لا يخلو من أجزاء مقتبسة من (شيلنج) و (سبينوزا)، وهيجل هو القائل عن (سبينواز) (لا ينقص هذا الرجل إلا أن يعتبر الجوهر الإلهي روحاً طاهراً , أن يوحد هذا الروح مع الروح الإنساني بدلاً من أن يرى أن الروح الإنساني هو عنصر جاء على شكل الجوهر الإلهي ولكنه مجرد من الحرية والشخصية) ونظر (هيجل) إلى الواحد المطلق الذي افترضه (شيلنج) فراعه هذا الواحد الذي امتزج فيه ضدان لا يجتمعان بوساطة قانون بارد!. فمر (هيجل) بمادة سبينوزا والواحد المطلق؛ وأناب مناب هاتين المادتين (الفكر) , الماضي في حركته التفكيرية. . وقد تبدو هذه الحركة في ظاهرها حرة اسمية، ولكنها - في الحقيقة - حركة جديدة تعمل على بناء الكون بناء جديداً. ولم يكن السكون المطلق عاملاً من عوامل هذه الحياة، ولكن هي الفعالية، قانون الحياة الأسمى. وهكذا يحل التبدل المستمر محل الثبات المستقر
وحركة الفكر تتمشى على نمط واحد، وكل خطوة يخطوها الفكر إلى الأمام تتألف من ثلاث حالات متتالية. كل ما هو موجود يكتنفه حد من ذاته، والوجود يحتوي على العدم. وجواز الوجود إلى العدم والعدم إلى الوجود إنما هو التحول. فالوجود والعدم والتحول إنما هي قانون الأشياء بدون استثناء، فلا يحدث شيء ولا يترقى إلا تبعاً لهذه الأطوار. وقد شبهوا مذهب (هيجل) بكنيسة مشيدة على الطراز القوطي، يرى الناظر في كل جزء منها رسم البناء مصغراً؛ يريدون أن الفروع المشتقة من فلسفته صور مصغرة عن الأصول
ها هو ذا الفكر الماضي في حركته التفكيرية يظهر خطره ويبدو أثره في الكون من مهد الحياة الناقصة الى عهد الحياة الكاملة، الى عصر الإنسان، وهو خلال ذلك يمر بأدوار الكمال، وفي كل دور يتبدل شأنه ويقوى سلطانه وينفسح مداه. كل طور يصعد إليه هو أسمى من الطور الذي تخطاه، ولكن السمو كل السمو لا يتجلى إلا في المفكر المبدع. وكل خلق - جماداً كان أو ذا روح - مخلوق لذاته، لا يتزحزح عما هو عليه، ولا يجوز من طوره الى طور غيره. وفي بعض مواطن ترى (هيجل) يرذل مذهب القائلين بالاستحالة. وكل كائن - عنده - يمثل صورة متفاوتة الكمال ملائمة لفكرة الكائن. أو قل (هدفاً) يرقى
стр. 7003
إليه في سيره نحو الهيئة الإنسانية، حيث يتم له لأول مرة أن يكمل ويتم. والطبيعة عنده ليست بصورة كاملة، أن هي إلا (مسودة) في كتاب الخليقة، لأن هيجل لا يرى فيها إلا مجموعة متناقضات لا تتوافق ولا تلتئم، تدل على عجز ظاهر وعلى اضطراب في المنطق. وقد أعطانا صورة جديدة عن الكون كما يود أن يكون. فهو في نظراته الفلكية مثلاً لا يبحث كثيراً في هذا الفضاء اللامتناهي. وإنما هو يرى الأرض - نظرياً - قلب الوجود، ويرى النجوم العالقة بالسماء كالبثور الطافحة على جلد الإنسان
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 7004
القصص
إبليس يعشق
للأديب حسين شوقي
كان إبليس يقيم في مصيف (دوفيل)، ولم تمض أيام معدودة على قدومه إليها حتى كان من أثر وجوده بها عدة حودث انتحار، وقعت بين رواد قاعتي (الروليت) و (البكارا). .
ولكن هبطت عليه ذات يوم برقية من مجلس الشياطين الأعلى المنعقد في (بروكن) تعدوه الى الذهاب من فروه إلى قرية س. . . في جبال الألب ليقضي هناك على أسرة صغيرة تعيش في سرور وهناء لا حد لهما، لأن الشياطين كما تعلم لا يطيقون رؤية بني البشر سعداء. . بلغ إبليس القرية، ولم يكد يصل إليها حتى قصد الدار التي تسكنها هذه الأسرة السعيدة لينتهي من أمرها في سرعة، ثم يعود على عجل إلى مصيفه في (دوفيل) حيث كان يتلذذ من إلحاق الأذى بلاعبي الورق. .
كانت هذه الأسرة السعيدة مؤلفة من ثلاثة: الزوج، وهو شاب جميل في الخامسة والعشرين والزوجة، وهي فتاة جميلة أيضاً في سن العشرين، والولد، وهو طفل لطيف في الأشهر الأولى من عمره. .
وكانت هذه الأسرة تسكن منزلاً صغيراً جميلاً شيد على رابية تشرف عليها جبال الألب الشاهقة وكأنها أسوار رفعتها يد العناية لحماية القرى المجاورة وسكانها الهادئين، من حوادث الطبيعة العظيمة. .
ذهب إبليس يزو الأسرة السعيدة في زي بائع أم متجول، كي يتعرف موضع عمله، فلم يجد الزوج إذ كان في عمله بالحقل، ولكنه وجد الزوجة في الحديقة تدلل طفلها، وقد ضمته إلى صدرها. حقاً! إن السعادة كانت بادية بأجلى مظاهرها على وجه الزوجة، ولكنها اعتذرت في لطف عن عدم الشراء، قم قدمت إليه قدحاً من النبيذ ليرفه به عن نفسه من عناء المسير، فشربه إبليس ثم شكر الزوجة وانصرف وهو حانق على مجلس الشياطين الأعلى الذي أزعجه في مصيفه (بدوفيل) لأمر تافه مثل هذا، لأن القضاء على سعادة هذه الأسرة بسيط جداً، فقد يكفي إعطاء الطفل جرعة من جراثيم الدفتريا، ليقضي عليه فوراً، فتصبح الأسرة في يأس ونكد
стр. 7005
كم واجه إبليس حوادث أدق في (دوفيل)! إنه ما يزال يذكر مع الغبطة حادث البارونة س. . التي وسوس إليها أن تبيع حليها لتعطي ثمنها إلى عشيقها كي يخسر هذه النقود على المائدة الخضراء أولاً فأولاً، ولما نفذت الحلي وهدد العشيق البارونة بالهجر، لجأت إلى تزوير إمضاء وجها على شيك، ولكن اكتشف التزوير فاضطرت البارونة أن تنتحر اتقاء للفضيحة والعار
في مساء يوم زيارته لمنزل تلك الأسرة، اقتنص إبليس بضعة جراثيم دفتريا فوضعها في قنينة ثم حفظها في جيبه. . ثم ذهب إبليس في اليوم التالي يزور الزوجة، وقد تزيا في هذه المرة بزي بائع حرائر، ولن لم يكد يقترب من المنزل حتى سمع صوتاً جميلاً ينبعث من الحديقة لم يسمع أعذب منه منذ خروجه من الفردوس، فوقف يصغي إليه. . ثم تقدم خطوات. . . فشاهد الزوجة الجميلة مكبة على طفلها وهو راقد في مهده تناغيه. تأثر إبليس بجمال هذا النظر تأثراً شديداً، فألقى القنينة بعيداً وانسحب كي لا يعكر صفاء هذه الأم الجميلة. .
أحس إبليس في طريق عودته الى الفندق بسعادة عميقة تغمر نفسه، فخبأ وجهه بين يديه حتى لا يراه شيطان آخر على هذه الحالة، فيحاول أن يقضي على سعادته!
يا للعجب! إن إبليس عاشق! إنها حقاً نهاية النهايات!
أخذ إبليس طوال الليل يفكر في حاله، لا يدري ما يفعل. . فكرأولاً في قتل الزوج ليتقدم بعد ذلك الى المحبوبة في صورة شاب جميل سري، ولكن تراءى له عندئذ المحبوبة سابحاً في الدموع على فقدها زوجها، فأقصى عنه تلك الصورة القاسية المنطوية على الحقد والأنانية، لأن إبليس لم يعد شريراً وقد طهر الحب قلبه. .
وللمرة الأولى، أحس إبليس انه بائس، أشد بؤساً من متسولي الهند. . .
وللمرة الأولى أيضاً، بكى إبليس، وكانت دموعه هذه المرة دموعاُ بشرية بيضاء على غير العادة، إذ كانت عيونه قبل ذلك تفرز سائلاً أسود مثل نفسه السوداء. . .
ولما لم يجد إبليس وسيلة للاستيلاء على المحبوبة دون تكدير صفوها، قرر أن ينتحر. .
غادر إبليس الفندق وسط الظلام، ثم ذهب فتسلق أعلى قمة في الجبل وقفز منها الى السماء، فاحترق جسمه من السرعة التي انطلق بها في الجو. . .
стр. 7006
وهكذا قضى إبليس نحبه حاملاً معه أول وآخر حب له!
ولكن هذا لم يمنع المراصد الفلكية أن تذكر في تقريرها، في اليوم التالي، أن شهاباً هوى بجهة قرية س. . . في جبال الألب، وهو شهاب يجهله عالم الفلك للآن فاحدث سقوطه نوراً ساطعاً
كرمة ابن هانىء
حسين شوقي
стр. 7007
من أقاصيص الجاهلية
٢ - حرب البسوس
بقلم اليوزباشي أحمد الطاهر
(عود علي بدء)
قتل كليب فعمت الملأ فتنة عمياء، وهبت عليهم عاصفة هوجاء، ونزع الشيطان بين العشيرتين
هنا قلوب تقطر حزناً، وحزناً يدفع إلى اليأس وإلى الموت، وهنا نفوس تتواثب إلى الانتقام، وتستعذب في سبيله الحمام. وهناك قلوب تجب من هول ما أقدمت عليه، وتستشعر الندم لمقتل كليب، تهمس به في غسق الليل، وتخفيه نهاراً، ضنا بالكرامة وأنفة واستكباراً، وهناك فتية يحترقون للقتال، ولكن لا يثقون بنصرة الرجال، ويخشون أن يتخاذل النصراء عند نزول الخطب ويستخذي الرجال عند اشتداد الكرب، وبين هؤلاء وهؤلاء كهول وشيوخ يسيرون في الليلة الظلماء على قبس الحكمة ونور الأناة، ويتابعون السير في مدلهم الحوادث، يبتغون مخرجاً من الكوارث. فعقدوا عن الحرب في صمت ووجوم، ولم يعينوا ظالماً على مظلوم، ومن هاماتهم الفند الزماني، والحرث بن عباد فارس النعامة
ولكن طغت على القوم ثورة الغضب. وانساقوا إلى الحرب ورداً يؤزهم الشيطان أزّا
ولم يطلب لبني شيبان المقام بأرض فيها مذلة، ولهم فيها ذلة، فارتحلوا ونزلوا (بماء النهى) ولحقت جليلة بأبيها مرة ابن ذهل. وعلى رأس بني شيبان الحرث بن مرة أخو جساس وعلى رأس بني ثعلب المهلهل بن ربيعة أخو كليب واستحر القتال بينهم بماء النهى ودارت الدائرة على بني شيبان، وكانت الغلبة لتغلب؛
ولما أصبح القوم على مدرجة من سيل الحوادث، قال قائل منهم:
(هلموا إلى الكهنة نستلهمهم الصواب، علهم يكشفون الكرب أو يحجبون البلاء) وقال آخر: (ما للكهنة وهذه الكروب؟ إنما يلوون ألسنتهم بالقول كأنما نزل عليهم من السماء، فان تدبرت في قولهم لم تفهم منه شيئاً محدوداً، ولا رأياً مقصوداً، وإن فهمت فقد تفهم من القول معنيين لا تدري أيهما تأخذ وأيهما تدع.)
стр. 7008
واستقروا على أن يستشيروا الكهنة والكهنة فان عجزوا عن هديهم اعتصموا بعجزهم عن لوموبعثوا إلى الكهنة رسولاً منهم
وعاد الرسول يتلو عليهم قول الكهنة (يا للمحنة ويا للشقاء! ريح نكباء، وكرب وبلاء، وحرب ضروس، وسيوف تطيح بالرءوس، والقوم أحرص على الموت من حرص الموت على النفوس. قتل كليب ولابد مما كان، والرأي عند الفوارس لا عند الكهان)
- (أفهمتم من قولهم شيئاُ يا قوم؟)
- (أنهم يأمرون بالقتال!)
- (أنهم لا يأمرون بالقتال!)
ومضى القوم في صخب ولجب، وقاموا إلى المهلهل بن ربيعة أخي كليب يعجمون عوده، ويغمزون قناته. فإذا هو في فريق من أهله منهم عتاب بن سعيد بن زهير، وكعب بن زهير. والقوم بين ثائر يدعو إلى القتال وينفخ في ناره، وعاقل يجنح إلى السلام ويدعو الى داره، وفيهم من دسه بنو بكر، ليتنسم الأخبار، ويكشف عن النوايا الستار
وقام المهلهل على شرف واتكأ على رمحه وقال:
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها … إن أنت خليتها فيمن يخليها
كليب أي فتى عز ومكرمة … تحت السفاسف إذ يعلوك ساقيها
نعى النعاة كليباً لي فقلت لهم … مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
الحزم والعزم كانا من صنيعته … ما كل آلائه يا قوم أحصيها
القائد الخيل تردى في أعنتها … زهواً إذا الخيل لجت في تعاديها
من خيل تغلب ما تلقى أسنتها … إلا وقد خضبوها من أعاديها
نروي الرماح بأيدينا فنوردها … بيضاً ونصدرها حمراً أعاليها
ليت السماء على من تحتها وقعت … وانشقت الأرض فانجابت بمن فيها
وكأن المهلهل لم يغب عنه أن في الجمع الذي انتظم عنده أفراداً من بكر يتجسسون، فقذفهم بقوله:
لا أصلح الله منا من يصالحكم … ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها
فألقموا حجراُ وقاموا إلى أهلهم يتميزون. وبقي التغلبيون، فقال لهم المهلهل: (يا قوم! أما
стр. 7009
الحرب فانه لا يقف في سبيلي إليها خوف أو جزع، ولا يتكاءدني في طريقي إليها خور أو فزع، والقوم قد لجوا في عتو ونفور، وسأخسف بهم الأرض فإذا هي تمور. فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً، قال كبيرهم (إن المهلهل لا ينثني. والرأي عندي أن نبعث نفراً منا إلى بكر يعرضون عليهم. الفداء مشتطين فيه حتى لا يكون لبكر قبل بأدائه، ولا يجدوا سبيلاً إلى وفاءه، فان عجزوا - وسيعجزون - كان لنا في حربهم سبب ومعذرة) وابتلوا من بينهم ثلاثة بالسفارة إلى مرة بن ذهل ابن شيبان وهو أبو الحرث وأبو هام وأبو جساس وأبو جليلة.
قالوا له (إنكم أتيتم عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الأبل، فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الاعذار اليكم، ونحن نعرض خلالاً أربعاً لكم فيها مخرج ولنا مقنع)
فقال مرة (وما هي؟) قالوا: (تحيى لنا كليباً! أو تدفع إلينا جساساً قاتله فنقتله. أو هماماً أخاه فانه كفء له، أو تمكنا من نفسك فان فيك وفاء من دمه) قال: (أما إحيائي كليباً فهذا ما لا يكون، وأما جاس فانه غلام طعن على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أي البلاد احتوى عليه، وأما همام فانه لن يسلمه الى أبناؤه العشرة، ولا أخوته العشرة، ولا أبناء أخوته العشرة أولئك جميعاً لا يدفعون به إليّ ولا إليكم، وهم فرسان قومهم لتقتلوه بجريرة غيره، وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غداً فأكون أول قتيل بينها، فما أتعجل من الموت ولكن لكم عدني خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون فعلقوا في عنق أيهم شئتم نِسْعَةً فانطلقوا به الى رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور، وإلا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلاً من بني وائل)
قالوا: (لاّ) بملء أفواههم , وأصروا واستكبروا استكباراً
وارحمتاه لهذا الشيخ المنكود مرة بن ذهل، هذه ابنته جليلة قد قتل زوجها فعادت إليه مكلومة الفؤاد مهيضة الجناح، وهذا ابنه جساس قد قتل زوج أخته وفر لا يعلم له مستقر، وهذا ابنه الحرث بن مرة فر من الموت في وقعة النهي فأدركه الموت في وقعة الذنائب إثر طعنة من كعب بن زهير، وهذا ابنه همام طلب للموت يوم عرض الفدية فضن به أبوه، وطلبه الموت يوم (واردات) فما استطاع أبوه للموت رداً
стр. 7010
وعزيز علي القوم أن يموت همام أبو العشرة وأخو العشرة وعم العشرة. ولقد أصاب موته الوتر الأرن من قلب المهلهل، والمهلهل قد علمت غليظ القلب مصدور، شديد البأس موتور، وقف عند همام وهو طريح تسيل دماؤه على الأرض وتصعد روحه الى السماء تشكو الى بارئها ظلم الإنسان للإنسان وقال: (والله ما قتل بعد كليب قتيل أعز على فقداً منك)
وتحدث القوم عن موت همام، وعن نكبة أبي همام وقد ابيضت عيناه من الحزن، وقال الملأ: (أما لهذه الويلات من آخر؟ هذا المهلهل يقطر قلبه حزناً لقتل همام ولكنه يمضي في بغية واستئساده كأنما رءوس بكر زرع قد وكل بحصاده)
ولم تكن الحرب سجالاً بين الفريقين حتى اليوم، بل كانت الغلبة لتغلب، أما غداً فسيكون لها شأن آخر
أخرجها: احمد الطاهر
стр. 7011
البريد الأدبي
ضوء جديد على حياة موياسان
منذ بضعة أعوام احتفل في فرنسا بتخليد ذكرى الكاتب القصصي الأشهر جي دي موباسان، وأقيم له نصب تذكاري في بلدة مسقط رأسه ميرومزنل؛ ونوه وزير المعارف في خطابه الذي ألقاه يومئذ بما لقيه موباسان أثناء حياته وبعد وفاته من النكران، وبما يجب لفنه وتراثه الرائع على الجيل الفتي من تقدير وعرفان، واليوم تصدر طبعة جديدة مصورة لتراث موباسان له يشترك في تصويرها بول فولكي وشاس لابورد وبونفليس من أعظم مصوري فرنسا. وقد صدرت منها الأجزاء الثلاثة الأولى بعناية الكاتب رينه ودمزنل مترجم موباسان مصورة بدراسة جديدة ضافية للنواحي البارزة في حياة القصصي الأكبر وفنه، وفيه يهدم دومزنل نظرية قديمة عن الأثر الذي تركه مرض موباسان العقلي في أعوامه الأخيرة في بعض قصصه، ولا سيما قصة (لاهورل) التي قيل عنها إنها دائماً تمثل مرحلة الاضطراب العقلي لموباسان؛ فيقول لنا دومزنل إن المرض شيء والقصة شيء آخر وإن موضوعها قد أعطى لموباسان من صديقه ليون هنك، وإن ما قيل بعد ذلك من أنها كتبت بقلم مجنون أو مخبول العقل إنما هو افتراء محض، ويستدل دومزنل بذلك على ما رواه الكاتب الإنكليزي فرنك هاريس في كتابه (حياتي وحوداث غرامي) وقد كان صديقاً حميماً لموباسان منذ سنة ١٨٨٠، ويتفق هاريس مع بعض أولئك الذين لقوا موباسان في أن مظهره لم يكن يدل على عبقرية أو مواهب ممتازة، وأنه كان في مجالسه الأدبية متحفظاً، ولما كتب (لاهورل) أرسل إلى فرنك هاريس يقول: (سيقول معظم النقدة إنني قد جننت، ولكن إياك أن تخدع بأقوالهم، فأنني متمتع بكامل صحتي وعقلي) فرد عليه هاريس في محادثة جرت بينهما بأن الروع الذي أثارته هذه القصة في نفسه (اي موباسان) لابد أن يكون قد أثر في أعصابه، فأكد له موباسان أنه مخطئ. ولكن هاريس يقص إلى جانب ذلك أن موباسان كان مفرطاً في مطارداته الغرامية، وأنه كان دائماً أبداً صريع الغانيات لا يكاد يفارقهن. والواقع أن موباسان كان عملاقاً جباراً يفر في كل شيء في العمل وفي اللهو؛ وما يكتبه عنه هاريس في كتابه يكشف عن حقائق وسوآت كثيرة في حياته وخلاله الشخصية لم يتناولها مترجموه وأصدقاؤه الذين كتبوا عنه
стр. 7012
وقد أثار ظهور هذه الطبعة الجديدة لتراث القصصي الأشهر اهتماماً عظيماً في دوائر الأدب والفن
ملك النور
سبق أن ذكرنا أن بعثة علمية سافرت الى الهند لتبحث عن أصل النور (الفجر)، لما هو ذائع من أن أصل النور يرجع الى بعض القبائل والأجناس الهندية التي تعيش على ضفاف نهر الكنج، ولما هو مقرر من أن معظم اللهجات التي يتكلمها النور تحتوي على كثير من الألفاظ الهندية. ونضيف هنا أن ملك النور - لأن للنور ملكا غير متوج - قرر أخيراً أن يسير الى ضفاف الكنج في موكبه الملوكي ليقف على المباحث التي ستجرى عن أصول النور وأحوالهم. وهذا الملك أو الزعيم هو نوري رومان يدعى ميشيل كفيك، ومقره على مقربة من مدينة شرنوفتر. وقد نظم ميشيل كفيك موكبه الملوكي في ظاهر شرنوفتر، ونصب خيمته المحلاة بالذهب، وأخرج جميع عرباته وخيوله، وحوله أقطاب النور يرفلون في ثيابهم المزركشة، ويعتبر ميشيل كفيك ملكاً على جميع النور في العالم، وعددهم يبلغ زهاء أربعة عشر مليوناً، وقد انتخب للعرش هذا العام في مؤتمر عقد في بعض غابات بولونيا؛ وهو ينوي أن يسير بركبه الى ضفاف الكنج، وينشيء هناك (دولة نورية)، ومن الطريف أن نعرف أنه توجد بالفعل مجلة نورية في روسيا لها صفة رسمية وتسمى (بيروبدجان)، وأن لها علائق رسمية بحكومة السوفيت. وقد حادث مكاتب جريدة الجورنال في بوخارست ملك النور، وسأله في شيء من التهم عما إذا كان يزمع بعد تأسيس دولته الجديدة أن تلتحق المملكة النورية بعصبة الأمم، فأجابه أنه سيعني منذ البداية بتحقيق هذه الغاية
كتب عن كليوباطرة
أصدرت الكاتبة الفرنسية المعروفة (مريام هاري) كتاباً عن (كليوباطرة) ملكة مصر التي عاصرت عصر هيرود الأكبر وعصر المسيح. ومن المعروف أن مريام هاري كتبت من قبل عدة فصول تقول فيها إن جثة ملكة مصر الحسناء توجد في الواقع في فرنسا، وإنها دفنت في باريس، في ناحية من متحف اللوفر؛ ذلك أنها اخذت ضمن ما أخذ الفرنسيون من
стр. 7013
الموميات والآثار المصرية، ووضعت هنالك في ناووس، واستمرت كذلك نحو ستين أو سبعين عاماً؛ ثم تغيرت رائحة الموميا ودب إليها العطب، فقررت إدارة المتحف أن تدفنها في ناحية من المتحف ونفذ هذا القرار بالفعل، ولكن مكان دفنها الحقيقي لم يعين ولم يعرف بعد. على أن رواية مريام هاري تفتقر إلى كثير من عناصر الإثبات، ولو أنها أثارت وقت اذاعتها كثيراً من الاهتمام. وتحاول مريام هاري في كتابها الجديد أن تعرض حياة كليوباترة الملكة المستبدة، والمرأة الحسناء الرائعة، التي ما زالت قصص غرامها، ولياليها الغرامية الخيالية ونزهاتها الشهيرة في النيل، مستقى لكثير من الفنانين والكتاب المحدثين
احتجاج غريب للناشرين الفرنسيين
ذكرنا في فرصة سابقة أن لجنة خاصة ألفت تحت إشراف وزارة المعارف الفرنسية للعمل على إصدار الطبعة الثانية من دائرة المعارف الفرنسة التي صدرت منذ نحو نصف قرن واضحت قديمة ناقصة. والمعروف أن هذه الطبعة الجديدة التي سيبدأ صدورها منذ هذا العام (سنة ١٩٣٥) ستعرض للبيع بثمن معتدل يفي بتكاليف إخراجها فقط. وقد كان في ذلك ما يدعو للمديح والرضى ولكنه كان بالعكس مثار الاحتجاج والنقد. ذلك أن مسيو ارستيد كييه رئيس نقابة الناشرين ومديري الصحف والمجلات قد رفع إلى رئيس الوزارة الفرنسية مذكرة يحتج فيها باسم نقابته على ما قررته الحكومة من بيع دائرة المعارف للجمهور بثمن استثنائي باعتبار أنها مشروع علمي لم يثقل بنفقات أو ضرائب إضافية؛ ويقول مسيو كييه في مذكراته إن مثل هذا المشروع يعرض الناشرين الفرنسيين إلى منافسة غير عادية؛ ويطلب إلى رئيس الوزراء أن تصدر دائرة المعارف طبقاً للعرف العام وأن تباع طبقاً للظروف التجارية العامة، حتى لا يسيء ظهورها بهذه الصفة إلى مصالح الناشرين الفرنسيين
وفاة فنان شهير
توفي أخيراً لوسيان فوجير الفنان والمغني الشهير في عامه الثامن والثمانين. وقد لبث فوجير مدى نصف قرن في طليعة أساتذة الغناء في فرنسا، وبدأ حياته في مسرح (باثافلان) منذ سنة ١٨٧٠، ثم تنقل في عدة مسارح حتى انتهى الى (الأوبرا كوميك) وذاعت شهرته
стр. 7014
عنئذ، وبرز بفنه وابتكاره؛ ووضع أناشيد وأغاني كثيرة كانت تلقي نجاحاً عظيماً. ومن غريب أمره أنه ظل حافظاً لقواه الفتية، ومواهبه الغنائية حتى آخر سني حياته؛ وكان في العام الماضي ما يزال يجذب الجماهير حيثما يغني
ذكرى علامة طبيعي
يتأهب أصدقاء الكاتب الطبيعي لوي ديبري للاحتفال هذا (العام سنة ١٩٣٥) بمرور خمسين سنة على وفاته، وستقام بهذه المناسبة لوحة تذكارية في قريته (روفر). وقد توفي ديبري في عنفوان شبابه، في الثانية والعشرين، وفي ظروف مؤثرة، إذ توفي في سجنه حيث كان يقضي شهراً حكم به عليه من أجل كتابه الذي ألفه مع هنري فيفر وعنوانه (حول بزج الأجراس).
وقد كان لهذه القضية يومئذ ضجة كبيرة واحتج عليها أقطاب العصر مثل راول وجونكور ودوديه وكليمنصو وغيرهم
عنكبوت عجيب
بينما كان بعض العمال ينقبون في أحد البيوت القديمة في بلدة شومنيان هفان بالقرب من شنغاي في الصين، رأوا عنكبوتاً غريباً في شكله، عجيباً في تركيب جسمه، له وجه يشبه وجه الإنسان، رأسه عريض كبير، ووجهه يميل الى البياض، وله فوق عينيه حاجبات أسودان وأنف أسود وشفة بيضاء
وقد أرسل هذا العنكبوت الغريب الى معهد تعليم الشعب في شنغاي لعرضه على العلماء ليقولوا رأيهم فيه
стр. 7015
من روائع الشرق والغرب
مغرب الشمس في البحر
لأمير النثر الفرنسي (شاتو بريان)
من كتابه (عبقرية المسيحية)
بقلم أحمد حسن الزيات
كانت السفينة التي كنا نعبر بها المحيط إلى أمريكا فوق سوية الأرض اليبس؛ فلم يعد أمامنا مد الفضاء، غير طبقين من زرقة البحر وزرقة المساء! فكأنما كان نسيجاً أعده مصور فنان ليتلقى عليه آية إلهامه وإبداع فنه. وكان لون الماء قد ارتد إلى لون الزجاج المذوب؛ وقد سرت في الموج رعدة قوية جاءته من ناحية المغرب، مع أن الريح كانت تهب حينئذ من جهة المشرق، ثم ثارت من الشمال إلى الجنوب أمواج عالية، كانت تفتح في ثنايا أوديتها فُرجاً طويلة يقع النظر منها على صحاري المحيط. كانت هذه المناظر المنتقلة تختلف وجوها في كل لحظة: فتارة تكون سلاسل من الربى المخضرة، كأنها أخاديد الأحداث في مقبرة واسعة، وتارة تكون إرسالا من الموج تتراغى أعإليه فتحكى قطعاناً من الغنم البيض قد انتشرت في حقول الخَلنْج؛ وغالباً ما ينطبق الفضاء فلا ينطبق عليه تشبيه، فإذا ارتفعت موجة على متن المحيط، وانخفضت لجة فصارت كالساحل البعيد، ومر رَعيل من كلاب البحر في خط الأفق، انفتح الفضاء أمامنا فجأة. إنما كنا نتصور اتساع المدى وانفساح الطرف إذا ما تسحب على وجه البحر ضباب خفيف، فكأنما كان يزيد في سعة الافق، ويدفع في امتداد الجو!
آه! لشد ما كانت صور الأقيانوس في تلك الساعة مظهر عظمة ومثار حزن! ولله تلك الأحلام التي يلقيك فيها ويغمرك بها! سواء بايغال الخيال في بحار الشمال بين الصقيع والزوابع، أو بإرسائه في بحار الجنوب على جزر الرخاء والغبطة؟
كان غالباً ما يحدث أن نهب من النوم بعد وهن من الليل فنجلس على ظهره السفينة حيث لا نجد إلا ضابط النوبة وبعض البحارة يدخنون غلايينهم في سكون وصمت، وكان كل ما يقع في الأذن إذ ذاك إنما هو صوت السفينة تشق بحيزومها عباب المحيط، على حين كان
стр. 7016
شرار من النار يجري مع الزبد الأبيض على جانبي المركب. سبحانك اللهم!! لقد نقشت في كل شيء آي قدرتك، ولا سيما في أطباق اللجج وأعماق السموات: ملايين من النجوم تشع في القبة الزرقاء، وبدر ثم يتألق في كبد السماء، وبحر لًجى من غير ساحل ولا حد، ولا نهايةٌ في السماء وعلى الماء! أبداً ما هزت قلبي عظمتك بمثل ما هزته في هذه الليالي، وأنا معلق بين الكواكب والأقيانوس، فوق رأسي سعة لا تحد، وتحت قدمي سعة لا تقاس
أنا لست شيئاً، إنما أنا ناسك ساذج. ولطالما سمعت العلماء يجادلون في (الكائن الأول) فلم أفهم عنهم. ولكني لاحظت أن هذا الكائن المجهول يستعلن وجوده في قلب الإنسان كلما نظر في المشاهد العظمى للطبيعة
ففي ذات ليلة ساجية الجو هفافة الريح، وجدنا أنفسنا في تلك البحار الجميلة التي تنضح شواطئ (فرجينينا)، وكانت الشرُع كلها مطوية؛ وكنت أنا مشغولاً داخل السفينة حين سمعت الناقوس يدعو البحارة الى الصلاة، فأسرعت مع رفقاء السفر أمزج دعواتي بدعواتهم، وأضم صلاتي إلى صلواتهم. وكان الضباط والركاب قد أخذوا مواقفهم على كوثل السفينة، والقسيس في يده كتابه قد وقف من دونهم قليلَا، والملاحون قد انتشروا على ظهر المركب. وكنا جميعاً واقفين ووجوهنا شطر قيدوم السفينة وهي ناظرة إلى المغرب. وكان قرص الشمس وهو على أهبة المغيب في الماء، يتراءى من خلال الجبال في وسط الفضاء، فكان يخيل إلي من نوسان كوثل السفينة أن الكوكب المضيء يغير أفقه في كل لحظة! وكانت قطع من السحاب قد انتثرت على غير نظام في المشرق، والبدر البازغ قد أخذ يرتفع بطيئاً في الأفق، وكانت بقية السماء صافية الأديم سافرة الوجه؛ وفي جهة الشمال انبعث من البحر إعصار يتألق بألوان المنشور الزجاجي كأنه عمود من البلور قامت عليه قبة السماء، فتألف منه ومن كوكب النهار وكوكب الليل مثلث باهر الجلالة!
إن الرجل الذي لا يدرك جمال الله في هذا المشهد ليستحق الرثاء والرحمة! أسبلت أوراق عيني على الرغم مني حين حسر الرفاق قبعاتهم المقطرنة عن رءوسهم وأنشدوا بصوت أصحل أبح نشيدهم البسيط: (سيدتنا صاحبة المعونة وحامية البحارة)
لشد ما أثر في نفسي صلاة هؤلاء الرجال وقد وقفوا وسط المحيط على لوح هَشٍ من الخشب يتأملون الشمس وهي تغرب في اللجة: فالشعور بحقارتنا أمام عظمة اللانهاية،
стр. 7017
وأناشيدنا المرسلة على الأمواج، ودنو الليل بويلاته ومكائده، وسفينتنا العجيبة في بحر مسجور بالعجائب، وفريق من البحارة استولى على قلوبهم الإعجاب والخوف، وقسيس جليل عاكف على الصلاة، والله الذي تجلى للبحر فأمسك بإحدى يديه الشمس على حجاب المغرب، ورفع بالأخرى القمر من مهاد المشرق، وهو يسمع من خلال الفضاء المطلق أصوات خلقه، كل أولئك لا يستطيع قلم أن يصوره، ولا قلب مهما دق شعوره أن يتصوره!
الزيات
стр. 7018
دعاء
لشاعر الحب والجمال لامرتين
أشار لامرتين في كتابه (رفائيل) الى الأشعار الأولى التي (انجست من قلبه) والتي قرأها (دون أن يجرؤ على رفع بصره الى رفعها إليها)
ومن المحتمل أن تكون هذه الابيات:
أنت يا من ظهرت لي في صحراء هذه الدنيا! يا ساكنة السماء وعابرة هذه الأرض! يا من أضأت لي بشعاع من الحب هذا الليل الغاشي! اظهري بشخصك كله لعيني المشدوهة، وقولي لي ما اسمك، وما وطنك، وما حظك؟ أأنت من سلالة أرضية، أم أنت من نفحة قدسية؟
أتذهبين غداً إلى شهود الضياء الخالد؟ أم لا يزال أمامك في دار البعاد ودنيا الحداد وموطن البؤس خُطى تقطعينها في طريقك الشاق المتعب؟ مهما يكن اسمك وحظك ووطنك يا ابنة الأرض أو يا ابنة السماء، فدعيني ما دام ينبض بالحياة قلبي، أقدم إليك عبادتي أو حبي
إذا وجب عليك مثلنا، أن تستوفي أجلك وتبلغي مداك، فكوني سندي ودليلي، واسمحي لي أن أقبل في كل مكان غبار خطواتك المحبوبة. أما إذا طرت يا أخت الملائكة عن دنيا الشقاء والجحود، لتعيشي بجوارهم في دار النعيم والخلود، فاذكريني في ملكوت السماء، بعد أن أحببتني أياماً على هذه الغبراء!
الزيات
стр. 7019
الكتب
على عتبة الأمومة
تأليف الدكتور مصطفى الخالدي
ليس هذا الكتاب كما يتبادر الى الذهن كتاب طب وضع للأطباء، بل
هو كتاب من كتب الثقافة العامة، وضع لكل شابة وشاب، ألفه الدكتور
الخالدي، الأستاذ في فن التوليد والأمراض النسائية في جماعة بيروت
الأمريكية، ويقع في مائتي صفحة كبيرة، متقن الطبع، جميل السبك،
متين الورق
وقبل أن أحدث القارئ عن مباحث هذا الكتاب النافع، أشير الى ناحية فيه قد عظم إعجابي بها: ذلك أن الدكتور المؤلف قد بلغ حداً فائقاً من المهارة في تقديم المسائل العلمية والفنية الى عامة القراء، مما جعل كتابه في متناول كل قاريء، يفهمه في غير عسر، بل يقبل عليه في شغف ولذة، هذا الى ما احتوى عليه من صور دقيقة واضحة، تبين أجزاء البحث، ومنها عدد يتعلق بناحية الجمال والعاطفة دون أن يبعد عن المقصد الذي يسعى إليه المؤلف، إذ كان محوره بيان الأمومة السعيدة والطفولة السعيدة
وينبغي أيضاً أن أشير الى الأسلوب الذي نهجه الدكتور، فهو أسلوب من حدد موضوعه ورسم جزيئاته في نفسه، وتبين غايته منه، فاستطاع أن يكون سهل الأداء قريب المأخذ، بعيد المرمى، مما يتفق مع طبيعة هذا الكتاب وموضوعه الدقيق
والكتاب بعد ذلك مزيج من العلم والعاطفة، فموضوعه الإرشاد في ضوء القواعد والأصول، وغايته إسعاد الأم والأبناء، مع الشعور دائماً (بأن المحيط الذي سيخدمه هذا الكتاب هو محيطنا الشرقي الذي يقدس الشرق والحياء الجنسي، فلا تخجل من قراءته العذراء، ولا يجد القارئ طي صفحاته إلا كل ما يخص على اتخاذ المثل العليا في الحياة غاية لسعادة الأمومة والحياة)
افتتح المؤلف كتابه، بتلك الأسطورة الهندية الشهيرة في خلق المرأة، ثم قدم لبحثه في كلمة
стр. 7020
أشار فيها الى تسلط الأوهام والخرافات على كثير من العقول فيما يتعلق بأمر الحمل والولادة بسبب الجهل، مؤدياً قوله ببعض الحوادث التي صادفته وبعض الإحصاءات التي اطلع عليها
بعد ذلك أورد كلمة في الانقسام الخلوي وتكوين الجنين، ثم شرح في دقة وسهولة الأعضاء التناسلية في المرأة، وما يطرأ عليها في سن البلوغ، وتكلم عن الاشتراكات إبان الحمل، وعن الولادة والنفاس والطفل الوليد، وما يجب اتخاذه من وسائل العناية أثناء الحمل والولادة وعقب ذلك، وأختتم موضوعه الخطير بفصل ممتع في الغريزة الجنسية، وبيان بعض الأمراض، وبعض المسائل التي تشغل بال الإنسان في شبابه، ثم بكلمة رقيقة حصيفة الى المتزوجين ومن هم على أهبة الزواج
وإني لأشكر الدكتور المؤلف، معترفاً له بجميله هذا، فلقد استمتعت بقراءة هذا الكتاب واحببته حباً عظيماً، يدعوني الى أن أتقدم الى القراء بخالص النصح عسى ألا تفوتهم قراءة هذا الأثر النافع الجميل
مرآة النساء
تأليف الأستاذ محمد كمال الدين الأدهمي
يطلب من مكتبة صبيح بميدان الأزهر ثمنه ثمانية قروش عدا أجرة البريد
يقع هذا الكتاب في مائتين وأربعين صفحة من القطع المتوسط، ألفه الأستاذ الشيخ محمد كمال الدين الأدهمي بقلم المحفوظات التاريخية بديوان جلالة الملك، وقد جمع فيه كثيراً مما ذكر قديماً وحديثاً عن المرأة في جميع نواحي حياتها، فأورد بعض ما قيل في مدح النساء والدعوة إلى الرفق بهن، وبعض ما ذكر فيهن على لسان الشعراء والأدباء واوصاف المرأة الصالحة ومسلكها كربة بيتها، ومقاييس الجمال النسوي ومباريات الجمال وأدب المرأة ومبلغ علمها، وعناية الإسلام بشؤونها، وما جاء في الشريعة عنها من الأوصاف، مع ذكر تراجم الكثيرات من شهيرات النساء كالسيدة عائشة ﵂ وكأم هارون الرشيد وقطر الندى وشجرة الدر، وعائشة التيمورية
كذلكتعرض الأستاذ لمسألة الحجاب والسفور وما قيل في هذا الباب في الشرع وما ثار فيه
стр. 7021
من جدال بين المفكرين والكتاب
فأنت ترى أن الكتاب أشبه بالجمع منه بالتأليف على أن لكل عمل ثوابه إذا كانت وجهته لخير الصالح العام، وإنك لن تعدم في مطالعة هذا الكتاب الاستمتاع بما ورد في شتى الكتب عن النساء من طرف أدبية ومن بحوث مفيدة، وقد انتظم الكثير منها بين دفتيه، ولعل القارئ حين يطالعه ينفتح له كثير من الموضوعات الجديرة بالبحث فيما يتعلق بالمرأة الشرقية في نهضتها الحالية، وبعين له من أوجه البحث ما نحن في أشد الحاجة إليه.
وإني لأشكر للأستاذ الأدهمي ما بذل من مجهود وما توخى من خير
الخفيف
القصص المدرسية
قال الأساتذة: سعيد العريان، وأميندويدار، ومحمود زهران مؤلفو هذه القصص المدرسية:
(ليس من شك في أن الطفل بطبعه ولوع بالقصة؛ وأن الأدب العربي على سعته وغناه يكاد يخلو من القصة السهلة التي يستطيع الطفل أن يقرأها في رغبة وشوق. فبينما نرى الآداب الأجنبية حافلة بكل ما يجذب الطفل ويحبب إليه القراءة والمطالعة، نجد الأدب العربي يكاد يخلو جملة من (أدب الطفل)؛ وبينما الطفل الأجنبي يتلقى أكثر معلوماته عن الحياة في أسلوب (القصة) الجذاب - نرى الطفل العربي يتلقى أكثر مسائل العلم في أسلوب جاف، وطريقة لا تلائم طبيعته المرحة
ولاشك أن المدرسين أكثر إحساساً بهذه الحقيقة، واشد شعوراً بحاجة الطفل العربي إلى أدب سهل يشوقه ويجذبه، ويوافق نزعته وميله. هذا الشعور الذي دفعنا إلى أن نحاول سد هذا الفراغ، بوضع قصص سهلة تلائم طبع الطفل وتتمشى مع روحه، فبدأنا بوضع سلسلة من القصص، سميناها: (القصص المدرسية)
ورمينا فيها إلى الأغراض الآتية:
(١) - أن تكون وسيلة إلى تعليم الانشاء؛ فجعلنا أسلوبها سائغاًُمفهوماً، لا يبعد من الفصحى، ولا يتدنى إلى لغو العامية؛ وحاولنا بسبيل ذلك أن نقرب بين اللغة التي يتكلمها التلميذ، والعربية التي يتعلمها؛ فأبقينا على كلمة عامية لها في العربية أصل يؤيدها، غير
стр. 7022
وانين في التنقيب والبحث في كتب اللغة عن كل كلمة في مظانها ووضعنا تحت عين التلميذ نماذج من جيد الانشاء، مبثوثة في تضاعيف القصة، مفرقة في حواشي الكلام ليسهل على التلميذ تناولها من غير أن يشعر بسأم المتعلم؛ فلا يكاد يأني على القصة حتى يكون قد اجتمع له من فصيح الكلام قدر يعنيه على تجويد المحادثة والإنشاء
(٢) - وأن تكون وسيلة الى تهذيب الطفل؛ لذلك عنينا بأن يكون موضوع قصصنا غير بعيد من جو التلميذ، بحيث يسهل عليه تصوره ومتابعته بخياله، وبحيث يتهيأ له أن يعرف الطريق الى الرجولة الفاضلة من غير أن يلتوي عليه السبيل
(٣) - وأن تكون وسيلة الى تسليته؛ ولهذا حاولنا ما استطعنا أن نجعلها جذابة في كل شيء؛ صغيرة الحجم، يستطيع الطفل أن يضعها في جيبه ليقرأ فيها متى وأنى شاء، مشكولة، ليمكن التلاميذ قراءتها بغير معاناة؛ جميلة مصورة، زاهية اللون، لتدعو الطفل إليها بمنظرها الجميل، كما جعلناها رخيصة الثمن، ليكون في طاقة كل تلميذ أن يحصل عليها، طيبين نفساً بما نبذل من وقت ومال وراحة في سبيل الغرض الذي ننشده؛ فان أفلحنا في الوصول إليه فذاك حسبنا، وإلا فإننا ماضون في طريقنا دائبون على تكميل كل نقص نراه أو يلفتنا إليه الناصحون)
وقد نشر الأساتذة الفضلاء قصتهم الطفلية الأولى وهي (مُدمس أكسفورد) تقع في ٥٤ صحيفة، مشكولة كلها بالشكل الكامل. وموضوعها جذاب طلي. يصل بنفسه الى أعماق نفس التلميذ، ويجمع له بين القراءة والتفصح والتهذيب ويرمي بهمته الى بعيد، ويسمو بعواطفه الى أعلى
وقد ختمت هذه القصة باستخراج سبعة موضوعات إنشائية منها، مبينة في آخرها، ليكتب فيها التلميذ الصغير؛ فكانت القصة بذلك جامعة بين القراءة والكتابة، محققة لأغراض الأساتذة المعلمين
وثمن كل قصة خمسة مليمات، وتطلب من إدارتها بطنطا
стр. 7023
العدد ٨٥ - بتاريخ: ١٨ - ٠٢ - ١٩٣٥
стр. 7024
الملك علي. . . .
تلقيت نعي الملك النبيل علي بن الحسين كما أتلقى نعي قريب؛ فقد كان رضوان اله عليه مثال الفطرة العربية النقية: يقبل على زائره بأنسه، ويمكن لجليسه من نفسه، ويزيل الفوارق بين محدثه وبين شهصه، حتى يصدر عنه الوارد عليه وفي ذهنه صورة من جلاله لا تحول، وفي قلبه عاطفة من حبه لا تزول، وفي نفسه أثر عن ذاته لا يعفو. لا يُلقى في روعك حين تلقاه طوح الزعيم، ولا جفاء القائد، ولا دهاء السياسي، ولا سورة المَلِك، وإنما تجد في خلائقه فوحة المجد، وتقرأ في ملامحه عنوان الطيبة، وتعرف في حديثه لهجة السيادة، وتذكر في نبرات صوته ولحظات عينه ولفتات ذهنه ذلك الروح القوي الذي انبث في موات الوجود من بني هاشم!
نعي الناعي فيصلاً فقال الناس بطلٌ من أبطال العالم قضى، ونعى الناعي علياً فقال العرب سيد من سادات العروبة خلا؛ لأن فيصلاً حكم في شروق مُلك عائد، فكان عزمه لا تسعها قدرة، وفكرة لا يحصرها أفق، وطموحاً لا يحده غاية؛ ولأن علياً حكم في غروب مُلك بائد، فكان أمراً لا يمضيه سلاح، وأملا لا ينهضه جناح، وصلاحاً لا تؤاتيه فرصة؛ ثم كان مصير الرجلين مصير خلقين مختلفين: خلق اتسع لخُدَع السياسة، وشُبه الحكم، وأهواء النفوس، وخلق انحصر بين حدود الشرف الموروث، وسنن الدين المتبع، وتقاليد العرب المحتومة
كان الملك علي وهو أمير المدينة أو ولي العهد أو خليفة الحسين، مثل السيد الكريم والأمير السمح والملك المؤمل، ولكن موجة (الاخوان) كانت قد دفعت بحطام الحين إلى شواطئ جدة، فلم يستطع الملك الجديد أن يستمسك به في مهب الرياح الهوج ومضطرب الموج الثائر، فانتزع من تاجه المقدس مفاتيح الحرمين ثم وضعهما في يد الفاتح ونجا علي (الرقمتين) في ضباب من اليأس لا يشع في جنباته أمل
نزل الملك الغريب سواد العراق نزول الكريم على الكريم فتلقاه بوده، وصفق له من ورده، وبوأه من زعامته المكان الأول بعد فيصل. فكان في السياسة العراقية برهان الله في يقظة الشهوة، وصوت العدل في طغيان الهوى، وهدى المشورة في ضلال الرأي، ورسول الخير في أزمة الحاجة. وكان قصره القائم بالكرادة على الشاطئ الأيمن من دجلة بلاطاً للجلالة الحائرة بين الحجاز والعراق وسورية، تُقضى بين أبهائه الأمور الجسام، وترف على بفنائه
стр. 7025
الآمال الباسمة. ولكن حياة بغداد الدافقة بالنعيم الغارقة في اللذة، لم تستطع أن تُنسى الملك الحزين عرشه الصخري في الوادي الجديب؛ فكان لا يفتأ يحن إلى مُلكه المغضوب حنيناً شعرياً صامتاً يذيب الكلي ويستوقد الجوان، إلا أن أثره لا يبين تحت سمة الملك إلا لمن دخل في أمره ووقف على سره
كنت كثيراً ما أقضي أصيل اليوم في حضرته، وكان (مفتي بغداد) لا ينقطع عن مجلسه في هذه الساعة؛ وكان للملك ﵀ عطف على منشؤه فيما أظن للأدب، وميله إلى مصر، وأنسه بالغريب. فهو يجب أن يناقلني الحديث، ولكن (المفتي) سامحه الله رجل يرى من حق العالم أن يقول في كل شيء وأن يجيب عن كل شيء، وهو لا ينطق إلا ببيت من الشعر أو أثر من الحديث أو آية من القرآ،؛ أما ارتباط ما يقول بما يسمع فذلك ما كنا نعجز دائماً عن فهمه. كان الملك يبدأ الكلام فلا يكاد يمضي فيه حتى يقطعه عليه بحكاية عرضية أو مسألة فقهية! فأرفع طرفي اليه لعل عزة الملك تشع في عينه أو تثور في وجهه، فلا أجده إلا باسماً للمتكلم، مصغياً كالمتعلم، هادئاً كالشعاع الشاحب في شفق الخريف! على أنه كان يصحح للشيخ ما يَقْمشُ من الشعر وينتف من الأمثال، ويتخذ ذلك مادة للحديث وموضوعاً للمشاركة، فيسفر قوله عن ذوق صاف وبصيرة نافذة.
ولا أنسى ما حييت استشهاده في بعض الكلام على قلب الميم باء في قول بعض العرب بكة في مكة، بالمثل المعروف: (تمخض الجبل فولد فأراً) مرجحاً أن الجبل هو الجمل في لحن هذه القبيلة
لذلك كان إذا شاء الحديث صفواً من المقاطعة واللغو أمرني فمثلت بين يديه في ساعة بعينها، فيقضي إلي بطرَف من ماضي حياته، أو يملي على بعضاً من مذكراته. وقد لا يكون من المناسب اليوم - وأنا في موقف الرثاء والعزاء والأسى - أن أثبت في هذا المقام شيئاً من ذلك
ولكنه كان يلهج دائماً بمصر، ويرصد كوكب آماله في مصر. . . وحاول أن يقنع المصريين الذين خاصموه في سبيل الترك أن ثورتهم على الخلافة كانت بالحق وللحق، وأن أباه لم يال الترك نصحاً ألا يطأطئوا إشراف العرب، وألا يغمزوا نحوه العرب، وان يعدلوا عن سياسة الجهل، ويكفوا عن جرائم القتل، فاستغشوا الناصح وذهبوا بأنفسهم
стр. 7026
مُمعنين في الضلالة وللفقيد العظيم آراء حصيفة في رجال الثورة وساسة العراق ووحدة العرب، أرجو أن تتاح لتسجيلها المناسبة إنصافاً لهذا الرجل الذي أخرج من دياره عنوة، وكابد أكلاف المُلك من غير ثروة، حتى عاد كالطائر المهيض أو الملك الهابط، يختنق في مجثمه وبصره في الفضاء، ويلتصق بالأرض وروحه في السماء!
أحمد حسن الزيات
стр. 7027
زوجة إمام
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
جلس جماعةُ أصحاب الحديث في مسجد الكوفة، ينتظرون قُدومَ شيخهم الأمام (أبي محمد سليمان الأعمش) ليسمعوا منه الحديث، فأبطأ عليهم؛ فقال منهم قائل: هلموا نتحدثْ عن الشيخ فنكون معه وليس معنا. فقال أبو معاوية الضرير: إلى أن يكونَ معنا ولسنا معه! فخطرت ابتسامةٌ ضعيفةٌ تهتزُ على افواه الجماعة لم تبلغ الضحك، ومرت لم تُسمع وكأنها لم تُرَ، وانطلقتْ من المباح المعْفُو عنه. ولكن أكْبرَها أبو عَتاب منصور بن المُعْتَمِر فقال: ويلك يا أبا معاوية! أتتندرُ بالشيخ وهو منذ الستين سنة لم تَفُتْه التكبيرةُ الاولى في هذا المسجد، وعلى أنه مُحدث الكوفة وعالِمُها، وأقرأ الناسِ لكتاب الله، وأعلمهم بالفرائض، وما عَرَفت الكوفة أعبدَ منه ولا أفقه في العبادة؟
فقال محمد بن جُحَادة: أنت يا أبا عتاب، رجلٌ وحدك، تُواصِلُ الصومَ منذ أربعين سنة، فقد يَبسْتَ على الدهر وأصبح الدهر جائعاً منك، وما بَرحتَ تبكي من خشية الله، كأنما اطلعت على سواء الجحيم، ورأيت الناسَ يتواقعون فيها وهي لهبٌ أحمرُ يلتفُ على لَهب أحمر، تحت دخان أسود يتضربُ في دخان أسود، يَتَغامسُ الإنسان فيها وهي مِلءُ السموات، فما يكون إلا كالذبابة أو قدوا لها جبلاً ممتداً من النار، ينطاد بين الأرض والسماء، وقد ملأ ما بينهما جمراً وشُعلاً وحمماً ودخاناً، حتى لتهاربُ السحب في أعلى السماء من حره، وهو على هوْلِه وجسامته لِحرْق ذبابةٍ لا غيرها، بَيْدَ أنها ذبابةٌ تُحْرَقُ أبداً ولا تموت أبداً، فلا تزالُ ولا يزال الجبل!
فصاح أبو معاوية الضرير: ويحك يا محمد! دَعِ الرجل وشأنه؛ إن لله عباداً متاعهم مما لا نعرف، كأنهم يأكلون ويشربون في النوم، فحياتُهم من وراء حياتنا، وأبو عتاب في دنيانا هذه ليس هو الرجلَ الذي اسمهُ (منصور) ولكنه العملُ الذي يهمله (منصور). هل أتاكم خبر قارئ المدينة (أبي جعفر الزاهد)؟ قال الجماعة: ما خبره يا أبا معاوية؟ قال: لقد تُوفي من قريب، فرئي بعد موته على ظهر الكعبة؛ وسترون أبا عتاب - إذا مات - على منارة هذا المسجد! فصاح أبو عتاب: تخلل يا أبا معاوية؛ أنا حفظت خبر ابن مسعود: (كنا عند النبي ﷺ : (تخللْ) قال: مم اتخللُ؟ ما أكلتُ لحماً؟ قال: (إنك أكلتَ لحم
стр. 7028
أخيك!)
فتقلقل الضرير في مجلسه، وتنحنح، وهَمهم أصواتاً بينه وبين نفسه، وأحس الجماعةُ شأنه وقد عرفوا أن له شراً مبصرا كالذي فيه من المزْح والدعابة، وشراً عمى هذه بوادرُه، فاستلب ابنُ جحادةَ الحديثَ مما بينهما وقال: يا أبا معاوية، أنت شيخنا وبركتنا وحافظنا، وأقرُبنا إلى الإمام وأمسنا به؛ فحدثنا حديثَ الشيخ كيف صنع في رده على هشام بن عبد الملك، وما كان بينك وبين الشيخ في ذلك؛ فان هذا مما انفردتَ أنت به دون الناس جميعاً، إذ لم يسمعه غير أذنيك، فلم يحفظه غيرك وغير الملائكة
فأسفر وجهُ أبي معاوية وسُري عنه واهتز عطفاه وأقبل عليهم بعفو القادر. . . وأنشأ يحدثهم قال:
إن هِشاماً - قاتله الله - بعث إلى الشيخ: أن أكتبْ لي مناقبَ عثمانَ ومساوئ علي. فلما قرأ كتابه كانت داجِنةٌ إلى جانبه، فأخذ القرطاس وألقمه الشاة فلا كته حتى ذهب في جوفها، ثم قال لرسول الخليفة: قل له: هذا جوابك! فخشي الرسول أن يرجع خائباً فيقتله هشام، فما زال يتحملُ بنا، فقلنا: يا أبا محمد، نجه من القتل. فلما ألححنا عليه كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان ﵁ مناقبُ أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي ﵁ مساوئ أهل الأرض ما ضرتك؛ فعليك بخويصة نفسك، والسلام.)
فلما فصل الرسول قال لي الشيخ: إنه في خُرَاَسانَ مُحدث أسمه (الضحاكُ بن مُزاحم الهلالي) وكان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي يتعلمون؛ فكان هذا الرجلُ إذا تعب ركب حماراً ودار به المكتب عليهم، فيكون إقبالُ الحمار على الصبي هماً وإدبارهُ عنه سروراً. وما أرى الشيطان إلا قد تعب في مكتبه وأعيا، فركب أميرَ المؤمنين. . . . . . ليدور علينا نحن يسألنا: ماذا حفظنا من مساوئ علي؟
قلت: فلماذا ألقمتَ كتابه الشاة؟ ولو غسلته أو أحرقته كان أفهم له وكان هذا أشبه بك. فقال: ويحك يا أبله! لقد شابت البلاهةُ في عارضَيك. أن هشاماً سيتقطع منها غيظاً، فما يُخفى عنه رسوله أني أطعمتُ كتابه الشاة، وما يُخفى عنه دهاؤه ان الشاة ستعتبره من بَعْد. . . . .!
стр. 7029
قلت: افلا تخشى أمير المؤمنين؟
قال: ويحك! هذا الأحولُ عندك أمير المؤمنين؟ أَبما ولدته أمه من عبد الملك؟ فَهَبها ولدته من حائكٍ أو حجام! إن إمارةَ المؤمنين يا أبا معاوية، هي ارتفاعُ نفس من النفوس العظيمة إلى أثَرِ النبوة، كأن القرآن عَرَضَ المؤمنين جميعاً ثم رضي منهم رجلاً للزمن من الذي هو فيه، ومتى أصيب هذا الرجلُ القرآني فذاك وارثُ النبي في أمته وخليفتُه عليها، وهو يومئذ أمير المؤمنين، لا من إمارة الملك والترف، بل من إمارة الشرع والتدبير والعمل والسياسة
هذا الأحول الذي التف كدودة الحرير في الحرير، وأقبل على الخيل لا للجهاد والحرب، ولكن للهو والحلبة، حتى اجتمع له من جياد الخيل أربعة آلاف فرس لم يجتمع مُلها لأحد في جاهليةٍ ولا إسلام، وعَمِلَ الخز وقُطُفَ الخز، واستجاد الفرش والكسوة، وبالغَ في ذلك وأنفقَ فيه النفقات الواسعة، وأفسد الرجولة بالنعيم والترف حتى سلك الناسُ في ذلك سُنته فأقبلوا بأنفسهم على لهو أنفسهم، وصنعوا الخير صنعةً جديدة يصرفه إلى حظوظهم، وتركوا الشر على ما هو في الناس، فزادوا الشر وأفسدوا الخير، ولم يَعُد الفقراءُ والمساكينُ عندهم هم الفقراءَ والمساكين من الناس، بل بطونهم وشهواتهم. . . . .!
ولقد كان الرجلُ من أغنياء المسلمين يقتصدُ في حظ نفسه ليسعً ببره مائةً أو مائتين أو أكثر من اخوانه وذوي حاجته، فعاد هذا الغني يتسعٌ لنفيه ثم يتسع، حتى لا يكفيه أن يأكلَ رزقه مائة أو مائتين أو أكثر!
إن هذا الإسلام يجعل أحسن المسرات أحسنها في بذلها للمحتاجين، لا في أخذها والاستئثار بها، فهي لا تضيع على صاحبها إلا لتكون له عند الله، وكان الفقر والحاجة والمسكنةَ والانفاقَ في سبيل الله - كأن الفقر والحاجة والمسكنة والانفاقَ في سبيل الله - كأن هذه أرضونُ يُغرس فيها الذهبُ والفضة غرساً لا يُؤتي ثمره إلا في اليوم الذي ينقلب فيه أغنى الأغنياء على الأرض وإنه لأفقر الناس إلى درهمٍ من رحمة الله وإلى ما دون الدرهم؛ فيقال له حينئذ: خُذْ من ثمار عملك، وخُذْ ملءَ يديك!
والسلطانُ في الإسلام هو الشرع مَرْئياً يتابعهُ الناس، متكلماً يفهمه الناس، آمراً ناهياً يطيعه الناس. ولقد رأى المسلمون هذا الأحوال، وتابعوه وسمعوا له واطاعوا؛ فمنعوا ما في
стр. 7030
أيديهم، فانقطع الرفد، وقل الخير، وشحت الأنفس، وأصبح خيرهم خيرهم لبطنه وشهواته، وصار الزمانُ أشبه بناسه، والناسُ أشبه بملكهم، وملكُهم في شهواته (فقيرُ المؤمنين) لا أميرُ المؤمنين!
إن هذه الامارةَ يا أبا معاوية، إنما تكون في قرب الشبه بين النبي ومن يختاره المؤمنون للبَيْعة. وللنبي جهتان: إحداهما إلى ربه، وهذه لا يطمع أحدٌ أن يبلغ مبلغه فيها؛ والأخرى إلى الناس، وهذه هي التي يُقاس عليها. وهي كلها رْفقُ ورحمةٌ وعملُ وتدبير وحياطة وقوة، إلى غيرها مما يقوم به أمرُ الناس؛ وهي حقوقٌ وتبعاتٌ ثقيلة تتصرف بصاحبها عن حظ نفسه، وبهذا الانصراف تجذب الناس إلى صاحبها.
فأمارة المؤمنين هي بقاء مادة النور النبوي في المصباح الذي يضيء للاسلام بامداده بالقدر بعد القدر من هذه النفوس المضيئة.
فان صَلُحَ الترابُ أو الماء مكان الزيت في الاستضاءة صَلُح هشامٌ وأمثاله لأمارة المؤمنين!
ويلُ للمسلمين حين ينظرون فيجدون السلطانَ عليهم بينه وبين النبي مثلُ ما بين دِينين مختلفين. ويلٌ يومئذ للمسلمين! ويلً يومئذ للمسلمين!
فلما أتم الضريرُ حديثه قال ابن جُحادة: إن شيخنا علي هذا الجِد ليمزح، وسأحدثكم غير حديث أبي معاوية فقد رأيتُ الدنيا كأنما عرفت الشيخ ووقفت على حقيقته السماوية فقالت له: اضحك مني ومن أهلي. ولكن وقاره ودينه ارتفعا به أن يضحك بفمه ضَحِكَ الجهلاء والفارغين، فضحك بالكلمة بعد الكلمة من نوادره
لقد كنت عنده في مَرْضَتَه، فعاده (أبو حنيفة) صاحبُ الرأي، وهو جبلُ عِلْم شامخ، فطولَ العقودَ مما يُحبه ويأنس به، إذ كانت الارواحُ لا تعرف مع أحبابها زمناً بطول أو بقصر. فلما أراد القيام قال له: ما كأني إلا ثَقُلْتُ عليك. فقال الشيخ: إنك لثقيلٌ علي وانتَ في بيتك. . . .! وضحك أبو حنيفة كأنه طفلُ يلاغِيه أبوه بكلمة ليس فيها معناها، أو أبٌ دَاعَبَه طفُله بكلمة فيها غيرُ معناها
وجاءه في الغَداة قومٌ يعودونه، فلما أطالوا الجلوسَ عنده أخذ الشيخ وسادته وقام متصرفاً، وفل لهم: قد شَفَى الله مريَضكم. . . .!
فقال الضرير: تلك رَوْحَةٌ من هواء دُنْبا وَنْد قان أبا الشيخ كان من تلك الجبال، وقدم إلى
стр. 7031
الكوفة وأمه حاملٌ، فوُلِدَ هنا؛ فكأن في دمه النسيم تهبُ منه النفحة بعد النفحة في مثل هذه الكلمات المُتَنسمة؛ ثم هي روحه الظريفة الطيبة تُلْمَسُ بعضَ كلامه أحياناً، كما تلمسُ روحُ الشاعر بعض كلام الشاعر؛ وما رأيت أدق النوادر الساخرة وأبلغها وأعجبها يجيء إلا من ذوي الأرواح الشاعرة الكبيرة البعيدة الغور، كأنما تأتي النادرة من رؤية النفس حقيقتين في الشيء الواحد. والامامُ في ذلك لا يسخر من أحد، إلا إذا كانت الأرض حين تُخرج الثمرةَ الحلوة تسخر بها من الثمرة المرة
والعجيب أن النادرة البارعة التي لا تتفق إلا لأقوى الأرواح، ينفق مثلها لأضعف الأرواح؛ كأنها تسخر من الناس كما يسخرون بها. فهذا (أبو حَسَن) مُعلم الكُتاب، جاءه غلامان من صبيته قد تعلق أحدهما بالآخر؛ فقال: يا مُعلم، هذا عَض أذني. فقال الآخر: ما عضضتها، وإنما هو عض أذن نفيه. . .! فقال المعلم: وتمكُرُ بي أيضاً يا ابن الخبيثة، أهو جملٌ طويلُ العنق حتى ينالَ أذنَ نفسه فيعضها. . .!
وطلع الشيخ عليهم وكأنما قرأ نفس أبي معاوية في وجهه المتفتح. ومن عجائب الحكمة أن الذي يُلمحُ في عيني المبصر من خوالج نفسه يُلمحُ على وجه الضرير مُكبراً مجسماً. وكان الشيخ لا يأنس بأحد أنسه بأبي معاوية، لذكائه وحفظه وضبطه، ولمشاكلة الظرف الروحي بينهما؛ فقال له:
(فِيمَ كان أبو معاوية؟)
- (كان أبو معاوية في الذي كان فيه!)
- (وما الذي كان فيه؟)
- (هو ما تسأل عنه!)
- (فأجبني عما أسأل عنه)
- (قد أجبتُك!)
- (بماذا أجبتَ)
- (بما سمعت!)
فتقبض وجهُ الشيخ وقال: (أههنا وهناك معاً؟ لو أن هذا من امرأةٍ غضبي على زوجها لكان له معنى، بل لا معنى له ولا من امرأةٍ غضبي على زوجها. أحسبُ لولا أن في منزلي من
стр. 7032
هو أبغضُ إلى منكم ما خرجت؟) فقال الضرير: (يا أبا محمد، أننا زوجاتُ العلم؛ فأتينا التي حظيت وبظيتْ. . .)
فغطى الجماعة أفواههم يضحكون، وتبسم الشيخ، ثم شرع يحدث فأفضى من خبر إلى خبر، وتسرح في الرواية حتى مر به هذا الحديث:
عن رسول الله ﷺ قال: (إن هلاكَ الرجال طاعتُهم لنسائهم.)
قال الشيخ: كان الحديث بهذا اللفظ، ولم يقل النبس ﷺ : (هلاُك الرجل طاعته لامرأته)؛ فان هذا لا يستقيم؛ إذ يكون بعضُ النساء أحياناً أكمل من بعض الرجال، وأوفر عقلاً وأسد رأياً، وقد تكون المرأةُ هي الرجلَ في الحقيقة عزماً وتدبيراً وقوى نفس، ويتلينُ الرجل معها كأنه امرأة. وكثير من النساء يكُن نساءً بالحلية والشكل دون ما وراءهما، كأنما هيئنَ رجالاً في الأصل ثم خًلقن نساءً بعد، لأحداث ما يريد الله أن يحدث بهن، مما يكون في مثل هذه العجيبة عملاً ذا حقيقتين في الخير والشر
وإنما عم الحديث لًيدل على أن الاصل في هذه الدنيا أن تستقيم أمور التدبير بالرجال؛ فان البأس والعقل يكونان فيهم خلقةً وطبيعةً أكثر مما يكونان في النساء؛ كما أن الرقة والرحمة في خلقة النساء وطبيعتهن أكثرُ مما هما في الرجال، فاذا غلبتْ طاعةُ النساء في أمة من الأمم، فتلك حياة معناها هلاك الرجال، وليس المراد هلاكً أنفيهم بل هلاك ما هم رجالٌ به. والحديدُ حديدٌ بقوته وصلابته، والحجرُ حجر بشدته واجتماعه؛ فان ذاب الأولُ أو تفلل، وتناثر الآخر أو تفتت - فذا هلاكهما في الحقيقة، وهما بعدُ لا يزالان من الحجر والحديد
والمرأة ضعيفة بفطرتها وتركيبها، وهي على ذلك تأبى أن تكون ضعيفة أو تُقر بالضعف، إلا إذا وجدت رجلها الكامل ورُجلها الذي يكون معها بقوته وعلقه وفتنته لها وحبها إياه، كما يكون مثالٌُ مع مثال. ضَعْ مائة دينار بجانب عشرة دنانير، ثم اتر للعشرة أن تتكلم وتدعي وتستطيل؛ قد تقول: إنها أكثر إشراقاً، أو أظرفُ شكلاً، أو احسن وضعاً وتصفيفاً؛ ولكن الكلمة المحرمة هنا أن تزعم أنها أكبر قيمةً في السوق. . . . .!
قال الشيخ: ومن من النساء تصيبُ رجلَها الكاملَ أو القريب من كماله عندها، أي كمالَ طبيعته بالقياس إلى طبيعتها، كمالَ جسم مُفصلٍ لجسم تفصيلَ الثوب الذي يلبسه ويختال فيه؟ أما إن هذا من عمل الله وحده؛ كما يبسط الرزقُ الرزقَ لمن يشاء من عباده ويقدر،
стр. 7033
يبسط مثل ذلك للنساء في رجالهن ويقدر
فاذا لم تًصيب المرأة رجالها القوي - وهو الأهم الأغلب - لم تستطيع أن تكون معه في حقيقة ضعفها الجميل، وعملت على أن يكون الرجل هو الضعيف، لتكون معه في تزوير القوة عليه وعلى حياته. وبهذا تخرج من حيزها، وما أول خروج النساء إلى الطرقات إلا هذا المعنى؛ فان كًثُر خروجهن في الطريق وتسكعن ههنا وههنا فانما تلك صورة من فساد الطبيعة فيهن ومن إملاقها ايضاً. . .
قال الشيخ: وكأن في الحديث الشريف إيماء إلى أن من بعض الحق على النساء ينزلن عن بعض الحق الذي لهن إبقاءً على نظام الأمة، وتيسيراً للحياة في مجراها؛ كما ينزل الرجل عن حقه في حياته كلها إذا حارب في سبيل أمته، إبقاءً عليها وتيسيراً لحياتها في مجراها. فصبرُ المرأة على مثل هذه الحالة هو نفسه جهادها وحربها في سبيل الأمة، ولها عليه من ثواب الله مثلُ ما للرجل يُقتلُ أو يُخرج في جهاده
ألا وإن حياة بعض النساء مع بعض الرجال تكون أحياناً مثل القتل، او مثل الجرح، وقد تكون مثل الموت صبراً على العذاب! ولهذا قال رسول الله ﷺ لِمُروجةٍ يسألها عن حالها وطاعتها وصبرها مع رجلها: (فأين أنت منه؟)
قال ما آلوه ما عَجَزْتُ عنه! قال: (فكيف أنتِ له؟ فانه جنَّتُكِ ونارُك)
آه! آه! حتى زواجُ المرأة بالرجل هو في معناهُ مرورَ المرأة المسكينة في دنيا أخرى إلى موتٍ آخر، ستُحاسب عنده بالجنة والنار، فحسابها عند الله نوعان: ماذا صنعت بدنياكِ ونعيمها وبؤسها عليكِ؛ ثم ماذا صنعتِ بزوج ونعيمه وبؤسه فيك؟
وقد روينا أن امرأة جاءت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني وافدةُ اليك؛ ثم ذكرتْ. ما للرجل في الجهاد من الأجر والغنيمة؛ ثم قالت: فما لنا من ذلك؟
فقال ﷺ : (أبِلغي من لقيتِ من النساء أن طاعة للزوج، واعترافاً بحقه - يعدلُ ذلك؛ وقليلٌ منكن من يفعله!)
قال الشيخ: تأملوا واعجبوا من حكمة النبوة ودقتها وبلاغتها؛ أيقالُ في المرأة المحبة لزوجها المفتنة به المعجبة بكماله: إنها أطاعته أو اعترفت بحقه، أو ليس ذلك طبيعةَ الحب إذا كان حباً؟ فلم يبق إذن إلا المعنى الآخر، حين لا تصيب المرأةُ رجُلها المفصل لها، بل
стр. 7034
رجلاً يُسمى زوجاً، وهنا يظهر رمُ المرأة الكريمة، وها هنا جهادُ المرأة وصبرها، وها هنا بَذْلُها لا أخذُها؛ ومن كل ذلك ها هنا عملها لجنتها أو نارها
فاذا لم يكن الرجل كاملاً بما فيه للمرأة، فلتُبْقِه هي رجلاً بنزولها عن يعض حقها له، وتركها الحياة تجري في مجراها، وإيثارها الآخرةَ على الدنيا، وقيامها بفريضة كمالها ورحمتها، فيبقى الرجل رجلاً في عمله للدنيا، ولا يُمسخُ طبعه ولا ينتكس بها ولا يَذل، فان هي بذأت وتسلطت وغلبت وصرفت الرجل في يدها، فأثر ما يظهر حينئذٍ في أعمال الرجال من طاعتهم لنسائهم - إنما هو طيشُ ذلك العقل الصغير وجُرْأته، وأحياناً وقاحته؛ وفي كل ذلك هلاك الرجولة، وفي هلاك معاني الرجولة هلاكُ الأمة!
قال الشيح: والقلوبُ في الرجال ليست حقيقةً أبدا، بطبيعة أعمالهم في الحياة وأمكنتهم منها، ولكن القلب الحقيقي هو في المرأة، ولذا ينبغي أن يكون فيه السُمو فوق كل شيء إلا واجب الرحمة، ذلك الواجب الذي يتجه إلى القوى فيكون حباً ويتجه إلى الضعيف فيكون حناناً ورقة، ذلك الواجبُ هو اللطف، ذلك اللطفُ هو الذي يُثبت أنها امرأة
قال أبو معاوية: وانفض المجلس، ومنعني الشيخ أن أقوم مع الناس، وصرف قائدي، فلما خلا وجهه قال: يا أبا معاوية، قُم معي إلى الدار، قلتُ ما شأنٌ في الدار يا أبا محمد؟ قال: إن (تلك) غاضبة علي، وقد ضاقت الحال بيني وبينها، وأخشى أن تتباعد، فأريدُ أن تصلح بيننا صلحا
قلت: فمم غضبها؟ قال: لا تسأل المرأة م تغضب، فكثيراً ما يكون هذا الغضب حركة في طباعها، كما تكون جالسة وتريد أن تقوم فتقوم، وتريد أن تمشي فتمشي!
قلت: يا أبا محمد، هذا آخر أربع مرات تغضب عليك غضب الطلاق، فما يحبِسُك عليها والنساء غيرها كثير
قال: ويحك يا رجل! أبائعُ نساءٍ أنا، أما علمتَ أن الذي يطلق امرأة لغبر ضرورة ملْجئةٍ، هو الذب يبيعها لمن لا يدري كيف يكون معها وكيف تكون معه، إن عمْرَ الزوجة لو كان رقبةً وضربت بسيف قاطع لكان هذا السيف هو الطلاق!
وهل تعيشُ المطلقةُ إلا في أيام مينة، وهل قاتل ايامها إلا مطلقُها؟
قال أبو معاوية. وقمنا إلى الدار، واستأذنت ودخلت على (تلك). . . . . .
стр. 7035
(لها بقية)
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7036
حكايتي مع بوبي
للأستاذ ابراهيم عبد القادر المازني
وقعت عيني عليها، فلم أعد أرى سواها. وكنتُ أركب (الامنيبوس) ففتحت الباب وإذا بها أمامي! وفي حجرها كلب أبيض صغير غزير الشعر، وإلى جانبها صاحب لي - جالس كالدمية! فغضضتُ الطرف - أعني أني حولتُ عيني عنها إلى التمثال، وكانت نظرتي واشية بالاعجاب والسرور، فانقلبت نظرة حسد وغيظ - ومقت أيضاً! ولكني كتمتُ ذلك، وأمسكت على ما بنفسي منه، ولم أسمح له أن يطل من عيني، لظني كان تمثالاً مبنياً أو منحوتاً من الحجر، لا إنساناً حياً من لحم ودم، فمضت عنه إلى آخر معقد، وقد زاد حقدي عليه وحسدي له. وجعلت أقول لنفسي - وأنا قاعد، وبيتي وبينهما صفان - إنها لا يمكن أن تكون زوجاً أو قرية، فما خلق مثلها ليشقى بزواج مثله أو يُبتلى بقرابته، وأنه لاحق له في زحامها على مقعدها، وأن من سوء الأدب ألا يفسح لها
ورثيتُ لها، وأشفقتُ عليها من برد هذا التمثال الجامد الذي لا ينبض فيه عرقٌ ولا يطرف له جفن، وهممتُ مرات أن أدعوه إلي، ولكني رددت نفسي عن ذلك، مخافة أن تكون معه، فان النساء - كل شيء - حظوظ وأرزاق، وقد سمعتُ وحفظتُ من أمثال عامتنا أن الله يشاء أحياناً أن يعطي الحلق لمن ليس له اذنٌ!
وبلغتُ (محطتي) فنزلت، ومنحتُ السيارة ظهري، فقد شق علي أن أراها تمضي بهذه الفتاة. فلما آذنني صوتها - أعني صوت السيارة - أنها بعدت عني، درت، فاذا بالفتاة إلى جانبي وأطراف أصابعها على فمها، وفي وجهها كل آيات الحيرة والاضطراب، ولم أر الكلب، فتلفتُ فبصرت به يعدو ويسابق ظله الصغير، ولم أبصر صاحبي في مكان قريب أو بعيد، فلم يبق محل للتردد، فخلعتُ معطفي ورميته بلا تفكير، وذهبت أعدو وراء الكلب، فأدركته بلا عناء، فقد كان صغيراً وخطوه متقارباً، ورفعته عن الأرض ووقفت أمسح له شعره الناعم - لأستريح!
وسمعت صوتاً رخيما يقول لي: (أشكرك! إن هذا منك غاية المروءة)
فدرت وقلت بسرعة: (العفو - استغفر الله!)
قالت الفتاة: (منتهى اللطف ولاشك!)
стр. 7037
فلم أدر ماذا أقول، وكنت أنا أحمل الكلب، وهي تحمل معطفي - كما تبينتُ فيما بعد - ولكني لم أكن أرى أو أدرك شيئاً، سوى أن لساني قد انعقد، وأني فقدت القدرة على الكلام وعادت الفتاة تقول: (صحيح، أنا متشكرة جداً)
فكان كل ما فتح الله به علي: (إني أحب الكلاب)
ولم أكن صادقاً في ذلك، فما أحب الكلاب ولا أطيقها، وما رأيت قط كلباً - ولو كان ميتاً - إلا ذهبت أفكر بسرعة في أقرب مستشفى للكلب!
وسمعتها تقول: (لا شك أنك تحبها! وإلا لما جريت وراءه هكذا!)
فقلت: (نعم، إني أحب. . . . أحبها. . . هل تحبينها؟)
قالت: (نعم، حباً جماً)
قالت: (بعض الناس لا يحبونها)
قلت: (صحيح - أنا. . . مثلاً. . . أحبها. . . أحبها كثيراً)
ثم كأنما انحلت عقدة لساني، ونزلت عليه الفصاحة والبيان فقلت من غير أن أتلعثم أو أتأتيء أو أفأفيء:
(أحب الكلاب بأنواعها - القَلَطي والسلوقي والمالطي والأرمنتي والبول دوج والثعلبي، وأحب هريرها ونباحها وهوهوتها، وأحب لعبها وعبثها وعضها)
وخانني بياني فأمسكت. فقالت:
(يظهر أنك تحب الكلاب!)
فقلت: (نعم، أحب الكلاب. . . جداً)
قالت: (إن لها مزاياها)
قلت: (صحيح - إن للكلاب مزاياها -) وفتح الله علي فأضفت (وكذلك للقطط مزاياها)
فقالت: (صحيح - القطط أيضاً لها مزاياها)
قلت: (لاشك - ولكن القطط تختلف عن الكلاب)
قالت: (نعم تختلف - لقد لاحظتُ ذلك)
وكان ينبغي أن أجيب بشيء، فقد اتسع الموضوع ولم يعد مقصوراً على الكلاب، ولكنه لم يخطر لي كلام أقوله، فعضضت لساني من الغيظ، وسكت، وسكتت هي أيضاً، ووقفتُ
стр. 7038
أمسح لكلب شعره، وبودي لو أخنقه، فقد كبر في ظني أنه هو الذي جر على هذه الحبسة التي أصابت لساني، ثم رفعت عيني إلى الفتاة فرأيتها تنقل معطفي من ذراع إلى ذراع، فأسرعت أقول:
(معذرة - لقد كنت ذاهلاً)
وتناولت المعطف، فحملت عني كلبها وهي تقول:
(هو الذي أذهلك - إنك تحبه، أليس كذلك؟)
فقلت: وأنا أتشهد - في سري - (أحبه؟ آه! نعم، أحبها - أعني الكلاب!)
قالت: (إنك. . . .؟؟)
قلت: (إني؟)
قالت: (نعم! إنك. . . اعني. . . إني لست أعرف لمن أنا مدينة بهذا الجميل؟)
قلت: (آه! صحيح! أعني. . . . كلا. . . لا فضل ولا جميل. . . لا لا لا. . . لاشيء!. . وسخطتً على نفسي جداً، فقد كان واضحاً أنها تسألني عن اسمي وما إلى ذلك. فجاء جوابي كأني لا أرتاح إلى تعريفها شيئاً منه، وأحر بهذا أن يصدمها ويفتر ما بيننا)
ثم قالت: (ألا تتفضل معي قليلاً؟)
وأشارت إلى بيت، فقلت:
(هذا مسكنك؟)
قالت: (نعم. تفضل، فان أمي يسره أن تشكر لك صنيعك، وأظنها تحب بوبي أكثر مما تحبني)
وضحكت، فقلت: (في وقت آخر. . . لا موجب للشكر. . . ما فعلت إلا ما يفعله أي إنسان)
وصافحتها وانصرفت مسرعاً، وبودي أن أجرد من نفسي شخصاً أظل ألعنه وألكمه حتى أشفى غيظي، فما أذكر أني كنت قط أسخف مني في ذلك اليوم، وإني لثرثار، وإني لثرثار في العادة، ولست أتهيب المرأة أو أجهل طبيعتها، فمن أين جاءني هذا البكم؟ وماذا عسى أن تقول عني هذه الفتاة؟ وكيف لم يخطر لي كلام إلا (إني أحب الكلاب؟؟)
وآليت - من فرط سخطي على نفسي وخجلي من عي وفهاهتي - أن أجنب السير في هذا
стр. 7039
الطريق، وحرصت على ذلك أشد الحرص، ومضت أيام لا أذكر عددها، ونسيت الحكاية، وصرفتني عن الحياة مطالب الدنيا ومشاغل الحياة، ثم اتفق لي أن ركبت (الامنيبوس) مرة أخرى في هذا الطريق عينه، مع صديق لي، وكان قد دعاني إلى العشاء، فلما بلغت المكان هجمت علي الذكرى، فانتفضت قائماً، وقلت لصديقي:
(سألحق بك، فامض أنت)
قال: (الى أين؟)
قال: (زيارة وجيزة)
قال: (من؟)
قلت: (زيارة. . .! ما سؤالك هذا؟)
قال: (أفي الأمر سر؟)
قلت: (لا يا سيدي. لا سر ولا شبهه، سأزور كلباً)
قال: (كلب؟)
قلت: (نعم، كلب! وأي غرابة في ذلك؟)
قال: (ولكنك تكره الكلاب!؟)
قلت: (أكرهها؟ من قال إني أكرهها؟ إنما أكره ما يستحق الكراهة من كل شيء)
فصاح بي وأنا أنزل: (ولكنك لا تعرف البيت)
فقلت: (بل أعرفه. . . لا تخف علي!)
فصاح بي - من النافذة: (بل لا تعرفه. . . أنا واثق، فأصعد)
فقلت بحماقة. (يا أخي أعرفه. . . هي دلتني عليه!
فقال: (هي؟)
فعضضت لساني من الغيظ، ومضيت عنه!
ودققت الجرس، فخرجت لي خادمة وقالت: (نعم!)
فحرت ماذا أقول؟ وذكرت أني لا أعرف اسم الفتاة، ولا أسم أمها، ووقفت متردداً ثم قلت:
(اسمعي يا شاطرة! إن عندكم كلباً صغيراً جميلاً، أبيض الشعر، أليس كذلك؟)
فقالت بدهشة: (كلب؟ تسأل عن كلب؟)
стр. 7040
قلت: (نعم. . . أسمه. . . اسمه. . . آه! تذكرت. . . اسمه بوبي. . . نعم بوبي)
قالت: (آه. . . بوبي. . . . ماله؟)
قلت: (أ. . . إ. . . كيف صحته؟ إن شاء الله يكون بخير؟)
فدارت اللعينة، وقات تخاطب من لا أرى:
(إنه رجل غريب يسأل عن صحة بوبي!)
فبرزت لي سيدة ضخمة - ضخمة جداً - أضخم شيء رأيته في حياتي، حتى لقد احتجت أن أدور بعيني في أنحاء جسمها المتباعدة، لأحيط بها علماً، وأقبلت على تسد الفضاء في وجهي وقالت:
(من هذا؟)
قالت الخادمة: (لا أعلم. . لم أره من قبل)
فسألت خادمتها، كأنها لا تراني - وهل أنا إلا ذرة أو هباءة؟ -: (ماذا يريد)
قالت الخادمة: (يريد أن يعرف كسف صحة بوبي؟)
فقالت: (ما شأنه به! هل يعرفه؟)
فتدخلت في الحوار وقلت: (نعم يا سيدتي، لقد تشرفت بمعرفته يوم فر من سيدته وكاد يضيع أو يختفي)
فقالت: (آه!) ولم تزد
قلت: (نعم، وقد خطر لي أن أسأل عنه كيف حاله؟)
قالت: (بخير. . أشكرك بالنيابة عنه)
قلت: (ألا يمكن أن أراه؟ وأطمئن عليه)
قالت: (لا. . . لا يمكن)
قلت: ٠أهو لا قدر الله. . . . .؟)
قالت: (خرج. . .)
قلت: (خرج؟ يا سيدتي كيف تتركينه يخرج وحده؟)
قالت: (لا. . خرج مع إيلين. . . لا خوف عليه. . متشكرة. .)
فلم أدر (إيلين) هذه من تكون؟ الفتاة أم خادمة أخرى، ولكني قلت أجازف وأمري إلى الله،
следующие страницы →