← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

حكايتي مع بوبي للأستاذ ابراهيم عبد القادر المازني وقعت عيني عليها، فلم أعد أرى سواها. وكنتُ أركب (الامنيبوس) ففتحت الباب وإذا بها أمامي! وفي حجرها كلب أبيض صغير غزير الشعر، وإلى جانبها صاحب لي - جالس كالدمية! فغضضتُ الطرف - أعني أني حولتُ عيني عنها إلى التمثال، وكانت نظرتي واشية بالاعجاب والسرور، فانقلبت نظرة حسد وغيظ - ومقت أيضاً! ولكني كتمتُ ذلك، وأمسكت على ما بنفسي منه، ولم أسمح له أن يطل من عيني، لظني كان تمثالاً مبنياً أو منحوتاً من الحجر، لا إنساناً حياً من لحم ودم، فمضت عنه إلى آخر معقد، وقد زاد حقدي عليه وحسدي له. وجعلت أقول لنفسي - وأنا قاعد، وبيتي وبينهما صفان - إنها لا يمكن أن تكون زوجاً أو قرية، فما خلق مثلها ليشقى بزواج مثله أو يُبتلى بقرابته، وأنه لاحق له في زحامها على مقعدها، وأن من سوء الأدب ألا يفسح لها ورثيتُ لها، وأشفقتُ عليها من برد هذا التمثال الجامد الذي لا ينبض فيه عرقٌ ولا يطرف له جفن، وهممتُ مرات أن أدعوه إلي، ولكني رددت نفسي عن ذلك، مخافة أن تكون معه، فان النساء - كل شيء - حظوظ وأرزاق، وقد سمعتُ وحفظتُ من أمثال عامتنا أن الله يشاء أحياناً أن يعطي الحلق لمن ليس له اذنٌ! وبلغتُ (محطتي) فنزلت، ومنحتُ السيارة ظهري، فقد شق علي أن أراها تمضي بهذه الفتاة. فلما آذنني صوتها - أعني صوت السيارة - أنها بعدت عني، درت، فاذا بالفتاة إلى جانبي وأطراف أصابعها على فمها، وفي وجهها كل آيات الحيرة والاضطراب، ولم أر الكلب، فتلفتُ فبصرت به يعدو ويسابق ظله الصغير، ولم أبصر صاحبي في مكان قريب أو بعيد، فلم يبق محل للتردد، فخلعتُ معطفي ورميته بلا تفكير، وذهبت أعدو وراء الكلب، فأدركته بلا عناء، فقد كان صغيراً وخطوه متقارباً، ورفعته عن الأرض ووقفت أمسح له شعره الناعم - لأستريح! وسمعت صوتاً رخيما يقول لي: (أشكرك! إن هذا منك غاية المروءة) فدرت وقلت بسرعة: (العفو - استغفر الله!) قالت الفتاة: (منتهى اللطف ولاشك!)

стр. 7037

فلم أدر ماذا أقول، وكنت أنا أحمل الكلب، وهي تحمل معطفي - كما تبينتُ فيما بعد - ولكني لم أكن أرى أو أدرك شيئاً، سوى أن لساني قد انعقد، وأني فقدت القدرة على الكلام وعادت الفتاة تقول: (صحيح، أنا متشكرة جداً) فكان كل ما فتح الله به علي: (إني أحب الكلاب) ولم أكن صادقاً في ذلك، فما أحب الكلاب ولا أطيقها، وما رأيت قط كلباً - ولو كان ميتاً - إلا ذهبت أفكر بسرعة في أقرب مستشفى للكلب! وسمعتها تقول: (لا شك أنك تحبها! وإلا لما جريت وراءه هكذا!) فقلت: (نعم، إني أحب. . . . أحبها. . . هل تحبينها؟) قالت: (نعم، حباً جماً) قالت: (بعض الناس لا يحبونها) قلت: (صحيح - أنا. . . مثلاً. . . أحبها. . . أحبها كثيراً) ثم كأنما انحلت عقدة لساني، ونزلت عليه الفصاحة والبيان فقلت من غير أن أتلعثم أو أتأتيء أو أفأفيء: (أحب الكلاب بأنواعها - القَلَطي والسلوقي والمالطي والأرمنتي والبول دوج والثعلبي، وأحب هريرها ونباحها وهوهوتها، وأحب لعبها وعبثها وعضها) وخانني بياني فأمسكت. فقالت: (يظهر أنك تحب الكلاب!) فقلت: (نعم، أحب الكلاب. . . جداً) قالت: (إن لها مزاياها) قلت: (صحيح - إن للكلاب مزاياها -) وفتح الله علي فأضفت (وكذلك للقطط مزاياها) فقالت: (صحيح - القطط أيضاً لها مزاياها) قلت: (لاشك - ولكن القطط تختلف عن الكلاب) قالت: (نعم تختلف - لقد لاحظتُ ذلك) وكان ينبغي أن أجيب بشيء، فقد اتسع الموضوع ولم يعد مقصوراً على الكلاب، ولكنه لم يخطر لي كلام أقوله، فعضضت لساني من الغيظ، وسكت، وسكتت هي أيضاً، ووقفتُ

стр. 7038

أمسح لكلب شعره، وبودي لو أخنقه، فقد كبر في ظني أنه هو الذي جر على هذه الحبسة التي أصابت لساني، ثم رفعت عيني إلى الفتاة فرأيتها تنقل معطفي من ذراع إلى ذراع، فأسرعت أقول: (معذرة - لقد كنت ذاهلاً) وتناولت المعطف، فحملت عني كلبها وهي تقول: (هو الذي أذهلك - إنك تحبه، أليس كذلك؟) فقلت: وأنا أتشهد - في سري - (أحبه؟ آه! نعم، أحبها - أعني الكلاب!) قالت: (إنك. . . .؟؟) قلت: (إني؟) قالت: (نعم! إنك. . . اعني. . . إني لست أعرف لمن أنا مدينة بهذا الجميل؟) قلت: (آه! صحيح! أعني. . . . كلا. . . لا فضل ولا جميل. . . لا لا لا. . . لاشيء!. . وسخطتً على نفسي جداً، فقد كان واضحاً أنها تسألني عن اسمي وما إلى ذلك. فجاء جوابي كأني لا أرتاح إلى تعريفها شيئاً منه، وأحر بهذا أن يصدمها ويفتر ما بيننا) ثم قالت: (ألا تتفضل معي قليلاً؟) وأشارت إلى بيت، فقلت: (هذا مسكنك؟) قالت: (نعم. تفضل، فان أمي يسره أن تشكر لك صنيعك، وأظنها تحب بوبي أكثر مما تحبني) وضحكت، فقلت: (في وقت آخر. . . لا موجب للشكر. . . ما فعلت إلا ما يفعله أي إنسان) وصافحتها وانصرفت مسرعاً، وبودي أن أجرد من نفسي شخصاً أظل ألعنه وألكمه حتى أشفى غيظي، فما أذكر أني كنت قط أسخف مني في ذلك اليوم، وإني لثرثار، وإني لثرثار في العادة، ولست أتهيب المرأة أو أجهل طبيعتها، فمن أين جاءني هذا البكم؟ وماذا عسى أن تقول عني هذه الفتاة؟ وكيف لم يخطر لي كلام إلا (إني أحب الكلاب؟؟) وآليت - من فرط سخطي على نفسي وخجلي من عي وفهاهتي - أن أجنب السير في هذا

стр. 7039

الطريق، وحرصت على ذلك أشد الحرص، ومضت أيام لا أذكر عددها، ونسيت الحكاية، وصرفتني عن الحياة مطالب الدنيا ومشاغل الحياة، ثم اتفق لي أن ركبت (الامنيبوس) مرة أخرى في هذا الطريق عينه، مع صديق لي، وكان قد دعاني إلى العشاء، فلما بلغت المكان هجمت علي الذكرى، فانتفضت قائماً، وقلت لصديقي: (سألحق بك، فامض أنت) قال: (الى أين؟) قال: (زيارة وجيزة) قال: (من؟) قلت: (زيارة. . .! ما سؤالك هذا؟) قال: (أفي الأمر سر؟) قلت: (لا يا سيدي. لا سر ولا شبهه، سأزور كلباً) قال: (كلب؟) قلت: (نعم، كلب! وأي غرابة في ذلك؟) قال: (ولكنك تكره الكلاب!؟) قلت: (أكرهها؟ من قال إني أكرهها؟ إنما أكره ما يستحق الكراهة من كل شيء) فصاح بي وأنا أنزل: (ولكنك لا تعرف البيت) فقلت: (بل أعرفه. . . لا تخف علي!) فصاح بي - من النافذة: (بل لا تعرفه. . . أنا واثق، فأصعد) فقلت بحماقة. (يا أخي أعرفه. . . هي دلتني عليه! فقال: (هي؟) فعضضت لساني من الغيظ، ومضيت عنه! ودققت الجرس، فخرجت لي خادمة وقالت: (نعم!) فحرت ماذا أقول؟ وذكرت أني لا أعرف اسم الفتاة، ولا أسم أمها، ووقفت متردداً ثم قلت: (اسمعي يا شاطرة! إن عندكم كلباً صغيراً جميلاً، أبيض الشعر، أليس كذلك؟) فقالت بدهشة: (كلب؟ تسأل عن كلب؟)

стр. 7040

قلت: (نعم. . . أسمه. . . اسمه. . . آه! تذكرت. . . اسمه بوبي. . . نعم بوبي) قالت: (آه. . . بوبي. . . . ماله؟) قلت: (أ. . . إ. . . كيف صحته؟ إن شاء الله يكون بخير؟) فدارت اللعينة، وقات تخاطب من لا أرى: (إنه رجل غريب يسأل عن صحة بوبي!) فبرزت لي سيدة ضخمة - ضخمة جداً - أضخم شيء رأيته في حياتي، حتى لقد احتجت أن أدور بعيني في أنحاء جسمها المتباعدة، لأحيط بها علماً، وأقبلت على تسد الفضاء في وجهي وقالت: (من هذا؟) قالت الخادمة: (لا أعلم. . لم أره من قبل) فسألت خادمتها، كأنها لا تراني - وهل أنا إلا ذرة أو هباءة؟ -: (ماذا يريد) قالت الخادمة: (يريد أن يعرف كسف صحة بوبي؟) فقالت: (ما شأنه به! هل يعرفه؟) فتدخلت في الحوار وقلت: (نعم يا سيدتي، لقد تشرفت بمعرفته يوم فر من سيدته وكاد يضيع أو يختفي) فقالت: (آه!) ولم تزد قلت: (نعم، وقد خطر لي أن أسأل عنه كيف حاله؟) قالت: (بخير. . أشكرك بالنيابة عنه) قلت: (ألا يمكن أن أراه؟ وأطمئن عليه) قالت: (لا. . . لا يمكن) قلت: ٠أهو لا قدر الله. . . . .؟) قالت: (خرج. . .) قلت: (خرج؟ يا سيدتي كيف تتركينه يخرج وحده؟) قالت: (لا. . خرج مع إيلين. . . لا خوف عليه. . متشكرة. .) فلم أدر (إيلين) هذه من تكون؟ الفتاة أم خادمة أخرى، ولكني قلت أجازف وأمري إلى الله،

стр. 7041

وسألتها: (وكيف حالها؟ بخير إن شاء الله!) قالت: (حالها؟ من؟) قلت: (المدموازيل إيلين؟) قالت: (المدموازيل. . .؟) قلت: (آه. . . بنتك. . . أليست بنتك؟) فقالت: (بنتي؟ عن أي شيء تتكلم؟) فتشجعت وسألت: (أليس هذا بيت المدموازيل إيلين؟ معذرة إذا كنت مخطئاً!) قالت: (بيت المدموزيل ايلين؟ ماذا جرى لعقلك؟ من أنت؟ أنها خادمة هنا!) فأحسست أنه لم تبق لي قدرة على المضي في هذا الحوار، فاعتذرت لها مرة اخرى، وفررت وصرت في الطريق، فأخرجت المنديل، وأقبلت على وجهي أمسح العرق المتصبب عنه في الشتاء، وإذا بالفتاة تقول بأرخم من صوتها الأول: (سعيدة. . . هذا بوبي) ومدت لي يديها به، فلم أتناوله، وتركته على كفيها وسألتها: (هل أنت إيلين؟ قولي بسرعة!) فقالت وهي متعجبة: (إيلين؟ كلا. . . إني. . . .) فقاطعتها: (لا تقولي شيئاً. . . . هذا حسبي. . يكفي. . . . انك لست إيلين.) قالت: (ولكني لا أفهم. . . .) قلت: (ستفهمين كل شيء. . . بعد أن أتنفس وأشكر الله) ثم قصصت عليها الحكاية، فضحكت، ولما سكنت الضجة، واستطاعت أن تتكلم أخبرني أني غلطت، وأن هذا مسكن جيران، وأن كلبهم كان قد ضاع، فرده عليهم بعضهم، وأن هذه السيدة الضخمة لابد أن تكون قد استرابت بي، وشكت في أمري، لأنها تعرف الذي أعاد الكلب، ففهمتُ السبب فيما بدا مها من الجفوة، ولماذا تركتني واقفاً على عتبة الباب وأبت أن تدعوني إلى الدخول

стр. 7042

فقلت: (إذن ناوليني بوبي. . . . .) وحملته عنها وصدعت معها إلى أمها. . . وضحكنا كثيراً في ذلك المساء، ولا أحتاج أن أقول إني نسيت صديقي وعشاءه. . . ابراهيم عبد القادر المازني

стр. 7043

النزاع بين إيران والعراق للأستاذ محمد عبد الله عنان كان مما عرض على عصبة الأمم في دورتها الأخيرة الخلاف بين إيران والعراق على مسألة الحدود؛ ولكن مجلس العصبة لم يشأ كعادته أن يبادر إلى درس خلاف يخشى أن يحول تعقيده وخطورة العوامل والاتجاهات المتصلة به إلى فشل العصبة في بحثه باستقلال ونزاهة؛ ولهذا آثر بعد بحث المسائل الشكلية أن يرجئه إلى دورة أخرى عسى أن يوفق الفريقان المتنازعان إلى تسويته بمفاوضات مباشرة، فينجو المجلس بذلك من الحرج والتعرض إلى فشل يزيد في ضعف العصبة وانحلال هيبتها ومما يبعث إلى أشد السف أن ينشب مثل هذا الخلاف بين دولتين شرقيتين كإيران والعراق تربطهما صلات تاريخية قديمة ترجع إلى عصور وآماد بعيدة، وتجمع بينهم مصالح مشتركة اقتصادية وسياسية وعسكرية، ويضاعف هذا الأسف ألا تستطيع الدولتان الشقيقتان حسم هذا الخلاف بالتفاهم المباشر، وأن تضطرا إلى عرضه على هيئة دولية دلت سوابقها وأعمالها في بحث المسائل الشرقية على أنها لا تملك بحثها دائماً بحرية ونزاهة، وأنها تتأثر غالباً بالنفوذ الأقوى. وفي هذا الخلاف، على رغم قيامه بين دولتين شرقيتين، ما يهم بعض الدول الغربية ذات لمصالح والنفوذ والخلاف الايراني العراقي قديم يتناول علائق الدولتين منذ ظهور العراق في الوجود كوحدة سياسية خاصة، أعني منذ خاتمة الحرب الكبرى؛ وقد كان من نتائجه أن لبثت إيران مدة أعوام طويلة تصر على عدم الاعتراف بالعراق الجديدة، ولم تعترف بها إلا في سنة ١٩٢٩ نزولاً على سعي لسياسة البريطانية. وإذا قلنا باضطراب العلائق بين إيران والعراق في تلك الفترة، فمعناه اضطراب العلائق بين إيران وبريطانيا العظمى التي كانت يومئذ تسيطر على أقدار العراق وتتولى توجيه علائقه الخارجية، وقد كان يرجع أحياناً إلى أسباب خارجة عن العراق ذاته، كالخلاف بين إيران وانكلترا على مسألة البحرين، وأحياناً إلى أسباب تتعلق بالعراق مباشرة كالخلاف على الحدود، واقتحامها بين حين وآخر من بعض رعايا هذا الفريق أو ذاك، أو على بعض المسائل التجارية وغيرها. ولما حصل العراق على استقلاله بعقد المعاهدة العراقية الانكليزية في صيف سنة ١٩٣٠ سعي إلى

стр. 7044

التفاهم مع جارته، وانتهت جهود الفريقين في ذلك السبيل إلى شيء من النجاح، وقام المغفور له الملك فيصل بزيادة رسمية إلى طهران، وكان من نتائجها أن زاد التقرب بين الدولتين وسويت بينهما مسائل كثيرة، ولكن الخلاف على الحدود بقي على حاله، والظاهر أن إيران كانت تنظر لاثارته فرصة ملائمة ويقع الخلاف الحاضر بين الدولتين على الحدود الايرانية العراقية مما يلي شط العرب في الجهة الجنوبية الغربية بالنسبة لأيران، والجنوبية الشرقية بالنسبة للعراق. ومعروف أن شط العرب هو الاسم الذي يطلق على المجرى المشترك الذي يندمج فيه دجلة والفرات قبل صبهما في الخليج الفارسي بنحو مائة ميل، وعليه تقع مدينة البصرة. وتبدأ الحدود الايرانية العراقية من الخليج الفارسي شرق شط العرب (بالنسبة لإيران) متجهة نحو الشمال بحذاء شط العرب وعلى قيد بضعة أميال منه، ولا تتسع هذه الشقة الضيقة بين شط العرب والحدود الايرانية إلا عندما تحاذي البصرة تقريباً، وتستمر الحدود شمالاً محاذية لنهر دجلة وتتسع تدريجياً حتى يصير بينها وبين بغداد نحو سبعين ميلاً. وموضع الخلاف الحالي من الحدود هو الجزء الذي يحاذي شط العرب شرقاً ويفصل بين إيران وشط العرب، فان حكومة إيران تطالب به وتقول إن الحدود الطبيعية لايران يجب أن تكون هي شط العرب، ويجب أن تضع إيران يدها على الضفة الأخرى من النهر لتستطيع أن تعمل على تأمين حقوقها في حرية الملاحة فيه، ولكن العراق تعارض هذه الدعوى لأن الحدود الحالية بينها وبين إيران والتي تضع بمقتضاها يدها على شط العرب والشقة الواقعة بينه وبين الحدود الإيرانية، إنما قررت باتفاق جزءاً من تركيا، وقد تلقت العراق حدودها الحالية بمقتضى هذا الاتفاق، فهي لا تستطيع أن تتخلى عن شيء من أرضها والواقع أن هذه الشقة اتي تطالب بها إيران ذات اهمية عسكرية واقتصادية خطيرة، واستيلاء إيران عليها يجعلها إلى جان العراق سيدة الملاحة في شط العرب، ويهدد مركز البصرة ثغر العراق ومعقله الجنوبي؛ وللبصرة أهمية عسكرية خاصة بالنسبة للدفاع عن العراق أما حجة إيران في المطالبة بهذه البقعة فهي أن الانفاق الذي عقدنه في شأن الحدود مع الدولة العثمانية سنة ١٩١٣ باطل لأنه لم يعقد في جو من الحرية، ولأنه لم يبرم لا في تركيا ولا في ايران، وأن دلالة بطلانه هو أن القيم الشمالي من الحدود الإيرانية التركية

стр. 7045

القديمة، وهو الذي يفصل اليوم بين إيران والجمهورية التركية قد رسم وعدل باتفاق جديد بين الدولتين باعتبار أن التخطيط القديم باطل لا يعول عليه؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان مقتضيات عملية ودولية توجب أن يكون شط العرب هو الحد الفاصل بين الدولتين؛ وتلقي إيران تبعه الخلاف على العراق، وتقول إنها لم يسعها حين التجأ العراق إلى عصبة الأمم إلا أن تقابلها أمام مجلس العصبة راجية أن تتمكن العصبة من بحث المسألة بما يحسم الخلاف ويضع الأمور في نصابها؛ وهو ما يدل على أن إيران لم تكن راغبة في طرح الموضوع على عصبة الأمم ويلوح لنا أن الأسباب التي تستند إليها وجهة النظر الايرانية مما يصعب قبوله، لأن القول ببطلان معاهدة قائمة عقدت على أساس اتفاقات سابقة وقد نفذت نصوصها بالفعل، لا يسوغ من الوجهة القانونية؛ ولو جاز أن تفسخ المعاهدات برأي فريق واحد من المتعاقدين على نحو ما تقدم إيران، لما بقي للمعاهدات الدولية أية قيمة؛ وأما كون الحدود الشمالية عدلت مع تركيا الجمهورية، فذلك يرجع إلى اتفاق الفريقين؛ وليس هنالك ما يمنع أن يعقد مثل هذا الاتفاق بين إيران والعراق إذا ارتضت كل منهما عقده. ومشاكل الحدود تقوم في الأغلب على اعتبارات قومية، كأن يكون سكان البقعة المطالب بضمها من نفس جنسية الأمة المطالبة، وأن يعربوا عن رغبتهم في الانضمام إليها بصورة عملية، فهل تستطيع إيران مثلاً. أن تقول إن سكان الشقة التي تطالب بها وأن أغلبهم ينتمون إلى الجنسية الإيرانية؟ وهل يطالب هؤلاء السكان بالانفصال عن العراق والانضمام إلى إيران؟ هذا ما لم تستطع أن تعرضه إيران، ولو استطاعت لكان لها سنداً قوياً معقولاً وأما عن طرح النزاع على عصبة الأمم، فان العراق هي التي لجأت هذه الخطوة، وهو ما لم تكن ترغبه إيران؛ والفريقان المتنازعان من أعضاء الخطوة، وهو ما لم تكن ترغبه إيران؛ والفريقان المتنازعان من أعضاء العصبة، وإيران بنوع خاص من أقدم أعضائها؛ وليس في الواقع ما يؤخذ على العراق في مسلكها، لأنها تصرفت طبقاً لما ينص عليه ميثاق العصبة صراحة في مادتيه الثانية عشرة والثالثة عشرة؛ إذ تنص الأولى على (أنه إذا ثار بين أعضاء العصبة خلاف قد يجر إلى قطع العلائق، فانهم يطرحونه إلى إجراءات التحكيم أو أمام مجلس العصبة) وتنص الثانية على انه (إذا ثار بين أعضاء العصبة خلاف

стр. 7046

يمكن تسويقه بالتحكيم؛ فانه إذا لم يمكن تسويقه بطريق المفاوضات السياسية، فانه يطرح برمته إلى التحكيم الاختلاف على تفسير معاهدة، أو على أي نقطة تتعلق بالقانون الدولي. . . . الخ)؛ ولكن الذي نعرفه من موقف إيران أمام العصبة هو أنها تأبى قبول التحكيم أو بعبارة أخرى الاختصام إلى محكمة العدل الدولية، بحجة أن دستورها الأساسي لا يسمح بذلك، وأنها تصر على بطلان المعاهدة المعقودة، فالمسألة بالنسبة إليها ليست خلافاً على تفسيرها، ولكنها لا تأبى المثول لدى مجلس العصبة، لي يبحث المجلس هذا الخلاف ويحاول أن يضع حداً له؛ ومتى أتمت العصبة بحث الخلاف، فان إيران تقوم عندئذ بمفاوضات مباشرة مع العراق لتسوية النزاع وحسمه بصورة عملية ومع أنا نرجو أن توفق الدولتان إلى حسم هذا الخلاف الخطير سواء على يد مجلس العصبة، أو بطريق المفاوضات المباشرة، فانا لسنا نعلق كبير أمل على مجهود العصبة في هذا الشأن؛ بل يلوح لنا أن تدخل العصبة لم يكن مرغوباً فيه، لأن سوابق العصبة في نظرها وبحثها للمسائل لشرقية لا تشجع على حسن الظن بها خصوصاً إذا كان الامر ما يتصل بنفوذ إحدى الدول الكبرى، وقد أبدت عصبة الأمم أنها في بحث المسائل الشرقية تتأثر دائماً بما يحيط بها من مطامع ومصالح غريبة، وأقرب شاهد على ذلك، مسألة اعتداء إيطاليا على الحبشة وإغارتها على أراضيها بنية ظاهرة في الغزو والاستعمار؛ ومع ذلك فقد أبدت عصبة الأمم حين أرادت أن تلتجئ الحبشة إليها فتوراً ورغبة ظاهرة في التنحي عن بحث هذا النزاع، لأن إيطاليا لم ترغب في بحثه على يد عصبة الأمم. ولن يتغير اعتقادنا في العصبة بالنسبة لموقفها من النزاع الايراني العراقي، بغض النظر عن ظروفه الخاصة، فاعتقادنا دائماً أنها لا تستطيع معالجة هذه المسائل بروح من النزاهة والاستقلال نرجو إذن أن يحسم الخلاف بين الدولتين الشقيقتين بالحسنى والاتفاق المباشر، خصوصاً وأن انكلترا من جهة أخرى تعلق أهمية خاصة على سلامة هذه البقعة من الأراضي العراقية. ذلك أن البصرة استثنيت من نصوص المعاهدة العراقية الانكليزية فيما يتعلق بالجلاء وبها قاعدة جوية عسكرية بريطانية هي إحدى قواعد الطريق الامبراطوري، وإيران من جانبها تتوجس من السياسة البريطانية في شبه جزيرة العرب، وتخشى أن يكون لها بما تنشئه من المطارات الحربية فيما وراء الفرات (تنفيذاً للمعاهدة العراقية

стр. 7047

الانكليزية) غايات أخرى غير تأمين المواصلات الامبراطورية. والعلائق بين إيران وانكلترا ليست على ما يرام، وهنالك عدة مسائل معلقة بين البلدان. ومنذ سنة ١٩٢٢ ترتبط إيران بلا ريب، فاذا استطاعت إيران بالضغط على العراق أن تدفع حدودها إلى شط العرب، فإنها تكسب بهذا التعديل مزايا عسكرية خطيرة. وعلى هذا فمن صالح إيران والعراق أن تعمل كل منهما لحسم الخلاف تواً حتى لا تدع سبيلاً إلى التدخل الأجنبي، وعسى أن يكون في استئناف المفاوضات أخيراً في رومة بين مندوبي العراق وإيران مما يؤذن بقرب التفاهم والوئام بين الجارتين الشقيقتين محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7048

قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم هذه مقالات متفرقات شاعت في كثير من الأمم وقرأها الألوف الكثيرة من الناس، يربطها موضوع واحد، ويجري بها تسلس تاريخي واحد، كتبها العالم (بول دي كرويف) وقصد بها أن يكشف للجمهور بطريقة سهلة وفي لغة مؤاتية عن ذلك الصراع الذي بدأ منذ ثلاثة قرون بين الإنسان وبين المكروب، ويصف تلك الحرب الضروس التي قامت منذ حين قريب بيننا وبين هذه الاعداء الصغيرة التي عاشت من الأزل في رحابنا عيشة الاحلاف، وأقمت بين أظهرنا منذ كانت الحياة إقامة الأضياف، وفتكت بنا فتكا دونه فتك النار والحديد، تلك الجنود المجندة المروعة التي وجدنا أعظم خطرها في صغرها، وأشيد مراسها في دقتها، وأنكى دهائها في خفائها، سننشر قصتها تباعاً في الرسالة، وسيجدها القارئ المتتبع قصة على خطرها وعلى قرب مساسها بحياتنا، فيها ما في اقاصيص الادب من فرح ومن ألم، ومن فكاهة ومن مأساة، ومن غذاء للعاطفة الطبية لا يقصر عن غذاء يجسده في أقاصيص الحب وحكايات الغرام. فحكاية الصبر على المكاره ابتغاء تقع الإنسانية ومرضاة لوجه الله، حكايات لمن تخفق في تحريك القلوب الكريمة في الرجال الأكارم المترجم لوفن هو أول غزاة المكروب منذ قرنين ونصف نظر رجل خامل الذكر نكرة الاسم أول نظرة في عالم جديد غريب يسكنه ألوف الأجناس من أحياء صغيرة بالغة الصغر، يصفها وحشي ذو غداءٍ قتالٌ، وبعضها رفيق صديق نفاع، فكان هذا إيذاناً يفتح مبين أكبر خطر واجدى على الإنسان من قارة يكتشفها وجر يستعمرها

стр. 7049

وكان أسم هذا الرجل (لوفن هوك اسم عفى عليه النسيان أو كاد، ورجل لم يشد بذكره أحد، يجهله الناس اليوم كما كانوا يجهلون حيواناته ونباتاته الضئيلة يوم أن رفع الغطاء عنها. هذه قصته، قصة أول كاشف للمكروب، تتلوها قصص من تبعوه من كشاف المكروب ومقاتلة الموت، وهي قصص ساذجة بسيطة لقوم جريئتين لحاجين متشوفين مثابرين، أطلوا على هذه الدنيا الجديدة العجيبة، دنيا المكروبات، وأطالوا النظر فيها وتابعوه في غير ملل أو كلل، وأرادوا فوق ذلك أن يشبروها ويمسحوها ويجعلوا لمجاهلها ومعاميها خرائط واضحة مبينة، فأخذوا يتحسسون في الظلام، ويمدون أكفهم متلمسين غير لامسين، فيستقيمون حيناً ويخطبون أحياناً، ويصيبون مرة ويخطئون مراراً، لحلوكة المكان ووعورة المسير. ومهم جماعة غلوا في الجرأة فقتلتهم تلك الخلائق الصغيرة التي كانوا يدرسونها فلم يصيبوا جزاء ما عملوا إلا مجداً صغيراً مستوراً في أيامنا هذه لا يؤخذ على المرء أن يكون رجل علم، ورجال العلم اليوم عنصر خطير من العناصر التي تتألف منها سكان البلاد المتحضرة؛ معاملهم في كل مدينة، وأعمالهم على الصفحات الأولى من الجرائد، تذاع في الكثير الغالب ولما يتم نضاجها، وكل متخرج شاب في جامعة يستطيع أن يبحث في العلوم جهاراً، وفي منته رويداً رويداً أن يصير أستاذاً يدرس بمرتي فيه غناء، وأن يستمتع بالسكن الهادئ في بيت صغير مريح. ولكن احمل نفسك إلى عصر (لوفن هوك)، إلى خمسين ومائتي سنة إلى الوراء، وتصور نفسك قد رجعت إلى داراك من آخر درس في آخر سنة من مدرستك الثانوية، وبدأت تفكر فيما تتعلم من بعد ذلك لتخلق لنفسك مستقبلاً، وتهيأت تطلب المزيد من العرفان العالي، من العلم الجر، من البحث الطليق. . . هيهات او تصور ان التكلف، ما كنهه، ما سببه: تسال والدك ليقول لك: لعنة من روح خبيثة دخلتك. هذا جواب قد لا يقنعك، ولكن مع هذا تصدقه، أو على الأقل تتظاهر بتصديقه، ثم لا تعود تفكر في الكاف ولا في كنهه ولا في سببه، ثم تنساه نسياً ابدياً، لأنك لا تستطيع ان تجهر بمناقضة ابيك ولو قال نكراً، ولأنك إن فعلت اذاقك مس العصا او طرد البيت. فابوك ذو سيادة مطلقة لا تُنازع ولو جائرة

стр. 7050

هكذا كانت الدنيا منذ ثلاثة قرون، يوم ولُد (لوفن هوك). كانت دينا مليئة بالخرافات، مغلولة بالأباطيل. دنيا أحرقت سؤفيتوس لانه تجرأ على تشريح جثة ميت ليختبرها ليعلم ما فيها. دنيا قضت على جاليليو بالسجن المؤبد لأنه تجاسر فحاول أن يثبت أن الأرض تدور حول الشمس. دنيا كانت على وشك أن تستيقظ لليقين ولكنها لم تكد، وأن تفك عن عنقها غل الجهل ولكنها لم تكن فعلت، وأن تحمر خجلاً من عار ما هي فيه فلم يبد في وجهها إلا مسحة تُخال من حُمرة. دنيا كان العلم فيها يدرج دَرَجان الطفل على ساقين ضعيفين مرتعدتين في بطء وخشية، وما كان العلم إلا استطاع الحق بالنظر الدقيق والتفكير الواضح البريء ولد (لوفن هوك) عام ١٦٣٢ بين طاحونات الهواء الزرقاء والطرقات الواطئة والقنوات العالية بمدينة (دلفت بهولاندة. وكانت أسرته ذات حُرمة كبيرة. أقول كبيرة لأنهم كانوا سلالين وكانوا خمارين، والخمارون قوم محترمون مشرفون في هولاندة. ومات أبوه فأرسلته أمه إلى المدرسة ليصير موظفاً في الحكومة، ولكنه ترك المدرسة في سن السادسة عشرة، وتتلمذ لقماش بمدينة أمستردام فكان حانوت هذا القماش جامعته. تصور رجلاً علمياً من عصرنا هذا يجري اختباراته وتجاربيه بين أثواب الشيت وقرع أجراس الصيارفة، وبين الحديث إلى ربات المنازل تتوالى عليه في دورة لا تنقطع وكلهن حريصات يساومن للقرش والمليم! تلك كانت جامعة (لوفن هوك) ستة أعوام وفي سن الحادية والعشرين ترك لحانوت ورجع إلى (دلفت) وهناك تزوج وفتح حانوتاً لبيع المنسوجات واختص به. ولا ندري عنه في السنوات العشرين التي تلت ذلك إلا أنه تزوج مرة اخرى وكان له بضعة أطفال مات أكثرهم. ولكن ما لا شك فيه أنه تعين حاجباً في دار بلدية المدينة في هذه الاثناء، وأنه شُغف بنحت من الزجاج الرائق عدسات صغيرة فيتقن النحت ثم ينظر إلى الأشياء من خلالها يجدها أكبر كثيراً مما تراها العين إن المعروف عنه بين سن العشرين وسن الأربعين قليل، ولكن لا ريب في أنه عاش بين الناس كبعض الجهال فلم يُعرف عنه علم ولم تظهر له بينهم قيمة، واللغة الوحيدة التي عرفها هي اللغة الهولاندية، وهي لغة خافية خاملة كان ينعتها أهل العصر بأنها لغة السماكين وأصحاب الدكاكاين والصعاليك من الفعلة. أما المثقفون في تلك الأيام فكانوا

стр. 7051

يتكلمون اللاتينية. ولم يكن (لوفن هوك) يقرأها بَلْهَ الكلام بها. وكان كل ما يعرف من كتب الأدب الانجيل الهولاندي. ولكن مع هذا، وبالرغم من كل هذا، ستجد أم جهله أعانه كثيراً؛ فجهالته قطعت ما بينه وبين العلم الفارغ الزائف الذي كان شائعاً يومئذ، فاضطر إلى الرجوع إلى عينه، والاعتماد عل فكره، والاعتداد بحكم نفسه، وكان في خلقه حرونة البغال فساعده ركوب رأسه على اقتحام الطريق الذي سلك لا مراء في أن رؤية الشيء من خلال عدسة، ووجدانه أكبر مما ترى العين، أمر فيه متعة وفيه سرور وفيه غبطة. ولكن من أين للوفن هذه العدسات! يشتريها؟ هيهات ولو قطعوا رأسه. وكان كثير الشك كثير الاتهام، فلم يجد بداً من صنعها بنفسه. وفي العشرين سنة التي لم نسمع فيها عنه ذهب إلى صناع النظارات وتعلم مباديء نحت الزجاج، وخالط الكيميائيين والصيادلة وتدخل في أعمالهم ونفذ إلى أسرارهم، فعلم كيف يستخرجون المعادن من خاماتها، وأخذ عنهم بُجهد النفس صياغة الذهب والفضة. وكان لا يعجبه العَجَب، فلم تُرضه العدسات ينحتها كأحسن ما ينحت نحاتو هولانده، فكان يعيد عليها الكرة بعد الكرة ساعات طويلة، ثم يركبها بعد ذلك في مستطيلات صغيرة من النحاس أو الفضة أو الذهب مما استخرجه هو بنفسه من الخام على جمرات الفحم المتقدة بين الروائح الغريبة والابخرة الخانقة. إن الباحث اليوم يدفع الخمسة عشر جنيهاً أو نحوها فيقبض بديلاً منها مكرسكوباً جميلاً بارقاً يدير لوالبه وينظر فيه فيكشف ما يكشف وهو لا يعرف كيف صُنع مكرسكوبه ولا كيف تركب. أما (لوفن هوك) فلم يكن يأخذ بشيء أخذ تسليم بالطبع كان جيرانه يظنون به بعض الخيل، ولكن (لوفن) لم يأبه لهم، ومضى في عمله تتنفط يده وتحترق اصابعه ويشتغل ساعات الليالي الطويلة الهادئة وحيداً منكباً على أعمال صعبة دقيقة، ناسياً أهله أصدقاءه. وكان جيرانه الاخيار الطيبون يتسارقون الضحك منه بينما كان يشق لنفسه طريقاً عسيراً إلى صناعة عدسات صغيرة جداً قطرها دون ثُمن البوصة، غايةٍ في التماثل، غايةٍ في الكمال، بلغ منها أن أرته دقائق الأشياء كبيرةً ضخمة في صفاء وروعة. نعم إنه لم يكن كبير الثقافة، ولكنه كان من بين رجال هولانده الرجلَ الفذ الذي استطاع أن يخلق هذه العدسات. وكان إذا ذكر جيرانه يقول: لقد حق علينا أن نغفر لهم فهم قوم لا يعلمون

стр. 7052

ثم بدأ هذا القماش يصوب عدسته إلى كل شيء وجد، فنظر بها ألياف عضلات الحيتان، ونظر بها ما كشط من جلد نفيه. وذهب إلى القصاب يستجديه أو يشترمى منه عين ثور، وأخذها وامتحنها ونظر إلى عدستها البلورية الجميلة فراعه منها تركيبها البارع. وجاء بشعرات من صوف خروف فأخذ يحدق فيها ثم يحدق، وبأخرى من فرو كلاب الماء، وبثالثة من بعض الأوعال، وأخذ يحدق فيها ثم يحدق، فتراءت له هذه الخيوط الدقيقة الملساء تحت قطع زجاجه الصغيرة كفروع الشجر كبراً وخشونة. وشرح رأس ذبابة، فحاذر وحاسب حتى أخرج منه مخها، وجمله على إبرة رفيعة، ونظر إليه بمكرسكوبه فأعجب بتفصيلات هذا المخ الكبير. واختبر قطاعات خشبية ليضع من أشجار مختلفة، وامتحن بذور النباتات، ونظر النظرة الأولى إلى فم البرغوث وإلى أرجل القملة فوجدها جميعاً كبيرة غاية في الكبر، مفصلة غاية في التفصيل، كاملة غاية في الكمال، فاتهم عينه أو كاد. كان (لوفن هوك) كالجرو يتشمم كل ما حوله فلا يميز الطيب من الخبيث، ولا يعوقه عائق من عرف أو أدب - ٢ - وكان (لوفن هوك) رجلاً شكاكاً ملحا في شكه، ينظر إلى زباني النحلة أو إلى رجل القملة، ثم ينظر، ثم يكرر النظر حيناً بعد حين. ثم يترك كل هذا عالقاً إلى طرف منظاره ليصنع منظارات اخرى ليرى أشياء أخرى. ثم يعود إلى أشيائه الأولى ليتحقق مما كان رأى أولاً. فتجمع بذلك لديه مئات المكرسكوبات. ولم يكن يكتب عما يرى حرفاً، أو يرسم له رسماً، حتى يؤكد بعد مئات النظرات أنه في الظروف الواحدة والملابسات الواحدة يبصر دائماً أموراً واحدة. وبعد كل هذا كانت لا تفوت الريبةُ قلبه: قال فيما قال عن هذا: (ينظر الناظر في المكروسكوب أول مرة فيقول رأى كذا، خداعٌ لا ينجو منه حتى النظار الحاذق. لقد انفقت على مشاهداتي زمناً طويلاً لا يتسع له تصديق الكثيرين، ولكني انفقه في سرور ولذة، ووضعت إصبعي في أذني كلما سمعت الناس يقولون: ولم كل هذا التعب؟ وما العائدة من هذا النصب؟ فان هؤلاء قوم لا يفقهون، وأنا إنما أكتب لطلاب الفلسفة ورواد الحكمة. .) وظل هكذا بعمل من غير راءٍ ولا سامع، من غير مادح مصفق أو مهلل مكبر، مدة بلغت

стр. 7053

العشرين عاماً ولكن في هذا الوقت، في منتصف القرن السابع عشر، اخذت الاعوام تتمخض في العالم عن احداث عظيمة، ففي انجلترا وفرنسا وإيطاليا، وفي كل ركن وبين كل ملأ، أخذ رجال ينظرون من جديد في كل شيء يقال له علم، وفي كل أمر تُنتحل له لفظة الحقيقة، قالوا: لن يغنينا بعد الآن ما تحدث به أرسطو ولا ما أرتاه البابا. لن يغنينا بعد الآن إلا ما تراه أعيننا باطالة النظر وإدامة الملاحظة، وإلا ما تجده موازيننا وتكشف عنه تجاريبنا) وكان في انجلترا من بين هؤلاء الثائرين نفر قليلون ألفوا فيما بينهم جماعة أسموها (المدرسة المتسترة). وكان لابد لهم من التستر خشية على رقابهم من حبال المشانق (فكرومويل) كان رب هذا العصر والحاكم بأمره فيه، فلو أنه علم بهم، وعلم بالأقضية الغريبة التي يبحثون، لقضي على أهل البدعة المؤتمرين بالموت. . . . وكان من بين هذا النفر المتستر (ربوبرت بوبيل) واسحق نيوتن وارتقى شارل الثاني عريش ملكه فخرجت تلك الجماعة من الظلام إلى النور، ومن غيهب الجب الستار الذي كانت تعمل فيه إلى نهار وضاح مذياع ينشر اسمها الجديد إلى الرياح الأربع. وتسمت بالجمعية الملكية الانجليزية وكانت هذه الجمعية الوقور الجليلة أول مستمع إلى (لوفن هوك)، وذلك أنه كان في مدينة (دلفت) رجل يسمى (رجنيير دي جراف) كان قد كشف في مبيض الأنثى من البشر عن أمور ذات قيمة وخطر، فكتب بها إلى الجمعية الملكية فكافأته فاختارته عضواً مراسلاً. وكان (دي جراف) الرجل الوحيد من بين رجال (دلفت) الذي لم يضحك من (لوفن هوك)، وكان (لوفن) قد تجهم للناس وتنكر لهم مما هزءوا منه وأساءوا اليه، ومع ذلك أذن لـ (دي جراف) أن ينظر بعيون بابل التي صنعها: أن ينظر بتلك العدسات الصغيرة التي لم يكن يوجد مثلها في أوربا ولا في انجلترا بل ولا في العالم كله. نظر (دي جراف) في تلك العدسات فأكبر ارأى، وتصاغر في عينه مجد كسبه، وأسرع فكتب إلى رجال الجمعية الملكية يقول اكتبوا إلى لوفن هوك واسألوه أن يكتب اليكم بالذي اكتشف وأجاب (لوفن) رجاء الجمعية فكتب إليها بلغة الواثق الجاهل قدر الفلاسفة العظام الذين يكتب اليهم. وكان كتاباً طويلاً ثرثاراً مضحكاً لا أثر للصناعة فيه، تناول من الموضوعات كل ما دارت عليه الشمس. وان مكتوباً بلغة التخاطب الهولاندية وهي اللغة الوحيدة التي

стр. 7054

عرفها. وعنون كتابه: عينة من ملاحظات مكرسكوبية ابتدعها المستر لوفن هوك تتعلق بالفطر على الجلد وفي اللحم وهلم جرا، وكذلك تعلق بُحمَة النحلة ونحوها. وجاء الكتاب الجمعية فأدهشها ما فيه، وقرأه السفسطائيون فيهم والعلماء فتبسموا منه وتفاكهوا عليه، ولكن على الجملة راعهم ما قال (لوفن) إنه رآه بعدساته الجديدة، وكتب اليه كاتب الجمعية يشكره ويرجوه أن يُتبع كتابه كتباً أخرى، وقد كان، فقد اتبعه (لوفن) بمئات من الكتب طيلة خمسين عاماً. وكانت كتباً ثرثارة مليئة بقوارص الكلم عن جيرانه الجهال، فضح فيها أدعياء، وكشف فيها عن خرافات وأضاليل كشف خبير قدير، وتحدث فيها عن نفسه وعن صحته، وأتي فيها بأشتات من كل ما هب ودبَ، ولكنها أحاديث برغم تبسطها، وبرغم شتاتها، كانت تتحشى هنا وهناك، وفي كل كتاب تقريباً، بأوصاف دقيقة مجيدة خالدة لما كشفته عين هذا التاجر. وطالعها لوردات الجمعية وسادتها فكانت لهم متعة وفخراُ (يتبع) أحمد زكي

стр. 7055

أصول التحقيق الجنائي في التشريعين الأوربي والاسلامي للأستاذ بشير الشريقي إن موضوع (أصول التحقيق الجنائي) أعني الأساليب المتبعة لأثبات الأفعال الجُرمية هو من أهم موضوعات (العلم الجنائي)، هذا العلم الذي ينظم إيقاع العقاب على من يخالف أمر القانون أو نهيه إن أهمية هذا العلم وخطره يظهران واضحين في نتيجته الضرورية، وهي الحكم بالعقوبة على من ثبتت جريمته، عقوبة تحرم المتهم المقرر تجريمه أقدس حقوقه، من ماله وحريته بل من حياته أيضاً لقد تعاقب على أصول التحقيق الجنائي في أوربا أسلوبان أصليان يعرف أولهما بالأسلوب (الادعائي) وثانيهما بالأسلوب (التحقيقي). ظل الأسلوب الادعائي سائداً في أوربا حتى القرن الخامس عشر، ومن مقتضاه أن يرجع القاضي عند عدم اقناعه بالشهادات المسرودة أمامه واصرار المتهم على إنكار الجرم إلى ما يسمونه (حكم الله) ليفصل بين المتداعيين. أما حكم الله فقد كان يتجلى للقاضي بالمصارعة، والماء الغلي، والكي بالنار! ثم أحلوا الأسلوب (التحقيقي) محل الأسلوب الادعائي حوالي القرن الخامس عشر للميلاد، فكان التحقيق يجري فيه بين جدران خرساء وفي خلوات متتابعة، بين حاكم مجرب يميل بحكم العادة المسلكية إلى أن يرى في الظنين مجرماً، وظنين عاجز عن الدفاع مضطهد في السجن ومستعد للإدلاء بإفادات ضارة فاضحة، وكان قضاة هذا الأسلوب، حينما لا يظفرون - بعد صفحات التحقيق المختلفة - بأدلة كافية لأخذ المتهم، وبكلمة أصح، حينما لا يظفرون بشيء ضده؛ يأمرون بسوق المسكين إلى حجرة التعذيب للحصول على اعترافه، وعلى ما في هذا الاسلوب الاستنطاقي من قسوة ووحشية، فقد كان يظهر للاوربيين طبعياً جداً وضرورياً، حتى انهم كانوا يطلقون عليه اسم (المسألة القضائية)!. ويذكر الاستاذ (جارو) هذه الأصول في موجزه (الأصول الجنائية) جزء ١ فقرة ٢٣) فيقول: (. . . مع أن استعمال التعذيب كان عاماً، فان طرق استعماله كانت مختلفة، باختلاف البلاد والبرلانات، وبينمت كان التعذيب بالماء والآلات المخصصة لتعذيب المتهم في أعضائه

стр. 7056

السفلى، جارياً ومقبولاً في اجتهاد منطقة برلمان (باريز) فقد كانوا في منطقة (بريطانيا) يستعملون التعذيب بالنار!. .) ويصور الكاتب الفرنسي الكبير (ميشيل زيفاكو) كيف كان يجري التحقيق الجنائي في عهد فرانسوا الأول (١٤٩٤ - ١٥٤٧) فيقول (. . . فاذا عرض إبهام وغموض في إحدى القضايا، أمر القاضيان بأن يساق المتهم إلى حجرة التعذيب، وإذ ذاك لا تنقضي عشر دقائق حتى يقول احد القاضيين: لقد برح الخفاء وظهر المستور، فيقول رفيقه: آمين!! وذلك أن المتهم المسكين إذا ألقي إلى معاناة التعذيب والتنكيل يقر بكل ما يريدون الاقرار به، وقد يعترف بعضهم بذنوب لا يصورها إلا الخيال أو هي فوق الامكان كاقرار المتهمين بأنهم يراسلون الشياطين أو يحمون مردة الجن، أو يطيرون في الهواء!) ظل هذا التشريع في أصول التحقيق يظلم الأوربيين ويعذبهم أعواماً وقروناً طويلة لم يفكروا خلالها في تغييره أو مقاومته، وكيف يفكرون في ذلك وهم يعتبرون ان قسوته واجحافه من الشدة الضرورية؟!. إلى أن جاءت الثورة الفرنسية ١٧٨٩ واعلنت حقوق الإنسان، عندها فقط عمد رجال العقل والفكر في الجمعية التأسيسية إلى إصلاح مفاسد الحقوق المرعية بوجه عام، والحقوق الجنائية بوجه خاص، فنجحوا في ذلك نجاحاً عظيماً تلك هي أصول التحقيق الجنائي في أوربا بقيت حتى الثورة الفرنسية وفيها ما فيها من بشاعة وظلم يوقع في انواع من الفوضى والفساد، واساليب فظة غليظة لا تلائم سياسة الامم بالعدل ولا توافق حال العمران، وانما تكشف عن مبلغ ما كان يسود اوربا حتى سنة ١٧٨٩ من جهل وغباوة وظلم وفساد وبعد فلنر كيف كان قضاة العرب المسلمين منذ ثلاثة عشر قرناً يحكمون بين الناس، واي الاساليب كانوا يتبعون لا ثبات الافعال الجرمية!: جاء في كتاب (الخراج) للأمام ابي يوسف المتوفي سنة ١٨٢هـ ص١٠٧ ما يأتي: (. . . ومن ظن أو توهم عليه سرقة أو غير ذلك فلا ينبغي أن يعزر بالضرب والتوعد والتخويف فان من أقر بسرعة أو بحد أو بقتل، قد فعل ذلك به، فليس إقراره بشيء ولا يحل قطعه ولا أخذه بما أقر به) انه لقضاء عادل ونظر قويم ورأي سديد، يتفق واحدث قواعد العلم الجنائي، ويبرهن أعظم

стр. 7057

برهان على أن العرب المسلمين كانوا من أعرف الناس بحق المجتمع وحق العدل، ومن أكثرهم فطنة وعراقة في أصول القضاء العادل يقول الأستاذ (جارو) في موجزه (الأصول الجنائية جزء ٢ فقرة ٤٠٨): (إن التجديد الأعظم في أصول التحقيق كان في قانون ١٨٩٧ الذي يوجب على المستنطق أن ينذر الظنين ويخبره بأنه يقدر ألا يدلي بشيء من البيانات والإفادات) ونقول أيضاً إن هذا (التجديد الأعظم) هو عين ما كان يفعله قضاة العرب عند مثول المتهم أمامهم، فقد جاء في كتاب الخراج الذي نبحث عنه ص١٠٧ ما يأتي: (وقد كان يبلغ من توفي أصحاب رسول الله (ص) الحدود في غير مواضعها، وما كانوا يرون من الفضل في درئها بالشبهات أن يقولوا لمن أتى به سارقاً: (أسرقت؟ قل لا) إن هذا لعمر الحق منتهى الدقة والعلم، منتهى الاحتياط في حفظ الحقوق وإليك ما جاء في كتاب (الطرق الحكيمة) ص٤ لمحمد ابن قيم الجوزية المتوفي سنة ٧٥١ هجرية في موضوع (الأقرار) وهو مما يتصل ببحث التحقيق (. . . إن الاقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت اليه أبداً) (لبينة والاقرار خبران يتطرق اليهما الصدق والكذب) و (الحكام إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية كجزيئات وكليات الأحكام أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم بطلانه، ولا يشكونه فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وسائر أحواله) هذا ما يقوله ابن القيم في موضوع (الإقرار) ومنه يستدل على ان قضاة العرب لم يكونوا في قضائهم يقفون عند مجرد ظواهر البينات، وإنما يحكمون بقناعتهم ووجدانهم وفراستهم أيضاً، وإن في ذلك لفطنة وذكاء وصدقاً، خصوصاً ومسألة (القناعة الوجدانية) مسألة كبيرة تعتبر من أمهات المسائل في العلم الجنائي الحديث، يلاحظ في إهمالها إضاعة حق كبير وإقامة باطل كثير؛ وقد ذكر الاستاذ (جارو) ذلك في موجزه (الأصول الجنائية) جزء ٢ فقرة ٣٧٧ فقال: (لا ينبغي الحكم بمجرد وجود الاقرار إذ أن موضوع المحاكمة ليس الفصل في منافع خاصة، وإنما هو إظهار الحقيقة وكشفها، ولذاك يجب التدقيق عما إذا كانت ظروف القضية الاقرار صحيحاً)

стр. 7058

واستمع أيضاً إلى ابن القيم يشرح في طرقه الحكيمة ص١٧٤ - ١٨٠ اوفى واوضح شرح؛ موضوع علم القاضي الشخصي: (ما علمه القاضي في زمن ولا يته ومكانها وما علمه في غيرها) هذا الموضوع الدقيق جداً في علم الحقوق. قال ﵀: (ومن النبي ﷺ أنه قال: (. . . فأقضي له على نحو ما أسمع) واما الآثار عن الصحابة ﵃ فصح عن ابي بكر الصديق انه قال: (لو رأيت رجلاً على حد من حدود الله تعالى لم آخذه حتى يكون معي غيري). وعن عمر بن الخطاب انه قال لعبد الرحمن بن عوف: (أرأيت لو رأيت رجلاً قتل أو شرب أو زنى، قال شهادتك شهادة رجل واحد. فقال له عمر صدقت) وعن طريق الضحاك ان عمر اختصم اليه فيمن يعرفه فقال للطالب: (إن شئت شهدت ولم أقض وان شئت قضيت ولم أشهد) وعن علي نحوه، وأما الآثار عن التابعين فصح عن الشعبي أنه قال: (لا أكون قاضياً وشاهداً) وهم يدللون على صواب هذه المسألة بقولهم: (إن القاضي في غير مصره وغير ولايته شاهد لا حكام، وشهادة الفرد لا تقبل، قالوا وأما الحدود فلا يقضي بعلمه فيها لانه خصم فيها، لأنه حق الله تعالى وهو نائبه). . . وهل يسوغ للحاكم ان ياتي إلى رجل من الناس غير مشهور بفاحشة وليس عليه شاهد واحد فيرجمه ويقول رأيته يزنى، أو يقتله ويقول سمعته يسب، او يفرق بين الزوجين ويقول سمعته يطلق، وهل هذا غلا محض التهمة، ولو فتح هذا الباب ولاسيما لقضاة هذا الزمان لوجد كل قاض له عدو، السبيل إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه والتفريق بينه وبين امرأته، لاسيما إذا كانت العداوة خفية لا يمكن لعدوه اثباتها) وقد يحسن بنا بعد هذه المقارنة بين اصول التحقيق الجنائي في التشريعين الاسلامي والاوربي، ان نختم موضوعنا بكلمة جامعة للعلامة جلال الدين السيوطي تدل على سمو الغاية، وكمال المسمى الاسلامي في التشريع القائم على تحقيق العدل وضمان المصالح الإنسانية، وفي هذه الجملة تتجلى حيطة لقاضي النزيه، وخشيته ان يأخذ البريء بعقوبة المذنب. قال ﵀: (اعلم انك ان تخطيء في العفو في الف قضية، خير من ان تخطيء في العقوبة في قضية واحدة) شرق الاردن

стр. 7059

بشير الشريقي المحامي

стр. 7060

جمال النكتة في الشعر بقلم الأستاذ الحوماني صاحب مجلة العروبة بيروت النكتة في أصل اللغة هي النقطة البيضاء في الشيء الأسود، أو السوداء في الشيء الأبيض، اخذها البيانيون لكل معنى يترك في النفس لدى كشفه أثراً تظهر معه بمظهر الروعة والاعجاب. ولا يخفى الشبه بين الحقيقتين اللغوية والاصطلاحية، فكما أن النفس ترتاع لمنظر السواد في البياض كالحور في العين. ولمنظر البياض في السواد كالقمر في الليل، فكذاك تأخذها الروعة لسماع قطعة من النثر قد ضمنها الشاعر معنى أخرجه بين دقة نظر وإمعان فكر، فهي في عرض الحديث أو القصيدة بارزة الجمال بروزها في سواد الليل قمرا، وفي بياض العين حَوَرا والنكتة البيانية كما تكون في العلم نتيجة إعمال الفكر، تكون في الفن وليدة إبداع الخيال، وتكون وليدة الطبع أو التطبع، وإذا جاءت هزليةً دعيت فكاهة، وما أثقل على السمع أن يهزل بها متكلف، وإذا كانت جدية كانت وليدة الحذق وحدة القلب، أما الهزلية فتكاد تكون قاصرة على الطبع قد يرى البعض أن النكتة في الشعر محض فن لأرواح معه، والذي يوهمهم ذلك هو ظنهم أن الشاعر إنما ينظم النكتة وهو غير متأثر، فهم يحصرون التأثر النفسي في جانب العواطف الثائرة لحزن أو سرور، والنكتة عندهم مجرد التفات الفكر إلى غريب معنى يكتشفه وهو يتحقق أو يتخيل، بينما تكون العاطفة هادئة مطمئنة؛ ولو لفتهم العقل إلى ما تتأثر به نفوسهم لدى سماعهم هذه النكتة من روعة وجمال ثم التفتوا ثانياً إلى أن تأثر السامع إنما هو نتيجة تأثر القائل لاستراحوا من هذا التأويل، ولعلموا أن النظم إذا صدق عليه أنه شعر، كانت روح الشاعر متغلغلة فيه، ولكن هذه الروح تبدو جلية في حين وتخفي على الفهم البسيط في حين آخر، وليس تأثر النفس الشاعرة قاصراً على ما يبعث الحزن أو السرور فيها، وإنما يتعدى ذلك إلى كثير من أفعال الوجدان، كالدهشة، والغضب، والذعر ونحوها يلتفتون إلى أن النكتة في الشعر إنما تنشأ عن تنبه الفكر إلى غريب معنى يكتشفه وهو

стр. 7061

يتخيل أو يتبين الحقائق، ويغفلون عن روعة النفس وتأثرها بما تشعر من وراء هذا الاكتشاف، فاشمع نفح الطيب يروي لك جمال النكتة في الشعر عن شعراء الأندلس: أعوذ بالله من أناس … تشيخوا قبل أن يشيخوا احدودبوا وانحنوا رياء … فاحذرهم إنهم فخرخ مناط تأثر الشاعر في هذين البيتين ما يشعر به من تدليس المرائين، ولعلهم المنافقون الذين يسرون الكفر ويظهرون الايمان، وجمال النكتة منهما في البيت الاخير، وهي فيهما قاصرة على الفن، وليست من الفن مجرد حمل الفخاخ على ظهورهم بجامع التقويس كما تشبه الناقة الهزيلة بالقوس، والهلال بالعرجون القديم، إذ ليس غرض الشاعر بيان أن ظهورهم محنية كالأقواس أو الفخاخ، ولكن غرضه أن يلفت العامة إلى أن وراء تقويس ظهورهم المكذوب ما وراء تقويس الفخوخ من رياء وتضليل وغشٍ وخداع، فلم يتقوسوا لكبرٍ أو عجز، بل ليخدعوا الرأي فيطمئن إليهم في إصلاح نفسه، ويجعلهم محل الثقة من دينه ودنياه فيمدوا إذ ذاك أيديهم إلى ذات يده ويمعنون فيها بزاً واختلاساً ولكن ما يجب أن ينتبه له هنا هو أن القنص علة للغش والخدعة، وهما علة للتقويس، وأما في الفخاخ فالقنص له معلولان لا يترتب أحدهما على الآخر: هما التقويس والخدعة. فالتقويس يلحق الآلة التي تقبض على الطريدة، والخداع يكون بواسطة طعم يناط بالآلة الموارد خلفه فالخداع في المشبه على التقويس، والقنص يترتب على الخداع، فالرجل المرائي يتقوس ليخدع، ويخدع ليقنص، وأما الفخ فيتقوس ليقبض وبناط به الطعم ليخدع، هكذا يتبين الفرق جلياً بين المشبه والمشبه به وجميل في النكتة قول الآخر من شعراء نفح الطيب أيضاً: يا بدر يا شمس يا نهار … أنت لها جنة ونار تجنبُ الثم فيك اثمُ … وخشية العار فيك عار النكتة تتحقق هنا في ادعاء الشاعر لمحبوبه جمالاً يبلغ بالهائم فيه حداً يرى معه الحسن في المجتمع قبيحاً والقبيح حسناً، وادعائه أن من رأى حبيبه حمله جماله على أن لم يعذره في اقتراف الاثم معه فحسب، بل جعل تجنبه للاثم فيه من الاثم، وخشية العار فيه من العار؛

стр. 7062

ولا يخفى ما يعضد جمال المعنى من تلاعب في اللفظ، وكثيراً ما يكون التلاعب من الجمال ومن جمال النكتة قول سبط بن التعاويذي: قل لمن أصلي هواها … كبدي ناراً تلظى يا قضيب البان قدا … وغزال الرمل لحظا أنت أحلى من لذيذ … النوم في عيني وأحظى قد بذلت الوصل في الطيف فلم أعرضت يقظي؟ لا أرى لي، والمودات … حظوظ، منك حظاً آه من رقة خدٍ … صيرت قلب فظاً جمال الشعر من هذه الأبيات يتجلى في الأربعة الأخيرة، أما النكتة ففي الأخير، ولعل الفتنة فيما قبله، ولعل مبعثها اعتراض الجملة الوسطى، والاعتراض في الشعر جمال يأخذ اللب بسحره، ولعلنا نأتي على طرف منه في آخر هذه الكلمة كني برقة الخد عن جمال الوجه، وإنما حض الرقة باطلاق الخاص على العام، وهي أحد جزيئات الجمال، ليقابل بها الفظاظة في الروي، فهو من جمال الفن لما أثبت له الجمال كان من لوازمه الاعجاب والزهو في الجميل وهما مبعث الدلال والتجني، وهذان يحملان على القسوة وعدم الرأفة بالهائم في ذيهما لكثرة العشاق حوله، فكان اذن من لوازم الجمال قسوة القلب، وليست النكتة فيما تسمع، ولكنها في ايهام جعل الرقة علة للفظاظة وهما نقيضان، بتصرف تظهر النفس معه بمظهر الروعة والدهشة فالشاعر في الحقيقة لم يجعل الرقة علة للقسوة، وانما جعل الفظاظة مسببة عن تجني الحبيب مزهواً بجماله، ثم كنى عن الجمال بالرقة التي هي إحدى جزئياته، فصح له إذ ذاك تعليل الشيء بجزئي سببه يقول شمس الدين العاملي يمدح كامل بك الأسعد نجل خليل بك الأسعد وهما من زعماء بلاد (عاملة): وإكسير علم ركبته قريحتي … غنيت به عن قصد كل بخيل إذا شئت أن أثرى صنعت سبيكة … وأهديتها للكامل بن خليل

стр. 7063

ويوق أيضاً في معرض اللوم على ابن عمه الشاعر على شمس الدين وقد تعرض لخلاف وقع زعيمين اقطاعيين: إذا ما التقى الليثان في حومة الوغى … وكل على كلٍ جريء مشيع فمن سفهٍ ان ينبح الكلب ضيغما … وينطح ذا روق لدى الروع أقرع فانك تستطيع أن تهتدي إلى النكتة في آخر الشعر حتى تعلم الخبر الذي تقدم البيتين ثم لا ترتاع نفسك للشعر تماماً حتى نعلم أن عم الشاعر أقرع. وهكذا كثيراً ما تكون النكتة، لتسمى نكتة، متوقفة على بيان ما هي في سياقه وقد تبنى النكتة على مثل خاص أو حديث خاص واصطلاح قوم خاص، فتكون نكتة خاصة لا يرتاع لها إلا من شرك قوماً نظمت لهم في الجهة التي بنيت عليها،، فالشاعر حيث يقول: عزلوك لما قلت: ما … اعطي، وولوا من بذل أو ما علمت بأن (ما) … حرف يكف عن العمل؟؟ فانما بني النكتة في شعره على القاعدة اللغوية القائلة: إن (ما) في قولك: (إنما زيد قائم ونحوه) كافة عن العمل، فلم تكن لتهتدي إلى النكتة وأنت غير نحوي، ثم لم تكن لتتفهم التمهيد لها في البيت الأول حتى تعلم أن الشاعر قال ذلك في زمن لا يولي امرؤ عملاً حتى يرشي أولى الامر كالزمن الذي نحن فيه ومثله قوله الهلالي: وغزالٍ قلت ما الاس … مُ حبيبي؟؟ قال مالك قلت: صف لي وجهك الز … اهي وصف حسم اعتدالك قال: كالبدر وكالغض … ن وما أشبه ذلك فالنكتة في العجز الاخير، وإنما بنيت على كثرة استعمال النحويين لهذه الجملة حتى أصبح ذكرها في غير المسائل النحوية يعد اقتباساً ومن جمال النكتة في الشعر الهزلي قول أحد المعاصرين يداعب صديقاً له: يا صابغ اللحية ما تستحي … تشارك الرحمن في صنعه أقبح شيء شاع بين الورى … أن امرأ يكذب في لحيته وليس لجمال النكتة في الشعر حد يوقف عنده، فتلمسه في شعر الظرفاء تجد منه الكثير

стр. 7064

الحوماني

стр. 7065

من تراثنا العلمي تَعْبير الرُّؤيا لأبنِ قُتَيْبَة وصف وتلخيص لنسخة ثمينة من كتاب مفقود للأستاذ علي الطنطاوي تتمة والعرب تضع النفس موضع الروح، والروح موضع النفس، فيقولون: خرجت نفسه وفاضت، وخرجت روحه منه، إما لأنهما شيء واحد، أو لأنهما شيئان متصلان لا يقوم أحدهما إلا بالآخر، وكذلك يسمون الجسد نفساً، لأنه محل النفس، قال ذو الرمة حين احتُضر: يا قابض الروح من نفسي إذا احتُضِرت … وغافر الذنب زحزحني عن النار ويسمون الدم جسداً لأن الجسد محله. قال النابغة الذبياني: فلا لَعَمْرُ الذي قد زُرته حَججاً … وما أريق على الأنْصاب من جسدِ والمهجة عندهم الدم. قال الأصمعي: سمعت أعرابية الخ. . . وقد أعلمنا رسول الله ﷺ أن أرواح الشهداء في خواصل طير خضر الخ. . . وأرواح أهل النار الخ. . . (قال أبو محمد): ولما كانت الرؤيا على ما أعلمتك من اختلاف مذاهبها، وانصرافها عن أصولها، بالزيادة الداخلة، والكلمة المعترضة، وانتقالها عن سبيل الخير إلى سبيل الشر باختلاف الهيئات واختلاف الأزمان والأوقات، وأن تأويلها قد يكون مرة من لفظ الاسم ومرة من معناه، ومرة من ضده، ومرة من كتاب الله، ومرة من الحديث، ومرة من البيت السائر والمثل المشهور، احتجت إلى أن أذكر قبل ذكر الأصول أمثلة في التأويل، لأرشدك بها إلى السبيل فأما التأويل بالأسماء فتحمله على ظاهر اللفظ الخ. قال: وأخبرنا محمد بن عبد العزيز عن. . . عن. . . . . عن. . . . عن أنس أن النبي ﷺ قال: رأيت الليلة فيما يرى النائم كأني في دار عقبة بن رافع وأتيت برطب من رطب ابن طاب (نوع من تمر

стр. 7066

المدينة)، فأولته أن الرفعة لنا في الدنيا، العاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب أخبرنا أبو حاتم الخ. . . (قال أبو محمد): وربما اعتبر من الاسم إذا كثرت حروفه البعض الخ. قال الشاعر: أهدت اليه سفر جلاً فتطيرا … منه وظل نهاره متفكراً خاف الفراق لأن أول ذكره … سفر وحق له بأن يتطيرا وكذلك السوسن الخ. قال الشاعر: سوسنة أعطيتنيها فما … كنتِ باعطائها محسنة أولها سوء فان جئت بالآ … خر منها فهو سوء سنه وأما التأويل بالقرآن فكالبيض يعبر بالنساء لقول الله (كأنهن بيض مكنون) الخ. . . وكالحبل يعبر بالعقد لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً) ولقوله تعالى: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) أي بأمان وعهد. والعرب تسمى العهد حبلاً، قال الشاعر: وإذا تجوزها حبال قبيلة … أخذت من الأخرى اليك خيالها وكاللباس يعبر بالنساء لقوله جل وعز: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). قال النابغة الجعدي، وذكر امرأة الخ. . . وأما التأويل بالحديث فالغراب هو الفاسق لأن النبي ﷺ سماه فاسقاً، والفأرة الخ. . . وأما التأويل بالمثل السائر واللفظ المبذول كقولهم في الصائغ: إنه رجل كذوب لما جرى على ألسنة الناس من قولهم: فلان يصوغ الأحاديث أكان يضعها الخ. . . وكقولهم في الماسح: إنه ذو أسفار، لقولهم لمن كثرت أسفاره هو يمسح الأرض. قال الشاعر في هذا المعنى: قبح الله آل برمك إني … صرت من أجلهم أخا أسفار إن يكن ذو القرين قد مسح الأر … ض فاني مول بالغبار ويرى أهل النظر من أصحاب اللغة أن الدجال إنما سمي مسيحاً لأنه يمسح الأرض إذا خرج أي يسير فيها، ولا يستقر بمكان، وأن عيسى ﵇ إنما سمي بذلك لأنه كان

стр. 7067

سائحاً في البلاد لا يقيم بشيء منها ولا يوطنه، ومن ذهب إلى هذا جعله فعيلاً في معنى فاعل مثل قدير ورحيم؛ ويرى قوم أن الدجال سمي مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينن. وهذا وإن كان وجهاً فالاشتقاق الأول أعجب، لأن تسميتهم إياه الدجال تشهد له، والدجالة هي الرفقة في السفر والقافلة، قال خداش بن زهير: فان يك ركب الحضرمي غرامة … فن كِلا ركبيكُم أنا غارم سأغرم من قد نالت الحجر منهم … ودجالة الشام التي نال حاتم يعني قافلة أصابها حاتم الخ. . وكقولهم فيمن غسل يديه بأشنان، إنه اليأس من الشيء يطلبه، لقول الناس لمن يئسوا منه: قد غسلت يدي منك بأشنان، قال الشاعر: فاغسل يديك باشنان وأنقهما=غسل الجنابة من معروف عثمان وكقولهم في الكبش الخ. . . وأما التأويل بالضد والمقلوب فكقولهم في البكاء إنه فرح ما لم يكن معه رنة ولا صوت، وفي الفرح والضحك إنه حزن الخ. . . وأما تعبير الرؤيا بالزيادة والنقص فكقولهم الخ. . . وقد تتغير الرؤيا عن أصلها باختلاف هيئات الناس وصناعاتهم واقدارهم وأديانهم، فتكون لواحد رحمة، وعلى الآخر عذاباً الخ. . حدثنا محمد الخ. . . قال: آخي رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي بكر، فرأى سلمان لأبي بكر رؤيا فجانبه وأعرض عنه، فقال له أبو بكر: أي أخي! مالك قد أعرضت عني وجانبتني؟ قال: رأيت كأن يدي جمعتا إلى عنقك، فقال أبو بكر: الله أكبر! جمعت يداي عن الشر إلى يوم القيامة حدثني محمد عن. . . عن. . . . عن عطاء، قال: كان محمد ابن سيرين يقول في الرجل يرى له أنه يخطب على منبر: إن كان ممن ينبغي له السلطان اصاب سلطاناً. وإلا فانه يصلب. شبه الجذع بالمنبر. وقال الرشيد ليزيد: ما أثر الخلفاء في ربيعة! قال: نعم، ولكن منابرهم الجذوع الخ. . . ومن عجب الرؤيا أن الرجل يكون مفحماً لا يقدر على أن يقول بيت شعر، أو بكيا يتعذر عليه القليل منه إلا في المدة الطويلة، مع إعمال الفكر، وإنعام الروية، فينشد في المنام

стр. 7068

الشعر الجيد لم يسمع به قط فيحفظه أو يحفظ منه البيت أو البيتين، ويكون عيباً أو أعجمياً، فيتكلم بالكلمة من الحكمة البليغة ويوعظ الحسنة، ويخاطب بالكلام البليغ الوجيز الذي لا يستطيع أن يتكلف مثله في اليقظة بعرق الجبين، وهذا من أدل الدلائل على اللطيف الخبير روي الرازي الخ. . وروي واصل الخ. . وأما الشعر فان أبا اليقظان قال: تزوج رجل امرأة، فعاهد كل واحد منهما صاحبه ألا يتزوج الأخر بعده، ومات الرجل، فلما انقضت عدة المرأة اتاها النساء فلم يزلن بها حتى تزوجت، فلما كانت ليلة هدائها أغفت بعد ما هُيئت فاذا هي بالرجل آخذا بعضادتي الباب يقول: ما أسرع ما نسيت العهد يا رباب! ثم قال: حييت ساكن هذا البيت كلهم … إلا الرباب فاني لا أحييها أمست عروساً وأمسى منزلي جدثا … إن القبور تواري من ثوى فيها فانتبهت فزعة، فقالت: والله لا يجمع رأسي ورأسه بيت ابدا، ثم تخالعا. وروي ابن الكلبي عن جبلة بن مالك الغساني قال: سمع رجل من الحي قائلاً يقول في المنام على سور دمشق ألا يا لقومي للسفاهة والوهن … وللعاجز الموهون والرأي ذي الافن ولابن سعيد بينما هو قائم … على قدميه خر للوجه والبطن رأى الحصن منجاة من الموت فالتجأ … اليه فزارته المنية في الحصن فأتي عبد الملك بن مروان فأخبره، فقال: ويحك، هل سمعها منك أحد؟ قال: لا. قال: فضعها تحت قدميك ثم قال، عبد الملك عمرو بن سعيد، عن عقيل. . . عن. . أن رجلاً الخ. . . ورأيت أيضاً في المنام وأنا حديث السن كتباً فيها حكم كثيرة بألفاظ غريبة - كنت أحفظ منها شيئاً ثم أنسيت ذلك إلا حرفا وهو: ولفت اليه صلة الهواء، وما كنت أعرف في ذلك الوقت ما الصلة، ثم عرفتها بعد، والصلة اليبس ومن عجائب الرؤيا أن الرجل يرى الشيء لنفسه أو يُرى له فيكون ذلك لشقيقه أو ابنه أو شبيهه أو سمية الخ. . . . (قال أبو محمد) وحكي أبو اليقظان الخ. . . (قال أبو محمد) وما أشبه هذا الحديث بحديث

стр. 7069

رجل رأى في المنام - أيام الطاعون أن جنائز تخرج من داره على عدد من فيها، فطعن أهل الدار جميعاً غيره، فبقي ينتظر الموت ولا يشك في أنه لا حق بهم، فدخل الدار لص، فطعن فيها فمات في الدار، فأخرجت جنازته منها وسلم الرجل (حدثنا أبو محمد) قال حدثني بعض الكتاب الخ. . . وإن رأيت الرؤيا كلها مختلطة لا تلتئم على الأصول علمت أنها من الأضغاث فارجيتها، وإن اشتبه عليك الأمر، سألت الرجل عن ضميره في سفره إن كان رأى السفر، وفي صلاته إن كان رأى الصلاة، وفي صيده إن كان رأى الصيد، ثم قضيت بالضمير، وإن لم يكن هناك ضمير أخذت بالأسماء على ما بينت لك. وقد تختلف طبائع الناس في الرؤيا، ويجرون على عادة فيها، يعرفونها من أنفيهم، فيكون ذلك أقوى من الأصل، فتسأل عن طبع الرجل، وما جرت عليه عادته الخ. . . وإن كان الأصل طائراً الخ، وإن كان غراباً الخ. . وقيل لمن أبطأ عليك أو ذهب فلم يعد اليك: غراب نوح، وإن كان عقعقاً كان رجلاُ لا عهد له ولا حفاظ ولا دين قال الشاعر: إلا إنما حلمتم الأمر عقعقا وإن كان عقاباً الخ. . . هذه فقر من المقدمة القيمة التي قدم بها الكتاب وهي تقع في أكثر من أربعين صفحة، وتأتي من بعدها أبواب الكتاب وهي ستة وأربعون باباً، فيها من نوادر الشعر وطرائف اللغة ودرر الأدب مثل ما في المقدمة، ولولا أن هذا الفصل قد طال، لاخترنا منها فقراً رويناها في (الرسالة)، والكتاب على الجملة من نقاش تراثنا العلمي، ومكانه من الخزانة العربية لا يزال خالياً لم يشغله كتاب. وإنا لنأمل له من رجال الأدب ومن الناشرين الاهتمام اللائق به (دمشق) علي الطنطاوي

стр. 7070

١٣ - محاورات افلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود فقال سقراط - سأعمد الآن إلى أحد زوجي الأضداد اللذين ذكرتهما لك فأحلله، وأحلل كذلك فعليه الأوسطين، وعليك أن تحلل لي الآخر. فحالة النوم تضاد حالة اليقظة، ومن النوم تتولد اليقظة، ومن اليقظة يتولد النوم، وعملية التولد هي في إحدى الحالتين ادراك النعاس، وهي الاستيقاظ في الأخرى. أفأنت متفق معي على هذا؟ - إني جد متفق إذن فهب أنك أخذن بهذه الطريقة نفسها تحلل لي الحياة والموت. أليس الموت يضاد الحياة؟ - نعم - وهما متولدان: أحدهما من الآخر؟ - نعم - ما الذي تولد من الحياة؟ - إنه الموت - وما الذي تولد من الموت؟ - لا يسعني أن أقول في الجواب إلا أنها الحياة - إذن يا سيبيس فالحي من الأشياء والأشخاص متولد من الميت؟ - ونتيجة ذلك إذن هي أن أرواحنا كائنة في العالم الأسفل؟ - هذا حق - وأحد الفعلين أو التولدين ملحوظين بالعين - فلا شك أن عملية الموت ظاهرة؟ فقال - لا ريب - أفلا يجوز أن يستنتج التولد الآخر، على أنه متمم للطبيعة التي لا يفترض بأنها تسير

стр. 7071

على ساق واحدة فحسب؟ فان كان الأمر كذلك، فلابد أيضاً ان يضاف إلى الطبيعة عملية تولد من الموت مقابل التولد من الحياة فأجاب - يقيناً - وماذا تكون تلك العملية؟ - هي عودة الحياة - وعودة الحياة، أن صح وجودها، هي ولادة الميت في عالم الأحياء؟ - هذا جد صحيح - إذن فهاك سبيلاً جديدة تؤدي بنا إلى النتيجة بأن الحي يخرج من الميت كما يخرج الميت من الحي سواء بسواء، فان صح هذا فلابد أن تكون أرواح الموتى مستقرة في مكان ما، ستعود منه مرة أخرى، وقد أقمنا على ذلك فيما أظن دليلاً مقنعاً قال - نعم يا سقراط، فيظهر أن هذا كله يتبع بالضرورة ما سلمنا به من قبل فقال - ولم يكن ذلك الذي سلمنا به يا سيبيس معوجاً، وتستطيع أن تتبين ذلك، فيما أظن على هذا النحو: لو كان التولد يسير في خط مستقيم فقط، فلم تكن في الطبيعة دورة أو تعويض، فلا تبادل بين الأشياء أخذاً ورداً، لاتخذت الأشياء - كما تعلم - في نهاية الأمر صورة بعينها، ولتحولت إلى حالة بعينها، ولما تولد منها بعد ذلك شيء فقال - ماذا تعني بهذا؟ فأجاب - اعني شيئاً بسيطاً جداً سأوضحه بحالة النوم. فأنت تعلم أنه لو لم يكن ثمت توازن بين النوم واليقظة لأضحت قصة أنديميون النائم بلا معنى؛ فقد كان النعاس سيدرك كذلك كل شيء آخر، فلا يعود أنديميون موضعاً لتفكير أحد؛ أو لو كانت المادة ينتابها تكوين بغير انقسام، إذن لعاد هيولي انكسجوراس مرة ثانية. وهكذا، أي عزيزي سيبيس، لو كان كل شيء تناوله الحياة صائراً إلى الموت، ثم لا يعود إلى الحياة ثانياً لانتهى تناوله الحياة صائراً إلى الموت، فلا يبقى ثمت شيء حي - وإلا فكيف يمكن ذلك أن يكون؟ إذا لو كانت الأحياءصادرة من شيء غير الأموات، وكان الأحياء يدركهم الموت، أليس حتما أن يبتلع الموت آخر الأمر كل شيء؟ فقال سيبيس - ليس عن ذلك منصرف يا سقراط، وإني لأحسب أن ما تقوله أنت حق

стр. 7072

خالص فقال - نعم يا سيبيس، إني كذلك أحسبه حقاً خالصاً، ولسنا بذلك سابحين في خيال فارغ، ولكني ثابت الايمان بحقيقة العودة إلى الحياة، وبأن الأحياء يخرجون من الموتى، وبأن أرواح الموتى ما برحت في الوجود، وبأن الأرواح الخيرة أوفى من الأرواح الشريرة جزاء. فأضاف سيبيس - كذلك لو صح مذهبك العزيز يا سقراط، بأن المعرفة ليست إلا تذكراُ، لاقتضى ذلك بالضرورة زمناً سالفاً تعلمنا فيه ما نحن الآن ذاكره. وقد كان هذا التذكر يستحيل لو لم تكن أرواحنا قبل حلولها في الصورة البشرية، كائنة في مكان ما، وإذن فهذه حجة أخرى تؤيد خلود الروح فاعترضه سمياس قائلاً: ولكن حدثني يا سيبيس، ما البراهين التي تساق لمذهب التذكر هذا؟ فلست جازم اليقين بأنها الآن تحضرني قال سيبيس - منها برهان ساطع تقيمه الاسئلة، فاذا أنت ألقيت على شخص سؤالاً بطريقة صحيحة، أجابك من تلقاء نفسه جواباً صحيحاً. فكيف استطاع أن يفعل ذلك، ما لم تكن لديه من قبل معرفة ومنطق مصيب؟ وأكثر ما يكون ذلك وضوحاً، حينما يعرض عليه شكل هندسي، أو أي شيء من هذا القبيل قال سقراط - إن كنت لا تزال شاكاُ يا سيمياس ساءلتك، افلا يجوز أن توافقني إذا ما نظرت إلى الموضوع على نحو آخر؟ أعني اذا كنت لا تزال متردداً في التسليم بأن المعرفة عبارة عن تذكر؟ فقال سمياس - لست شاكاً، ولكني أردت أن تعاد إلى ذاكرتي نظرية التذكر هذه، ولقد بدأت أذكرها وأقتنع بها مما قاله سيبيس، غير أنني مازلت أتمنى لو أدليتم بما لديكم فوق ما أعلم فأجاب - هذا ما سوف ألي به، ولعلنا، إن لم أكن مخطئاً، متفقون على أن ما يتذكره الإنسان لابد أن يكون قد علمه في زمن سالف - جد صحيح - فما طبيعة هذا التذكر؟ إنما أريد بهذا السؤال أن أتساءل: ألا يحق لنا القول بأنه إذا لم يقتصر علم إنسان على ما قد رآه أو سمعه أو سلك إلى إدراكه أية سبيل أخرى، بل عرف

стр. 7073

شيئاً آخر معرفة تباين تلك، أفليس هو بذلك إنما يتذكر شيئاً يختلج في عقله؟ ألسنا على ذك متفقين؟ - ماذا تعني؟ - أعني ما قد اوضحه بهذا المثال الآتي: لست معرفتك القيثارة كمعرفتك الإنسان سواء بسواء؟ - هذا صحيح - ولكن ما شعور المحبين إذا ما رأوا قيثارة أو لباساً أو أي شيء آخر مما كان المحبوب يستخدمه عادة؟ أليسوا من رؤية القيثارة يكونون في عين العقل صورة للفتي صاحب القيثارة؟ وهذا تذكر، وكل من يرى سمياس قد يتذكر بنفس الطريقة سيبيس، وهناك من هذا الضرب أشياء لا يحدها الحصر فاجاب سمياس - نعم إنها موجودة حقاً ولا حصر لعددها فال - وهذا الشيء وما اليه هو التذكر، وهو في الأعم الأغلب عملية لكشف ما قد طواه النسيان بفعل الزمن والأهمال فقال - هذا صحيح - ثم ألا يجوز كذلك أن تتذكر أنساناً من رؤية قيثارة أو صورة لجواد؟ أو قد تبعثك صورة سمياس على تذكر سيبيس؟ - هذا حق (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 7074

لحظات على متن الباخرة كوثر للأستاذ عبد الحميد العبادي تفضلت (شركة مصر للملاحة البحرية) فدعتني إلى شهود احتفالها بسفر الباخرة (كوثر) من مرفأ الإسكندرية إلى السواحل الحجازية مقلة حجاج بيت الله الحرام. فقبلت الدعوة مبتهجاً مسروراً، وأجمعت أن ألبيها شاكراً ممتناً، وقلت في نفسي إن فاتني أن أحج بيت الله على متن هذه الباخرة ففاتني بذلك ثواب تلك الفريضة الكبرى، فلا أقل من أن أحج السفينة نفسها فأفوز برؤية الحلقة الثالثة من سلسلة ستكتمل حلقاتها بأذن الله، ويون لهذا البلد منها أسطول مبارك الغدوات ميمون الروحات وحانت الساعة الرابعة من عصر يوم الخميس الماضي، فأخذت طريقي إلى المرفأ فيمن أخذ، وصعدت تلك الباخرة الجاثمة فوق متن الماء كالطود العظيم فيمن صعد، وقد صعدها خلق كثير من علية القوم وأوساطهم يعدون بالمئين. وجعلت أطوف أنحاء السفينة مع المطوفين، صاعداً وهابطاً، متنقلاً من طابق إلى طابق، ومن مقصورة إلى مقصورة، ومن مرفق إلى مرفق، وأشهد لقد تملكتني الحيرة من روعة ما شهدت، وفخامة ما رأيت. وأشكل على الأمر هنيهة من الزمن، فكأنني في حلم من تلك الاحلام اللذيذة التي يخشى معها الحالم أن تنفتح عيناه على الحقيقة المرة المؤلمة! أهذه سفينة مصرية حقاً؟ وهذا العلم الخفاق فوق حيزومها، أهو العلم المصري؟ وهذا الاسم العربي المرقوم عند جؤجؤها، أمكتوب هو بالحرف العربي؟ وهؤلاء الشبان الرائحون الغادون في طرابيشهم القانية وملابسهم البحرية الجميلة، يطلعون الزوار على ما دق من مرافق السفينة وما جل، أهم مصريون حقاً؟ وزاد بي اللبس فجعلت أتقرى الأشياء بيدي أتثبتها على نحو ما صنع البحتري عندما قلم في إيوان كسرى، وعراه ما عراني من الدهش والالتباس! يغتلى فيهم ارتيابي حتى … تتقراهم يداي بلمس ولكن لم يطل أمد تلك الحال، فكل شيء حولي قد احتشد لنصرة اليقين على الشك في المعرة التي قامت بينهما في نفسي، وسرعان ما محا نور اليقين ظلمة الشك، وأطمأنت النفس إلى أني قائم في قطعة من مصر طافية على وجه الماء الله أكبر! لقد أخذ الزمان يستدير، وشرعت مصر تسترد مكانة كانت لها في القديم ثم نحيت

стр. 7075

عنها قوة واقتداراُ، أليست مصر صاحبة أول بعثة تجارية بحرية في التاريخ هي بعثة الملك (اسنفرو) إلى الشام؟ أليست مصر صاحبة أول بعثة استكشافية يعرفها التاريخ هي بعثة الملك (نخاو) حول أفريقية؟ ألم تكن مصر سيدة البحار على عهد البطالسة، ومنارتها بالاسكندرية من عجائب العالم القديم؟ أليس أسطول مصر الاسلامي هو الذي دحر الأسطول البيزنطي في واقعة (ذات الصواري) المشهورة وانتهت اليه زعامة شرقي بحر الروم زمناً طويلاً؟ ثم ماذا كانت واقعة (نوارين) التي تحامل فيها الغرب على الشرق فدمر فيها الأسطول المصري تدميراً، وكان ذلك آخر عهد مصر بالملاحة الصحيحة إن تعجب فعجب أن تكون لمصر سواحل مترامية مطلة على بحرين من أهم بحار الأرض، وأن يكون لها هذا الماضي الجليل، ثم تظل طوال القرن التاسع عشر وصدر اقرن العشرين عالة على سفن غيرها في نقل عروضها ومتاجرها ومسافريها، ولكن هذا الذي قدر فكان. فليذكر ذلك الذاكرون في هذه الأيام السعيدة التي تأذن الله فيها بانبعاث البحرية المصرية على أيدي رجال (شركة مصر للملاحة البحرية) لقد كنت أمضي في تأملاتي هذه، لولا أن يسرت أقدار لأقدار، فلمحت عن كثب زعيم مصر الاقتصادي، وحامل لواء نهضتها المالية الحرة، ومن عساه أن يكون سوى (محمد طلعت حرب باشا)؟ فأسرعت إليه أبثه إعجابي بما أرى، وأهنئه وأهنئ في شخصه رجال هذه الشركة المباركة على ما أوتوا من عناية الله وتوفيقه. وجلست اليه سويعة تحدثت إليه فيها فيما خص من الأمر وما عم، ثم قمت من حضرته وأنا أهدي ما كنت، وأفهم مما كنت، وخيراً مما كنت. وكذاك الشباب إذا ظفر بلقاء الرجل العظيم والتحدث اليه وكانت الشمس قد أوت إلى الأفق الغربي مؤذنة بالمغيب، وجعلت ترسل أشعتها على أعالي البواخر والسفن فتصبغها بمثل الورس الأحرم، وتسكبها على ماء البحر فتحيله تبراً مذاباً. وشمل المنظر خشوع وجمال وجلال، زاد القلب طرباً ونشوة ووجداً. فانصرفت وأنا أدعو (لكوثر) وأخواتها ببحر ذلول، وريح رخاء، وأهتف من اعماق قلبي لأولئك الذين بعثوا العزة القومية بعد وأدها، وأحيوا في نفوس هذه الأمة دارس الأمل وميت الرجاء عبد الحميد العبادي
следующие страницы →