← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

على ساق واحدة فحسب؟ فان كان الأمر كذلك، فلابد أيضاً ان يضاف إلى الطبيعة عملية تولد من الموت مقابل التولد من الحياة فأجاب - يقيناً - وماذا تكون تلك العملية؟ - هي عودة الحياة - وعودة الحياة، أن صح وجودها، هي ولادة الميت في عالم الأحياء؟ - هذا جد صحيح - إذن فهاك سبيلاً جديدة تؤدي بنا إلى النتيجة بأن الحي يخرج من الميت كما يخرج الميت من الحي سواء بسواء، فان صح هذا فلابد أن تكون أرواح الموتى مستقرة في مكان ما، ستعود منه مرة أخرى، وقد أقمنا على ذلك فيما أظن دليلاً مقنعاً قال - نعم يا سقراط، فيظهر أن هذا كله يتبع بالضرورة ما سلمنا به من قبل فقال - ولم يكن ذلك الذي سلمنا به يا سيبيس معوجاً، وتستطيع أن تتبين ذلك، فيما أظن على هذا النحو: لو كان التولد يسير في خط مستقيم فقط، فلم تكن في الطبيعة دورة أو تعويض، فلا تبادل بين الأشياء أخذاً ورداً، لاتخذت الأشياء - كما تعلم - في نهاية الأمر صورة بعينها، ولتحولت إلى حالة بعينها، ولما تولد منها بعد ذلك شيء فقال - ماذا تعني بهذا؟ فأجاب - اعني شيئاً بسيطاً جداً سأوضحه بحالة النوم. فأنت تعلم أنه لو لم يكن ثمت توازن بين النوم واليقظة لأضحت قصة أنديميون النائم بلا معنى؛ فقد كان النعاس سيدرك كذلك كل شيء آخر، فلا يعود أنديميون موضعاً لتفكير أحد؛ أو لو كانت المادة ينتابها تكوين بغير انقسام، إذن لعاد هيولي انكسجوراس مرة ثانية. وهكذا، أي عزيزي سيبيس، لو كان كل شيء تناوله الحياة صائراً إلى الموت، ثم لا يعود إلى الحياة ثانياً لانتهى تناوله الحياة صائراً إلى الموت، فلا يبقى ثمت شيء حي - وإلا فكيف يمكن ذلك أن يكون؟ إذا لو كانت الأحياءصادرة من شيء غير الأموات، وكان الأحياء يدركهم الموت، أليس حتما أن يبتلع الموت آخر الأمر كل شيء؟ فقال سيبيس - ليس عن ذلك منصرف يا سقراط، وإني لأحسب أن ما تقوله أنت حق

стр. 7072

خالص فقال - نعم يا سيبيس، إني كذلك أحسبه حقاً خالصاً، ولسنا بذلك سابحين في خيال فارغ، ولكني ثابت الايمان بحقيقة العودة إلى الحياة، وبأن الأحياء يخرجون من الموتى، وبأن أرواح الموتى ما برحت في الوجود، وبأن الأرواح الخيرة أوفى من الأرواح الشريرة جزاء. فأضاف سيبيس - كذلك لو صح مذهبك العزيز يا سقراط، بأن المعرفة ليست إلا تذكراُ، لاقتضى ذلك بالضرورة زمناً سالفاً تعلمنا فيه ما نحن الآن ذاكره. وقد كان هذا التذكر يستحيل لو لم تكن أرواحنا قبل حلولها في الصورة البشرية، كائنة في مكان ما، وإذن فهذه حجة أخرى تؤيد خلود الروح فاعترضه سمياس قائلاً: ولكن حدثني يا سيبيس، ما البراهين التي تساق لمذهب التذكر هذا؟ فلست جازم اليقين بأنها الآن تحضرني قال سيبيس - منها برهان ساطع تقيمه الاسئلة، فاذا أنت ألقيت على شخص سؤالاً بطريقة صحيحة، أجابك من تلقاء نفسه جواباً صحيحاً. فكيف استطاع أن يفعل ذلك، ما لم تكن لديه من قبل معرفة ومنطق مصيب؟ وأكثر ما يكون ذلك وضوحاً، حينما يعرض عليه شكل هندسي، أو أي شيء من هذا القبيل قال سقراط - إن كنت لا تزال شاكاُ يا سيمياس ساءلتك، افلا يجوز أن توافقني إذا ما نظرت إلى الموضوع على نحو آخر؟ أعني اذا كنت لا تزال متردداً في التسليم بأن المعرفة عبارة عن تذكر؟ فقال سمياس - لست شاكاً، ولكني أردت أن تعاد إلى ذاكرتي نظرية التذكر هذه، ولقد بدأت أذكرها وأقتنع بها مما قاله سيبيس، غير أنني مازلت أتمنى لو أدليتم بما لديكم فوق ما أعلم فأجاب - هذا ما سوف ألي به، ولعلنا، إن لم أكن مخطئاً، متفقون على أن ما يتذكره الإنسان لابد أن يكون قد علمه في زمن سالف - جد صحيح - فما طبيعة هذا التذكر؟ إنما أريد بهذا السؤال أن أتساءل: ألا يحق لنا القول بأنه إذا لم يقتصر علم إنسان على ما قد رآه أو سمعه أو سلك إلى إدراكه أية سبيل أخرى، بل عرف

стр. 7073

شيئاً آخر معرفة تباين تلك، أفليس هو بذلك إنما يتذكر شيئاً يختلج في عقله؟ ألسنا على ذك متفقين؟ - ماذا تعني؟ - أعني ما قد اوضحه بهذا المثال الآتي: لست معرفتك القيثارة كمعرفتك الإنسان سواء بسواء؟ - هذا صحيح - ولكن ما شعور المحبين إذا ما رأوا قيثارة أو لباساً أو أي شيء آخر مما كان المحبوب يستخدمه عادة؟ أليسوا من رؤية القيثارة يكونون في عين العقل صورة للفتي صاحب القيثارة؟ وهذا تذكر، وكل من يرى سمياس قد يتذكر بنفس الطريقة سيبيس، وهناك من هذا الضرب أشياء لا يحدها الحصر فاجاب سمياس - نعم إنها موجودة حقاً ولا حصر لعددها فال - وهذا الشيء وما اليه هو التذكر، وهو في الأعم الأغلب عملية لكشف ما قد طواه النسيان بفعل الزمن والأهمال فقال - هذا صحيح - ثم ألا يجوز كذلك أن تتذكر أنساناً من رؤية قيثارة أو صورة لجواد؟ أو قد تبعثك صورة سمياس على تذكر سيبيس؟ - هذا حق (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 7074

لحظات على متن الباخرة كوثر للأستاذ عبد الحميد العبادي تفضلت (شركة مصر للملاحة البحرية) فدعتني إلى شهود احتفالها بسفر الباخرة (كوثر) من مرفأ الإسكندرية إلى السواحل الحجازية مقلة حجاج بيت الله الحرام. فقبلت الدعوة مبتهجاً مسروراً، وأجمعت أن ألبيها شاكراً ممتناً، وقلت في نفسي إن فاتني أن أحج بيت الله على متن هذه الباخرة ففاتني بذلك ثواب تلك الفريضة الكبرى، فلا أقل من أن أحج السفينة نفسها فأفوز برؤية الحلقة الثالثة من سلسلة ستكتمل حلقاتها بأذن الله، ويون لهذا البلد منها أسطول مبارك الغدوات ميمون الروحات وحانت الساعة الرابعة من عصر يوم الخميس الماضي، فأخذت طريقي إلى المرفأ فيمن أخذ، وصعدت تلك الباخرة الجاثمة فوق متن الماء كالطود العظيم فيمن صعد، وقد صعدها خلق كثير من علية القوم وأوساطهم يعدون بالمئين. وجعلت أطوف أنحاء السفينة مع المطوفين، صاعداً وهابطاً، متنقلاً من طابق إلى طابق، ومن مقصورة إلى مقصورة، ومن مرفق إلى مرفق، وأشهد لقد تملكتني الحيرة من روعة ما شهدت، وفخامة ما رأيت. وأشكل على الأمر هنيهة من الزمن، فكأنني في حلم من تلك الاحلام اللذيذة التي يخشى معها الحالم أن تنفتح عيناه على الحقيقة المرة المؤلمة! أهذه سفينة مصرية حقاً؟ وهذا العلم الخفاق فوق حيزومها، أهو العلم المصري؟ وهذا الاسم العربي المرقوم عند جؤجؤها، أمكتوب هو بالحرف العربي؟ وهؤلاء الشبان الرائحون الغادون في طرابيشهم القانية وملابسهم البحرية الجميلة، يطلعون الزوار على ما دق من مرافق السفينة وما جل، أهم مصريون حقاً؟ وزاد بي اللبس فجعلت أتقرى الأشياء بيدي أتثبتها على نحو ما صنع البحتري عندما قلم في إيوان كسرى، وعراه ما عراني من الدهش والالتباس! يغتلى فيهم ارتيابي حتى … تتقراهم يداي بلمس ولكن لم يطل أمد تلك الحال، فكل شيء حولي قد احتشد لنصرة اليقين على الشك في المعرة التي قامت بينهما في نفسي، وسرعان ما محا نور اليقين ظلمة الشك، وأطمأنت النفس إلى أني قائم في قطعة من مصر طافية على وجه الماء الله أكبر! لقد أخذ الزمان يستدير، وشرعت مصر تسترد مكانة كانت لها في القديم ثم نحيت

стр. 7075

عنها قوة واقتداراُ، أليست مصر صاحبة أول بعثة تجارية بحرية في التاريخ هي بعثة الملك (اسنفرو) إلى الشام؟ أليست مصر صاحبة أول بعثة استكشافية يعرفها التاريخ هي بعثة الملك (نخاو) حول أفريقية؟ ألم تكن مصر سيدة البحار على عهد البطالسة، ومنارتها بالاسكندرية من عجائب العالم القديم؟ أليس أسطول مصر الاسلامي هو الذي دحر الأسطول البيزنطي في واقعة (ذات الصواري) المشهورة وانتهت اليه زعامة شرقي بحر الروم زمناً طويلاً؟ ثم ماذا كانت واقعة (نوارين) التي تحامل فيها الغرب على الشرق فدمر فيها الأسطول المصري تدميراً، وكان ذلك آخر عهد مصر بالملاحة الصحيحة إن تعجب فعجب أن تكون لمصر سواحل مترامية مطلة على بحرين من أهم بحار الأرض، وأن يكون لها هذا الماضي الجليل، ثم تظل طوال القرن التاسع عشر وصدر اقرن العشرين عالة على سفن غيرها في نقل عروضها ومتاجرها ومسافريها، ولكن هذا الذي قدر فكان. فليذكر ذلك الذاكرون في هذه الأيام السعيدة التي تأذن الله فيها بانبعاث البحرية المصرية على أيدي رجال (شركة مصر للملاحة البحرية) لقد كنت أمضي في تأملاتي هذه، لولا أن يسرت أقدار لأقدار، فلمحت عن كثب زعيم مصر الاقتصادي، وحامل لواء نهضتها المالية الحرة، ومن عساه أن يكون سوى (محمد طلعت حرب باشا)؟ فأسرعت إليه أبثه إعجابي بما أرى، وأهنئه وأهنئ في شخصه رجال هذه الشركة المباركة على ما أوتوا من عناية الله وتوفيقه. وجلست اليه سويعة تحدثت إليه فيها فيما خص من الأمر وما عم، ثم قمت من حضرته وأنا أهدي ما كنت، وأفهم مما كنت، وخيراً مما كنت. وكذاك الشباب إذا ظفر بلقاء الرجل العظيم والتحدث اليه وكانت الشمس قد أوت إلى الأفق الغربي مؤذنة بالمغيب، وجعلت ترسل أشعتها على أعالي البواخر والسفن فتصبغها بمثل الورس الأحرم، وتسكبها على ماء البحر فتحيله تبراً مذاباً. وشمل المنظر خشوع وجمال وجلال، زاد القلب طرباً ونشوة ووجداً. فانصرفت وأنا أدعو (لكوثر) وأخواتها ببحر ذلول، وريح رخاء، وأهتف من اعماق قلبي لأولئك الذين بعثوا العزة القومية بعد وأدها، وأحيوا في نفوس هذه الأمة دارس الأمل وميت الرجاء عبد الحميد العبادي

стр. 7076

١١ - بين القاهرة وطوس اصفهان (نصف جهان) للدكتور عبد الوهاب عزام خرجنا من قم والساعة ثلاث بعد الظهر، سائرين إلى الجنوب تلقاء أصفهان، وبين قم وأصفهان ٢٨٢ كيلا، فما زلنا نضرب في سهوب مترامية تعمرها قرى قليلة، حتى قطعنا ٩٢ كيلا في ساعتين، فبلغنا قرية دليجان، وهي قرية كبيرة على الجادة يبدو عليها الفقر، وبيوتها كغيرها من قرى إيران، مسنمة السقوف، مطينة الجدر، فاذا رأيتها على بعد حسبتها قبوراً عالية. وقفنا في القرية على بناء كتب عليه بالانكليزية، أنه مطعم ومشرب شاي، وهو طبقتان في كل واحدة حجرتان، وللطبقة العالية سلم من اللِبن يهبط إلى الطريق دخلنا فقدم لنا الشاي والبطيخ، واسترحنا قليلاً، ثم ركبنا سيارتنا وقد كادت الشمس تغرب. قلنا: كم بيننا وبين أصفهان؟ قيل أربع ساعات، وبين دليجان وأصفهان ١٩٠ كيلاً. وقال سائق لصاحب المطعم سنمر بك بعد غد، فهيء لنا دجاجة وحساء، قال نعم، ذلك وكل ما تشتهون ضربنا في أرض بلقع يتخللها عمران قليل، حتى بلغنا بلدا اسمه شاه عباس، بينه وبين أصفهان خمس وعشر دقيقة، فتغير مرأى الأرض، وبدت لنا الأشجار والزروع والمياه، وما زلنا في أرض مخصبة مخضرة حتى دخلنا المدينة والساعة تسع وخمس دقائق من مساء السبت حادي عشر رجب (٢٠ أكتوبر) أصبهان: مدينة العراق العجمي، عي ٤٣١ كيلاً إلى الجنوب من طهران، وعرضها ٣٢ درجة وطولها ٤٩، وارتفاعها ١٣٤٤. وهي في سهل واسع خصب، حسن الهواء كثير الماء والشجر؛ قال ياقوت: (وكانت مساحة أصبهان (أي الأقليم) ثمانين فرسخاً في مثلها، وهي ستة عشر رستاقاً كل رستاق ستون وثلاثمائة قرية قديمة سوى المحدثة). ولا ريب أن في رواية ياقوت غلواً تابع فيه القوال الشائعة. وقد قال هو عن اصبهان: (مدينة عظيمة مشهورة، من أعلام المدن وأعيانها. ويسرفون في وصفها حتى يتجاوزوا حد الاقتصاد)

стр. 7077

وقد أدى إلى إغراق الناس في وصف أصفهان وأقليمها استجار العمران هناك، وكثرة القرى، والمياه والزروع. وقد حدثني مهندس ألماني في مدينة أصفهان أن من بقاع اصفهان بقعة يسير فيها السائر خمسة عشر كيلاً بين الأشجار. وبُنيت الأقاليم القطن والتبغ والبطيخ وكثيراً من الفاكهة والمدينة على نهر زنده رود (النهر الحي)، ويسمى اليوم زايَنده رود (النهر الوَلود). حدثني رجل أنه سمي بهذا لانبجاس مياهه من الأرض في مواضع كثيرة. قال ياقوت: (زند روذ نهر مشهور عند أصبهان، علمه قرى ومزارع؛ وهو نهر عظيم أطيب مياه الأرض وأعذبها). وقال في موضع آخر: (وقد وصفه الشعراء فقال بعضهم: لست آسي من اصبهان على شي … ء سوى مائها الرحيق الزلال ونسيم الصبا ومنخرق الري … ح وجو صاف على كل حال ولها الزعفران والعسل الما … ذي والصافنات تحت الجلال) وكذلك قال الحجاج لبعض من ولاه اصبهان: قد وليتك بلدة حجرها الكحل، وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران. وقال آخر: لست آسي من اصبهان على شي_ء أنا أبكي عليه عند رحيلي غير ماء يكون بالمسجد الجا … مع صاف مزوق مبذول ولعل قول كل من هذين الشاعرين (لست آسي) لما تحدث به القدماء من وصف أهل اصبهان بالبخل. وقد حكي عن الصاحب ابن عباد أنه كان إذا أراد الدخول إلى اصبهان قال: من له حاجة فليسألنيها قبل دخولي إلى اصبهان، فانني إذا دخلتها وجدت بها في نفسي شحاً لا اجده في غيرها. وقد روي ياقوت بيتين كتبا في بعض الخانات التي في طريق اصبهان: قبح السالكون في طلب الرز_ق على أيذج إلى اصبهان ليت من زارها فعاد اليها … قد رماه الآلة بالخذلان وعلى نهر اصبهان اليوم ثلاث قناطر من عجائب الآثار، أكبرها قنطرة (الله ويردي خان) أحد قواد الشاه عباس، وتسمى اليوم (بلِ سي وسه جشمه)، أي القنطرة ذات الثلاث

стр. 7078

والثلاثين عيناً. وهي مبنية بالحجارة الضخمة، تسير فوقها طريق واسعة لها جدران عاليان. والنصف الأسفل من عيونها يسد بالخشب إذا أريد حبس الماء، وعلى جانبي العون في قاع النهر سنادان من الحجر يسير عليهما الناس حين انخفاض الماء ومدينة اصبهان قديمة ذكرها بطليموس. وكانت ذات مكانة عظيمة قبل الأسلام؛ ولم تزل في الإسلام معدودة من أمهات المدن الفارسية وقد تقبلت بها غيرٌ كثيرة واهتمت بالسيطرة عليها ل الدول الإسلامية الشرقية، فتولى أمرها السامانيون والبويهيون والغزنويون والسلاجقة، وكان السلطان ملكشاه السلجوقي يحب المُقام بها. ولما سالت على المسلمين كوارث التتار، ساروا اليها سنة ٦٢٥ فدفعهم عنها البطل العظيم جلال الدين خوارزمشاه، ولما كانت الدولة التيمورية ثار أهل أصفهان على الجبار تيمورلنك سنة ٧٩٠ فقتلهم حتى قيل إنه جمع سبعين ألف رأس فبنى بها أهراماً وامجد عهود أصبهان عهد الدولة الصفوية، ولا تزال آثارها ناطقة بما كان لما من جلال وجمال في ظل هذه الدولة وقد بلغ سكانها في ذلك العهد ستمائة ألف، وكان بها ثمانية وثلاثون ألف دار، واثنان وستون ومائة جامع، وثمان وأربعون مدرسة، وثلاث وسبعون ومائتا حمام، وثمانمائة وألف خان، (كاروانسراي) وكان محيطها فيما يقال أربعة وعشرين ميلا ولما أغار الأفغانيون على إيران وقضوا على الدولة الصفوية، ثم صارت طهران دار الملك تناقص عمران المدينة، ودالت دولتها، وسكانها اليوم ثمانون ألفاً، ومحيطها ميلان، ولكن لها شأناً عظيماً في التجارة والصناعة دخلنا المدينة ليلاً، فأوينا إلى فندق اسمه (فندق الفردوس). وكان يسمى الفندق الأمريكي، وهو في شارع واسع مشجر قديم يقال إن أشجار من عهد الشاه عباس الكبير، وهو أعظم شوارع المدينة. وجاءنا بعد قليل رئيس البلدية فحيانا وقال إنه يود أن ننزل داراً خاصة في ضيافة الحكومة، فشكرنا له وللحكومة هذه الحفاوة، وآثرنا أن نبقى في الفندق، فأبلغنا دعوة الحاكم إيانا إلى العشاء في داره غداً لم يمكنا الأعياء من التجول في المدينة تلك الليلة، ولكن نعمنا بمرأى أشجار الحور الباسقة

стр. 7079

تنثر على الأرض ضوء القمر، كما تتناثر في خيالنا ذكرى الماضي المجيد من هذه البلدة الخالدة، التي نشأت من علماء الإسلام الأعلام أمثال أبي الفرج الأصفهاني وداود بن علي صاحب المذهب الظاهري، وأبي نعيم صاحب الحلية، وحمزة المؤرخ وكنا نسمع في الحين بعد الحين جلجلة الأجراس في أعناق الابل أو الثيران السائرة في المدينة. وهذا صوت مطرب في جوف الليل، ولكنه يذهب بالنوم. وغدونا إلى دار الحكومة فقابلنا حاكم أصفهان وهو أحد الوزراء السابقين، ورجال الصحافة القدماء، وكان له جريدة تسمى صور أسرا فيل فغلب اسمها عليه فهو اليوم يسمى قاسم صور اسرافيل، ويتسمى هو بهذا الاسم ويكتبه على بطاقته، وكذلك جاء إلى دار الحكومة نفر من الألمان، منهم الدكتور شميت الصحافي الذي ينشر جريدة في أنقرة الآن، وكان مندوباً إلى مؤتمر الفردوسي ولكنه تأخر خرجنا لرؤية آثار اصفهان الرائعة. وإني أشفق على القارئ أن أصف المساجد والقصور التي رأيناها وصفاً مفصلاً، فمن شاء أن يرى صور هذه الآثار فليذهب إلى الجمعية الجغرافية ليرى قاعة المحاضرات مزدانة بصور كثيرة من الآثار الفارسية، أعظمها وأجملها آثار اصفهان في المدينة ميدان كبير قال لنا مهندس ألماني إنه أكبر من ميدان الكنوكورد في باريس ومن كل ميدان في مدينة وان هذا الميدان للعب الكرة والصولجان على ظهور الخيل (الجوكان)، ولا تزال فيه العمد الخشبية التي تُعلم غاية الملعب. وفي وسطه حوض كبير تنبجس منه نافورات قوية؛ وهي من ثار الصفويين، وقد أصلحت أخيراً ويحيط بالميدان آثار الصفويين: مسجد الشاه ومسجد الشاه لطف الله والباب العالي والسوق مسجد الشاه من أجمل مساجد المسلمين، بل من أعظم آثار العالم قاطبة، بناء ضخم وهندسة محكمة، وصنعة الكاشاني والكتابة والنقش لم تدع مزيداً لصانع أو ناظر. ولا يرى مقدار شبر في جدر المسجد أو إيواناته أو قبابه خالياً من هذه الصنعة، فقد أفرغ الجمال على هذا المسجد كتابة ونقشاً وتلويناً وفوق إيوان القبلة قبة شاهقة تعلوها قبة أخرى، وبينهما ستة عشر متراً، فاذا توقف

стр. 7080

الإنسان في مركز القبة وصفق بيديه صفقه خفيفة، أو تكلم بصوت خافت، أو حك الارض برجله انبعث الصدى عالياً مدوياً مردداً في القبة أكثر من عشر مرات ومسجد الشاه لطف الله أصغر من هذا، ولكن فيه من الفنون دقائق عجيبة، وفيه طبقة تحت الأرض للصلاة في الشتاء (يتبع) عبد الوهاب عزام

стр. 7081

الله قد عَبَدُوا للأستاذ فخري أبو السعود وَيلي على أمم الإسلام خاضعة … للمستبدين لا يرني لها أحدُ من قال لي: من يقر الضيم؟ قلت له: … ألمسلمون وعير الحي والوتدُ! في مشرق الأرض قد دانوا ومغربها … ما كاد ينجو لهم من غاصب بلدُ في ربقة الظلم هم جاءوا وهم ذهبوا … وفي المذلة قد ماتوا وقد ولدوا صلوا وصاموا لباريهم تظللهم … أعلام من ظلموا أو سيف من عندوا يا ليت شعري للديان ما قنتوا؟ … أم للمغالب ما قالوا وما سجدوا؟ يا قوم من شرعة الإسلام دينكم … أن ليس يعبد إلا الواحد الصمد! أترضون سوى الرحمن محتكما؟ … ما إن لقومٍ إذا ما استعبد وارشد الله ليس يحب الدين من أمم … لغيره طأطأوا أو غيره عبدوا لعل أدنى إليه في مراتبه … عدوكم وهو ماضي العزم مجتهد أختي عليكم بجند من عزائمه … ومن جهالتكم جند له حشد لولا تفاقم هذا الجهل بينكم … لم يغنه عدد فيكم ولا عدد لا يبالغ العز قومٌ عن جهالتهم … لا ينزعون وعن مسعاتهم قعدوا إنا نؤومو الضحى ليست تزايلنا … أحلامنا وهو في جنح الدجى سهد ما دام ذا الجهل يمشي بين أظهركم … ففي قضيتكم - لا ينقضي - فند قد ذمكم بالذي فيكم فلا كذب … فإن غلا فله من جهلكم سندُ كم تقنعون بدون العيش مرتبة … في العالمين؟ وكم ذا الذل مطرد؟ من لي بعهد به آباؤنا ملكوا … بكفهم كل ما حلوا وما عقدوا؟ لا يقبلون وصاة الأوصياء ولا … أحكام من اسرفوا في الحكم أو قصدوا الله قد عبدوا دون الورى وله … بذاك في الصلوات الخمس قد شهدوا فخري أبو سعود

стр. 7082

إلى ممثلة نابغة من أي وحي تنهلين رشاقة … لمحت ظلال الخلد منها الأنفس؟ وبأي سحر تمسحين موافقاً … يزهو بروعتها الجمال الأقدس؟ روح الطبيعة في اختلاف فنونها … وروائها لم محو ما في نغمتك وشت مواهبك الكياسة فانثنت … آياتها مختالة في بسمتك أدركت سر الفن وهو ممنع … فعنا لك الإبداع، إذا أدركته ما الواقع الملموس يعجب باحث … فيه، سوى تمثيل ما مثلته عاصمة الأرجنتين الياس قنصل

стр. 7083

ثورة الذكرى بقلم فريد عين شوكه ذكرياتٌ مشبوبة الثوران … وحبيب يلج في الهجران وفؤادٌ طغى الحنين عليه … فوهى عزمه من الخفقان حائر في الضلوع تفضحه العي … نُ بمرآة دمعها الحيران شد ما روع الفؤاد من الذك … رى وما ذاق في الهوى من هوان! ذكريات الغرام تغمر فكري … فتثير الغفى من أشجاني كلما صورت لي الماضي الضا … حي وريف الظلال عذب المجاني أردفته بحاضري مقفر الدو … حة مر الجنى حزين المغاني! فتثور الهمومُ، يا رحمة الله … إذا لج في الهموم جناني ثورة تلهب الفؤاد فيغدو … في ضلوعي كحمة البركان يتنزى حتى تضيق به النف … سُ فتلقاه بالعتاب الحاني فيم هذا الحنين يأيها القلْ … بُ إلى من غفا على نسياني وإلام الوفاء والطاعة المث … لى لمن لا يثوب عن عصياني فيم تلك الأشعار تضفي عليه … كل ما رق في الهوى من معان يسكب الغير فوقها دمعة العط … ف ويرثى لما بها من تفان وهو إن لاحها يمر عليها … دون ما رحمةٍ بها أو حنان قد سئمت الهوى عذاباً أليما … وحياة كئيبة الألوان وإذا القلبُ بينها واهن الخف … ق غريق في لجة الأحزان يسأل النفس للحبيب المعاذي … ر ويأبى الجنوح للسلوان يا لهذا الفؤاد ألوى به الحب م وما زال دائب التحنان أيها القلبُ قد سباك حبيب … ليس يحنو على الأسير العاني يتجنى على رغم فنأئي … فيه، يا للجحود والنكران! كم تمنيت عطفه فتأبى … وتشهيت وصله فجفاني وكأني إذا مرضت وكانت … صحوتي في مزاره ما أتاني

стр. 7084

وكاني لو مت في ميعة العم … ر وغيبت في الثرى ما بكاني فاتئد في هواك يأيها القل … ب وخفف من سوؤه الهيمان أو كما شئت يا عصي ولكن … سوف تصلي لواعج الكتمان لن تراني أشكو إليه خفايا … ك ولو ذبت شكوة في لساني لهف نفسي عليك يأيها الما … ضي ويا شوق خاطري الولهان كم عهود كانت لديك غوال … وليال غز الجبين حسان جمعتنا كما اشتهينا وحيدي … ن فكانت بليغة الإحسان وحبتنا شراعها فامتطينا … هـ إل دوحة الهوى الفينان فنعمنا بما به من بواكي … ر وما فيه من قطوف دوان ورشفنا بورده الطاهر العذ … ب كئوساً من الرضى والحنان وسمرنا في ربوة عطر الجو … م بأنفاس زهرها الوسنان نتناجى والعين أمتع في النج … وى واوفى من عبقري البيان ونغنى فيستفيق لنا الرو … ض كأنا في دوحة غردان مصغياً للغناء حتى نؤدي … هـ فيهفو كالطائر النشوان كم تغنيت للحبيب بما شا … ء ورتلت ما اشتهى من أغان فاذا هاجه الحنين فغنى … في حياء ورقة وافتنان وسرى الصوت بين أحشائي الظم … أى وأحناء صدري اللهفان رف قلبي له رفيف الأقاحي … ناعمات بالمنهل الريان ذاك ماضي الهوى فكيف تناسي … هـ وقد صار بضعة من كياني جف روض الهوى من الثمر الحل … ووأضحى مهلهل لأفنان وضحا ظله الظليل وفرت … عن أفانينه طيور الأماني فقضيت الحياة ارويه دمعي … واعاني في ريه ما اعاني وإذا الروض هامد ما أفادت … هـ شآبيب دمعي الهتان أيها الروض إن ما بك أوهى … عزماتي وهد من بنياني دواؤك الهجر والحبيب عصى … والليالي تغريه بالحرمان

стр. 7085

فاذا ما جهدت في بعث ماضي … ك رماني الزمان بالخذلان والزمان العنيد إن سدد الرم … ية ألوى بحيلة الإنسان يا إله السماء إني تحطم … تُ وما زلتُ في ربيع زماني وذوت مهجتي من النغم البا … كي فمن لي بأعذب الألحان؟ فريد عين شوكه

стр. 7086

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٧ - تطور الحركة الفلسفية في ألماني للأستاذ خليل هنداوي أما الإنسان فهو عند هيجل الكائن الفرد الذي يتوسط بين الكائنات كيف يشاء، ويدرك نفسه بنفسه. الإنسان هو روح: روح ذاتية لا تحس إلا بحريتها الخاصة، ولا تعمل إلا على ما يضمن لها النصر على ما حولها. وروح اجتماعية تحترم حريات الناس وتراعى حقوقهم. وروح مطلقة تسمو على التقاليد المادية، يفني إزاءها كل شيء من كل شيء تواضع عليه الناس. روح تعود إلى نفسها لتجد في نفسها (المثال الإلهي) فلا تجده غرضاً تسمى اليه ولكن تجده حقيقة شاملة أدركتها فيما أدركت. . . وقد وجد هيجل ثلاث شعب في العلوم: العلوم النفسية، والعلوم الأدبية، والعلوم الدينية. . . وقد شطر العلوم الدينية ثلاثة فروع: الفن، والدين، والفلسفة؛ أما الفن فهو أول تجربة قامر بها الروح ليتشبه بالوجود، فالفنان يذهل عن نفسه حين يتأمل في عمله. والفن - في الحقيقة - هو يقظة من يقظات الوحي ولمعة من لمعات العبقرية. والدين يفسر معاني الألوهية برموز وألغاز. وفي النهاية وجد الإنسان ربه في نفسه، وها هنا تسامى الدين إلى الفلسفة، وولد الآلةفي روح النسان، وتألف العلم المطلق، وبسط به الإنسان سلطته على الكون، وأدرك به غرضه. هذا هو الفيلسوف الذي يستطيع أن يغلق كتاب الوجود دام انتصار مدرسة (هيجل) خمسة عشر عاماً، لا تسمع فيها إلا صوت هذه المدرسة التي ملكت على القوم، وفرت من وجهها كل مدرسة؛ ثم أخذت تهوى عن عرشها لأن العقل المخدر آن أن يصحو، فبدا له ما هو في هذه الآراء - برغم اشتهار صاحبها بقوة عارضته وقوة منطقة - من تناقص واضطراب. ففي عالمه السياسي والإلهي قد ظهر الاختلاف على أشده، وجد (هيجل) في صاحب الديانة المسيحية شخصية سامية يمازجها روح الإله. ولكنه في فصل آخر يقر بأنه لا يجد في الدين إلا تعاليم آخذه طريقها إلى الفلسفة، حيث تفني في الفلسفة كل عناصر الايمان. وأما آراء (هيجل) في التاريخ فهي آراء عقلية، يتحدث بها عن عقل الفرد وعقلية الأمم، ويرى تاريخ الحرية هو تاريخ العالم. أما العصر الشرقي فهو عصر الحكم المطلق، والعصر اليوناني الروماني هو عصر الحرية الجزئية

стр. 7087

وعصر الأحزاب والاسر والعبودية، والعصر الجرماني هو عصر النهضة والبعث والثورة، ويقبل هيجل على العصر الحديث ويذكر أن الدولة هي هيئة من هيئات الفكر، ولا بد لهذه الهيئة أن تتمثل في صاحب السلطة والسلطان. وهو لا ينصر مذهب توزيع السلطة خشية أن يثير ذلك الضغائن ويخلق الفتن ويوقع العراك في الأهواء. وهو يقدملنا - بعدها الحوار الطويل - حكومته البروسية بعد معاهدة (١٨١٥) مثلاً سامياً للدولة. وهكذا لا يمكن للفيلسوف أن يتجرد من نعرته القومية حتى المباحث التي ينبغي لصاحبها أن يكون مجرداً بعيداً عن الهوى مذهب المثال الكمالي وأخيراً ماذا ظل راسياً من مدرسة (هيجل) في الصرح الفلسفي؟ أم ماذا بقي من ذلك الاتجاه العنيف نحو فلسفة (الواحد المطلق) الذي جرى وراءه فيخت وشيلنج وهيجل؟ إن (كانت) في كتابه نقد العقل المجرد أجاب بأن معارفنا لا تضع لنا جواباً شافياً عن حقائق الأشياء، ولكنها تقرب لنا صورها بطريق الحواس، وهذا الوجود لا نراه على حقيقته التي هو عليها، وإنما نراه على الحقيقة التي تبدو لنا منه. وجاء فيخت بعده فجعل من (الذات) ملجأ للحقيقة كلها. والأشياء الخارجة عن كياننا لا يُكتب لها الظهور إلا في اللحظة التي تعالجها الذات وتمعن فيها تفكيراً. , والإنسان بما أوتي من عزم وقوة لم يكن يوماً بكائن بسيط يدفع القوى المحدقة به، ولكنه يريد أن يُسيطر على العالم حتى يتمكن من شعوره بنفسه. ولكن ماذا آلت اليه الطبيعة - في مذهب فيخت - ومعانيها المتدفقة الحساسة؟ أنها قد صُرعت وتجردت من كل المعاني، فجاء شيلنج فعمل على مزج الفلسفة بالفن، وجرب أن يوحد بين العالم والكائن المفكر. الإنسان والطبيعة يجب أن يتحدا ويكون واسطة اتحادهما العقل المفكر والإحساس بالجمال. . . . وهكذا عاد مذهب سيينوزا القائل بأن الله إنما هو كل الكائنات، عاد هذا المذهب بصورة أوسع أفقاً من صورته الأولى، يتوسع في الحرية الإنسانية، وينطوي على فكرة فنية بلى، إن مذهب المثال الكمالي الذي دان به الفكر الألماني مصدره المذهب القائل (بأن الآلة الواحد إنما هو كل الكائنات) وهذا (هيجل) هو الذي ثبت هذا المذهب بدستوره الذي جاء وليد جهود رفيعة تريد أن تشيد العلم الإنساني، ثم تبلغ بهذا العلم نفسه منزل الحقيقة

стр. 7088

السامية. فتطور الحياة العُضوية في الطبيعة، وتعاقب الأصول البشرية، وتتابع المدنيات في التاريخ إن هي إلا وجوه متقلبة لأصل واحد. وهذه هي الدائرة التي يجوزها الفكر المطلق عاملاً على تحقيق قوته المبدعة، وراجياً في النهاية أن يتم تعارفه مع الروح الإنسانية. . . الآلة لم يكن. . ولكنه عاد. . . ووُلد في الإنسان. إن معنى الوجود هو أضعف معنى؛ وهل معناه إلا أن تبدو لحظة من الزمن على مسرح هذا العالم المتبدل ثم تعود إلى أصلك؟ كل شيء يزول يدل على أن فكرة بزواله تمت، أما حركة الحياة فانها تمهد في معنى مجرد لا تدركها الأنظار إن فلسفة هيجل حين جعلت من الروح الإنسانية ملجأ كل معرفة ووعاء كل حقيقة، أصبح المتدين بها يعرف الروح الإنسانية، ولا يعرف مما حولها شيئاً؛ هو يزعم أنه يحلل الكون ويعلل حوادثه ويشيد دعائمه بفكره، ولكنه في الحقيقة لا يتخطى - في ذلك - حدود العالم الصغير الذي يضم الإنسان عليه جوانح صدره لابد لمن أراد أن يلم بتطور الأدب الالماني في منتصف القرن التاسع عشر أن يقع على أسباب تلك السآمة التي تمشت في عروق ذلك الأدب، ففي غرة هذا القرن اقتحم (نابليون) ألمانيا، وعليها على أمرها؛ فأذعنت أو همدت قليلاً والنار تسطع خلل الرماد، وهي في الحقيقة لم تنفض عنها أملاً ولم تدفع مأملاً، والحركة الفكرية التي ولدها اولئك الفلاسفة تدل على ان مرناها لم تزغ عنه الابصار، وان آثارها لم يطمس عليها طامس؛ وبعد حبوط تلك الآمال النازعة إلى حرية الشعب الألماني ولم شعثه بعد التفريق، خيم على الجهة الألمانية شبه سكون لا يتمخض بحياة! ولكن الأدب لا يموت، ولكنه يثور ويتحرك في الأقطار المذللة حيث ترى أصحابها مدفوعين دفعاً إلى الحياة، والتاريخ وحده ظل دائباً ساعياً وراء الغاية دون أن يقف سيره شيء، أما صوت الشعر فقد خفت، والمخيلة نامت إلى حين في هذا العصر وجدت فلسفة (هيجل) مزاحماً جديداً عنيفاً، هو تشاؤم (شوينهاور) ومما ساعد على انتشاره قوة بيان صاحبه، وهيجل كان أسلوبه غير بياني، فتهافت الناس بعقولهم وقلوبهم على المذهب الجديد ما قامت فلسفة أذيع وأسير من فلسفة (هيجل)، فقد كانت تياراً قوياً تقذف بالنفوس إلى مسكن (المثل الأعلى) ولكن تأثيرها سرعان ما وهي، وكان لهجيل. أنصار كثيرون أخذوا

стр. 7089

عنه وحملوا مبادئه إلى أقطار أخرى؛ حتى إذا وافاه أجله ذهب البعض إلى مقارنته بالاسكندر الذي غزا أقاليم مجهولة، وبعضهم ذهب إلى تمثيله بصاحب الرسالة المسيحية، وفكرة (هيجل) هي مذهب التحول المستمر، والعالم - عنده - هو كالنبتة تنجم دائماً من أصلها، وتحمل في بعض الأحيان براعيم وأزاهير وثمرات. . . . . وبعد موت (هيجل) انشقت مدرسته وقام منها ثلاث فرق: فريق عكف على تحليل مذهبه وتطبيق فروعه على بعض فروع علمية وأدبية، وقد هذب هذا الفريق من أسلوب معلمهم حتى أخرجوا من حلقة الخاصة إلى متناول العامة؛ وفريق سابق، وأن يرد كل أصولها إلى الدين؛ والفريق الثالث نظر إلى (هيجل) نظرة مستقلة، ووجد أن الدين المسيحي قد انتهى به، كما انتهى العصر الوثني اليوناني بأرسطو، والكلمة التي رددها أحد تلاميذه: (لتكمل إرادة الرجل) تعتبر أول قاعدة في بناء شريعة المستقبل يتبع خليل هنداوي

стр. 7090

القصص من الادب التركي باقة زهر بقلم الآنسة (فتاة الفرات) إن لبعض المناظر تأثيراً عميقاً خاصاً في نفس الإنسان لا يشاركه فيه غيره من المناظر، لو أنني شهدتها في زمان غير هذا الزمان، أو في مكان غير هذا المكان لقد سحقتني المدينة بجلبتها وضوضائها، ففررت بفكري المجهود وعقلي المكدود إلى قرية قائمة في وسط صحراء هادئة نائمة لأداوي بسكوتها فكري الثائر. وكنت في كل يوم ألقي بنفسي في أطهر ضواحي القرية من أنفاس الناس، فأستنشق فيها رائحة الطبيعة الجميلة تحت أشعة شمس الربيع التي كانت تسيل بغزلرة من بين قطع السحاب، فتحرك النفوس الجامدة ونثير القلوب الخامدة كان يمر بتلك القرية نهير براق ينصب فيه الماء من بين أحضان تلك الجبال الشماء، فاذا انحدر منها إلى السهول بصوت جذاب يشبه الصوت الذي ينبعث من مجلس مجالس السرور جرى متغلغلاً بين الأحراج والغابات، متوارياً عن أشعة الشمس التي ملأت الأرجاء وطغت على الأنحاء، فاتراً هادئاً حابساً أنفاسه في صدره، كأنه فتاة عاشقة تسير نحو غايتها في لطف حتى لا يسمح خشخشة ثوبها سامع، ثم يجتمع شيئاً فشيئاً ويزج بنفسه في مقبرة تظللها أشجار السرو العاتية، وتنبعث منها روائح الموت القاسية، فتبعث في النفس ذكرى الدار الآخرة، وتوقظ في القلب عظمة الموت ورهبته، فاذا تجاوز هذه المقبرة سار في جريان بطيء فاتر مدفوعاً بقوة لا يمكن مقاومتها ولا يستطاع دفعها، مبتعداً عن الجبال والأحراج والصحارى حتى يغرق بحرقة الخسران وألم الفقدان في بحر لجيٍ لا يسبر غوره ولا يدرك قراره وكثيراً ما كنت أتبع في سياحتي مجرى ذلك النهير، فأسير على ضفته مأخوذ اللب، موزع الفكر في أمواجه الضحاكة التي تنيرها أشعة الشمس اللماعة، وضفاته الحزينة التي تظللها الأشجار الملتفة، فتنشر عليها بساطاً من الكدر والحزن، وكم حبست سمعي على زمزمة

стр. 7091

مياهه اللطيفة تداعب الأحجار القائمة في طريقها بلطف، وتلامسها في غير عنف، وعلى نقيق ضفادعه تستقبل بواكير الربيع الضاحك، وكم غرقت في هذا وذاك غرقاً لا أخرج منه إلا بعد سفر طويل. هناك في ذلك المكان رأيتها، وكان ذلك في يوم ملول فاتر، والضباب المعطر النفحات الرطب الذرات يتطاير رويداً رويداً فوق ذري الجبال. ثم ينتشر في السهول والقيعان والآكام والوديان فرحاً بالربيع الغض النضير، باعث الحياة في الأموات أما المناظر البديعة التي كانت تمتد بامتداد البصر، وتسترسل على قدر ما يبلغه النظر، فقد كانت تؤلف بصورها المتنوعة سلسلة من البدائع، تتجلى في طيف الخيال كأنها عالم من العوالم الشعرية المبهمة، وتظهر في صورة خيالية لو مرت بها نسمة من النسمات الفاترة لذهبت بها أباديد إن في سكون الصحراء العميق نفساً عميقاً لا يكون إلا في سكون الصحراء، إنه سكون حي قوي الحياة، لو نظرت اليه بدقة وإمعان لخيل اليك بقوته أن الطبيعة تتنفس كما يتنفس كل ذي روح لقد طفت كثيراً في النواحي أمتع النفس بالنظر إلى الضباب القائم يطير بين تلك الجبال كأنه الدخان، والى الزهرات الناضرة سقطت عليها حبات الندى فارتجفت تحتها ومالت أعناقها لثقلها، وأصغى إلى الأطيار على الأشجار تتغنى في هدوء بأصوات مملوءة بنشوة الطرب وسكرة النشاط، وبلغت من لك كله ما أريد لقد أحيت في نفسي تلك الحال الجذابة، وتلك المناظر الخلابة، وتلك النزهة الواسعة الأطراف، المترامية الأكناف، روحاً جديداً، وأثارت رغبة كامنة، فكنت أقف أثناءها وقفات تسكن فيها الحواس، ويذهب الفكر إلى أبعد مداه، لقد كنت مأخوذاً أمام تلك الطبيعة التي تغرق الفكر، وتشتت اللب، حتى يكون التفكير ذهولاً، لقد كنت مأخوذاً بسبب ذلك الشعور الأخاذ الذي يفوق كل شعور حتى يجعل من الإنسان الحساس جماداً لا يتحرك ولا يحس لست أدرى لماذا أبحث عن هذه الأشياء ولماذا أتكلم عنها؟ وليس لها من صلة بالحادثة التي أثارت أحزاني وحركن كوامن أشجاني وحرمتني حتى من نفسي أياماً طوالاً، أجل لا أدري، ولكني أريد أن أقول إني رأيت فصول تلك الرواية المحزنة وأنا أشد ما أكون تأثراً

стр. 7092

بهذه المناظرة وخضوعاً لها، فزادت رؤيتها تأثري حتى وصلت آثارها إلأى أعمق نقطة في نفسي سمعت ذات يوم من تل الأيام التي قضيتها في تلك القرية وقع أقدام يكاد يخفي على الأذن لضعفه، فالتفت فعلقت عيني بفتى وفتاة قلما علقت عين بمثلهما جمال خَلْقٍ ولطف خُلقٍ، لا يتجاوز أكبرهما وهو الفتى الثانية عشرة من عمره، ولا تقل الفتاة عنه إلا عاماً أو عامين، كانت الفتاة وهي تبكي بلا عبرات وتئن بلا حسرات، أما الفتى فكان على عكس حالها يطفح نشاطاً ويفيض سروراً، مع أن على وجهه سحابة. . . لا أردي ماذا أسميها؟ ولا أدري كيف أعبر عنها؟ هي كالتي ترى على بعض الوجوه التي رشقها الموت بسهم من سهامه في بعض من يعز عليها، فطبعها بطابع أغبر قاتم يدل على ما في الجنان من هموم وأحزان، فلما رأيتها على ما وصفت، شعرت بألم في أعماق نفسي ذهب بكل ما فيها من نشوة وطرب كانا يمشيان رويداً رويداً؛ فالفتاة مستغرقة في أفكارها، مسترسلة إلى أحزانها، وأما الفتى فقد كان يبتسم ابتسامة عذبة كأنه ثمل من حمرة الربيع الجديدة علقت عيني بهما حتى ما كنت استطع أن أحولها عنهما، كأن دافعاً خفياً يدفعني إلى ذلك ويفرضه على فرضاً. حاذباني، وتجاوزازني، ولعلهما لم يشعر بمكاني، أحدهما مشغول عني بافراحه، والآخر مأخوذ باتراحه وبينا أنا في ذهولي العميق إذا بقاتل يقول: - فيماذا تفكر؟ كان المتكلم طبيباً من أصدقائي يتبع الطفلين، لا أذكر ماذا أجبته على سؤاله، ولكني أدركت بعد أن مر الطفلان من أمامي أن ضحية ثمينة قد مرت بي صادفت الطبيب في اليوم الثاني منفرداً فقلت له: - من هذان الطفلان اللذان كنت تتبعهما أمس؟ فأجابني وهو يلوي شفته: - هما شقيقان قلت:

стр. 7093

- ومريضان؟ فقال: - (أحدهما فق والثاني لا حق بع عما قريب ولابد، لأن مرض الثاني لا يظهر إلا بعد أن يتلاشى المريض الأول، إن الفتى لن يحتمل هذا المرض أكثر من شهر آخر، وإذ ذاك فلا بد من معاينة الفتاة) ثم استمر قائلاً: - (لعلك قد لاحظت أن الفتاة تعلو وجهها سحابة حزن كثيفة وان طورها طور مكتئب شديد الكآبة، فهل عرفت منشأ ذلك؟ منشؤه الخوف، إن الفتة لا تفقه ذلك من أمر هذا المرض الذي نزل بأخيها شيئاً، وأني لها أن تفقه ذلك وهي لا تزال طفلة؟ ولكنها مع هذا تعلم يقيناً أن أخاها معرض لخطر شديد محدق له، أنها تسمع كل يوم من أفواه الناس هذه الكلمات فترسخ في قلبها الصغير وتترك فيه أثراً من الخوف: كيف حاله اليوم؟ هل عاودته النوبة؟ كم درجة حرارته اليوم؟ وهي في كل يوم أيضاً تسمع من أمها هذه النصيحة مئات من المرات: اجلسي يا فتاتي بجانب أخيك، لا طفيه، لا عيبه، لا تؤلميه، إن أخاك لا يحتمل ذلك إن هذه الجمل والعبارات تطرق مسمعها كل يوم مرات عديدة فتترك في قلبها الحساس أثراً عميقاً كله خوف ووجل، ومع ذلك فكثيراً ما رأت والديها وهما يمسحان دموعهما خفية، وكثيراً ما رأتهما بعد أن يخرجا من غرفة أخيها المريض يحتضنانها ويقبلانها قبلات حارة، ثم تضمها امها اليها بحرارة كأنها تود المحافظة عليها من عدو يريد اختطافها بعد أن نفضت يدها من أخيها، فهي لذلك تشعر من سويداء قلبها الصغير بخوف ووجل لا تفقه منشؤهما ولا تعرف مأناهما، وهي لذلك حزينة كئيبة. وأما المريض الحقيقي فانه طروب فرح مملوء نشاطاً ومرحاً، لقد كان حتى الآن محبوساً في البيت، محروماً من التمتع بالطبيعة، فلما أطلق سراحه عاد دمه إلى الغليان بأشعة شمس الربيع المزدهر، وهذه دورة من دورات السل مخيفة، لأن المريض فيها يظن نفسه قد شفي من المرض، مع أن ذلك النشاط هو القوة الباهرة التي تعتري الذين يقفون على أبواب الموت، وهو آخر مظهر تظهره الحياة وتنفق فيه أقصى ما عندها من جهد، وإذ ذاك نقول لأهل المريض خذوه إلى

стр. 7094

النزه. . . دعوه يلعب في الشمس ويرتع في الهواء الطلق. . . فهذه الكلمات تعلن للأهل بلطف أنه لم يبق من حاجة إلى الدواء بعد أن وقع اليأس من الشفاء، فهاهم الآن يرسلونه ليلعب في الهواء الطلق كل يوم، وليأخذ قسطه من مرح الطبيعة، ولينال حظه من حرارة الشمس الساطعة ليمتع نفسه بما قضي عليه أن يحرم منه قريباً) جلست الوم كعادتي عند النهر أفكر، فكانت أفكاري كلها متجهة نحو هذين الطفلين! لقد كانا محور تخيلاتي وتأملاتي في هذا اليوم، فلا أرى سواهما، ولا يمر ببالي شيء غيرهما أصبحت أرى الطفلين كل يوم، وكنت إذا وقع نظري عليهما علق بهما حتى لا يكاد يتحول عنهما، وكأني كنت أشعر أن صوتاً بهما حتى لا يكاد يتحول عنهما، وكأني كنت أشعر أن صوتاً داخلياً يهتف بس قائلاً: - تأمل هذين الوجهين المحاطين بالشعر الأشقر إحاطة الهالة بالقمر، إنك سترى تلك الطفولة الغضة قد جمدت ويبست فيهما كما جفت الزهرة قبل أن تتفتح عنها أكمامها، وسترى على شفاههما الذابلة ذبول الزهرة لفحتها السائم، رعشة تشبه رعشة المحتضر أما تلك العيون الحزينة فقد كانت في ذلك الربيع الضاحك مدفناً لجميع الآلام، أسفاً على ربيع حياة عصفت به يد الخريف وتودع كل آمالها في الحياة مع شدة حرصها عليها، تودعها بشعر حزين باكٍ تنظمه نظراتهما الحائرة، وترجمة أنفاسها الفاترة. المرض بعد، والفتى الذي برح به الداء، يمشيان جنباً إلى جنب، وقد أخذ كل منهما بيد الآخر، مشية الحزين الذاهل رأيت الفتاة في أحد الأيام وهي مكبة باهتمام على أخيها تزرر معطفه خوفاً عليه من البرد، فقلت في نفسي ما أشقاكما أيها الطفلان. . . كان الفتى في آخر مرة رأيته فيها مصبوغ الوجنتين بحمرة هي حمرة السقم لا حمرة العافية، وفي تل المرة سمعت أخته تقول له بصوت حزين: - لقد أسرفت في الركض يا أخي فأخذك العرق وها هو السعال يعاودك ويأخذ بخناقك ويجيبها الفتى وهو يبتسم لها ابتسامة عذبة ويحاول أن يحبس سعاله: - نعم لقد أسرفت في الركض كثيراً، ولن أعود خرجت إلى النزهة بعد أيام وأخذت أجمع ما راق عيني وأحبته نفسي من الأزهار الجميلة

стр. 7095

التي أتحفتنا بها الطبيعة لتجلبنا اليها، فجمعت باقة جميلة فيها من كل لون حسن، ومن كل رائحة لطيفة، ثم رأيت زهرة زرقاء اللون، قد نبتت على حائط المقبرة بين الأحجار، فمددت يدي لأقطفها، فاذا بيد قد وضعت على كتفي، فالتفت فاذا صديقي الطبيب، فقلت له: - أهذا أنت؟ - نعم فالى أين تريد؟ - لست أريد مكاناً معيناً، إنما أنا في نزهة أداوي بها نفسي ولا أدري متى يكون الشفاه؟ ثم ذكرت الطفل المريض، فقلت له: - ما شأن مريضك اليوم؟ فأخذ الطبيب بيدي وسار أمامي حتى وقف على باب المقبرة وأشار بيده قائلاًك - ها هو ذا. . . نظرت بحيرة، فاذا الطبيب يريني قبراً جديداً ث أضاف قائلا: - ما كنت مخطئاً في ظني. إن الفتى قد قضى بحبه منذ يومين، وقد دعت الآن لمعالجة الفتاة، وها أنا ذاهب اليها ابتعد الطبيب عني، ووقفت في مكاني كالصم لا أتحركن إن هذا القبر الجديد تحت سماء الربيع الصافية المملوءة بالحياة والنشاط يدل على معنى مؤلم، فنظرت طويلاً واستعبرت كثيراً، فكأن صوتاً من داخل القبر يقول: - انظروا متأملين إلى هذه الأنوار التي تفيض من السماء فيضاً! والى الحياة تسح من أجواف الربيع المزدهر سحاً، ولكني محروم من هذا وذاك. . . آه افتحوا قبري! افتحوه. . . لأشاهد أنوار السماء واضواءها، ولأبصر فوران الحياة وغليانها بحركة لم أتعمدها، ولم أقصد اليها، ألقيت من يدي تلك الباقة من الزهر، على ذلك القبر، الذي كانت تشرق عليه شمس مايو الحارة، وفررت من ذلك المكان لا ألوي على شيء، وبقيت بعد ذلك الموقف سنين عدة مشتت الفكر، مشرد اللب، أنشد نفسي فلا أعثر عليها، ولا يرشدني مرشد اليها حلب فتاة الفرات

стр. 7096

من روائع الشرق والغرب محمد إقبال من كتاب (رموز بيخودي) ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام ختم شاعر الإسلام الأكبر محمد إقبال كتابه (رموز بيخودي) بتفسير سورة الإخلاص، وجعل كل آية من السور عنوان فصل من الشعر، فنظم ثمانية عشر ومائة بيت تبين عما تمكن في نفسه من المعاني الإسلامية الجليلة وفيا يلي ترجمة منثورة للأبيات التي كتبها تحت عنوان: ولم يكن لـ كفواً أحد ما المسلم الذي تحقر الدنيا عيناه؟ ما هذا القلب الذي وضع في الحقُ مناه؟ زهرة من الشقائق، في ذروة جبل شاهق، ضحكت للشمس والقمر، ولم ترجاني الزهر. ونفحت في حمرتها النار، أنفاسُ الأسحار. تظل أشعة الشمس الأولى، ويغسل غبار النوم من عينها الندى اشدد (بلم يكن) عقداً، لتكون بين الأقوام فرداً. إن الواحد الذي تنزه على الشريك، يأبى عبده أن يكون ذا شريك. وإن المؤمن وهو في الذروة العُليا، تأبى غيرتٌه أن يسامى، (لا تحزنوا) وشاح على صدره، (وأنتم الأعلون) تارج على رأسه يحمل عبء العالمين لا يضجر، ويطوي صدرهُ البحر والبر، قد ألقى أذنه إلى قصف الرعود، فان يخر البرق تلقاه بمنكب مشدود، سيف على الباطل، وللحق مجن لا يكسر، وأمره ونهيه معيار الخير والشر، مائةُ شعلة مقمرة في عقدة من شرره، وتنال الحياة كمالها من جوهره. ليس في هذا العالم ذي الضوضاء نغمة إلا تكبيره في الأرجاء. عظيم العدل والعفو والجود والاحسان، كريم السجايا على نوب الزمان، هو في المجامع برد وسلام، وفي الهيجاء نار تذيب الحسام. وهو في البستان نجي العنادل، وفي الصحراء باز صاءل. لم يرض قلبه تحت السماء قراراً، فاتخذ على الأفلاك داراً. طائر ينقر نجوم السماء، ويحلق وراء القبة الزرقاء إنك لم تمد جناحا للطيران، فلبثت دودة في الرغام، قد أذلك هجرك القرآن، فأغرقت في

стр. 7097

شكوى الزمان، أيها الساقط كالندى على التراب، وفي يده من الحياة كتاب، حتام تتخذ في الثرى مجالك، هلم فألق على الثريا رحالك عبد الوهاب عزام

стр. 7098

وداع للورد بيرون ترجمة الأستاذ محمود الخفيف شد ما يبهجني أنك سعيدة، ولذا أحس أنه ينبغي أن أكون سعيداً مثلك، فان قلبي ما يزال يرجو لك الهناءة في حماسة كما تعود من قبل وهذا زوجك! متعه الله بما يحب، وحفظك قرة عين له، لشد ما يعتريني الحزن ويباغتني الهم حينما أفكر فيما وفق اليه من حظ عظيم. . . ولكن لأفرغ من هذا ولأنسه. آه كم كنت أمقته لو لم يكن يهبك مثل هذا الحب! عندما لقيت أخيراً طفلك الحبيب. أحسست كان قلبي وقد ملأته الغيرة يريد أن يتحطم، ولكنني حينما ابتسم هذا الطفل الغرير، طبعت قبلة على جبينه، وفعلت ذلك من أجل أمه قبلت طفلك وأنا أكتم تنهداتي وأحبس زفراتي، إذ رأيت في وجهه وجه أبيه، ولكنني لم ألبث أن لمحت في مقلتيه عيني أمه. . . وكانتا من قبل مأوى للحب وملكاً لي وداعاً يا حبيبتي العزيزة! لابد لي من الرحيل، وما دمت أنت سعيدة فليس هناك ما يكربني، أما أن أبقي إلى جوارك فذلك ما لا أستطيعه، إذ سرعان ما يعود قلبي طوع يديك لقد طالما ظننت أن الزمن في دورانه، وأن ما فطرت عليه نفسي من فخار وكبرياء، كفيل أن يخمد في قلبي تلك الشعلة الثائرة، شعلة الحب أو شعلة الطفولة، ولكنني لم أتبين حتى جلست إلى جانبك. . . أن قلبي لم يزل في كل شيء هو هو. . . إلا من جهة واحدة. . . . . هي الأمل! غير أنني على الرغم من ذلك جليت هادئاً بين يديك، نعم إني لم أنس تلك اللحظات التي كان يثبت فيها قلبي بين ضلوعي عند لمحة من عينك! أما الآن فالرعدة جريمة، ولذلك التقينا فلم ينبض فينا عرق لقد رأيتك تحدقين في وجهي، ولكنك لم تجدي فيه رأي اضطراب، نعم لم تتبيني في ملامحي سوى معنى واحد، هو ذلك السكون العنيد، سكون اليأس. . . إليك عني. . . إليك عني يا أحلام الطفولة. آه! من لي بجرعة من ذلك النهر الذي جاءت به الأساطير، من لي بجرعة من (الليثية)! وأنت أيها القلب الأحمق، إما أن تقر وتهدأ، وإلا فلتتصدع جزاء بما

стр. 7099

جنيت الخفيف

стр. 7100

القمر في الخريف للشاعر كولردج أناجيك في علياء سمائك أيها القمر الوضيء، يا من يشع منك هذا الزهو الوديع فيملأ جوانب الليلة المدثرة بشتيت الرقيع. إيه يا من تلد الأطياف الساحرة التي تملأ القلب، ولا تفتأ توحي اليه في نشاط وقوة إني لأرقب في غبطة سيرك الهادئ، خلال ذلك النور المترقرق كأنه الماء في لونه وأراك حينما تختلج عينك الفاترة وراء ذلك القناع الذي يشبه الفراء العظيم، وحينما يتوارى وجهك الشاب خلف ما تجمع من سواد في هذا الفضاء العلوي، وحينما تطل من السحب مزقتها الرياح، فينبعث ضوؤك الزاهر في السماء الصاحية آه. مثلك أيها القمر يكون الأمل! نعم صنوك في جماله وفي اضطرابه. فتارة يلوح غامضاً مبهماً في تيار الفكر، وطوراً يختفي وراء ذلك الطيف المزعج ذي الأجنحة الشبيهة بأجنحة التنين، طيف اليأس البغيض، ثم لا يلبث أن يظهر في وهجه وقوته، فيبدد بنوره الساطع تلك السحب المركومة التي عقدها الهم، ويسبح كما يسبح الشهاب الثاقب، تزيده السرعة وهجاً واشتعالاً محمود الخفيف

стр. 7101

نزهات بين الصخور لفيكتور هوجو النزهة الأولى فوارةٌ من الزبد وسط الخليج تميد تكونها أقماعٌ خفيةٌ وعمقها بعيد تتأرجحُ بوادعةٍ بين الأمواج الباسمة كمركز ثلجىٍ لذائرةٍ قائمة. . . إلهي ماذا تفعل بقارورة الثلج هذه؟ تدخل فيها الفجر فيخرج الليل بظلامه، وعبثاً يخمدها البحر بموجه المحيط به، والزوابع بزئيرها، والسحابُ بضبابه، يمر الإعصارُ وهزيمة والأمواجُ وأكدارها ولكن هل تُضعف الفوارة ثقة الصياد بها؟ كلا. فما تلبثُ أن تظهر وسط ذاك الجحيم حيث يتغير كل شيءٍ بمكانها وثلجها القديم يقولُ الصيادُ: هنا توجدُ موجةٌ مقدسة، يأتي لها كل طفلٍ يموتُ ليلةً العيد ينظفُ بثلجها جناحهُ من أهواء الحياة المدنسة قبلَ الذهاب إلى السماء ملاكٌ في مكانه البعيد وأقولُ: أدامَ اللهُ للسيف بياضه الناصع برغم َ ما حوله من بحرٍ وصخرٍ قاتم ليصور بصدر الطبيعة ثبات الحق القائم وسط الدنس والخيانة بنقائه الرائعْ

стр. 7102

محمد وصفي

стр. 7103

البريد الأدبي الأكاديمية الفرنسية لمناسبة عيدها الثلثمائة في شهر يناير الماضي بلغت الأكاديمية الفرنسية ثلثمائة عام من عمرها، وهي تتأهب للاحتفاء بهذه الذكرى؛ وهي ذكرى نادرة في تاريخ الجمعيات العلمية، إذ قلما تبلغ الجمعيات العلمية مثل هذا العمر المديد، قوية مزدهرة، تغالب دائماً أعاصير السياسة والأهواء المختلفة، وقد بدأت الأكاديمية الفرنسية حياتها متواضعة جداً؛ ويمكن أن نرجع فكرة قيامها إلى سنة ١٦٢٩ في عهد لويس الثالث عشر، ففي ذلك العام اتفق السيد فالنتان كونراد سكرتير الملك مع بضعة من أصدقائه الشعراء والأدباء على الاجتماع معاً في جلسات دورية منتظمة يتجاذبون فيها الأحاديث الأدبية، ويتحدثون عن الشئون والأخبار والكتب، وكانت هذه الاجتماعات سرية خاصة في المبدأ، واستمرت كذلك زهاء خمسة أعوام؛ وفي أوائل سنة ١٦٣٤ وقف الكردينال ريشيليو وزير لويس الثالث عشر على خبر هذه الجماعة الأدبية من أحد أعضائها فجالت في الحال في ذهنه فكرة (الأكاديمية) الرسمية. ولم يكن أحد من الجماعة المتواضعة يفكر يومئذ في مثل هذا المشروع؛ وكانت فكرة ريشيليو أن ينظم الجماعة وأن يخضعها لأشراف السلطات الرسمية؛ فدعاها إلى أن تؤلف هيئة منظمة وأن تجتمع بانتظام تحت رعاية سلطة رسمية، وذلك مقابل تعهدها بالحماية وإعطائها سلطة محترمة. فترددت الجماعة في القبول باديء بدء خشية على استقلالها، واستمر هذا التردد طوال سنة ١٦٣٤، ثم انتهت بالقبول؛ وفي ٢٩ يناير سنة ١٦٣٥ صدرت الأوامر الرسمية بتشكيل الأكاديمية الفرنسية، وبذلك تكون في ٢٩ يناير الماضي قد قطعت ثلاثة قرون كالمة من حياتها الرسمية وعلى أثر ذلك وضعت الأكاديمية لنفسها لائحة خاصة تتألف من خمسين مادة؛ وقبل الكردينال أن بعضها تحت رعايته، وصادق على هذه اللائحة في ٢٢ فبراير؛ من نفس العام؛ ثم اتخذت بعد ذلك الاجراءات لمصادقة البرلمان على وجودها، وصدرت هذه المصادقة في يوليه سنة ١٦٣٧، وتمت بذلك جميع الاجراءات الرسمية والدستورية التي تجعلها هيئة رسمية عامة؛ وعني البرلمان عناية خاصة بأن يحدد مهمة هذه الهيئة الوليدة خشية أن تنافسه في شيء من مهامه أو سلطانه في المستقبل، فعرف مهمتها بأنها تعمل

стр. 7104

على: (تنميق اللغة وتحسينها وتوسيعها)، وأنها لا تشغل بأمور أخرى. ومنذ ثلاثة قرون تضطلع الأكاديمية بأعظم دور في الحياة الأدبية الفرنسية، وينمو نفوذها وأهميتها، حتى غدا الظفر بعضويتها أسمى ما يتشرف به كاتب أو شاعر؛ وقد استمرت الأكاديمية تقاوم ل ما يضطرم حولها من أعاصير الثورات السياسية والاجتماعية؛ ولم تنلها الثورة الفرنسية الكبرى التي اجتاحت كل النظم والهيئات القديمة بأذى؛ وأعضاء الأكاديمية الفرنسية أربعون لا يزيدون، ويطلق عليهم اسم (الخالدين)؛ وإذا توفي أحدهم، رشح لكرسيه من أعلام الكتاب والمفكرين من يجدر ترشيحه؛ ويقع اختيار العضوية بالانتخاب. ونستطيع أن نذكر من بين أعضاء الأكاديمية الحاليين بول بورجيه، وهو أقدمهم جميعاً إذ دخل الأكاديمية منذ سنة ١٨٩٦، والشاعر بول فاليري، ولوي مادلان، وإبيل ديرمان، وهنري رنييه، ومارسل بريفو، وجورج جوايو، ولوي برتران، وبيير بنوا وهو أصغر الأعضاء سناً، وموريس دوناي، والمؤرخ دي نولهاك، والمؤرخ لي نوتر، والدوق دي بروجلي وهو أحدث الأعضاء إذ دخل الأكاديمية في الشهر الماضي فقط وتشتغل الأكاديمية منذ أعوام بوضع قاموس رسمي للغة الفرنسية، وذلك تحقيقاً لمهمتها التاريخية وهي العمل على تحسين اللغة الفرنسية وتجميلها، وسيكون هذا القاموس متى تم وضعه مرجعاً رسمياً لألفاظ اللغة ومعانيها؛ وسيكون له في تطور اللغة الفرنسية أعظم الآثار حول رواية نهر الجنون صديقي العزيز الأستاذ الزيات: قرأت في العدد الأخير من جلة (الرسالة) الغراء كلمة لأديب فاضل عن فكرة (نهر الجنون) وتماثلها مع فكرة قطعة نثرية لجبران خليل جبران. وقد حار الأديب في علة هذا التشابه، وافترض بعض الفروض، وعقبت (الرسالة) كذلك بفرض قريب من الحقيقة. ورداً على كل ذلك أقول إني سمعت هذه القصة لأول مرة منذ نيف وعشرين سنة، وقد وجدتها شائعة على الألسنة كغيرها من الأساطير. ولا ريب عندي أن جبران خليل جبران لم يخترع هذه القصة اختراعاً، وإنما دونها كما سمعها من الناس. ومثل هذه الأساطير ما ابتدعها كاتب، وإنما نبتت من قديم الزمان بين الشعوب والأجناس كأكثر النوادر والحكم والأمثال. وإني لم

стр. 7105

أكن أعلم قط قبل اطلاعي على عدد الرسالة الأخير أن أحداً من الكتاب أو الشعراء قد تناول من قبل هذه الأسطورة، ولم يصل إلى خبرها عن طريق شيء مكتوب، وإنما عن طريق أفواه الناس وتقبل أطيب تحيات المخلص توفيق الحكيم الترشيح لجائزة نوبل للسلام تحدثت بعض الصحف الألمانية أخيراً عن الترشيح لجائزة نوبل عن السلام، ومعروف أن هذه الجائزة يمنحها معهد نويل في كل عام للرجل الذي قام بأعظم الخدمات في سبيل السلام العالمي سواء كان من رجال السياسة أو القلم؛ وقد أعطيت هذه الجائزة في العام الماضي لاثنين من الانكليز هما السير نورمان أنجل الكاتب والصحفي الذي اشتهر بكتبه ومقالاته ضد الحرب وفي سبيل السلام، ومستر ارثر هندرسون رئيس مؤتمر نزع السلاح. والآن تتساءل بعض الصحف الألمانية لماذا لا يرشح معهد نوبل الهير هتلر رئيس الدولة الألمانية لنيل جائزة السلام؟ وتقول إن أحداً من رجال الحرب أو السياسة أو القلم لم يخدم قضية السلام في العامين الأخيرين قدر ما خدمها هتلر، فهو يتجه بجميع جهوده الداخلية والخارجية إلى توطيد دعائم السلم، وحديث الصحف الألمانية في ذلك طريف في غرابته وتناقضه؛ فلم ينس إنسان بعد كيف قام النظام الهتلري في ألمانيا، ولا كيف يستند في بقائه إلى أشنع وسائل الضغط والنعنف، ولم ينس إنسان بعد تلك الدماء التي سالت في ألمانيا غزيرة في ٣٠ يونية الماضي دون أي وازع أو محاكمة بحجة التآمر على هتلر، ولا يستطيع أخذ أن ينسى أن النظام الهتلري يقوم من أساسه على صيحة الحرب وعلى المبادئ العسكرية والأحفاد الجنسية المغرقة، ولكن الصحافة الألمانية التي أصبحت أداة مستعبدة في يد وزارة الدعوة لا تتحرج عن اتحدث عن السلام ودعائه على هذا النحو الغريب كتاب طريف عن نابليون

стр. 7106

صدر بالفرنسية كتاب جديد عن نابليون بورنابارت، ولكنه كتاب من نوع خاص وعنوانه: (بؤس نابليون) ومؤلفه لورنزي دي برادي؛ وهو كاتب ورسيكي الأصل، يهدي كتابه إلى جميع الكورسيكيين حتى لا ينسوا أن نابليون يمت اليهم بصلة الجنس، وطرافة هذا المؤلف ترجع إلى أنه يصور لنا أي بؤس كان يعانيه ذلك الإمبراطور العظيم منذ نشأته حتى وفاته؛ فهو قد بدأ الحياة ضابطاً بائساً يعاني أمر ضورب الفقر بعد أن طرد من وطنه الأصلي، ولما وصل إلى قمة المجد وبسط سيادته على أوربا، كان يبدو في ثوب من السعادة والهناء، ولكنه كان أبعد الناس عن التمتع بوفاة أصاحبه، وكان صحبه أشد الناس خيانة له وتوثباً إلى الغدر به. ويقول لنا دي برادي إنه أراد أن يصور كل ضروب الشقاء التي عاناه نابليون، وأن يوضحها بأقوال ذلك الذي عاناها؛ وأنه متى شرحت هذه الآلام استطاع القارئ أن يفهم الروح النابوليونية حق الفهم، وأن يتتبعها خلال تلك الحياة الشقية التي ارتضاها الإمبراطور في فلسفة واستكانة وتسليم وفاة علامة نمسوي من أنباء فينا أن العلامة الرياضي الشهير الأستاذ الدكتور جوستاف ايشريخ قد توفي في السادسة والثمانين من عمره، وقد بدأ الأستاذ ايشريخ حياته العامة مدرساً للرياضة في جامعة جراتز منذ سنة ١٨٧٤؛ ولم يلبث أن ظهر ببراعته ومباحثه المبتكرة؛ وفي سنة ١٨٨٤ عين أستاذاً للرياضيات بجامعة فينا، وهو الكرسي الذي شغله مدى خمسين عاماً حتى وفاته، وقد نشر عدة مؤلفات رياضية هامة أشهرها مباحثه عن (التبلور) وتوجت مباحثه غير مرة من أكاديمية العلوم؛ وبوفاته يخسر العلم النمسوي أحد أقطابه وأركانه من العهد القديم

стр. 7107

العدد ٨٦ - بتاريخ: ٢٥ - ٠٢ - ١٩٣٥

стр. 7108

الأزهر بين الماضي والحاضر ويل للأزهر من أهله! كان منيعاً بالدين فابتذلوه بالدنيا، وعزيزاً بالعلم فأذلوه بالمال، ومستقلاً في حمى الله فأخضعوه لهوى الحكم! وكان سُنة واضحة لِهَدْى الشريعة استقام الناس بها منذ ألف عام على عمود واحد، فشبهوا وجوهها بالأنظمة الفجة، ولبسوا صورها بالأعلام المستعارة، ثم وقفوا لدى المفترق المبهم الذي أحدثوه يديرون أعينهم في الفضاء، ويردونها من الأمام إلى الوراء، فلا يرون أقدامهم على أثر، ولا يجدون وجوههم على سبيل! كان للأزهر، على عهدنا القريب، جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، لأنه المعقل الوحيد الذي ثبت لحملات الغيرَ فانتهت إليه أمانة الرسول، واستقرت به وديعة السلف، واستعصمت في لغة القرآن، واستأمنت إليه آداب العرب، فأرضه حَرم لا يُنتهك، وأهله حمى لا يستباح، وأمره قَدرٌ لا يُرد؛ وكان لعلمائه مكانة في القلوب، ومهابة في النفوس، لأنهم دعاة الله، ووراث النبي، وهداة المحجة؛ ينطق على ألسنتهم، وتتمثل في أفعالهم السنة؛ فمحبتهم السنة؛ فمحبتهم عقيدة، وطاعتهم فريضة، وإشارتهم نافذة وكان لطلابه كلف به لا يُهتم، وثقة برجاله لا تحد، وانقطاع إلى جواره لا يبغون من ورائه غير فقه الدين وتحصيل المعرفة وتجديد حبل الدعة، فهم عاكفون على معاناة الدرس، قانعون بميسور العيش، لا ينصرفون عن حلقات التعلم بالقاهرة، إلا إلى حلقات التعليم في الريف كانت صلة العلماء بالحكومة صلة دينية، تقوم على حسم المشاكل بالقضاء، وحل المسائل بالفتوى؛ وكانت صلتهم بالأمة صلة روحية، يجلون صدأ القلوب بالذر، ويكفكفون سفه الجوارح بالموعظة، ويشفون على الجوانح بالمؤاخاة، فكانوا لذلك موضع الاجلال أني حلوا. كنا نرى العالم اذا نزل مدينة أو قرية كان يوم نزوله تاريخاً لا يُنسى: يأخذ الناس فيها حال من الشعور الصوفي يدفعهم إلى رؤيته، فيهرعون إليه كما يهرعون اليوم إلى زعيم الأمة أو إلى رئيس الحكومة، فيتوسمون في أساريره نور الرسالة، ويتنسمون من أعطافه ريح النبوة، ويتخففون على يديه من أوزار العيش وتبعات الجهالة. وطلاب الأزهر القديم لا يزالون يذكرون ما كان في نفوسهم لشيوخهم من الحب والتجلة. كانوا يتحلقون حول كرسي الشيخ من غير نظام ولا ضابط، فيكون لهم على السبق إلى الأمام عراك دامٍ

стр. 7109

وصخب مُضم، حتى اذا ما أقبل خشعت الأصوات وسكنت الحركات كأن شيئاً علق الأنفاس فلا تنسم، وعقد الشفاه فلا تنبس! وربما نزا اللجاج على لسان أحدهم أثناء المناقشة فيغضب الشيخ فلا يكون أنكى في عقابه من الاشارة إليه بالخروج من الدرس، أو الدعاء عليه بالقطيعة من الأزهر! والقطيعة عن الأزهر كانت أقصى ما يتصوره الأزهري من شقاء الحياة! فإذا انقضى الدرس وقال الشيخ: (والله أعلم) تضامت أطراف الحلقة عليه، وأنحى الطلاب بالقبل على يديه وردنيه، فما يشق بينهم إلا بعد لأي تدبر ذلك في نفسك على إجماله وعمومه، ثم اقرنه إلى ما تسمع اليوم أو تقرأ من خير الأزهر وحال علمائه وأبنائه، فهل تجد المعهد هو المعهد والناس هم الناس؟ إن الأزهر البائد على فوضاه المنظمة كل أجدى على الدين وأعْوَد على الثقافة من هذا الخَلْق المسيخ الذي وقف بين الماضي والحاضر، وبين الدين والسياسة، موقفاً يُندى الجبين الصُّلب، ويوجع الفؤاد المُصْمت! تقلب بعض زعمائه على فرش الديباج، وخبوا في أفواف الشاهي، وتأنقوا في ألوان الطعام، وتنبلوا بالمظاهر الفخمة، وسردوا أعداد الدنانير على المسابح العِطرة. وكان أسلافهم طيب الله ثراهم كما طيب ذِكراهم يتسترون بمرقعات القطن، ويتبلغون بقشور البطيخ، ويستروحون النسيم على شرفات المآذن ثم شايعوا أهواء الناس، وصانعوا أهل النفوذ، وجَرَوا في تمكين أمورهم وترفيه نفوسهم على الضراعة والملق؛ من أجل ذلك فقدوا خطرهم في الخاصة، وأثرهم في العامة، وجروا معهم كرامة الدين إلى هذا المنحدر ان في بقية السلف من أعلام الأزهر مَفْزعاً من هذه الحال الأليمة. فليعملوا لرد هذا المعهد الكريم إلى نظامه، فان شديداً على النفس أن يضطرب فيه الأمر ويشرى به الفساد حتى تطرد طلابه، وتغلق أبوابه لقد قرأت بالأمس فصلا عن الإسلام في مجلة شهرية فرنسية يقول كاتبه فيه: (لقد انحسر الإسلام عن بلاده أو كاد، فلم يبق داوياً متوثباً إلا في الزهر) فماذا عسى أن يقول هذا المأفون إذا قيل له غداً إن هذا الدوي قد سكن، وهذا التوثب قد قر؟ لا جرم أن المخلصين من علماء الأزهر وأبنائه أقدر على درء هذه الكارثة متى أنضجوا

стр. 7110

الرأي وأجمعا الكلمة؛ والحكومة القائمة أربأ بعهدها عن هذا الحدث، وأضنُّ بتاريخها على هذه الصفحة؛ وليس في مصر ولا في غير مصر ضمير نزه يرضيه أن تعبث الشهوات الرعن بهذا المعقل الديني الذي عصم القرآن ولغته وعلومه من طغيان الأحداث والفتن عشرة قرون أحمد حسن الزيات
следующие страницы →