← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الخارجي زمان ولا مكان، إنما خلقهما العقل ليتخذهما وسائل للادراك، وسبيلا لصب المعاني في المحسات. شرحنا فيما سبق كيف تنتقل الاحساسات المنبعثة من الأشياء الخارجية إلى إدراك، ونريد الآن أن نوضح الخطوة الثانية التي يجتازها العقل في أداء وظيفته، عند الانتقال من هذه المدركات إلى مرتبة المعقولات أي تصور العلاقات الكائنة بين أجزاء الوجود بعضها ببعض، وبعبارة أخرى تلك الخطوة التي يخطوها العقل من مرحلة التجارب الجزئية إلى العلوم الكلية. فكما أن للعقل قوة يتمكن بها من تنظيم البواعث المختلفة في قالب المكان والزمان، فيدرك بذلك معنى الأشياء، كذلك له قوة أخرى، تجيء بعد هذه، وهي التي تنظم تلك المدركات في قوانين عامة، كقانون السببية، وقانون الجاذبية، وما إلى ذلك من النواميس التي تبوب على أساسها معلومات الإنسان، وهذه العملية هي كنه العقل وطبيعته. فالعقل عبارة عن عملية تنظيم التجارب وتبويبها، وهو في هذا التبويب والترتيب إيجابي فعال، وليس كما توهم لوك وهيوم قطعة من الشمع اللين التي تشكلها التجارب المختلفة وإلا فهل تستطيع أو تتصور الوحدة الفكرية التي تشتمل على فلسفة (أرسطو)، والتي تكونت ولا ريب من جزئيات أتته عن طريق التجربة والحواس، هل تستطيع أن تتصور أن تلك الجزئيات قد نظمت نفسها بطريقة آلية حتى بدت متماسكة في فلسفة متحدة، دون أن يتدخل العقل في ذلك التنظيم؟ تخيل أن بطاقات دار الكتب قد انتثرت في غرفها واختلطت ألفها بيائها، فهل تصدق أن هذه البطاقات تستطيع أن تجمع نفسها وترتب صفوفها؛ وتسلك طريقها إلى قمطراتها في نظامها الأبجدي؟! هل يمكن أن يتم ذلك دون أن يتدخل الإنسان ويتناولها بالترتيب؟ كذلك حال العقل مع المدركات، فهي في الكون شتيت متضارب، وهي تصل إلى الذهن في هذه الفوضى: ألوان متباينة، وأصوات مختلفة، وأذواق عدة، وأشكال متنوعة، فيأخذ العقل في ترتيبها وتبويبها حتى ينتهي بها الأمر إلى هذه العلوم المنظمة المنسقة، وبديهي أن هذا التنسيق لم ينبعث إلينا من الأشياء الخارجية نفسها، وإذن فقد أخطأ لوك كل الخطأ حين زعم أن العقل سلبي، تنقش فيه التجارب بطريقة آلية، فإذا لم يكن الأمر كذلك فهل يستطيع

стр. 737

لوك أن يبين لنا كيف ان التجارب الواحدة تؤثر في مجموعة من الرجال، فتخرج منهم هذا الغبي وذاك الفيلسوف؟ كلا! لا ندحة عن التسليم بإيجابية العقل وقوته في تكوين المدركات من الاحساسات أولا، ثم في تكوين المعقولات من المدركات ثانيا. وإن صح هذا التحليل، فيكون العالم كما نعرفه من تكوين عقولنا وصنعها، فنحن لا نعلم عن الأشياء الخارجية إلا مظاهرها التي تنتقل الينا، وليس في مقدورنا أن نتغلغل في بواطنها، وقد تكون هذه الصورة الذهنية التي كونتها عقولنا عن العالم الخارجي بعيدة جدا عن الحقيقة في ذاتها، فنحن لا نعلم عن القمر مثلا إلا ما انبعث إلينا منه من احساسات زائداً ما عملته عقولنا في تلك الاحساسات، فتكونت لدينا من هذا المزيج صورة عقلية عن القمر، أما أن هذه الصورة العقلية تطابق الواقع أو لا تطابقه، فلا يستطيع البشر أن يجيب! وهكذا أثبت (كانت) وجود المادة، إلا أنه أنكر أن تكون فكرتنا عنها على مثال الحقيقة الواقعة. ثم يعود (كانت) بعد ذلك فيرفض ما زعمه لوك من أن العقل يولد كالصفحة البيضاء، ويؤكد في يقين انه إنما يرث شعوراً لا يأتيه عن طريق التجربة والحواس ولا بد لكل إنسان أن يسلم بوجوده، هو ذلك الشعور الذي يدلنا على أن هذا خير وذاك شر، هو ذلك الشعور الذي لا يفتأ يؤنبك إذا نبوت عن جادة الخير ويطمئن ما دمت سالكها، هو ذلك الشعور الذي تحس من أعماقك انك لو اتبعت ما يمليه عليك، وحذا حذوك البشر أجمعون، لكان الخير كل الخير. ذلك الشعور الذي يقف لك بالمرصاد والذي يولد معك. هو الضمير. ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر هذا الصوت الواضح الجلي الذي يضيق للشر ويطمئن للخير. فأنت قد تكذب. وقد تنهب حقوق غيرك. ولكن لا يسعك إلا الاعتراف ولو أمام نفسك إن هذا خطأ ولو خيرت لما رضيت أن يسود الكذب والسلب بين الناس. وكل إنسان على الإطلاق يحمل بين جنبيه هذا الوازع الذي لا تأخذه عن أعمالك سنة ولا نوم، والذي يملي على صاحبه في غير لبس ولا غموض ما يجوز عمله وما لا يجوز. وهذا الخير الذي يمليه الضمير إنما يقصده لذاته على الرغم من انه قد يتضارب مع صالح الفرد تضاربا صريحا. فالمثل الأعلى الذي يصبو إليه هو أداء الواجب دون النظر إلى

стр. 738

السعادة الشخصية. ووجود الضمير دليل قاطع على ما للإنسان من حرية الإرادة لأن معنى رقابته أن الإنسان يستطيع أن يسلك هذا السلوك أو ذاك. ولو كان الإنسان مرغماً على أن يسير في طريق مرسومة لما كان لهذا الضمير فائدة. وكذلك يدل وجود الضمير على خلود الروح. ذلك لأن الحياة الدنيوية لا تأخذ المجرم بالقصاص في كل الأحيان، لا بل تضرب لنا الحياة آلاف الأمثلة بأن الشر هو السبيل إلى السعادة الشخصية، تعلمنا الحياة أن نمكر بالآخرين وأن من لا يظلم الناس يظلم، ولكنا على الرغم من ذلك ننشد الخير وننبذ الشر، فهذا الشعور لم يستمد من الحياة طبعا، فمن أين جاءتنا تلك النزعة للخير إذا لم نكن نعلم في أعماقنا أن هذه الحياة الدنيا ليست كل شيء، بل هي جزء من حياة ثانية خير وأبقى من الأولى، وأن هذا الطيف الزائل ليس الا مقدمة لبعث جديد؟ ثم يستطرد (كانت) في هذا المنطق، حتى يصل إلى إثبات وجود الله ، لأنه إذا كان الشعور بالواجب الذي يمليه الضمير بتضمن الدليل على حياة أخرى خالدة تجزي كل امرئ بما قدمت يداه، فهذا الخلود ناشئ بالضرورة عن سبب يلائمه، كي تتكافأ العلة والمعلول، أو بعبارة أخرى لا يمكن أن تتفرع الحياة الخالدة الا عن إله خالد. هذا هو البناء الشامخ الذي شيده كانت، ولا يزال قائما في عالم الفلسفة تعمل فيه معاول الهدم فلا تنال منه الا كما تنال الريح الهينة من الجبال الشم الرواسخ، وعلى الرغم من أن كتاب القرن التاسع عشر حاولوا أن ينقضوا رأيه في الأخلاق والدين فقال قائل أن ليس ثمة ضمير يملي الخير، لأن الخير ليس مطلقاً فما هو خير اليوم قد يكون شرا غدا؟ وسخر ناقد من منطق (كانت) في إثبات وجود الله، فقال انه (كالحاوي) الذي يخرج من قبعته الفارغة ما يشاء، يريد بذلك انه انتزع نتيجة من مقدمات لا تؤدي إلى ذلك. أقول على الرغم من ذلك جميعا فلا يسعنا إلا أن نطأطئ الهامات إجلالا له وإكبارا.

стр. 739

المغنية الضريرة من رسالة إلى صديق أنت تأخذ على تبرمي بالحياة وانقباضي عما تزخر به القاهرة من شهوات السمع والبصر. ولكن أنسيت أن العين التي بيضها الحزن لا تستطيع أن تجتلي جمالا يرف في روضة، ولا حسنا يشرق في طلعة. وأن الفم المريض أزهد ما يكون في طعام وشراب. أنسيت أن صديقك كان يقطع أيام الشباب في مثل طلعة الصبح إشراقا وبهجة. ثم أمسى وقد استحال كل أولئك إلى ذكريات أليمة تعاوده في غرفة معزولة تدور به في مثل حلقة الواو كربا وضيقاً، فهو أبدا موصول الحنين متتابع الزفرات. أنسيت آمالي وأحلامي؟ (أما الآمال فقد عصفت بها النكبات حتى أحالتها إلى هشيم تذروه الرياح) وأما الأحلام فأنت تعرف أنها تكشفت عن رجاء ضائع وشباب هالك وحسرة لذاعة من شماتة الأعداء. ولكن مالي وللحديث في هذا ولست بسبيل من أن أتحدث إليك فيه اليوم؟ وإذن فدعني أحدثك حديث المغنية الضريرة التي سمعتها ليلة الأمس في حفل سعيت إليه في رفقة من الأصدقاء على الرغم مني. . . هي حلوة القسمات بديعة التكوين جميلة كالزهرة تسند في حدود الخامسة عشرة من عمرها. . . أخذت مجلسها على استحياء فيما يشبه أن يكون ذلة وانكساراً وشيئاً من الخجل غير قليل. وصدقني أن مرد ذلك فيما أعتقد أنها فقدت بصرها وهي طفلة لم تدرج بعد من لفائف مهدها. . وما أحسبك تعتقد أن سلاح المرأة في هذه الدنيا شيئا غير سهام العين. وفتنة اللحاظ ترسلها ذابلة مريضة، فإذا بها السيف حدة ومضاء، والشرك المنصوب لا يخطئ الفريسة ولا يعد والغرض. ولكن الأقدار التي قست عليها فجردتها من سلاحها الوحيد كامرأة لم تشأ أن تقسو عليها القسوة كلها فمنحتها صوتا عذبا حنونا يفيض بالأسى وتقطر من جوانبه اللوعة. . . وارتفع صوتها بالغناء حزينا شاكيا يهيج ودائع القلب. ويستدر روافد الدموع. أتعرف ذلك البلبل الذي هاجمته جيوش الظلام. قصياً عن العش الذي عرف، والدوح الذي ألف، والنبع الذي منه رشف، والجو الذي في أنحائه غنى وهتف، أسمعته وهو بين لهفة إلى مهوى الفؤاد تقيمه، ووحشة من رهبة الليل تقعده، يصب ألحانه في إذن الوجود باكية حزينة تهز أوتار القلب. وتنتزع منه العطف والإشفاق والرثاء؟ أسمعته يشكو بغير لسان،

стр. 740

ويبكي بغير دموع فيبعث لك من الماضي البعيد كل دفين ومستور؟ إن كنت سمعته على هذه الصورة التي أسلفت لك. وكنت مثلي تحيا على أمل عزيز لديك ففقدته، وكنت مثلي تذيب حبة قلبك وجداً على حبيب يجزيك على عبادته كفرانا وجحوداً وعلى دمعك المسفوك ووجدك المبرح هوانا ونسيانا. إن كنت كذلك فأنت وحدك الذي يستطيع أن يدرك ذلك الأثر العميق الذي خلفته في نفسي تلك الفتاة الناشئة بصوتها الساحر الجميل. غناء كأنفاس الفجر ندية لينة، وشدو يصافح الأسماع في رفق ولين كنجوى العاشقين في هدأة السحر وقد بسمت لهما الدنيا وهاودتهما الأقدار والسلام!!. عبد الوهاب حسن. قلم نشر مطبوعات الحكومة بوزارة المالية

стр. 741

في الأدَب العَرَبي ابن خلدون والتفكير المصري للأستاذ محمد عبد الله عنان - ٤ - قضى ابن خلدون في مصر ثلاثة وعشرين عاما (٧٨٤ - ٨٠٨ هـ) ولكنها كانت بين مراحل حياته أقلها حوادث وأقلها إنتاجا. فأما عن الحوادث فان الحياة السياسية العاصفة التي عاشها ابن خلدون بالمغرب، والتي جاز خلالها معتركا شاسعا من المغامرات والدسائس الخطرة، وعانى كثيراً من الخطوب والمحن، كما نعم مراراً بمراتب النفوذ والسلطان، والتي هي في الواقع صفحة قوية شائقة في تاريخ المغرب في أواسط القرن الثامن: هذه الحياة المضطرمة العاصفة، استبدلها المؤرخ في مصر بحياة أكثر هدوءا ودعة. وفي مصر يعيش ابن خلدون شخصية عادية لا علاقة لها بشئون الدولة العليا، بعد أن لبثت بالمغرب ربع قرن روح هذه الشئون، يتجرد من ثوب السياسي المغامر ليتشح بثوب العالم المقتدر، وليستوحي نفوذه المحدود من هذه الناحية. على أن المؤرخ لقى في هذه الفترة حادثين من أهم حوادث حياته، هما فقد أسرته. ولقاؤه للفاتح التتري تيمورلنك. وأما عن الإنتاج، فقد رأينا أن المؤرخ حقق أعظم أعمال حياته، أعني كتابة تاريخه الضخم ومقدمته الرائعة قبل مقدمه إلى مصر. ولا نعرف أن ابن خلدون وضع أثناء مقامه بمصر مؤلفاً جديداً. غير أن الذي لا ريب فيه هو أن وجوده بمصر على مقربة من المكاتيب والمراجع الشاسعة قد أتاح له فرصة التنقيح والتهذيب في التاريخ والمقدمة، خصوصا فيما تعلق فيهما بمصر والشرق، كذا استمر المؤرخ في كتابة ترجمة حياته أثناء إقامته بمصر، واستمر فيها إلى قبيل وفاته، وضمنها فصولا جديدة عن خواص دول المماليك المصرية، ونشأة التتار مما أشرنا إليه في موضعه. وكتب أثناء مقامه بالشام وصفاً لبلاد المغرب ورفعه إلى تيمورلنك كما قدمنا. كذلك لا ريب في أن ابن خلدون كان يعنى في دروسه ومجالسه ببث مذاهبه وآرائه الاجتماعية وشرحها. غير أن ابن خلدون لم يستطع على ما يظهر أن ينشئ له بمصر مدرسة حقيقية، يطبعها

стр. 742

بآرائه ومناهجه، وقد كان حريا أن ينشئ مثل هذه المدرسة في بلد انقطع فيه للبحث والدرس أعواما طويلة. نعم ان التفكير المصري المعاصر ليس خلواً من تأثير ابن خلدون كما سنرى، ولكن هذا التأثير الذي كان حريا أن يزدهر بمصر وأن ينبث في مدرستها التاريخية التي كانت يومئذ في أوج قوتها، كلن ضئيلا محدود المدى. ونستطيع أن نرجع ذلك إلى الروح الذي استقبل به المؤرخ من المجتمع المصري المفكر، وهو روح نفور وخصومة، فقد جاء ابن خلدون إلى مصر يسبقه حكمه على المصريين في مقدمته بأنهم قوم (يغلب الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب) ويورد ابن خلدون هذه الملاحظة في معرض كلامه عن أثر الهواء في أخلاق البشر ويعتبرها نتيجة لوقوع مصر في المنطقة الحارة. على أنه مهما اتخذت هذه الملاحظة سمة البحث العلمي فإنها لا يمكن أن تقابل ممن قيلت في حقهم بغير الاستياء والحفيظة. واكن طبيعيا أن يحدث هذا الغرض السيء أثره في شعور المجتمع المصري المفكر نحو المؤرخ. وكان هذا المجتمع نفسه يجيش عندئذ بكثير من عوامل الخصومة والمنافسة، وزعامته يطبعها لون من الجفاء والقطيعة. وكان اضطرام المنافسة بين أعلام التفكير والأدب يومئذ سواء في ميدان التفوق والنبوغ أو في تحصيل ما تسيغه الزعامة الأدبية من الجاه والرزق ظاهرة هذه الخصومة. وكان المجتمع القاهري الأدبي ينقسم عندئذ إلى شيع وطوائف تنحاز كل شيعة أو طائفة إلى زعيم أو جناح معين من الزعماء فتؤيد جهوده الأدبية وتناجز خصومه في ميدان الجدل. فلم يكن من السهل على أجنبي مثل ابن خلدون جاء ينتظم في سلك هذا المجتمع منافساً في طلب الجاه والرزق أن ينعم بصفاء الأفق، أو يلقى خالص المودة والصداقة، هذا إلى ما كان يغلب على خلاله من حدة وصرامة وكبرياء تزيد من حوله الجفاء والقطيعة. كان طبيعياً أن تلقى آراء ابن خلدون ودروسه في هذا الأفق الكدر من الإعراض والانتقاص أكثر ما تلقى من الإقبال والتقدير، وان تكون محدودة الذيوع والأثر. ومع ذلك فقد درس على ابن خلدون جمهرة من أعلام التفكير والأدب المصريين وانتفعوا بعلمه، وظهر أثره جليا في بعض ثمرات التفكير المصري المعاصر. وممن درس عليه وانتفع بعلمه الحافظ ابن حجر العسقلاني المحدث والمؤرخ الكبير فهو يقول لنا في كتابه (رفع الإصر عن قضاة مصر) إنه (اجتمع بابن خلدون مراراً وسمع من فوائده ومن تصانيفه خصوصاً في التاريخ) وإنه

стр. 743

(كان لسنا فصيحاً حسن الترسل وسط النظم مع معرفة تامة بالأمور خصوصا متعلقات المملكة). وإنه كان جيد النقد للشعر وإن لم يكن بارعا فيه. بيد أن ابن حجر يحمل على ابن خلدون بشدة، وينقل في ترجمته كثيراً مما قيل في ذمه وتجريحه. فهو يقول لنا في تاريخه أن ابن خلدون مؤرخ بارع (ولكنه لم يكن مطلعا على الأخبار على جليتها ولا سيما أخبار المشرق) ويعارض المقريزي في مدح المقدمة ويرى أنها لا تمتاز بغير (البلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظية) وان محاسنها قليلة (غير أن البلاغة تزين بزخرفها حتى يرى حسناً ما ليس بحسن) وأما ابن خلدون كقاض فان ابن حجر يقول لنا: (أنه باشر القضاء بعسف وبطريقة لم تألفها مصر. وانه لما ولي المنصب تنكر للناس وفتك في كثير من أعيان الموقعين والشهود، وانه عزل لأول مرة بسبب ارتكابه التدليس في ورقة ثم ينقل في هذا الموطن كثيراً مما قيل في ذم المؤرخ وتجريحه. من ذلك إن أهل المغرب لما بلغهم ولايته للقضاء تعجبوا ونسبوا المصريين إلى قلة المعرفة بحيث قال ابن عرفة: (كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب فلما وليها هذا عددناها بالضد من ذلك) ومن ذلك قول الركراكي أحد الكتاب الذين عملوا مع ابن خلدون (أنه عرى عن العلوم الشرعية) بل ينقل ابن حجر أيضاً بعض المطاعن الشخصية والأخلاقية التي قيلت في حق المؤرخ من ذلك ما نقله عن العينتابي وهو أنه كان يتهم بأمور قبيحة وما نقله عن كتاب القضاة للبشبيشي، وهو (أن ابن خلدون كان في أعوامه الأخيرة يشغف بسماع المطربات ومعاشرة الأحداث وأنه تزوج امرأة لها أخ أمرد ينسب للتخليط) وأنه كان (يكثر من الازدراء بالناس) وأنه (حسن العشرة إذا كان معزولا فقط فإذا ولى المنصب غلب عليهم الجفاء والنزق فلا يعامل بل ينبغي أن لا يرى) وهذه أقوال تنم عن خصومة مضطرمة ومبالغة في الانتقاص تنحدر إلى معترك السباب والقذف. وقد كان البشبيشي بلا ريب من ألد خصوم المؤرخ وأشدهم وطأة عليه. وقد دوَّن حملاته على المؤرخ في كتاب ألفه في تاريخ القضاة ولم يصل الينا، ولكن ابن حجر ينقل إلينا منه تلك الفقرات الشخصية اللاذعة. وأخيراً يقول ابن حجر من ابن خلدون وأثره يدعو إلى التأمل، فهو على رغم اتزانه واعتداله وعفة قلمه ينساق هنا إلى نوع من التجريح والانتقاص ليس مألوفا في كتاباته. ولا ريب أن في لهجته وأقواله مبالغة وتحامل، ولكن لا ريب أيضا أن لها قيمتها في تقدير

стр. 744

الرأي المصري المعاصر لأبن خلدون، بل نستطيع أن نعتبرها ممثلة لرأي الفريق المفكر الذي كان يخاصم المؤرخ ويشتد في تجريحه، والحملة عليه، وقد كان الفريق الأقوى بلا ريب لأنه كان يضم كثيراً من المفكرين والفقهاء البارزين مثل ابن حجر، والجمال البشبيشي، والركراكي، وبدر الدين العيني (العينتابي). وقد امتدت آثار هذه الخصومة الأدبية طوال القرن التاسع الهجري حتى جاء السخاوي في أواخر هذا القرن يردد كل ما ذكره ونقله شيخه ابن حجر في ذم ابن خلدون وتجريحه والانتقاص من أثره، ولكن في لهجة مرة لاذعة تنم عن الخبث، وقصد التشهير والهدم أكثر مما تنم عن قصد النقد الصحيح، وهذه الروح المرة اللاذعة تبدو في معجمه (الضوء اللامع) في معظم تراجم الشخصيات البارزة. بيد انه يعترف في كتاب آخر له (بنفاسة) مقدمة ابن خلدون ويبدو أكثر اعتدالا وتقديرا.

стр. 745

إسماعيل صبري بمناسبة مضي عشر سنوات على وفاته يوم نستقبل الربيع نذكر الخمائل على ضفاف النيل وهي ترسل نسماتها البليلة الندية، والطير جاثمة فوق غصونها تشدو بأغانيها الجميلة الشجية، ومن خلال أشجارها تجري جداول تدفقت فيها المياه العذبة الروية. . اليوم الذي تستجيب فيه العين والأذن للزهر وللطير وللماء، لا ننسى انه اليوم الذي ذوت فيه زهرة أرجة ناضرة، وانقطع صوت لين حنون، وجف في مجراه ماء عذب دفيق: ففي مثل هذا اليوم استوفى إسماعيل صبري ظمأ حياته. فهلا يجمل بنا اليوم، يوم تمضي على وفاته عشر سنوات أن نذكره ولو بهذه الإجمالة الموجزة؟ لا نريد أن نترجم حياة صبري وإن كانت خطيرة، فقد تدرج في وظائف الحكومة حتى شارف ذروتها، ذلك لأن هذه المناصب الرفيعة، وإن أحلت صاحبها في حياته مقاماً محموداً، أهون على الناس من أن تبعثهم على أن يحفلوا بأمره بعد أن بت ما كان يصلهم به من أسباب الحياة، هذا إلى أن مراد القول أضيق من أن يستفيض لترجمة شاملة وافية نتبين منها ما تركته أطوار حياته من آثار وندوب في هذا الجانب الروحي الذي يمس النفس الإنسانية فيصل بين أجزائها وإن اختلف ما يحفها من عهود وبيئات. أستقبل صبري حياته، في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي. وقد تجمعت عدة جهود أدبية وقامت فيما يشبه الثورة: فبعثت طائفة من معاجم اللغة وأسفار الأدب ودواوين الشعر من خزائنها وطبعت، وأخذت الصحف الأدبية تنشأ وتعمل لتقويم اللغة وإحياء الأدب العربي، وأعيدت البعوث إلى أوربا بعد أن وقف إرسالها أيام عباس وسعيد، وأقيمت نظارة المعارف وعهد إليها بأمور التعليم وأنشئت دار الكتب ومدرسة المعلمين، وظهرت مسارح التمثيل والموسيقى والغناء وغير هذا مما لم يكن إلا ناحية من نواحي الثورة الاجتماعية التي أقامها الخديوي إسماعيل يوم رسم لمصر خطة الاتجاه إلى أوربا واقتباس حضارتها الجديدة.

стр. 746

في هذه البيئة التي يدب النشاط في جنباتها فيبتعث الملكات الهامدة، بدأ صبري يقرأ الشعر ويحبه، وأخذ ينعم النظر فيه ويحاول أن يقلده، حتى استقامت له وهو في السادسة عشرة بضعة قصائد في مدح الخديوي وتهنئته نشرتها له مجلة (روضة المدارس المصرية) التي أنشأها جماعة من صفوة الكتاب البارزين إذ ذاك. وكانت هذه الأشعار مجرد تقليد واضح في أغراضها ومعانيها وأساليبها لمن سبقه من شعراء عصره كالبارودي وعبد الله فكري، وإن ظهرت علينا حيناً مسحة رقيقة من روحه وشخصيته. ولكن هذه البيئة الأدبية النشيطة لم يقتصر أثرها على توجيه صبري إلى الأدب وإذكاء ميله إلى الشعر، بل حببت إليه قراءة الشعر العربي القديم من ناحية، وحثته على قراءة الأدب الفرنسي منذ أرسل إلى فرنسا ليدرس الحقوق في جامعة إكس من ناحية أخرى. فقرأ الشعر العربي وتذوقه وأحب منه بوجه خاص شعر البحتري، ذلك أن صبري، كما وصفه الدكتور هيكل (ابن بلد) والبحتري كما قال حافظ إبراهيم (يأخذ قارئ شعره بالحضن) وقرأ الأدب الفرنسي وصادف فيه جمالاً يرضي عاطفته؛ وسيولة تروي شعوره. وبهذا تأثر صبري ببعض مميزات الشعر الفرنسي حيناً، وببعض مميزاتهما معاً حيناً. ولكن ما مدى هذا التأثير في أطواره الادبية، وما هي مظاهره في نتاجه الشعري؟ هذا سؤال يتناول ناحية خطيرة في دراسة الشاعر، وأنا لا أملك الآن ما يؤهلني لبحثها في دقة وتحقيق. ولكني أراني ملزماً بأن أعرض لها ولو في هذه الصورة التي أعرف أنها ليست دقيقة كل الدقة، وليست شاملة كل الشمول. حين نقرأ هذه الأشعار القليلة التي خلفها صبري نرى أنفسنا أمام طائفتين متمايزتين من الشعر، تشتركان في صفاء الديباجة ورواء الأسلوب بوجه عام، وتختلفان في الشعور الذي صدرتا عنه، وفي العاطفة التي أوحت بهما، وفي المعاني التي تدوران عليها. وقد يضعف هذا الاختلاف حيناً وقد يشتد حينا آخر اشتداداَ يحملنا على أن نزعم أننا لا نقرأ شاعراً واحداً وإنما نقرأ شاعرين مختلفين. وليس في هذا ما يدهشنا، فصبري قد عاش ما يقارب سبعين عاماً، مرت عليه أثنائها عهود الشباب والرجولة والكهولة، حاملة أراءها وأفكارها، وخواطرها وخلجاتها، وآلامها ولذاتها، وتنقلت حياته أثناءها بين هذه الآراء المتضاربة التي يمتلئ بها العقل تبعاً لما يتغذى به من ألوان الثقافة المختلفة، وبين هذه الاحساسات

стр. 747

المتباينة التي يجيش بها القلب تبعاً لما يعرض له من مناسبات وملابسات. فأما الطائفة الأولى من شعره فهي التي أنشأها بين العشرين والأربعين وأكثرها قصائد في مدح أو تهنئة إسماعيل وتوفيق وعباس، وفي هذه الأشعار نرى أثر الشعر العربي ظاهراً واضحاً، ونرى أثر البحتري وحده، على وجه الدقة، عميقاً بارزا، إلى حد يبيح لك أن تشرك شعريهما في مميزات واحدة. خذ مثلا قصيدته في تهنئة الخديوي بحلول شهر رمضان ومطلعها: بعلاك يختال الزمان تبختراً … وبقدرك الأسمى يتيه تكبراً وقارنها بكثير من مدائح البحتري تجد أن صبري قد تأثر فيها بالبحتري تأثراً هو أشد من تقليد شاعر لشاعر، وهو أقرب إلى حلول روح شاعر في جسم شاعر آخر. ولكن، وعلى رغم هذا كله، فان هذا الأثر تناول الديباجة وحدها فأكسبها جزالة وسهولة في مفرداتها وتراكيبها، من غير أن يمتد إلى المعاني فينتج منها شيئا جديداً قيما، وذلك لأن البحتري، وهو الوشيجة التي تصل صبري بالأدب العربي، قل أن نظفر في شعره بكثير من المعاني المبتكرة، وقل أن نحب فيه غير متانة الأسلوب وسلاسته. تأثر في هذا الطور الأدبي، بين العشرين والأربعين بالشعر العربي وحده، فأين كان الشعر الفرنسي؟ أليس من الشذوذ أن نرى صبري قد ذهب إلى فرنسا قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وبدأ إذ ذاك يقرأ الآداب الفرنسية ويتذوقها ويشدوها ثم لا نكاد نظفر في شعره أثناء هذا العهد بأثر قوي لهذا الشعر الفرنسي بل ولا لأي مظهر من مظاهر الحياة الأوربية؟ ولكن يظهر أن صبري قد أوتي، إلى جانب حواسه المرهفة، ذاكرة قوية مكنته من أن يختزن فيها ما يعرض له حتى يتمثله في تؤدة وأناة وحتى ينتجه مكتمل النمو مستوفي النضوج. ونحن لا نفترض هذه الموهبة ولا نتكلف التماسها، وإنما يحملنا على الاطمئنان إليها أننا نجد فيها تعليلا لهذا الاضطراب الذي يغشي أطوار حياته الأدبية. فقد قضى صبري شبابه وشعره يكاد يقتصر على المدح وما إلى المدح مما تنفر منه نفس الشباب، ولا تكاد تبين فيه إثارة من هذه العواطف التي يحفل بها الصدر في ربيع الحياة، بينما تفتحت شاعريته الجائشة وأخذ يتغنى بأناشيد الحب والهوى أثناء الكهولة التي تنطفئ فيها عواطف الشباب الفياضة. ذلك لأن ذاكرته القوية قد استطاعت أن تحتفظ بهذه الاحساسات الفتية التي

стр. 748

اختلفت عليها أثناء شبيبته، حتى تفجرت بعد ذلك شعراً ثميراً لا تشوبه فجاجة الحس ولا غضاضة العاطفة. ولهذا ظهر أثر الشعر الفرنسي في هذه الأشعار التي تغنى فيها بالعاطفة الإنسانية التي يسمونها الحب أو العطف أو الوداد وناجى فيها الله وتخوف وتشوف إلى الممات، وشاد بمجد وطنه واستنهض أبناءه إلى استعادة الماضي المجيد. في هذه القصائد والمقطوعات، التي كتبت أسمه في ثبت الخالدين، ظهر أثر الشعر الفرنسي بارزاً شاملا: بارزاً حتى يكاد يخفي وراءه كل أثر للشعر العربي، شاملا فلا يقتصر على الديباجة وحدها، ولا على المعاني وحدها، وإنما ينال الأسلوب فيضفي عليه جمالا ورواء، ويتعداه إلى الفكرة فيمزجها بروح غريبة لم يألفها الشعر العربي من قبل. وهل ترى في الشعر العربي مثالا لهذه القطع التي أنشدها في الحب؟ كلا! فالشاعر العربي الغزل لا يرى في المرأة الا (أنثى) جميلة الوجه دقيقة القسمات، مهفهفة القوام رشيقة الأعطاف، رخيمة الصوت شيقة الحديث، يهصر صدرها ضما ويشبع ثغرها تقبيلا، وهي تتهافت وجداً وتتهالك هياما! والغزل في الشعر العربي يضيق عن أن يستفيض لجميع وجوه الجمال الإنساني، وينصب على ناحية الجمال الجسمي وحده، فيصفه جملة أو تفصيلا، سواء كان الغزل عذريا أو إباحياً أو متكلفاً. أما شعر صبري في الحب فيختلف عن هذا الغزل العربي في صلته بالمرأة، إذ يتسامى عن الجمال المادي إلى الجمال المعنوي في أرحب آفاقه وأشمل معانيه. فلا تستخفنا فيه هذه العيون والحدود، والصدور والنهود، والملاسة والرشاقة، والتقبيل والضم، والتأود والتثني، والتأوه والأنين وإنما نهتف فيه بالمثل الأعلى للمرأة في أفتن جمالها، وأذكى فؤادها، وأنبل روحها. وأني لأشعر حين أقرأ قصيدته (تمثال جمال) أني أنظر إلى صورة فنية رائعة، فلا أميز بين هذه المرأة التي يهتف بها الشاعر، وبين هذه المرأة التي يتخذها المصور رمزاً لمعنى من المعاني الإنسانية كالألم أو الأمل أو الحنان! بل أني لأحس حين أرتلها أن قلبي قد صفا مما به من شره وأنانية وغرور وكبرياء، وأن صدري قد انطفأت فيه جذوات الحقد والحسد والغيرة والطماح، وأن فؤادي قد غمر الخشوع والإيمان ما يغشاه من شك وضلال: أشعر أني قد سموت من الأرض إلى السماء!

стр. 749

ولم لا وصبري قد امتزجت فيه الروحية بالجمال؟ ألم ينشأ على ضفاف هذا النيل الذي أوحى إلى الإنسانية أن تبتكر ديناً وإيمانا، ألم يلابس الحياة الأوربية وما تضفيه من فتنة وجمال؟ وبهذا استجاب للروحية المصرية وتمثل الجمال الأوربي، وبهذا اجتمعت فيه مصر بروحيتها وأوربا بجمالها، وبهذا كان نتاجه الشعري مزاجاً من الروحية في معانيه ومن الجمال في أساليبه. وشعره في الحب، بعد هذا، سمح وديع رضي: لا يفطر القلب أسى، ولا يرسل من العين دمعاً، ولا يبعث من الصدر أنيناً، ولكنه لا يشيع في المرء غبطة في الحياة ورغبة في متاعها ولا يغري بالإسراف والتوفر على لذاتها، وإنما يجمع في شعره لوعة غير مسرفة، ومتعة غير غالية، ذلك لأن صبري لم يكن لاهياً ولا عابثاً ولم يكن كئيباً ولا محزوناً، وإنما كان سمح الذوق، وديع الخلق، رضي النفس، فما كان يذعن قلبه لامرأة واحدة تأسره وتطغي عليه، وما كان ماجناً في حبه سادراً، ولا متهتكا في لهوه مستهتراً، وإنما كان ينشد المرأة التي تشبع القلب ولا تتخمه، وتروي الفؤاد ولا تغرقه، وترضي الشعور ولا تقسو عليه. وهذه الدعة التي تميز بها في حبه، تشيع كذلك في شعره في مناجاة الله، وازدراء الدنيا، واستشفاف ما في الحياة الأخرى. فهو لم يكن ناسكا في الدنيا زاهداً في لذاتها، ولم يكن مفتوناً بالحياة متوفرا على متاعها، وإنما كان ينال من هذا في قصد ويأخذ من ذلك في اعتدال، فإذا أسرف في حبه للحياة واستمتاعه بلذاتها الرخيصة، ذكر الدنيا وما فيها من نكر وخداع وضلال، وذكر ما بعدها من حساب وعقاب وثواب، فاستعجل الموت وراحة القبرحيناً، وناجى الله وأمل فيه حينا. ولكن صبري الوادع الهادئ كان إذا تحدث عن وطنه جاشت الحماسة في أنحاء صدره، وفاضت الحرارة في سياق شعره، فمثلت الوطن بجلاله وروعته، وأشعرت المصري بمجده وكرامته، وأذكت نار الوطنية في فؤاده، وألهبت فيه عاطفة التضحية في سبيل بلاده. وهو في شعره يستلهم العاطفة ويستوحيها. كانت تختلف عليه غير السياسة وأحداثها فلا يحفل بها، وتتوالى أمامه الكوارث والخطوب فلا يأبه بها، وتتراكب في عينيه شؤون الحياة وأمورها، وتزدحم بخيراتها وشرورها، وتغص بلذاتها ومنغصاتها، فلا تسترعي منه حاسة

стр. 750

ولا تستثير في نفسه عاطفة، بينما يجيش وجدانه وتهتز عواطفه عند موت طفل، أوفراق صديق، أو قراءة كتاب، أو وقفة عند سفح الأهرام. هذه الحوادث التي تمر بنا فلا نلتفت إليها كانت تثير شاعرية صبري بهذه المقطوعات التي تمس النفس الإنسانية في أعمق حواسها وأدق مشاعرها. وهذه هي مهمة الفن: يفتح العين المغمضة، ويذكي الحاسة المطفأة، ويبعث العاطفة الهامدة، ويحيي موات القلوب، حتى يشركنا لحظ مما فاتنا من اللذات السامية التي قصرت على النفوس الموهوبة. وهل نرى بهجة الحياة إلا بعين المصور، وهل نستمع إلى أنغامها إلا بإذن الموسيقي، وهل نحس الحق والجمال إلا بقلب الشاعر؟ وأي شعر أرفع من شعر صبري الذي (فاضت به) العاطفة من غير أن تتكلفه أو تكره عليه؟ وأي شعر أنضج من شعر صبري الذي كان يؤمن بشيطانه ولا يعصي له أمراً، فيستوحيه الشعر ولا يستجديه؟ وأي شعر أسمى من شعر صبري الذي تشيع فيه هذه المرارة وهذا الحنين، فيذيب في الصدر أطماع الحياة وآثامها، ويسمو بالنفس عن متعها الخسيسة الهينة، إلى المستوى الإنساني حيث يستحيل البغض حباً، والقسوة حناناً، والأثرة إيثارا، والتناحر وداداً، والصراع عناقا. . . إلى جانب هذا النضوج في روح صبري، نذوق جمالا في أسلوبه يملك على المرء نفسه حين يتلوه، ويحمله على أن يرتله مرة بعد مرة وعلى أن يذكره آونة بعد آونة، فلا يزداد الشعر إلا عذوبة وصفاء تزيد المرء لذة ومتاعاً، ويخيل إلى المرء أنه أمام وجه جميل، كلما أطال النظر إليه، ازداد رغبة فيه وحباً له. وهكذا يقاس نضوج الفن: يزداد المرء بالصورة إعجابا كلما انعم النظر فيها، ويزداد حنيناً إلى الموسيقى كلما أطال الاستماع إليها، ويزداد فتنة بالشعر كلما أكثر ترديده وترتيله. وكيف لا يكون شعر صبري جميلا وقد استقاه من ينابيع فياضة بالجمال: تأثر بشعر البحتري الذي امتزجت فيه الجزالة بالسهولة، وتأثر بالشعر الفرنسي الذي يفيض سيولة ورواء. ويتجاوب ألحاناً وأنغاماً، وهو قبل هذا قد أوتي أذناً دقيقة تجيد انتقاء المفردات، وتحسن الاستماع إلى اتساق العبارات (وتحس نبو الوتر). وصبري كان مولعاً بالموسيقى، مفتوناً بالغناء، وكان متصلا بمن عاصروه من الموسيقيين والمغنيين، وأمدهم بكثير من المقطوعات الغنائية الشعبية، ومن أجملها (قدك يا أمير الأغصان) (الفجر لاح يا تجار النوم). وكانت تستخفه عذوبة الحديث وبلاغة الإلقاء

стр. 751

ولهذا كان كثير التبديل والنقد لشعره، وكان يبذل في صياغته جهداً ناصباً، حتى إذا استقام له البيت أو البيتان أو الأربعة أهملها ثم نسيها، فلم يبق لنا من شعره إلا القليل. هذه سوانح تخطر لي عندما أتلو شعر صبري الذي لم تتطرق إليه البداوة العربية التي تغشى غيره من شعرائنا، أكتبها لنذكر صبري (أستاذ الشعراء) الذي صبغ الشعر العربي الحديث بطابع نلمس آثاره في شوقي وحافظ. عبد الحميد عبد الغني

стр. 752

من طرائف الشعر شوقية لم تنشر نظمها شاعر الخلود شوقي بك فغنت بها إحدى القيان ولم تنشر بي مثل ما بك يا قمرية الوادي … ناديت ليلى، فقومي في الدجى نادي وأرسلي الشجو أسجاعاً مفصلة … أو رددي من وراء الأيك إنشادي لا تكتمي الوجد، فالجرحان من شجن … ولا الصبابة، فالدمعان من واد تذكري! هل تلاقينا على ظمأ؟ … وكيف بل الصدى ذو الغلة الصادي وأنت في مجلس الريحان لاهية … ما سرت من سامر إلا إلى نادي تذكري قبلة في الشعر حائرة … أضلها فمشت في فرقك الهادي وقبلة فوق خد ناعم عطر … أبهى من الورد في ظل الندى الغادي تذكري منظر الوادي ومجلسنا … على الغدير كعصفورين في الوادي والغصن يحنو علينا رقة وجوى … والماء في قدمينا رائح غاد تذكري نغمات ههنا وهنا … من لحن شادية في الدوح أو شادي تذكري موعداً جاد الزمان به … هل طرت شوقا؟ وهل سابقت ميعادي؟ فنلت ما نلت من سؤل ومن أمل … ورحت لم أحص أفراحي وأعيادي

стр. 753

طائري المهاجر في قفار الفلاة كان مسيري … والشمس ترسل نارا // لفحات كأنها من سعير … زادت أواري أوارا // ليس فيها سوى رمال كثيب … من فوقهن رمال لا غدير ولا جناب رطيب … تحنو عليه الظلال متعباً يائساً آويت لكهف … مالت عليه الصخور وتراميت بين جهد وخوف … تضيق منه الصدور غير أني أبصرت طيرا جميلا … ما راعه أن رآني لونه كالسماء، أحلى هديلا … من مطربات الأغاني قلت يا طير: إن قلبي وجيع … فغنني واشف قلبي أنا في هذا القفار مضيع … فكن عزائي وطبي فدنا عند ذاك مني وغنى … والسحر في نغماته وأتى فوق راحتي مطمئنا=يفتر عن بسماته وغدا طائري أنيس حياتي … في وحشة الصحراء وألفت البقاء وسط فلاتي … حتى نسيت شقائي فكأن الرمال أضحت غياضا … تجري بها الأنهار وكأن الصخور صارت رياضا … تزينها الأزهار غير أني. أواه! أبصرت يوما … طيري على غير عهدي فتوددت في خشوع فأومأ … عليّ عبوس وصد وتوسلت ضارعا بودادي … وما تضمن قلبي وجرى الدمع من دماء فؤادي … ولست اعرف ذنبي بم ناديت حسب نفسي شقائي … وما ترى من بكائي إنني لا أعيش إلا رجاء … فلا تضيع رجائي فلوى رأسه الجميل مجيبا … في قسوة وجفاء قال: ما تبتغي؟ كفانا نحيبا … أف لهذا البكاء! أنا طير ولي جناحا فدعني … أطير نحو السماء

стр. 754

والتمس صاحبا شبيهك، أني … سئمت طول البقاء قال هذا وطار عني يغني … بين ثنايا السحاب تاركا مهجتي لنيران حزني … تلقى صنوف العذاب م. ف

стр. 755

علالة المجنون (قطعة تمثل مجنون ليلى في إحدى خلواته، وهو يرفع إلى عشيقته عفوه عن الحب ويشرح ماله من يد وفضل على المحبين، وهو الذي ذهب بعقله وأورده موارد التلف، ويسر في أذن الليل صبابته وإخلاصه لفاتنة قلبه ومالكة لبه) (الناظم) عفا الله يا ليلاي عن ذلك الحب … وجدد ما قاسيت في البعد والقرب ولا زادني إلا عذابا ومحنة … أفانيهما حتى أغيب في الترب صبرت على عيشي زمانا وللهوى … جراح لم يجرؤ لساني على العتب وغالب غيري حبه متبرما … وغالبته نشوان مختبل اللب ولولا الهوى لم يعمر البيد خاطري … ولا طار في أجواء مأنوسة قلبي ولولا لم يحل من وجنة جنى … ولا شرع الهيمان في السلسل العذب ولولا الهوى لم يسفح البين أدمعاً … تسيل على الخدين كاللؤلؤ الرطب ولم تسلك الألحاظ في النفس مسلكا … كما خامر الرعديد طيف من الرعب ولولاه أصبحت الشقى بوحدتي … وإن ضافني قومي وعللني صحبي به أبصرت عيني ولم أك مبصراً … وهبت رياحي وأنجلت غمرة الكرب وزفت لي الدنيا كفردوس آدم … وطالعني الريحان في المهمة الصعب إليك أبث الحب يا ليل فاستمع … لأنت إذا نامت عيون الورى حسبي عشقت ومالت بالفؤاد صبابة … ومن حسنات الكون يا ليل ما يصبي يقولون ما أغناك عمن تحبه! … إذا هو أصلاني الغرام فما ذنبي؟ ولولا شعاع بين عينيه راعني … وشرد عقلي ما اهتديت إلى الحب كذبت هوى ليلاي إن لم أمت به … وأقضي على تذكار قاتلتي نحبي أأجزيه من دمعي؟ لقد نفد البكى … فهات لأجفاني دموعا من السحب أأكتمه والسقم واش، وحيرتي … وليلى، وأنفاسي تحدث عن صب؟ حنانك يا ليلى ألم تحملي الهوى؟ … ألم تعلمي يا منية النفس ما خطبي؟ رفيق فاخوري (سورية حمص)

стр. 756

ليلة! // ليلة الأنس تقضت … في شراب ومجون // لم يشاهدها الندامى … في مقاصير الأمين طلع الفجر وكنا … من هوانا ثملين ضمني صدر وفي … كله عطف ولين وفم يعبق طيباً … كعبيق المورلين لذة العمر لديها … كل شيء قد يهون لا ترم مني شرحا … أنا للسر أمين حسين شوقي - كرمة ابن هانئ

стр. 757

في الأدَبِ الشرقي من الأدب التركي الزامر الأعمى للدكتور عبد الوهاب عزام جلست إلى دواوين الشعر التركي أقلب الأجيال بين يدي: أطالع مرة وجه (نجاتي) و (ذاتي) وأنظر أخرى إلى (باقي) و (نفعي) وثالثة أرى (نديما) (وراغب باشا) و (الشيخ غالب) ثم أعمد إلى العصور الأخيرة فإذا اسناسي و (نامق كمال) و (ضيا باشا) و (توفيق فكرت) و (عبد الحق حامد) وغير هؤلاء. وبينا أطوي العصور باللمحات، وأقلب الأجيال تقليب الصفحات، بصرت (بالصفحات) ديوان الشاعر الكبير صديقي الكريم محمد بك عاكف. فسارعت إلى الجزء الأول فانفتح عن قطعة عنوانها (الزامر الأعمى) فقرأتها ثم عمدت إلى القلم فترجمتها نثراً إذ ضاق الوقت دون نظمها وأنا أقدمها للقراء كما جاءت عفو البديهة في الاختيار والترجمة: الزامر الأعمى كنت أرى هذا السائل الضرير، يتأبط ذراع قائده، وفي يده قصبة عتيقة، ينبعث منها صوت قوي، كأنه النواح في المأتم. ويمر به الناس فيقفون ويستمعون رحمة به ورثاء له. ثم يلقي كل منهم إلى كشكوله البائس الذليل خمس بارات أو عشراً. كان يبعث أناته في قصبته المرضوضة فينبعث إلى أذنه في رنين العشرات والخمسات صدى البشرى، ورسالة المودة، رنات لا تفنى في أنين الناي الحزين، ولكنها تؤلف نغمة أخرى تسايره. كم أحزنني هذا الصوت! وكم أمضني ذلك المرأى الأليم! إنه من دهره في ليال متتابعة مديدة، لا يتنفس في آفاقها المظلمة صبح، ولا يلوح في وجهه لمحة من النور، تحدث عن بسمات الرجاء والأمل. كلا. إن هذا لوجه الأغبر، هذا الوجه التعس قد أقتمت فوقه سحب متراكمة من الشقاء: ماضيه ظلام، وظلام مستقبله. سله عن الحياة فهي حقيقة مظلمة مديدة. تراها نظراته حجابا من الظلمات دون حجاب. انه لا يبصر المصائب، ولكن كل شيء حوله مصيبة، يمتد به العمر الشقي في هذا العالم البائس،

стр. 758

ويتحسس ظلامه الذي ما ينتهي فلا يظفر بطريق تخرجه إلى صبح الأمل المسفر. وعلى كتفيه مزق من عباءة بالية قد اتخذها مجنا في عراك الأيام، ولكن يد الريح العابثة تنازعه هذا الستر كلما هبت، فتكشف عن كتفيه، وتلقي بصدره أمواج المطر والبرد. بينما أخرج السوق بصرت بسائل يبعث أنينا حزينا، وهو متكئ على أحجار تغشاها أوحال. وتحته حصير أبلاه مر الأيام ولا يظله إلا طنف (سبيل) هناك. ولكن صوت الناس لا ينطلق الآن بعيداً، وإنما سمعت عن كثب صدى كنسيس المحتضر. ليت شعري أكان يزمر لنفسه أم كان يئن؟ لا أحد يسمع له! ولا أحد يقف عنده! ولكن المارة يلقون إليه بنظراتهم ثم تمضي بهم السبل. ومن ذا الذي يصيخ إلى صدى تلفظه المقابر؟ أيها المسكين! وطّن على الموت نفسك! واقطع أنات الشكوى. لا لا. أصخ! قد سمع في الكشكول رنينا مديدا! يا لها نغمة من الرجاء مطربة! يا لها بشرى أستمع لها القلب والأذن معاً. الماء يخترق الطنف، فينسكب المطر من ثقوبه فيضرب الكشكول البائس! سمع الأعمى الصوت فحسبه نبض الرحمة قد جاشت به قلوب المارة. فمد يده، مدها إلى الكشكول، ولكن هيهات! قد خاب رجاؤه، وكذب ظنه، ارتدت يده المتجمدة من البرد! ارتدت إليه فارغة مبتلة!

стр. 759

في الأدَب الغربيّ عنزة المسيو سيغان لألفونس دوديه إلى الشاعر الملهم بيبر غرينفوار - بباريس ستظل طول حياتك على حالك التي عهدتها يا صديقي البائس! كيف تعرض عليك وظيفة مخبر لإحدى كبريات الجرائد في باريس ثم ترفض! تأمل في حالك أيها المسكين! أنظر إلى ثوبك الممزق وإلى حذائك البالي، والى وجهك الضعيف الشاحب، أذلك ما أجداه عليك غرامك بالشعر. وهذا جزاء خدماتك الجلى (لأبولو) مدة عشر سنوات. . . ألا تخجل من نفسك بعد هذه النتيجة؟ إقبل هذه الوظيفة أيها الغبي! إعمل مخبراً! ستكسب الدنانير الجميلة فتستطيع بها أن تأكل في المطعم أكلا شهياً وأن تلبس في أول الشهر معطفاً جديداً. . . ألا تريد أن تقبل؟ أترفضها إذن؟ تريد أن تبقى حراً إلى الأبد. . . أصغ إذاً إلى قصة عنزة المسيو سيغان لتعلم ما يجنيه المرء من الإخلاد إلى حياة الحرية! لم يلاق المسيو سيغان حظاً في اقتنائه المعز. فقد خسر أعنزه كلها بطريقة واحدة: كانت تقطع حبلها في الصباح لتهرب إلى الجبل حيث يفترسها الذئب. فلا وداعة سيغان ورفقه، ولا اسم الذئب وبطشه، كانت تثنيها عن خطتها. فكانت، على ما يظهر، معزى مستقلة بنفسها، لا ترضى بغير الهواء الطلق مربطا ولا بغير الحرية مرتعاً. ولكن سيغان لم يكن يفهم طبعها ولا يعرف شيئاً من خلقها ليخفف قليلا من حدته وذعره. فكان يقول: - انتهى الأمر! إنني لن أقتني بعد اليوم عنزة واحدة لأنها تمل عشرتي. ولكنه على رغم ذلك لم ييأس اليأس كله. فبعد أن خسر ست عنزات بالطريقة المعلومة اشترى السابعة. ولكنه في هذه المرة عنى باختيارها صغيرة ليأمن بقاءها عنده. آه! يا صديقي غرينفوار ما كان أجمل عنزة سيغان هذه المرة! عينان ناعستان ولحية صغيرة كلحية الضابط، وحافر أسود لماع، وقرنان معقوفان، وصوف طويل أبيض يتدلى

стр. 760

على جسمها! إنها أحلى وألطف من جدي اسميرالد الذي رأيناه يطوف به الشوارع بالأمس، أتذكره يا صديقي؟ إنها كانت هادئة، وديعة، سهلة الانقياد. . . وكان سيغان يربط ما عزه في حضيرة محاطة بالعليق خلف منزله. فربط فيها العنزة الجديدة، وأطال لها الحبل لترعى ما جاورها من الأعشاب النضرة، واخذ يطل عليها من وقت إلى آخر ليتعرف حالها. ولشد ما كان سروره عظيما عندما رآها سعيدة، منكبة على مرعاها الخصيب. تأكل منه ما لذ لها وطاب. فقال سيغان في نفسه: - الحمد لله! لقد وفقت أخيرا إلى عنزة لا تمل عشرتي. ولكن السيد سيغان كان مخطئأً، فإن العنزة أدركها السأم والملل! نظرت عنزة صاحبنا إلى الجبل ذات يوم، فقالت في نفسها: - لا شك إن الحياة هنيئة حلوة في هذا الجبل ما أسعدني عندما أمرح بين أعشابه من غير هذا الحبل اللعين الذي يحز رقبتي!. . . لا بأس إذا رعى الحمير أو البقر في مثل هذا المكان الضيق!. . . أما نحن معشر المعزى فلنا الخلاء الفسيح. ومنذ ذلك الحين أصبحت لا ترى لعشب الحضيرة طعماً. وأخذ الملل يستولي عليها. فهزلت، وشح حليبها، وأصبحت لا ترى طيلة النهار إلا ممددة على الأرض، شاخصة إلى الجبل وهي تثغى بصوتها المحزن. ولاحظ المسيو سيغان أن العنزة أصابها شيء، ولكنه لم يعلم ما هو. . . . ففي ذات الصباح بينما كان يحلبها التفتت إليه وخاطبته بلهجتها القومية: - أصغ إلي يا مسيو سيغان، أني أكاد أموت هنا، فدعني أذهب إلى الجبل. فصاح مسيو سيغان فزعاً: - آه! ربي!. . وترك الوعاء من يده، ثم جلس إلى جنبها على العشب وقال: - عجباً! وأنت أيضاً تريدين مفارقتي يا بلانكيت؟ فأجابته: - نعم يا مسيو سيغان. - أتنقصك الأعشاب هنا؟ - لا يا مسيو سيغان.

стр. 761

- ربما كان رباطك قصيراً، أتريدين أن أطيله لك؟ - لا، أرح نفسك من هذا العناء يا مسيو سيغان. - إذاً ما بك، ماذا تريدين؟ - أريد أن أذهب إلى الجبل يا مسيو سيغان. - ولكن، ألا تعلمين أيتها المسكينة أن الذئب هناك. . . وماذا تصنعين عندما يهاجمك؟. . - أضربه بقرني يا مسيو سيغان. - ولكن الذئب لا يبالي بهما. فقد أكل لي معزى كان قرناها أطول من قرنيك. إنك تعرفين رينود التي كانت عندي في العام الماضي؟ فقد كانت قوية نشيطة ظلت الليل على طوله في عراك مستمر مع الذئب. . . وفي الصباح تغلب عليها وأكلها. - مسكينة! مسكينة!. . . . ولكن لا بأس، دعني أذهب إلى الجبل يا مسيو سيغان. - سبحانك ربي!. . . هذه أيضاً واحدة ستكون للذئب طعاماً. . . لا، لا. . . سأمنعك رغما عنك! وسأقفل عليك باب الحضيرة حتى إذا قطعت الحبل لا تجدين لك مهربا. حينئذ قاد المسيو سيغان عنزته إلى حجرة مظلمة في الحظيرة وأغلق دونها الباب. ولكنه نسى أن يغلق النافذة، فما كاد يخرج حتى وثبت العنزة إليها وفرت منها هاربة. . . أظنك تقهقه يا صديقي غرينفوار وترى رأي الماعز. . . ولكن ستعلم بعد حين إذا كان ضحكك يدوم طويلا. ولما وصلت العنزة البيضاء إلى الجبل، أغتبط بها وأكبر حسن طلعتها، ذلك لأن أشجاره القديمة لم تر فيما مضى عنزة جميلة كهذه العنزة، وانحنت الأغصان المورقة نحوها لتحظى بلمس ثوبها الفتان، وتفتحت الأزهار وأرسلت في الهواء كل ما تحمل من عبير وعطر احتفالا بملكة الجبل الجديدة. تأمل يا صديقي غرينفوار ما كان أشد سرور بلانكيت! لا حبل، ولا وتد. . . ولا شيء يعوقها عن القفز والجري، والرعي كما تشتهي. . . هنا وجدت العشب كثيراً ناميا! وفي هذا المكان أحست بطعمه!. أي عشب لذيذ، طري، مطرز الأطراف، كثير الأنواع. أنها لم تجد مثيلا له في الحظيرة الضيقة. والأزهار الجميلة على اختلاف أنواعها! أنها أخاذة ساحرة.

стр. 762

هنا أحست بالشبع، فأخذت تلهو وتمرح، تروح وتغدو، تثب في الهواء وتجري على الارض، تقفز من فوق السيول فتبلل صوفها بالماء، ثم تتمدد على صخرة في الشمس لتجففه، حتى أعادت للجبل سالف حياته، وبعثت فيه نشوة الفرح والحبور! وكان يخيل للناظر أن في الجبل عشر عنزات للمسيو سيغان لا عنزة واحدة. وبينا هي على قمة الجبل ممسكة بين أسنانها زهرة جميلة أبصرت في الوادي منزل المسيو سيغان والحظيرة التي بقربه، فقهقهت ضاحكة وقالت: - ما أصغر هذا المسكن! كيف صبرت على بقائي فيه؟ ورأت نفسها على قمة عالية فحسبت أنها أصبحت تملك الكون بأسره. . . والخلاصة يا صديقي أن يومها كان سعيدا جداً. ومما هو جدير بالذكر أن بلانكيت التقت في طريقها عند الظهر بقطيع من الوعل يقضم بأسنانه أشجار الكرم. فأحبت أن تشاركه في طعامه ففسحوا لها المجال بأدب. ويظهر أن هناك وعلاً وقع من قلب العنزة موقعاً حسنا، فاختفت وإياه في الغاب مدة ساعة أو ساعتين. فإذا أردت أن تقف على حقيقة ما جرى بينهما فاذهب وسل عيون الماء المتفجرة، المنسابة بين الأعشاب المخضوضرة. وفجأة برد الطقس، وأخذ الليل يرخي سدوله على الجبل. فقالت العنزة: - عجباً! كيف يمضي النهار بسرعة؟ وكان السهل قد اختفى عن ناظريها في الظلام، ولم تعد ترى من منزل المسيو سيغان إلا سقفه الأحمر وقليلا من الدخان المتصاعد منه. ولما أخذت تصغي إلى صوت قطيع من الغنم عائد إلى حضيرته أحست في أعماق نفسها بوخز الضمير فتألمت. ومر إذ ذاك طائر ليبيت في وكره فكاد يلمسها بطرف جناحه. في هذه اللحظة سمعت في سفح الجبل صوتا يدعوها إليه (وكان ذلك صوت المسيو سيغان ينبعث من بوقه) فتذكرت الذئب وأخذت تفكر فيه بعد أن أنساها فرح النهار وجوده. ثم سمعت صوت الذئب يتجاوب صداه في الأرجاء. فوطدت العزم على النجاة من مخالبه بإجابة المسيو سيغان. ولكنها تذكرت الحبل والوتد فشق عليها أن تعود إلى سالف حياتها وفضلت البقاء.

стр. 763

وفي هذه الأثناء انقطع صوت البوق. . . وسمعت العنزة خلفها حفيف الأوراق، فالتفتت لتنظر فرأت أذنين صغيرتين ترتفعان وعينين تقذفان بالشرر. . فعرفت أنه الذئب. . . ربض الذئب الكبير ينظر إلى العنزة نظرة نهم، ويتأملها دون أن يعجل إلى افتراسها. ولما همت بالمضي في سبيلها أخذ يضحك ويسخر، ثم مد لسانه الأحمر الغليظ. هنا أحست بلانكيت بخطر الموت. . وتذكرت حكاية العنزة رينود التي قاومت الذئب طيلة الليل عبثاً، فألقت عصا الطاعة وصممت على أن تتلقى الذئب صاغرة ليأكلها سريعا. ولكنها في اللحظة الأخيرة رجعت عن رأيها هذا، ووقفت للدفاع عن نفسها، فأحنت رأسها وأشهرت قرنيها، لا لتقتل الذئب وهي تعرف أن المعزى لا تقدر عليه بل لتجرب إذا كانت أقوى بأسا من صديقتها رينود. . . آه! يا صديقي ما كان أشجع هذه العنزة الصغيرة! أنها اضطرت الذئب أكثر من عشر مرات إلى أن يستريح فترة من الزمن كانت في خلالها تقضم العشب بسرعة لتعود إلى القتال مملوءة الفم. . . وظلت الحال على هذا المنوال، الصراع مستمر يقطعه تقهقر وقتي من الذئب، والعنزة تنظر إلى النجوم الرجراجة وهي تأمل دوام القتال حتى مطلع الفجر، إلى أن أخذت النجوم تهوي واحدة بعد الأخرى. . وامتد في الأفق شعاع باهت. . وأرسل الديك صيحته من إحدى المزارع المجاورة. فقالت العنزة المسكينة التي انتظرت الفجر لتستسلم للذئب: - ها قد وصلت إلى بغيتي أخيرا! ثم تمددت على الأرض وصوفها الأبيض مخضب بدمها. . . عند ذلك هجم الذئب عليها وأكلها. وداعا يا صديقي إن القصة التي رويتها لك واقعية لا أثر فيها للخيال. ويمكنك إذا جئت إلى هذه الضاحية يوما أن تطلب من أحد أهليها أن يقص عليك حكاية عنزة المسيو سيغان التي قضت الليل بطيلته في عراك مستمر مع الذئب. . . وفي الصباح تغلب عليها وافترسها. أسامع أنت يا غرينفوار!. . . وفي الصباح تغلب عليها وافترسها. بيروت. محمد كزما

стр. 764

العُلوم حديث قملة عجوز للدكتور احمد زكي. الأستاذ بكلية العلوم لا يلذ لكم معشر البشر أن نتحدث إليكم نحن معشر القمل، لأننا في أعينكم شارة الأقذار ظل الأوساخ، وتلك قذيفة لا تقوم على حجة ولا يدعمها برهان، فنحن لا نتغذى إلا من دمائكم، ولا نرتوي إلا من ثغور نثقبها في جلودكم، وسواء لدينا الجسم القذر والجسم النظيف، وربما كان الجسم النظيف أحب إلينا، لأن مثاقب القوت تكون عندئذ أقرب إلينا ولكن صاحب الجسم النظيف لا يعطينا المهلة للحياة فهو يغير ملابسه المرة تعقبها المرة، فيحول بذلك بيننا وبين موارد أرزاقنا فنموت جوعا في يومين وقد نحيى إلى سبع، لأننا في طيات هذه الملابس نتخذ منازلنا ولا نخرج عنها إلى الجسم الا طلباً للقوت، فإذا أصبناه عكفنا راجعين إليها. وقلتم أن القمل سبب لأمراض قاتلة كالتيفوس، والحق أننا لا نخلق المرض ولا نبتدع الشر فأصول هذه الأوبئة فيكم وعنكم نأخذها في الدم الذي نستقيه منكم، وبالرغم حبنا لمساقط رؤوسنا وألفتنا للجسم الذي نشأنا عليه وترعرعنا، تضل منا أحياناً أفراد فتنتقل غير واعية من رجل مريض إلى رجل سليم لا سيما في الزحمة حيث تتلاقى المناكب وتتلاصق الثياب، فإذا هي وردت منهله العذب لوثته، بما حملت من المنهل الأكدر، فترون من هذا أنا لا نخلق السوء وإنما نسوي بينكم في الأسواء. وأسميتمونا المتطفلة لأننا لا نستطيع هضم كل طعام كما تستطيعون، وليس لنا جهاز هاضم راق كالذي به تهضمون، فأنتم تهضمون لنا الغذاء، فنمتصه منكم مهضوماً في الدماء، وليت شعري أي سبة في هذا أو عار أفلستم تتطفلون على الشاة والبقر وصنوف الطير

стр. 765

والنبات الحي فتزدردونها كلها ازدراد، أفترون الشعرة في أعين الناس ولا ترون الخشبة في عيونكم، على أنه مقدار حقير ذلك الذي نمتصه في الوجبة الواحدة ولسنا نطعم غير وجبتين في اليوم، لنا في الطعام ذوق الأعزة الكرام، فنحن نعاف دم المريض ونتقزز من أجسام الموتى فنفارقها مع الحياة. واحتقرتمونا لصغر أجسامنا وكبر أجسامكم فإن فاتنا الجرم الكبير فقد أصبنا العدد الكثير، فالأنثى منا لا تبلغ اليوم الثامن بعد أفراخها حتى تلد ثم تلد ثم تلد، وهي لا تلد واحداً أو اثنين في العام كما تلدون وإنما تبيض في المرعى الخصيب عشراً كل يوم، فإن عاشت الأنثى أربعة أسابيع فقد تبيض مائتين من الصئبان، وإن امتد بها العمر إلى أرذله فعاشت ستة أسابيع فقد تبيض ثلاثمائة بيضة، والبيضة من بيضاتها تلبث السبعة الأيام أو الثمانية ثم تفرخ، فانظر إلى العدد الكبير من الخلف الصالح الذي تخلفه الأنثى منا قبل مفارقتها هذه الحياة الفانية. أنا بالطبع أنثى شيخة أكاد أستكمل الثلاثين ربيعا، وما ربائعنا إلا أياما، نسلت من الأبناء والأحفاد ما نسلت، ولكني انسل ولا أتعهد نسلي، وكل ما أفعله أن أتخير لهم الموضع الأمين، فأنا أبيضهم على كل شعار خشن ألقاه، وأبيضهم على فتائل الملابس ولا سيما حيث يخاط اللفاق باللفاق، ليكون لهم معتمد عليها وفي دروءها ستر من عصف الزمان. وأبيضهم على الأشعرة دون الأدثرة حتى إذا أفرخوا كانوا من طعامهم قاب خطوات من خطواتنا، ومن الدفء اللازم لأفراخهم على بعد قامة من قاماتنا، فنحن مثلكم حاجتنا للدفء لا تقل عن حاجتنا للطعام، وأوفق الحرارة التي نبيض فيها هي ما دون حرارتكم بدرجتين، والدرجات التي تعلو على الستين تهلك بيضنا، والدرجات الواطئة تعطل أفراخه، فإذا هبطت إلى ما دون ألـ ٢٢ درجة امتنع أفراخه بتاتا. وسواء ارتفعت الحرارة أو انخفضت فبيضنا لا صبر له على البعد عن أجسامكم طويلا، فإن رمى به الحظ العاثر إلى ملابس خلعتموها يصابر شهراً وبعض شهر رجاء أن تعودوا فتلبسوها ويعود هو إلى أفراخه، فان لم تفعلوا فالويل لذرارينا فانهم يهلكون يا كبدي ولم ينعموا بخطوة واحدة على جلدكم الوطيء ولم يستمتعوا بقطرة من شرابكم المريء. وللفرد منكم معشر البشر عمر طويل موفور، وللفرد منا معشر القمل عمر قصير منقوص، الا أن حظنا من الزمن مجموعين مثل حظكم ونصيبنا من قديمه وحديثه مثل نصيبكم،

стр. 766

نطاولكم في القدم ونكاثركم فيما طويناه جميعا من مراحل الأزل، فإن كانت نطفتكم قديمة فلعل بيضنا أقدم، وسنسايركم إن شاء الله على حذاء في مجاهل الأبد، فما دام فيكم الجهل والفقر بقدر كائنا ما كان فرفقتنا لن تنفصم عراها بإذن الله، فالجهل والفقر لابد دائما فيكم دوام الأنانية والفردية بعون ربنا وربكم تقدست أسماؤه. نعم ربنا وربكم، فإن لنا مكانا في الخليقة مثل مكانكم، فما الخليقة إلا قبائل وبطون وأفخاذ جمعها أصل واحد، وفرقت بينها أجواء مختلفة وبيئات متباينة وحظوظ من العيش متفاوتة، فنحن وكثير من أحياء البحار كالاربيان وأبي جلنبو والجنبري قبيل واحد، ولكنهم اختاروا الماء واخترنا الأرض فكان منا النحل والصرصور والجراد والبق وعدد عديد من الأجناس يبلغ المليونين لم يتعرف علماؤكم منه غير مائتين وخمسين ألف. فقبيلنا نحن أبناء الحشر في قبائل الأحياء أكبر قبيل، وانقسمنا بعد ذلك بطوناً، وانقسمت البطون أفخاذاً حتى بلغ التقسيم إلينا نحن عشائر القمل، ومنا عشائر تعيش على الطير تقرض ريشه، ومنا عشائر تعيش على الحيوان كالكلب والإنسان تمتص دمه. وتستوطن أجسامكم يا سادة الحيوان ثلاثة أجناس منا، جنس يستمرئ جذوعكم وأطرافكم، وهو أكبر الأجناس وأنا المتحدثة إليكم منه، وجنس يحب المسكن الأعلى والمرقب الأسنى فاختار رؤوسكم، وجنس استأثر بمواضع العفة منكم. نحن الثلاثة الأجناس نعيش في كنفكم ووفير كرمكم، نستجدي أجسامكم وهي لا تعرف المنع، ونستحلب دماءكم وعادتها العطاء، فتشكل خلقنا وفقا لهذا العيش اللين والنعمة الميسورة، ففقدنا أجنحتنا لما فقدنا الحاجة إلى التنقل، واشتدت أرجلنا وقصرت لتمسك بشعوركم وتلصق أشد التصاق بجلودكم وبفتائل ثيابكم ومن ذا الذي لا يستمسك بالمرعى الخصيب والرزق القريب، واستحالت أفواهنا فصارت قادرة على الثقب والمص، ولنا قناة هضمية ودورة دموية وجهاز للتنفس وجهاز عصبي، كلها بقدر بساطة حاجاتنا، ولنا عينان كبيرتان في مقدمة رأسنا، والى جانبيهما قرنان نستهدي بهما، ويلي الرأس صدر يحمل من الأرجل ثلاثة أزواج بأطرافها مخالب كالإبر إلا أنها تعرف كيف تترفق في السير عليكم، ويلي الصدر منا بطن كبير هو كل ما بقي منا. وعلى هذا المثال يتقسم الحشر جميعه، وتتراءى بظاهرنا تقاطيع حلقية كأنما ضم خاتم إلى خاتم إلى خاتم، ولا غرابة في هذا فبين قبيلنا وقبيل الديدان وشائج وأرحام.

стр. 767

وتفننتم يا أهل المروءة والحنان في طرق إبادتنا. كنتم تبيدوننا بالماء الساخن والصابون ففطنتم إلى أن كثيرا منا يفلتون بأرواحهم وإلى أنكم إن أعدمتم بذلك البالغين منا فقد فاتكم أن تعدموا الصئبان، فخلطتم الصابون بالجاز وبئس ما فعلتم، فالجاز من أسمّ السموم لنا، نموت نحن وبيضنا إذا غمسنا دقيقة فيها ولا نستطيع مقاومة بخاره غير ثلاثين دقيقة. وهداكم سوء طالعنا إلى مواد أسم وأفعل من الجاز نموت على الفور نحن وبيضنا إن تبللنا بها ونعدم بعد ٥ دقائق في استنشاق أبخرتها، ولكن يعزينا أنها ليست في متناول كل أحد منكم لندرتها، ولغلائها. على أنه لا ملامة عليكم ولا تثريب في ذلك، فكلنا يطلب العيش والحياة، فأنتم تسعون للبقاء ونحن نسعى للبقاء، والحرب بيننا سجال، والحرب بين أجناس الخلائق سجال كذلك، جنس يقاتل جنسا ثانيا فيقتل منه، وجنس ثان يقاتل جنساً ثالثاً فيقتل منه، وجنس ثالث يقاتل الجنس الأول فيقتل منه، فهي حروب في دوائر، وكل ما دار في دائرة فلا انتهاء له ولا انقضاء، وسبحان راسم الدوائر ذي الخلود والبقاء.

стр. 768

الكتب في النقد للدكتور طه حسين سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير) أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم) ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فان الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قوما منا، ويجر وراءه قوما آخرين. وهو منته بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم. . ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم. نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جراً لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق

стр. 769

ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفا طبيعيا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق. كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور. وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، انك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسهكتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبة، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاة، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمراً نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلح في الاستزادة. وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالا عقليا وفنيا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديا تقليديا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعة قيمة مغنية حقا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا. وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال

стр. 770

المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، لأول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم. أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومنينا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا اطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضى عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضى براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت إن الخير أن انتظر حتى يصل إلي الكتاب فأقرأه بعيداً من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل. ووصل إليّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضى كثيراً وأعجبت بفصول منه إعجاباً عظيما، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء منالرضى لا إسراف فيه. موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقاً بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لو يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب، صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهوراً واضحاً نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئاً كثيراً من الحياة والتأثير.

стр. 771

ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرءه في كل كتاب (استغفر الله) نكاد نقرءه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم بريء الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حيناً ويضاعفه أحيانا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى ينقذها من هذه الحياة. فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضا هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهاداً عنيفاً ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج

стр. 772

لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى انهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعاً شعراء. والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفاً وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها واستقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرة سمحة كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيراً من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيراً من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئاً من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظ عامية مبتذلة لا ينبغي ان توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة ٧٢ و١٤٠. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمة قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيراً كثيراً. أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطا به مبتهجا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فناً جديدا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابا جديدا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقاً، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب

стр. 773

الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرءونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرءوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناء عذبا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين. أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. . ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة. ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يتميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرءون، وحين يجدون ألفاظاً وجملا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلح في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف. كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحاً مصرياً ظريفاً وروحا أوربياً قوياً. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها. فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفاً في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا. ثم بعثهم الله فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه.

стр. 774

وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم إن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالا فنيا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعات للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير الموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثراً فنياً بديعاً كان خليقاً أن يهنأ بشجاعته وبراعته معا. فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحياناً في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحك حكاية ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جداً بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم الا شخص واحد، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقا جديدا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي اليها،

стр. 775

ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبا ولا متأثراً بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذاً بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وان تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وان ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟ كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وان تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فناً بديعاً نادرا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلما ولا أستاذاً ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبا عربياً كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقا وأرشدهم حقا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء. والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ إحداهما الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين. أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ والى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا
следующие страницы →