← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

صدر بالفرنسية كتاب جديد عن نابليون بورنابارت، ولكنه كتاب من نوع خاص وعنوانه: (بؤس نابليون) ومؤلفه لورنزي دي برادي؛ وهو كاتب ورسيكي الأصل، يهدي كتابه إلى جميع الكورسيكيين حتى لا ينسوا أن نابليون يمت اليهم بصلة الجنس، وطرافة هذا المؤلف ترجع إلى أنه يصور لنا أي بؤس كان يعانيه ذلك الإمبراطور العظيم منذ نشأته حتى وفاته؛ فهو قد بدأ الحياة ضابطاً بائساً يعاني أمر ضورب الفقر بعد أن طرد من وطنه الأصلي، ولما وصل إلى قمة المجد وبسط سيادته على أوربا، كان يبدو في ثوب من السعادة والهناء، ولكنه كان أبعد الناس عن التمتع بوفاة أصاحبه، وكان صحبه أشد الناس خيانة له وتوثباً إلى الغدر به. ويقول لنا دي برادي إنه أراد أن يصور كل ضروب الشقاء التي عاناه نابليون، وأن يوضحها بأقوال ذلك الذي عاناها؛ وأنه متى شرحت هذه الآلام استطاع القارئ أن يفهم الروح النابوليونية حق الفهم، وأن يتتبعها خلال تلك الحياة الشقية التي ارتضاها الإمبراطور في فلسفة واستكانة وتسليم وفاة علامة نمسوي من أنباء فينا أن العلامة الرياضي الشهير الأستاذ الدكتور جوستاف ايشريخ قد توفي في السادسة والثمانين من عمره، وقد بدأ الأستاذ ايشريخ حياته العامة مدرساً للرياضة في جامعة جراتز منذ سنة ١٨٧٤؛ ولم يلبث أن ظهر ببراعته ومباحثه المبتكرة؛ وفي سنة ١٨٨٤ عين أستاذاً للرياضيات بجامعة فينا، وهو الكرسي الذي شغله مدى خمسين عاماً حتى وفاته، وقد نشر عدة مؤلفات رياضية هامة أشهرها مباحثه عن (التبلور) وتوجت مباحثه غير مرة من أكاديمية العلوم؛ وبوفاته يخسر العلم النمسوي أحد أقطابه وأركانه من العهد القديم

стр. 7107

العدد ٨٦ - بتاريخ: ٢٥ - ٠٢ - ١٩٣٥

стр. 7108

الأزهر بين الماضي والحاضر ويل للأزهر من أهله! كان منيعاً بالدين فابتذلوه بالدنيا، وعزيزاً بالعلم فأذلوه بالمال، ومستقلاً في حمى الله فأخضعوه لهوى الحكم! وكان سُنة واضحة لِهَدْى الشريعة استقام الناس بها منذ ألف عام على عمود واحد، فشبهوا وجوهها بالأنظمة الفجة، ولبسوا صورها بالأعلام المستعارة، ثم وقفوا لدى المفترق المبهم الذي أحدثوه يديرون أعينهم في الفضاء، ويردونها من الأمام إلى الوراء، فلا يرون أقدامهم على أثر، ولا يجدون وجوههم على سبيل! كان للأزهر، على عهدنا القريب، جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، لأنه المعقل الوحيد الذي ثبت لحملات الغيرَ فانتهت إليه أمانة الرسول، واستقرت به وديعة السلف، واستعصمت في لغة القرآن، واستأمنت إليه آداب العرب، فأرضه حَرم لا يُنتهك، وأهله حمى لا يستباح، وأمره قَدرٌ لا يُرد؛ وكان لعلمائه مكانة في القلوب، ومهابة في النفوس، لأنهم دعاة الله، ووراث النبي، وهداة المحجة؛ ينطق على ألسنتهم، وتتمثل في أفعالهم السنة؛ فمحبتهم السنة؛ فمحبتهم عقيدة، وطاعتهم فريضة، وإشارتهم نافذة وكان لطلابه كلف به لا يُهتم، وثقة برجاله لا تحد، وانقطاع إلى جواره لا يبغون من ورائه غير فقه الدين وتحصيل المعرفة وتجديد حبل الدعة، فهم عاكفون على معاناة الدرس، قانعون بميسور العيش، لا ينصرفون عن حلقات التعلم بالقاهرة، إلا إلى حلقات التعليم في الريف كانت صلة العلماء بالحكومة صلة دينية، تقوم على حسم المشاكل بالقضاء، وحل المسائل بالفتوى؛ وكانت صلتهم بالأمة صلة روحية، يجلون صدأ القلوب بالذر، ويكفكفون سفه الجوارح بالموعظة، ويشفون على الجوانح بالمؤاخاة، فكانوا لذلك موضع الاجلال أني حلوا. كنا نرى العالم اذا نزل مدينة أو قرية كان يوم نزوله تاريخاً لا يُنسى: يأخذ الناس فيها حال من الشعور الصوفي يدفعهم إلى رؤيته، فيهرعون إليه كما يهرعون اليوم إلى زعيم الأمة أو إلى رئيس الحكومة، فيتوسمون في أساريره نور الرسالة، ويتنسمون من أعطافه ريح النبوة، ويتخففون على يديه من أوزار العيش وتبعات الجهالة. وطلاب الأزهر القديم لا يزالون يذكرون ما كان في نفوسهم لشيوخهم من الحب والتجلة. كانوا يتحلقون حول كرسي الشيخ من غير نظام ولا ضابط، فيكون لهم على السبق إلى الأمام عراك دامٍ

стр. 7109

وصخب مُضم، حتى اذا ما أقبل خشعت الأصوات وسكنت الحركات كأن شيئاً علق الأنفاس فلا تنسم، وعقد الشفاه فلا تنبس! وربما نزا اللجاج على لسان أحدهم أثناء المناقشة فيغضب الشيخ فلا يكون أنكى في عقابه من الاشارة إليه بالخروج من الدرس، أو الدعاء عليه بالقطيعة من الأزهر! والقطيعة عن الأزهر كانت أقصى ما يتصوره الأزهري من شقاء الحياة! فإذا انقضى الدرس وقال الشيخ: (والله أعلم) تضامت أطراف الحلقة عليه، وأنحى الطلاب بالقبل على يديه وردنيه، فما يشق بينهم إلا بعد لأي تدبر ذلك في نفسك على إجماله وعمومه، ثم اقرنه إلى ما تسمع اليوم أو تقرأ من خير الأزهر وحال علمائه وأبنائه، فهل تجد المعهد هو المعهد والناس هم الناس؟ إن الأزهر البائد على فوضاه المنظمة كل أجدى على الدين وأعْوَد على الثقافة من هذا الخَلْق المسيخ الذي وقف بين الماضي والحاضر، وبين الدين والسياسة، موقفاً يُندى الجبين الصُّلب، ويوجع الفؤاد المُصْمت! تقلب بعض زعمائه على فرش الديباج، وخبوا في أفواف الشاهي، وتأنقوا في ألوان الطعام، وتنبلوا بالمظاهر الفخمة، وسردوا أعداد الدنانير على المسابح العِطرة. وكان أسلافهم طيب الله ثراهم كما طيب ذِكراهم يتسترون بمرقعات القطن، ويتبلغون بقشور البطيخ، ويستروحون النسيم على شرفات المآذن ثم شايعوا أهواء الناس، وصانعوا أهل النفوذ، وجَرَوا في تمكين أمورهم وترفيه نفوسهم على الضراعة والملق؛ من أجل ذلك فقدوا خطرهم في الخاصة، وأثرهم في العامة، وجروا معهم كرامة الدين إلى هذا المنحدر ان في بقية السلف من أعلام الأزهر مَفْزعاً من هذه الحال الأليمة. فليعملوا لرد هذا المعهد الكريم إلى نظامه، فان شديداً على النفس أن يضطرب فيه الأمر ويشرى به الفساد حتى تطرد طلابه، وتغلق أبوابه لقد قرأت بالأمس فصلا عن الإسلام في مجلة شهرية فرنسية يقول كاتبه فيه: (لقد انحسر الإسلام عن بلاده أو كاد، فلم يبق داوياً متوثباً إلا في الزهر) فماذا عسى أن يقول هذا المأفون إذا قيل له غداً إن هذا الدوي قد سكن، وهذا التوثب قد قر؟ لا جرم أن المخلصين من علماء الأزهر وأبنائه أقدر على درء هذه الكارثة متى أنضجوا

стр. 7110

الرأي وأجمعا الكلمة؛ والحكومة القائمة أربأ بعهدها عن هذا الحدث، وأضنُّ بتاريخها على هذه الصفحة؛ وليس في مصر ولا في غير مصر ضمير نزه يرضيه أن تعبث الشهوات الرعن بهذا المعقل الديني الذي عصم القرآن ولغته وعلومه من طغيان الأحداث والفتن عشرة قرون أحمد حسن الزيات

стр. 7111

زوجة إمام بقية الخبر للأستاذ مصفى صادقي الرافعي قال أبو مُعاوية الضرير: وكنتُ في الطريق إلى دار الشيخ أرَوِّىء في الأمر وأمتحنُ مذاهبَ الرأي وأقلبها على وجوهها، وأنظرُ كيف أحتالُ في تأليف ما تنافرَ من الشيخ وزوجته؛ فان الذي يَسفرُ بين رجلٍ وامرأته إنما يمشي بفكره بين قلبين، فهو مُطْفيء نائرةٍ أو مُسْعرُها، إذ لا يضع بين القلبين إلا حُمقَه أو كياسته وهو لن يرد المرأة إلى الرأي إلا إذا طاف على وجهها بالضحك، وعلى قلبها بالخجل، وعلى نفسها بالرقة، وكان حكيماً في كل ذلك؛ فان عقلَ المرأة مع الرجل عقلٌ بعيدٌ، يجيء من وراء نفسها، من وراء قلبها، وجعلتُ أنظرُ ما الذي يُفسدُ محل الشيخ من زوجته، ومثلتُ بينه وبينها، فما أخرج لي التفكيرُ إلا أن حسن خلُقه معها دائما هو الذي يستدعي منها سوء الخُلقِ أحياناً؛ فان الشيخ كما ورد في وصف المؤمن: (هينٌ لينٌ كالجمل الأنف، إن قِيدَ انقادَ، وإن أنيخ على صخرة استناخ) والمرأةُ لا تكون امرأةً حتى تطلبَ في الرجل أشياءَ: منها أن تحبه بأسباب كثيرة من أسباب الحب؛ ومنها أن تخافه بأسباب يسيرة من أسباب الخوف. فإذا هي أحبته الحب كله ولم تخف منه شيئاً وطال سكونه وسكونها، نفرت طبيعتها نفرةً كأنها تُنخيه وتذمره ليكون معها رجلاً فيخفيها الخوف الذي تستكملُ به لذةَ حبها، إذ كان ضعفها يحب فيما يحبه من الرجل أن يَقسو عليه الرجلُ في الوقت بعد الوقت، لا ليؤذيه ولكن ليُخضِعَه، والآمرُ الذي لا يُخف إذا عُصى أمره هو الذي لا يعبأ به إذا أطيع أمره وكأن المرأةَ تحتاج طبيعتها أحياناً إلى مصائبَ خفيفةٍ تؤذي برقة أو تمر بالأذى من غير أن تلمسها به لتتحركَ في طبيعتها معاني دموعها من غير دموعها؛ فان طال ركودُ هذه الطبيعة أوجدت هي لنفسها مصائبها الخفيفةَ فكان الزوج أحدها. . . . وهذا كله غير الجُرْأة والبَذَاءِ فيمن يُبغضن أزواجَهن، فان المرأة إذا فركت زوجها لمنافرة الطبيعة بينها وبينه، مات ضعفها الأنثَوِيُّ الذي يتم به جمالها واستمتاعها والاستمتاع بها، وتعقد بذلك لينُها أو تصلب أو استخجر، فتكون مع الرجل بخلاف طبيعتها فيتقلب سكرها النسائي بأنوثتها الجميلة عربدة وخلافاً وشراً وصخباً، ويخرج كلامها للرجل وهو من

стр. 7112

البغض كأنه في صوتين لا في في صوت واحد. ولعل هذا هو الذي أحسه الشاعر العربي بفطرته - من تلك المرأة الصاخبة الشديدة الصوت البادية الغيظ، فضاعف لها في تركيب اللفظ حين وصفها بقوله: صُلًبّة الصيحة صَهصَلِيقها قال أبو معاوية: واستأذنت على (تلك) ودخلت بعد أن استوثقت أن عندها بعض مَحارمِها؛ فقلت: أنعم الله مساءَكِ يا أم محمد. قالت: وأنت فأنعم الله مساءك. فأصغيتُ للصوت فإذا هو كالنائم قد انتبه يَتَمَطى ولا هو خالص للرضى فقلت: يا أم محمد إني جائع لم ألِم اليومَ بمنزلي. فقامت فقربت ما حضر؛ وقالت معذرة يا أبا معاوية، فانما هو جُهدُ المُقل وليس يعدو إمساك الرمق. فقلت إن الجوْعان غيرُ الشهوان؛ والمؤمن يأكل في معي واحد ولم يخلق الله قمحاً للملوك وقمحاً غيره للفقراء ثم سميتُ ومددتُ يدي أتحسسُ ما على الطبق، فإذا كِسَرٌ من الخبر معها شيء من الجزر المسلوق فيه قليلٌ من الخل والزيت؛ فقلت في نفسي هذا بعض أسباب الشر. وما كان بي الجوعُ ولا سدُّه. غير أني أردتُ أن أعرف حاضِرَ الزرق في دار الشيخ فان مثل هذه القبلة في طعام الرجل هي عند المرأة قلةٌ من الرجل نفسه؛ وكل ما تفقده من حاجاتها وشهوات نفسها فهو عندها فقرٌ بمعنيين: احدُهما من الأشياء والآخرون من الرجل. كلما أكثر الرجل من إتحافها كُثر عندها وإن أقل قَل. وإنما خلقت المرأة بطناً يلدُ، فبطنها هو أكبر حقيقتها، وهذه غايُتها وغايةُ الحكمة فيها. لا جَرَم كان لها في عقلها مَعِدةٌ معنوية؛ وليس حبها للحلي والثياب والزينة والمال، وطِماحُها إليها واستهلاكُها في الحرص عليها والاستشراف لها - إلا مظهراً من حكم البطن وسُلطانه؛ فذلك كله إذا حققته في الرجل لم تجده عنده إلا مِن أسباب القوة والسلطة، وكان فقدُه من ذرائع الضعف والقِلة. فاذا حققته في المرأة ألفيتَه عندها من معاني الشبع والبطر، وكان فقدُه عندها كأنه فنٌ من الجوع، وكانت شهوتُها له كالقَرمِ إلى اللحم عند من حُرِم اللحم. وهذا بعضُ الفرق بين الرجال والنساء؛ فلن يكون عقلُ المرأة كعقل الرجل لمكان الزيادة في معانيها (البطنية) فحسبتْ لها الزيادةُ ههنا بالنقصُ العقل فهذه علته؛ وأما الدينُ فلغلَبة تلك المعاني على طبيعتها ما تغلب على عقلها. فليس نقصُ الدين في المرأى نقصاً في اليقين أو الأيمان فانها

стр. 7113

في هذين أقوى من الرجل؛ وإنما ذاك هو النقصُ في المعاني الشديدة التي لا يكمل الدينُ إلا بها؛ معاني الجوع من نعيم الدنيا وزينتها، وامتداد العين إليها واستشرافِ النفس لها؛ فان المرأة في هذا اقل من الرجل. وهي لهذه العلة ما برحت تُؤْثِرُ دائماً جمالَ الظاهر وزينته في الرجال والأشياء دون النظر إلى ما وراء ذلك من حقيقة المنفعة قال أبو معاوية: وأريتها أني جائع فهشمتُ نهشَ الأعرابي كيلا تفطنَ إلى ما أردتُ من زَعْم الجوع، ثم أحببتُ أن أستدعيَ كلامَها وأستميلها لأن تضحك وتسر، فأغير بذلك ما في نفسها فيجد كلامي إلى نفسي مذهباً. فقلت يا أم محمد: قد تحرمتُ بطعامك ووجب حقي عليك، فأشيري علي برأيك فيما أستصلحُ به زوجتي فانها غاضبة علي وهي تقول لي: والله ما يقيم الفأر في بيتك ' لا لحب الوطن. . . وإلا فهو يسترزقُ من بيوت الجيران قالت: وقد أعْدَمتْ حتى من كِسَر الخبز والجزر المسلوق؟ الله منك! لقد أستأصلها من جذورها؛ إن في أمراض النساء الحمُى التي أسمُها الحمى التي اسمها الزوج. . . . فقلت: الله الله يا أم محمد؛ لقد أيسَرتِ بعدنا حتى كأن الخبز والجزر المسلوق شيءٌ قليل عندك من فَرْط ما يتيسر؛ أو ما علمت أن رزق الصالحين كالصالحين أنفسهم، يصومُ عن أصحابه اليومَ واليومين. . . . . . وكأنك ما سمعتِ شيئاً من أخبار أمهات المؤمنين أزواج رسول الله ﷺ ونساءِ أصحابه رضوان الله عليهم، فما امرأة مسلمةٍ لا تكون بأدبها وخُلقها الإسلامي كأنها بنتُ إحدى أمهات المؤمنين؟ أفرأيتِ لو كنتِ فاطمةَ بنت محمد ﷺ ؛ أفكان ينقلك هذا إلى أحسن مما أنتِ فيه من العيش؛ وهل كانت فاطمةُ بنتَ ملكٍ تعيشُ في أحلام نفسها أو بنت بني تعيش في حقائق نفسها العظيمة؟ تقولين إنني استأصلتُ أم معاوية من جذورها؛ غما أم معاوية وما جذورُها؟ أهي خيرٌ من أسماء بنت أبي بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وقد قالت عن زوجها البطل العظيم: فُرَسِه وناضجة فكنت أعْلفُ فرسَه وأكفيه مؤنتَه وأسُوسُه، وأدقُّ النوى لناضحه وأعلفُه، وأستقي الماء وأخرزُ غَرَبه وأعجن؛ وكنت أنقلُ النوى على رأسي من ثُلُثي فرسخ حتى أرسل إلى أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني هكذا ينبغي لنساء المسلمين في الصبر والأباء والقوة والكبرياء بالنفس على الحياة كائنةً ما

стр. 7114

كانت، والرضى والقناعة ومؤازرة الزوج وطاعته واعتبار مالَهن هند الله لا مالَهن عند الرجل، وبذلك يرتفعْنَ على نساء الملوك في أنفسهن، وتكون المرأة منهن وما في دارها شيء، وعندها أن في دارها الجنة. وهل الإسلام إلا هذه الروحُ السماويةُ التي لا تهزمها الأرض أبداً ولا تُذلها أبداً ما دام يأسها وطعمها معلقين بأعمال النفس في الدنيا لا بشهوات الجحيم من الدنيا؟ هل الرجلُ المسلم الصحيحُ الإسلام إلا مثلُ الرب يثورُ حولها غبارها ويكون معها الشظفُ والبأسُ والقوةُ والاحتمالُ والصبر، إذ كان مفروضاً على المسلم أن يكون القوة الانسانية لا الضعف، وأن يكون اليقينَ الانساني لا الشك، وأن يكون الحق في هذه الحياة لا الباطل؟ وهل امرأةُ المسلم إلا تلك المفروض عليها أن تمد هذه الحرب بأبطالها وعَتَادِ أبطالها وأخلاقِ أبطالها ثم ألا تكون دائماً إلا من وراء أبطالها؟ وكيف تلد البطل إذا كان في أخلاقها الضعةُ والمطامعُ الذليلةُ والضجرُ والكسلُ والبلادة؟ ألا إن المرأة كالدار المبنية لا يَسهُلُ تغييرُ حدودها إلا إذا كانت خَرابا فاعترضته امرأة الشيخ وقالت: وهل بأسٌ بالدار إذا وسعتْ حدودها من ضيق، أتكون الدار في هذا إلى نقصها او تمامها؟ قال أبو معاوية: فكدُت أنقطعُ في يدها، وأحببتُ أن أمضي في استمالتها فتركتُها هنيهةً ظافرةً بي وأريتها أنها شدتني وثاقاً، وأطرقت كالمفكر. ثم قلت لها: إنما أحدثك عن أم معاوية لأبي معاوية؛ وتلك دارٌ لا تمل غير أحجارها وارضها فبأي شيء تتسع؟ زعموا أنه كان رجل عامل يملك دُوَيرةً قد التصقت بها مساكنُ جيرانه وكانت له زوجةٌ حمقاء ما تزال ضيقةَ النفس بالدار وصغرها كأن في البناء بناء حول قلبها؛ وكانا فقيرين كأم معاوية وأبي معاوية؛ فقالت له يوماً: أيها الرجل ألا توسع دارك هذه ليعلم الناس أنك أيسرت وذهب عنك الضر والفقر؟ قال: فبماذا أوسعها وما أملك شيئاً، أأُمسك بيميني حائطاً وبشمالي حائطاً فأمدهما أُباعِدُ بينهما. . . . . وهبيني ملكتُ التوسعةَ ونفقتها فكيف لي بدور الجيران وهي ملاصقةٌ لنا بَيْتَ بَيت؟ قالت الحمقاء: فاننا لا نريد إلا أن يَتَعالم الناسُ أننا أيسرنا؛ فاهدم أنت الدار فانهم سيقولون لولا أنهم وجدوا واتسعوا وأصبح المال في يدهم لما هدموا. . . . . .

стр. 7115

قال أبو معاوية: وغاظتني زوجةُ الشيخ فلم أسمع لها هَمسةً من الضحك لمثل الحمقاء وما اخترعُته إلا من أجلها، كأنها تريد أن تذهب عملي بالاً. فقلت: وهل تتسع أم معاوية من فقرها إلا كما اتسع ذل الأعرابي في صلاحه؟ قالت: وما خير الأعرابي؟ قلت: دخل علينا المسجد يوماً أعرابي جاء من البادية وقام يصلي فأطال القيام والناس يرمقونه، ثم جعلوا يتعجبون منه، ثم رفعوا أصواتهم يمدحونه ويصفونه بالصلاح. فقطع الأعرابي صلاته وقال لهم: مع إني صائم. . . قال أبو معاوية: فما تمالكت أن ضحكت وسمعتُ صوت نفسها وميزت فيه الرضى مقبلاً على الصلح الذي أتسبب له. ثم قلت: وإذا ضاقت الدار فِلمَ لا تتسع النفسُ التي فيها؟ المرأة وحدها الجو الانساني لدار زوجها، فواحدةٌ تدخلُ الدار فتجعل فيها الروضة ناضرةُ متروحة باسمةً، وإن كانت الدارُ قَحِطةً مسحوتةً ليس فيها كبيرُ شيء، وامرأة تدخلُ الدارَ فتجعل فيها مثلَ الصحراء برمالها وقيظها وعواطفها، وإن كانت الدار في رياشها ومتاعها كالجنة السندُسية، وواحدة تجعل الدار هي القبر. والمرأة حق المرأة هي التي تترك قلبها في جميع أحواله على طبيعته الأنسانية، فلا تجعل هذا القلبَ لزوجها من جنس ما هي فيه من عيشة: مرة ذهباً، ومرة فضة، ومرة نحاساً أو خشباً أو تراباً، فانما تكون المرأة مع رجلها من أجله ومن أجل الامة معاً، فعليها حقان لا حق واحدٌ أصغرُهما كبير. ومن ثم فقد وجب عليها إذا تزوجت أن تستشعر الذات البيرة مع ذاتها، فان أغضبها الرجلُ بهفوة منه تجافتْ له عنها وصفحتْ من أجل نظام الجماعة الكبرى، وعليها أن تحكم حينئذ بطبيعة الأمة لا بطبيعة نفسها، وهي بيعة تأبى التفرق والأنفراد، وتقوم على الواجب، وتضاعف هذا الواجب على المرأة بخاصة والإسلام يضعُ الأمةَ ممثلةً في النسل بين كل رجل وامرأته، وبوجب هذا المعنى إيجاباً ليكون في الرجل وامرأته شيء غير الذكورة والأنوثة يجمعهما ويقيد أحدهما بالآخر، ويضعُ في بهيميتهما التي من طبيعتها أن تتفق وتختلف، إنسانية من طبيعتها أن تتفق ولا تختلف

стр. 7116

ومتى كان الدينُ بين ل زوج وزوجته مهما اختلفا وتَدَابرا وتعقدت نفساهما، فان كل عقدة لا تجيء إلا ومعها طريقةُ حلها، ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غَلَبه، وهو اليُسر والمُساهَلةُ والرحمةُ والمغفرةُ ولينُ القلب وخشية الله، وهو العهدُ والوفاء والكرمُ والمؤاخاةُ والإنسانية، وهو اتساعُ الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطةً أو ضيقة قال أبو معاوية: فحق الرجل المسلم على امرأته المسلمة هو حق من الله ثم من الأمة ثم من الرجل نفسه ثم من لطف المرأة وكرمها ثم مما بينهما معاً. وليس عجيباً بعد هذا ما روينا عن النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرتُ النساء أن يسجدْن لأزوجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق) وهذه عائشة أم المؤمنين قالت: يا معشر النساء لو تَعلمْن بحق أزواجكن عليكن، لجعلت المرأةٌ منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بِحُر وجهها قال أبو معاوية: وكأن الشيخ قد استبطأني وقد تركته في فناء الدار، وكنت زورتُ في نفسي كلاماً طويلاً عن فروته الحقيرة التي يلبسها، فيكون فيها من بذاذة الهيأة كالأجير الذي لم يجد من يستأجره فظهر الجوع حتى على ثيابه. . . . وقد مر بالشيخ رجل من المُسودة وكان الشيخ في فروته هذه جالساً في موضع فيه خليج من المطر، فجاءه المسود فقال قم فاعُبر بي هذه الخليج، وجذبه بيده فأقامه وركبه والشيخ يضحك وكنت أريد أن أقول لأم محمد: إن الصحو في السماء لا يكون فقراً في السماء، وإن فروة الشيخ تعرف الشيخ أكثر من زوجته، وإن المؤمن في لذات الدنيا كالرجل الذي يضع قدميه في الطين ليمشي، أكبر همه ألا يجاوز الطينُ قدميه ولكن صوت الشيخ ارتفع: هل عليكم إذْن؟ قال معاوية: فَبدرْتُ وقلت: بسم الله ادخل؛ كأني أنا الزوجة. . . وسمعت همساً من الضحك؛ ودخل أبو محمد إن شيخك في ورعة وزهدة ليشبعه ما يشبع الهدهد، ويرويه ما يروي العصفور، ولئن كان متهدماً فانه جبل علم، (ولا تنظري إلى عمش عينيه، وحموشة ساقيه، فانه إمام وله قدْرٌ) فصاح الشيخ: قم أخزاك الله، ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي! قال أبو معاوية: ولكني لم أقم، بل قامت زوجة الشيخ فقبلت يده.

стр. 7117

طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 7118

الدعوة الفاطمية السرية ضوء على موضوعها وغايتها للأستاذ محمد عبد الله عنان لما قامت الدعوة الفاطمية بمصر، وامتد سلطان الشيعة السياسي بين الغرب وأقاصي الشام، عني الفاطميون أشد العناية بالمسائل المذهبية، وعملوا على بث العقائد والمبادئ الشيعية بكل الوسائل، واتخذت هذه الدعاية صفة رسمية في مجالس الحكمة الشهيرة التي كانت تنظم بادئ بدء القصر الفاطمي وفي الجامع الأزهر تحت رعاية الخليفة نفسه، ويقوم بتنظيمها قاضي القضاة أو داعي الدعاة؛ ثم أنشئت لها بعد ذل جامعة رسمية خاصة هي دار الحكمة الشهيرة التي أنشأها الحاكم بأمر الله سنة ٣٩٥هـ (١٠٠٥م)، ولبثت عصراً تقوم ببث الدعوة الفاطمية السرية في صور وأساليب ما زال يحيط بها الخفاء والغموض. ولقد تقلبت دعوة الشيعة قبل ظفرها السياسي الحاسم على يد الخلفاء الفاطميين في أدوار ومراحل مختلفة، وتشعبت مذاهبها وإمامتها، فظهرت الدعوة الإسماعيلية أولاً في ثوب دعوة دينية سرية؛ ثم كانت فورة القرامطة التي قامت عليها وانتسبت إليها؛ ثم كان ظفر الفاطميين، وقيام الخلافة الفاطمية، فاتخذت الدعوة الشيعية بذلك لونها السياسي الواضح إلى جانب لونها الديني، وأدرك الفاطميون ما للدعاية الدينية من أثر في توطيد الملك السياسي، فعملوا على بث مبادئهم وتعاليمهم بقوة وذكاء، ووضعوا لذلك نظماً ومراتب سرية، كانت دار الحكمة القاهرية مجمعها ومبعث وحيها وقد اتخذت هذه الدعوة في عصر الحاكم بأمر الله لوناً من الخفاء والعنف، لم تتخذه في أي عصر آخر، يسبغه عليها خفاء الحاكم وعنفه، وغريب تصرفاته وأهوائه. وكان الحاكم بأمر الله شخصية جريئة مدهشة برغم اضطرابها وتناقضها، ترتفع أحياناً في سماء التفكير حتى لتزعم السمو فوق البشر وتهيم في دعوى الألوهية؛ وتنحط في تصرفاتها إلى درك الجنون. وكان ذلك الذهن الهائم يشغف بنظريات الخفاء والعالم الآخر، ويهيم في غمر المباحث الروحية والفلسفية، ويفيض من خفائه وشذوذه على جماعة من الدعاة الأذكياء الذين يحشدهم الحاكم حوله لينظموا معه وسائل الدعوة المذهبية السرية، وليحملوا دونه تبعة ما تعرض من الأقوال والنظريات الجريئة الممعنة في الإلحاد والهدم. ومن الحقائق

стр. 7119

المعروفة أن معظم الكتب والوثائق المذهبية التي وضعت في هذا العصر قد دثرت ومحت معالمها يد الدول الخصيمة، ولم نتلق عن هذه الدعوات السرية سوى قليل من الرسائل والشذور التي نقلها إلينا بعض المؤرخين المتأخرين. على أن هذه الوثائق لقليلة التي انتهت إلينا تلقي مع ذلك شيئاً من الضياء على طبيعة هذه المبادئ والأقوال الخفية التي عمل الدعاة الفاطميون كثيراً لبثها، والتي بعثت في عصرها إلى أصول الإسلام الحقيقية كثيراً من سحب الزيغ والريب ومن هذه الوثائق غريبة من الرسائل الفلسفية الكلامية تحتفظ بها دار الكتب المصرية، وهي متنوعة في موضوعها، ولكنها متحدة في أسلوبها وتدليلها وغايتها؛ ويبدو من تلاوتها لأول وهلة أن موضوعها إنما هو جزء من الدعوى السرية الفاطمية، وأنها كتبت في أواخر عصر الحاكم بأمر الله، وأنها حسبما يدعي كاتبها قد وضعت بوحيه وإرشاده، وأحياناً بالتلقي عنه. أما كاتبها فمن هو؟ في معظم هذه الرسائل يقدم لنا هذا الداعية الغريب نفسه، ويذكر لنا اسمه وهو (حمزة بن علي ابن احمد) وهو اسم قلما تذكره سير العصر، ولا تقدم لنا أي تعريف شاف عن صاحبه، وكل ما نعرفه أنه فارسي من مقاطعة زوزان، وكان عاملاً يشتغل بصنع اللباد، وفد على القاهرة حوالي سنة ٤٠٥هـ وانتظم بي الدعاة، وخاض غمار الجدل الديني الذي كانت تضطرم به مصر يومئذ. ومما تجدر ملاحظته أن معظم الدعاة والملاحدة الذين خرجوا على الإسلام وحاربوه باسمه ينتمون إلى أصل فارسي؛ بيد أنا نستطيع أن نعرف من هذه الرسائل كثيراً عن شخصيته وعن مهمته؛ فهو بلا ريب من أكابر الدعاة السريين الذين اتصلوا بالحاكم بأوثق الصلات، وتلقوا وحيه، وبثوا دعوته، وكان لهم أكبر النفوذ في التوجيه الخفي لكثير من مسائل العصر؛ وسنرى حين نعرض إلى مهمته الحقيقية والى رسائله الغربية أنه يقدم لنا نفسه أيضاً في صفة النبوة، ويصف لنا بعض أعماله بالمعجزات ولدينا من هذه الرسائل مجموعتان: إحداهما فتوغرافية نقلت عن مخطوط محفوط بالعراق، والثانية خطية، وقد اقتنتها دار الكتب أخيراً، والمجموعة الأولى أكبر وأعم من الثانية، وبها كثير من الرسائل التي وردت فيها؛ غير أن الثانية (الخطية) تحتوي أيضاً على بعض رسائل لم ترد في الأولى. وتسمى المجموعة الأولى في صفحة العنوان (بالرسالة الدامغة)

стр. 7120

وتنعت بأنها رد على النصيري (الفاسق) وهو ما يقوله لنا كاتبها أيضاً في الديباجة؛ وفي معظم هذه الرسائل يذكر لنا الكاتب اسمه وهو حمزة بن علي. ولكن هناك مجموعة ثالثة تختلف في موضوعها عن المجموعتين السابقتين، وليس لها عنوان، ولم يذكر فيها اسم الكاتب، ولكنا لا نشك في أنها من تأليف حمزة بن علي على نفسه لما بينها وبين الرسائل الأخرى من التشابه الواضح في الروح واللهجة والأسلوب. . . وسنرجئ الكلام عليها الآن؛ ونبدأ ببحث رسائل هذا الداعية الغريب، حمزة بن علي، ونحاول أن نستخرج منها بعض الحقائق التاريخية التي ما زالت تقدم إلينا في أثواب من الريب والغموض والتناقض، والتي كانت أعظم ظاهرة في عصر الحاكم بأمر الله، وكانت مستقى لكثير من النزعات والأهواء المدهشة التي أحاطت تلك الشخصية الغريبة بسياج كثيف من الخفاء والروع من الحقائق التاريخية المعروفة أن بعض الدعاة الملاحدة قد دعا إلى ألوهية الحاكم بأمر الله، وأن الحكام كان يغذي هذه الدعوة ويمدها بتأييده. وقد ذكر لنا ذلك أكثر من مؤرخ، في مقدمتهم ابن الصابي، وهو كاتب معاصر، وشمس الدين سبط ابن الجوزي، والهبي؛ وكان في مقدمة هؤلاء الدعاة شخص يدعى بالأخرم، زعم ألوهية الحاكم ودعا إليها جهراً في جامع عمرو مع نفر من أصحابه، فثار الناس بهم ومزقوهم وفر الأخرم؛ ثم قام بهذه الدعوة داعية آخر هو محمد بن إسماعيل الدرزي، وكان أوفر ذكاء وبراعة، فصاغ دعوته في مذهب منظم ذي قواعد وأصول خاصة، وألف كتاباً في ذلك؛ فقربه الحاكم وتمكن نفوذه لديه حتى غدا أقوى رجل في الدولة؛ ولكنه لما حاول إذاعة مذهبه والدعوة إليه بجامع القاهرة (الأزهر) ثار الناس عليه، فالتجأ إلى القصر، فحاصرته الجموع، وأنكره الحاكم خوفاً من الثورة، وعاونه على الفرار؛ فسار إلى الشام، ونزل ببعض قرى بانياس، ونشر دعوته، فكانت أصل مذهب الدروز الشهير؛ وقوامه القول بالتناسخ وحلول الروح؛ وأن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم بأمر الله ثم ظهرت الدعوة كرة أخرى على يد حمزة بن علي، والظاهر أن حمزة عمل مدى حين مع الدرزي ثم اختلف معه وخاصمه؛ كما يبدو ذلك في إحدى رسائله. وفي هذه الرسائل العجيبة يشرح لنا حمزة مذهبه في (ألوهية) الحاكم بأمر الله، ويقدم إلينا شروحه وأسانيده،

стр. 7121

ويحاول أن يعلل لنا كل ما ارتكبه الحاكم من الأعمال والاجراءات الشاذة ويتخذ منها سنداً لنظريته. وقد نسقت هذه الرسائل، وهي ثمانية، على حدة في المجموعة المخطوطة الصغرى التي اقتنتها دار الكتب أخيراً، وأشرنا إليها فيما تقدم؛ ويلوح لنا أن هذه المجمعة تكون وحدة متصلة منتظمة، وأن ما أدرج منها في المجموعة الأخرى قد أدرج على سبيل الاختيار العام من مؤلفات الكاتب؛ ولهذا نؤثر الاعتماد عليها في عرض قواعد هذه العدوة الغربية التي كادت تحدث في هذا العصر ثغرة خطيرة في صرح الإسلام ومبادئه الحقيقية كتلك التي احدثتها فورة القرامطة قبل ذلك بنحو قرن يفتتح الداعي كتابه بما يسميه (ميثاق الزمان)، وفيه صورة الشهادة بالتبرؤ من جميع الأديان الأولى والدعوة إلى الدين الجديد، أي عبادة الحاكم؛ يحدثنا عن اصل العالمين وبدء الخليقة في عبارة غامضة ويقول إن أصل العالم هو البرودة والحرارة؛ ويقدم إلينا بعد ذلك خلاصة موجزة عن معركة علي ومعاوية وبدء الحركة الشيعية؛ ثم يصف الحاكم بأنه (مولانا القائم بذاته، المنفرد عن مبتدعاته، جل ذكره، أورا العالم قدرة لاهوتية ما لم يقدر عليه ناطق في عصره ولا أساس في دهره. . .) ويطلق عليه لقب (قائم الزمان)، في جميع مراحل الدعوة رمزاً إلى القول بالحلول والتناسخ، وأنه هو الرمز الحي القائم. ويعرض الداعي بعد ذك في جرأة إلى قواعد الإسلام، وإلى ما يلقي في شأنها في مجالس الحكمة الباطنية؛ وهنا نستطيع أن نظفر بلمحة من الضياء على موضوعات تلك المجالس السرية الشهيرة التي لبثت عصراً تعقد بالقصر ثم انتظمت بعد ذلك في جامعة خاصة هي دار الحكمة؛ وأول ما نعرف هو أن السرية كانت قاعدة أساسية لهذه المجالس، وأن من يجرؤ على إفشاء مناقشاتها يعتبر منافقاً وخارجاً يستحق اللعنة والعقاب. وقد نقل إلينا المقريزي بياناً ضافياً عن المبادئ الكلامية العامة التي كانت تدور عليها الدعوة الفاطمية السرية في مراتبها التسع؛ ولكن الداعي يتناول هنا بعض الشروح الخاصة؛ فيحدثنا عن الزكاة مثلاً بأنها في الحقيقة ليست كما تلقي إلى الناس؛ بل هي الاعتراف بولاية علي بن طالب والأئمة من ذريته والتبري من أعدائه أبي بكر وعثمان، وأن معناها الباطن هو في الحقيقة (توحيد مولانا جل ذكره، وتزكية قلوبكم وتطهيرها من الحالتين جميعاً، وترك ما كنتم عليه قديماً). وعن الصوم بأنه من الناحية الباطنة صيانة القلوب بتوحيد مولانا جل

стр. 7122

ذكره. أما الحج ورسومه فيحمل عليها الداعي بشدة، ويصفها بأنها (من ضروب الجنون) وليس أدل على ذلك من أن قائم الزمان (الحاكم) قد قطع الحج والكسوة لنبوية، أعواماً طويلة؛ ومعنى الحج في الحقيقة والباطن (هو توحيد مولانا). وأما ترك الحاكم للصلاة والنحر (في عيد الأضحى) فهو تحليل ذلك للعباد، وقد أبطل الحاكم صلاة العيد وصلاة الجمعة بالجامع الأزهر، واسقط الزكاة، ومعنى ذلك أنه يحل للعباد (عباده) أن يقتدوا به في ذلك (إذ كان إليه المنتهى، ومنه الابتداء في جميع الأمور) ويؤرخ الداعي هذا القسم الأول، وهو القسم التمهيدي من كتابه بشهر صفر ثمان وأربعمائة من الهجرة (٤٠٨هـ)؛ ويقول لنا إن هذه السنة (هي أول سنين ظهور عبد مولانا ومملوكه، هادي المستجيبين، المنتقم بسيف مولانا جل ذكره. . . . الخ)، ومعنى ذلك أن حمزة بن علي كان ينتحلها بعد ذلك صراحة. وهو يرجع بدء رسالته إلى هذا التاريخ؛ ثم يقول لنا في خاتمة رسالته الأولى المسماة (بدء التوحيد لدعوة الحق)، إن سنة ٤٠٨هـ أيضاً (أول سنين قائم الزمان) أعني بدء الزعم (بألوهية) الحاكم بأمر الله، على يد هذا الداعي. وقد كان من قبل ثمة دعاة آخرون روجوا لهذا الزعم كما قدمنا؛ والظاهر أن حمزة هو آخر من ظهر من حشد أولئك الملاحدة في عصر الحاكم، لأن الحاكم لم يطل أمد حكمه بعد ذلك سوى ثلاثة أعوام وبضعة أشهر، وكان مصرعه في شوال سنة ٤١١هـ في ظروف غامضة، اتخذها الدعاة مستقي جديداً للزعم والإرجاف ثم تأتي بعد ذلك الرسائل الثمان؛ والأولى هي (بدء التوحيد لدعوة الحق) وفيها يدعو حمزة إلى (ألوهية) الحاكم، ويحاول أن يبرر إبطاله لأحكام الشريعة بأن محمداً (ص) قد نسخ كل الشرائع السابقة، فكذلك ينسخ الحاكم شريعة محمد وينشئ له شريعة خاصة. وفي الرسالة الثانية وهي (ميثاق النساء) يتحدث الداعي عن واجبات النساء في الطاعة والتوحيد والبعد عن الفساد والدنس، وألا يشغلن قلوبهن بغير توحيد (مولانا) وأن يكن صادقات وفيات في طاعته، وأن يتركن ما كن عليه من قبل، وفي الرسالة الثالثة وهي (رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد) يوصي الداعي بعبادة الحاكم، والإقرار بوحدته، ويقول إنه رفعها بنفسه إلى (الحضرة اللاهوتية)، في شهر المحرم الثاني من سنيه المباركة (المحرم سنة ٤٠٩)، وأنها نسخت عن خط قائم الزمان بغير تخريف ولا تبديل؛ وفي هذه العبارة ما يستوقف النظر؛

стр. 7123

ذلك أنها تعني أن الحاكم بأمر الله قد اشترك في تأليف بعض هذه الرسائل سواء بالكتابة أو الأشراف على كتابتها، وأنه كان يرعى هذه الدعوة ويشجعها بنفسه؛ وهنا أيضاً يعرض الداعي جوهر دعوته ولباب مذهبه، أعني فكرة الحلول، فيزعم أنه من الخطأ أن يعتبر الحاكم ابناً للعزيز أو ينعت بأنه أبو علي؛ ذلك لأنه من زعمه (المولى سبحانه هو هو في كل عصر وزمان) يظهر في صورة بشرية (كيف يشاء وحيث يشاء). وفي الرسالة الرابعة وعنوانها (الغاية النصيحة) يحاول الداعي أن يقيم المفاضلة بين الإسلام أو دين محمد والدين الجديد. وفي الخامسة وهي (كتاب فيه حقائق ما يظهر) يحاول أن يبرر بعض تصرفات الحاكم. وفي السادسة وهي (السيرة المستقيمة) يحدثنا عن آدم وأصل الخليقة ويزعم أن القرامطة هم الموحدون؛ ثم يحدثنا عن تعاقب الشرائع ويزعم أن الإسلام قام بالعنف والسيف، وان الشريعة الإسلامية اختتمت بمحمد بن إسماعيل، وأن آخر خلفاء إسماعيل هو عبد الله المهدي (مؤسس الدولة الفاطمية)، وأن القائم هو الحاكم وفي السابعة الموسومة (بكشف الحقائق) يلجأ الداعي إلى العبارات الرمزية ويقول: (والآن فقد دارت الأدوار، وظهر ما كان مخفياً من مذهب الأبرار، وبان للعالمين ما جعلوه تحت الجدار، وعادت الدائرة إلى نفطة البيكار، فألفت هذا الكتاب، بتأييد مولانا البار، الحاكم القهار، العلي الجبار، عن مقالات الكفار، وسميته كشف الحقائق. . . . . .) ولعله يريد بهذا الاسم - كشف الحقائق - عنوان الكتاب كله، لا الرسالة الموسومة بهذا الاسم فقط، فإذا صح ذلك فنكون أيضاً قد عرفنا اسم كتاب حمزة. وفي هذه الرسالة يزعم الداعي أن الإله بشر يأكل ويشرب، وليس كما زعموا من التجرد عن الصفات البشرية، ويقدم لنا شرحاً فلسفياً للعقل والنفس. وفي الرسالة الثامنة والأخيرة، وعنوانها (سبب الأسباب) يتخذ الداعي صفة الهادي والمعلم الأكبر يتفويض مولاه (للبحث بقية) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7124

نظام التربية والتعليم بإنجلترا والعناية بالنظر في أخلاق الشعب وتقاليده للأستاذ محمد عطيه الأبراشي المفتش بوزارة المعارف يجب أن يعني نظام التربية بالنظر في أخلاق الشعب وتقاليده، وفي الصفات السائدة بين الأمة، وألا يكون ضد العادات القومية. كل هذه الأمور قد لوحظت في التعليم بإنجلترا؛ فان الصفات والأخلاق التي تعرف بها بين الأجناس البشرية معروفة منذ أجيال، متأصلة فيها كل التأصل. يقول (بيتر ساند يفرد): (الرجل الإنكليزي مولع بالمنافسة، يحب من صميم فؤاده الرحلات والسياحات. ولا يستطيع أحد الاستقرار في إنجلترا إلا من كان يميل إلى المنافسة، وإن هذا الميل إلى حب التنافس لا يظهر للناظر العادي، لأنه مغطى بطبقة كثيفة من المندوء العقلي.) والرجل الإنجليزي يمقت النظريات والتفكير في النظريات، ويجب أن يقبض على الأمور العملية في الحياة، ويحلها وهو سائر في عمله. ويقول (بيتر ساند يفرد) أيضاً: (إن الرجل الإنكليزي يُرى هادئاً، وهو في حاجة إلى قوة الخيال، ومن الصعب أن تؤثر فيه، فهو كالفحم الحجري الصلب يتقد ببطء، ولكن حينما يتقد يحترق إلى النهاية.) ولدى الرجل الإنجليزي قوة كبيرة على كتمان شعور، ويمكنه أن يمتلك نفسه، وهو شديد المحافظة على القديم، يحب الحرية الشخصية فوق كل شيء، ولقد قاتل في سبيل تلك الحرية أكثر من ألف سنة؛ ويقول (ساند يفرد) في موضع آخر: (الرجل الإنجليزي هادئ من الجهة العقلية، ولديه حب عميق للحرية، ولقد كانت هاتان الصفتان سبباً في اتخاذه سياسة البطء، لا في السياسة فحسب، بل في التعليم كذلك.) وهو منعزل بطبيعته، يحب العزلة والوحدة، لا يحادثك إلا إذا تعارف بك. وقد يكون هذا الانعزال ناشئاً عن الحياء والخجل، وإذا حادثك فلا تخرج محادثته في الغالب عن الجو، والجو لحسن الحظ كثير التغير والانقلاب بإنجلترا، فمن اعتدل في الطقس إلى ضباب أو مطر، أو برودة، أو عاصفة أو رعد وبرق. وإذا زالت الكلفة وذهب الخجل تحادث معك في أي موضوع كالخيالة والتمثيل، والألعاب الرياضية، والموضوعات الأدبية والاجتماعية. . . يتجنب الأمور الشخصية؛ فلا يسألك عن مقدار ما يمنحك أوبوك في الشهر، ولا عن مقدار ما تنفقع أو تدفعه للسني أسبوعياً - كما يسأل الفضوليون حينما يرونك أو يعرفوك أول مرة.

стр. 7125

ويميل الإنجليزي دائماً إلى التحفظ في الجواب، فلا يجيب إجابة الجازم المتحقق، ولكنه يجعل للشك دخلاً في كل ما يقوله، ويجيب دائماً بكلمة: (أظن، أو ربما)، بعكس الرجل الفرنسي فانه يميل كثيراً إلى الجزم واليقين والإنجليز معروفون بحبهم للمحافظة على القديم. وفي إنجلترا تندر المجلة في تنفيذ نظرية من النظريات، أو مشروع عن المشروعات في التربية والتعليم؛ فبينما تحاول الولايات المتحدة بأمريكا تجربة طائفة كبيرة من طرق التعليم والنظريات الحديثة - وقد لا توافق على شيء منها بعد التجربة وعدم الاستحسان - تجد إنجلترا في هذه الحال مثلاً في دور المناقشة والمناظرة في طريقة واحدة من هذه الطرق؛ لأن إنجلترا تخاف الخسارة وضياع الوقت، أما الولايات المتحدة فلا تبالي بما تفقده في سبيل البحث والتجربة، ولذا تجدها اليوم تقود اليوم العالم في العلم والاختراع والصناعة، ولقد ساعدها غناها على هذا التقدم والأقدام، فالمحافظة على القديم في إنجلترا لها فوائد، ولكن يجب ألا ننسى أن لها أيضاً كثيراً من المضار، فإنجلترا تميل إلى الوقوف عند حدما، وهي بطيئة في الإصلاح؛ لأنها لا تستفيد في الحال ما يقدمه لها المفكرون، وما يظهره المصلحون من أبنائها، ولا تشجع الباحثين والمخترعين تشجيع الولايات المتحدة لهم. وإن ولع إنجلترا بالمحافظة على ما لديها يظهر جلياً في القوانين المختلفة للتربية التي وافق عليها مجلس النواب الإنجليزي؛ فلا تجد مطلقاً حذف قانون من القوانين برمته واستبداله بقانون آخر، بل تجد أن كل قانون هو تعديل للقانون السابق، للتوفيق بينه وبين الرأي الجديد الذي يراد إدخاله، ولا يشك أحد في أن التعليم بإنجلترا يستفيد من أن قوانينها في التربية ثابتة ومع ذلك قد حدق تغيير في التعليم بإنجلترا، فمنذ سنة ١٩٠٠ نرى المحافظة على القديم أقل منها في الزمن السابق، وفي الحق إن التغيرات الحديثة بإنجلترا كثيرة وظاهرة لمن عرفها من قبل ورآها اليوم. ولا يشعر من الإنجليز بالفائدة الكبيرة من هذا التغيير إلا القليل منهم، وكل ما تعرفه الأكثرية هو أن هناك شيئاً يجري في عالم التربية، وأن الأمور تتغير بسرعة. وهم يشعرون بالحيرة في الابتداء وهم سكوت لا يتكلمون. ولا ننكر أن النزاع بين المحافظين والمجددين دائم لا ينقطع، ولو أنه نزاع صامت ويظهر الميل الفطري لحرية الفكر، واستقلال الرأي في أحوال كثيرة في التعليم بإنجلترا.

стр. 7126

وإن قوانين التربية مفتوحة للتغير البطيء، فحينما تظهر التجارب صواب الفكرة الجديدة، ويرى معظم الناس فائدتها، يتغلب الإنجليز على كراهتهم لها؛ فالحرية الشخصية تخضع دائما للمجتمع، حباً في المصلحة العامة، فمثلاً كان الذهاب إلى المدرسة اختيارياً يذهب إليها من يشاء من التلاميذ، لكن لما تبين أن من المحال تعميم التعليم إذا ظل اختيارياً، غير هذا النظام وجعل إجبارياً. وكان التفتيش الطبي على المدارس والتلاميذ اختيارياً، ثم غير وجعل إلزامياً، وكان إعداد المدرسين اختيارياً أيضاً، ثم ظهر أن المدرس لا يستطيع أن يقوم بمهنته كما ينبغي إلا إذا نال قسطاً من التربية وعرف طرق تدريس المواد، فجعل عشرات الأمثلة لأمور كانت اختيارية بإنجلترا، ثم أصبحت إجبارية يطالب بها القانون وإن إنجلترا - وإن كانت أمة عملية لا تدين بالنظريات - لا تمتنع من أن تعمل بما يمكن تنفيذه منها. ولا ينكر أحد أن النظرية التي لا يمكن تنفيذها لا فائدة منها، ولا خير في العلم إذا لم يصحبه العمل. لذ كانت طريقة التعليم في إنجلترا طريقة عملية، تتفق هي والأمور العملية التي تحتاج اليها، تنفق مع حاجات الشعب وحياته. ولا يمكن أن تفهم هذه الطريقة منفردة عن التاريخ القومي لهذه الأمة، لأنها نتيجة الخلق القومي والحالة الشعبية. والمهم لدى الإنجليز الوصول إلى العمل بأي طريقة كانت من غير عناء كبير أو بحث طويل في النظريات، وتاريخ التعليم الإنجليزي مملوء بالأمثلة الدالة على حب العمل، وعدم الاكتراث للنظريات. فمدارس إنجلترا إذن مدارس عملية ذات قوة كبيرة، وتأثير عظيم في تهذيب الأخلاق وتقويمها، وإعداد رجال مخلصين عمليين يثقون بأنفسهم، ويشعرون بما يجب عليهم لغيرهم، ولا يفرقون من تحمل مسؤولية أي عمل يقومون به. هي مدارس تربى في كل طفل الثقة بالنفس، فيقول لك دائماً: (سأحاول) إذا سألته: هل يستطيع أن يقوم بعمل من الأعمال؟ محمد عطية الابراشي

стр. 7127

أين كانوا يوم كنا؟. . . . . . للأستاذ كرم ملحم كرم صاحب مجلة (العاصفة) البيرونية لا نجد حولنا غير المعجبين بالأدب الإفرنجي. ومن حق هؤلاء أن يعجبوا بهذا الأدب الكثير الألوان، الجديد، الطري، السائر والحضارة في طريق واحد لا تبتعد عنه ولا يبتعد عنها. من حقهم أن يعجبوا بأدب يوفر لهم ما يحتاجون إليه من غذاء روحي أعده لهم طهاة عرفوا ميولهم فسايروها، ونفحوها بما تستطيب من علم، وبما ترتاح له من ابتكار مستساغ تهضمه المعد والعقول. فالأدب الإفرنجي في القرن العشرين ينضح بعصير يجد فيه كل طالب ما تشتهيه نفسه. فليس له إلا أن يختار. فان أمامه من مختلف الأطعمة، بل أمامه الأطعمة على إطلاقها. فإذا حن إلى التاريخ وجد التاريخ، وإذا حن إلى الشعر لمس من هذه البضاعة ما يروم، وإذا شغف بالرواية وقع منها على ألوان وألوان كبيض العيد، من أحمر وأخضر وأصفر وبنفسجي وبرتقالي فما عليه ليدرك مبتغاه إلا أن يحرك شفتيه. وهذا الخصب في الأدب الإفرنجي يعود إلى أمرين: الأول أن الغرب اليوم في عز ومنعة، فهو المسيطر الحاكم المستبد. والآخر أن فيه شعباً يقرأ ويقدر مؤلفيه. فإذا أجهد الكاتب ذهنه وكد قريحته فلن يضيع وقته في العبث، فلابد له أن يستفيد، وأن يضمن لنفسه الغذاء والقوت وسر نجاح الأدب في نجاح الدولة التي تحميه، فمن المحال أن ينشط أدب ويُفك عن عقاله ويزدهر وينمو إن لم تكن هناك دولة يعتمد عليها ويستند إليها. فالأدب العاطل من سلطة تعضده وتؤيده أشبه بالرجل التائه الشريد، بل أشبه باليتيم، يقضي العمر وحيداً ينبذه الكون، وينفر منه الناس، فيعيش في اكمداد واضطراب حتى تدق ساعته الأخيرة فيلفظ الروح ثم إن هذا الأدب بحاجة إلى من يغذيه بالمال ليعيش، فالأديب ككل ذي صناعة إن لم تمده بما يوفر له طعامه، يعجز من أن يمدك ببنات صدره وعقله. فهو يحتاج إلى الغذاء: إما بأن يرفده الملوك وأصحاب الغنى والجاه والمراتب السنية، وإما أن يقبل الشعب على مؤلفاته يؤدى عنها ما تساوى. وهو إن لم يوفر غذاءه المادي، فكيف يتوفر على صوغ جواهره في

стр. 7128

عقد نضيد نظيم تقرّ به العيون وتبتهج القلوب؟ فالأدب الإفرنجي إذاً مدين في خصبه إلى الحظ، فالحظ يخدمه في دول تحميه وتدفعه في طريق الحياة، ويخدمه في شعب يقبل عليه ويشتريه. وأي أدب لا يثمر ما دام الاهتمام به متوالياً بلا انقطاع؟ فالصخر إذا عكف عليه من يفتته أنبت أروع الأزهار، وأينعت فيه أطيب الثمار! وهذا هو الأدب الفرنسي كم انقضت عليه أزمان فما جاد بالسمين؟. . . لقد ظل عصوراً طويلة ضائعاً، غامض اللون والوجه، لا يستقر على حال ولا يقوم له كيان، مع أن فرنسا عرفت أياماً نضرة في عهد (كلوفيس) و (شالمان). وانتقلت إليها روائع اللغة اللاتيتية، وعكف الرهبان في أديارها على تدريس الأدب اللاتيني لنشر تعاليم الدين المسيحي. إلا أن هذه الهمة الشماء لم تنهض بالأدب الفرنسي المضطرب اللهجة واللسان. فظل ضائعاً نغلاً لا أب له ولا أم، لا جامعة تربطه ولا قوة يعول عليها فتوحده وتجمع شتيته. حتى جاءه (ماليرب) فاجتهد في تكوينه وفي بناء قواعده. ولاح في الظلماء بصيص نور فخطر للكردينال (ريشيلو) أن يحي هذا الوليد. فأنشأ المجمع العلمي الفرنسي، وقامت بإنشاء هذا المجمع الدعامة الكبرى في بنيان أدب فرنسا ومن هو (ريشيليو)؟. . . . هذا كاهن عالي الرتبة ساد فرنسا ثمانية عشر عاماً فهو أدهى من قام في البلد الفرنسي من رجال السياسة على إطلاقهم، ولا نستثنى حتى (تاليران) وزير نابليون الأول. فان فرنسا مدينة بعظمتها لهذا الكاهن الذي لم يكن في سياسته كاهناً. فتلاعب بتلك الدولة الكبرى كما يتلاعب بسبحته. فهدم وبنى، وأمات وأحيا وظلم. وشعر بنفور الشعب منه. وأدرك أنه بحاجة إلى ما يرفع من شأنه، فالتفت إلى الأدباء يصلح من شأنهم ويعطف عليهم. فما جهل أن للأدباء ألسنة طوالاً يقتلون بها من يشاؤون، ويقوضون أي ركن راموا تقويضه. ما جهل أن الأدب خالد في بطن التاريخ خلود الممالك، وأن الأدباء أخدان الملوك في البقاء على ممر الأعوام والدهور. وقد يموت الملك ويطوي، ويمحي اسمه حتى من صدور الكتب ولا يموت الأديب

стр. 7129

ما جهل كل هذا ريشليو صاحب اليد الحديدية، وقاتل الملكة (ماري دي ميدسيس) هماً ونكداً، والمسيطر على الملك لويس الثالث عشر. فدعا إلى إنشاء ذلك المجمع الأدبي، ولا يزال المجمع حتى اليوم ينتسب إليه أربعون أديباً ومؤلفاً وعظيماً، وإنه لساهر على اللغة الفرنسية والأدب الفرنسي سهر الأم على بنيها، فلا يغفل عنهما لحظة لئلا يسلطا طريقاً غير قويم وبعد (ريشليو) أطل (الملك الشمس) لويس الرابع عشر، فزاد في توطيد دعائم الأدب الفرنسي. وكان حيال أدباء بني قومه أشبه بملوك العرب حيال أدباء العرب، فجاء بكبار الأدباء يفسح لهم صدر بلاطه، ويخصص لهم المرتبات، ويجزل لهم العطاء، ويدعوهم إلى التأليف. وهو نفسه كان يحاول نظم الشعر، فلمعت في عهده أدمغة أدبية لا تزال حتى اليوم تفيض إشراقاً. وستظل في هذا الفيضان حتى الأبد. فان ما جاء به أدباء فرنسا في القرن السابع عشر يكاد يكون خير ما أنتجته قرائحهم من سام رفيع وطيد نفيس، فجاروا الأدب اليوناني والأدب اللاتيني في أروع ما عندهما من آثار. واقتبسوا منهما الفن التمثيلي والأمثال الحكيمة في روايات وجيزة على ألسنة الحيوانات. واقتبسوا منهما الفلسفة. ولم يكن للأدب الفرنسي أي ميزة يبهر بها العيون، فأمسى في القرن السابع عشر منارة تهتدي بها أوربا جمعاء، بل يهتدي بها المعالم فالروح الأدبية استيقظت من ذلك الحين في فرنسا، ومشت في طريق آمنة مرفوعة الرأس متوجة بأكاليل الغار، ولما تزل مسرعة في سيرها الوثاب. أجل، لقد كان لها ومضات في القرن السادس عشر، إلا أنها أشبه بانتفاض الجنين في بطن أمه، يختلج اختلاجاً يدل على أن الحياة أخذت تدب فيه وليس من حق الفرنسيين أن يزعموا أن أدبهم يرتقي إلى أبعد من القرن السادس عشر. فان يكن لهم بعض فلتات أدبية ترجع إلى ما قبل ذلك العهد فانها لا تستحق العناية. ثم هي موضوعة في لغات متباينة خاضعة للهجات العامية المتداولة يومذاك في شمال فرنسا وفي صميمها، وليس هذا الأدب بالأدب المكتوبة له الحياة. فهو من النفايات التي تطرح جانباً ويضطر التاريخ الأدبي إلى إثباتها لإشارة إلى روح الأدب في عصرها ليس غير

стр. 7130

وما هي روح الأدب في فرنسا قبل القرن السادس عشر؟. . . . روح فروسية وبطولة تفيض بالحماسة وتنسج الملاحم على طراز ملحمة عنترة في اللغة العربية. إلا أنها ملاحم من شعر لا روعة فيه ولا وحدة ولا قافية، فيكفي أن يكون موزوناً والعصور التي سبقت العصر السادس عشر في فرنسا لم تكن بالعصور اللامعة في حضاراتها. فما هناك غير حروب وغزوات. فالقوم كانوا يعيشون على صهوات الخيل، يبايعون يوماً هذا الأمير وينتصرون يوماً لذاك، والحروب كانت أبداً عندهم على لظى واضطرام. فما التفتوا إلى الأدب مثلهم إلى السيف. وهم إذا صاغوا بعض آثار أدبية فقد صاغوها لخدمة السيف ورجال السيف على أنهم ما تذوقوا طعم الأدب الصحيح حتى باتوا يجدون فيه ضرورة من الضرورات لا غنى لهم عنها في حياتهم العامة والخاصة. فأصبح الأدب لديهم أشبه بالقوت. وتكاثر رجال الأدب فيهم. وبرز القرن الثامن عشر حافلاً برجال الفكر من أمثال (فولتير) و (جان جاك روسو) وطغى الأدب على السيف واستولى على الأفكار والعقول. ولفت الأنظار إلى مظالم الملوك. فخرج الشعب من غفلته واعد الطريق إلى ثورة ١٧٨٩، وهي الثورة الفرنسية الكبرى. وهذه الثورة مع اخمادها روح الأدب زمناً، أحيت في الصدور أدبا جديداً شق طريقه (شاتوبريان) ولحقه فيه (لامرتين) و (ألفرد ده موسه) و (فيكتور هوجو) فالشعر في فرنسا لم يعرف مجده الأسمى في عهد غير ذلك العهد، وتوالت الأيام فما ظهر بين الفرنسيين شاعر يستوي ومن سطع في القرن التاسع عشر من شعراء. نعم، إن القرن العشرين لا يزال في مرحلته الأولى. وليس من العجيب أن يتلألأ فيه نجم يكسف ما أشرق في سماء الأدب الفرنسي من كواكب ونجوم. على أن هذا النجم لا يزال في برجه تسد دونه النوافذ والأبواب ووقوف الأرحام عن إتحاف فرنسا بهذا الشاعر المتفوق لا يدل على أن الأدب الفرنسي في جمود. فالأدب الفرنسي اليوم كثير الرواج، فائق الإنتاج، يهدي إلى العالم الغث والسمين، المتين والركيك، العالي والسخيف، كل أدب في غليان، ككل بضاعة تجد أسواقاً تقبل عليها وتلتهما. ولا ريب في أن هذه البضاعة تنفد وتذوب. ولا يبقى منها على توالي الأيام غير الجيد الجيد. والجيد دون القليل. فليس كل ما يأتينا به أي أدب من الآداب بالخالد الباقي

стр. 7131

الرفيع والفضل في رواج الأدب الفرنسي أن له دولة تحميه. فهو لم ينهض إلا يوم قامت في فرنسا دولة موحدة. وسيظل حياً ما بقيت هذه الدولة تنشر حضارتها في العالمين، فالأدب لا تقوم له قائمة إذا لم يكن إلى جانبه سلطان يذود عنه ويدفعه في طريق النهوض، شأن الأدب الهندي، والأدب الصيني، والأدب الفارسي، والأدب العبراني، والأدب اليوناني، والأدب اللاتيني، والأدب العربي وأين كان الأدب الفرنسي يوم كان الأدب العربي في الوجود؟ وكان نكرة من النكرات كان لا شيء فالأيام لم تكد تلقي بذوره في الأرض وكم استفاد الأدب الفرنسي من الأدب العربي! فان مؤرخيه أنفسهم يعترفون بفضل الأدب العربي عليه فلولا الأدب العربي لطال جهل الفرنسيين فلسفة أرسطو. فقد نقلوا فلسفة الحكيم اليوناني إلى لغتهم باعتمادهم اللغة العربية، وكانوا يهتمون بهذه اللغة ويطلعون على دقائقها ويدرسونها يوم كان العرب يحتلون الأندلس. وكم استغلوا من روائعها وكم اقتبسوا منها! فان شعرهم لم يعرف الألوان قبل وقوفهم على الشعر العربي. وبعض المؤرخين يقول إن ذلك الشعر اعتمد القوافي يوم درس الفرنسيون الآداب العربية واطلعوا على منظوم شعراء العرب فالأدب الفرنسي لم يكن له وجود يوم كان الأدب العربي ريانَ وضاءً، ينشر لواءه من قلب فرنسا وإيطاليا إلى خليج العجم وإلى ما هو أبعد من خليج العجم. أما احتل العرب بلاد الهند؟ أما نشروا فيها حضارتهم؟. . . أما حملوا إليها القرآن ولغة القرآن؟. . . أما جاء زمن سادت فيه لغة القرآن العالم فاحتلت ثلاث قارات: هي أسيا وأفريقيا وأوربا؟. . . . وأين كان شعراء فرنسا يوم عرفت الجاهلية أصحاب المعلقات؟. وأين كان فيكتور هوجو يوم نشأ المتنبي؟ وأين كان (فولتير) يوم عرفت الآداب العربية أبا العلاء المعري؟. . . لقد سبقناهم بألف ومئة سنة. هذا إذا خضعنا لقول القائلين أن الأدب العربي عرف الحياة

стр. 7132

في القرن الخامس للميلاد. مع أن الأدب العربي انبثق قبل هذا الزمن بمئات السنين. فمن المحال أن يبلغ أي أدب من الآداب الكمال الفني في وثبة واحدة. فلا بد له من عصور ريثما ينضج. أن هو إلا أشبه بالطبخة. وهذه الطبخة لا تكفيها سنة ولا عشر سنوات. فهي بحاجة إلى مئة سنة على الأقل لتصلح للمضغ والازدراد. ونحن عرفنا أول شعر عربي أتصل بنا مستوفي الشروط كامل العدة. إذاً فلابد أن تكون الأجيال التي بدأت قرض هذا الشعر قد تولت عجنه قبل اختماره بمئات السنين ومن المؤسف ألا يكون للأدب العربي تاريخ صحيح نرجع إليه. فالكتابة كانت مجهولة لدى عرب الجاهلية وهم أبناء البادية والقفار. وهم البعيدون عن كل حضارة. فما وصلت إلينا أشعارهم التي قرضوها في بدء عهدهم بالشعر. فالحفاظ والرواة جاؤونا عنهم بكل غريب. فحدثونا عن العرب البائدة أحاديث لا يقرها عقل ولا صواب. ونحلوا الشعر العربي حتى جدنا آدم، وقالوا إن سفر أيوب كتب باللغة الغربية. وإن موسى تقله منه إلى العبرانية. وتفننوا فيما اختلفوا من روايات عن عاد وثمود وطسم وجديس. فإذا آمنا وصدقنا هذه الروايات كان لنا أن نقول إن اللغة العربية حفلت بالأدب الراقي قبل العصر المسيحي، وإنها من اللغات الأولى التي تخاطب بها الناس. على أننا نكتفي منها بأن تكون آدابها ارتقت إلى المستوى العالي في القرن الخامس للميلاد، يوم قامت فيها الممالك تحالف الفرس من جانب والروم من جانب آخر. فالآداب العربية أثمرت في ذلك الحين ثماراً طيبة لا يزال العطر منها يفوح، ولا تزال مثالاً يحتذى وإننا لنرى في امرئ القيس على ما في شعره من الكلام الخشن - مما تكن تنبو عنه الآذان في ذلك العصر - سيداً من سادات الأدب لم يعرف أمثاله الأدب الفرنسي في غير القرن السابع عشر. وامرؤ ألقيس عرفه الأدب العربي في القرن السادس. وهذا أصدق دليل على أننا سبقنا القوم بألف ومائة عام وكانت الآداب العربية وافرة الجني في عهدها الأول. وظهر الإسلام فزادها ثروة على ثروة. وخصوصاً في كتابه القرآن. فالقرآن أفضل ما تحفل به اللغة العربية، وإذا اكتفينا بأن ننظر إليه ككتاب يحفظ للغة العربية متانتها وبلاغتها، ويعدو الخاضعين لتعاليمه إلى قراءته وترديد آياته. فهم وحده يقي اللغة الموت، ويرد عنها البلاء، ويصونها من الضياع.

стр. 7133

ولولاه لاضمحلت اللغة العربية في عصر الانحطاط وتلاشي كل أثر منها ومال الخلفاء في صدر الإسلام إلى الشعراء فزادوا في إحياء لغة العرب، وهم كانوا في حاجة إلى الشعراء. لقد كانوا في حاجة إلى شعرهم ينالون به من خصومهم ويهدمون من أمجادهم، تشبهاً بالرسول في موقفه من شاعره حسان. ولم يكن للصحف وجود في ذلك الحين. فبحث الخلفاء - وفي طليعتهم معاوية - عمن يقوم بالطعن على خصومه في كلام يردده الحداة ويتناقله الركبان، فلم يجد أمامه غير الشعراء وسادة القريض. ومما زاد في حاجته إليهم اضطراره إلى الكفاح والنضال بعد انتزاعه الخلافة من علي بن أبي طالب. فأصبح للشعر ولقائليه شأن. خصوصاً وقد تعددت في ذلك الحين الأحزاب السياسية والدينية، وأمسى كل سيد قوم بحاجة إلى من يطنب في الثناء عليه ويغالي. ولم يكن ثمة غير الشعراء يصوغون من المديح عقوداً ويتقاضون عنها نقوداً. فكثر الإقبال عليهم وأكثروا هم من التقلب في مدح هذا يوماً وذاك يوماً آخر استداراً لرفده وعطائه. وراجت بضاعة الشعر فتكاثر الشعراء، وأورقت رياض الأدب، ومعظم الذين حفلت بهم من المكتسبين. غير أن هؤلاء المتكسبين جادوا بأحسن ما عندهم رغبة منهم في غنم أوفر مبلغ مستطاع وأكثر عصور الأدب ازدهاراً في اللغة العربية هو العصر العباسي، بل الأعصر العباسية على إطلاقها. فقد بلغ الأدب العربي في ذلك الحين القمة، وما اكتفى رجالة بالشعر يصوغونه على الفطرة والسليقة، بل تعمقوا في الأدب يدرسونه وينتقدونه ويؤلفون فيه الكتب والأسفار، فولجوا الأبواب كلها: من نظم ونثر، من نقد ورواية، من علم وتاريخ، وامتزجوا بمن حولهم من الأمم، فوقفوا على الأدب الفارسي والأدب اليوناني، وأضافوا إلى كنوز الأدب العربي كنزاً آخر، وهو كنز لا يقل في شيء عما تفاخر به اللغة الفرنسية من نفائس وروائع، فما نفحها به أدباؤها في عصر (الملك الشمس) والقرن الثامن عشر والتاسع عشر لا يزيد قدره الفني ما طفحت به اللغة العربية في الأعصر العباسية، وكل ما للأدب الفرنسي من ميزة أنه أكثر تنظيماً وتبويباً، وأحكم وحدة وارتباطاً، فالأدب العربي يكاد يكون خالياً من الوحدة والارتباط، فلا صلة بين أجزائه وموضوعاته، ولا لحمة في مؤلفاته. فهي متناثرة كحجارة البناء المطروحة على الطريق تحتاج إلى البنائين ليرصفوا

стр. 7134

بعضها فوق بعض ويقيموا منها داراً عامرة أما الإنتاج فلا نبالغ إذا قلنا إنه يوشك أن يكون والإنتاج الفرنسي في مستوى واحد، وما على من يرتاب فيما نقول إلا أن يطلع على ما أبقاه العهد العباسي من جليل نفيس. فالخزائن تكاد تضيق بروائع تلك الأعصر الزاهرة والفضل فضل الدولة القائمة، بل الدول التي قامت في تلك الأعصر. ولو ظلت في مناعتها لكان الأدب العربي اليوم في رقي الأدب الغربي إن لم يكن أرقى منه. ولكن سقوط بغداد في أيدي أعداء العرب طعن الأدب العربي في صميمه. وكان عهد الانحطاط. واستمر هذا الانحطاط طويلاً. استمر ستمائة عام. وفي هذه الأعوام الستمائة جمدت اللغة العربية جموداً قاتلاً. وكادت أركانها تنهار لولا القرآن وبعض الهائمين بها. وفيما هي ترقد رقادها الفاجع تحركت الآداب الأخرى وبنت لها قصوراً منيعة ننظر إليها اليوم معجبين، ونكاد نتناسى في ظلالها أن لنا أدباً حياً لا يقل شأناً عن سائر الآداب الحية، ولكننا وقفنا بينما مشى سوانا، وبينما نرى أننا عاجزون عن اللحاق به. وهذا اليأس زاد في ضعفنا وخمولنا وقد نظل ضعفاء خاملين لا تقوم لنا قائمة إلا يوم تقوم دولة عربية حرة يتقيأ أديبنا ظلال قبابها العالية. فإذا كتب أو أنشأ علم أن الأيدي تمتد من كل جانب للوقوف على ما كتب أو أنشأ، وما دامت هذه الدولة غير موجودة أو واهية القوى، فلأدب العربي يعيش على سواعد عشاقه. وسواعد عشاقه لا تكفي للنهوض به. فكل ما تفعل أنها ترد عنه عوادي الزمن، وتنقذه من الفناء ريثما يأتيه يوم يرفع فيه رأسه، ويغزو من يغزوه، ويبطش بمن يكتسحه فالأدب يلمع عندما تلمع الدولة التي يحمل لواءها وليس الأدب العربي بالشاذ عن القاعدة مع كل ما في القواعد من شواذ!. . . . (بيروت) كرم ملحم كرم

стр. 7135

ورطة للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني خرجت من بيتي في صباح يوم، ومعي - في جيبي - ثلاثون قريشاً ليس إلا. . . وقالت لي نفسي، وأنا أضع الطربوش على رأسي بيد، وأفتح الباب بيد: (إنك يا هذا ذاهب إلى عملك فعائد منه إلى البيت لتتغذى، فما حاجتك إلى أكثر من هذا القدر؟ اقنع به، فان امتلاء اليد يغري بالأنفاق، وكفك كالغربال - كثيرة الخروق، وواسعتها جدا - ولو رزقت مال قارون لأتيت عليه كله في بعض يوم، فأنت والله أحق الناس بالحجر!) فوقفت مغيظاً، فما يليق أن تصبحني نفسي بمثل هذا الكلام القبيح. وكيف بالله أؤدي عملي إذا كنت أسمع مثل هذا التأنيب على الريق؟ وقلت لأزجرها عن هذا السلوك المعيب: (بدأنا؟ يا فتاح يا عليم! ألم أنهك عن هذا ألف مرة!) فراحت تكابر وتقول: (وهل قلت إلا إنك مسرف؟) فصحت بها من الضجر: (مسرف كيف، يل ستي؟ وهل ما أكسب يكفيني حتى أعد مسرفاً؟) قالت: (إنه لا يكفيك لأنك مسرف. . . . مخروق الكف، وفي دون ما تكسب فوق الكفاية) قلت: (كلام فارغ. . . ولعب بالألفاظ. . . . هذه يدي ليس فيها خرق واحد، وإني لأحب المال حباً جماً، وأحاول أن أخزنه وأكنزه، ولكن ماذا أصنع؟ كلما دخلت البيت قالوا هات. . . هات. . ولست أسمع وانا في البيت إلا قولهم (هات. . هات!) لا أحد يقول (خذ!) كلا. . هات صابوناً. . . هات بناً. . . هات أحذية وطرابيش. . . كأني مصلحة تموين. . . حتى وأنا نائم أسمع هاتفاً يقول لي: (هات) فاستيقظ مذعوراً. . . وإذا لم أذهب إلى البيت - أعني إذا فرت منه - فلا مفر من الانفاق في حيثما أكون. . . . لا أحد يقبل أن يعطيني شيئاً بالصلاة على النبي. . . كلا. . . لم تبق في الدنيا مروءة ولا كرم ولا تقوى ولا. . . . .) وأمسكت، فقد رأيت أحد الجيران يرقي في السلم، فخفت إذا سمعني أتكلم أن يحسبني مجنوناً، ولم أر أحداً غيري يحادث نفسه، فيظهر أنهم لا نفوس لهم. . . أعني أن نفوسهم

стр. 7136

لا تتعبهم ولا يسرها التنغيص عليهم وجاء الظهر، وزارني صديق عزيز طال غيابه عني، فقلت له وأنا أنهض معه: (تعالى نتغذى) قال: (أين؟) قلت: (أين؟ في البيت عندنا!) قال: (بيت؟ لا لا لا. . . تعال إلى المطعم) قلت: (مطعم؟ يا خبر أسود! لا يا سيدي! لا آكل في مطعم ولو شنقوني) قال: (كيف تقول؟ لماذا تتكلم بهذه اللهجة؟) قلت: (يا أخي بالله عليك دع المطاعم فان آكالها لا هنيئة ولا مريئة، وتعالى معي إلى البيت) وكنت وأنا أدعوه إلى ذلك أرجو أن يرضى، وأخاف أن يأبي، ويف لا أخشى وكل ما معي ثلاثون قرشاً لا تكفيني وحدى، فكيف به معي وهو ضيفي؟ وخطر لي أن أصارحه؛ ولكني استحيت، وقلت خير من ذلك أن أحتال حتى اقنعه وأجره معي، والتفت إلى نفسي وقلت لها همساً: (أرأيت؟ هل يعجبك هذا؟ هذه الفضيحة تسرك؟ مسرف أنا؟ هيه؟ أنا أبعثر المال باليمين والشمال؟ أنفقه بلا داع. . . . أرميه في التراب! بالله ماذا كان يضيرني أو يضيرك لو أني خرجت بجنيه مثلاً بدلاً من هذه القروش القليلة التي لا تنفع؟) وبدا لي أن خير ما أصنع في هذا الموقف هو أن أكون رجل عمل لا رجل كلام، فشددت ذراعه وقلت: (تعال!) قال: (لماذا تجرني هكذا؟ إلى أين؟) قلت: (إلى البيت. . . . لا فائدة من الكلام تعال) وشاء سوء الحظ أن تمر في هذه اللحظة مركبة قديمة يجرها جوادان هزيلان معروقان، وأبى السائق اللعين إلا أن يتلكأ ويومئ إلينا بالسوط الذي في يمينه أن نرب، ويقول: (أجي يا بك؟) فصحت: (لا لا لا لا. . .) وأشرت إليه أن يذهب عنا، وأن يبعد جداً، وأن يسرع في ذلك

стр. 7137

فقال صاحبي: (لا، يعني ماذا؟ انتظر يا رجل. . . تعال نركب فإني متعب) قلت: (نركب؟) قال: (نعم. . . إلى مطعم الـ. . . . تعال. . .) وشدني، وكان أقوى مني وأضخم، فتعثرت وراءه وأنا أقول: (يا أخي، الترام أسرع من هذه الخيل المحنطة. .) قال: (لا، هذا أحسن) وركبنا، وضرب الرجل جواديه بالسوط، فصحت به: (يا رجل، حرام عليك، انزل وجرهما!) فابتسم الرجل، وأقبل على اللجم يشدها ويرخيها، ويخرج وهو يفعل ذلك أصواتاً ليس في الحروف المعروفة ما يترجمها، فلست أدري أهي جء جء، أم تء تء؟ أم ماذا غير ذلك؟ وأدرت وجهي إلى صاحبي وقلت له: (وكيف تكتب هذا؟) وقلدت صوت السائق، فقال: (لا تكتب) قلت: (ما أشد قصور اللغة إذن، وأقل وفاءها بمطالب التعبير!) قال: (أي تعبير يا أخي؟ مالك اليوم؟) قلت: (ألست ترى الخيل تفهم عنه؟ فهي لغة تفهمها، ويجب أن نعرف كيف نكتبها ونرسم الرموز لنطقها، وإلا كان هذا منا قصوراً) قال: (طيب. . . . . . طيب. . . .) فقلت محتداً: (كيف تقول طيب؟ أيجوز أن تسع اللغة كل هذا الذي تسعه وتعجز عن أداء هذه الأصوات القليلة؟) قال: (نعم يجوز. .) قلت: (كيف تقول؟) قال (نعم، لأنها لغة مجعولة لأبناء آدم، لا للخيل والحمير) قلت (ولكن الخيل ليست هي التي تنطق بها، بل هذا السائق الآدمي) قال: (أسلكه مع الخيل والحمير، وأرح نفسك وأرحني) فسكت، فما بقي لي بعد هذا كلام،

стр. 7138

وبلغنا المطعم الذي اختاره فترجلنا، وأنقدت السائق خمسة قروش - قطعة واحدة، خرجت من عيني، لا يخلا، فما بي بخل، وإني وحقكم لكريم مضياف، وقد سمعتم نفسي تنكر على إسرافي وتبذيري، وتزعمني لذلك من إخوان الشياطين، ومن كان لا يصدق فليجئني بمال، ولير كيف أنفقه له، ولا أبقي لنفسي منه دانقاً! وجلسنا إلى مائدة نظيفة، وجاء الخادم بورقة كبيرة مطوية فيها ألوان الطعام - أغني أسماءها - فنحيتها عني بإصبعي، وقلت له: (اقرأ واختر لنفسك) قال: (وأنت؟) قلت: (ابدأ بنفسك يا سيدي، واتركني لاختياري بعد ذلك) فرفع الورقة أمام عينيه، واضطجعتُ أنا، وجعلت أنظر إليه، وأجيل عيني في جسمه الضخم الهائل الأنحاء، وأسأل ماذا ترى يكفي هذه المعدة الكبيرة ويملأ هذه الكرش العظيمة؟ وماذا يكون العمل إذا جاوز الأمر ما معي؟ ورمي إلى الورقة وقال: (الاختيار صعب، فاطلب لي أنت ما تشاء!) فتناولت الورقة، وأنا فرح مسرور، وقلت في سري: (يا مفرج الكروب يا رب) وصرت أنظر في الأثمان، فأهمل ما ثمنه غالياً، وأقصر الاختيار على كل معتدل الثمن أو ضئيله وقلت له: (في المطاعم يحسن اتقاء الدجاج والسمك، مخافة أن تكون تلك مخنوقة وهذه قديمة، ولست أرى هنا ما يصلح للأكل إلا المرق والأرز والخضر والفاكهة، والجو اليوم حار جداً، فيحسن الاجتزاء بالخفيف من الطعام، والذي لا خوف من الغش فيه) فخطف مني الورقة وهو يقول: (يا أخي مالك أنت؟ أهي بطني أم بطنك؟ وصحتي أنا أم صحتك؟ ومن قال لك إني مترف يؤذيه الحر ويثقل فيه على معدته اللحم والطير والسمك؟) قلت: (إنما أخاف عليك الموت، فما زلت شاباً، وقد مات منذ أيام شباب من إخواننا من أكلة. .) فقاطعني قائلاً: (لا فائدة. . . لا فائدة. . سآكل ما أريد على رغم أنفك) فهززت رأسي وقلت: (شأنك، إن همي كله ألا يصيبك ما أصاب ذلك الموظف الذي أكل

стр. 7139

سمكة متعفنة. .) فصاح بي: (يا أخي اسكت، أي حديث هذا على الطعام؟) قلت: (سكت يا سيدي، ولكن لا أقل من أن تشاورني لأنصح لك) قال: (كلا. . . ولا هذه. . . وهل أنا مسئول منك؟) قلت: (إنك ضيفي وأنا مسئول عنك) قال: (متنازل. . . اسكت بقى) فلولا أن كرمي طبع لا تطبع، لسرني هذا القول، ولكني أبيت أن أقبل (تنازله) ودعوت الخادم وقلت لصاحبي: (مره بما تشاء. . واطلب مه كل الألوان التي يقع عليها اختيارك دفعة واحدة، ليعدها لك، من الآن، ولا يعود يعتذر بأن هذا فرغ، وهذا لم يبق منه شيء) فوافق، وكانت غايتي من هذا الاقتراح أن أعرف على وجه الدقة كم يكلفني إطعام ضيفي، وهل يبقى في جيبي بعد ذلك شيء آكل به، أم ينبغي أن أصوم إكراما له وإيثاراً، فوجدت أن جملة الثمن بلغت تسعة عشر قرشاً، فقلت في سري (أما والله إنه لشره نهم! أما كان يستطيع أن يكتفي بلونين؟ إنه لا يبقي لي بعد ذلك إلا ستة قروش تذهب منها اثنان تجزية للخادم، وقرش لابد منه لركوب الترام إلى البيت، فالباقي ثلاثة قروش، وما يدريني أنه لا يستمرئ نعمتي فيطلب قهوة أيضاً، إذن هما قرشان اثنان لا أملك لنفسي غيرهما. . . حسن. . فليكن كل طعامي تفاحة) واستغرب صاحبي زهدي في صنوف الأطعمة، واكتفائي بتفاحة، فقلت له (يا أخي ألم أقل لك أني أكره أن آكل في معطم؟ ولقد نصحت لك فهل كنت تظنني عابثاً، أم حسبتني من جماعة (يا أيها الرجل المعلم غيره)؟ لا يا صاحبي. وقد تركتك لرأيك، فاتركني لرأيي!) وكان يأكل وانا أدخن وأتكلم، ثم صفق فذعرت وسألته ماذا تريد؟) قال (أليس عند هؤلاء القوم نبيذ جيد؟) فقلت بسرعة (لا لا لا. . . إنه خل - إحذر) قال (خل. . . عسل. . . لابد لي من النبيذ) فضربت كفاً بكف، ولولا المكان غاص بالناس للطمت وجهي، فنظر إلي مستغرباً

стр. 7140

وسألني: (مالك، لم أرك قط على مثل هذا الحال؟) قلت: (يا أخي أتريد أن تفضحني) قال: (أفضحك؟ لماذا؟) قلن: (تشرب النبيذ وأنت معي؟ ماذا يقول الناس عني إذا رأوك ورأوني) قال: (إيه؟ أنت تخجل أن يراك الناس مع صاحب يشرب خمراً؟ متى تغيرت عن عهدي يا صاحبي؟) قلت: (اليوم. .) قال: (على كل حال، هذا لا يعنيك. . اطلب ما شئت إلا الخمر. . . فلن أدفع ثمن قطرة) فأطال التحديق في وجهي، ثم قال: (ليس هذا مربط الفرس. . . ما هي الحكاية؟ قل بصراحة!) فلم أعد أطيق الكتمان، فقد كنت أمعائي تنقطع من الجوع، وعيني تكاد تخرج من الغيظ، وشق علي أن أراه يلتهم الطعام وأنا جالس أنظر وأتضور واتحسر، فانفجرت قائلاً: (الحكاية يا أحمق يا غبي أن كل ما معي في هذه الساعة المنحوسة التي تجلس فيها أمامي خمسة وعشرون قرشاً. . . وأنت تأكل كأنك ما ذقت طعاماُ منذ قرن كامل، وتريد فوق ذلك أن تشرب نبيذاً! شيء لطيف جداً؟ ومن أين أجيء بثمن النبيذ الذي تفرغه في جوفك؟ أرهن ثيابي؟؟ أم أطعمك وأسقيك، نسيئة؟ او كان في رأسك هذا ذرة من العقل والفهم، أو في عينك تنظر لفطنت إلى الحقيقة ولم تحرجني إلى الكلام، ولكن كل جارحة فيك مَعِدة. . .) فقال بعد طول الإصغاء: (أهو ذاك؟) قلت بغيظ: (نعم هو ذاك يا أيها الكرش؟) فلم يجب بشيء وصفق فجاء الخادم فقال له: (اطعم هذا الجوعان المسكين) فقلت له: (قبحك الله! ألا بد أن تفضحني؟) قال: (ألا تستحق ذاك؟) قلت: (ليس هذا وقت الجدل. . هات دجاجة سمينة)

стр. 7141

قال: (فان الدجاج مخنوق. . . .!) قلت: (لا تكن كزاً لئيماً. . اذهب يا هذا وهات الدجاجة السمينة. . . والله لا بدأتُ إلا بها) قال: (بدأت؟) قلت: (نعم، ثم بسمك) قال: (إنه قديم، متعفن) قلت: (فليكن من عهد الفراعنة، فأن الجوع لا يرحم) قال: (قاتلك الله. لقد كنتُ أشتهي الدجاج والسمك فصرفتني عنهما بتهويلك وخوفتني منهما) قلت: (ما في بطني في بطنك!) ولما عدت إلى البيت قلت وأنا أبدل ثيابي لأستريح (أظن أنه لا يسعك أن تتهميني بالإسراف في يومي هذا، فقد عدت بأربعة وعشرين قرشاً من ثلاثين خرجت بها) فابتسمت، وهزت رأسها راضية، فقلت: (ولكنه موقف لا يحتمل إذا تكرر، ولن أطاوعك بعد اليوم) إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 7142

٢ - قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم لوفن هوك أول غزاة المكروب (بائع القماش الهولاندي الساذج الذي ضحك منه أهل بلده فكاتب الجمعية الملكية البريطانية وبها روبرت بويل. وإسحاق نيوتن فاستمعت له وصفقت خمسين عاماً) إن كثيراً من مكتشفات العلم الأساسية قد تظهر لرائيها اليوم بسيطة بالغة البساطة حتى ليعجب المتأمل في العصر الحاضر من رجال العصور الغابرة كيف أنهم تحسسوا وتلمسوا آلاف السنين عن أشياء كانت منهم قاب قوسين أو أدنى من ذلك قرباً. خذ المكروبات مثلاً. فعامة الشعوب تراها اليوم تتبختر على الشاشة البيضاء، والكثير من ذوي العلم القليل رأوها تسبح وتمرح تحت عدسة المكرسكوب، وطالب الطب البادئ يستطيع أن يري جراثيم كثير من الأمراض - وإذن فما هذه العقبة الكأداء التي قامت دون رؤية المكروب لأول مرة! أذكر أن (لوفن هوك) عندما ولد لم يكن في الدنيا مكرسكوبات، ولكن عدسات يد صغيرة خشناء لا تكاد تكبر الشيء ضعفين، لو نظر بها هذا الهولاندي ثم نظر لعلاء الشيب ولما يكتشف من الأحياء إلا دود الجبن فما حجماً. وإنما الذي غير وجه الأمر نحت هذا الرجل عدساتٍ جديدة، ومثابرته على ذلك وإلحاحه فيه إلحاح معتوه، ثم شغفه بعد ذلك بنظر كل شيء، والتجهير إلى كل شيء، خص أو عم، علا أو حقُر، شرف أو سفل، دخل في حدود الأدب أو خرج عنها، فنال من ذلك خبرة وكسب مراناً هيأه لاستقبال ذلك اليوم الباغت الفاجيء الخالد، يوم نظر من خلال عدسته، تلك اللعبة الزجاجية فإطارها الذهبي، إلى. . . قطرة ماء!

стр. 7143

تلك النظرة. . . إلى تلك القطرة. . . . بدأت تاريخاً مجيداً. كان (لوفن هوك) بحاثاً مخبولاً غريب الأطوار، وإلا فما الذي حدا به إلى أن ينظر من بين ألوف الأشياء إلى قطرة ماء نزلت من السماء؟! وما الذي عساه أن يرى فيها! كانت مريم ابنته في التاسعة عشرة من عمرها. وكانت كثيرة الحَدَب على أبيها المأفون ترعاه وتدفع عنه. والويل للجار السافل الغبي الذي يغريه سوء طالعه بالهزء من والدها على مسمع منها وكانت مريم ترقب خُطى أبيها؛ ففي هذا اليوم المعهود رأته يتناول أنبوبة من الزجاج أحماها في لهب حتى صارت حمراء، ثم مطها حتى كانت كالشعرة، ثم كسرها قطعاً صغيرة. ونظرت إليه وهو واسع العينين ذاهل اللب فإذا به يخرج إلى الجنينة فُيكب على إناء كان وضعه هناك ليقيس به مقدار المطر العاطل، ثم يغمس تلك الشعرات الزجاجية فيه، ثم يعود بها إلى مكتبه فيضعها تحت عدسته. ليت شعري ما وراء هذا الأب المأفون العزيز الآن. إنه ينظر في العدسة ويُجهد النظر حتى حًوِلتْ عينه. إنه يتمتم بكلمات تتردد في حلقه ولا تخرج إلى شفتيه. ها هو ذا قد زاد اضطرابه وعلا بغتة صوته، وأخذ يصيح لابنته في اهتياج ظاهر: (تعالي. تعالي أسرعي! أسرعي! أرى أحياء في الماء، أحياء صغيرة. إنها تسبح. إنها تدور وتلعب. إنها أصغر ألف مرة من الحيوانات التي تراها أعيننا المجردة. أنظريها وانظري ماذا اكتشفت) هذا يوم (لوفن) جاء أخيراً، وهو يوم في الأيام مُعلَم مشهور. ساح الاسكندر ما ساح حتى جاء إلى الهند فاكتشف فيها ما لم تره عين إغريقي من قبله: فيلةً عظاماً ضخاماً تملأ العينَ والقلب، هذه الفيلة كانت عند الهندوس كالخيل عند الإغريق، أشياء مألوفة لا تبعث فيهم دَهَشاً ولا تثير عجباً. وضرب قيصر في الأرض ما ضرب حتى طلع به المطاف على الجزر البريطانية فراعه ما وجد فيها من أقوام بادين مستوحشين، ولكن هؤلاء البريطانيين كانوا فيما بينهم معروفين مألوفين كألفة قيصر جنوده. أما (لوفن هوك) التاجر الصغير فقد سبق العالم فأطل على عالم عجيب لا يبلغه البصر، عالم من مخلوقاتٍ صغيرة عاشت وعاودت العيش، ونمت وعاودت النماء، وتقاتلت وعاودت التقاتل، وماتت وعاودت الموت، وكل ذلك تحت عين الإنسان وسمعه، ومنذ بدأ الزمان، والإنسان لا يسمعها، والإنسان لا يبصرها. مخلوقاتٍ على صغرها أهلكت شعوباً وأذلت أمماً من رجال يكبرونها

стр. 7144

عشرات الملايين من الأضعاف. مخلوقاتٍ شرٍ على البشر مما خالوا من أفاعٍ تنفث النار وتنشر الفزع والدمار. مخلوقاتٍ قتالة، تقتل في صمت، تقتل الطفل وهو في دفء مهده، وتقتل الملك بين أعوانه وجنده. تلك المخلوقات الخفية الحقيرة العدوة اللدود - والتي قد تسالم أحياناً وتصادق - هي التي نظر إليها (لوفن هوك) أول رجل على ظهر البسيطة - ٣ - سبق أن حدثتكم عن (لوفن هوك) بأنه رجل كثير الشك كثير الريبة، لذلك لما وقعت عيناه على تلك الحيوانات رآها بالغة الصغر بالغة العجب حتى لا يكاد يؤمن الرائي بها. ومن أجل هذا أعاد النظر ثم أعاده حتى انجمدت يده من مسك المكرسكوب ودَمَعت عيناه من إطالة التحديق، فوجد أن نظرته الأولى لم تكن خُدعةً، فها هي الحيوانات نفسها تعود فتتراءى له، وليست هي من جنس واحد هذه المرة، فها هو جنس ثان أكبر من الأول سريع الحركة رشيق الدوران لأن له بضعة أرجل بالغة في الدقة، وها هو جنس ثالث، ورابع ولكنه صغير جداً فلا يبين شكله، ولكنه حي يدور بسرعة خاطفة فيقطع الأميال في دنياه الصغيرة - في تلك القطرة من الماء وكان (لوفن) قياساً ماهراً، ولن أنى له بمقياس تُقاس به هذه الحيوانات الصغيرة. جمع لوفن ما بين حاجبيه، وجمع بتجميعه أشتات فكره، واخذ يبحث في زوايا رأسه وفي الأركان المهجورة من ذاكرته بين آلاف الأشياء التي تعلمها وأتقن تعلمها عله يهتدي بها إلى قياس تلك الأحياء، وعدّد ما عدّد، وحسب ما حسب، وخرج من حسابه على أن (الحيوان الأخير الذي رآه أصغر ألف ألف مرة من عين قملة كبيرة). وكان هذا تقديراً صائباً من رجل مدقق محاذر، فنحن نعلم اليوم أن عين القملة التامة النماء لا تزيد حجماً عن عشرة آلاف من تلك الحيوانات ولكن من أين أتت وكيف سكنت قطرة الماء؟ أجاءت من السماء؟ أم زحفت من الأرض على جدار الإناء حتى بلغت الماء؟ أم قال لها الله كوني فكانت من لا شيء؟ إن (لوفن) يؤمن بالله بمقدار ما آمن به أي هولاندي من أهل القرن السابع عشر، وكان يصفه بأنه خالق هذا الكل العظيم، وكان فوق إيمانه يُعجب به أي أعجاب، وكيف لا يعجب من خالق حاذق عرف كيف يصنع أجنحة النحلة بهذا الجمال المطرب. ولكن (لوفن) كان

стр. 7145

إلى جانب هذا يعتقد في المادة وفي وساطتها، وهداه وحي نفسه الصادق إلى أن الحياة لا تنتج إلا من حياة، وأن الله لم يخلق هذه الحيوانات في وعاء الماء من لا شيء. . ولكن صبراً. . ولم لا يخلق ما شاء كيف شاء؟ لا سبيل إلى معرفة مأتي هذه الحيوانات إلا التجربة. فقال لوفن لنفسه (فلأجرب) فغسل كاس خمر غسلاً طيباً وجففه، ورفعه إلى حيث يقطر ماء المطر من سقيفة داره، فلما تجمع فيها بعضه أخذ منه قطرة وسلط عليها عدسته. . . نعم! لا يزال بها قليل من تلك الحيوانات غادياتٍ رائحات. إذن فهي توجد في ماء المطر غب نزوله. ولكن مهلاً، فهذا استنتاج فطير، من أدرانا؟ لعلها كانت على السقف فنزل المطر فاكتسحها في الكأس فدخل لوفت بيته وخرج بصحن من الصيني داخله أزرق صقيل فغسله ورفعه إلى السماء والمطر يهطل، ورمي بما تجمع فيه من الماء ليتأكد من نظافته، ثم رفعه مرة أخرى، ثم غمس في مائه شعرة من شعراته الزجاجية وبكثير من الحذر حملها بقطرتها إلى مكتبه لينظر فيها. (لقد واتاني الدليل! هذا الماء ليس فيه مخلوق واحد من تلك المخلوقات الصغيرة، فهن لن يأتين من السماء) ولكنه احتفظ بهذا الماء الساعةَ بعد الساعة، وهو يحدق فيه، واليومَ بعد اليوم وهو يحدق فيه، وفي اليوم الرابع أخذت تلك المخلوقات تتراءى فيه مع ذرات من التراب وخيوط القطن ونسائل التيل اكتشف (لوفن) هذه الدنيا الجديدة التي لم تخطر على بال أحد، فهل كتب إلى الجمعية الملكية ينبئها خبر هذا الاكتشاف الضخم؟ لا، لم يكن بعدُ أخبرهم، فقد كان رجلاً بطيئاً، وإنما سلط عدساته على كل أصناف الماء، على الماء الذي في مكتبه وهواؤه محبوس، على الماء بالقدر الذي وضعه في الهواء الطلق على سطح بيته، على الماء الذي بقنوات بلدته وهو غير شديد النقاء، وعلى ماء البئر البارد الذي بجنينة داره، وفي كل هذه الأمواه وجد هذه الحيوانات. وراعه صغرها الهائل، فكثير منها لم يبلغ الألفُ منه حجمً الحبة من الرمل، وقارن بعضها بدودة الجبن، تلك الحشرة القذرة الصغيرة، فوقعت منها وقوع النحلة من الفرس كان لوفن بحاثاً يبحث عن كل شيء وفي كل شيء، ومن غير علم سابق عن تلك الأشياء.
следующие страницы →