Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
قال: (فان الدجاج مخنوق. . . .!)
قلت: (لا تكن كزاً لئيماً. . اذهب يا هذا وهات الدجاجة السمينة. . . والله لا بدأتُ إلا بها)
قال: (بدأت؟)
قلت: (نعم، ثم بسمك)
قال: (إنه قديم، متعفن)
قلت: (فليكن من عهد الفراعنة، فأن الجوع لا يرحم)
قال: (قاتلك الله. لقد كنتُ أشتهي الدجاج والسمك فصرفتني عنهما بتهويلك وخوفتني منهما)
قلت: (ما في بطني في بطنك!)
ولما عدت إلى البيت قلت وأنا أبدل ثيابي لأستريح
(أظن أنه لا يسعك أن تتهميني بالإسراف في يومي هذا، فقد عدت بأربعة وعشرين قرشاً من ثلاثين خرجت بها)
فابتسمت، وهزت رأسها راضية، فقلت:
(ولكنه موقف لا يحتمل إذا تكرر، ولن أطاوعك بعد اليوم)
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 7142
٢ - قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
لوفن هوك
أول غزاة المكروب
(بائع القماش الهولاندي الساذج الذي ضحك منه أهل بلده فكاتب الجمعية الملكية البريطانية وبها روبرت بويل. وإسحاق نيوتن فاستمعت له وصفقت خمسين عاماً)
إن كثيراً من مكتشفات العلم الأساسية قد تظهر لرائيها اليوم بسيطة بالغة البساطة حتى ليعجب المتأمل في العصر الحاضر من رجال العصور الغابرة كيف أنهم تحسسوا وتلمسوا آلاف السنين عن أشياء كانت منهم قاب قوسين أو أدنى من ذلك قرباً. خذ المكروبات مثلاً. فعامة الشعوب تراها اليوم تتبختر على الشاشة البيضاء، والكثير من ذوي العلم القليل رأوها تسبح وتمرح تحت عدسة المكرسكوب، وطالب الطب البادئ يستطيع أن يري جراثيم كثير من الأمراض - وإذن فما هذه العقبة الكأداء التي قامت دون رؤية المكروب لأول مرة!
أذكر أن (لوفن هوك) عندما ولد لم يكن في الدنيا مكرسكوبات، ولكن عدسات يد صغيرة خشناء لا تكاد تكبر الشيء ضعفين، لو نظر بها هذا الهولاندي ثم نظر لعلاء الشيب ولما يكتشف من الأحياء إلا دود الجبن فما حجماً. وإنما الذي غير وجه الأمر نحت هذا الرجل عدساتٍ جديدة، ومثابرته على ذلك وإلحاحه فيه إلحاح معتوه، ثم شغفه بعد ذلك بنظر كل شيء، والتجهير إلى كل شيء، خص أو عم، علا أو حقُر، شرف أو سفل، دخل في حدود الأدب أو خرج عنها، فنال من ذلك خبرة وكسب مراناً هيأه لاستقبال ذلك اليوم الباغت الفاجيء الخالد، يوم نظر من خلال عدسته، تلك اللعبة الزجاجية فإطارها الذهبي، إلى. . . قطرة ماء!
стр. 7143
تلك النظرة. . . إلى تلك القطرة. . . . بدأت تاريخاً مجيداً. كان (لوفن هوك) بحاثاً مخبولاً غريب الأطوار، وإلا فما الذي حدا به إلى أن ينظر من بين ألوف الأشياء إلى قطرة ماء نزلت من السماء؟! وما الذي عساه أن يرى فيها! كانت مريم ابنته في التاسعة عشرة من عمرها. وكانت كثيرة الحَدَب على أبيها المأفون ترعاه وتدفع عنه. والويل للجار السافل الغبي الذي يغريه سوء طالعه بالهزء من والدها على مسمع منها وكانت مريم ترقب خُطى أبيها؛ ففي هذا اليوم المعهود رأته يتناول أنبوبة من الزجاج أحماها في لهب حتى صارت حمراء، ثم مطها حتى كانت كالشعرة، ثم كسرها قطعاً صغيرة. ونظرت إليه وهو واسع العينين ذاهل اللب فإذا به يخرج إلى الجنينة فُيكب على إناء كان وضعه هناك ليقيس به مقدار المطر العاطل، ثم يغمس تلك الشعرات الزجاجية فيه، ثم يعود بها إلى مكتبه فيضعها تحت عدسته. ليت شعري ما وراء هذا الأب المأفون العزيز الآن. إنه ينظر في العدسة ويُجهد النظر حتى حًوِلتْ عينه. إنه يتمتم بكلمات تتردد في حلقه ولا تخرج إلى شفتيه. ها هو ذا قد زاد اضطرابه وعلا بغتة صوته، وأخذ يصيح لابنته في اهتياج ظاهر: (تعالي. تعالي أسرعي! أسرعي! أرى أحياء في الماء، أحياء صغيرة. إنها تسبح. إنها تدور وتلعب. إنها أصغر ألف مرة من الحيوانات التي تراها أعيننا المجردة. أنظريها وانظري ماذا اكتشفت)
هذا يوم (لوفن) جاء أخيراً، وهو يوم في الأيام مُعلَم مشهور. ساح الاسكندر ما ساح حتى جاء إلى الهند فاكتشف فيها ما لم تره عين إغريقي من قبله: فيلةً عظاماً ضخاماً تملأ العينَ والقلب، هذه الفيلة كانت عند الهندوس كالخيل عند الإغريق، أشياء مألوفة لا تبعث فيهم دَهَشاً ولا تثير عجباً. وضرب قيصر في الأرض ما ضرب حتى طلع به المطاف على الجزر البريطانية فراعه ما وجد فيها من أقوام بادين مستوحشين، ولكن هؤلاء البريطانيين كانوا فيما بينهم معروفين مألوفين كألفة قيصر جنوده. أما (لوفن هوك) التاجر الصغير فقد سبق العالم فأطل على عالم عجيب لا يبلغه البصر، عالم من مخلوقاتٍ صغيرة عاشت وعاودت العيش، ونمت وعاودت النماء، وتقاتلت وعاودت التقاتل، وماتت وعاودت الموت، وكل ذلك تحت عين الإنسان وسمعه، ومنذ بدأ الزمان، والإنسان لا يسمعها، والإنسان لا يبصرها. مخلوقاتٍ على صغرها أهلكت شعوباً وأذلت أمماً من رجال يكبرونها
стр. 7144
عشرات الملايين من الأضعاف. مخلوقاتٍ شرٍ على البشر مما خالوا من أفاعٍ تنفث النار وتنشر الفزع والدمار. مخلوقاتٍ قتالة، تقتل في صمت، تقتل الطفل وهو في دفء مهده، وتقتل الملك بين أعوانه وجنده. تلك المخلوقات الخفية الحقيرة العدوة اللدود - والتي قد تسالم أحياناً وتصادق - هي التي نظر إليها (لوفن هوك) أول رجل على ظهر البسيطة
- ٣ -
سبق أن حدثتكم عن (لوفن هوك) بأنه رجل كثير الشك كثير الريبة، لذلك لما وقعت عيناه على تلك الحيوانات رآها بالغة الصغر بالغة العجب حتى لا يكاد يؤمن الرائي بها. ومن أجل هذا أعاد النظر ثم أعاده حتى انجمدت يده من مسك المكرسكوب ودَمَعت عيناه من إطالة التحديق، فوجد أن نظرته الأولى لم تكن خُدعةً، فها هي الحيوانات نفسها تعود فتتراءى له، وليست هي من جنس واحد هذه المرة، فها هو جنس ثان أكبر من الأول سريع الحركة رشيق الدوران لأن له بضعة أرجل بالغة في الدقة، وها هو جنس ثالث، ورابع ولكنه صغير جداً فلا يبين شكله، ولكنه حي يدور بسرعة خاطفة فيقطع الأميال في دنياه الصغيرة - في تلك القطرة من الماء
وكان (لوفن) قياساً ماهراً، ولن أنى له بمقياس تُقاس به هذه الحيوانات الصغيرة. جمع لوفن ما بين حاجبيه، وجمع بتجميعه أشتات فكره، واخذ يبحث في زوايا رأسه وفي الأركان المهجورة من ذاكرته بين آلاف الأشياء التي تعلمها وأتقن تعلمها عله يهتدي بها إلى قياس تلك الأحياء، وعدّد ما عدّد، وحسب ما حسب، وخرج من حسابه على أن (الحيوان الأخير الذي رآه أصغر ألف ألف مرة من عين قملة كبيرة). وكان هذا تقديراً صائباً من رجل مدقق محاذر، فنحن نعلم اليوم أن عين القملة التامة النماء لا تزيد حجماً عن عشرة آلاف من تلك الحيوانات
ولكن من أين أتت وكيف سكنت قطرة الماء؟ أجاءت من السماء؟ أم زحفت من الأرض على جدار الإناء حتى بلغت الماء؟ أم قال لها الله كوني فكانت من لا شيء؟
إن (لوفن) يؤمن بالله بمقدار ما آمن به أي هولاندي من أهل القرن السابع عشر، وكان يصفه بأنه خالق هذا الكل العظيم، وكان فوق إيمانه يُعجب به أي أعجاب، وكيف لا يعجب من خالق حاذق عرف كيف يصنع أجنحة النحلة بهذا الجمال المطرب. ولكن (لوفن) كان
стр. 7145
إلى جانب هذا يعتقد في المادة وفي وساطتها، وهداه وحي نفسه الصادق إلى أن الحياة لا تنتج إلا من حياة، وأن الله لم يخلق هذه الحيوانات في وعاء الماء من لا شيء. . ولكن صبراً. . ولم لا يخلق ما شاء كيف شاء؟ لا سبيل إلى معرفة مأتي هذه الحيوانات إلا التجربة. فقال لوفن لنفسه (فلأجرب)
فغسل كاس خمر غسلاً طيباً وجففه، ورفعه إلى حيث يقطر ماء المطر من سقيفة داره، فلما تجمع فيها بعضه أخذ منه قطرة وسلط عليها عدسته. . . نعم! لا يزال بها قليل من تلك الحيوانات غادياتٍ رائحات. إذن فهي توجد في ماء المطر غب نزوله. ولكن مهلاً، فهذا استنتاج فطير، من أدرانا؟ لعلها كانت على السقف فنزل المطر فاكتسحها في الكأس
فدخل لوفت بيته وخرج بصحن من الصيني داخله أزرق صقيل فغسله ورفعه إلى السماء والمطر يهطل، ورمي بما تجمع فيه من الماء ليتأكد من نظافته، ثم رفعه مرة أخرى، ثم غمس في مائه شعرة من شعراته الزجاجية وبكثير من الحذر حملها بقطرتها إلى مكتبه لينظر فيها. (لقد واتاني الدليل! هذا الماء ليس فيه مخلوق واحد من تلك المخلوقات الصغيرة، فهن لن يأتين من السماء)
ولكنه احتفظ بهذا الماء الساعةَ بعد الساعة، وهو يحدق فيه، واليومَ بعد اليوم وهو يحدق فيه، وفي اليوم الرابع أخذت تلك المخلوقات تتراءى فيه مع ذرات من التراب وخيوط القطن ونسائل التيل
اكتشف (لوفن) هذه الدنيا الجديدة التي لم تخطر على بال أحد، فهل كتب إلى الجمعية الملكية ينبئها خبر هذا الاكتشاف الضخم؟ لا، لم يكن بعدُ أخبرهم، فقد كان رجلاً بطيئاً، وإنما سلط عدساته على كل أصناف الماء، على الماء الذي في مكتبه وهواؤه محبوس، على الماء بالقدر الذي وضعه في الهواء الطلق على سطح بيته، على الماء الذي بقنوات بلدته وهو غير شديد النقاء، وعلى ماء البئر البارد الذي بجنينة داره، وفي كل هذه الأمواه وجد هذه الحيوانات. وراعه صغرها الهائل، فكثير منها لم يبلغ الألفُ منه حجمً الحبة من الرمل، وقارن بعضها بدودة الجبن، تلك الحشرة القذرة الصغيرة، فوقعت منها وقوع النحلة من الفرس
كان لوفن بحاثاً يبحث عن كل شيء وفي كل شيء، ومن غير علم سابق عن تلك الأشياء.
стр. 7146
وكان من شأن هذا الضارب في أشتات الأمور أن يعثر في طريقه على كثير مما لم يقصد إليه. وكان هذا حاله مع الفُلفُل. الفلفل حريف لاذع فلماذا؟ سؤال خطر له يوماً فقال لنفسه: (قد يكون هذا بسبب نتوءات في الفلفل حادة تشك اللسان عند الأكل فتلذعه) ولم يكد يستقر هذا الخاطر في رأسه حتى قام يبحث عن هذه النتوءات
بدأ بالفلفل الجاف فطحنه ثم طحنه، وعَطس وعَرق، ولكن لم يبلغ به الطحن الصغرَ الكافي لرؤيته بالعدسة. فخال أن يلينه بالتبليل فنقعه في الماء بضعة أسابيع ثم جاء بإبرة حادة فمزق بها ذرات الفلفل فزادها صغراً، ثم مصها مع قطرة ماء في إحدى شعرياته الزجاجية، وأخذ ينظر فيها، ولم يكد بفعل حتى نسي النتوءات التي كان يبحث عنها، وامتلأت نفسه واغتمر حسه بما وجد من جديد. ففي المواه الأخرى التي رآها كان يرى الحيوانات الصغيرة التي اكتشفها بقدر معتدل يقل حيناً ويزيد حيناً. أما في ماء الفلفل هذا فقد وجد هذه المخلوقات على تنوعها كثيرة العدد كثرة لا تصدق، وهي لا تزال في ازدحامها تهيم وتسبح في رشاقة وجمال
خرج (لوفن هوك) يبحث في الفلفل عن نتوءات، فوقع على طريقة يربى بها حيواناته وينميها ويكثرها
وعندئذ، وعندئذ فقط، شاء أن يكتب إلى لندن يخبرها بالذي كان. وملأ الصفحة بعد الصفحة بخط جميل ولغة بسيطة يشرح ما صنع، ويقول لهم إن حبة القمح تسع مليوناً من هذه الحيوانات، وأن ماء الفلفل يربيها ويكثرها حتى تحوي القطرة منه ٢٧٠٠٠٠٠ منها. وتُرجم الكتاب إلى الإنجليزية وتلى على الجمعية فترك عاليها سافلاً. هؤلاء العلماء كانوا قد اطرحوا الخرافات، وكفروا بالذي كان في زمانهم من أباطيل وترهات، ثم يأتي هذا الهولاندي يحدثهم عن حيوان تسع قطرة الماء منه بقدر ما تسع هولندا من السكان! تلك خرافة من خرافات الأولين، ولا والله ما خلق اله حياً أصغر من دودة الجبن
على أن نفراً من هؤلاء العلماء لم يضفق بما سمع. فهذا الرجل كان محققاً مدققاً مفرطاً في تحقيقه وتدقيقه. وقد وجدوا صدقه في كل ما كتب لهم عنه. وعلى ذلك جاءه كتاب من لندن يرجونه فيه أن يشرح لهم بالتفصيل الطريقة التي صنع بها مكرسكوبه وأن يصف لهم كيف يستخدمها لرؤية ما يرى
стр. 7147
وجاءه الكتاب يحمل الشك في ثناياه فغضب. ما كان يُهمه أن يضحك منه حمقى بلدته، ولكن لم يكن يخطر في باله أن ترتاب الجمعية الملكية في قوله. لقد كان يحسب أنهم فلاسفة. أيكتب اليهم بالشرح الذي طلبوا، أم يوليهم من الآن ظهره ويحتفظ بما يعمل لنفسه. وذكر المجهود الذي أنفقه فعز عليه ما احتمل منه، وكأني بك تسمعه يتمتم في نفسه: رحماك اللهم فأنت تعلم كم عملت وعَرِفت، وكم سهرت لكشف تلك الخبايا، وكم احتملت من ضحك الناس وسخرية حماقهم في صناعة مكرسكوباتي وتجويدها واستنباط طرق الرؤية بها. . .
ولكن كما أنه لابد لكل ممثل ممن يسمع وينظر، فكذلك لابد لكل مبتكر من نظارة سماعة. لقد علم (لوفن) أن هؤلاء الشكاكين من أعضاء الجمعية لابد باذلون جهداً لا يقل عن جهده لإنكار دعواه. لقد جرجوه في كرامته، ولكن لابد للمكتشف من نظارة! فكان أن كتب لهم كتاباً طويلاً يؤكد لهم أنه لم يَغلُ فيما وصف، وشرح لهم الحساب الذي عمل، وكتب لهم الحسبة بعد الحسبة من قسمة فضرب فجمع حتى صار كتابه ككراسة صبي في مدرسة وخرج بنتائج قريبة جداً من النتائج التي يخرج بها علماء المكروب اليوم بواسطة ما استجد لهم من عُدة وجهاز. وختم (لوفن) كتابه بقوله إن كثيراً من أهل (دلفت) رأوا تلك الحيوانات الصغيرة العجيبة بعدساته فأكبروها! وأنه يستطيع أن يأتيهم باقرارات شرعية مبصومة مختومة، اثنين منها من رجلين من رجال الله، وواحد من مسجلي العقود، وثمانية أخرى من شهودُ عدول. أما أن يصف لهم كيف صنع مكرسكوباته فهذا ما لا سبيل إليه
كان (لوفن هوك) كثير الريبة في الناس. كان يسمح للناس بنظر الأشياء من عدساته، ويرفعها إلى أعينهم ليحسنوا الرؤية بها دون أن يمسوها، فان هم رفعوا يداً إليها ليتولوا بأنفسهم إحكامها أو لزيادة المتعة بها لم يكبر على (لوفن) أن يطردهم من بيته طرداً. . كان كالطفل بيده تفاحة كبيرة حمراء يعجب بها ويسر برؤية أصحابه لها، ولكنه يصرخ في وجوههم إذا نالوها بأصابعهم خشية أن ينالوها بعد ذلك بأسنانهم
وبناء على هذا وجهت الجمعية وجهها ناحية أخرى، فانتدبت (روبرت هوك) ونهيمياه جرو ليقوما بصناعة أحسن المكرسكوبات المستطاعة، وبتجهيز نقيع مائي من أجود أصناف الفلفل الأسود. وفي الخامس عشر من نوفمبر عام ١٦٧٧ اجتمعت الجمعية وجاءها
стр. 7148
(روبرت هوك) يحمل إلى المجتمع مكرسكوبه والنقيع، وفي خطاه سرعة، وفي قلبه لهفة، لأنه وجد أن (أنطوان لوفن هوك) لم يَكْذب، فها هي تسبح وتلعب، تلك الحيوانات التي حدث عنها (لوفن). قام الأعضاء عن مقاعدهم وتزاحموا حول المكرسكوب، وحملقوا فيها، ثم صاحوا: لا يكشف عن مثل هذا إلا رجل من عبقر. وكان هذا يوم فخار كبير (للوفن هوك). ولم يمض غير قليل حتى انتخبت الجمعية هذا القمّاش عضوا بها. وبعثت إليه براءة العضوية في إطار من الفضة وعلى غلافها شارة الجمعية
فأجابهم (لوفن) يشكرهم ويقول: (. . . . . وسأخدمكم بإخلاص إلى الرمق الأخير من حياتي). وهكذا فعل. فانه أخذ يكتب إليهم تلك الكتب التي خلط فيها بين العلم ولغو الحديث حتى مات وسنه تسعون عاماً. وعلى كثرة ما بعث لهم من الكتب لم يبعث إليهم بعدسة واحدة. كل شيء إلا هذه ما دق قلبه بالحياة. وفعلت الجمعية كل ما استطاعت في سبيل ذلك دون جدوى، وأنفذت الدكتور مولينو إليه ليكتب تقريراً عنه فعرض عليه مولينو ثمناً طيباً مغرياً لأحد مكرسكوباته فأبى. (يا رجل! لديك مئات المكرسكوبات قد ترصصت في القمطرات بحوائط مكتبك، أفلا تستغني ولو عن واحدة فقط؟). ولكن هيهات. (هل أستطيع أن أرى السيد رسول الجمعية الملكية شيئاً آخر؟ هذا محار في زجاجة لم يولد بعد. وهذا حيوان غطاس سريع رشيق). ويرفع الهولاندي عدساته إلى عين الإنجليزي ليرى بها، وهو يلحظه بركن عينه خشية أن يمس جهازاً أو ينشل شيئاً، وهو الرسول الأمين الذي لا يشك أحد في ذمته أو يرتاب في أمنته. (مولاي رسول الجمعية!. كم أتمنى لو كان في استطاعتي أن أريك عدسة بعينها هي أحسن عدساتي، وأن أريك كيف تنظر فها، ولكني اختصصت بها نفسي فلا أطلع عليها أحداً حتى ولا أهل بيتي)
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 7149
١٤ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
- أو قد تنساق كذلك إلى تذكر سمياس نفسه؟
فقال - هذا حق
- وقد يكون التذكر في هذه الحالات جميعاً منبعثاً من أشباه الشيء أو مما يباينه؟
- وهناك سؤال لابد ان ينشأ، حينما يكون التذكر قد انبعث من شبيه الشيء، وهو: هل يكون شبيه الشيء المتذكر ناقصاً في أي ناحية من نواحيه، أم لا يكون؟
فقال: هذا جد صحيح
- وهل نتقدم خطوة أخرى، فنؤكد بأن التساوي موجود فعلاً، لا تساوي الخشب بالخشب أو الحجر بالحجر، بل هو ما أسمى من ذلك وأرفع. أنؤكد بأن التساوي موجود في عالم التجريد؟
فأجاب سمياس: بلى: أؤكد ذلك وأقسم على صحته بكل ما وسعت الحياة من يقين
- وهل نحن نعلم هذا الكنه المجرد؟
فقال: لا شك في ذلك
- ومن أين جاءنا هذا العلم؟ ألم نَرَ متساويات من الأشياء المادية، كقطع الحجر والخشب، فاستنتجنا منها مثالاً لمساواة تخلفها؟ أفأنت موافق على هذا؟ أو فانظر مرة أخرى إلى الموضوع على هذا النحو: أليست قطع الحجر والخشب بعينها تبدو متساوية حيناً متفاوتة حيناً آخر؟
- لا ريب في هذا
- ولكن هل تتفاوت المتساويات الحقيقية أبداً؟ أم هل يكون مثال التساوي يوماً عدم مساواة؟
- لاشك في أن ذلك شيء لم يُعرف بعد
стр. 7150
- إذن فهذه المتساويات (كما يسمونها) ليست تطابق مثال التساوي ووصلت إليه، على الرغم من أنها مخالفة لذلك المثال؟
- فقال: هذا جد صحيح
- وقد يكون مثال التساوي شبيها بها. وقد يكون مبايناً لها؟
- نعم
ولكن هذا لا يغير في الأمر شيئاً، فما دمت قد تصورت شيئاً من رؤية شيء آخر، سواء أكانا شبيهين أم متباينين، فقد حدثت بذلك من غير شك عملية تذكر؟
- جد صحيح
- ولكن ماذا عساك أن تقول في قطع متساوية من الخشب والحجر، أو في غيرها من المتساويات المادية؟ وأي أثر هي تاركة في نفسك؟ أهي متساويات بكل ما في التساوي المطلق من معنى؟ أم أنها تقع في القياس دونه بشيء يسير؟
فقال: نعم، بل دونه بمسافة بعيدة جداً
- ثم ألا يلزم أن نسلم بأنني، أو أي أحد آخر، حين ينظر إلى شيء فيدرك أنه إنما ينشد أن يكون شيئاً آخر، ولكنه مقصر من دونه، عاجز عن بلوغه - فلابد أن قد كانت لدى من يلاحظ هذا معرفةٌ سابقةٌ بذلك الشيء الذي كان هذا الأخير أحط منه، كما يقول، وإن كانا متشابهين؟
- يقيناً
- ثم أليست هذه حالنا في موضوع المتساويات والتساوي المطلق؟
- تماماً
- إذن فلا ريب في أننا كنا نعرف التساوي المطلق قبل أن نرى المتساويات المادية لأول مرة، وفكرنا بأن كل هذه المتساويات الظاهرة، إنما تنشد ذلك التساوي المطلق، ولكنها تقصر من دونه؟
- هذا صحيح
- ونحن نعلم كذلك أن التساوي المطلق لم يُعرف إلا بواسطة اللمس، او البصر، أو غيرهما من الحواس التي لا تمكن معرفته بغيرها وإني لأؤكد هذا عن كل إدراك كلي من
стр. 7151
هذا القبيل
- نعم يا سقراط، فكل واحد من هذه المدركات لا يختلف عن الآخر في شيء مما يدور حوله الحديث
- وإذن فمن الحواس تنبعث المعرفة، بأن كل الأشياء المُحسة تنشد مثال التساوي، ولكنها تقصر من دونه - أليس ذلك صحيحاً؟
- نعم
- إذن فقبل أن بدأنا في النظر، أو السمع، أو الإدراك بأية صورة أخرى لابد أن قد كانت لدينا معرفة بالتساوي المطلق، وإلا لما استطعنا أن ننسب إليه المتساويات التي نشقها من الحواس؟ - فهذه كلها تسعى نحو ذلك التساوي المطلق فتقصر من دونه؟
- تلك يا سقراط نتيجة مؤكدة للعبارات التي سلف ذكرها
- ثم ألم نأخذ في النظر والسمع واكتساب حواسنا الأخرى بمجرد أن ولدنا؟
- يقيناً
- إذن فلابد أنا قد حصلنا معرفة المتساوي المثالي في زمن سابق لهذا؟
- نعم
- أي قبل أن نولد فيما أظن؟
- صحيح
- وإذا كنا قد حصلنا هذه المعرفة قبل أن نولد، وكانت لدينا عند الميلاد، إذن فقد كنا قبل الميلاد، وفي ساعة الميلاد نفسها نعرف كذلك، فضلاً عن المتساوي، والأكبر والأصغر، سائر المُثل جميعاً، فنحن لا نُقصر الحديث على المتساوي المطلق، ولكنه يتناول الجمال، والخير، والعدل، والقداسة، وكل ما نطبعه بطابع الجوهر في مجرى الحوار، حينما نلقي أسئلة ونجيب عن أسئلة، أفنستطيع أن نؤكد، أننا قد كسبنا معرفة هذه كلها قبل الميلاد؟
- هذا صحيح
- ولكن، إذا نحن بعد كسب المعرفة، لم ننس ما كنا قد كسبنا، فلابد أنا قد ولدنا ومعنا المعرفة دائماً، وسنظل أبداً على علم بها، ما دامت الحياة - لأن العلم هو كسب المعرفة وحفظها، لا نسيانها. أليس النسيان يا سمياس هو فقدان المعرفة لا أكثر ولا أقل؟
стр. 7152
- جد صحيح يا سقراط
- أما إذا افتقدنا عند الميلاد تلك المعرفة التي حصلناها قبل أن نولد، ثم كشفنا فيما بعد، بواسطة الحواس، ما قد كنا نعلم من قبل، أفلا يكون ذلك، وهو ما نسميه تعلما، عملية لكشف معرفتنا، ثم ألا يجوز لنا بحق أن نسمي هذا تذكراً؟
- جد صحيح
لأنه من الواضح، أننا إذ ندرك شيئاً بواسطة البصر، أو السمع، أو أية حاسة أخرى، لا نصادف صعوبة في أن ينشأ لدينا من هذا الشيء، تصور لشيء آخر، يشبه أو يباينه، كنا قد أنسيناه، وكان قد ارتبط الشيء، وعلى ذلك، فكما سبق لي القول، يقع أحد الأمرين: إما أن هذه المعرفة كانت لدينا عند الميلاد، وظللنا نعلمها طول الحياة، وإما أن يكون أولئك الذين يقال عنهم إنهم يحصلون العلم، بعد ميلادهم، لا يفعلون أكثر من أن يتذكروا، فما العلم إلا تذكر وكفى
- نعم يا سقراط، هذا جد صحيح
- فأي الأمرين تُؤثر يا سمياس؟ أكانت المعرفة لدينا عند الميلاد، أم أنا قد تذكرنا فيما بعد الأشياء التي كنا نعلمها قبل ميلادنا؟
- لا أستطيع الحكم الآن
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 7153
دار الحديث الأشرفية والمتحف العربي بدمشق
بعنوان (الخالدي) نشر الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام في العدد الثامن والسبعين من (الرسالة) الغراء مجلساً من مجالس الأستاذ الكبير الشيخ خليل الخالدي، وحسناً فعل، فان أمثال الشيخ الخالدي بيننا قليل، ويجب أن ينتفع بمعارفهم وثمرات بحوثهم. وحبذا لو عمد كل من يلقاهم أو يسمع منهم شيئاً إلى تسجيله ونشره ما داموا هم لم يدونوا مذكرات منظمة على أبحاثهم، فليس من السهل أن نجد شخصية مثل الشيخ الخالدي غزارة علم وسعة اطلاع، وإن الإنسان ليعجب عندما يستمع إليه وهو يتحدث عن كتاب نادر، فيصفه وصف الدارس المطلع، بل يتجاوز ذلك في كثير من الأحيان فيذكر عبارات الكتاب سرداً عن بديهة. ثم ينتقل من وصف الكتاب إلى ترجمة مؤلفه، فيذكر الكثير من شأنه، مما لا نجده في كثير من البحث والدرس، ثم ينتقل من ذلك إلى عصر المؤلف، وحال الحركة العلمية فيه وما إلى ذلك، فمجالس الشيخ الخالدي شائقة ممتعة نرجو الذين يجالسونه ويستمعون له تدوين مجالسه ونشرها على الناس كما فعل الدكتور عزام
عرفت الشيخ الخالدي في دمشق أواخر سنة ١٩٢٩، أيام ترددي على دار الكتب العربية، لذلك لفت نظري مقال الدكتور عزام وقرأته بشغف شديد حتى أتيت على ذكر المدارس في دمشق فاستوقفني قوله: (ومن مدارس دمشق دار الحديث الأشرفية وهي دار المتحف العربي الآن) استوقفني هذا كثيراً لأني أعرف دار الحديث الأشرفية كما أعرف دار المتحف العربي وأن كلا من الدارين غير الأخرى، فدار الحديث الأشرفية التي بناها الملك الأشرف موسى بن العادل، ونجز بناؤها سنة ٦٣٠هـ والتي درس بها جلة من العلماء مثل ابن الصلاح وابن الحرستاني وأبي شامة والنواوي والشريشي والفارق وابن الوكيل وابن الزملكاني والحافظ المزني والسبكي وابن كثير وغيرهم - هذه الدار لا تزال تؤدي رسالتها في نشر العلم - وعلم الحديث بنوع خاص - إلى يوم الناس هذا، وقد اعتراها شيء من الفتور في أواخر القرن الماضي حتى أرسل الله لها الفقيه الشيخ يوسف البياني المغربي، فأعاد إليها حياتها ونشاطها، ثم تولى شأنها من بعده المحدث الكبير الشيخ بدر الدين الحسني، ولا يزال يلقي دروسه في دار الحديث الأشرفية ويحضرها الكثير من كبار العلماء. وأما المتحف العربي في دمشق فهو دار المدرسة العادلية الكبرى التي تقع في مواجهة المدرسة الظاهرية
стр. 7154
والمدرسة العادلية التي بناها نور الدين محمود بن زنكي ولم يتمها، ثم الملك العادل سيف الدين ولم يتمها أيضاً، حتى أتمها من بعده ولده الملك المعظم ونسبها إلى والده الذي دفن فيها فسميت العادلية
كانت هذه المدرسة من أمهات المدارس الخاصة بالشافعية في دمشق كما كانت مقر القضاة فيها
سكنها الكثير من كبار العلماء أمثال ابن خلكان والعلاء القونوي. وأبناء السبكي وابن مالك النحوي وابن جماعة
وفيها ألف ابن خلكان تاريخه المشهور وعلى بابها كان يقف ابن مالك يدعو الناس لحضور دروسه، ينادى هل من متعلم هل من مستفيد؟ وحول بركة العادلية كان قاضي شمس الدين ابن خلكان يدور الليل كله حتى الصباح ويقول في دورانه:
أنا والله هالك … آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي … قد أقامت قيامتي
ولما أسس المجمع العلمي العربي في دمشق سنة ١٩١٩م جعلت مقر المجمع، وهي الآن تضم المجمع العلمي والمتحف العربي وقاعة المحاضرات التابعة للمجمع. وعلى ذكر العادلية وشغل المجمع العلمي لها أقول: إن المجمع وضع يده أيضاً على المدرسة الظاهرية التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس ودفن بها هو وابنه الملك السعيد
والظاهرية كانت مدرسة ودار حديث معاً، درس بها الأذرعي والأخنائي والسويدي والأسدي والرعيني والواسطي
فتسلمها المجمع العلمي العربي وجعلها مقر دار الكتب العربية في دمشق، وخص القبة الظاهرية المزينة بالفسيفساء البديعة بالمخطوطات المحفوظة في الدار
برهان الدين محمد الداغستاني
стр. 7155
١٢ - بين القاهرة وطوس
اصفهان إلى سلطان آباد
للدكتور عبد الوهاب عزام
والباب العالي بناء ضخم قسمه الأمامي إيوان عال يمسك سقفه الرفيع ثمانية عموداً، مشرف على الميدان، ووراء الإيوان بناء ذُو طبقات ست وسلاليم ضيقة، وفي كل طبقة حجرات قليلة صغيرة، وهذا البناء كله كان لجلوس السلاطين مشرفين على اللعب في الميدان، ولاستقبال الوفود أحياناً، وكان بابه العظيم مفتوحاً ليل نهار يأوي إليه أصحاب المظالم فترفع إلى الشاه ظلاماتهم
ومن الآثار التي رأيناها، المسجد الجامع، وهو من أكبر المساجد سعة رقعة وضخامة بناء، وقد كمل بناؤه الحاضر في عهود مختلفة، وهو أقدم مساجد أصفهان. إيوان القبلة له قبة عالية ضخمة مبنية بالآجر، والى الغرب إيوان صغير جميل أظنه من آثار الصفويين، ووراءه مصلي كبير يؤخذ مما كتب على قبلته أنه بني سنة عشر وسبعمائة، ووراء هذا مصلي كبير لا نوافذ له، وفي سقفه كُوى ينفذ ضوؤها من أحجار من المرمر شفافة
وفي المسجد إيوانات أخرى ومصلي له قبة صغيرة زعم بعض الإدلاء أنه كان بيت نار، وأن القبة الكبرى كانت كذلك؛ وذلك زعم لا يصدقه التاريخ وفن البناء. وقصارى القول أن المسجد الجامع بأصفهان من عجائب الأبنية، وأن فيه للتاريخ وفن العمارة درساً طويلاً. وفي الجمعية الجغرافية الآن عشرات الصور تبين عن أقسام هذا الجامع العظيم ودقائقه
وأكبر الظن أن هذا هو الجامع الذي وصفه مفضل بن سعد ابن الحسين المافر وخي في كتابه (محاسن أصفهان) حيث يقول: (والجامعان: الكبير العتيق البديع الأنيق. بني أصله القديم عرب قرية طبران وهم التيم. . . ثم أعيد في أيام المعتصم سنة ست وعشرين ومائتين، ثم زاد فيه علي بن رستم في خلافة المقتدر، فصار أربع أدور يماس كل حد من جماعتها رواقا، يلاصق كل رواق منه أسواقا. . . . . وهو منذ اتخذ يطن بالتهليل والتحميد، ويحن بالتسبيح والتمجيد. لا ينظم لإحدى الصلوات الخمس أقل من خمسة آلاف رجل. وتحت كل اسطوانة منه شيخ مستند ينتابه جماعة من أهلها بوظيفة درس أو رياضة نفس. تزين بمناظره الفقهاء، ومطارحة العلماء، ومجادلة المتكلمين ومناصحة الواعظين،
стр. 7156
ومحاورات المتصوفين، وإشارات العارفين، وملازمة المعتكفين. إلى ما يتصل به من خانكاهات قوراء مرتفعة وخانان عامرة متسعة، وقد وقفت لأبناء السبيل من الغرباء والمساكين والفقراء. وبحذائه دار الكتب وحجرها وخزائنها الخ الخ
والباب العالي الذي ذكرته آنفاً كان يؤدي إلى حدائق واسعة فيها قصور كبيرة رائعة، رأينا منها قصر (جهل ستون) أي قصر الأربعين عموداً الذي بناه الشاه عباس واحترق فعمره الشاه ومقدم البناء رواق رفيع واسع يقوم بسقفه عشرون عموداً رفيعاً كل عمود قطعة واحدة من خشب الدلب، وكان مكسواً بالمرمر تعلوه قطع المرايا على الأسلوب المألوف في البلاد الفارسية، وللبناء على الجانبين رواقان آخران صغيران، ووراء الرواق الأكبر مدخل يفضي إلى قاعة كبيرة، ووراءها حجرات
وفي رواق الجانب الأيمن نقوش كثيرة، بعضها يصور نفراً من الموسيقيين والمغنين، وبعضها يمثل جماعة من سفراء دول أوربا الذين وفدوا على الملوك الصفويين، وفي القاعة الكبرى صور زيتية كثيرة تمثل الملوك الصفويين مستقبلين ضيوفهم أو محاربين أعداءهم، وهي صور تذكر بصور قصر فرسايل في فرنسا
وأمام البناء كله حوض كبير على حافته نافورات، ينعكس فيه مرآى الرواق الأمامي. قال محدثنا: للرواق عشرون عموداً وهذه مثلها في الماء، فمن أجل هذا سمي قصر الأربعين عموداً
والحق أن آثار الصفويين في أصبهان على ما نالها من عوادي الزمان تشهد بما كان لهم من الغنى والأبهة، وبما كان في الدولة من العمران والصناعات، والنبوغ في العمارة والنقش
ورأينا آثاراً أخر يضيق المقام بوصفها، ثم أوينا إلى الفندق وفي حيالنا جلال الماضي وجماله، وأمام أعيننا ما كان من تبدل وتحول
عصف الدهر بهم فانقرضوا وكذلك الدهر جال بعد حال
خرجنا العشية، فجلنا في أطراف المدينة، ورأينا القناطر المشيدة على نهر زنده رود، ورأينا مصنعاً كبيراً لآل اليزدي ينسج فيه الصوف، ثم ذهبنا إلى السوق، وسوق أصفهان من أعظم الأسواق في الشرق، فرأينا بدائع صناعة اصفهان، واشترينا منها ثم رجعنا إلى
стр. 7157
الفندق
ولما حان موعد العشاء خرجنا إلى دار الحكومة إجابة لدعوة الحاكم. فنعمنا هناك زمناً بحديث السيد الهمام قاسم صور أسرا فيل ورئيس البلدية، والشاعر الإنكليزي درنيكووتر والدكتور شميت الألماني. ثم عدنا إلى الفندق نمشي في القمراء وقد هود الليل، فقلنا حبذا لو امتد بنا المقام
بكرنا إلى الرحيل ونحن نذكر قول أبي عبد الله الحسين النظري:
حوت أصفهان خصالاً عجاباً … بها كل ما تشتهيه استجاباً
هواء منيراً وماء نميراً … وخيراً كثيراً ودُوراً رحاباً
وترباً ذكياً ونبتاً روياً … وروضاً رضياً يناغي السحايا
وفاكهة لا ترى مثلها … نسيماً وطعماً ولوناً عجاباً
تفيد الأعلَاء برءاً كما … يفيد الربيع الرياض الشبابا
وزاد محاسنها زنروذ … مياهاً كطعم الحياةِ عِذاباً ألخ
فارقنا أصبهان والساعة ثمان وربع من صباح الاثنين ثالث عشر رجب (٢٢ أكتوبر) عائدين أدراجنا تلقاء قم - ومن أصفهان إلى كرمانشاهان طريق تسير شطر الغرب لا تمر بقم، وهناك طريق أخرى إلى سلطان أباد في العراق العجمي، ولكن سائق سيارتنا، وهو خبير بالطرق، أبى إلا أن يسلك طريق قم إلى سلطان أباد فهمذان فكرمانشاهان لأنها طريق معبدة مطروقة معروفة، ومررنا والساعة تسع ونصف بقرية صغيرة اسمها مورجه خورد (النملة أكلت) قال السائق هذه قرية دعا رسول الله صلوات الله عليه أهلها إلى إطعام بعض الفقراء فأخفوا ما عندهم من طعام فدعا الرسول عليهم فأكلت النملة ما ادخروه من قوت: ووردنا دليجان والساعة اثنتا عشرة فوقفنا موقفنا الأول على المطعم الذي وصفه آنفاً، فجاء صاحبه وقال قد هيأت لكم الطعام، قلنا أعددت دجاجة؟ قال نعم وغيرها، فصعدنا إلى الطبقة العليا فاسترحنا ثم جاءنا الطعام فأكلنا مسرورين فكهين
واستأنفنا المسير والساعة واحدة وأربعون دقيقة، فلقينا على الطريق زميلنا في المؤتمر الدكتور نظام الدين الهندي، فوقفنا نجدد العهد به. ثم سرنا قليلاً فإذا ثلاثة من أعضاء المؤتمر: ألماني وأمريكي وتركي مقيم في أمريكا، فتحدثنا قليلاً ثم افترقنا وكان هؤلاء
стр. 7158
يؤمون أصفهان فشيراز
بلغنا قم والساعة أربع فلم ندخلها، بل ملنا عنها شطر الغرب نريد سلطان آباد. ونزلنا بعد نصف ساعة ببناء عند أشجار على مقربة من نهر قم. قلت للسائق أي موضع هذا؟ قال تخت شير (تخت الأسد) شربنا الشاي، وطلبنا شمامة (خربوزه) فجاء رجل بشمامة وبطيخة قلنا هذه البطيخة قديمة، فما رأيك في الشمامة؟ قال حلوة جداً. قلنا شققها. فإذا شمامة غير ناضجة فقمنا نندب أملا ضاع بين قِدم البطيخ وحداثة الشمام. ولم أنس من بعدُ تخت شير وشمامته. وان مسيرنا في أرض عامرة تبدو فيها القرى والزروع والأشجار، والبيادر ليست كالطريق بين طهران وأصفهان. ومررنا بقرية صغيرة وقف عليها السائق قائلاً لا يفوتنا أن نأكل من عسل هذه البلدة فهو حديث الركبان. ثم دخل بناء إلى جانب الطريق، وعاد بقليل من العسل والزبد والخبز. وقد صدق الخُبر خبر صاحبنا فقد وجدنا عسلاً صافياً بارداً فقلنا قد أبدلنا الله بشمامى تخت شير عسل راهجرد. وتمادى بنا السير حتى اجتزنا بقرية اسمها إبراهيم آباد فعلمنا أننا على مقربة من غايتنا، وبعد نصف ساعة وقفنا في مدخل سلطان آباد والساعة ست وخمس وأربعون مساء بعد أن فصلنا أصبهان بعشر ساعات ونصف. فرآى الشرطة جواز السفر ودخلنا المدينة:
عبد الوهاب عزام
стр. 7159
في تاريخ الأدب المصري
٣ - ابن النبيه
للأستاذ أحمد أحمد بدوي
- ٥ -
أهم أغراض شعر ابن النبيه المدح والغزل والرثاء والوصف، ولقد كان مدح شاعرنا رقيقاً بارع الأسلوب، يستهوي السامع ويأسره، ويستطيع أن يملك قلب الممدوح فيهبه جزيل الهبات، وهو يبدؤه بالغزل غالباً وأحياناً كثيرة يبدؤه بذكر الخمر ومجالسها والساقي وجماله وحينما مدح الخليفة الناصر أحمد بدأ مدحه بذكر الناقة التي حملته إلى الممدوح، وقريته من مقر حكمه، كما كان في بعض الأحيان يبدأ مدحه بدون تقدمة، غير أنه كان حينما يأتي بمقدمة قبل مدحه يجيد غالباً التخلص منها إلى المدح بلباقة وبراعة فهو حين يبدأ بالغزل يتخلص إلى المدح بمهارة كقوله:
عسى قلبه يعديه قلبي برقة … كما طرفه الفتان بالسقم أعداني
لئن كان ينسى عقد عهد مودتي … فلي ملك من فصله ليس ينساني
وحين يبدأ بالخمر يحسن التخلص منه كذلك مثل قوله بعد أن وصف الخمر:
حمراء تفعل بالألباب ما فعلت … سيوف شاه أرمن من في عسِكر لجب
ولقد كان في النادر يطيل المقدمة إطالة كبيرة حتى تغير على المدح المقصود من القصيدة، ولقد كانت المقدمة مرة سبعة عشر بيتاً في حين أن المدح لم يستغرق أكثر من أحد عشر بيتاً، غير أن هنا ملحوظة أحب أن أوجه النظر إليها، تلك هي صيحة التجديد التي رفع الصوت بها، مندداً بأولئك الذين جعلوا كل همهم تقليد الأقدمين في بدء الشعر بالحديث إلى الأطلال وسؤال الديار، وهو في تلك النزعة يشبه - إلى حد كبير - أبا نواس الذي صاح قبله تلك الصيحة، واستمع إلى ابن النبيه يقول:
شكر المدام وشكر موسى مذهبي … فلقد محون بطاعتي عصياني
شغلي مدائحه وغيري لم يزل … كالبوم يندب دارس الجدران
للبيد والقفر الدوارس معشر … عدل الزمان بشانهم عن شاني
стр. 7160
فأنت تراه يشبه أولئك الذين يتحدثون إلى الديار بالبوم تندب دارس الجدران، ثم يؤكد لك أن مذهبه لا يشبه مذهبهم، وطريقته لا تتفق مع طريقتهم ويقول:
حسبك لا يغني سؤال الديار … قم، فاصرف الهم بكأس العقار
واستنطق العيدان إن كنت ذا … لب فما ينطق صم الحجار
البم والزير وكأس الطلا … أولى بمثلي من سؤال الديار
وهو يشبه في ذلك أبا نواس الذي سفه أولئك الباكين على الأطلال والآثار، وصرح بأن الأولى والأفضل أن يبدأ الشعر بذكر الخمر وما إلى الخمر
ولقد سار ابن النبيه على تلك الطريقة فلم يبدأ شعره يوماً بسؤال حجر ولا استنطاق أثر، وهناك نقطة ثانية تراها في بعض مدحه تلك هي نقطة الاستطراد والدخول في موضوع جديد بمناسبة ذكره، ولنمثل لذلك بمدحه للخليفة الناصر فهو مدحه وأثنى عليه، وما هو إلا أن ذكر انتسابه للنبي حتى مضي يمدح النبي، ويذكر خصاله ومعجزاته. ولعل ذلك نشأ من أن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن له من السلطان والقوة شيء، وإنما كان يعتز بالسلطة الروحية التي تستمد من النبي، فلا جرم كان مدح النبي مصدر تلك السلطة مدحاً للخليفة، وترقية من شأنه، هذا وقصائد مدحه متوسطة بين الطول والقصر غير أنه كان يقصرها أحياناً، ولكن لا يفوته أن يعتذر عن هذا القصر، ولنختم الحديث عن مدحه بذكر قطعة صغيرة تعطيك صورة عن هذا المدح: قال يمدح الملك الأشرف، ويذكر دخوله مدينة خلاط:
أبيٌ، سخيٌّ تحت سطوته الغني … فحف وتيقن أن في عسره يسرا
هو البحر بل أستغفر الله إن في … بنان يديه للندى أبحرا عشرا
لحي الله حربا لم يكن قلب جيشها … ومجلس عدل لا يكون به صدرا
أطل على أخلاط يوم قدومه … بلجة جيش يملأ السهل والوعرا
تلقاه من بُعد المسافة أهلها … فذا رافع كفا وذا ساجد شكرا
فشككت أن الناس قد حشروا ضحا … أم الناس يستسقون ربهم القطرا
أما غزل شاعرنا فنوعان: غزل هو مقدمة لمدح، وغزل قصد إليه قصداً وعناه من أول الأمر، وهو في كلا الغزلين عذب جميل تحس فيه رقة الهوى وشكواه، وقد تحدثنا عن
стр. 7161
تعزله بالغلمان: السقاة منهم والجنود؛ ومن الرقيق هنا أنه كان يستخدم ألفاظاً للتورية كقوله في غلام يهودي:
من آل إسرائيل علقته … عذبني بالصد والتيه
أنزلت السلوى على قلبه … وأنزل المن على فيه
على أن غزله لم يقتصر على الذكر، بل كان يتغزل كذلك بالمؤنث وإن كان قليلاً. ومن أرقه قوله:
إلي كم أكتم البلوى ودمعي … يبوح بمضمر السر الخفي
وكم أشكو للاهية غارمي … فويل للشجي من الخلي
ممنعة لها طرف سقيم … شديد الأخذ للقلب البري
وشاحاها على خصر عديم … ومئزرها على ردف ملي
وقد صدرنا مقالنا بشيء من هذا الغزل الرقيق الذي شهر به شاعرنا حتى أصبح يقال في حقه: هو صاحب الغزل البديع، فهو جميل حين يصف لك الحب وإن كان وصفاً حسياً، وجميل حين يذكر أيام الوصل أو حين يعيد إلى نفسه ذكرى الأيام العذبة ويقول:
أترى لأيامي بوصلك عودة … ولو أنها في بعض أحلام الكرى
زمن شربت زلال وصلك صافيا … وجنيت ورد رضاك أخضر مثمرا
ملكتك فيه يدي فحين فتحتها … لم ألق إلا حسرة وتفكرا
لننصت إليه حين يقول ارتجالا:
أماناً أيها القمر المطل … فمن جفنيك أسياف تسل
يزيد جمال وجهك كل يوم … ولي جسد يذوب ويضمحل
وما عرف السقام طريق جسمي … ولكن دلُّ من أهوى يدل
إذا نشرت ذوائبه عليه … ترى ماء يرف عليه ظل
أيا ملك القلوب فتكت فيها … وفتكك في الرعية لا يحل
قليل الوصل ينفعها فان لم … يصبها وابل منه فطل
أدر كأس المدام على الندامى … فمن خديك لي راح ونقل
فنيراني بغيرك ليس تطفي … وأحزاني بغيرك لا تبل
стр. 7162
فهو مع استخدامه الصناعة اللفظية لم يزل جمال الشعر رائعاً خلاباً كما ترى
(يتبع)
أحمد أحمد بدوي
стр. 7163
القُبلة الممنوعة
تحفة من الشعر الرائع
للعالم الشاعر الأستاذ أحمد الزين
ياغُة الصدر من حر الجوى زيدي … أبتْ شفاءكِ حتى بالمواعيد
سحريةُ الفم لو مَست بقُبلتها … فَم العَي لحلت كل معقود
تكاد من رقةٍ تُغرِي مقبّلها … أن يحتسيها رحيقاً غير مورود
قد صاغها الله لما أشركتْ أممٌ … به وقال اشهدوا برهان توحيدي
قل للبخيلة جودي لالقيت جوي … إن كان يشفع لي قولي لها جُودي
وساعةٍ تحت أفياء الهوى سلفت … يا ساعة تحت أفياء الهوى عودي
ما ضر لو أنها في قُبلةٍ سنحتْ … منْت بوعدٍ وإن ضنت بموعود
هل حاذرتْ حر شوقي حين ألثِمُها … أن تُذبِل الوَردَ أنفاسي بتصعيد
رُحماك لليائِس الممطول يُقنعِه … من الوجود خيالٌ غيرُ موجود
ظمآن لا رَشفاتُ الماء صافيةً … تروي صَداه ولا بنتُ العناقيد
شفاؤه قبلةٌ لو أن محتضراً … داوَى بها الموتَ رَدت غير مَردود
فكم أقبل ثغرَ الزهر من شبه … بثغرك العَذْب في حُسن وتوريد
عينٌ مِن الخُلد من يَنهل بكوثرها … وِردَ الحياة يَفُزْ منه بتخليد
صوتٌ من القلب أمليه على فِمها … وعهدُ حًبٍ على الأيام ممدود
ولٍلقلوب لغاتٌ ليس يدركها … سوى فؤادٍ بنار الوجد معمود
حديثُ شوقٍ بلا حرفٍ ولا كلمٍ … تُفضى به شفتي للخد والجيد
معنىً من الحب يسمو أن أؤديةُ … بكل لفظٍ من الألفاظ محدود
اللفظ يَثقُل بالترديد مَوقعه … وتلك تحلو معانيها بترديد
دع الرسائل فيما لا تحيط به … تلك اللغاتُ ودَع صَوْغَ الأناشيد
فللشفاهِ على أمثالها لغةٌ … أحلى على السّمع من مزمار داود
أدتْ عن القلب ما يعيا اللسانُ به … كمنطق الطير غِريدٌ لِغريد
كم قُبلةٍ لا أرَى الدنيا لها ثمناً … فلا تبعْ معدودٍ بمعدود
стр. 7164
أحمد الزين
стр. 7165
على مذهب روسو
ثورة على الحضارة
للأستاذ محمود غنيم
ذَرَعْتم الجو أشبارا وأميالَا … وجُبتم البحر أعماقا وأطوالَا
فهل نَقَصْتم همومَ العيش خردلةً … أو زدتمو في نعيم العيش مثقالا؟
صرعى الهواء وغرقى الماء قد كثروا … وراكب الحيل جر الذيل مختالا
العيسُ ألْين ظهرا من مراكبَ إن … جنَّبن هولا فقد قرّبن أهوالا
تسنّم القوم غربَ الجو وانطلقوا … كأن للقوم في الأفلاك آمالا
أقسمت لو دنت الأفلاك طائعة … فنالها المرء لم يقنع بما نالا
إني أرى الناس ما زادوا رفاهيةً … في العيش زاده تعقيدا وإشكالا
كم هان أمر فقلدناه طائفةً … من الحواشي وحملناه أثقالا
تجاوز العرفُ والعاداتُ حدها … فأصبحا في رقاب الناس أغلالا
يا طالما حدثتني النفس قائلةً … أنحن أنعم أم أسلافنا بالا؟
كانت حياتهمو تَضفي بساطتُها … عليهمو من هدوء البال سر بالا
كم للمحاكم أحكام يقوم بها … في البدو فيْصَلهُ - والقولُ ما قالا
لا الحق ضاع إذا ما عيَّ مدرهُهُ … ولا ترقُّبُ يوم الفصل قد طالا
قد رتم الوقت تقدير الشحيح به … فكدتمو تملؤون الليل أعمالا
أتختمُ الوقت بالأعمال ويحكمو … هلا أضفتم إلى الآجال آجالا!
تحضر الناسُ حتى ما لمكرمة … قُدْسٌ لديهم ولكن قدسوا المالا
في كل مملكة حربٌ منظمةٌ … تضم جيشين: مُلاكا وعمالا
يد السياسة بالأخلاق قد عبثت … وقرض العلم صرح الدين فانهالا
البدو أكرمُ أخلاقا وأحسبهم … لله أكثرَ تقديسا وإجلالا
قالوا: تألق نور العلم، قلت لهم: … بل ناره أصبحت تزداد إشعالا
عهد الحسام بفضل العلم قد درست … آثاره وزمان الرمح قد دالا
يا رُب حربٍ بغير العلم ما اتقدت … ورب جيشٍ بغير العلم ما صالا
стр. 7166
مدمرات وغازات مسممة … تصور الموتَ ألوانا وأشكالا
لنا جرائمُ لم يسبق بها زمنٌ … باتت تزلزل ركن الأمن زلزالا
كم وضّح العلم منهاجاً لمختلس … وبات يحمي من القانون مغتالا
ابْنُ الحضارة جسم دون عاطفة … يكاد يحسبه رائيه تمثالا
وبرقها خلب يغريك بارقةُ … جتى إذا شِمتَه ألفيتَه آلا
رسالة الغرب لا كانت رسالته … كم سامنا باسمها خسفا وإذلالا
وصوّرتْه لعين الشرق أمثلة … عُليا وصوّرنا الرحمن أمثالا
تغزو الحضارة أقواما لتسعدهم … والزنج أسعد من أربابها حالا
هي الطبيعة ما بر الأنامُ … أما وبرت بهم من قبلُ أنجالا
هل تشهرون عليها الحرب ويحكمو … وكم طوت قبل هذا الجيل أجيالا
عودوا إلى حجرها إن شئتمور غدا … كما نشأتم بهذا الحجر أطفالا
صوت الهزار وصوت العود أيُّهما … أفواهما أثراً في النفس فعالا؟
أقسمت ما نظرت عيني بحاضره … كالرمل أصفَر أو كالماء سلسالا
إذا نظرتُ إليكم من ذُرا جبلٍ … لاحت قصورُكم الشماء أطلالا
يا رُب قصر له شمسُ الضحى طنفٌ … بين العيون وبين الشمس قد حالا
يود ساكنهُ لو كان منطلقا … كالذئب يسكن أحراجا وأدغالا
قودُ والبخارَ وسوقوا الكَهرباء فما … زلتم بأسرار هذا الكون جهالا
لكم حياةٌ وموتٌ كان سرُّهما … من عهد آدم مستوراً وما زالا
كوم حمادة
محمود غنيم
стр. 7167
وداع. . . . .
بقلم وصفي البني
يا عهوداً من حياتي شطرت … كيف أصبحت وراء العدم؟
أنت من قلبي شظايا ألمٍ … كيف أرصى عن بقايا الألم؟
يا عهوداً قد تولى ذكرها … أنت من ليلي منار الأنجم
سوف أمشي فوق آلامي وما … في فؤادي من بقايا الأسهم
مسرعاً في الليل أعدو كي أرى … نور أيامٍ تغذت من دمي
هل يطول الليل دهراً كاملاً؟ … بل سيمضي رغم أنف النوم
يا عيوني ما بكائي والأسى … غير أصوات بواد مظلم
قد سكبت الدمع في أمسي ولم … أستمع غير التشكي من فمي!
خلني أحيا ضحوكا فالبكاء … سوف يكويني بنار الندم
قد شربت الكأس مراً علقماً … واحتسيت الصبر فوق العلقم
فلنقف يا دهر، ذا وادي الشقا … من يرى الوادي وفيه يرتمي؟. . .
هذه دنيايَ ما عيشي بها … باكياً إلا كليلٍ أقتم!
قد تراءى الفجر يزجي نوره … في حنايا الليل يجري كالدم
فلنودع يا رفاقي أمسنا … إن نجم الصبح أغرى مبسمى!
دمشق
وصفي البني
стр. 7168
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٨ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
للأستاذ خليل هنداوي
شوبنهاور
١٧٨٨ - ١٨٦٠
هذا هو شوبنهاور الذي طبع الفلسفة الألمانية بطابع التشاؤم، فتركها مظلمة قاتمة، يخال الجانح إليها أنه نازل في أنفاق بعضها أقتم من بعض. نشأ نشأته الأولى بهدوء وسكينة، لا يكاد الناظر إلى وجهه النحاسي يتبين أن وراء هذا الوجه خيوطاً سوداء متصلة بقلبه الأسود؛ وقد خانه الجد في أول عهده كما يخون العظماء، فكبا فاستثقل أن ينهض من كبوته، فما زاده ذلك إلا حقداً على الناس ومبالغة في الانتقام منهم. اتخذ رسله إلى الناس الكتب؛ فكان أول كتبه (الجذور الأربعة لمبدأ السبب الأتم)، فخاض كتابه في صفوف الناس فلم يلق إلا فشلاً، لأنه لا يزال خامل الاسم، ولما تزل سحابة الحزن مخيمة على ألمانيا المغزوة المجرحة، فالناس في شغل عن الفلسفة والفلسفة في شغل عنهم، ولكن شوبنهاور المتشائم لم يثنه ما أصاب كتابه عن مواصلة السعي، فأعد عدته لحدث عظيم يترك وراءه دوياً، فقذف بكتابه (العالم إرادة وتمثيل) وهو خير كتبه، وأكثرها تمثيلاً لشخصيته فيه من فلسفته الشيء الكثير، ومن الشعر الشيء الكثير. . . ولكن ذلك لم يقعد ببعض حاسديه عن أن يحملوا على الكاتب وينالوا منه. فاستهل مطلع الجزء الثاني من كتابه بهذه الأبيات (وهي لغوتي)
(لماذا تنفر منا؟
وترمي بآرائنا. . . .
وترمي بآرائنا. . . .
أنا لا أكتب لأسرك وأبهجك
ولكني أكتب لأعلمك شيئاً)
стр. 7169
وقد أسلم كتابه إلى المطابع وولي وجهه شطر إيطاليا موطن الفن، دون أن يرتقب ما يتركه كتابه من تأثير، فقضي فيها زهاء عامين يحيا حياة بسيطة، هادئة. ويرود مواطن الآثار متأملا في تلك العظمة الغائرة في تلافيف التراب. وقد كانت له ميول غزيرة للفن؛ وكم متع النفس - في حداثته - بمباهج الحياة! حتى إذا آب إلى برلين افتتح شعبة خاصة في الجامعة، ولبث شوينهاور يرتقب عبثاً من يسمع له، أو يأخذ عنه، حتى يئس من نجاحه، وتبرم بمذهب (هيجل) الذي يحتل ذهن الجامعة، وهو - عنده - مذهب الجنون والمحال، فما أشد مقته لأتباع هذا المذهب، ولليهود ذوي الأثرة، والنساء اللواتي يخرجن الكون من قلق إلى قلق. عاد إلى إيطاليا ليتم دراسته الفنية، ثم أقام في (فرانكفورت) وبعد جهاد خمسة عشر عاماً مشت إليه الشهرة ذليلة بعد صدود، منقادة بعد جموح، ولقي حتفه عام ١٦٠، وهكذا قدر لشوبنهاور أن يصرع مذهبه الجديد مذهب (هيجل) الذي تقطعت أسبابه، وتفككت روابطه، وشغرت الأفكار من بعده وأصبحت تتقبل أي مذهب كان يبعثه مجدد!
يعتقد شوينهاور بأنه هو الوارث الحقيقي لتراث (كانت) وأن (فيخت وشيلنغ وهيجل ما هم إلا أطفال فاسدون)، يرى أن كانت نحا بالفلسفة منحى جديداً، وسار بها في منهاج واضح، أما أتباع كانت فقد ذهبوا بالفلسفة مذهباً وعراً لا مأمن فيه لسالكه، وأقحموها في بقاع هي فوق (المحسوس) تتعانق أجزاءها، وتتلاقى أشلاؤها في نقط مظلمة مبهمة. والآن قد آن للفلسفة أن تدرس حقائق الأشياء الموجودة. (وان الطريقة المثلى في تأمل الوجود، والوقوف على أطواره ما يصل بنا إلى بواطن الأشياء، وحقيقة أكناهها الخفية، ويطلعنا على سر ما يكمن وراء كل حادث، لا تسأل الكون من أين أتي؟ وإلى أين يمضي، ولماذا وجد؟ ولكنها في كل لحظة وفي كل خطرة تود أن تعرف ما هو؟) وهكذا تحول مجرى العلم النظري الذي كان يجري وراء الخيال، وعاد ينقل من التجارب ما سلم بها الاختبار، ويشرح لنا ناموس الوجود حسب وضعه
يقول شوبنهاور: العالم هو أين تمثيلي وتصويري، وأين الحقيقة التي تصورها احساساتي التي يحولها الفكر إلى معارف.
وشوبنهاور لا يتخطى بهذه الفكرة ما افترضه معلمه (كانت) من قبل. ولكن العالم عنده هو إرادة، هو ميول عمياء أو غريرة قاهرة عند الكائنات، وفاعلية حساسية عند الانسان،
стр. 7170
ولكنها إرادة متمثلة في كل شيء، هي جهاد عنيف في سبيل الحياة، تسعى لبسط سلطتها وقوتها على ما هو خارج عنها، الإرادة هي الشيء القائم بنفسه الذي لا ينفذ إليه فناء. الحياة هي العمل
وقد يُخيل للبالغ هذه النقطة من فلسفة شوينهور أن صاحبها يريد أن يبشر بالفعالية المستمرة والجهاد المتواصل الذي لابد منه لحي، ولكن شوينهاور لا يبلغ بك هذه النقطة إلا ليحمل إلى نفسك فكرته المسمومة التي تجعل من الدنيا كهفاً مظلماً، ومعتركاً تتطاحن فيه الإرادات. يصرع بعضها بعضاَ: ألم يصرع أملاً، وأمل مغسول بالدمع يصارع أملً مخضباً بالدم
الحياة جهاد عنيف. والجهاد العنيف سبب باعث للألم والشقاء. والكائن كلما زاد سمواً ورقياً زاد تألمه وشقاؤه. وذو النظام المتسق أكثر شعوراً بالألم من ذي النظام الناقص المضطرب. أما الشجرة فلا تتألم، فهي غير حساسة. أما رجل العقل ورجل العبقرية فهما أكثر شقاء وألماً ممن خُلقوا محدودي المدارك، ضيقي الآفاق. والحياة - مهما تجردت - لنا منها حاجات نريد إدراكها، ونريد أن ندركها كاملة، والكمال ظل طارئ لا يثبت، وقد تجر الحاجات حاجات مثلها مما يجعل الحياة - حسب هذا المقياس - لا تنطوي إلا على شقاء، فلا ندرك كل ما نتمنى، ولا نعقد عن التمني:
وشوينهاور إزاء هذه الحالات الغامضة، وجد كماله وراحته في المذهب البوذي الذي يجرد عن النفس الألم لأنه يقصيه عن الاشتغال في الحياة، ويدعوه إلى الفناء المطلق في الوجود، والتأمل في آياته تأملاً ساكناً، خالياً من الرغبة والشعور
هذا هو شاطئ النجاة القائم التي أوت إليه سفينة شوبنهاور بعد أن طافت في أكناف المحيط أعواماً، وهو مذهب كأن، صاحبه قد استمده من تلك الساحبة السوداء التي غشيت ألمانيا في عقلها وشعرها وفلسفتها. ومن خيبة طويلة رافقته أكثر أيامه وقد وجد الناقدون القائلون بتأثير الوارثة أن شوبنهاور قد اقتبس من أمه الأيم نظراتها السوداء، وعن أبيه أخذ الإرادة. ومهما كان تأثير هذه الوارثة المتنقلة بعيداً في نفس شوينهاور، فهو تأثير ضعيف إزاء تلك الموجة التي اكتسحت القطر الألماني جميعاً بما فيه من أدب ومذاهب وشعر وفلسفة
стр. 7171
وبرغم ما بذله شوينهاور في إعلاء شأن مذهبه، وإظهار خطره، فقد قسما عليه النقد ووجد في مذهبه خطراً يهدد أماني الأنسانية، ويقتل كل ما حملته معها منذ فجر الخليقة حتى الآن، وأرادوا من شوينهاور أن تهديه النتيجة التي بلغها في أول مراحله (الحياة هي جهاد عنيف) لا إلى مناصرة الألم القوي، وتثبيت جذروه السامة في قلوب البشرية، بل إلى تخفيف أثقاله الرازحة على الكواهل والغوارب. فيعمل بذلك على إنماء الحياة وتكثيرها، وجعل رسالته رسالة رضاً وابتسام، لا رسالة سخط وامتعاض
ولكن هب أن شوينهاور كان فاقداً لروح التفاؤل، فما هو سر انتشار مذهبه الأسود بين الناس، وقد علموا أن الحياة لا تغدو بمذهبه إلا متجهمة قاطبة. فهل كان شوينهاور معبراً عما يجول في صدور قومه ويخفق في قلوبهم، كما كان معبراً عما يختلج في صدره وفي قلبه؟ قد يكون احتمال الاثنتين معاً من أكبر العوامل التي جعلت من شوبنهاور نبياً للتشاؤم محترماً في قومه، وإن كان صاحب التشاؤم قريناً لا يقبل صحبته غراب
لقد كان شوينهاور وكمن تظلمه غمامة سوداء، كثيراً هزؤه، نسيج وحده في خلقه. جاءت فلسفته ابنة طبعه، يحاول أن يقنع بها نفسه، لا الناس، لأنه يشعر أن الناس واجد أكثرهم في الحياة نوراً وسعادة، ولكن نفسه لا تبصر من هذا النور شيئاً
على أن أسلوبه الفلسفي هو الذي أحياه، برغم أن اعتقاده - بالبوذية - لم يقم أمره كمذهب. لأن العقول لا تتقبله وإذا تقبلته فلن تفهمه. أما أسلوبه فهو حي يغري ويملأ النفس جلالاً.
فتفكيره فيه جد وصرامة، يغلب المنطق على أقواله حتى في الأشياء البعيدة، يدل استشهاده الكثير على سعة اطلاع، وقد بلغت منه قوة الملاحظة مبلغاً عظيماً، حتى لتأتي الفكرة منه مبنية على خطأ، وتأني أجزاؤها صحيحة سليمة، كأنها البشاعة مبطنة بالجمال؛ وهو فياض الخيال الذي يندمج مع الفكر دون ما نفور. ولعل أعظم ما جاء منه (فكرة الإرادة) التي بان تأثيرها في الأجيال التي عقبت جيل شوينهاور؛ فما زالت هذه الإرادة تتطور وتنمو حتى أوجدت لنفسها كياناً في العالم الفلسفي والعالم المادي، ولعل (نيتشه) هو أكبر مولود وضعته الإرادة الجبارة بين يدي الحياة.
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 7172
القصص
من أقاصيص الجاهلية
٣ - حرب البسوس
بقلم اليوزباشي أحمد الطاهر
تتمة
كان للناس عجباً أن اعتزل الحرب الحرثُ بن عباد والفند الزماني، وامتزج العجب بالحسرة حين انحازت إليهما عشائرهما. ولكنهما والعشائر قوم جنحوا للسام، وأرادوا أن يأخذوا الأمور بالرفق والحلم، وعز عليهم أن تطير بالقوم عنقاء، وأن تراق هذه الدماء، في مقتل ناقة عجفاء
جلس الحرث بن عباد يوماً على شرف من الأرض واجتمع الناس حوله يقصون عليه من أنباء القتال ما أمضه وزاد في حسرته. واندفع الحرث في اللوم والتثريب: يعيب على بكر ما فهل فتاها من قتل كليب يناب من الإبل وما جرت فعلته النكراء من كرب وبلاء. قال له الفند الزماني: (إنك يا حرث قد أسرفت في اللوم والتثريب، أما ترثى لهذا الشيخ مرة بن ذهل وقد توالت عليه المصائب وتزاحمت عليه النوائب، وكانت أخراها قتلى ابنه همام الذي ضن به يوم عرض الفدية. وأنت تعلم مكان همام من قومه وعشيرته! لشد ما يحزنني قتل هذا الفتى. لشد ما يحزنني قعودنا على نصرة بكر وقد أسرف المهلهل في النكال. وهالني ما يتندر به القوم علينا في مجالسهم ومجامعهم: قال قوم: إننا جبناء، وقال آخرون: إننا ضعفاء الرأي قليلو الحيلة، وقال آخرون إننا أذلاء نتملق تغلب ونصطنع عندهم يداً بعقودنا عن مناجزتهم. وحسبنا بها فرية تحط من كرامتنا وتضع من عزتنا. فهل أنت على رأيك مقيم؟)
قال الحرث: (أما مرة بن ذهل فلقد والله عز على مصابه في ولده ما يحز قلبي إلا مرآه مضرجاً بدمه وموقف المهلهل منه بظهر الأسى ويخفي الشماتة. ولكنك تعلم أن من دخل الحرب لم يأمن عواديها، وأن من نصب نفسه للقتال فقد استهدف للموت. وإن في ضن الرجل بفتاه يوم الفداء وبذله يقتل بسيف الأعداء شرفاً لا يطاوله شرف وفخاراً لا يتسامى
стр. 7173
إليه فخار، ولا أحب إلي من أن يقتل بُجير ولدي إن كان في قتله صلاح بين أبني وائل وفي دمه وفاء لدم كليب. وأما مقالة السوء التي تتناولها بها ألسنة بذيئة فما أحفل بها ولا أقيم لها وزناً. . . . .)
وفيما هو يتحدث إذ قدم رجل قد أطلق ساقيه للريح يلهث من فرط التعب ولا يكاد يبين: قال الملأ (ما بال هذا الرسول يعدو كأنما يسابق الريح؟) (والله ما نحسبه إلا أتى ينعي لنا المهلهل!) وانكب النذير على الحرث بن عباد واحتضنه بين ذراعيه وقال:
- (عزاء يا أبا بجير! عزاء!)
قالوا: ٠يا لهول المصاب! وما وراءك يا غراب البين!)
- (عزاء يا حرث! لقد والله كان أشجع من شهدته الحرب:
أفتقعد عن حربهم بعد هذا؟)
- (قل يا رجل من الذي مات؟)
- (بجير ولدك!)
- (وكيف مات!)
- (بل قتل. قتله المهلهل بن ربيعة. أفتقعد عن حربهم بهد هذا؟
- (مالك والمسألة عن هذا! أما بجير فنعم القتيل أصلح بين بكر وتغلب
وما أحسب المهلهل إلا قد أدرك به ثأر كليب وجعله كفؤاً له)
قال الناعي: (لا. لقد غابت عنك أشياء. أما علمت أن المهلهل عندما طعن بجيراً قال له: (بؤبشسع نعل كليب)؟)
قال الحرث: (أقالها والله؟)
- (نعم ولقد تجاوبها الحي من أقصاه إلى أقصاه)
قال الفند الزماني: (يا للمذلة! ويا للعار!)
قال الناعي: (وارحمتاه لهمام زين الشباب!)
قال الحرث: (دعا هماماً وقتل زين الشباب. لقد أسرف المهلهل وجاوز الحد. وما عرف لها الفتى الذي لم يخط العشرين حرمته وهو ابن اخته. ولم يعرف لي سابقتي وقد كففت عن حربه:
стр. 7174
قربا مربط النعامة مني … لقحت حرب وائل عن خبالي
لم أكن من جناتها علم الل … هـ وإني بحرها اليوم صالي
فأحضر له غلامه النعامة وهي فرس له، فركبها وخرج يدعو العشائر للقتال فلبته يشكر، وعجل، وبنو حنيفة، وبنو قيس بن ثعلبة، وسادتهم، وسار في القوم الفند الزماني وكان يقوم بألف رجل، وترأس القوم الحرث بن همام البكري
ولما اجتمع القوم وقف الحرث بن عباد خطيباً فاعتذر لهم عن نفسه وعن الفند الزماني فيما كان منهما من إحجام عن خوض هذه اللجة التي طغت على القوم فأصبحوا فيها مغرقين وقال أنه والفند قد استمسكا بالصبر والأناة حتى لم يعد في قوس الصبر منزع، والمهلهل قد أسرف في سفك الدماء جاوز حد الفداء، ولم يحتسب لنا قعودنا عن حربه وقد ناصبه قومنا العداء، وها هوذا قد قتل بجيراً ولدي وإني لأشهدكم - علم الله - على أنني حين بلغت مقتل بجير طابت نفسي واطمأنت ظناً بأن المهلهل سيجد في قتله غناء عن الحرب وكفاء للفدية، ولكنني أسرفت في الظن الجميل، وأسرف المهلهل في التنكيل، فالسكوت بعد اليوم لا يزكو بالحر، ولا يبرره عذر، يا قوم! لا أدعوكم للقتال انتقاماً لعزة ديثت بالصفار، ودماء جرت كالأنهار، ودفعاً للمذلة والعار. . . . . . .)
ثم نظر إلى الحرث بن همام البكري وقال له (وأنت يا ابن همام هل أنت مطيعي فيما آمرك به؟ قال: (ما أنا بتارك رأيك إلى ما هو شر منه) قال: (أعلم أن القوم مستقلون لقومك في السلم وازدادوا جرأة في الحرب فلنقاتلهم بالنساء فضلاً عن الرجال)
قال: (وكيف قتال النساء؟) قال: (تعمدون إلى كل امرأة لها جلد ونفس، فتعطى كل واحد منهن اداوة وهراوة، فإذا صفقت أصحابك فصفهن خلفهم فان ذلك مما يزيد الرجال جلداً وشدة ونشاطاً، ثم تعلموا بعلامة تعرفها نساؤكم فإذا خرج منكم إنسان في القتال أمرن بسقيه، وإذا مررن من عدوكم بإنسان ضربته بالهراوة فقتلنه) وفعل الحرث بن همام ما أمر به الحرث بن عباد.
وكان هو أول من أشار بحشد النساء مع الرجال. وحلقوا رؤسهم علامة بينهم وبين النساء. وسمي هذا اليوم يوم (تحلاق اللمم)
وخرج النساء من دورهن أسراباً محتشدات، وفي يد كل واحدة اداوة وهراوة، ووقفت
стр. 7175
تلقاءهن إحدى بنات الفند الزماني وصاحت: (يا معشر القوم! أحب إلينا أن نموت مع الرجال في ساحة الوغى أحراراً، من أن نقبع في دورنا ذلة وانكساراً. فأما عدوا مع رجالنا منتصرين، أو هلاكا مع الهالين، وسيرى القوم أن المرأة البكرية لا تقل عن الرجل تحمساً للشرف وحفظاً للكرامة، وحرصاً على الثار. يا نساء الحي! حي على القتال! حي على القتال!)
ثم برزت أختها وقفت إلى جوارها وتغنت الفتاتان بأبيات ترهف الشعور، وتوغر الصدور
وتدافع القوم رجالاً ونساء للقتال: فما كنت ترى إلا أعناقاً تمتد إلى الموت، وأجساماً تتزاحم على الردى، وصدوراً تهبط وتعلو من فرط الجوى. ثم حمي وطيس الحرب، واشتد البلاء.
واشتبكت الأسنة، وسالت الدماء، وظهرت تغلب حمرة تستمر استعاراً، وناراً تضطرم اضطراماً، وانقضت على بكر تحصد أعناق رجالها، وتطيح رقاب أبطالها، حتى تراجع البكريون وأيقنوا بالفناء، وظنوا أن لا كاشف لهذا البلاء، وفيما هم يتعثرون في انكسارهم أقبلت كرمة بين صلع أم مالك بن زيد فارس بكر وغنت
نحن بنات طارق … نمشي على النمارق
مشي القَطى البارق … المسك في المفارق
والدر في المخانق … إن تقبلوا نعانق
عرس المولى طالق … والعار منه لا حق
وما أشد ما يفعل الغناء والنسا في نفوس الأبطال. كان لهذه الأنشودة نغم كأنه خيوط انتظمت عليها الصفوف واتحدت في سلكها القلوب، بل كان النغم قبساً من نور سماوي نفذ إلى القلوب فأضاءها، وإلى النفوس فأنارها، وإلى العزائم فقواها، والى الهمم فدعاها. وسار القوم على هداه إلى نصر مبين. تدافعوا على العدو واقتحموا الصفوف واستباحوا المعاقل، وانكشف الهول فإذا المهاجم يرتد، وإذا المهزوم يشتد، وإذا تغلب بين قتيل وأسير وشريد
وانكشفت الغاشية، ونظر البكريون فيما بينهم فإذا بالحرث ابن عباد قد خلت منه الصفوف. فجزعوا وفزعوا. وذهبت بهم الظنون كل مذهب. وفيما هم في حيرتهم إذ أقبل فارس ينهب الأرض نهباً. قالوا لعل عنده الخبر اليقين. قال: (كأني بكم تبحثون عن الحرث من أبطال تغلب وانقض الحرث عليه كما ينقض النسر على الفرخ، وإذا بطل تغلب بين يديه
стр. 7176
كالعصفور قد هيض جناحه وقال له الحرث: أتدلني على عدي بن ربيعة المهلهل وأخلى عنك؟ قال الأسير: أدلك عليه إن وثقت من وعدك. قال الحرث: قد وعدتك. قال الأسير: أنا المهلهل! فما وسع الحرث إلا أن يفي بوعده ويخلي الرجل)
صاح القوم صيحة نكراء وهاجوا وماجوا. قالوا: (لقد أسرفت الحرث)، (يخلي المهلهل بعد أسره؟)، (أليس المهلهل قاتل ولده؟)
(قلنا إن الحرث ضعيف الرأي). (بل الحرث جبان!)
(كانت فرصة ولن تعود). (ولكن هو الوفاء). . .
- ولكن اسمعوا يا قوم. سماع! سماع! سماع: لقد بالغ الحرث في مذلة المهلهل ومهانته. فما تركه إلا وقد جز ناصيته كما يجز صوف النعاج)
وفيما هم يتندرون على المهلهل وجز ناصيته، ويختلفون في تأويل مسلك الحرث، إذ أقبل الحرث على وجهه آثار مختلفة فيها الإعياء وفيها الزهو وفيها الأسف وفيها الرضى. فأقبل عليه القوم بعضهم يسد يده مهنئاً، وبعضهم ينحي عليه باللائمة، وبعضهم يقره على وفائه بالعهد
قال الحرث بن عباد: (وما تركته حتى جززت ناصيته عبرة ونكالاً، أما تخليته فما كنت لأعدل عنها، وقد وعدت الرجل وأنا أجهله، ولو قد نكثت بعهدي للحقت بي سبة لا يمحوها الدهر ولا يغفرها الأهل
لهف نفسي على عدي، ولم أع … رف عدياً إذ أمكنتني اليدان!
قال الراوي: ومنذ ذلك اليوم فارق المهلهل قومه ونزل في مذحج ولم تقم له قائمة، وظل البكريون من رحيق النصر ينهلون
اليوزباشي أحمد الطاهر
стр. 7177
البريد الأدبي
تعليق وتعقيب
لامرتين
قرأت في (الرسالة) الغراء في باب (من هنا ومن هناك) من العدد التاسع والسبعين، كلمة عن نسب لامرتين الشاعر الفرنسي الملهم واحتمال أن يكون متسلسلاً من أصل عربي كما كان يقول هو عن نفسه. وللتعاون مع الباحث في هذه المسألة أقول:
إنني وجماعة من الأدباء، منذ مدة قريبة كنا تذاكرنا في هذا الموضوع، وبعد استعراض ما قيل فيه ما جلبه الأستاذ صاحب المجلة، جوزنا على تقدير عربية الشاعر أن يكون بين اسمه واسم أسرة العمارتي صلة ما، ولا سيما أن أصل الاسم هو ألا مرتين أي العمارتي كما نكتبها بالحروف الإفرنجية. وأسرة العمارتي هي من الأسر المنتشرة في هذه الجبال الريفية، والتي يغلب أن يكون أهلها من عرب الأندلس المهاجرين إلى المغرب. فهذا مما يزيد قوة الاعتقاد بعربية لامرتين. نعم هذه النون التي في الطرف ليست في اسم الأسرة المذكورة، ولكن لا مانع أن تكون من تصرف الألسنة الفرنجية في الاسم كما هو معهود منها اليوم مع هذا الاختلاط العظيم، فكيف به قبل؟ وعلى كل حال فهذا التعليق القصير ربما يلقي بصيصاً من النور على هذا البحث الطويل
بشر بن عوانة
كذلك قرأت في الباب نفسه من نفس عدد المجلة بحثاً صغيراً مضمونه الشك في حقيقة حياة هذا الشاعر وترجيح أن يكون شخصية خرافية من شخصيات المقامات كأبي الفتح الإسكندري والحرث بن همام؛ ذلك لأن الكاتب لم يقف على اسم بشر هذا في سفر من أسفار التاريخ ولا في كتاب من كتب الأدب التي قرأها إلا في مقامات بديع الزمان وكتاب تاريخ أدب اللغة العربية لجرجي زيدان وكتب المحفوظات للمدارس المصرية فرجح عنده إنكار وجوده. وبما أنني كنت وقعت على اسم بشر المذكور في غير هذه الكتب، رجعت إلى المظان التي أذكر أنني رأيته فيها فوجدت من أقربها كتاب (المثل السائر). وقد جاء ذكر بشرفيه في الصفحة ٦٤ (طبع مصر بالمطبعة البهية) حيث قال: (وكذلك وردت لفظة
стр. 7178
مشمخر فان بشراً استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه للأسد فقال:
وأطلقت المهند من يميني … فقد له من الأضلاع عشرا
فخر مضرجاً بدم كأني … هدمت به بناء مشخمرا
وخدمة للأدب فقط كتبت هذا التعقيب، وإلا فحياة بشر لا تثبت بمثل هذا الذكر استطراداً، على أن قصته التي حكاها البديع تسف حتى تلتحق بالخرافات لما فيها من المتناقضات
طنجة
عبد الله كنون الحسني
حول رواية نهر الجنون
. . . . قرأت في العدد (٨٤) من الرسالة الغراء مقالاً للأستاذ (جورج وغريس) تحت عنوان (سياحة في نهر الجنون). . .
ذكر فيه خلاصة موجزة للقصة التمثيلية (نهر الجنون) للأستاذ توفق الحكيم، وذكر كيف أن المرحوم جبران خليل جبران نشر شبيه هذه القصة في كتابه الجنون. وتساءل الأستاذ (جورج وغريس): هل هناك اقتباس؟ وأشارت الرسالة في نهاية المقال إلى أن مصدر الكاتبين قد يكون واحداً. . .
وقد نشر نفس القصة لكاتب التركي المرحوم (عمر سيف الدين) سنة (١٣٢٦) رومية أي منذ خمس وعشرين سنة تقريباً في كتابه المعبد الخفي (كيزلي معبد) تحت عنوان (الماء الذي شربه الجميع، أسطورة صينية) صفحة (١٢٧) والقصة تتلخص فيما يلي:
كان (لينغ - يو) ملكاً عادلاً حكيماً، توفر في أيامه الهناء للرعية، فجاءه في أحد الأيام ساحر وأعلمه أن أمطار غزيرة ستهطل مدى أيام، وكل من يشرب ماء خالطته قطرة من هذه الأمطار يصبح مجنوناً لا محالة. فأمر الملك بملء صهاريج القصر وكل ما فيه من أوان ماء نقياً عذباً لينجو من شرب الماء المسبب للجنون. . . وبعد أيام بدأت الأمطار بالتهطال ودام انهمارها أياماً وأسابيع. . فخالط ماؤها ماء الينابيع والآبار فجن السكان كلهم، وانتشروا في الأزقة والساحات يصيحون ويصرخون. وتجمع قسم كبير منهم حول قصر الملك وأخذوا يسخرون منه ومن صحبه الذين ظلموا عقلاء حتى تلك الساعة بفضل
стр. 7179
الماء المخزون في صهاريج القصر. فكان إذا بدا واحد من سكان القصر في إحدى الشرفات صاحوا بصوت واحد قائلين: (مجنون! انظروا المجنون!) وأصبحت الحالة لا تطاق، فلم ير الملك بداً من أن يشرب هو أيضاً من ماء الجنون، فتناول منه قدحاً وهو يقول: (لا لزوم لبضعة عقول صحيحة بين هؤلاء المجانين. . . .!)
ومرت الأيام والسنون. . وتأصل هذا النظام الجنوني وأطلقوا عليه (نظاماً اجتماعياً)، وزُج كل من عاوده عقله من هؤلاء المجانين في أمكنة أطلق عليها (مستشفيات المجاذيب). . ومنذ ذلك الحين لا ينفك العلماء من ترديد هذا القول: (الصين منبع الحكمة والعقل. . .)
فللقصة التي نشرها المرحوم جبران والأستاذ الحكيم ليست سوى أسطورة صينية تنقلتها أكثر اللغات
الدكتور محمد سالم
رسائل جديدة لبلزاك
لأدباء الغرب شغف خاص باستقصاء الآثار والرسائل الخاصة لأعلام الكتاب والمفكرين، وكثيراً ما يؤدي هذا الشغف إلى نتائج أدبية باهرة، فيظفر البحث بآثار ورسائل جديدة لها قيمتها في درس شخصية صاحبها. ومنذ بضعة أعوام ظفر الكاتب الفرنسي مارسل بوثرون بطائفة من رسائل بلزاك الخاصة إلى صديقته مدام (زولما كارو). واونوريه دي بلزاك هو القصصي الفيلسوف الفرنسي الذي تعد آثاره من أقيم ما أنتج الأدب الرفيع في القرن التاسع عشر. ونشر مسيو بوثرون بعض هذه الرسائل في مجلة (العالمين) سنة ١٩٢٣؛ ثم ظفر بطائفة جديدة منها، وجمع الجميع في كتاب واحد صدر أخيراً، وعنوانه (مراسلة لم تنشر لبلزاك)
وليست هذه الرسائل غرام كما يتبادر إلى الذهن، ولكنها رسائل صداقة خالصة؛ وهذا النوع من المراسلة نادر في حياة أكابر الكتاب إذا كتبوا لامرأة يشغفهم سحرها، ولكن بلزاك كان فيلسوفاً. وقد جمعت بينه وبين مدام زولما كارو ظروف عرضية، فقد كانت تقيم مع زوجها الضابط كارو حوالي سنة ١٨٢٠ بجوار أخت لها تدعى لور وهي زوجة مهندس يدعي سير فيل، وكان بلزاك يزور صديقه المهندس سير فيل وزوجه، فتعرف بالطبع بأختها مدام
стр. 7180
زولما، ونشأت بينهما صداقة حميمة، وكان بلزاك يشعر نحو مدام زولما بعاطفة حنان خاصة ليست هي الحب، وكانت مدام زولما تبادله عطفه وصداقته، لما نقل زوجها إلى بعض مدن الأقاليم، سافر بلزاك لزيارتها، وأقام حيناً إلى جانبها، وكان أثناء بعده عنها في باريس، وحينما تحتجزه صاحبته المركيزة دي كاستري، ينفس عن نفسه بالكتابة إلى مدام زولما، وتكتب هي اليه، وكان بلزاك يودع هذه الرسائل كثيراً من أسرار روحه وقلبه وآماله وشجونه، ويصوغها في قالب رفيع من البلاغة، وذهب في إكباره وصداقته لمدام زولما إلى حد أن أهدي إليها قصته (منزل نوسنجان)
ثم وقع بلزاك في حب الكونتس هانسكا، وأثار هذا الغزو الجديد قلبه شجناً واضطراباً، فكان كلما غلبه الشجن، أو ضاقت به السبل وأرهقه الدائنون يفر إلى مدام زولما فيقيم مع هذه الأسرة المحبوبة أياماً يروح فيها عن نفسه خلال الإيناس والزهر
وبعد فترة طويلة من الزمن قضاها الكاتب الكبير في متاعب وأزمات مختلفة اقترن بصاحبته الكونتة الأجنبية سنة ١٨٥٠؛ ولكنه لم يعش بعد زواجه سوى ثلاثة أشهر، ولكن مدام زولما عاشت بعده أعواما طويلة؛ ولها اليوم حفيدة على قيد الحياة تدعى مدام جورج بابيل؛ واليها يهدي مسيو بوثرون رسائل بلزاك الجديدة
خمسون عاماً لوفاة فكتور هوجو
تستعد دوائر فرنسا الأدبية للاحتفال بالعيد الخمسيني لوفاة شاعر فرنسا الأشهر فكتور هوجو الذي توفي في يونيه سنة ١٨٨٥ وسيجري الاحتفال بهذه الذكرى في جميع أرجاء فرنسا، ويوضع تحت رعاية الحكومة الرسمية، ويلقي وزير المعارف بهذه المناسبة خطاباً رسمياً على قبر الشاعر اتباعاً للتقاليد المعروفة، وقد رأت إدارة مسرح الكوميدي فرانسيز، وهو مسرح الدولة ان تشترك في الاحتفال بهذه الذكرى، وان يكون اشتراكها عملياً، وذلك بان تخصص موسماً خاصاً لتمثيل بعض روايات هوجو الشهيرة يبتدئ في مارس وينتهي في أول يونيه، وهو تاريخ وفاة الشاعر، وان يمثل خلال هذا الموسم من رواياته القطع الآتية: (روي بلاس)، (هزناني)، (ماريون دي لورم)، (لوكريس بورجيا) وغيرها
следующие страницы →