← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

كالعصفور قد هيض جناحه وقال له الحرث: أتدلني على عدي بن ربيعة المهلهل وأخلى عنك؟ قال الأسير: أدلك عليه إن وثقت من وعدك. قال الحرث: قد وعدتك. قال الأسير: أنا المهلهل! فما وسع الحرث إلا أن يفي بوعده ويخلي الرجل) صاح القوم صيحة نكراء وهاجوا وماجوا. قالوا: (لقد أسرفت الحرث)، (يخلي المهلهل بعد أسره؟)، (أليس المهلهل قاتل ولده؟) (قلنا إن الحرث ضعيف الرأي). (بل الحرث جبان!) (كانت فرصة ولن تعود). (ولكن هو الوفاء). . . - ولكن اسمعوا يا قوم. سماع! سماع! سماع: لقد بالغ الحرث في مذلة المهلهل ومهانته. فما تركه إلا وقد جز ناصيته كما يجز صوف النعاج) وفيما هم يتندرون على المهلهل وجز ناصيته، ويختلفون في تأويل مسلك الحرث، إذ أقبل الحرث على وجهه آثار مختلفة فيها الإعياء وفيها الزهو وفيها الأسف وفيها الرضى. فأقبل عليه القوم بعضهم يسد يده مهنئاً، وبعضهم ينحي عليه باللائمة، وبعضهم يقره على وفائه بالعهد قال الحرث بن عباد: (وما تركته حتى جززت ناصيته عبرة ونكالاً، أما تخليته فما كنت لأعدل عنها، وقد وعدت الرجل وأنا أجهله، ولو قد نكثت بعهدي للحقت بي سبة لا يمحوها الدهر ولا يغفرها الأهل لهف نفسي على عدي، ولم أع … رف عدياً إذ أمكنتني اليدان! قال الراوي: ومنذ ذلك اليوم فارق المهلهل قومه ونزل في مذحج ولم تقم له قائمة، وظل البكريون من رحيق النصر ينهلون اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 7177

البريد الأدبي تعليق وتعقيب لامرتين قرأت في (الرسالة) الغراء في باب (من هنا ومن هناك) من العدد التاسع والسبعين، كلمة عن نسب لامرتين الشاعر الفرنسي الملهم واحتمال أن يكون متسلسلاً من أصل عربي كما كان يقول هو عن نفسه. وللتعاون مع الباحث في هذه المسألة أقول: إنني وجماعة من الأدباء، منذ مدة قريبة كنا تذاكرنا في هذا الموضوع، وبعد استعراض ما قيل فيه ما جلبه الأستاذ صاحب المجلة، جوزنا على تقدير عربية الشاعر أن يكون بين اسمه واسم أسرة العمارتي صلة ما، ولا سيما أن أصل الاسم هو ألا مرتين أي العمارتي كما نكتبها بالحروف الإفرنجية. وأسرة العمارتي هي من الأسر المنتشرة في هذه الجبال الريفية، والتي يغلب أن يكون أهلها من عرب الأندلس المهاجرين إلى المغرب. فهذا مما يزيد قوة الاعتقاد بعربية لامرتين. نعم هذه النون التي في الطرف ليست في اسم الأسرة المذكورة، ولكن لا مانع أن تكون من تصرف الألسنة الفرنجية في الاسم كما هو معهود منها اليوم مع هذا الاختلاط العظيم، فكيف به قبل؟ وعلى كل حال فهذا التعليق القصير ربما يلقي بصيصاً من النور على هذا البحث الطويل بشر بن عوانة كذلك قرأت في الباب نفسه من نفس عدد المجلة بحثاً صغيراً مضمونه الشك في حقيقة حياة هذا الشاعر وترجيح أن يكون شخصية خرافية من شخصيات المقامات كأبي الفتح الإسكندري والحرث بن همام؛ ذلك لأن الكاتب لم يقف على اسم بشر هذا في سفر من أسفار التاريخ ولا في كتاب من كتب الأدب التي قرأها إلا في مقامات بديع الزمان وكتاب تاريخ أدب اللغة العربية لجرجي زيدان وكتب المحفوظات للمدارس المصرية فرجح عنده إنكار وجوده. وبما أنني كنت وقعت على اسم بشر المذكور في غير هذه الكتب، رجعت إلى المظان التي أذكر أنني رأيته فيها فوجدت من أقربها كتاب (المثل السائر). وقد جاء ذكر بشرفيه في الصفحة ٦٤ (طبع مصر بالمطبعة البهية) حيث قال: (وكذلك وردت لفظة

стр. 7178

مشمخر فان بشراً استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه للأسد فقال: وأطلقت المهند من يميني … فقد له من الأضلاع عشرا فخر مضرجاً بدم كأني … هدمت به بناء مشخمرا وخدمة للأدب فقط كتبت هذا التعقيب، وإلا فحياة بشر لا تثبت بمثل هذا الذكر استطراداً، على أن قصته التي حكاها البديع تسف حتى تلتحق بالخرافات لما فيها من المتناقضات طنجة عبد الله كنون الحسني حول رواية نهر الجنون . . . . قرأت في العدد (٨٤) من الرسالة الغراء مقالاً للأستاذ (جورج وغريس) تحت عنوان (سياحة في نهر الجنون). . . ذكر فيه خلاصة موجزة للقصة التمثيلية (نهر الجنون) للأستاذ توفق الحكيم، وذكر كيف أن المرحوم جبران خليل جبران نشر شبيه هذه القصة في كتابه الجنون. وتساءل الأستاذ (جورج وغريس): هل هناك اقتباس؟ وأشارت الرسالة في نهاية المقال إلى أن مصدر الكاتبين قد يكون واحداً. . . وقد نشر نفس القصة لكاتب التركي المرحوم (عمر سيف الدين) سنة (١٣٢٦) رومية أي منذ خمس وعشرين سنة تقريباً في كتابه المعبد الخفي (كيزلي معبد) تحت عنوان (الماء الذي شربه الجميع، أسطورة صينية) صفحة (١٢٧) والقصة تتلخص فيما يلي: كان (لينغ - يو) ملكاً عادلاً حكيماً، توفر في أيامه الهناء للرعية، فجاءه في أحد الأيام ساحر وأعلمه أن أمطار غزيرة ستهطل مدى أيام، وكل من يشرب ماء خالطته قطرة من هذه الأمطار يصبح مجنوناً لا محالة. فأمر الملك بملء صهاريج القصر وكل ما فيه من أوان ماء نقياً عذباً لينجو من شرب الماء المسبب للجنون. . . وبعد أيام بدأت الأمطار بالتهطال ودام انهمارها أياماً وأسابيع. . فخالط ماؤها ماء الينابيع والآبار فجن السكان كلهم، وانتشروا في الأزقة والساحات يصيحون ويصرخون. وتجمع قسم كبير منهم حول قصر الملك وأخذوا يسخرون منه ومن صحبه الذين ظلموا عقلاء حتى تلك الساعة بفضل

стр. 7179

الماء المخزون في صهاريج القصر. فكان إذا بدا واحد من سكان القصر في إحدى الشرفات صاحوا بصوت واحد قائلين: (مجنون! انظروا المجنون!) وأصبحت الحالة لا تطاق، فلم ير الملك بداً من أن يشرب هو أيضاً من ماء الجنون، فتناول منه قدحاً وهو يقول: (لا لزوم لبضعة عقول صحيحة بين هؤلاء المجانين. . . .!) ومرت الأيام والسنون. . وتأصل هذا النظام الجنوني وأطلقوا عليه (نظاماً اجتماعياً)، وزُج كل من عاوده عقله من هؤلاء المجانين في أمكنة أطلق عليها (مستشفيات المجاذيب). . ومنذ ذلك الحين لا ينفك العلماء من ترديد هذا القول: (الصين منبع الحكمة والعقل. . .) فللقصة التي نشرها المرحوم جبران والأستاذ الحكيم ليست سوى أسطورة صينية تنقلتها أكثر اللغات الدكتور محمد سالم رسائل جديدة لبلزاك لأدباء الغرب شغف خاص باستقصاء الآثار والرسائل الخاصة لأعلام الكتاب والمفكرين، وكثيراً ما يؤدي هذا الشغف إلى نتائج أدبية باهرة، فيظفر البحث بآثار ورسائل جديدة لها قيمتها في درس شخصية صاحبها. ومنذ بضعة أعوام ظفر الكاتب الفرنسي مارسل بوثرون بطائفة من رسائل بلزاك الخاصة إلى صديقته مدام (زولما كارو). واونوريه دي بلزاك هو القصصي الفيلسوف الفرنسي الذي تعد آثاره من أقيم ما أنتج الأدب الرفيع في القرن التاسع عشر. ونشر مسيو بوثرون بعض هذه الرسائل في مجلة (العالمين) سنة ١٩٢٣؛ ثم ظفر بطائفة جديدة منها، وجمع الجميع في كتاب واحد صدر أخيراً، وعنوانه (مراسلة لم تنشر لبلزاك) وليست هذه الرسائل غرام كما يتبادر إلى الذهن، ولكنها رسائل صداقة خالصة؛ وهذا النوع من المراسلة نادر في حياة أكابر الكتاب إذا كتبوا لامرأة يشغفهم سحرها، ولكن بلزاك كان فيلسوفاً. وقد جمعت بينه وبين مدام زولما كارو ظروف عرضية، فقد كانت تقيم مع زوجها الضابط كارو حوالي سنة ١٨٢٠ بجوار أخت لها تدعى لور وهي زوجة مهندس يدعي سير فيل، وكان بلزاك يزور صديقه المهندس سير فيل وزوجه، فتعرف بالطبع بأختها مدام

стр. 7180

زولما، ونشأت بينهما صداقة حميمة، وكان بلزاك يشعر نحو مدام زولما بعاطفة حنان خاصة ليست هي الحب، وكانت مدام زولما تبادله عطفه وصداقته، لما نقل زوجها إلى بعض مدن الأقاليم، سافر بلزاك لزيارتها، وأقام حيناً إلى جانبها، وكان أثناء بعده عنها في باريس، وحينما تحتجزه صاحبته المركيزة دي كاستري، ينفس عن نفسه بالكتابة إلى مدام زولما، وتكتب هي اليه، وكان بلزاك يودع هذه الرسائل كثيراً من أسرار روحه وقلبه وآماله وشجونه، ويصوغها في قالب رفيع من البلاغة، وذهب في إكباره وصداقته لمدام زولما إلى حد أن أهدي إليها قصته (منزل نوسنجان) ثم وقع بلزاك في حب الكونتس هانسكا، وأثار هذا الغزو الجديد قلبه شجناً واضطراباً، فكان كلما غلبه الشجن، أو ضاقت به السبل وأرهقه الدائنون يفر إلى مدام زولما فيقيم مع هذه الأسرة المحبوبة أياماً يروح فيها عن نفسه خلال الإيناس والزهر وبعد فترة طويلة من الزمن قضاها الكاتب الكبير في متاعب وأزمات مختلفة اقترن بصاحبته الكونتة الأجنبية سنة ١٨٥٠؛ ولكنه لم يعش بعد زواجه سوى ثلاثة أشهر، ولكن مدام زولما عاشت بعده أعواما طويلة؛ ولها اليوم حفيدة على قيد الحياة تدعى مدام جورج بابيل؛ واليها يهدي مسيو بوثرون رسائل بلزاك الجديدة خمسون عاماً لوفاة فكتور هوجو تستعد دوائر فرنسا الأدبية للاحتفال بالعيد الخمسيني لوفاة شاعر فرنسا الأشهر فكتور هوجو الذي توفي في يونيه سنة ١٨٨٥ وسيجري الاحتفال بهذه الذكرى في جميع أرجاء فرنسا، ويوضع تحت رعاية الحكومة الرسمية، ويلقي وزير المعارف بهذه المناسبة خطاباً رسمياً على قبر الشاعر اتباعاً للتقاليد المعروفة، وقد رأت إدارة مسرح الكوميدي فرانسيز، وهو مسرح الدولة ان تشترك في الاحتفال بهذه الذكرى، وان يكون اشتراكها عملياً، وذلك بان تخصص موسماً خاصاً لتمثيل بعض روايات هوجو الشهيرة يبتدئ في مارس وينتهي في أول يونيه، وهو تاريخ وفاة الشاعر، وان يمثل خلال هذا الموسم من رواياته القطع الآتية: (روي بلاس)، (هزناني)، (ماريون دي لورم)، (لوكريس بورجيا) وغيرها

стр. 7181

الكتب أدولف للكاتب الفرنسي بنجامان كونستان ترجمة الدكتور حسن صادق لا يزال فن القصص عندنا في بدء مرحلته الأولى، ولا زال أدباؤنا يتلمسون طريقهم إلى القصة ويتوقون إلى رؤية هذا الفن من فنون الأدب، وقد انقاد لهم ووصل في أدبهم إلى مثل تلك الدرجة التي وصل إليها في الآداب الغربية، ذلك لأن القصة في منحاها وطبيعة تركيبها، من أهم وسائل التثقيف وأيسرها، كما أنها من ألذ ضروب الاستمتاع وأقربها إلى القلب والذهن، والقصة الجيدة بلا شك هي الحياة في ناحية من نواحيها، ففيها ما في الحياة من معان، وفيها الحياة من اضطراب وهذا الافتقار في أدبنا إلى القصة، يجعلنا نرحب بكل تعريب جيد لشهيرات القصص في الأدب الغربي، إذ بذلك تتوفر لدينا النماذج وتتنوع المثل، فضلاً عما يكون لمثل تلك القصص من عظيم الأثر في تهذيب الذوق وصقله، وإيقاظ العواطف وحسن توجيهها نعم إن لكل أمة ذوقاً، ولكل أمة شرعة ومهاجاً، ولكل أمة وجهة تتجه إليها حسب ما ركب في طبيعتها من ميول، وفن القصص ملكة لا تكتسب، ولكن الأديب المصري الموهوب مع ذلك لابد له من نماذج، وهو كفيل أن يشكل قصته على هدى تلك النماذج حسبما يتفق مع بيئته ولقد اختار الدكتور حسن صادق قصة أدولف، فنقلها إلى العربية، وهي من القصص الفرنسية التي حازت عظيم الشهرة في أوربا كلها، وهي واحدة من تلك القصص التي تلائم كل بيئة وكل عصر، فليست من ذلك النوع المحصور الذي يتقيد في وضعه بغاية محدودة كالدعوة إلى إصلاح اجتماعي في ناحية من نواحي الحياة، أو من ذلك النوع الذي تصور فيه أمال ومثل عصر من العصور، حتى إذا انقضى ومنها أصبحت لأغنية فيها، بل هي من تلك الآثار الخالدة التي تساير الحياة وتغالب الفناء، وحسبك أنها قطعة فنية تقرأ فيها خطرات نفس كبيرة أملتها تلك العاطفة المشبوبة، عاطفة الحب في شرخ الشباب

стр. 7182

ولما كانت هذه ميزتها، فأنا أعتقد أن المترجم الفاضل قد أحسن الاختيار فقدم إلى قراء العربية أثراً أدبياً جميلاً ستلذهم قراءته وسيعجبهم ما جاء فيه من روعة التعبير عن خلجات النفس ومنازع القلب، ولقد أحسن أيضاً حين قدم لكتابه بفصل طويل دقيق، شرح فيه حياة المؤلف وحياة العصر الذي عاش فيه، مما جعل كتابه يجمع إلى اللذة الفنية، لذة ذلك البحث التاريخي القيم أما أسلوب الترجمة فمتين مشرق، تحس به في أول الكتاب عسيراً بعض العسر، ولكنه لا يلبث أن يلين ويعذب ثم يطرد، وقد تتراءى في بعض مواطنه بعض الصور والتراكيب الفرنسية نشأت من محافظة المترجم على دقة الترجمة، ولكن الأسلوب على الجملة صحيح التركيب، فصيح الأداء، يشهد للمترجم بما بذله من الجهد وما تحراه من الإجادة أما عن القصة في ذاتها فإني مع شديد إعجابي بها وتأثري بقراءتها تأثراً عميقاً، قد أحسست فيها ظاهرة أحسب القراء جميعاً سيحسونها مثلى، ذلك أن خواطر المؤلف كلها تدور حول نفسه وحول حبيبته، مما ضيق مجالها وتركها خالية من ذلك الجو الشعري الذي يوجد في مثل تلك الآثار الأدبية العظيمة، ومن تلك الأفكار الفلسفية الباهرة التي يعلق بها أصحاب تلك الآثار على ما سيصادفهم من ظروف ومواقف، فيزيدونها روعة وقوة، كما أن القصة تكاد تكون خالية من الأوصاف الطبيعية ومن أوصاف الرجال والبيئات. فهي من ناحية التعبير عما في داخل النفس، أو بعبارة أخرى من الناحية المعنوية البحت التي تدور حول عاطفة الحب قد بلغت غاية الجودة، ولكنها بالاقتصار على ذلك فقدت كثيراً من الصور والأطياف التي تشعر المرء لدى قراءة القصة بصدى الحياة هذا وإني لأشكر للدكتور حسن صادق ما بذل من مجهود وأرجوه أن يتحف قراء العربية بين حين وآخر بمثل هذه النفحة الساحرة من أدب الغرب الخفيف أغاني الكوخ نظم الأديب محمود حسن إسماعيل أنتقل بالقارئ إلى هذا الديوان المسمى أغاني الكوخ، لناظمه محمود حسن إسماعيل، ويقع

стр. 7183

في نحو مائة وخمسين صفحة، وقد أخرجه صاحبه في صورة أنيقة جذابة تشهد له بحسن الذوق ولعلك ترى في هذا الاسم (أغاني الكوخ) ما ترتاح إليه نفسك وخيالك، فإذا مضيت تقرؤه حمدت لناظمه هذه الروح المصرية، بل هذا الإعجاب الشديد بجمال الريف وبهائه، مما يعد خطوة محمودة نحو ما نتمنى بلوغه في نهضتنا الأدبية من صبغ أدبنا بالصيغة المحلية الطبيعية، وتصوير بيئتنا تصويراً يحفظ لثقافتنا لونها، ويبعد عن أدبنا ما يوشك أن يعلق به من بهرج زائف وتكلف مملول وأذكر أني قدمت للقارئ على صفحات (الرسالة) من أمد قريب (ظلال القمر) للأديب أحمد مخيمر وقد أعجبتني منه هذه الروح المصرية التي أراها أكثر ظهوراً وأتم نضوجاً في ديوان الأديب محمود حسن إسماعيل، فان معظم قصائده تدور حول المناظر الريفية المحبوبة في صعيد مصر مع دقة في الوصف وصدق في الإحساس أعتبرهما باكورة طيبة لابد أن ستتدرج في سبيل الرقي إلى الكمال. يبد أني وقد أعجبني صدق إحساس شاعرنا، أراه يأتي في شعره ببعض الأخيلة التي لم أستطع أن أصالح ذوقي عليها كما جاء في قصيدة الكوخ وفي قصيدة (تبسمي) و (القيثارة الحزينة) و (النعش) و (سنبلة تغني) و (عند زهرة الفول)، فقد ورد في تلك القصائد بعض المعاني الجزئية التي لا تتواءم وطبعه هذا إلى استعماله بعض المجازات والاستعارات كتصفيق الألحان في القلب، وأجفان القلاع، وقوله إنه رشف قصائده من يغر عشيقته وغير ذلك مما لا يتسع له المجال ولست أغضب الأديب محمود حسن إسماعيل فيما أعتقد، إن نبهته في إخلاص إلى الاهتمام بتجويد فنه والاهتمام بمعانيه، فديباجته في الجملة مشرقة، ولغته سليمة وألفاظه جيدة، كذلك يجدر به أن يولي قوافيه من العناية أكثر مما يفعل، ولئن اهتم بذلك فسوف نرى منه في المستقبل القريب شاعراً مصرياً رقيقاً. الخفيف شعراؤنا الضباط للأديب محمد عبد الفتاح إبراهيم

стр. 7184

يجد القارئ هذا الكتاب كما يتضح له من عنوانه، تراجم لشعراء مصر من الضباط، وضعها الضابط الأديب محمد عبد الفتاح إبراهيم، ولعل القارئ يشاركني شعور الغبطة حين يتجلى له هذا الإخلاص من المؤلف لطائفة من أهل مهنته، كاد ينسى معظمهم المشتغلون بالأدب، على الرغم مما قدموه في ميدان الأدب من خدمة اللغة عامة: وفن القريض خاصة ترجم هذا الأديب الفاضل للبارودي، وحافظ إبراهيم، وعبد الحليم حلمي المصري، ومحمد فاضل، ومحمد توفيق علي وقد سار في دراسته فيما يتعلق بهؤلاء جميعاً على وتيرة واحدة تقريباً، فكان يأتي بلمحة عن تاريخ كل شاعر، مبيناً البيئة التي نشأ فيها، ثم يذكر المناسبات التي حركته إلى نظم القصيد، مورداً بعض الشواهد من مأثور نظمه ومن مشهور قصائده وإني وان حمدت للضابط الأديب وفاءه واجتهاده، أحس أنه كان في كتابته يقصد إلى الوفاء أكثر مما يقصد إلى الدرس، ولن أظلمه إذا قلت أنه في بحثه كان يميل إلى سرد المعلومات متهماً باستيعابها دون تمحيصها، فلم تكن له طريقة محدودة، أو بعبارة أخرى لم يكن قوام عمله التحليل الأدبي الذي يستند إلى الفن وإلى الخبرة بالحياة، ولست أنكر هذه الخبرة عليه، ولكنني لم أتبين صداها في بحثه، وكان يخيل إلى أثناء كلامه عن البارودي، ثم عن حافظ - على الخصوص - أنني أستمع إلى محدث في مجلس الأدب، لا يتقيد فيه من يتعرض لحياة شاعر بأوضاع فنية أو يراعى وحدة الموضوع وسبيل التدرج فيه. هذا إلى أنه كان يترك الامر أحياناً لغيره، فيعرض أقوال من كتبوا عن حافظ دون أن يتناولها بتعليق على أن كتابه على الرغم من هذه المآخذ، جدير أن يثير اهتمام أدبائنا بهؤلاء الشعراء، وهو وفاء يثاب عليه المؤلف، واجتهاد يستحق من أجله الثناء الخفيف

стр. 7185

العدد ٨٧ - بتاريخ: ٠٤ - ٠٣ - ١٩٣٥

стр. 7186

مصر وأخواتها كأنما السؤال عن الناس كسؤال الناس لا يتفق مع الرخاء ولا يكون مع الغنى! فإن مصر والعراق يكادان من سعة العيش لا يذكران من وراء الحدود؛ والوحدة العربية في البلدلين على الرأي الأغلب حديث خُرافة أو حديث مجاملة! فلولا الأدب الذي يجمع الفؤاد بالفؤاد، ويربط البلاد بالبلاد، ويصل الأحفاد بالأجداد، لظلت منابت العروبة ومواطن الإسلام إغفالاً لا تُعرف، وإرحاءاً لا تُبلُ. يزور المصري قطراً من أقطار العرب، فيكون أول ما يرد على سمعه عتب المحبين على الهجر، ولوم الأقربين على القطيعة، وعذل الجيرة على التخاذل؛ فيلقي معاذيره الملوم المحُرج في منطق عي ودفاع غير ناهض؛ ثم يزداد حرجه وتتخاذل حججه كلما رأى قلوبهم، تزخر بعواطفه، وصدورهم تجيش بأمانيه، وألسنتهم تضطرب بأخباره، ونهضتهم تسترشد بنهضته، ووجتههم تسير مع وجهته؛ فصحفه تُقرأ، وكتبه تدرس، وسياسته تحتذي وزعامته تتبع؛ ثم خصومته هي لهم خصومة، وحكومته هي عليهم حكومة، وقومه لقومهم أهل، وبلده لبلادهم قبلة حينئذ يقول لنفسه والخجل والعجب يتعاقبان على وجهه: إن وطني مترامي الحدود فلماذا أحده على الضيق؟ وقومي ضخام العديد فلماذاأحصرهم على القلة؟ وجيراني كرامُ يصفون المودة، ويصدقون العطف، ويولون المعونة، فلماذا أجعل بيني وبينهم سداً من الإهمال والغفلة؟ ن الأمم القوية الناضجة لَتُرخص الأموال والأنفس في التمكين لأدبها ونفوذها وعُروضها في الشرق، فكيف نعرض نحن عن ذلك وهو يأتينا عفواً عن طريق القرابة في البلد والنسب، والوحدة في اللغة والأدب، والمشابهة في الحظ والحالة؟ دع ما ترشد إليه الغريزة من تعاطف الأهل، وتناصر الضعاف، وتعاون الجيرة، وانظر في الأمر من جهة الفائدة: أليست سورية منفذ العراق إلى البحر المتمدن، والسودان طريق مصر إلى النهر المحيي؟؟ ومع ذلك فالعراق مصروف الهم عن سورية، ومصر قليلة العلم بالسودان، فلا تعرف عنه إلا أنه جزء من سياستها! أما أنه قطعة من جسمها، وكلمة من اسمها، فذلك ما لم تعلمه إلا بالسماع، ولم تفهمه إلا في المدرسة يزور الرسالة الحين بعد الحين أخ من السودان أديب أو طالب، فلا نسمعه يقول أول ما يقول إلا هذا المعنى الواحد في صيغه المتعددة: لأننا لنعلم عنكم كل شيء، وإنكم لتجهلون

стр. 7187

عنا كل شيء! فسياستكم لا تعرف السودان إلا في المفاوضات، وأدبكم يقف بالوادي عند (الشلالات). وصحافتكم لا تدري أفي الأرض نحن أم في السموات! فهل عُني سياسي بتعرف بلادنا، أم تفرغ أديب لتصوير حياتنا، أم توفر صحافي على درس أحوالنا؟ ولعمري إذا فرقتنا السياسة ولم يجمع شملنا الأدب، فعلى أي صورة نلتقي، وعلى أي حال نتحد؟ ذلك ما يشكوه السوداني المخلص، ويأسى على حدوثه المصري المخلص، وبين الأسى والشكوى ناشئة من الأمل المسفر، وعزيمة من العمل المثمر، تتجليان في العاملين الصادقين من شباب الوادي وكهوله. فالعمل الجليل الذي هُديَتْ إليه ووُفقتْ فيه (البعثة الاقتصادية المصرية) من الرحلة إلى السوادن، والاختلاط بأهله، والاتصال برجاله، والاطلاع على أحواله، والتحدث إلى حكامه، فاتحةُ فصل جديد من تاريخ النيل الحديث، سيسجل فيه رجال الأعمال والأموال تصافُقَ البلدين الشقيقين على المودة وتواصلهما على المنفعة، وتآلفهما على التعاون فتحت هذه البعثة الميمونة أبواب السوادن الحصينة للنشاط الاقتصادي المصري، وهيأت الأسباب إلى اجتماع الأيدي التي يسقيها النيل ويطعمها النيل على استغلال خصبه في عمران أرضه، واستثمار خيره لسكان حوضه فإذا أضفنا إلى ذلك عناية الأدب والصحافة بتوحيد الهوى والثقافة، ألفنا من أغاريد الوادي، أعاليه واسافله، نشيداً واحداً تردده الشفاه البيض والسمر، وتتجاوبه سلاسل الجبال الخالدة. إن الاقتصاد والأدب يكونان الجسم والروح، فلا بد منهما أولا لإنشاء الأمة وإذكاء النهضة وإحكام الصلة؛ وما غزا الغربيون ممالك الشرق إلا بالتعليم والتجارة؛ أما السياسة فلا تأتي إلا آخر الأمر، فتؤيد الواقع، وتثبت الحالة، وتنظم العلاقة، وتحمي المنفعة. من أجل ذلك كان احتفال المصريين بوداع (البعثة) المصرية ولقاءها، واحتفاء السودانيين بفكرتها وأعضائها. هزاتٍ من العواطف الصادقة والحماسة الدافقة والشعور الواثق المطمئن بأسفار المستقبل عن وجوه الفوز، فيتصل الحبل وينتظم الشمل وتقوم الوحدة بين الشعبين الأخوين على أساس صحيح. إن من وراء حدودنا اليابسة يا قوم آداباً لا تقل عن آدابنا يحسن أن تُعرف، وشعوباً تتصل

стр. 7188

بأنسابنا يجب أن تُؤلف، وأسواقاً تفتقر إلى إنتاجنا ينبغي أن تُكشف. أما حَصْر النظر في حدود البحر فإدمان يفرق البصر، ويجمع الخطر، ويهجم بقوميتنا وأمانينا على الغرق! أحمد حسن الزيات

стр. 7189

الطفولتان للأستاذ مصطفى صادق الرافعي عصمت ابنُ فلان باشا طفلُ مُترف يكاد ينعصرُ ليناً، وتراه يرف رفيفاً مما نشأ في ظلال العز، كأن لروحه من الرقة مثل ظل الشجرة حول الشجرة. وهو بين لِداته من الصبيان كالشوكة الخضراء في أملودها الريان، لها منظر الشوكة على مجسة لينة ناعمة تُكذب أنها شوكةٌ إلا أن تيبس وتتوقح. وأبوه (فلان باشا) مديرٌ لمديرية كذا، إذا سُئل عنه ابنه قال: إنه مدير المديرية. لا يكاد يعدو هذا الترتيب، كأنه من غُرور النعمة يأبى إلا أن يجعل أباه مديراً مرتين. . . . وكثيراً ما تكون النعمة بذيئة وقاحاً سيئة الأدب في أولاد الأغنياء، وكثيراً ما يكون الغني في أهله غنىً من السيئات لا غير! وفي رأي عصمت أن أباه من علو المنزلة كأنه على جناح النسر الطائر في مسبحه إلى النجم، أما آباه الأطفال من الناس فهم عنده من سقوط المنزلة على أجنحة للذباب والبعوض! ولا يغدو ابنُ المدير إلى مدرسته ولا يتروحُ منها إلا وراءه جندي يمشي على أثره في الغدوة والروحة إذا كان ابن المدير، أي ابنَ القوة الحاكمة، فيكون هذا الجندي وراء هذا الطفل كالمنبهة له عند الناس، تُفْصحُ شارته العسكرية بلغات السافلة جمعاء أن هذا هو ابن المدير. فإذا رآه العربي أو اليواني، أو الطلياني أو الفرنسي، أو الإنجليزي أو كائن من كان من أهل الألسنة المتنافرة التي لا يفهم لسانٌ منها عن لسان - فهموا جميعاً من لغة هذه الشارة إن هذا هو ابن المدير؛ وانه من الجند الذي يتبعه كالمادة من القانون وراءها الشرح. . . .! ولقد كان يجب لابن المدير هذا الشرفُ الصبياني. لو أنه يوم وِلُد لم يولد ابن ساعته كأطفال الناس، بل ولد ابن عشر سنين كاملة لتشهد له الطبيعة أنه كبيرٌ قد انصدعت به معجزة! وإلا فكيف يمشي الجندي من جنود الدولة وراء طفل فيتبعه ويخدمه وينصاع لأمره؛ وهذا الجندي لو كان طَريدَ هزيمةٍ قد فر في معركة من معارك الوطن، وأريد تخليده في هزيمته وتخليدها عليه بالتصوير - لما صور إلا جندياً في شارته العسكرية منقاداً لمثل

стр. 7190

هذا الطفل الصغير كالخادم؛ في صورة يُكتب تحتها: (نُفًايَة عسكرية!) ليس لهذا النظر الكثير حدوثه في مصر إلا تأويلٌ واحد: هو أن مكان الشخصيات فوق المعاني وان صغرت تلك وجلت هذه؛ ومن هنا يكذبُ الرجل ذو المنصب، فيرفع شخصه فوق الفضائل كلها؛ فيكبر عن أن يكذب، فيكون كذبه هو الصدق، فلا ينكر عليه كذبة أي صدقة. . . . .! ويخرج من ذلك أن يتقرر في الأمة أن كذب القوة صدق بالقوة! وعلى هذه القاعدة يقاس غيرها من كل ما يخذل فيه الحق. ومتى كانت الشخصيات فوق المعاني السامية طفقت هذه المعاني تموجُ مَوجها محاولةً أن تعلو، مكرهة على أن تنزل؛ فلا تستقيم على جهةٍ ولا تنتظمُ على طريقة؛ وتقبل بالشيء على موضعه، ثم تكرُّ كرها فتدبرُ به إلى غير موضعه، فتضُّل كل طبقةٍ من الأمة بكبرائها، ولا تكون الأمة على هذه الحالة في كل طبقاتها إلا صغاراً فوقهم كبارهم؛ وتلك هي تهيئةُ الأمة للاستعباد متى ابتليت بالذي هو أكبر من كبارها؛ ومن تلك تنشأ في الأمة طبيعةُ النفاق يحتمي به الصغر من الكبر، وتنظم به ألفةُ الحياة بين الذلة والصولة! وتخلف الجندي ذات يوم عن موعد الرواح من المدرسة، فخرج عصمت فلم يجده، فبدا له أن يتسكع في بعض طرق المدينة لينطلق فيه ابن آدم لا ابن المدير، وحن حنينه إلى المغامرة في الطبيعة، ولبست الطرق في خياله الصغير زينتها الشعرية بأطفال الأزقة يلعبون ويتهوشون ويتعابثون ويتشاحنون، وهم شتى وكأنهم أبناء بيتٍ واحد مست بكل من كل رحمٌ، إذ لا ينتسبون في اللهو إلا إلى الطفولة وحدها وانساق عصمت وراء خياله، وهرب على وجهه من تلك الصورة التي يمشي فيها الجندي وراء ابن المدير، وتغلغل في الأزقة لا يبالي ما يعرفه وما لا يعرفه، إذ كان يسير في طرقٍ جديدة على عينه كأنما يحلم بها في مدينةٍ من مدن النوم وانتهى إلى كبكبةٍ من الأطفال قد استجمعوا لشأنهم الصبياني، فانتبذ ناحية ووقف يصغي إليهم متهيباً أن يقدم، فاتصل بسمعه ونظره كالجبان، وتسمع فإذا خبيث منهم يعلم الآخر كيف يضرب إذا اعتدى أو أعتُدي عليه، فيقول له: اضرب أينما ضربت، من رأهس، من وجهه، من الحُلقوم، من مراق البطن؛ قال الآخر: وإذا مات؟ فقال الخبيث: وإذا مات فلا تقُل إني أنا علمتُك. . .!

стр. 7191

وسمع طفلاً بقول لصاحبه: أما قلت لك إنه تعلم السرقة من رؤيته اللصوص في السيما؟ فأجابه صاحبه: وهل قال له أولئك اللصوص الذين في السيما كن لصاُ واعمل مثلنا؟ وقام منهم شيطان فقال: يا أولاد البلد، أنا المدير! تعالوا وقولوا لي (يا سعادة الباشا، إن أولادنا يريدون الذهاب إلى المدارس، ولكنا لا نستطيع أن ندفع لهم المصروفات. .) فقال الأولاد في صوت واحد: (يا سعادة الباشا، إن أولادنا يريدون الذهاب إلى المدارس، ولكنا لا نستطيع أن ندفع لهم المصروفات) فرد عليهم (سعادته): اشتروا لأولادكم أحذية وطرابيش وثياباً نظيفة، وأنا أدفع لهم المصروفات فنظر إليه خبيث منهم وقال: يا سعادة المدير، وأنت فلماذا لم يشتر لك أبوك حذاء. .؟ وقال طفل صغير: أنا ابنك يا سعادة المدير، فأرسلني إلى المدرسة وقت الظهر فقط. . . .! وكان عصمت يسمع ونفسه تهتز وترف بإحساسها كالورقة الخضراء عليها طل الندى، وأخذ قلبه يتفتح في شعاع الكلام كالزهرة في الشمس؛ وسكر بما يكسر به الأطفال حين تقدم لهم الطبيعة مكان اللهو معداً مُهيأ كالحانة ليس فيها إلا أسباب السكر والنشوة، وتمام لذاتها أن الزمن فيها منسي، وأن العقل فيها مُهمل. . . وأحسن ابن المدير أن هذه الطبيعة حين ينطلق فيها جماعة الأطفال على سجيتهم وسجيتها - إنما هي المدرسة التي لا جُدران لها، وهي تربيةُ الوجود للطفل تربية تتناوله من أدق أعصابه فتبدد قواه ثم تجمعها له أقوى ما كانت، وتفرغه منها ثم تملؤه بما هو أتم وأزيد. وبذلك تكسبه نمونشاطه، وتعلمه كيف ينبعث لتحقيق هذا النشاط، فتهديه إلى أن يبدع بنفسه ولا ينتظر من يبدع له، وتجعلُ خطاه دائماً وراء أشياء جديدة فتسدده من هذا كله إلى سر الإبداع والابتكار، وتلقيه العلم الأعظم في هذه الحياة، علم نضرة نفسه وسرورها ومرحها، وتطبعه على المزاج المتطلق المتهلهل المتفائل، وتتدفق به على دنياه كالفيضان في النهر، تفور الحياة فيه وتفور به، لا كأطفال المدارس الخامدين، تعرف للواحد منهم شكل الطفل وليس له وجوده ولا عالمه، فيكون المسكين في الحياة ولا يجدها، ثم تراه طفلاً صغيراً وقد جمعوا له همومَ رجل كامل! ودبت روحً الأرض دبيبها في عصمت، وأوحت إلى قلبه بأسرارها، فأدرك من شعوره أن هؤلاء الأغمار الأغبياءَ من أولاد الفقراء والمساكين، هم السعداءُ بطفولتهم. وأنه هو

стр. 7192

وأمثاله هم الفقراءُ والمساكين في الطفولة، وأن ذلك الجندي الذي يمشي وراءه لتعظيمه إنما هو سجن، وأن الألعاب خير من العلوم، إذ كانت هي طفلية الطفل في وقتها، أما العلوم فرُجولةٌ مُلزقةٌ به قبل وقتها توقره وتحوله عن طباعه، فتقتل فيه الطفولة وتهدم أساسَ الرجولةَ، فينشأ بين ذلك لا إلى هذه ولا إلى هذه، ويكون في الأول طفلاً رجلاً، ثم يكون في الآخر رجلاً طفلاً. وأحس مما رأى وسمع أن مدرسة الطفل يجب أن تكون هي بيته الواسعَ الذي لا يتحرجُ أن يصرخ فيه صراخه الطبيعي، ويتحرك حركته الطبيعة، ولا يكون فيه مدرسون ولا طلبة، ولا حاملو العُصي من الضباط؛ بل حق البيت الواسع أن تكون فيه الأبوة الواسعة، والأخوة التي تنفسح للمئات؛ فيمر الطفل المتعلم في نشأته من منزل إلى منزل إلى منزل، على تدريج في التوسع شيئاً فشيئاً، من البيت إلى المدرسة إلى العالم وكان عصمت يحلم بهذه الأحلام الفلسفية، وطفولته تشب وتسترجل، ورخاوته تشتد وتتماسك؛ وكانت حركاتُ الأطفال كأنها تحركه من داخله، فهو منهم كالطفل في السيما حين يشهد المتلاكمين والمتصارعين، يَستطيرُه الفرحُ، ويتوثب فيه الطفل الطبيعي بمرحه وعنفوانه، وتتقلص عضلاته، ويتكشف جلده، وتجتمع قوته؛ حتى كأنه سيُظاهر أحدَ الخصمين ويلكم الآخر فيكوره ويصرعه، ويفض معركة الضرب الحديدي بضربته اللينة الحريرية. . .! فما لبث صاحبنا الغريرُ الناعمُ أن تخشن، وما كذب أن اقتحم، وكأنما أقبل على روحه الشارعُ والأطفال ولهوهم وعبثهم، إقبال الجو على الطير الحبيس المعلق في مسمار، إذا انفرج عنه القفص، وإقبال الغابة على الوحش القنيص إذا وثب وثبة الحياة فطار بها وإقبال الفلاة على الظبي الأسير إذا ناوصَ فأفلتَ من الحبالة وتقدم فادغم في الجماعة وقال لهم: أنا ابن المدير. فنظروا إليه جميعاً ثم نظر بعضهم إلى بعض، وسفرت أفكارهم الصغيرة بين أعينهم، وقال منهم قائل: إن حذاءه وثيابه وطربوشه كلها تقول أن أباه المدير فقال آخر: ووجهه يقول إن أمه امرأة المدير! فقال الثالث: ليست كأمك يا بعطيطي ولا كأم جُعْلُص!

стр. 7193

قال الرابع: يا ويلك لو سمعُ جعلص، فان لكماته حينئذ لا تترك أمك تعرف وجهك من القفا! قال الخامس: ومن جعلص هذا؟ فليأت لأريكم كيف أصارعه، فاجتذبه، فاعصره بين يدي، فأعتقل رجله برجي، فأدفعه، فيتخاذل، فأعركه، فيخرُّ على وجهه؛ فأسمره في الأرض بمسمار! فقال السادس: ها ها! إنك تصف بأدق الوصف ما يفعله جعلص لو تناولك في يده. . .! فصاح السابع: ويلكم! هاهو ذا. جعلص، جعلص، جعلص! فتطاير الباقون يميناً وشمالاً كالورق الجاف تحت الشجر إذا ضربته الريح العاصف. وقهقه الصبي من ورائهم فثابوا إلى أنفسهم وتراجعوا. وقال المستطيل منهم: أما إني كنت أريد أن يعدو جعلص ورائي، فأستطردُ إليه قليلاً أطمعه في نفسي، ثم أرتد عليه فآخذه كم فعل (ماشيست الجبار) في ذلك المنظر الذي شاهدناه وقهقه الصبيان جميعاً. . . .! ثم أحاطوا بعصمت إحاطة العشاق بمعشوقة جميلة، يحاول كل منهم أن يكون المقرب المخصوص بالحظوة، لا من أجل أنه ابن المدير فحسب، ولكن من أجل أن ابن المدير تكون معه القروش. . . فلو وُجدت هذه القروش مع ابن زبال لما منعه نسبه أن يكون أمير الساعة بينهم إلى أن تنفذ قروشه فيعود ابن زبال. . .! وتنافسوا في عصمت وملاعبته والاختصاص به، فلو جاء المدير نفسه يلعب مع آبائهم ويركبهم ويركبونه، وهم بين نجار وحداد، وبناء وحمال، وحوذي وطباخ، وأمثالهم من ذوي المهنة والمكسبة الضيئلة - لكانت مطامع هؤلاء الأطفال في ابن المدير، أكبر من مطامع الآباء في المدير. وجرت المنافسة بينهم مجراها، فانقلبت إلى مُلاحاة، ورجعت هذه الملاحاة إلى مشاحنة، وعاد ابن المدير هدفاً للجميع يدافعون عنه وكأنما يعتدون عليه، إذ لا يقصد أحدٌ منهم أحدا بالغيظ إلا تعمدَ غيظ حبيبه ليكون أنكأ له وأشد عليه! وتظاهروا بعضهم على بعض، ونشأت بينهم الطوائل، وأفسدهم هذا الغني المتمثل بينهم، ويا ما أعجب إدراك الطفولة وإلهامها! فقد اجتمعت نفوسهم على رأي واحد. فتحولوا جميعاً إلى سفاهة واحدة أحاطت بابن المدير، فخاطره أحدهم في اللعب فقمره، فأبى إلا أن يعلوَ

стр. 7194

ظهره ويركبه؛ وأبى عليه ابن المدير ودافعه، يرى ذلك ثلماً في شرفه ونسبه وسطوة أبيه؛ فلم يكد يعتلُ بهذه العلة ويذكر أباه ليعرفهم آباءهم. . . . حتى هاجت كبرياؤهم، وثارت دفائنهم، ورقصت شياطين رءوسهم؛ وبذلك وضع الغبي حقد الفقر بازاءُ سخرية الغني؛ فألقى بينهم مسئلة المسائل الكبرى في هذا العالم، وطرحها للحل. . . . . .! وتنفشوا للصولة عليه، فسخر منه أحدهم، ثم هزأ به الآخر، وأخرج الثالثُ لسانه؛ وصدمه الرابع بمنكبه؛ وأفحش عليه الخامس؛ ولكزه السادس؛ وحثا السابع في وجهه التراب! وجهد المسكين أن يفر من بينهم فكأنما أحاطوه بسبعة جدران فبطل إقدامه وإحجامه، ووقف بينهم كما كتب الله. . .! ثم أخذته أيديهم فانجدل على الأرض، فتجاذبوه يمرغونه في التراب! وهم كذلك إذا انقلب كبيرهم على وجهه، وانكفأ الذي يليه، وأزيح الثالث، ولُطمَ الرابع، فنظروا، فصاحوا جميعاً: (جُعْلُص، جعلص!) وتواثبوا يشتدون هرباً. وقام عصمت ينتخلُ الترابُ من ثيابه وهو يبكي بدمعه وثيابه تبكي بترابها. . .! ووقف ينظر هذا الذي كشفهم عنه وشردتهم صولته، فإذا جعلص وعليه رجفانٌ من الغضب، وقد تبرطمت شفته وتقبض وجهُه كما يكون (ماشيست) في معاركه حين يدفع عن الضعفاء. وهو طفل في العاشرة من لِدات عصمت، غير أنه مُحتنكٌ في سن رجل صغير؛ غليظٌ عَبلٌ شديدُ الجبلة متراكبٌ بعضه على بعض، كأنه جني متقاصر يهم أن يطولَ منه المارد. فأنس به عصمت، واطمأن إلى قوته، وأقبل يشكو له ويبكي! قال جعلص: ما اسمك؟ قال: أنا ابن المدير. . . .! قال جعلص: لا تبك يا ابن المدير. تعلم أن تكون جلداً، فإن الضرب ليس بذلٍ ولا عار، ولكن الدموع هي تجعله ذلاً وعاراً؛ إن الدموع لتجعل الرجل أنثى. نحن يا ابن المدير نعيش طول حياتنا إما في ضرب الفقر أو ضرب الناس، هذا من هذا؛ ولكنك غنيٌ يا ابن المدير، فأنت كالرغيف (الفينو) ضخمٌ مُنتفخٌ ولكنه ينكسر بلمسه، وحشوهُ مثل القطن! ماذا نتعلم في المدرسة يا ابن المدير إذا لم تعلمك المدرسة أن تكون رجلاً يأكل من يريدُ

стр. 7195

أكله؛ وماذا تعرف إذا لم تكن تعرف كيف تصبر على الشر يوم الشر، وكيف تصبر للخير يوم الخير، فتكون دائماً على الحالتين في خير؟ قال عصمت: آه لو كان معي العسكري! قال جعلص: ويحك؛ لو ضربوا عنزاً لما قالت: آه لو كان معي العسكري! قال عصمت: فمن أين لك هذه القوة؟ قال جعلص: من أني أعتملُ بيدي فأنا أشتد، وإذا جعتُ أكلت طعامي؛ أما أنت فتسترخي، فإذا جعت أكلك طعامك، ثم من أني ليس لي عسكري. . .! قال عصمت: بل القوةٌ من أنك لستَ مثلنا في المدرسة؟ قال جعلص: نعم، فأنت يا ابن المدرسة كأنك طفلٌ من ورق وكراسات لا من لحم، وكأن عظامك من طباشيرّ أنت يا ابن المدرسة هو أنتَ الذي سيكون بعد عشرين سنة، ولا يعلم إلا الله كيف يكون؛ وأما أنا ابن الحياة، فأنا من الآن، وعلي أن أكون (أنا) من الآن! أنتَ. . . وهنا أدركهما العسكري المسخر لابن المدير، وكان كالمجنون يطير على وجهه في الطرق يبحث عن عصمت، لا حباً فيه ولكن خوفاً من أبيه. فما كاد يرى هذا العفر على أثوابه حتى رنت صفعته على وجه المسكين جعلص فصعر هذا خده، ورشق عصمت بنظره، وانطلق يعدو عدو الظليم! يا للعدالة! كانت الصفعةُ على وجه ابن الفقير، وكان الباكي منها ابن الغني. . .! وأنتم أيها الفقراء، حسبكم البطولة؛ فليس غَنى بطل الحرب في المال والنعيم، ولكن بالجراح والمشقات في جسمه وتاريخه؟ طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 7196

السر الموزع للآنسة النابغة (مي) وسط الهرج الذي يحدثُ عادةً عند انفضاض مجلسٍ من المجالس تناثر الزائرون في الردهة يهمون بالانصراف مودعين أهل الدار وشاكرين لهم حفاوتهم، متبادلين مع هؤلاء وأولئك التحية والمصافحة، متواعدين فيما بينهم على الاجتماع في فرصةٍ قريبة أما ذلك الفتى فمضي يتسلل خلسةً، هرباً من كل شخصٍ خطر وللتملص منهم جميعاً: (والشخص الخطر) في تلك الحال هو أي شخص قد يشتبك معهُ في حديث ويصحبهُ إلى الخارج، إنه يحتاج إلى الوحدة لا يعكر عليه صفاءها أحد، لأنه في تلك الحالة النفسية التي تبدو فيها الحياةُ طريفةً وتبدوا فيها الخليقةُ وكأنها خرجت الساعة من يدِ الباري غضةً جديدة خرج إلى الرصيف وجال نظرهُ يبحثُ بين الناس والسيارات فاستقرت عيناه على خمس فتيات من اللائي حضرن الاجتماع، وقد أحطن بسيارة كبيرة أخذن يتوارين في داخلها الواحدة بعد الأخرى، فكانت الأخيرة في التواري صاحبة الثوب ذي الزرقة (الكهربائية). فجهد الفتى ليرى منها جميع حركاتها فرأى فيما رأى أنها التفتت إلى الوراء، شأن من يبحث عن شيءٍ أو شخص. وسرعان ما لمحتْ رأسه والتفت عيناها بعينه عن بعد. فأدركت أن نظره يتبعها ويرقبها، وأدرك هو أنها تأخرت والتفتت لتبحث عنه. فما إن تلاقي نظراهما وفاجأهما ذلك الإدراك حتى أعرض كلٌ منهما على عجل كأنما هو يخجل بانكشاف أمره. وعندما تحركت السيارة مندفعة إلى الأمام أرسل الفتى نظره يشيعها في حرية واطمئنان - هأنذا! انتظرني أم تبحث عني؟ لقد وقع ما كان يخشاه، ولحق به زميل لم يكن ليتحاشى مصاحبته أو ينفر من حديثه عادة. ولكن الآن. . . - هيا بنا إلى جروبي! فتلكأ الشاب قليلاً وقال: - إني على موعد - أي موعد؟ ألم نتفق عندما جئنا هذه الدار على موافاة أصحابنا عند جروبي بعد الخروج

стр. 7197

من هنا؟ - آه. . . نسيت! - أنسيت الموعد أم نسيت اتفاقنا؟ - نسيت الموعد. . . - نسيت الموعد فلم تذكره إلا على الرصيف. . . إذا أوصلك بسيارتي إلى المكان الذي تقصد إليه، ثم أسبقك إلى جروبي حيث توافينا بعدئذٍ رأى الفتى أن لا مفر من المقدور , ولو نجح في التفلت من صاحبه هذا فليس مضموناً أن يتفلت من غيره في مكان آخر. فتراخت عزيمته واستسلم: - الواقع أن الموعد اختياري يمكن تأجيله. هيا إلى جروبي أما الفتيات الخمس فقد سارت بهن السيارة إلى ناحية الجزيرة وهن يتحدثن جميعاً في آن واحد وليس بينهن من تصغي. وعلامَ الإصغاء؟ المهم هو الكلام. وقد سرت الفتيات بتلاقيهن في هذا الاجتماع، وسررن باتفاق والدتهن بعده على الهاب معاً لتأدية فروض التعزية في بعض البيوت، فاتفقن فيما بينهن على ركوب سيارة إحداهن التي تعهدت بأن (توزع) صاحباتها على بيوتهن مجاناً لوجه الله الكريم وبدون (أكسيدان). وثم فرصة مواتية لتبادل الآراء وإبداء الملاحظات على حفلة الاستقبال وعلى الذين حضروها، إذا تيسر شيء من ذلك عند ما يأبين جميعاً احتمال فريضة السكوت. . . بيد أنهن سكتن فجأة عندما أنشأت إحداهن تنتقد هندام السيدات وتبرجهن وذوقهن وجمالهن. هذا حديث لذيذ حقاً، يوافقن عليه ويؤيدنه وإن كن في قلوبهن مقتنعات بعكس ما يقال. وإذ توغل النقد فأمسى لاذعاً، طربن طرباً ورنت ضحكاتهن بريئة، في نظرهن على الأقل. ونادت إحداهن صاحبة الثوب الأزرق قائلة: ألا تشاركينا في الضحك؟ ألا تسمعين؟ - أنا اتخذت لي محلاً مختاراً قرب (الشوفير) ولذلك أصبحتُ مسؤولة عن سلامتكن، وعلى أن أظل هادئة لئلا يحدث لنا (أكسيدان) - بعد الشر! إذا تحتم (الأكسيدان) فليكن بعد وصولي إلى البيت سالمة. وها قد وصلنا والحمد لله! فتستطيعين الآن أن تستبدلي بمكانك مكاني داخل السيارة

стр. 7198

وبعد وقوف السيرة ونزول الفتاة التي كانت تتكلم، حدثت مناقشةٌ لإقناع جارة السواق بتغيير مكانها ,. فأبت مؤكدة أنها هنا على ما يرام، وأنها تريد حراستهن إلى النهاية. واستأنفت السيارةُ السير والفتيات يضحكن من جارة السواق لأنها (كونسرفاتريس) وينصحن لها بأن تلبس العمامة للاندماج في هيئة كبار العلماء في الأزهر كانت صاحبة الثوب الأزرق تسمع لغوهن ولا تعي معناه. إنها بعيدة عنهن وعن العالم بما فيه ومن فيه، بعيدة عن النيل الذي يجري تحتها، عن سحر الجزيرة المنتشر حواليها، عن جمال الغروب وقد تمازج فيه انهزام النور واقتحام الظلام. لقد حدث في ذلك الاجتماع شيء مدهش قلب الدنيا رأساً على عقب. وهو بعدُ شيء بسيط يكاد يكون عادياً، وكأنها تنتظره على غير معرفة منها اتفق أن فتى كان على مقربةٍ منها في ذلك الصالون، فصنع لها مثل ما صنع لغيرها، ومثل ما يصنع كل رجل له ولو بعض الإلمام بآداب الاجتماع. كانت فتاةُ الدار تبذلُ جهدها مع معاونيها ومعاوناتها لإرضاء الضيوف وقد تعبت كثيراً في القيام بمهمتها. فسارع ذلك الفتى إلى مساعدتها فجر أمام صاحبة الثوب الأزرق طاولة صغيرة وضع عليها قدح الشاي وجال يقدم ما يصحب الشاي من قطع الحلوى الصغيرة الجافة. فتناولت صاحبةُ الثوب الأزرق قطعةً ورفعت ببصرها إليه في ابتسام، وقالت: (مرسي). وكان عليها أن ترد بنظرها في الحال إلى جارتها التي كانت تتحدث حديثاً طويلاً. ولكنها لم ترد نظرها ولم تخفضه. لأن نظره سار رسولاً إلى أعماق عينها، إلى أعماق جوانحها، إلى أعماق كيانها، فاهتدى هناك إلى شيء كان يلبه، ولم تدر هي ماهيته. وكان وجهه جاداً ونظره جاداً، شأن الرجل عندما ينبه إلى أمرٍ هام فجمدت الابتسامة على شفتيها، وكأن السر الذي وجده فيها يسأل السر الذي بعث به نظره: (ماذا؟) فخيل إليها أن سره يجيب: (أردت أن أنبهك فقط. . . لأنك نبهتني وأنتِ لا تعلمين) لحظة لا غير، لحظة لم ينتبه إليها أحدُ من المحيطين بها، ولكنها كانت طويلةً مليئة كالدهور. وتكررت تلك اللحظة عندما التفتت في الشارع فلمحته يشيعها، وشعرت بالسر مقبلاً من نظره البعيد، يتوغل في كيانها من جيد. وفي هذا المساء الجميل المتهادي في

стр. 7199

رفقٍ على هذه الشواطئ الفتانة، هي لا تعي شيئاً ولا ترى أحداً. الوجود كله تلخص في ذلك النظر وفي السر الذي يحتويه. على صفحة الماء المائجة نظرٌ مليء بالسر. في الفضاء حولها نظر مليء بالسر. في الغصون المتشابكة نظرُ مليء بالسر. في الأبعاد المترامية، في ألوان الشفق، في هبوب النسيم، وبخاصة في صميم كيانها نظرٌ مليء بالسر يهمس: أردت أن أنبهك. . . . - ألهُ مثل هذا النظر مع سائر النساء؟ هرولت السيارةُ في شارع الجيزة ولوت متحولة إلى ناحية الروضة لتعود إلى المدينة من شارع القصر العيني. وطول الطريق على صفحة الماء، في امتداد السبل، في رؤوس الأشجار، في المركبات والسيارات، في أشباح السابلة، في واجهات المخازن، في مصابيح الشوراع، في كل مكان لم يكن هناك إلا ذلك النظر الواحد وسره المكنون - أهذه طريقته في النظر إلى النساء؟ ووقفت السيارة فنزلت صاحبة الثوب الأزرق مودعة صويحباتها، وكأنها تتكلم وتتحرك مرغمةً. ودخلت مخدعها، فإذا بالنظر ينتظرها هناك، مع أنها لم تتخيل وجوده عندما غادرت هذا المكان قبل ثلاث ساعات دنت من مرآتها تتعرف فيها هيئتها فرسمت لمها المرآةُ وجههُ لا وجهها، وأقبل النظر يتسرب إلى كيانها مع سره. فتأملتهً ملياً وسألت: - ألك مثل هذه النظرة مع غيري؟ فلم تسمع لا من النظر ولا من نفسها الجواب أطالت التحديق في المرآة، وقالت تخاطبهُ: - أين أنت الآن؟ كيف تجري حياتك؟ كيف تجري حياتك كل يوم؟ ماذا أنت صانع بنظرك في هذه الدقيقة؟ في تلك الدقيقة كان الفتى بين أصحابه عند جروبي، وقد رفع كأس الوسكي إلى شفتيه ناظراً بعينين ناعستين إلى الغادة الجالسة قربهُ في ثوب عاجي، وقائلاً ببطء: - أشربُ (سركِ) (مي)

стр. 7200

الدعوة الفاطمية السرية ضوء على موضوعها وغاياتها للأستاذ محمد عبد الله عنان تتمة هذه خلاصة موجزة لتلك الدعوة الإلحادية الغربية التي اضطلع بها لحساب الحاكم بأمر الله ذلك الداعية المغامر حمزة بن علي، ومما يلفت النظر بنوع خاص أن حمزة بن علي لم يفته خلال شرح مذهبه أن يدافع عن شذوذ الحاكم بأمر الله وتصرفاته المتناقضة، وأن يحاول أن يفسرها بما يلائم دعوته ويدعمها، أجل، لقد كان في تصرفات هذا الذهن الهائم المضطرب ما يبعث على التأمل، وما يجب أن يحمل لا على الشذوذ والتخريف، ولكن على الحكمة والسمو إلى ما لا يرتفع الذهن العادي إلى فهمه وتعليل بواطنه، هكذا يقدم إلينا حمزة تصرفات مولاه الحاكم؛ فإذا كان الحاكم قد ترك الصلاة والنحر، وإذا كان قد أبطل صلاة العيد وصلاة الجمعة بالأزهر، واسقط الزكاة عن الناس، فمعناه تحليل ذلك للكافة، وإذا كان الحكام يتبع أحياناً سياسة الاضطهاد بالنسبة للنصارى واليهود، فذلك لأنه يريد أن يهلك المرتدين والمارقين، ومن بقي منهم يؤدون الجزية، وهم اليهود، ويجب عليهم وعلى النصارى المرتدين من التوحيد، وهم المنافقون أن يلبسوا أزياء خاصة، وأن يعلقوا في صدورهم وآذانهم أثقالاً خاصة من الرصاص؛ وإذا كان الحاكم يؤثر التقشف في مأكله وملبسه وركوبه، فيركب الحمير مجردة عن الديباج والحلي الذهبية، فذلك لحكمة باطنة يؤولها الداعي بآيات من القرآن، ويفسرها بدلائل رمزية غريبة، وإذا كان الحاكم يخرج من سرداب القصر إلى البستان، وإذا كان يرتاد بستان المقس وغيره من بساتين القاهرة ويطوف أحياناً في المدينة، فذا أيضاً لحكم باطنة لا تدركها الكافة؛ وما يرتكبه أهل الفساد بجوار البساتين التي يرتادها من المنكر والفحشاء، إنما يرتكب في طاعته، وما يرتكبه الحاكم من ضروب البطش والسفك إنه مظهر لسطوة الحاكم (الإلهية) فهو يفتك بأكابر الدولة دون خوف ولا حرج كما فعل مع حاجبه برجوان وزيره ابن عمار ومع غيرهما من الأكابر والزعماء؛ ثم هو يخرج بالليل دون ركب ودون سلاح، لا يخشى نقمة أو أعتداء،

стр. 7201

ويخمد كل ثورة تشهر عليه، وكثيراً ما ينفرد بنفسه في جب الصحراء دون خوف من أحد من عسكره أو بطانته، وتلك أعمال وصفات ليست للبشر! هكذا يفسر الداعي لنا أعمال الحاكم وتصرفاته المثيرة المدهشة؛ وما اعتبره المعاصرون شذوذاً وإسرافاً وجنوناً، وما يسمه التاريخ بميسم التناقض والتخريف والاغراق، إنما هو في زعم الداعي السمو فوق مدارك البشر، والتحلي بصفات ليست للبشر؛ ومهما يكن في ذلك التفسير من غلو وتحريف، فهو محاولة ذكية جريئة لتبرير ما لم تبرره الشرائع والمجتمع، وما لم يبرره التاريخ ولا يقف حمزة بن علي عند الدعوة لسيده ومولاه، بل يدعو لنفسه أيضاً؛ فإذا كان الحاكم هو (الإله)، فان الداعي هو رسوله ونبيه؛ وعلى هذا فان حمزة الذي يصف نفسه في معظم رسائله بهادي المستجيبين، ينتحل النبوة لنفسه صراحة، ويزعم أن هذه النبوة قد تأيدت بالمعجزات التي أسبغها مولاه الحاكم عليه؛ ألم يشتبك عشرون من رجاله مع مائتين من عسكر خصومه، فلا يقتل من أصحابه سوى ثلاثة وينهزم الخصوم؟ ألم تنشب موقعه أخرى في المسجد بين قلة من أنصاره وكثرة من خصومه فينتصر الصحب دائماً؟ فهذه أعمال تخرج عن قدرة البشر، وهي من معجزات الداعي! ويبدو من التواريخ التي يذيل بها الداعي رسائله أنها كتبت بين صفر سنة ٤٠٨هـ، وأواخر سنة ٤٠٩هـ. وكما أن الداعي يصف لنا سنة ٤٠٨هـ بأنها هي أول سني قائم الزمان (الحاكم)، فهو يصفها أيضاً بأنها أول سني (ظهور عيد مولانا ومملوكه هادي المستجيبين) ومعنى ذلك أن حمزة بن علي بدأ القيام بدعوته في أوائل سنة ٤٠٨هـ؛ ونستدل أيضاً من تعاقب التواريخ في هذه الرسائل الثمانية أنها تكون وحدة متصلة قائمة بذاتها؛ وهذه الرسالة هي متن الدعوة وهي ذروتها؛ وقد أستمر حمزة في تنظيم دعوته وبثها تحت رعاية الحاكم وإشرافه حسبما ينوه في بعض رسائله؛ ولكن الحاكم زهق غيلة في شوال سنة ٤١١هـ فماذا حدث لتلك الدعوة بعد ذهابه؟ لقد كان اختفاء الحاكم بتلك الصورة الفجائية الغامضة مستقى جديداً للدعاة، فزغم بعضهم أنه اختفى ليظهر في عصر آخر، أو أنه رفع إلى السماء، وأن في هذا الاختفاء ذاته ما يؤيد الزعم بألوهيته وقد استمرت هذه الدعوة الإلحادية بعد مصرع الحاكم عصراً آخر، وإن كانت قد اتخذت سبلاً

стр. 7202

ومواطن أخرى، وأمامنا مجموعة أخرى من تلك الرسائل الإلحادية هي التي أشرنا إليها فيما تقدم؛ ويبدو من موضوعها وأسلوبها وألفاظها أنها من تأليف حمزة بن علي ذاته؛ وقد ذيلت بتواريخ وضعها - في جمادى الآخرة من سني ولي الحق العاشرة، وفي صفر سنة إحدى عشرة من سني قائم الزمان، وفي السنة الرابعة عشرة من سني قائم الزمان. . . . الخ؛ وعهد قائم الزمان يبتدئ كما تقدم في سنة ٤٠٨هـ، وعلى ذلك تكون هذه الرسائل قد كتبت بين سنة ٤١٨ وسنة ٤٢٢هـ، ويكون حمزة بن علي قد استمر قائماً بدعوته الإلحادية إلى هذا التاريخ أو بعده بقليل؛ ولم تنته الدعوة بمصرع الحاكم بأمر الله، ولكنها استمرت تغذيها قوى وعناصر أخرى ولقد كانت هذه الدعوة الإلحادية بلا ريب جزءاً من الدعوة الفاطمية السرية، ولكنها اتخذت في عصر الحاكم بأمر الله صورة خاصة، وانحرفت عن غايتها العامة لتعمل على تحقيق غاية خاصة. وقد نقل إلينا المقريزي بياناً شافياً عن هذه الدعوة السرية الشهيرة ومراتبها التسع، وهي في مجموعها فكرة إلحادية فلسفية نظمت في مراتب متعاقبة للعمل على هدم العقيدة الإسلامية بصفة خاصة والعقيدة الدينية بصفة عامة، واستبدالها بفكرة فلسفية ترتفع فوق إفهام الكافة. بيد أن هذه الدعوة الإلحادية العامة تنحرف في عصر الحاكم لتعمل على تحقيق فكرة خاصة هي (ألوهية) قائم الزمان أعني الحاكم بأمر الله، وهي مع ذلك تجري مجراها العام في مجالس الحكمة بالقصر ودار الحكمة. وإنها لصفحة من أغرب صحف الثورة على الإسلام؛ بيد أنها كانت ثورة سرية تقصد إلى غزو العقول والأفهام، ولم تكن فورة عنيفة تسحق كل شيء في طريقها بالقوة المادية كما كانت قوة القرامطة، وهذه الرسائل الكلامية الغريبة التي يتركها لنا الداعي تلقي ضياء على كثير من التفاصيل الخاصة التي كانت ترتبط بالدعوة السرية الفاطمية، وبفتن الدعاة في سكبها وتنظيمها. ولقد نظمت الدعوة الفاطمية قبل عصر الحاكم بأمر اله بكثير؛ ومنذ عصر المعز لدين الله وولده العزيز تعقد مجالس الحكمة؛ ولكنها كانت عندئذ علنية، وكانت فقهية تجري المحاضرة فيها في فقه آل البيت ومبادئ الشيعة؛ وكانت الخلافة الفاطمية يومئذ تتشح بشعار الإمامة الإسلامية على أنها من حق الفاطميين وتراثهم الخالص، وعلى أنها عنوان الزعامة الشرعية من الوجهتين السياسية والدينية، ولكن هذه الدعوة الدينية السياسية ما

стр. 7203

لبثت أن تطورت بسرعة، واتخذت صبغتها الإلحادية المغرقة في عصر الحاكم بأمر الله. ومن الغريب أن يكون الحاكم، ذلك الذهن الهائم المضطرب، هو القائم بأعظم دور في تغذية هذه الحركة وبثها، وهو المنشئ لدار الحكمة التي لبثت مبعثها وملاذها عصراً، بيد أن هذا الإغراق ذاته كان ضربة شديدة للدعوة الفاطمية، لأنه جعلها وقفاً على رهط من الدعاة المغامرين الخبثاء، وباعد بينها وبين الكافة، وأسبل عليها ألواناً خطرة من الزيغ والإلحاد، ولهذا فقدت الدعوة الفاطمية غير بعيد قوتها وأهميتها وإن كانت مجالس الحكمة قد استمرت بعد ذلك حتى أوائل القرن السادس ونلاحظ من جهة أخرى أن معظم أولئك الدعاة الذين اضطلعوا ببث هذه المباديء والتعاليم الإلحادية في مصر لم يكونوا من المصرين، وإنما كانوا من الأجانب الذين اجتذبتهم الخلافة الفاطمية ببهائها ومشاريعها السرية؛ وقد ذكر لنا حمزة بن علي أسماء بعض أقطاب الدعاة مثل علي بن عبد الله اللوائي، ومبارك ابن علي، وأبو منصور البردعي، وأبو جعفر الحبال، هذا عدا الأخرم ومحمد بن إسماعيل الدرزي السابق ذكرهما؛ ولم يحسن المصريون استقبال هؤلاء الدعاة الخطرين، بل قاوموهم، وفتكوا بهم في أحيان كثيرة، أو اضطروهم إلى الفرار؛ ولم يستطع واحد منهم أن ينشئ له بمصر فرقة حقيقية من الأنصار والمؤمنين، وإن كان الدرزي قد استطاع أن ينشئ له بالشام فرقة جديدة هي طائفة الدروز التي ما زالت قائمة حتى اليوم وهنا تعرض نقطة ما تزال موضع الجدل، وهي من هو مؤسس مذهب الدروز الحقيقي؟ وماذا كان نصيب حمزة بن علي في إنشائه؟ والمعروف أن بعض المستشرقين، ومنهم دي ساسي، يعتبرون أن حمزة هو مؤسس المذهب الحقيقي، لأن كثيراً من تعاليمه ورسائله تمثل في كتب الدروز المقدسة، وقد أشكل على بعضهم فهم مزاعم حمزة، فأعتقد أنه هو الذي يحمل لقب (قائم الزمن) الذي يتردد في رسائله ودعواته، في حين أنه صريح في إسناد هذا الوصف للحكام بأمر الله. والواقع أن فرقة الدروز تنسب قبل كل شيء إلى الدرزي، وهو الداعي محمد بن إسماعيل الذي تقدم ذكره، وفي بعض رسائلحمزة ما يلقي شيئاً من الضياء على نصيبه الحقيقي من الدعوة؛ ومن المرجح أن الدرزي سبق حمزة في القدوم إلى مصر، وفي الدعوة إلى (ألوهية) الحاكم بأمر الله كما قدمنا؛ ولكن الظاهر أيضاً

стр. 7204

أن حمزة ما لبث أن تفوق عليه وفاز دونه بالزعامة والقيادة، وأن خصومه نشبت بينهما كان الظافر فيها هو حمزة. ويشير حمزة إلى ذلك في رسالته الرابعة الموسومة بالغاية والنصيحة حيث يحمل علي الدرزي الذي هو (نشتكين) (وهو لقب تركي يطلق على الدرزي ويعرف به) ويقول إنه (تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين، وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الامام، ويدعى منزلته. . . وكان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب، والثوب هو الداعي والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره) ثم يقول إن الدرزي أنكر التعاليم وتمرد وأثار للجدل بينهما، وغره ما كان يضربه من زغل الدنانير والدراهم، ويبدو من ذلك جلياً أن حمزة كان يقف من الدرزي موقف الإمام والأستاذ، وأن الدرزي خرج على تعاليمه ومبادئه، واستقل بعد ذلك بإنشاء فرقة - الدروز - في الشام، فهو المؤسس إذن لمذهب الدروز، وقوامه مزيج من نظرياته وتعاليمه، ونظريات حمزة وتعاليمه، ومن الصعب أن نحدد ما لكل من الداعيين في إنشاء هذا المذهب الغريب من المباديء والنظريات، بل من الصعب أن نعين منهما الأصل والناقل؛ بيد أن بعض النظريات الأساسية التي يعرضها حمزة في رسائله ما زالت قواماً لمذهب الدروز مثل القول بحلول الروح القدس في شخص الحاكم، واعتباره (قائم الزمان)؛ ثم إن التاريخ الذي يتخذه حمزة لمبدأ هذه الدعوة هو سنة ٤٠٨هـ (١٠١٧م) وهي نفس السنة التي اتخذها الدروز بدأ لتاريخهم المقدس؛ وعلى ذلك فإذا كان الدرزي هو الذي أسس فرقة الدروز، فان لتعاليم حمزة أثراً كبيراً في صوغ هذا المذهب ولا ريب أن حمزة بن علي كان نموذجاً قوياً لأولئك الدعاة؛ ففي تفكيره وآرائه وشروحه ما يشهد بكثير من الذكاء والبراعة؛ ولكن إنشاء دين جديد وعقيدة جديدة والدعوة إلى (ألوهية) بشر، محاولة تقصر عنها جهوداً أذكى الدعاة وأقواهم؛ ومن ثم فأنا نلمس في آرائه وتدليله كثيراً من ضروب التناقض والضعف، ونراه يلجأ إلى الرموز والخفاء كلما أعيته الحجة، ولا يحمل هذا المزيج الذي يقدمه إلينا من الشروح والأساطير اليهودية والنصرانية والإسلامية كثيراً من طابع الابتكار والطرافة، ثم هو فرق ذلك يقدم إلينا رسالته في أسلوب ركيك ينم عن ضعف بيانه العربي؛ ومع ذلك فان هذا التراث الذي انتهى إلينا من جهود

стр. 7205

الدعاة يلقي كثيراً من الضياء على أسرار الدعوة الفاطمية وغاياتها، وهو بذلك يعتبر من الوجهة التاريخية وثيقة لها قيمتها وخطورتها محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7206

الليث بن سعد محدث مصر وفقيها ورئيسها للأستاذ علي الطنطاوي قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به وقال الأمام أحمد: ليس في أهل مصر أصح حديثاً من الليث عَلَم شامخ من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة الدين، وأحد أفراد الدنيا علماً وذكاء، ونُبلاً ورفعة، وسخاء وكرماً؛ أجمعوا على أنه عَدْل مالك في الفقه، ونظيره في الاجتهاد، وانه لمصر مثل مالك للمدينة لا يفتي ومالك في المدينة، ولا يفتي والليث في مصر وهو بعد أعظم جاهاً من مالك، وأكثر مالاً وأسخى يداً، وأجزل عطاء. . . بَيْد أن الله قيض لمالك من دون علمه، وكتب مساءله، وحرر مذهبه، فعاش ونما واتسع، وكثر أتباعه ومقلدوه، واندثر مذهب الليث ونُسي اسمه فلا يذكره إلا المشتغلون بالرواية الإسلامية، المنقطعون لدراستها، العاكفون على كتبها. . . . وما مثل الليث بالذي يُنسى، وان كان الليث أنكرة في الرجال، ولئن أنكره اليوم بعض الشباب أو جهلوا قدره، أو شغلهم عنه وعن أمثاله (أندره جيد) وهذا الآخر. . . (بول فاليري) فلقد عرف له الأولون فضله وعلمه، وسموه ورفعته. فعاش رئيساً في العلماء، مقدماً عند الخلفاء، مطاعاً عند الولاة، مبجلاً عند الخاصة، موقراً عند العامة، وازدحمت عليه النعم، وأقبلت عليه الخيرات، ودنت منه الأماني، فأوتي العلم والعقل والصحة والمال والسيادة والجاه، وأوتي مع هذا كله نفساً أكبر من هذا كله، فما التفتت إليه، ولا تمسكت به، ولا شغلها عن دينها وتقواها. مالت إليه الدنيا فمال عنها، ومنح من كل نعمة أوفاها فما قصر في شكر، ولا زهد في أجر؛ وكان سيد مصر، أمرُه قبل أمر الولاة، وحكمه فوق حكم القضاة، فما اقتنص بذلك دنيا، ولا غُمض عليه في بطن ولا فرج؛ وكان دخله بين عشرين وثمانين ألف دينار في العام، فما كنز بيضاء ولا صفراء، ولا منعها فقيراً، ولا أمسكها عن ذي حاجة، فأطبق العلماء على إجلاله، واتفق المصنفون على الثناء عليه، وعقدت القلوب على حبه، وأجمع الناس على احترامه اسمه وأصله ومولده:

стр. 7207

هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهمي. كان أبوه من موالي قريش، ثم افترض في بني فهم (وهم بطن من قيس عيلان خرج منهم جماعة من العلماء) وتبعه الليث بعده، فكان اسمه في ديوان مصر، في موالي بن كنانة فهم؛ وقيل كان مولى خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي وكنسته أبو الحارث ولد غي قرقشندة (قرية بأسفل مصر على أربعة فراسخ من الفسطاط) فهو مصري المولد والمنشأ، وأصل أسرته من أصبهان. قال الليث نحن من أهل أصبهان، فاستوصوا بهم خيراً، وقيل إنهم من الفرس، ولم يصح ذلك وكان مولده يوم الجمعة ١٤ شعبان سنة ٩٤، قال الليث: قال لي بعض أهلي: إني ولدت سنة اثنتين وتسعين، والذي أوقن به أني ولدت سنة أربع وتسعين شيوخه: قال أبو نعيم الأصبهاني (في حلية الأولياء): أدرك الليث نيفاً وخمسين من التابعين سمع الليث بمصر من زيد بن أبي حبيب وجعفر بن ربيعة والحارث بن يعقوب وعبيد الله بن أبي جعفر وخالد بن يزيد وخير بن نعيم وسعيد بن يزيد وحج الليث سنة ١٣٣ وكان عمره تسعة عشر أو عشرين، فسمع في حجته تلك من عطاء بن أبي رباح وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الانصاري وأبي الزبير المكي وعبد الله ابن أبي مليكة وعمرو بن شعيب وقتادة وعمرو بن دينار ونافع قال الليث: حججت أنا وابن لهيعة فرأيت نافعاً مولى ابن عمر فدخلت معه إلى دكان علاف، فقال: من أين؟ قلت: من أهل مصر، قال: ممن؟ قلت: من قيس. قال: ابن كم؟ قلت: ابن عشرين، قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين! وحدثني. فمر بنا ابن لهيعة، فقال من هذا؟ قلت: مولىمن قيس. قال: ابن كم؟ قلت: ابن عشرين، قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين! وحدثني. فمر بنا ابن لهيعة، فقال من هذا؟ قلت: مولي لنا فلما رجعنا إلى مصر، جعلت أحدث عن نافع فأنكر ذلك ابن لهيعة وقال: أين لقيته؟ قلت: أما رأيت العبد الذي كان في دكان العلاف؟ هو ذاك!

стр. 7208

وخرج الليث إلى العراق سنة ١٦١ قال أبو صالح: خرجنا معه من مصر في شوال وشهدنا الأضحى في بغداد، وقال لي الليث ونحن في بغداد: سَلْ عن قطيعة بني جدار، فإذا أرشدت إليها فاسأل عن منزل هُشيم الواسطي فقل له: أخوك ليث المصري يقرئك السلام، ويسألك أن تبعث إليه بشيء من كتبك فلقيت هُشيما فدفع إلى شيئاً، فكتبنا منه وسمعته مع الليث، وكان الليث قد كتب من علم الزهري كثيراً، قال: فأردت أن أركب البريد إليه إلى الرصافة فخفت ألا يكون ذلك لله فتركته أي أنه آثر أن يروي عنه بالواسطة خشية أن يكون في ذهابه إليه وسماعه منه حظ نفسي، فلا يكون ذلك خالصاً لله وحده وسمع من سعيد المقبري ويونس بن يزيد وغيرهم وسمع منه خلق كثير منزلة عند العلماء قال الإمام أحمد بن حنبل: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث، لا عمرو بن الحارث ولا أحد. ثم قال: الليث بن سعد؟ ما أصح حديثه! وجعل يثني عليه فقال رجل لأبي عبد الله (يعني أحمد). إنسان ضعفه فقال: لا يدري وقال مرة: ليس فيهم (أي أهل مصر) أصح حديثاً من الليث وعمرو بن الحارث يقاربه وقال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، أي لم يدونوا علمه، ولم يحرروا مذهبه فضاع واندثر وقال: ما فاتني أحد فأسفت علي ما أسفت على الليث وابن أبي ذئب وقال ابن حبان (في الثقات): كان من سادات أهل زمانه فقهاً وورعاً وعلماً وفضلاً وسخاء وقال ابن أبي مريم: ما رأيت أحداً من خلق الله أفضل من ليث، وما كانت خصلة يتقرب بها إلى الله إلا كانت تلك الخصلة في الليث وقال أبو يعلى الخليلي: كان إمام وقته بلا مدافعه وقال يحيى بن بكر: ما رأيت فيمن رأيت مثل الليث، وما رأيت أكمل منه؛ كان فقيه البلد، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو والحديث والشعر والمذاكرة (إلى أن عد خمسة عشرة

стр. 7209

خصلة) ما رأيت مثله وقال: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الخطوة لمالك وقال سعيد بن أبي أيوب: لو أن مالكاً والليث اجتمعا كان مالك عند الليث أبكم، ولباع الليث مالكاً فيمن يريد وسئل أبو زرعة: الليث يحتج بحديثه؟ قال: أي لعمري وقال يحيى بن معين: ثبت وقال يعقوب بن شيبة: ثقة وقال مثل ذلك محمد بن سعد وقال النووي (في تهذيبه): أجمعوا على جلالته وأمانته وعلو مرتبته في الفقه والحديث قالوا: وكل ما في كتب مالك من قوله (وأخبرني من أرضى من أهل العلم) فإنما يعني به الليث بن سعد البقية في العدد القادم علي الطنطاوي

стр. 7210

قصيدة تاريخية خطيرة أهل غرناطة يستغيثون السلطان با يزيد في أوائل القرن السابع الهجري ذهبت ريح الموحدين من الأندلس، ونشأت دولة بني نصر أو بني الأحمر في بقية الأحداث من الدولة الإسلامية العظيمة - الجنوب الغربي من الجزيرة الكبيرة جزيرة الأندلس. وثبت بنو الأحمر على قراع الخطوب، ونزال الكوارث خمساً وستين ومائتي سنة. ثم ذهبت الصولة ودالت الدولة، وأناخت الوحشة على المعقل الأخير للحضارة الإسلامية هذا فجر اليوم الرابع من ربيع الأول سنة ٩٨٧، وهذا أبو عبد الله الشقي يسير في خمسين فارساً ليسلم مفاتيح الحمراء إلى فرديناند وايزابلا وكان المسلمون قد استوثقوا لدينهم وأنفسهم وأموالهم، وأخذوا على الأسبان من الشروط ما شاءوا. وبذل لهم الأسبان من العهود والأيمان ما جعلوه حبالة إلى السيطرة والقتل والسلب والإكراه على التنصر اشترط المسلمون زهاء ستين شرطاً يكفل لهم الوفاء بها سلامة شاملة، وطمأنينة عامة. واشترطوا أن يقبل شروطهم زعيم النصرانية بابا رومية وما هو إلا أن ظفر الأسبان بعدوهم حتى استباحوا نقض العهود، والإغراق في العدوان والظلم والنهب والقتل والإكراه على التنصر. فلما استيأس المسلمون ثاروا بعدوهم المرة بعد المرة يؤثرون الموت الوحي على الموت البطيء، وما زال بهم القتل والاستعباد والتشريد والنفي حتى جلا آخرهم عن البلاد عام ١٠١٧ من الهجرة وقد استصرخ مسلمو الأندلس ملوك المسلمين، فلم يصرخهم أحد إلا خير الدين باشا قائد الأساطيل العثمانية في عهد السلطان سليمان، فقد أمدهم في إحدى ثوراتهم بجند نصروهم على عدوهم ومكنوا لهم الرحيل، فحملت السفن منهم سبعين ألفاً إلى أفريقية وكان المسلمون أرسلوا وفداً يستغيث السلطان با يزيد الثاني العثماني، وبعثوا بقصيدة بثوا بها شكواهم، وعددوا ما أصابهم في أنفسهم ودينهم. وهي قصيدة طويلة ننشرها اليوم على صفحات الرسالة، معترفين بالفضل للشيخ الجليل العلامة الشيخ خليل الخالدي الذي كتبت في الرسالة عنه مرتين. جمعنا بالشيخ الكريم أحد المجالس في حلوان شهر رمضان

стр. 7211

الماضي. فسأله بعض الحاضرين، وهو يفيض في حديثه، عن كتاب عن المدافع كتبه أحد الأندلسيين فحدث عنه وقال: وكانوا يسمون المدافع الأنفاض، وقد قال قائلهم: وجاءوا بأنفاض عظام كثيرة … تهدم أسوار البلاد المنيعة وهذا البيت من قصيدة بعث بها أهل غرناطة إلى السلطان با يزيد. فاستنشدناه ما يحفظ ثلاثة وثلاثين بيتاً وقال: إن القصيدة طويلة تجاوز مائة بيت، وإنها عنده، قد نسخها في مدينة فاس. فسألناه أن يرسلها إلينا حين يعود إلى القدس وقد أنجز الشيخ حفظه الله وعده، فأرسل القصيدة لتنشر في مجلة (الرسالة). ويتبين من القصيدة أنهم استغاثوا السلطان من قبل فكتب إلى الأسبان فلم يأبهوا لما كتب وأن ملوك مصر أرسلوا رسلاً فادعى الأسبان أن المسلمين تنصروا مختارين، وسلكوا في الزور ما نعهده اليوم في السياسة الأوربية ولسنا ندري ما كان جواب السلطان با يزيد على هذه الدعوة الملهوفة والقصيدة الباكية. فمن عرف شيئاً في هذا فليخربنا مشكوراً عبد الوهاب عزام القصيدة ومقدمتها ومما كتبه بعض أهل الجزيرة بعد استيلاء الكفر على جميعها للسلطان أبي يزيد خان العثماني ﵀ ما نصه بعد سطر الافتتاح (الحضرة العلية، وصل الله سعادتها، وأعلى كلمتها، ومهد أقطارها، وأعز أنصارها، وأذل عداتها. حضرة مولانا، وعمدة ديننا ودنيانا، والسلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، قامع أعداء الله الكافرين، كهف الإسلام، وناصر دين نبينا محمد ﵇، محي العدل، ومنصف المظلوم ممن ظلم، ملك العرب والعجم، والترك والديلم، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، ملك البرين، وسلطان البحرين، حامي الذمار، وقامع الكفار، مولانا وعمدتنا، وكهفنا وغياثنا، مولانا أبو زيد، لا زال ملكه موفور الأنصار، مقروناً بالانتصار، مخلد المآثر والآثار، مشهور المعالي والفخار، مستأثراً من الحسنات بما يضاعف الله به الأجر الجزيل في الدار الآخرة، والثناء الجميل والنصر في

стр. 7212

هذه الدار، ولا برحت عزماته العلية مختصة بفضائل الجهاد، مجردة على أعداء الدين من باسها ما يروي صدور السمر والصفاح، وألسنة السلاح، سالكة سبيل السابقين، الفائزين برضي الله وطاعته يوم يقوم الأشهاد سلام كريم دائم متجدد … أخص به مولاي خير خليفة سلام على مولاي ذي المجد والعلا … ومن البس الكفار ثوب المذلة سلام على من وسع الله ملكه … وأيده بالنصر في كل وجهة سلام على مولاي من دار ملكه … قسنطينةٌ أكرمْ بها من مدينة سلام على من زين الله ملكه … بجند وأتراك من أهل الرعاية سلام عليكم شرف الله قدركم … وزادكم ملكاً على كل ملة سلام على القاضي ومن كان مثله … من العلماء الأكرمين الأجلة سلام على أهل الديانة والتقي … ومن كان ذا رأي من أهل المشورة سلام عليكم من عبيد تخلفو … باندلس بالغرب في أرض غربة أحاط بهم بحر من الروم زاخر … وبحر عميق ذو ظلام ولجة سلام عليكم من عبيد أصابهم … مصاب عظيم يا لها من مصيبة سلام عليكم من شيوخ تمزقت … شيوبهم بالنتف من بعد عزة سلام عليكم من وجوه تكشفت … على جملة الاعلاج من بعد سترة سلام عليكم من بنات عواتق … يسوقهم الألباط قهراً لخلوة سلام عليكم من عجائز أكرهت … على أكل خنزير ولحم لجيفة نقبل نحن الكل أرض بساطكم … وندعو لكم بالخير في كل ساعة أدام الإله ملككم وحياتكم … وعافاكم من كل سوء ومحنة وأيدكم بالنصر والظفر بالعدا … وأسكنكم دار الرضى والكرامة شكونا لكم مولاي ما قد أصابنا … من الضر والبلوى وعظم الرزية غُدرنا ونُصرنا وبُدل ديننا … ظُلمنا وعوملنا بكل قبيحة وكنا على دين النبي محمد … نقاتل عباد الصليب بنية ونلقي أموراً في الجهاد عظيمة … بقتل وأسر ثم جوع وقلة

стр. 7213

فجاءت علينا القوط من كل جانب … بسيل عظيم جملة بعد جملة ومالوا علينا كالجراد بجمعهم … بجد وعزم من خيول وعدة فكنا بطول الدهر نلقي جموعهم … فنقتل فيها فرقة بعد فرقة وفرسانهم تزداد في كل ساعة … وفرساننا في حال نقص وقلة فلما ضعفنا خيموا في بلادنا … ومالوا علينا بلدة بعد بلدة وجاءوا بأنقاض عظام كثيرة … تهدم أسوار البلاد المنيعة وشدو عليها في الحصار بقوة … شهوراً وأياماً بجد وعزمة فلما تفانت خيلنا ورجالنا … ولم نر من إخواننا من إغاثة وقلت لنا الأقوات واشتد حالنا … أطعناهم بالكره خوف الفضيحة وخوفاً على أبنائنا وبناتنا … من أن يؤسروا أو يقتلوا شر قتلة على أن نكون مثل من كان قبلنا … من الدجن من أهل البلاد القديمة ونبقي على آذاننا وصلاتنا … ولا نتركن شيئاً من أمر الشريعة ومن شاء منا البحر جاز مؤمناً … بما شاء من مال إلى أرض عدوة إلى غير ذاك من شروط كثيرة … تزيد على الخمسين شرطاً بخمسة فقال لنا سلطانهم وكبيرهم … لكم ما شرطتم كاملاً بالزيادة وأبدى لنا كتباً بعهد وموثق … وقال لنا هذا أماني وذمتي فكونوا على أموالكم ودياركم … كما كنتمُ من قبل دون أذية فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم … بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة وخان عهوداً كان قد غرنا بها … ونصرنا كرهاً بعنف وسطوة وأحرق ما كانت لنا من مصاحف … وحلطها بالزبل أو بالنجاسة وكل كتاب كان في أمر ديننا … ففي النار ألقوه بهزؤ وحقدة ولم يتركوا فينا كتاباً لمسلم … ولا مصحفاً نخلو به للقراءة ومن صام أو صلى ويعلم حاله … ففي النار يلقوه على كل حالة ومن لم يجئ منا لموضع كفرهم … يعاقبه الألباط شر العقوبة ويلطم خديه ويأخذ ماله … ويجعله في السجن في سوء حالة

стр. 7214

وفي رمضان يفسدون صيامنا … بأكل وشرب مرة بعد مرة وقد أمرونا أن نسب نبينا … ولا نذكرنه في رخاء وشدة وقد سمعوا قوماً يغنون باسمه … فأدركهم منهم أليم المضرة وعاقبهم حكامهم وولاتهم … بضرب وتغريم وسجن وذلة ومن جاءه الموت ولم يحضر الذي … يذكرهم لم يدفنوه بحيلة ويترك في الزبل طريحاً مجندلاً … كمثل حمار ميت أو بهيمة إلى غير هذا من أمور كثيرة … قباح وأفعال عرار ردية وقد بدلت أسماؤنا وتغيرت … بغير رضى منا وغير إرادة فآهاً على تبديل دين محمد … بدين كلاب القوط شر البرية وآهاً على أسماء حين تبدلت … بأسماء أعلاج من أهل الغباوة وآها على أبنائنا وبناتنا … يروحون للألباط في كل غدوة يعلمهم كفراً وزوراً وفرية … ولم يقدروا أن يمنعوهم بحيلة وآهاً على تلك المساجد حولت … كنائس للكفار بعد الطهارة وآهاً على تلك البلاد وحسنها … لقد أظلمت بالكفر أعظم ظلمة وصارت لعباد الصليب معاقلاً … وقد أمنوا فيها وقوع الإغارة وصرنا عبيداً لا أسارى فنفتدى … ولا مسلمين نطقهم بالشهادة فلو أبصرت عيناك ما صار حالنا … إليه لجادت بالدموع الغزيرة ويا ويلنا يا بؤس ما قد أصابنا … من الضر والبلوى وثوب المذلة سألنك يا مولاي بالله ربنا … وبالمصطفى المختار خير البرية وبالسادة الأخيار آل محمد … وأصحابه أكرم بهم من صحابة وبالسيد العباس عم نبينا … وشيبته البيضاء أفضل شيبة وبالصالحين العارفين بربهم … وكل ولي فاضل ذي كرامة عسى تنظر فينا وفيما أصابنا … لعل إله العرش يأتي برحمة فقولك مسموع وأمرك نافذ … وما قلت من شيء يكون بسرعة ودين النصارى أصله تحت حكمكم … ومن ثم يأتيه إلى كل كورة

стр. 7215

فبالله يا مولاي منوا بفضلكم … علينا برأي أو كلام بحجة فانتم أولات الفضل والمجد والعلا … وغوث عباد الله في كل آفة فسل بابهم أعني المقيم برومةٍ … بماذا أجازوا الغدر بعد الأمانة ومالهم مالوا علينا بغدرهم … بغير أذى منا وغير جريمة وحبسهم المغلوب في حفظ ديننا … وأمن ملوك ذي وفاء وجلة ولم يخرجوا من دينهم وديارهم … ولا نالهم غدر ولا هتك حرمة ومن يعط عهداً ثم يغدر بعده … فذاك حرام الفعل في كل ملة ولا سيما عند الملوك فإنه … قبيح شنيع لا يجوز بوجهه وقد بلغ المكتوب منكم إليهم … فلم يعلموا منه جميعاً بكلمة وما زادهم إلا اعتداء وجرأة … علينا وإقداماً بكل مساءة وقد بلغت إرسال مصر إليهم … وما نالهم غدر ولا هتك حرمة وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا … رضينا بدين الكفر من غير قهرة وساقوا شهود الزور ممن أطاعهم … والله ما نرضي بتلك الشهادة لقد كذبوا في قولهم وكلامهم … علينا بهذا القول أعظم فرية ولكن خوف القتل والحرق ردنا … نقول كما قالوه من غير نية ودين رسول الله ما زال عندنا … وتوحيدنا لله في كل لحظة ووالله ما نرضي بتبديل ديننا … ولا بالذي قالوا من أمر الثلاثة وإن زعموا إنا رضينا بدينهم … بغير أذى منهم لنا ومساءة فسل انجرا عن أهلها كيف أصبحوا … أسارى وقتلى تحت ذل ومهنة وسل بلفيقا عن قضية أمرها … لقد مزقوا بالسيف من بعد حسرة ومنيافة بالسيف مزق أهلها … كذا فعلوا أيضاً بأهل البُشُرة واندَرَش بالنار أحرق أهلها … بجامعهم صاروا جميعاً كفحمة فها نحن يا مولاي نشكو إليكم … بهذا الذي نلقاه من شر فرقة عسى ديننا يبقي لنا وصلاتنا … كما عاهدونا قبل نقض العزيمة وإلا فيجلونا جميعاً من أرضهم … بأموالنا للغرب دار الأحبة
следующие страницы →