← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

الماضي. فسأله بعض الحاضرين، وهو يفيض في حديثه، عن كتاب عن المدافع كتبه أحد الأندلسيين فحدث عنه وقال: وكانوا يسمون المدافع الأنفاض، وقد قال قائلهم: وجاءوا بأنفاض عظام كثيرة … تهدم أسوار البلاد المنيعة وهذا البيت من قصيدة بعث بها أهل غرناطة إلى السلطان با يزيد. فاستنشدناه ما يحفظ ثلاثة وثلاثين بيتاً وقال: إن القصيدة طويلة تجاوز مائة بيت، وإنها عنده، قد نسخها في مدينة فاس. فسألناه أن يرسلها إلينا حين يعود إلى القدس وقد أنجز الشيخ حفظه الله وعده، فأرسل القصيدة لتنشر في مجلة (الرسالة). ويتبين من القصيدة أنهم استغاثوا السلطان من قبل فكتب إلى الأسبان فلم يأبهوا لما كتب وأن ملوك مصر أرسلوا رسلاً فادعى الأسبان أن المسلمين تنصروا مختارين، وسلكوا في الزور ما نعهده اليوم في السياسة الأوربية ولسنا ندري ما كان جواب السلطان با يزيد على هذه الدعوة الملهوفة والقصيدة الباكية. فمن عرف شيئاً في هذا فليخربنا مشكوراً عبد الوهاب عزام القصيدة ومقدمتها ومما كتبه بعض أهل الجزيرة بعد استيلاء الكفر على جميعها للسلطان أبي يزيد خان العثماني ﵀ ما نصه بعد سطر الافتتاح (الحضرة العلية، وصل الله سعادتها، وأعلى كلمتها، ومهد أقطارها، وأعز أنصارها، وأذل عداتها. حضرة مولانا، وعمدة ديننا ودنيانا، والسلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، قامع أعداء الله الكافرين، كهف الإسلام، وناصر دين نبينا محمد ﵇، محي العدل، ومنصف المظلوم ممن ظلم، ملك العرب والعجم، والترك والديلم، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، ملك البرين، وسلطان البحرين، حامي الذمار، وقامع الكفار، مولانا وعمدتنا، وكهفنا وغياثنا، مولانا أبو زيد، لا زال ملكه موفور الأنصار، مقروناً بالانتصار، مخلد المآثر والآثار، مشهور المعالي والفخار، مستأثراً من الحسنات بما يضاعف الله به الأجر الجزيل في الدار الآخرة، والثناء الجميل والنصر في

стр. 7212

هذه الدار، ولا برحت عزماته العلية مختصة بفضائل الجهاد، مجردة على أعداء الدين من باسها ما يروي صدور السمر والصفاح، وألسنة السلاح، سالكة سبيل السابقين، الفائزين برضي الله وطاعته يوم يقوم الأشهاد سلام كريم دائم متجدد … أخص به مولاي خير خليفة سلام على مولاي ذي المجد والعلا … ومن البس الكفار ثوب المذلة سلام على من وسع الله ملكه … وأيده بالنصر في كل وجهة سلام على مولاي من دار ملكه … قسنطينةٌ أكرمْ بها من مدينة سلام على من زين الله ملكه … بجند وأتراك من أهل الرعاية سلام عليكم شرف الله قدركم … وزادكم ملكاً على كل ملة سلام على القاضي ومن كان مثله … من العلماء الأكرمين الأجلة سلام على أهل الديانة والتقي … ومن كان ذا رأي من أهل المشورة سلام عليكم من عبيد تخلفو … باندلس بالغرب في أرض غربة أحاط بهم بحر من الروم زاخر … وبحر عميق ذو ظلام ولجة سلام عليكم من عبيد أصابهم … مصاب عظيم يا لها من مصيبة سلام عليكم من شيوخ تمزقت … شيوبهم بالنتف من بعد عزة سلام عليكم من وجوه تكشفت … على جملة الاعلاج من بعد سترة سلام عليكم من بنات عواتق … يسوقهم الألباط قهراً لخلوة سلام عليكم من عجائز أكرهت … على أكل خنزير ولحم لجيفة نقبل نحن الكل أرض بساطكم … وندعو لكم بالخير في كل ساعة أدام الإله ملككم وحياتكم … وعافاكم من كل سوء ومحنة وأيدكم بالنصر والظفر بالعدا … وأسكنكم دار الرضى والكرامة شكونا لكم مولاي ما قد أصابنا … من الضر والبلوى وعظم الرزية غُدرنا ونُصرنا وبُدل ديننا … ظُلمنا وعوملنا بكل قبيحة وكنا على دين النبي محمد … نقاتل عباد الصليب بنية ونلقي أموراً في الجهاد عظيمة … بقتل وأسر ثم جوع وقلة

стр. 7213

فجاءت علينا القوط من كل جانب … بسيل عظيم جملة بعد جملة ومالوا علينا كالجراد بجمعهم … بجد وعزم من خيول وعدة فكنا بطول الدهر نلقي جموعهم … فنقتل فيها فرقة بعد فرقة وفرسانهم تزداد في كل ساعة … وفرساننا في حال نقص وقلة فلما ضعفنا خيموا في بلادنا … ومالوا علينا بلدة بعد بلدة وجاءوا بأنقاض عظام كثيرة … تهدم أسوار البلاد المنيعة وشدو عليها في الحصار بقوة … شهوراً وأياماً بجد وعزمة فلما تفانت خيلنا ورجالنا … ولم نر من إخواننا من إغاثة وقلت لنا الأقوات واشتد حالنا … أطعناهم بالكره خوف الفضيحة وخوفاً على أبنائنا وبناتنا … من أن يؤسروا أو يقتلوا شر قتلة على أن نكون مثل من كان قبلنا … من الدجن من أهل البلاد القديمة ونبقي على آذاننا وصلاتنا … ولا نتركن شيئاً من أمر الشريعة ومن شاء منا البحر جاز مؤمناً … بما شاء من مال إلى أرض عدوة إلى غير ذاك من شروط كثيرة … تزيد على الخمسين شرطاً بخمسة فقال لنا سلطانهم وكبيرهم … لكم ما شرطتم كاملاً بالزيادة وأبدى لنا كتباً بعهد وموثق … وقال لنا هذا أماني وذمتي فكونوا على أموالكم ودياركم … كما كنتمُ من قبل دون أذية فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم … بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة وخان عهوداً كان قد غرنا بها … ونصرنا كرهاً بعنف وسطوة وأحرق ما كانت لنا من مصاحف … وحلطها بالزبل أو بالنجاسة وكل كتاب كان في أمر ديننا … ففي النار ألقوه بهزؤ وحقدة ولم يتركوا فينا كتاباً لمسلم … ولا مصحفاً نخلو به للقراءة ومن صام أو صلى ويعلم حاله … ففي النار يلقوه على كل حالة ومن لم يجئ منا لموضع كفرهم … يعاقبه الألباط شر العقوبة ويلطم خديه ويأخذ ماله … ويجعله في السجن في سوء حالة

стр. 7214

وفي رمضان يفسدون صيامنا … بأكل وشرب مرة بعد مرة وقد أمرونا أن نسب نبينا … ولا نذكرنه في رخاء وشدة وقد سمعوا قوماً يغنون باسمه … فأدركهم منهم أليم المضرة وعاقبهم حكامهم وولاتهم … بضرب وتغريم وسجن وذلة ومن جاءه الموت ولم يحضر الذي … يذكرهم لم يدفنوه بحيلة ويترك في الزبل طريحاً مجندلاً … كمثل حمار ميت أو بهيمة إلى غير هذا من أمور كثيرة … قباح وأفعال عرار ردية وقد بدلت أسماؤنا وتغيرت … بغير رضى منا وغير إرادة فآهاً على تبديل دين محمد … بدين كلاب القوط شر البرية وآهاً على أسماء حين تبدلت … بأسماء أعلاج من أهل الغباوة وآها على أبنائنا وبناتنا … يروحون للألباط في كل غدوة يعلمهم كفراً وزوراً وفرية … ولم يقدروا أن يمنعوهم بحيلة وآهاً على تلك المساجد حولت … كنائس للكفار بعد الطهارة وآهاً على تلك البلاد وحسنها … لقد أظلمت بالكفر أعظم ظلمة وصارت لعباد الصليب معاقلاً … وقد أمنوا فيها وقوع الإغارة وصرنا عبيداً لا أسارى فنفتدى … ولا مسلمين نطقهم بالشهادة فلو أبصرت عيناك ما صار حالنا … إليه لجادت بالدموع الغزيرة ويا ويلنا يا بؤس ما قد أصابنا … من الضر والبلوى وثوب المذلة سألنك يا مولاي بالله ربنا … وبالمصطفى المختار خير البرية وبالسادة الأخيار آل محمد … وأصحابه أكرم بهم من صحابة وبالسيد العباس عم نبينا … وشيبته البيضاء أفضل شيبة وبالصالحين العارفين بربهم … وكل ولي فاضل ذي كرامة عسى تنظر فينا وفيما أصابنا … لعل إله العرش يأتي برحمة فقولك مسموع وأمرك نافذ … وما قلت من شيء يكون بسرعة ودين النصارى أصله تحت حكمكم … ومن ثم يأتيه إلى كل كورة

стр. 7215

فبالله يا مولاي منوا بفضلكم … علينا برأي أو كلام بحجة فانتم أولات الفضل والمجد والعلا … وغوث عباد الله في كل آفة فسل بابهم أعني المقيم برومةٍ … بماذا أجازوا الغدر بعد الأمانة ومالهم مالوا علينا بغدرهم … بغير أذى منا وغير جريمة وحبسهم المغلوب في حفظ ديننا … وأمن ملوك ذي وفاء وجلة ولم يخرجوا من دينهم وديارهم … ولا نالهم غدر ولا هتك حرمة ومن يعط عهداً ثم يغدر بعده … فذاك حرام الفعل في كل ملة ولا سيما عند الملوك فإنه … قبيح شنيع لا يجوز بوجهه وقد بلغ المكتوب منكم إليهم … فلم يعلموا منه جميعاً بكلمة وما زادهم إلا اعتداء وجرأة … علينا وإقداماً بكل مساءة وقد بلغت إرسال مصر إليهم … وما نالهم غدر ولا هتك حرمة وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا … رضينا بدين الكفر من غير قهرة وساقوا شهود الزور ممن أطاعهم … والله ما نرضي بتلك الشهادة لقد كذبوا في قولهم وكلامهم … علينا بهذا القول أعظم فرية ولكن خوف القتل والحرق ردنا … نقول كما قالوه من غير نية ودين رسول الله ما زال عندنا … وتوحيدنا لله في كل لحظة ووالله ما نرضي بتبديل ديننا … ولا بالذي قالوا من أمر الثلاثة وإن زعموا إنا رضينا بدينهم … بغير أذى منهم لنا ومساءة فسل انجرا عن أهلها كيف أصبحوا … أسارى وقتلى تحت ذل ومهنة وسل بلفيقا عن قضية أمرها … لقد مزقوا بالسيف من بعد حسرة ومنيافة بالسيف مزق أهلها … كذا فعلوا أيضاً بأهل البُشُرة واندَرَش بالنار أحرق أهلها … بجامعهم صاروا جميعاً كفحمة فها نحن يا مولاي نشكو إليكم … بهذا الذي نلقاه من شر فرقة عسى ديننا يبقي لنا وصلاتنا … كما عاهدونا قبل نقض العزيمة وإلا فيجلونا جميعاً من أرضهم … بأموالنا للغرب دار الأحبة

стр. 7216

فإجلاؤنا خير لنا من مقامنا … على الكفر في عز على غير ملة فهذا الذي نرجوه من عز جاهكم … ومن عندكم تقضي لنا كل حاجة ومن عندكم نرجو زوال كروبنا … ومن عندكم تقضي لنا كل حاجة ومن عندكم نرجوا زوال كروبنا - وما نالنا من سوء حال وذلة فأنتم بحمد الله خير ملوكنا … وعزتكم تعلو على كل عزة فنسأل مولانا دوام حياتكم … بملك وعز في سرور ونعمة وتمدين أوطان ونصر على العدا … وكثرة أجناد ومال وثروة وثم سلام الله تتلوه رحمة … عليكم مدى الأيام في كل ساعة انتهت الرسالة من نسختين بقلم مغربي رأيتهما بعاصمة فاس صانها الله من كل باس خليل الخالدي

стр. 7217

٣ - قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور احمد زكي لوفن هوك أول غزاة المكروب (بائع القماش الهولاندي الساذج الذي ضحك منه أهل بلده فكاتب الجمعية الملكية البريطانية وبها روبرت بويل واسحاق نيوتن فاستمعت له وصفقت خمسين عاماً) - ٤ - وكانت تلك الحيوانات الصغيرة في كل مكان، حتى في فم (لوفن هوك). كتب (لوفن) إلى الجمعية الملكية يقول: (لقد بلغت العام الخمسين من عمري ومع هذا لي أسنان سليمة سلامة لا تتفق مع هذه السن، وسبب هذا أني أدلك أسناني بالملح كل صباح دلكاً شديداً، وثم أنظف أضراسي بريشة وأدلكها بثوب دلكاً عنيفاً). ومع ذلك كانت تتبقى بقية من جسم أبيض فيما بين تلك الأسنان. فتراءى للوفن أن يتعرف كنهها فقشط منها بعضها ودافه في ماء مطر تقي وأخذ منه في شعرية من الزجاج ونصبها تحت عدسته، ثم أغلق الباب. وأخذ ينظر فرأى عند بؤرة العدسة مخلوقات جديدة، فنوع يثب قدماً في الماء (ككراكي الأسماك)، ونوع ثان لا يلبث أن يستقيم في عومه قليلاً حتى يدور بغتة فينتكس على رأسه انتكاسات رشيقة، ونوع ثالث حتى يدور بغتة فينتكس على رأسه انتكاسات رشيقة، ونوع ثالث كالعصي الملتوية يتحرك في بطء شديد تكاد تخطئه العين، إلا عين لوفن، فأخذ يحملق فيها حتى احمرت عيناه، وحتى رآها تتحرك يقيناً، وتنبض بالحياة يقيناً. كان فم (لوفن) مليئاً بالمتحركات من شتى الأجناس. وكان به جنس آخر كقضبان الخيزران سهلة التثني، تجيء وتروح في تؤدة الأسقف ووقاره، وهو على رأس موكبه بين قسيسيه وأخباره، وجنس خامس حلزوناتٌ كالبريمات نوازع الفلين، نفخ الله فيها من روحه فجاءت أشد ما تكون سعياً ونشاطاً لم يقع هذا الرجل الغريب على شيء إلا اتخذه موضوعاً لتجربته، ولم يعتق نفسه، فاتخذ

стр. 7218

ذاته موضوعاً للتجربة أيضاً. وأتعبه العمل وأجهده طول التحديق إلى تلك الحيوانات التي بأسنانه فطلب الراحة في التريض تحت الأشجار العالية، وقد أخذت بقدوم الخريف تتناثر عنها ورقاتها المريضة الصفراء فتقع من تحتها على سطوح الترع وهي في سكونها وملاستها كالمرايا الغيراء، ولكنه ما لبث أن لًقي في طريقه شيخاً هرماً، فحدثه فكان هذا إيذاناً بذهاب راحته وانتهاء رياضته. كتب (لوفن) إلى الجمعية الملكية عن هذا يقول: (وتحدثت إلى هذا الشيخ فألفيته عاش ما خلا من أيامه عيشة قصدٍ واستقامة، فالوسكي لم يذقه قط، والتبغ لم يمس فمه، والنبيذ ندر شربه إياه. ووقعت عيني على أسنانه مغطاة بالرواسب، فسألته متى نظفها آخر مرة، فأجاب إنه لم ينظفها مرة واحدة في حياته فما قرع هذا الجواب سمع (وفن) حتى طار التعب عن عينيه. فقد وقع في نفسه أن فم هذا الرجل لابد أن يكون جنينة مليئة بالحيوانات من كل صنف بهيج وغير بهيج، وما لبث أن جر الشيخ القذر التقي إلى مكتبه. وبالطبع وجد الألوف من تلك الحيوانات الصغيرة في فمه، ولن كان همه أن يخبر الجمعية الملكية أنه وجد في فمه مخلوقاً جديداً ينساب في التواءاته كالأفعى بين شتى الحيوانات الأخرى، وأن الماء بأنبوبة الزجاج الشعرية كان يعج به تحت عدسته ومن الغريب في (لوفن هوك) أنك مهما تصفحت كتبه، وهي مئات، فلن تجده يذكر مرة واحدة أن هذه الأحياء الصغيرة تضر بالإنسان. إنه رآها في ماء الشرب، ووقع عليها في فم الإنسان، ومضت الأعوام فتكشفت له نفس تلك الأحياء في أمعاء الضفدع وأمعاء الخيل وفي أمعائه هو، كان يجدها أسراباً أسراباً على حد قوله (كلما اعتراه إسهال). ومع هذا لم يقل إنها كانت سبباً في هذا الذي اعتراه. لقد كان محاذراً في أحكامه، ولم يكن له ذلك الخيال الذي اعتاد الناس أن يطيروا به إلى استنتاجات فطيرة غير ناضجة كالتي يثب إليها أهل هذا العصر الحاضر من دُراس المكروب. ولكم وَدِدْنا لو درس هؤلاء ما كتب (لوفن)، إذن لتعلموا من حذره الشيء الكثير. ففي الحق لقد وصف الواضعون في نصف القرن السالف آلافاً من المكروبات، ونسبوا إليها مئات من الأمراض، فكشف النقد في الكثرة الكبرى من تلك الحالات أن اجتماع المرض والمكروب في الجسم إنما كان ارتفاعاً عارضاً. كان (لوفن هوك) يخشى دائماً أن يشير إلى الشيء فالشيء ويقول هذا سبب هذا.

стр. 7219

كان به إيمان فطري بتعقد الأمور واختلاط الأسباب التي تنتج الحياة وظواهرها، فكان دائماً محجاما لا يقدم على ربط سبب بظاهره ومرت السنون وهو يشتغل بالبزازة في دكانه الصغير، أو يقوم بكنس دار البلدية (بدلفت). وزاد حذراً وزاد شراسة، وازدادت كذلك الساعات الطويلة التي كان يقضيها في التحديق في المئات من مكرسكوباته، وزاد اكتشافه لكل عجيب غريب. وذات يوم نظر إلى سمكة صغيرة في أنبوبة من الزجاج وقد علا ذيلها فلمح فيه لأول مرة أوعية الدم الشعرية التي تصل ما بين الأوردة والشرايين فاستكمل بذلك الدورة الدموية التي اكتشفها (هارفي) من قبله وكان (لوفن) لا يمتنع عن امتحان الشيء لقداسة أو عاطفة، أو خشية أن يُسيء إلى الأدب والحرمات، فاكتشف الخلية المنوية للذكر من الإنسان - اكتشاف فيه تورط وفيه احراج، وفيه جمود وبرود في سبيل العلم تقشعر منه النفوس، ولكن (لوفن) كان رجلاً بسيطاً ساذجاً ودارت الأيام فشاع ذكره في أوربا، وجاءه بطرس الأكبر قيصر الروس يقدم له احترامه، وسعت إليه ملكة الانجليز في بلدته لترى الأعاجيب من خلال عدساته. وأبطل للجمعية الملكية كثيراً من الخزعبلات السائدة، وكان أشيع أعضائها ذكراً ما خلا (اسحق نيوتن) و (روبرت بويل). ولم يغير كل ذلك شيئاً من نفسه؛ ذلك أنه كان من أول الأمر كبير التقدير لها كثير الإعجاب بها. وكانت كبرياؤه لا حد لها، ولا يضارعها إلا اتضاعه كلما فكر في هذا الكون وخفاياه، في السر الهائل المجهول الذي يَلفه ويلف سائر الناس معه. كان يعبد الله، وكان عباداً للحقيقة. قال: (في اعتزامي إلا أحتفظ بآرائي عناداً وتعصباً، فأنا أنبذها إلى ما يعرضه على غيري من الآراء، مادام هذا الغير لا يطلب من عرضها إلا إظهار الحقيقة لعيني، وأنا أعتنق هذا المعروض الجديد بمقدار ما أستطيع تحقيقه فيه من صواب. كذلك في اعتزامي أن استخدم ما حباني به الله من مواهب قليلة للحيلولة بين الناس وبين خرافات وثنية جاءتهم من الزمن القديم. وفي اعتزامي أن أنهض إلى الحق وأن أثبت عليه) وكان صحيح الجسم صحة خارقة، ففي الثمانين كان يرفع بيده المكرسكوب، وهي ترتعد، إلى زواره لينظروا بها إلى الحيوانات الصغيرة، أو إلى صنوف الأجنة من المحار. وكان

стр. 7220

مُغرماً بالشراب في الأمساء، وأي هولاندي ليس به هذا؟ وكأنما كان المرض لا يمسه إلا في الإصباح التي تلي تلك الإمساء، وما كان مرضاُ بل ضيقاً في النفس واعتلالاً في المزاح. وكان يبغض الأطباء فلا يستنصح منهم أحداً. وأنى لهم معرفة بأدواء الجسد وعلمهم بتركيبه عشر معشار علمه؟ ومن أجل هذا كانت له نظريته الخاصة في تعليل سوء مزاجه - وأية نظرية تلك! كان يعلم أن بالدم كرات صغيرة مستديرة هو الذي اكتشفها وارتآها أول راء. وهو الذي اكتشف في ذيل السمكة تلك الشعريات الصغيرة التي تصل ما بين الأوردة والشران. فالليالي التي كان بعمرها بالكأس والطاس كانت على زعمه تؤثر في دمه فتجعله ثخيناً، فإذا هو جاء يمر بالشعريات تعذر عليه ذلك. فمن هذا كان اختلال مزاجه في الصباح. وإذن فدواء هذه الثخانة تخفيفها. وإليك ما كتب إلى الجمعية الملكية: (فأنا إذا أكلت ذات مساء فأثقلت شربت في الصباح عدداً كبيراً من فناجيل القهوة، وهي على أسخن ما أحتمل حتى أتصبب عرقاً، فإذا لم يشفني ذلك فكل ما بدكان الصيدلاني لا يشفي. وهذا دوائي من أعوام كلما حُممْت) وهداه شرب القهوة إلى حقيقة جديدة عن حيواناته الصغيرة. يا له من رجل! ما كان يفعل شيئاً حتى يهديه هذا الشيء إلى جديد في الطبيعة. فقد كان يعيش بسمعه وبصره وحسه وفكره في دُنى تلك الحيوانات التي كان يسترق منها النظرات من خلال تلك العدسات. لقد كان كالطفل إذا يستمع لحكاية البط والغراب وهو مستغرق عما هو حوله، لا ترى منه إلا شفتين منفرجتين وعينين واسعتين من شدة الدهشة والإعجاب. وكان كالطفل كذلك في إعادة ما قرأ من أقاصيص الطبيعة المرة بعد المرة، حتى لتجد على صفحاتها من إبهامه بصمات، وفي أركانها من فعله ثنيات تهديه إذا هو استراح فعاد ليبدأ من حيث انتهى. من ذلك أنه بعد سنوات من اكتشافه المكروب في فمه جلس ذات صباح إلى شراب القهوة يستشفي به، فبينا هو في عرقه الصبيب خطر له أن يعود فينظر إلى مكروب أسنانه من جديد. . ما هذا! أين ذهبت حيوانات أسناني فإني لا أرى واحدة تتحرك بالحياة! أو كأني أرى الألوف منها ولكنها أجساد هامةد، وإلا واحدة أو اثنتين تدبان على ضعف كأنما مسهما المرض! ثم صاح يستنجد بالأحبار والقديسين ألا يجيئه في تلك الساعة لورد من لوردات الجمعية الملكية يطلب إليه رؤية تلك المركوبات في فمه فلا يجدها فيكذبه فيما كتب عنها

стр. 7221

ولكن صبراً إنه كان يشرب القهوة. كانت ساخنة جداً حتى كادت تتنفسط منها شفتاه. وهو إنما نظر إلى المكروبات في الرواسب التي بين أسنانه الأمامية بعد شربه هذه القهوة الساخنة مباشرة وما لبث أن استعان بمرآة مكبرة واخذ يقشط ما بين أسنانه الخلفية، ثم ينظر. . . . ما كَذَب المنظارُ وما أخطأ لوفن. قال: وما لبثت أن دهشتُ للكثرة التي وجدتها من تلك الحيوانات الحية في القليل التافه من تلك القِشاطة، كثرةٍ لا يؤمن بها إلا من رأى). وبعد هذا أخذ يجري تجارب صغيرة في أنابيب الزجاج، فسخن فيها الماء بما يًأهُله من تلك الأحياء إلى درجةُ فويق التي يحتملها المرء في حمامه، وفي لحظة فقدت الحيوانات روحاتها وجيئتها. وبرد الماء ومع هذا لم تعد إليها الحياة. إذن فالقهوة الساخنة هي التي قتلت تلك الحيوانات في أسنانه الأمامية وأعاد النظر إلى هذه الحيوانات في غبطة وسرور، ولكن أساءه وأهمه أنه لم يتبين لهذا الحيوانات رأساً ولا ذيلاً، فإنها كانت تسير في تلويها مسرعة في اتجاه، ثم لا تلبث أن تكر راجعةً بنفس السرعة في عكس الاتجاه دون أن تنعطف أو يدور لها رأس على عقب، ولكن لابد أن يكون لها ذيل: لا بد أن يكون لها رأس! ولابد أن تكون لها أكباد وأمخاخ وأوعية دموية كذلك! وعاد بذاكرته إلى الوراء أربعين عاماً، إلى البراغيث وديدان الجبن كيف كانت تراها عينه مخلوقات بسيطة الصنع مجملة التركيب، فإذا بها تتراءى تحت عدسته معقدة التركيب مفصلة الصنع تامة كخلق الأنسان نفيه. فطمع أن ينشف له من هذه المكروبات ما تكشف من هذه الديدان. ولكن عبثاً حدق في أقوى عدساته، فقد ظلت هذه المكروبات تظهر في بصره عصياً أو كرات أو حلزونات بسيطة لا تفصيل فيها ولا تعقيد. وأخيراً اكتفى بأن حسب للجمعية الملكية قطر الوعاء الدموي بتلك المكروبات لو أنه كان، ولم يقل قط إنه رأى تلك الأوعية، وإنما أراد أن يتسلى بتخيله أولياءه من أعضاء الجمعية يتراجعون دهشةً من صغر الأرقام التي أسفرت عنها حسبته وإذا كان (لوفن هوك) قد فاته أن يرى الجراثيم التي عنها تنشأ أمراض الإنسان، وإذا كان خياله قد قصر عن إدراك ما تأتيه حيواناته اللعينة من قتل وأجرام، فلم يفته أن يدرك أن هذه الحيوانات التي تُفلت العينَ قد تَقتل وقد تأكل حيوانات تجل عنها أضعافاً كثيرة. فذات

стр. 7222

يوم كان يتلهى ببعض حيوانات الماء الصدفية كبلح البحر وأم الخلولَ جرفها من قيعان الترع، فوجد بداخل الأم الواحدة آلافاً من الأجنة، فهالته كثرتها وتساءل كيف لا تشرق مجاري الماء بهذا العدد العديد من الأحياء. وخال أن يُربى تلك الأجنة في زجاجة بها ماء أخذه من تلك الترع، وأخذ كل يوم يعبث بالماء وقد تلزج كالمخاط بما فيه من أجنة، وكان أن نظر إليها بعدسته يحسب أنها كبرتْ، فأفزعه أن وجد اللحم الطري يتلاشى بين أصدافه، ذلك لأن آلافاً من المكروبات الدقيقة استطعمته فالتهمته بشراهة أي شراهة (تعالى الله! حي يعيش على حي، وحياة تستمد البقاء من فناء حياة! تلك لا محالة قسوة كبيرة، ولكنها مشيئة الله. ولا شك أن الخير كل الخير فيها، فلولا أن أكل المكروب صغار هذا المحار، وكل أم تلد ألفاً في المرة الواحدة، لانسدت به القنوات). هكذا فكر لوفن، وبهذا القنوات أسلم لقضاء ربه. كان يتقبل كل شيء ويرضى عن كل ما يجد، فلم يكن يعد قد جاء العصر الذي تهجم فيه البحاث على المقام الاسمي ورفعوا أيديهم إلى السماء يتسخطون ويتهددون على ما بالطيعة من قسوة لا معنى لها على ابنها الإنسان وبلغت سنه الثمانين وفاتتها، وتخلخلت أسنانه بالرغم من قوة جسمه، وكل سن للتخلخل ولو أمهلتها السنون حيناً. وجاء شتاء أيامه وخيم بظله وقره فلم يشك شيئاً، بل انتزع سناً عتيقة من فمه وصوب إليها العدسة يمتحن تلك المخلوقات الضئيلة في الجذر الخاوي من السن مرة أخرى. ولم لا يفعل؟ فلعله يجد تفصيلاً جديداً فاته في سائر تلك المرات العديدة. وجاءته رفقة من صحابه وقد بلغ الخامسة والثمانين تسأله أن يترفق بنفسه ويدع البحث والدرس، فقارب ما بين حاجبيه وأوسع ما بين جفنيه، ولم يكن فارق البريق عينيه، وقال لهم: (إن الثمرة التي تنضج في الخريف تطول سائر الثمر عمراً). سمي الخامسة والثمانين خريفاً! وكان كأرباب المعارض يحب أن يسمع إعجاب الناس بما يعرض إن حضروا، أو يقرأ لغيابهم إذا هو كتب لهم تلك الكتب الثرثارة المتفككة الطويلة. ولا تنس انه لم يكن يعرض بضاعته إلا على الفلاسفة والمتفلسفين وأحباب العلم. وكان لا يحسن التدريس إذا هو حاوله. كتب إلى الفيلسوف الشهير ليبنتز يقول: (أنا لم أعلم أحداً، لأني لو علمت واحداً وجب على تعليم آخرين، وإذن أعبد نفسي عبودية لا تنقضي، وأنا أحب أن أكون سيداً

стр. 7223

حراً) فأجابه ليبنتز يقول: (. . . ولكنك يا رجل إذا لم تعلم الشباب صناعة العدس وطرق البحث والنظر زال كل هذا عن وجه الأرض بزوالك). فكتب صاحبنا الهولاندي باستقلاله المعهود يقول: (لقد أعجب أساتذة (ليدن) وطلبتها باكتشافاتي مرة في أيام سالفة بعيدة فاستأجروا من نحاتي العدسات وصاقليها ثلاثة جاءوا يعلمونهم صناعتها، فعلى أي نتيجة خرجوا؟ لا شيء بقدر ما أرى، لأن جل الدروس أو كلها كانت تعطى لاكتساب المال ببيع العلم أو إظهاراً للعلم بغية احترام الناس وإعجاب الدنيا، وتلك نوازع لا تمت بسبب إلى اكتشاف خبايا الطبيعة المحجوبة عن أبصارنا، فهذه دراسات قد لا يصلح لها من الألف واحد، لأن الزمن الكثير يضيع فيها، ولأن المال الكثير يضيع فيها، ولأنها تستغرق من صاحبها فكره كله وحسه أجمع لكي يخرج منها على شيء. . .) هذا أول رجال المكروب وكاشفيه. وفي عام ١٧٢٣، وقد بلغ الحادية والتسعين استدعى صديقه (هوجفليت) وهو على سرير الفناء. فلم يستطع رفع يده. وملأ الدمع جفنيه وتقاربا ليلتحما بلحام الموت. فغمغم إليه: (صديقي هوجفليت، رجائي إليك أن تترجم الكتابين اللذين على المنضدة إلى اللاتينية. . . . . ابعث بهما إلى لندن. . . إلى الجمعية الملكية. . . . . . . . . . . . . .) وبذلك بر بوعده للجمعية الذي أبرمه من خمسين سنة خلت أنْ يكتب لها إلى آخر رمق. وبعث (هوجفليت) الكتابين وكتب معهما يقول: (أسيادي العلماء، أبعث لكم آخر هدية من صديقي المحتضر، راجياً أن تحظى آخر كلمة له بالرضاء منكم) وهكذا ذهب أول البحاث في عالم الجرثوم. وستقرأون عن اسبالتراني وهو أنبه منه، وعن بستور وله أضعاف ما لصاحبنا من خيال، وهم روبرت كوخ وقد قام بأعمال أسرع ثمرة من أعماله في تخفيف ويلات المكروب عن الإنسان، وعن آخرين لهم اليوم كما لهؤلاء صيت أبعد وذكر أشيع ولكن صدقوني لم يكن بين هؤلاء وهؤلاء من كان يطاول في الأمانة، ولا في الدقة، ولا في الحكم على الأمور، هذا القماش الهولاندي البسيط. أحمد زكي

стр. 7224

١٥ - محاورات أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود - مهما يكن، فأنت تستطيع أن تحكم فيما إذا كان ينبغي أو لا ينبغي لمن لديه المعرفة أن يكون قادراً على تعليل معرفته - لا شك أن ذلك حتم عليه ولكن هل تظن أن كل إنسان قادر على تعليل هذه الموضوعات نفسها التي تتحدث عنها الآن؟ ليتهم يستطيعون يا سقراط! ولكم أخشى ألا يكون ثمت من يستطيع في مثل هذه الساعة من الغد أن يقدم تعليلاً جديراً بأن يؤخذ عنه إذن فليس من رأيك يا سيمياس أن كل الناس يعملون هذه الأشياء؟ - يقيناً أنهم لا يعلمون - إذن فهم آخذون في تذكر ما قد كانوا يعلمونه من قبل - يقيناً ولكن متى كسبت أرواحنا هذه المعرفة؟ - لم يكن ذلك بعد أن ولدنا بشراً؟ - لا، ولا ريب - وإذن فقبل ذلك؟ - نعم - إذن يا سيمياس، لا بد أن أرواحنا كانت موجودة قبل أن تُصور في هيئة البشر، ولا بد أن قد كان لديها ذكاء لما كانت بغير أبدان؟ - حقاً يا سقراط، ما لم تفرض أن هذه الآراء قد أوتيتنا في ساعة الميلاد، لأنه لم يبق إلا تلك اللحظة وحدها - نعم يا صديقي، ولكن متى افتقدناها؟ فهي لا تكون لدينا عندما نولد - وقد سلمنا بهذا.

стр. 7225

هل افتقدناها في اللحظة التي فيها أخذناها، أم في وقت آخر غير هذا؟ - لا يا سقراط، لقد أدركت أني إنما كنت أنطق هراء لا أعيه - إذن، أفلا يجوز لنا يا سمياس أن نقول ما نردده دائماً، وهو إذا كان ثمت جمال مطلق، وخير مطلق، وسائر الجواهر التي اكتشفنا الآن أنها سبقتنا في الوجود، وكنا نقيس إليها كل أحاسيسنا ونقارنها بها - زاعمين أن قد أن لها وجود سابق، فان لم يكن، ذهبت كل قوة في قولنا. فليس من سبيل إلى الشك بأنه إذا كان لهذه المُثُل المطلقة وجود قبل أن نولد، فلا بد أن أرواحنا كانت كذلك موجودة قبل ميلادنا، فان لم تكن المُثُل موجودة، لم تكن الأرواح موجودة كذلك - نعم يا سقراط، إني مقتنع بأن مقتنع بأن لوجود الروح قبل الميلاد هذه الضرورة نفسها، وأنت إنما تتحدث من الروح عن كنهها: فقد انتهى بنا التدليل إلى نتيجة يسرني أنها تتفق مع ما أرتئيه. فلست أرى شيئاً يبلغ في بداهته مبلغ قولنا إن الجمال، والخير، وسائر الأفكار التي كنت تتحدث عنها الآن تواً، لها وجود غاية في الحق والتجريد، وإني لمقتنع بالدليل - حسناً، ولكن هل اقتنع سيبيس اقتناعك هذا؟ لأنني لا بد أن أقنعه كذلك قال سمياس - أظن سيبيس مقتنعاً؟ فإني أحسبه قد آمن بوجود الروح قبل الميلاد، على الرغم من أنه أبعد الكائنات عن التصديق. ولكن دليلاً لم يقم بعد على استمرار وجود الروح بعد الموت، بحيث يقنعني أنا، فلا أستطيع أن أتخلص من شعور الدهماء الذي كان يشير إليه سيبيس - ذلك أن الشعور بأنه إذا مات الانسان، فقد تتبعثر الروح، وقد يكون ذلك نهايتها، فلو سلمنا بأنها قد تتولد وتنشأ في مكان غير هذا، وقد تكون موجودة قبل حلولها في الجسم البشري، فماذا يمنع أن تبلي وتفنى بعد أن حلت فيه ثم خرجت منه ثانياً؟ فقال سيبيس - هذا جد صحيح يا سمياس، أما أن أرواحنا كانت موجودة قبل أن نولد، فهو الشطر الأول من الحديث، ويظهر أن قد قام الدليل عليه، وأما أن الروح ستبقى بعد الموت، كما كانت قبل الميلاد، فهو الشر الآخر، الذي لا يزال يعوزه الدليل، ولابد له من التأييد قال سقراط - أي سمياس وسيبيس! لو أنكما أضفتما التدليلين أحدهما إلى الآخر - أعني

стр. 7226

هذا وما سبقه، الذي سلمنا فيه بأن كل شيء حي قد ولد من الميت، لرأيتما أنا قد فرغنا من إقامة هذا الدليل، لأنه لو كانت الروح موجودة قبل الميلاد، وأنها إذ تجيء إلى الحياة وإذ تولد، لا تكون ولادتها إلا من الموت ومن يعالج الموت، أفلا يجب عليها بعد الولادة أن تستمر في وجودها ما دام لابد لها أن تولد مرة أخرى؟ لا ريب في أنا قد فرغنا من إقامة البرهان الذي ترجوان، ولكني مع ذلك، أحسبك أنت وسمياس، لا ترغبان في أن تُخبرا هذا الدليل أكثر من ذلك، فقد استولى عليكما ما يستولي على الأطفال من فزع، خشية أن يذرو الهواء الروح حقيقة، ويبعثرها عند فراقها الجسد، وبخاصة إذا كتب لإنسان أن يموت في جو عاصف، ولم يقدر له الموت حيث السماء ساكنة فأجاب سيبيس باسماً - إذن يا سقراط، فواجبك أن تنفض عنا خوفنا بالدليل - ومع ذلك فليست هي مخاوفنا، إن توخيت الدقة في القول، ولكن هنالك في طويتنا، طفل ينظر إلى الموت، كأنه ضرب من الغول، فلا بد أن نحمله كذلك على ألا يفزع إذا ما انفرد وإياه في الظلام قال سقراط - ردد في ل يوم صوت الساحر، إلى أن تطرد بالسحر ذلك الغول - وأين عسانا أن نجد ساحراً حاذقاً يقينا مخاوفنا بعد ذهابك يا سقراط فأجاب - إن هِلاس، لمكان فسيح يا سيبيس، وفيه كثير من طيبي الرجال، وهناك غير قليل من القبائل المتبربرة، فابحث عنه في طول البلاد وعرضها، بين هؤلاء جميعاً، ولا تدخر في البحث جهداً ولا مالاً، فليس من سبيل أفضل من استخدامك المال، ولا يفتك أن تبحث عنه كذلك بين أنفسكم فوجوده هاهنا أرجح منه ف أي مكان آخر فأجاب سيبيس - لن نتردد في القيام في القيام بهذا البحث، ولنعد الآن، إذا شئت، في الحوار إلى النقطة التي استطردنا منها فأجاب سقراط - طبعاً، وماذا أريد غير هذا؟ فقال: حسناً جداً قال سقراط - أفلا ينبغي أن نسائل أنفسنا سؤالاً كهذا: - ما هو الشيء الذي تظنه عرضة للبعثرة، ونحن عليه حريصون؟ ثم ما هو الشيء الذي لا نحرص عليه؟ وبعدئذ نستطيع أن نمضي في البحث عما إذا كان ذلك الذي تمتد إليه يد البعثرة، من بيعة الروح أم لا - فعلى ذلك سنقيم ما نكن لأرواحنا من آمال ومخاوف

стр. 7227

فقال - هذا صحيح - قد نفرض أن الشيء المركب، أو الذي يتكون من أجزاء، أنه بطبيعته يمكن أن يتحلل، كما أمكن له أن يتركب، أما ذلك الذي لم يتركب من أجزاء، فيلزم أن يكون وحده غير قابل للتحلل، إذا كان ثمة شيء كهذا فقال سيبيس - نعم فهذا ما قد أتصوره - وقد يزعم أحد أن غير المركب، يظل كما هو، ولا يخضع للتغير، بينما يكون المركب دائم التغير، فلا يظل أبداً كما هو؟ فقال - إني أظن ذلك أيضاً (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 7228

١٣ - بين القاهرة وطوس من سلطان آباد إلى بغداد للدكتور عبد الوهاب عزام سلطان آباد حاضرة ولاية في إيران تسمى العراق، وهي في الجنوب الغربي من سهل فراهان، بناها منذ مائة وثلاثين سنة يوسف خان الكرجي وجعلها مربعة الشكل، وسورها وحصنها. وولاية العراق هذه خصبة كثيرة الزرع، فيها زهاء ٦٨٠ قرية، وسجاجيدها مشهورة وعلى مقربة من هذه المدينة كانت مدينة الكرج، في الإقليم الذي كان يعرف باسم كرج أبي دلف، وقد ذكره الشعراء في مدائحهم دخلنا المدينة ليلاً فسرنا قليلاً فانتهينا إلى ميدان فسيح فيه حديقة تمتد منه أربعة شوارع واسعة. وهذا نظام جديد أتخذ لإصلاح المدن الإيرانية في السنوات الأخيرة وقف بنا السائق على فندق (مهما نخانه) في هذا الميدان فدخلنا إلى فناء واسع للسيارات وصعدنا في سلم إلى حجرات على مقربة منها منتدى (قهوة) فلم نرض هذه المجاورة، فنزلنا إلى فندق آخر بجانبه، ليس في المدينة سواهما. فاتخذنا حجرة لا بأس بها في مثل هذه المدينة، واسترحنا وطعمنا قليلاً ثم خرجنا نجول في البلد فلم نر شيئاً أكثر مما أحاطت به النظرة الأولى، ورأينا المدينة على صغرها وسذاجتها نظيفة جميلة وبرحنا البلدة والساعة ثمان وأربعون دقيقة من صباح الثلاثاء رابع عشر رجب (٢٣ أكتوبر) مسرعين صوب همذان نود أن نبلغ بأية وسيلة بغداد يوم الأربعاء لندرك قافلة السيارات التي تبرحها إلى دمشق صباح الخميس. بلغنا فخر آباد والساعة تسع. وقد استلفتتنا كثرة العمران والزروع على الطريق كما قلت من قبل، ووقفنا والساعة عشر على ضيعة اسمها زنكنة معروفة بجودة عسلها فأكلنا ونحن نقول إن لله دواء من العسل (مستعيذين من المثل القديم: إن لله جنوداً منها العسل). ثم وقفنا على ملايير (دولت آباد) والساعة إحدى عشرة فطلبت جوازات السفر للإطلاع عليها. والمسافة بين سلطان آباد ودولت آباد ١٠٠ كيلو وواصلنا السير تلقاء الغرب والشمال حتى بلغنا همذان والساعة واحدة بعد الظهر، فسرنا

стр. 7229

في شارعها الكبير وجددنا العهد بمرقد الفيلسوف ابن سينا، ثم أوبنا إلى فندق يقوم عليه جماعة من الأرمن، والأرمن في إيران قومة الفنادق، تلقاهم في كل مدينة وقرية، وما نزلنا فندقاً أو مطعماً على طريقنا من طهران إلى حدود العراق إلا عرفنا صاحبه أرمنياً وأعجلنا السفر عن الإقامة في همذان يوماً، فبرحناها بعد ساعتين سائرين شطر الجنوب للمبيت في كرمانشاهان، ونحن الآن على طريقنا التي سلكناها من قبل إلى طهران فلا أعيد وصفها هنا. لما شرعنا نفرع الجبال جنوبي همذان أصاب مصدم السيارة خلل، فسقطت لوحة صغيرة كتب عليها جشن فردوسي (عيد الفردوسي) وقد علق مثلها على كل سيارة أعدت للسفر في حفلات الفردوسي، فوقفنا وبحث السائق فوجدها وفك المصدم فربطه خلف السيارة. وقد أدت هذه الحادثة الصغيرة إلى أن تأخرنا عن بلوغ بغداد يوم الأربعاء ففاتتنا قافلة الخميس كما يأتي. واجتزنا جبال أسد آباد وبلغنا كنكادر والساعة خمس وربع من المساء، وقد ذكرت هذه البلدة في طريقي إلى طهران. أزيد هنا أنا نزلنا فاسترحنا وشربنا الشاي وأكلنا البطيخ، وهو في إيران كثير لا يعدمه السائر حيثما سار، وخرجنا نمشي على الطريق ننتظر أن يعد السائق سيارته فإذا جماعة جالسون في عريش على جانب الجادة، فتقدم كبرهم فحيانا وقال إن في البلد آثاراً قديمة. أتريدون أن تروها؟. وعرفنا حينئذ انه حاكم البلد فسرنا لنرى الآثار وصحبنا الحاكم وجماعة من الموظفين فرأينا بلداً صغيراً فقيراً في وسطه أحجار ضخام وقطع من أعمدة كبيرة اختلطت بالدور، فقيل هذا أثر معبد قديم. واخترقنا بعض الدور وسرنا بضع دقائق فرأينا أحجاراً أخرى قيل لنا إنها من آثار المعبد نفسه. وكان معبداً للإلهة (أناهيتا) من آلهة الفرس القدماء بناه لها الاشكانيون، وكان أيام الفتح العربي مأوى اللصوص وقطاع الطريق فمن أجل هذا سموه قصر اللصوص قال ياقوت في المعجم: (قال صاحب الفتوح لما فتحت نهاوند سار جيش من جيوش المسلمين إلى همذان فنزلوا كنكور فسرقت دواب من دواب المسلمين فسمي يومئذ قصر اللصوص وبقي اسمه إلى الآن. . .) وقال مسعر بن مهلهل: (قصر اللصوص بناؤه عجيب جداً. وذلك أنه دكة من حجر ارتفاعها عن وجه الأرض نحو عشرين ذراعاً فيه إيوانات وجواسق وخزائن تتحير في بنائه وحسن نقوشه الأبصار. وكان هذا القصر معقل إيرويز ومسكنه ومنتزهه لكثرة صيده وعذوبة مائة، وحسن مروجه وصحاريه)

стр. 7230

تركنا كناكور والساعة ست. فما فارقنا ضوء النهار حتى نشر على الأرجاء بدر التمام أشعته، فسرنا في جبال وسهول حتى أشرف على الجادة جبل بيستون الشاهق وقد ذكرته من قبل وذكرت قصة فرهاد وشيرين التي لا يزال صداها طائراً في أرجائه ولما لاحت ذروة الجبل في ضوء القمر قلت: بيستون! ثم أنشدت: لعل شيرين نصيب خسر وشد … سنك بيهوده مي كند فرهاد (صار لعل شيرين نصيب خسرو، وعبثاً يقطع فرهاد الحجر) فأنشد السائق: به بيستون كه رسيدم كرفت بارانم … أكر غلط نكنم آب جشم فرهادست (لما بلغتُ بيستون تساقط علي المطر، فان صدق ظني فتلك دموع فرهاد.) ثم قال السائق أتعرف قصة شيرين وفرهاد؟ فأحببت أن أسمعها منه، فقلت ما القصة؟ قال: (كان فرهاد راعياً لبرويز فرأى يوماً شيرين امرأة برويز فهام بها حباً وكان يظنها إحدى برويز فهام بها حباً وكان يظنها إحدى إماء الملك. ومرضت شيرين يوماً فقال الملك لفرهاد إن شئت أن أمنحك شيرين فانحت في الجبل قناة يسيل فيها اللبن من المرعى إلى القصر، فشق في الحجر قناة طولها فراسخ. فلما أبلت شيرين قال الملك لفرهاد بقي أن تبنى لها قصراً عظيماً. فنحت الأحجار وبني القصر. فلما خشي الملك أن يستنجره فرهاد وعده قال لمشيريه كيف الخلاص من فرهاد؟ فتطوعت امرأة عجوز بالحيلة وذهبت إلى فرهاد نائحة لاطمة. قال: ما خطبك؟ قالت: ماتت شيرين. فغشي عليه ومات لساعته، وخلصت شيرين لبرويز) والقصة ذائعة في الأدب الفارسي، وقد نظمت مراراً وبلغ بها الشعراء آلاف الأبيات. فلما فرغ السائق من قصصه قلت: أنستطيع أن نرى أثر فرهاد في هذا الجبل؟ قال إنه عال، ولا يرى بالليل بلغنا كرمانشاهان والساعة ثمان بعد أن قطعنا إليها من همذان ١٩٠ كيلاً. وأوينا إلى فندق اسمه (مهما نخانه بزرك) أي الفندق الكبير وهو فندق نظيف حسن النظام. واستأذن منا سائق السيارة أن يتأخر قليلاً غداً ريثما يصلح سيارته. ثم انصرف وأصبحنا ننتظر السائق فطال بنا الانتظار فذهبنا نمشي في المدينة، ثم ذهبنا إلى دار البريد فأبرقنا إلى وزير المعارف لنشكر له ما لقينا من حفاوة قبل أن نجتاز حدود إيران. ورجعنا

стр. 7231

إلى الفندق فلم نجد السائق، وذهبنا نفتش عنه في الخانات حتى عثنا علياً مًكباً هو وبعض الصناع على إصلاح السيارة. ولم نستطع مغادرة كرمانشاهان إلا وقت الظهر. فأيقنا أن سفرنا غداً إلى دمشق عسير أو محال. وجد بنا السير زهاء ساعتين فبلغنا شاه آباد، وقد ذكرتها من قبل، فنزلنا في فندق صغير فاسترحنا وطعمنا، ونشط أصحاب الفندق من الأرمن في خدمتنا فاستأنفنا السير بعد ساعة ومررنا بكرند وكده باطاق، وسربل ذهاب حتى بلغنا قصر شيرين والساعة خمس فتوقفنا هناك عشر دقائق. ثم تركناها نؤم حدود العراق دخلنا حدود العراق والساعة ست، وقد غربت الشمس فلقينا الموظفون مرحبين ويسروا لنا السفر العاجل فسرنا إلى خانقين فعرجنا على دار السيد عبد القادر صالح معاون الجمارك لنسلم ونشكر له ضيافته حين مررنا بخانقين المرة الأولى توجهنا إلى بغداد والساعة سبع من المساء، وأمامنا صحراء مشتبهة الأعلام، طامسة المناهج، ولكن مهارة السائق، وعلامات الطريق يسرت لنا بلوغ بعقوبة والساعة تسع، حين بلغ منا التعب مبلغه. وقفنا على منتدى في الطريق، ونزلنا فإذا صورة أم لثوم في صدر المكان. ولما عرف صاحب المنتدى أننا مصريون أسرع فأسمعنا غناءها. فشعرنا ونحن في العراق أن مصر قريب ثم سرنا من بعقوبة فأدركنا شاب ينادي أن الطريق غير بينة فاحملوني لأدلكم. قلنا لا حاجة إليك. وأدركنا فارسان من العسس فقالا أمامكم صحراء لا تهتدون فيها إلى طريقكم. فخير لكم أن تبيتوا هنا، وهنا فندق نظيف. وإن شئتم فكلموا رئيس الشرطة ليرسل معكم دليلاً. وهذا الشاب إن حملتموه معكم لا يستطيع أن يهديكم الطريق. فأقسم الشاب أنه بها جد خبير، وأنه هدى من قبل كثيراً من المسافرين. فارتكبنا أهون الشرين وحملنا هذا الدليل معنا. ولم يكن له مكان في السيارة فركب على الرفرف وسرنا فإذا الطريق واسعة لا حبة لا تحتاج إلى دليل. قلنا للدليل أكذلك طريقنا إلى بغداد؟ قال لا. فسرنا لا نستهديه ولا نبالي، إلا سؤالاً في الحين بعد الحين (هل نمت؟) فيقول لا، فنقول احذر أن تنام أو تقع فنضل في هذه الصحراء. فنعم الدليل أنت. لولا أن من الله بك علينا لهلكنا. ولسنا ننكر على دليلنا أنه كان حديثاً ممتعاً في الصحراء سميناه الدليل النائم،

стр. 7232

واهتدينا به إلى الفكاهة وإن لم نهتد به إلى غاية؟ بلغنا مدينة السلام منتصف الليل فأوينا إلى الفندق وانصرف دليلنا ثم جاء صبحاً يطلب أجره فضحكنا وقلنا لخادم الفندق أبلغه أنا وهبنا له أجرة الركوب بما له من أجر الهداية فليذهب مأجوراً (يتبع) عبد الوهاب عزام

стр. 7233

ضرورة الوحدة الأدبية بين مصر والسودان بقلم التيجاني يوسف بشير لن يكون مثل الأدب يصوغ الأمم على أسلوب واحد، ويصنع منها عقلية واحدة، ويقيم أساس وحدتها على الروح، وبناء مجتمعها على العاطفة، ودعامة ألفتها على الجمال، وقاعدة إخائها على الصدق، وصرح كيانها على يقظة الشعور، فلا يتزلزل ولا يضطرب ولن يكون مثل الأدب يوحد بين مشاعر الأمم، ويعين على توحيد المنافع، ويحقق من حلم الوحدة بما فيه من صور الفكر وجمال الفنون. ولا يمكن لها من ذلك إلا أن تعنى به فتوحد من الأساليب، وتوافق بين الإنتاج، وتقارب بين الأفكار ووجهة النظر إلى الكون والحياة، فمركز الأدب في وحدة الأمم مركز الفكرة في خلق الأدب، تؤسسه على القوة، وتبعثه على الجمال، وتنهضه على العاطفة، فيكسب من دقائقها في الصياغة والتعبير ما يأخذ على قاعدته الأمم فيهبها من دقائقه هو ما نأخذ به أفرادها على وحدة الشعور وجماعاتها على توحيد المصلحة. ولا أنفع لمصر ولا أجدى للسودان في سبيل وحدتهما الكبرى من أن يعني كلاهما بتقريب الفكر من بعضه، وتوجيهه بعد ذلك إلى منحى واحد، فتحقق الوحدة في كل شيء، ويستقيم لهما التواشج ويتم الامتزاج فالأدب كان وما يزال أصدق ما يحمل إلى الفرد خصائص الفرد، وأقوى ما يعكس على الأمة مميزات الأمة، فيجمع بينهما في المشابه، ويوفق بينهما في الميول. وهو بما يدفع من جمال ويصور من لذة، وينقل من مثلٍ للاجتماع، وفروضٍ للإنسانية، وقوالب للحياة، إنما يقتضي بما فيه من قوة الإيحاء أن يوحد من نظام الحياة في الشكل كما وحد بينه في الدخائل. وما فرضت أمة أدبها على أخرى إلا كان معنى ذلك أنها تفرض عليها النظام الذي تسير عليه، وتعين لها الحياة التي تؤمن بها، والغرض الذي ترمي إليه. فإذا جاءت مقاييس الأدب عندهما بمقدار واحد جاءت على وفق ذلك مصاير السياسة وأقيسة الحكم. وإن أوربا الآن لتبلغ بأدبها في الشرق ما جعل كثيراً من خصائص الحياة الغربية موزعة عليه بأوفى قسط وأوفره. وما كانت لتبلغ هذا المبلغ إلا بما يقوم به أدبها من بث صور الحياة العقلية في العالم. وعلى قدر ما فرضت أدبها على الشرق فرصت سيادتها عليه، وعلى قدر ما سنت له من أقيسة أدبها ومعايير الجمال فيه، كانت سياسة الحكم تنصب على

стр. 7234

مقاييس بقدرها كثرة وتعداداً وإن مصر لتتمتع منذ قرون بعيدة بأدب فيه من خصائص (المصري) وملازمات حياته ما يكفل لها أن تنتظم الشرق في وحدة أدبية تامة متى كان لها أن تعنى بذلك عناية خاصة، وأن تعمل في سبيله، فتقيم له المؤتمرات وتدعو إليها، وتنظم له المجامع وتبعث له البعثات، وتكون له في كل بلد (رابطة)، وتنشئ من أجله في كل قطر سوقاً، لتضمن لها في كل شعب حقوقاً. ولكن مصر لم تعمل لذلك حتى في ألزم شعب لها وألصقها به. وذلك هو السودان. . . كلما فكرت في تعليل ذلك لم أجد ما يشفع لمصر في إفلات ما كان وما لا يزال يتهيأ لها أن تحقق فيه أن السودان قطعة من مصر يصح فيها ما يصح في مصر، ويجري على هذه ما يجري على تلك. ولا ينبغي أن نخادع أنفسنا في تقرير الحقائق، فان كل ما حصل لم يكن إلا نتيجة طبيعية لجهل مصر بالسودان وإغفالها بدأة بدء توثيق العلائق الأدبية والروحية بينهما، حتى لقد استغل سادتنا الإنجليز جهل مصر الفاضح بنا فوطدوا مصالحهم في السودان وانتزعوا منه كل ما يدل على مصر، إلا علماً ما تكاد تحس له بوجود. ولو قد كان لمصر أن تصرف عنايتها بعد عام ١٩٢٤ إلى العلائق الأدبية وتنميتها لما اتسعت الهوة الفاصلة بين القطرين إلى هذا المدى، ولما قامت الموانع حتى دون أبسط شيء لا يغير من مجرى الحوادث بقليل. ولكن مصر لم يكن يهمها بعد ذلك أن تعود للتفكير فيما يجعل الوشيجة بينهما قوية على الحوادث، جديدة مع الأيام حتى ضرب الإنجليز ضربتهم القاضية، ووقفوا دون المصري والسوداني حتى عن معرفة ما ليس بد أن يعرفه كل عن أخيه، لأنهم - وقد استغلوا هذا الجهل - كانوا يعلمون أن ما ضربوا عليه من العلائق كان شيئاً لابد منه، فلا ينفيه الإنكار ولا يطمس عليه النسيان أو التغافل. ولهذا فهم أشد خشية أن يطلع أحد، وخاصة إن كان سودانياً على الحقيقة التي عبثوا بها. على وجود الصلات التي دفنت حيةً بعد أن جهدوا في خنقها، ولكنها كانت أطول نفساً وأكثر حيوية أن تموت، على روابط صنعها الله وأحكم في توثيقها، ولا حل لما عقد؛ وكانوا موفقين فيما أرادوا من تفرقة، حتى لقد حاولوا بما يبثون ويذيعون من ضروب الإرهاب وألوان النكال أن يجعلوا اسم مصر بعد عام ٢٤ شيئاً لا تسوغ القوانين النطق به، وكلما شددوا في النكير وأمعنوا

стр. 7235

في المنع، كان اسمها أشد إغراء وأكثر جاذبية وأقوى على لفت النظر، وحمل عامة الناس أن يبحثوا عن السر الغامض الذي يأبى عليهم الإنجليز الاتصال به. ومصر - ألا سامح الله مصر - مع هذا كله لم يكن يهمها أن تعرف عن السودان شيئاً وهي تطالب بكل ما فيه. . .! والآن. . . . لقد بلغ الإنجليز ما أرادوا. وضربت يد الغدر والمطامع على كل شيء، حتى لتوشك أن تضرب على النيل فيتزلزل فينفلق فلا يعود يعرف أين تكون مصر. ولقد طالما عبثت الأطماع بما بين مصر والسودان من ألفة وتعاطف، وأفسد الاستعمار هنا - في السودان - والحماية هناك ما بين هذين القطرين من روابط وصلات كلها بر وكلها رحمة. . . الآن لقد تم لهم ما أرادوا، ففرقوا وباعدوا، وأغربوا في التفرقة، وأفلحوا في مغالطة الحقائق الطبيعية، وتنكروا لخرائط الجغرافيين، وكابروا وخادعوا أن يكون شيء من هذا جديراً أن يحملهم على الاعتراف بخطئهم فيما حاولوا أن يطمسوا عليه من صلات كانت مصر هي في الحق أول من أغفل العمل في توثيقها والعناية بها، فماذا تفعل الآن. . . .؟ نحن نطل اليوم على عهد جديد تأخذ العلائق فيه صوراً جديدة فيها من صحة المعرفة وحسن التفاهم ما يملؤنا ثقة بالمستقبل وإيماناً به، وشعوراً بالوحدة والعمل لها في جميع ما تقضي به مصالح القطرين، وفي كل ما لا ينبغي إلا أن يكونا متحدين في بطيعة (الجوار) إذا لم يكن إلا هذا ما يملي بوجوب هذه الوحدة في اتجاه الحس والشعور، وفي تبادل المنافع والمصالح. وأما وقد كان هناك من مستلزمات الوحدة ما يجعل الجوار في آخر قائمة العلائق من لغة ودين وأدب وعروبة ونيلٍ زاخرٍ هادرٍ متدفق يصور الرباط المقدس بين بلدين أشد ما يكونان تلازماً وارتباطاً. أما وقد كان كل ذلك فقد توفرت بواعث توحيد الأمتين كما يتوحد النيل قطرةً إلى قطرةٍ وموجةً إلى أخرى وفياً إلى فيض. ولكن على أي أساس يقوم؟ إن شيئاً من سيرة مصر الأولى في السودان لن يعود إليها والحالة كما هي من تفكك في علائق الأدب وتباينٍ في وجهة التفكير - هذا كلام صريح لا مكان فيه للتأويل - وإنا لنرى قبل ل شيء أن تقوم الصلات على الأدب في بعض ما تقوم عليه، ولن يمر على ذلك عهد إلا ويجيء من بعده ما يكفل للقطرين الشقيقين أن يدفقا على مجرى واحد كما يفعل النيل. لا أن تظل نقرأ ونسمع بإلحاح مصر في سبيل السودان، فنعجب لها وهي

стр. 7236

لا تعرف عنا شيئاً صحيحاً. فان من الخير لنا ولا أن نلتقي الآن على الفكر ونتصل على الأدب من أن نظل هكذا لا صلتُنا بصلة ولا تعارفنا بتعارف، ولا انفصالنا بانفصال. ففي مصر (روابط) للأدب وفيها مجامع للعلم، وعندها شباب مثقف، وفيها صحف كثيرة، فكم هو أنفع لها وأجدى للسودان أن تعنى صحفها بشئونه فتأخذها بالمعالجة، وتكب عليها بالدرس، وتتناول أدبه بالنقد والتحليل فتقارب بين الأدبين وتلائم بين الذوقين. وكم هو خير لنا ولها وأكفل للوحدة، وأبقى على المعرفة أن تبعث البعوث العلمية والأدبية - والاقتصادية كما فعلت الآن - فتحقق من حلم الوحدة بالعمل، وتخرج بأقوالها إلى التنفيذ ام درمان - سودان التيجاني يوسف بشير

стр. 7237

الأنتكيرة هي أنكلتيرة للأستاذ عبد المتعال الصعيدي نعود إلى الكتابة في هذا الموضوع مقتنعين بعد مراجعات طويلة بصحة رأينا أن الأنتكيرة في النص الذي نقلناه عن لسان الدين بن الخطيب في كتابة (الإحاطة) هب انكلتيرة وهي بالقاف بدل الكاف (انتقيرة) اسم مدينة ذكرها ياقوت في معجمه، فقال إنها حصن بين مالقة وغرناطة. ومنها أبو بكر يحيى بن محمد بن يحي الأنصاري الحكيم الانتقيري من أصحاب غانم، روي عنه إبراهيم بن عبد القادر بن شنيع إنشادات قال: كنا مع العجوز الشاعرة المعروفة بابنة ابن السكان المالقية، فمر علينا غراب طائر فسألناها أن تصفه فقالت على البديهة: ملا غراب بنا … يمسح وجه الربى قلتُ له مرحباً … يا لون شعر الصبا وقد ذكر القلقشندي في صبح الأعشى (ص ٢٦٩ ج٥) الحادثة التي ذكرها لسان الدين بن الخطيب، فقال إنه لما هلك الهُنْشة بن بطرة سنة ٧٥١هـ في الطاعون الجارف ولي ابنه بطرة، وفر ابنه القمط إلى بَرْشَلونة، فاستجاش صاحبها على أخيه بطرة فأجابه، وزحف إليه بطرة فاستولى على كثير من بلاده، ثم كان الغلب لقمط سنة ٧٦٨هـ، واستولى على بلاد قشتالة، وزحفت إليهم أمم النصرانية، ولحق بطرة بأمم الفرنج الذين وراء قشتالة في الجوف بجهة الليمانية وبرطانية إلى ساحل البحر الأخضر وجزائره، فزوج بنته من أبن ملكهم الأعظم المعروف بالبنس غالس وأمده بأمم لا تحصى، فملك قشتالة والقرنتيرة، واتصلت الحرب بعد ذلك بين بطرة وأخيه القمط، إلى أن غلبة القمط وقتله سنة ٧٧٢هـ واستولى القمط على ملك بني أدفونس أجمع، واستقام له أمر قشتالة، ونازعه البنس غالس مالك الإفرنجة بابنه الذي هو من بنت بطرة، وطلب له الملك على عادتهم في تمليك ابن البت، واتصلت الحرب بينهما، وشغله ذلك عن المسلمين، فامتنعوا عن أداء الإتاوة التي كانوا يؤدونها إلى من كان قبله، وهلك القمط سنة ٧٨١هـ وهذا النص الذي ذكره القلقشندي فيه ما يمكن به الاهتداء في أمر أمة الأنتكيرة التي وصفها لسان الدين بن الخطيب، ولكن فيه غموضاً في سرد تلك الحوادث لبعدها عن

стр. 7238

القلقشندي، وقد كانت حوادث جديدة في عصره لم يتقرر أمرها ولم تدون في كتاب من كتب القوم الذين كانت في بلادهم وقائعها وإنا نسوق من تاريخ هؤلاء القوم الحوادث التي اكتنفت هذه الحوادث التي وردت في ذينك الكتابين (الإحاطة) ز (صبح الأعشى) معتمدين في ذلك على كتاب تاريخ ملوك فرنسا لمونيغورس الفرنسي من مؤرخي القرن التاسع عشر الميلادي، وعلى كتاب تاريخ إنجلترا الجورجي زيدان كان أدورد الثاني ملك إنجلترا زوجاً لايزابيلة أخت كرلوس ملك فرنسا (١٣٢٢ - ١٣٢٨م) فأرسل إليه أدورد الثاني ابنه برنس غالس ليهدي إلى فرنسة دوقية غيانة، فسافر إلى فرنسا وأدى ما كلفه به والده ثم انقضى عهد أدورد الثاني على إنجلترا، وقام بعده ابنه أدورد الثالث وهو ابن إيزابيلة أخت كرلوس ملك فرنسة، وكان كرلوس قد توفي وقام بعده على ملك فرنسة ابن عمه فيلبس دوولواس، فنازعه أدورد الثالث هذا الملك، ورأى أنه أحق به منه لأنه ابن أخت كرلوس، وأما فيلبس فليس هو إلا ابن عمه، وقد أعان أدورد الفلمند على فليبس وحملهم على مبايعته بملك فرنسة سنة ١٣٤٠م، ويقال إنه في ذلك الحين تقلب ملوك إنجلترا بملوك فرنسة وحملوا أسلحتهم ثم اتصلت الحروب بين أدورد الثالث وملوك فرنسة، وقد أرسل إليها ابنه أدورد برنس غالس (أوف ويلس) وكان يعرف بالأمير الأسود لسواد دروعه وأسلحته فاستولى على بعض أقاليمها، وأسر ملكها يوحنا لوبون سنة ١٣٥٥م ثم أقام فيها حاكماً عليها، وقد بعث في مدة إقامته بها حملة إلى أسبانيا لمساعدة بيدرو الظالم فتحمل بسببها ديوناً كثيرة أدت إلى اعتلال صحته، ثم حارب محاربة أخرى فاز بها، ولكنه لم ينل جزاء عليها، ثم حدث ما ألجأه إلى السفر إلى إنجلترا، فمات بها عن ولد اسمه ريكاردوس فضعفت شوكة إنجلترا في فرنسو، ولم يبق إلا قليل منها في طاعة أدورد الثالث، وقد أثر فيه موت ابنه حتى مات حزناً عليه سنة ١٣٧٦م بعد وفاة ابنه بسنة وخلفه ورتشرد الثاني (ريكاردوس) ابن الأمير الأسود وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان قد قام في فرنسة كرلوس الخامس (١٣٦٤ - ١٣٨٠م) واستعان في أمره بالفارس المعروف (براتراندد غسقلين) وما زال يترقى هذا

стр. 7239

الفارس حتى صار أمير الجيوش الفرنسية، وجرت له حروب مع الإنجليز أسروه فيها ثم ردوه إلى بلاده، فأرسله كرلوس إلى إسبانيا سنة ١٣٦٦م ليعاقب بطرس لوكريل (الجبار) ملك قسطيلة (قشتالة)، وكانت رعيته قد كرهته، وثقل ظلمه عليها، فخلعه وولى بدله أخاه هنري داتر نستمارة، وقد اصطحب دغلسقين معه في تلك الغزوة عصابات من الجنود التي كانت قائمة بحفظ البلاد الفرنسية التي تركت للإنكليز، فلما انقضت مهمتهم تجمعوا أحزاباً، وصاروا يعيثون في أرض فرنسة، فأنقذها دغسقلين منهم بأخذهم معه إلى إسبانيا وإلحاقهم بجند هنري الذي أقامه ملكاً عليها وكان يعاصر ملوك فرنسة وإنكلترا المذكورين من ملوك قشتالة الفونس الحادي عشر (١٣١٢ - ١٣٥٠م) وبيدرو (١٣٥ - ١٣٦٨م) وهنري الثاني (١٣٦٨ - ١٣٧٩م) ولا شك أن الفونس الحادي عشر هو الهنشة ابن بطرة الذي ذكر القلقشندي أنه مات في الطاعون الجارف سنة ٧٥١هـ وهي توافق سنة ١٣٥م، وأن بيدرو هو بطرة بن الهنشة الذي ملك بعد أبيه في هذه السنة إلى أن قتل سنة ٧٧٢هـ على ما ذكره القلقشندي وهي توافق سنة ١٣٧٠ن، ولعل قتله كان سنة ٧٧٠هـ لأنها هي السنة التي توافق سنة ١٣٦٨م، وأن هنري الثاني هو أخوه القمط الذي ذكر القلقشندي أنه مات سنة ٧٨١هـ وهي توافق سنة ١٣٧٩م وقد كانت المنافسة قائمة في ذلك العصر بين فرنسة وإنجلترا، ولكل من الدولتين أنصار من الدول الأوربية، وكانت أحوال السياسة ف هذا العصر قائمة على هذه المنافسة، فلما قان النزاع على ملك أسبانيا بين ابني الفونس الحادي عشر (بيدرو وهنري) أنضم بيدرو إلى إنجلترا، وانضم هنري إلى فرنسة، ولا شك أن تلك الحملة الفرنسية التي أرسلها كرلوس الخامس فرنسة كانت من المساعدات التي لقيها هنري (القمط) حينما التجأ إلى ملك برشلونة، فأمده بجيش من عنده وزحف على أخيه بأمم من النصرانية كان منها تلك الحملة الفرنسية لأن تاريخها الميلادي (١٣٦٦م) يوافق السنة الهجرية التي ذكر القلقشندي أن القمط تغلب فيها على أخيه بطرة (سنة ٧٦٨هـ) أما الإنكليزية التي وجهها لبرنس غالس (أوف ويلس) إلى أسبانيا حينما التجأ إليه بطرة بن الهنشة فكانت بعد الحملة الفرنسية السابقة وبها تمكن بطرة من خلع أخيه القمط والاستيلاء

стр. 7240

على ملك أسبانيا إلى أن قتله أخوه القمط سنة ٧٧٢هـ أو سنة ١٣٦٨م والفرق بينهما سنتان على ما قدمنا، وجنوده هذه الحملة هي جنود الانتكيرة التي أعجب ابن الخطيب في كتاب (الإحاطة) بقتالها، ولا يصح بعد هذا شك في أن الأنتكيرة هي أنكلتيرة كما هو رأينا عبد المتعال الصعيدي

стр. 7241

في تاريخ الأدب المصري ٤ - ابن النبيه للأستاذ أحمد أحمد بدوي تتمة المدح والغزل أهم ما طرقه من الأغراض، أما الوصف فانه يأتي عرضاً غير مقصود، وقد وصف لنا ما تبتهج به نفسه من مُتع كما ذكرنا، وأما الرثاء فهو جيد وإن كان قليلاً، وهو يجيد الرثاء والعزاء، استمع إليه حين يرثي ويعزي قائلاً: الناس للموت كخيل الطراد … فالسابق السابق منها الجواد والموت نقاد، على كفه … جواهر يختار منها الجياد مصيبة أذكت قلوب الورى … كأنما في كل قلب زناد يا ثالث السبطين خلفتني … أهيم من همي في كل واد ويا ضجيع الترب أقلقتني … كأنما فرشي شوك القتاد دفنت في الترب ولو أنصفوا … ما كنت إلا في صميم الفؤاد خليفة الله اصطبر واحتسب … فما وهى البيت وأنت العماد في العلم والحلم بكم يقتدي … إذا دجا الخطب وضل الرشاد ولعل الظروف التي أحاطت به لم تلجئه إلى الهجاء، ولذ لا نعثر عليه فيما بين أيدينا من شعر - ٦ - يمتاز شعر ابن النبيه بالسهولة والرقة والعذوبة، سهولة تذكرنا بديباجة البحتري العذبة في نقاء والسلسة في امتناع، وهو مع سهولته يرتفع عن الأسلوب العامي إلا في النادر جداً، حين يجد التعبير العامي هو التعبير الذي يؤدي المعنى الكامن في نفسه تماماً، ولكنه مع ذلك يهذبه ويشذب أطرافه حتى يعلو ويرتفع. وهناك ظاهرتان أخريان فيه: أولاهما استخدامه كثيراً من الكلمات الفارسية في شعره، ولعل لمعيشته بالجزيرة وقربه من بلاد الفرس، ولحبه التجديد والتظرف أثراً في ذلك كبيراً، فأنت تسمع في شعره كلمة الملاذ

стр. 7242

معرب اللاد وهو قماش حرير لطيف جداً، وتسمع كلمة الكلهبند وهي مركبة من كله وهو اسم لما يلبس فوق الرأس وبند وهي بمعنى رابط، ومجموعهما اسم لما يشد به ما على الرأس إلى الذقن لئلا يقع، ويستعمل كلمة جوكانه بمعنى صولجانة وغير ذلك. وأخراهما ما تراه في شعره كما تراه في شعر غيره من المصريين من حب للبديع وافتتان بأنواعه وفنونه؛ ولقد أغرم شاعرنا بتلك الأنواع البديعية، ولاسيما الطباق والاقتباس وحسن التعليل واللف والنشر ومراعاة النظير والجناس والتلميح، كقوله: تبسم عن منظوم در، فان … تكلمت جاءت بمنثور وقوله: إن جنحوا للسلم فاجنح لها … ما خدع الحرب بتقصير وقوله يصف الخمر: بكر إذا ابن سماء مسها لبست … ثوب الحباب حياء منه واتشحت وقوله: فالناس بين بنانه وبيانه … في نعمتين رغائب وغرائب وقوله: عزيز يوسفي الحس … ن لم يُشر ولم يسجن قد ابيضت به عيني … وللمهجور أن يحزن ولقد كان حينما يمدح القاضي الفاضل يتأنق ويجتهد الاجتهاد كله في الصناعة اللفظية شأنه في ذلك شأن غيره ممن اتصل بالقاضي ومدحه، ولقد نظم فيه قصيدة استخدم الاقتباس في كل أبياتها واقتبس من سورة المزمل إذ قال: قمت ليل الصدود إلا قليلا … ثم رتلت ذكرهم ترتيلا ووصلت السهاد أقبح وصل … وهجرت الرقاد هجراً جميلا مسمعي كل عن كلام عذولي … حين ألقي إليه قولاً ثقيلا وفؤاد قد كان بين ضلوعي … أخذته الأحباب أخذاً وبيلا قل لراقي الجفون إن لعيني … في بحار الدموع سبحاً طويلا الخ وعلى هذا المنوال نسج قصيدته، وذلك غير مستغرب على رجل يخاطب القاضي الفاضل

стр. 7243

الذي كان زعيم الطريقة التي تعني بالصناعة والبديع. غير أنه لا ينبغي أن نظن أن استخدامه البديع أضاع من جمال الشعر أو حط من قيمته، فشاعرنا لبق يجيد استخدام البديع من غير أن يؤثر في جمال الشعر وروعته. هذا ولشاعرنا بعض موشحات ليست بقوية ولا رائعة، وهي أضعف من شعره العادي، وأحدها ينطق بدون إعراب، ولعل محاولته في الموشحات لم تنجح فانصرف عنها ولم يكثر من الموشحات، كما أنه خرج على أوزان الشعر العربي القديم قليلاً حينما كان يقول شعراً من الدوبيت، وهو وزن لم يستعمله العرب القدماء وغنما اخترعه المولدون - ٧ - فاتني أن أذكر لك اسم شاعرنا، وأنه أبو الحسن علي بن الحسن بن يوسف بن يحيى، ويلقب بكمال الدين، ويكنى بابن النبيه، وفاتني أن أقول لك: إنه كان حاضر البديهة حسن التعليل، ويذكرون من ذلك أنه رأى الأشرف يوماً يرتعش بالحمى، فنظم على البديهة وأنشده: تباً لَحماك التي … كست فؤادي ولها! هل سألتك حاجة … فأنت تهتز لها؟ ومرة انكسر يراع الأشرف وهو يكتب فالتمس غيره فلم يجد فقاله له: أقلامك يا كمال قليلة، فنظم ارتجالاً قوله: قال الملك الأشرف قولاً رشداً=أقلامك يا كمال قلت عددا ناديت لطول كتب ما تطلقه … تحفى وتقط فهي تفنى أبدا ومرة غُنى بين يدي الملك العزيز دوبيت بالعجمية معناه أنه جعل الليل برد دارا للحبيب ليحجب الشمس، فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره أن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فأنشد كل منهم ما ورد عليه، ودخل ابن النبيه على الوزير، فطلب منه أن يعمل في ذلك، فاستمهله فأبى فقال: قلت لليل إذ حباني حبيباً … وغناء يسبي النهى وعقارا أنت ياليل حاجبي فامنع الصب_ح وكن أنت يا دجى برد دارا وبرد دارا فارسي معرب معناه الحاجب، والغناء بالفارسية قد يفسر لنا وجهاً من الوجوه

стр. 7244

التي أدخلت الكلمات الفارسية في شعر ابن النبيه، ولسرعة بديهته تلك كان الملك الأشرف كثيراً ما يطلب منه قول الشعر ارتجالاً في أي موضوع يعن له سكن ابن النبيه نصيبين، وهي مدينة في شال الجزيرة بعد أن غادر مصر، وبعد نحو ستين عاماً من مولده (إذ أنا نعلم تاريخ ميلاده على وجه التعين) مات ابن النبيه في اليوم الحادي والعشرين من جمادي الأولى سنة تسع عشرة وستمائة (تم البحث) أحمد أحمد بدوي

стр. 7245

صور من أدب السودان قصيدة نقدية للأستاذ عبد الله عبد الرحمن العروبة تنكر من وادي العروبة مورد … فلا الزهر مُفتر ولا الغضن أملدُ ولا ماؤه ينساب بين رياضة … ولا الطير في أفنانهن تغرد وقفتُ على الوادي مليا فهزني … وبدد شملي شمله المتبدد مضى متنبيه وحسان دوحه … وغاب معريه الحكيم المجدد أسائله: أين الذين تحدثوا … اليك وفي هذا المكان ترددوا على ظلك الضافي جلوس وكلما … أهاب بهم داعي السماحة أنشدوا أحمد زكي باشا كأن لم يكن شيخ العروبة نازلاً … به ولهاً من علمه متزود زكي! نصير العرب في كل موطن … بهول، وماضيها الذي تتقلد عليك سلام الله أحمدُ، هامداً، … وأستغفر المولى، فما الفضل يهمد وكان الرجال العبقريون إن قضوا … بما لهمُ من شامل النفع خلدوا لقد كنت برا بالعروبة كلها … وفي نصرها قد كنت لا تتردد إذ طلع الغرب الحديث بآية … من العلم كبرى وازدهاه التفرد عمدت التاريخ تسأله حكمه … وأثبت أن العرب من قبل مهدوا فساحوا وطاروا في السماء ويممت … سفينهم الكونَ الجديد وأصعدوا الفوضى وفوضى على الأكوان جرت ذيولها … وبات يعانيها مَسود وسيد مظاهرها في كل نادٍ، وإنما … عواقبها موت الشعور المؤكد فشت في زمان فاض غدراً بأهله … ودب إلى آدابهم فيه مٌرقد لنا لغة أما بنوها فأنكروا … فضائلها والمنكر الحق ملحد

стр. 7246

همو جهلوا منها علوماً كثيرة … وفاتهمو منها المعين المجدد وما قدروها في اللغى حق قدرها … وكانوا أناساً للأباعد أخلدوا وآياتها في كل يوم وليلة … تثنى، ولكن بالمحامد تفرد أرادوا، وظلم ما أرادوه بين، … بما لم يكونوا فاعلين ليحمدوا إذا نظروا للأقدمين مقالة … ولم يفهموا، قالوا: كلام معقد وإن لمتهم يوماً أشاحوا بوجههم … وأرغوا كما يرغى البعير وأزبدوا همو زعموا أن الزمان مؤخرٌ - وما لزمان في تأخرنا يد ولكنه لما وهى حبل خُلقنا … مشينا كما يمشي الأسير المقيد لقد مُنيت أم اللغات بفتيةٍ … طعام على أعلامها تتمرد وقد أشربوا حب الأعاجم فانبروا … إلى هذه الفصحى سهاماً تسدد تواصوا بسرٍ وهو كتمان فضلها … وقالوا بأنا معشر لا تقلد وقالوا لقد ضاقت عن العصر حاجها … وفي وجهها باب الثقافة يوصد وقالوا بأنا أنجبتنا معاهد … وأوحت إلينا يا بني العصر جددوا وما هو تجديد فنكبر أمره … ولن دعاوى منهمو وتزيد وهل ينبغي التجديد إلا لعالم … له في فنون الضاد رأي مسدد؟ قضى زمناً في البحث والدرس جاهداً … فقرت له الفصحى بما هو مًورد حوى قصبات السبق في جيله وهل … حوى قصبات السبق كسلان قٌعْدُد أقول لمن قالوا شهدت لها وقد … تغاليتَ فيها. لكن الله يشهد وهل كان إلا الله داع لرفعها … وبنائها إلا النبي محمد أرى الخرق يزداد أتساعاً بثوبها … وعارٌ علينا ثوبها يتقدد تمسك قوم بالجديد فاتهموا … وعُلق بالعادي قوم فأنجدوا وبين الفريقين استحرت كما ترى … حروب. وخوفي أنها ليس تخمد فما لبني الضاد الكريم تفرقت … بهم سبل والحق لا يتعدد ومرشدهم ضل الطريق فما عسى … يكون سوى الخسران إن ضل مرشد؟ الشعر

стр. 7247

لعمرك إن الشعر أضحى مخنثاً … قوافيه من تحنانها تتأود وأصبح غثاً في الركاكة ضارباً … بسهم، وعما سنت العُرب يبعد وأمعن في لين وبخس مطالبٍ … وكاد على أيدي التشاعر يجمد لقد خمدت بالقوم نار حميةٍ … تلظى، وخوفي أنها ليس توقد فحتى متى تغفى الجفون على القذى … وحتى متى نُعنى بما ليس يحمد إذا ما أسود الغاب خلت ذئابها … تعيث فان الحرث والنسل يفسد لقد هاجني أني أرى الروض باسما … ولست أرى فيه بلابل تغرد وقد هاجني أني أرى الربع مقفراً … وليست له أنفاسنا تتصعد إذا الشعر لم يترك بقلبك روعة … فلا هو سيار ولا هو جيد وإن هو لم ينهض بأعباء أمةٍ … فذاك هراء ميت قبل ينشد وإن أنت لم تذعن لآيات سحره … فقل إنني بين الخلائق جلمد؟ إذا ما شياطين النفاق تمردت … بأرض فباسم الشعر في الأرض تطرد كتاب العصر ولا أكذب الرحمن، في العصر أنجم … حماة لها، من غيرة تتوقد وصيابة أدت أمانة قومها … وقامت على ضوء (الرسالة) ترشد يطالعنا (الزيات) فيها بنافعٍ … من القول لا يطغى ولا يتقيد (وهيكل) في أثوابه أي كاتبٍ … خصيب إلى خير الأساليب يعمد ولله طه بن الحسين فانه … على نثره الفذ الخناصر تعقد وان تذكر الكتاب فاذكر غريبهم … (شكيباً) ففي آثاره ما يخلد حمى حوزة الدين الحنيف وغادرت … جواثبه الدنيا تقوم وتقعد شعراء العصر (ومطران) يسمو للخيال مصعيداً … فيألفه وحشية المتأبد ويعجبني شعر (الهراوي) فإنه … رصين قويم ليس فيه تجعد جميل الزهاوي والرصافي كلاهما … هو اليم في آذيه يتزبد

стр. 7248

أقاما بأرض الرافدين ليرفدا … وودا لو أن الناس طرا تبغددوا السودان وكانت لنا في غابر الأمس نهضة … مباركة لا اللهو منها ولا الدد فعبد الرءوف و (الخطيب) كلاهما … له بيننا الفضل الذي ليس يجُحد هما حركا منا النفوس وأنشرا … علوماً على أضوائها اليوم نصعد وقد طالما هزا النفوس بطيب … من القول يرضاه الوليد وأحمد ولاحا على الخرطوم نجمي مغارفٍ … به وعوادي الدهر إذ ذاك تولد وفي اليوم قد شابت وشب وليدها … ومارسها منا كبير وأمرد وذلك عهد قد سعدنا بظله … لو أن الكريم الحرفي الدهر يسعد فآليت لا أنسى له فضل نعمة … علي، وللإحسان مني ممجد أولئكم الكتاب آساس نهضة … وكنز ثمين للثقافة يرفد هم العائشون في نفوس كثيرةٍ … وفي كل قطر من صنائعهم يد تخيرتهم بين الأنام لفضلهم … وأكبرتهم إن كنت للناس أنقد إلى العرب بني العرب في السودان والشرق كله … بكم ولكم يوري زنادي ويصلد أفيقوا فان الوقت سيق مجرد … عليكم ووقت الناس في الغرب عسجد إذا لم نشخص داءنا فدواؤنا عسير وفي إغفاله ما يهدد يهدد نهضات بدت في شبابنا … جديداً وخوفي أنها سوف ترقد علوم اللسان لو علمتم كثيرة … وفي جهلها ترك لما هو أوكد وأولها أن تروي الشعر ناصعاً … عن العرب لا يسمو إليه المولد وأن تقتل الألفاظ فهماً وتنتقي … أحاسنها يوم الكتابة تقصد فيا ليت شعري هل ملأتم وطابكم … من العلم حتى تكرموا وتمجدوا؟ هلموا نوادي العلم في كل بلدة … تقول لكم إن الطريق معبد إلى حاملي الأقلام من كل ملة … إلى العرب في أي الأماكن توجد

стр. 7249

نظمت لكم مما أحس قوافيا … لعل أماني اليوم يأتي بها الغد وهيهات يسمو للكرامة في الورى … أديب عن الإنتاج في الفن يقعد فان تنصروا العرب الأكارم تنصروا … وإن تخذلوها فالبقية تفقد أناس متى ما تطلب مشبهاً لهم … طلبت من الأشياء ما ليس يوجد الخرطوم - سودان عبد الله عبد الرحمن

стр. 7250

قصة أميرة مصرية للأديب حسين شوقي جلس الإله أوزيريس قاضي قضاة (الأمنتي) وهو الذي يحاسب الموتى في أعمالهم في الحياة الدنيا، إلى مكتبه يراجع ملفات بعض الموتى، وكانت نافذة المكتب تشرف على حدائق (الأورو) الغناء حيث حجم الزهور أضعاف حجم زهورنا الأرضية، ولكن أوزيريس لم يبال المنظر الجميل الذي أمامه، لأنه كان مشغولاً بمراجعة قضايا الموتى، وقد استلفت نظره على وجه خاص الملف الآتي، وهو لخادم شاب من أهالي منفيس. يقول صاحب الملف: أنا (سبدو) بن (واخ) كنتُ خادماً في قصر الأميرة العظيمة تتا بمنفيس. . . أي أوزيريس! سيد (الأمنتي) إني أنشر قصتي بين يديك: أنا (سبدو) بن (واخ) هربتُ من المدينة وذهبت إلى الصحراء، حيث قتلت نفسي بيدي لتأكل جسدي الوحوش حتى لا أبعث، لأني لا أرغب في هذا البعث، بل لا أستحقه. . وكتبتُ هذه الوثيقة خشية أن أبعث على الرغم مني، وذلك بأن يعثر البدو على جسدي قبل أن تفترسه الوحوش فيحنطوه شفقة منهم. . . فإذا بُعثتُ أي أوزيريس! فعاقبني أشد العقاب. . . إن أقاربي يستطيعون أن يقدموا إليك القرابين ابتغاء مرضاتك والتماس عفوك، ولكن لا تسمع إلى توسلاتهم، لأني مذنب شديد الذنب لا أستحق الشفقة. . . كنتُ بستانياً لدى الأميرة تتا، وهي سيدة عظيمة تعيش بقصرها في عزلة عن العالم منذ أن فقدت زوجها في إحدى الحروب النوبية، ولم تكن لها تسلية غير ابنتها (شفيت)، وهي فتاة جذابة خلابة نضيرة، أشبه بزهرة اللوتس عندما تتفتح في الفجر. . . . . لقد أحببتها لأول وهلة. . إن قلبي كاد يثب من صدري حينما دنوت منها يوماً في الحديقة، وقد نزلت الأميرة تقطف بعض الزهور التي تحبها، وليس غريباً أن تحب الأميرة الزهور، فهي شبيهة بها في نضارتها. . . ساعدتها في القطف حتى لا يدمي الشوك أناملها الطفلة. . . شكرتني الأميرة الصغيرة في ذلك اليوم بابتسامة ساحرة دون أن تنظر إلي، لأني حقير ممعن في الحقارة بالنسبة إليها، وكنتُ فوق ذلك دميماً بل دميماً جداً. . .
следующие страницы →