Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.
стр. 7246
همو جهلوا منها علوماً كثيرة … وفاتهمو منها المعين المجدد
وما قدروها في اللغى حق قدرها … وكانوا أناساً للأباعد أخلدوا
وآياتها في كل يوم وليلة … تثنى، ولكن بالمحامد تفرد
أرادوا، وظلم ما أرادوه بين، … بما لم يكونوا فاعلين ليحمدوا
إذا نظروا للأقدمين مقالة … ولم يفهموا، قالوا: كلام معقد
وإن لمتهم يوماً أشاحوا بوجههم … وأرغوا كما يرغى البعير وأزبدوا
همو زعموا أن الزمان مؤخرٌ - وما لزمان في تأخرنا يد
ولكنه لما وهى حبل خُلقنا … مشينا كما يمشي الأسير المقيد
لقد مُنيت أم اللغات بفتيةٍ … طعام على أعلامها تتمرد
وقد أشربوا حب الأعاجم فانبروا … إلى هذه الفصحى سهاماً تسدد
تواصوا بسرٍ وهو كتمان فضلها … وقالوا بأنا معشر لا تقلد
وقالوا لقد ضاقت عن العصر حاجها … وفي وجهها باب الثقافة يوصد
وقالوا بأنا أنجبتنا معاهد … وأوحت إلينا يا بني العصر جددوا
وما هو تجديد فنكبر أمره … ولن دعاوى منهمو وتزيد
وهل ينبغي التجديد إلا لعالم … له في فنون الضاد رأي مسدد؟
قضى زمناً في البحث والدرس جاهداً … فقرت له الفصحى بما هو مًورد
حوى قصبات السبق في جيله وهل … حوى قصبات السبق كسلان قٌعْدُد
أقول لمن قالوا شهدت لها وقد … تغاليتَ فيها. لكن الله يشهد
وهل كان إلا الله داع لرفعها … وبنائها إلا النبي محمد
أرى الخرق يزداد أتساعاً بثوبها … وعارٌ علينا ثوبها يتقدد
تمسك قوم بالجديد فاتهموا … وعُلق بالعادي قوم فأنجدوا
وبين الفريقين استحرت كما ترى … حروب. وخوفي أنها ليس تخمد
فما لبني الضاد الكريم تفرقت … بهم سبل والحق لا يتعدد
ومرشدهم ضل الطريق فما عسى … يكون سوى الخسران إن ضل مرشد؟
الشعر
стр. 7247
لعمرك إن الشعر أضحى مخنثاً … قوافيه من تحنانها تتأود
وأصبح غثاً في الركاكة ضارباً … بسهم، وعما سنت العُرب يبعد
وأمعن في لين وبخس مطالبٍ … وكاد على أيدي التشاعر يجمد
لقد خمدت بالقوم نار حميةٍ … تلظى، وخوفي أنها ليس توقد
فحتى متى تغفى الجفون على القذى … وحتى متى نُعنى بما ليس يحمد
إذا ما أسود الغاب خلت ذئابها … تعيث فان الحرث والنسل يفسد
لقد هاجني أني أرى الروض باسما … ولست أرى فيه بلابل تغرد
وقد هاجني أني أرى الربع مقفراً … وليست له أنفاسنا تتصعد
إذا الشعر لم يترك بقلبك روعة … فلا هو سيار ولا هو جيد
وإن هو لم ينهض بأعباء أمةٍ … فذاك هراء ميت قبل ينشد
وإن أنت لم تذعن لآيات سحره … فقل إنني بين الخلائق جلمد؟
إذا ما شياطين النفاق تمردت … بأرض فباسم الشعر في الأرض تطرد
كتاب العصر
ولا أكذب الرحمن، في العصر أنجم … حماة لها، من غيرة تتوقد
وصيابة أدت أمانة قومها … وقامت على ضوء (الرسالة) ترشد
يطالعنا (الزيات) فيها بنافعٍ … من القول لا يطغى ولا يتقيد
(وهيكل) في أثوابه أي كاتبٍ … خصيب إلى خير الأساليب يعمد
ولله طه بن الحسين فانه … على نثره الفذ الخناصر تعقد
وان تذكر الكتاب فاذكر غريبهم … (شكيباً) ففي آثاره ما يخلد
حمى حوزة الدين الحنيف وغادرت … جواثبه الدنيا تقوم وتقعد
شعراء العصر
(ومطران) يسمو للخيال مصعيداً … فيألفه وحشية المتأبد
ويعجبني شعر (الهراوي) فإنه … رصين قويم ليس فيه تجعد
جميل الزهاوي والرصافي كلاهما … هو اليم في آذيه يتزبد
стр. 7248
أقاما بأرض الرافدين ليرفدا … وودا لو أن الناس طرا تبغددوا
السودان
وكانت لنا في غابر الأمس نهضة … مباركة لا اللهو منها ولا الدد
فعبد الرءوف و (الخطيب) كلاهما … له بيننا الفضل الذي ليس يجُحد
هما حركا منا النفوس وأنشرا … علوماً على أضوائها اليوم نصعد
وقد طالما هزا النفوس بطيب … من القول يرضاه الوليد وأحمد
ولاحا على الخرطوم نجمي مغارفٍ … به وعوادي الدهر إذ ذاك تولد
وفي اليوم قد شابت وشب وليدها … ومارسها منا كبير وأمرد
وذلك عهد قد سعدنا بظله … لو أن الكريم الحرفي الدهر يسعد
فآليت لا أنسى له فضل نعمة … علي، وللإحسان مني ممجد
أولئكم الكتاب آساس نهضة … وكنز ثمين للثقافة يرفد
هم العائشون في نفوس كثيرةٍ … وفي كل قطر من صنائعهم يد
تخيرتهم بين الأنام لفضلهم … وأكبرتهم إن كنت للناس أنقد
إلى العرب
بني العرب في السودان والشرق كله … بكم ولكم يوري زنادي ويصلد
أفيقوا فان الوقت سيق مجرد … عليكم ووقت الناس في الغرب عسجد
إذا لم نشخص داءنا فدواؤنا عسير وفي إغفاله ما يهدد
يهدد نهضات بدت في شبابنا … جديداً وخوفي أنها سوف ترقد
علوم اللسان لو علمتم كثيرة … وفي جهلها ترك لما هو أوكد
وأولها أن تروي الشعر ناصعاً … عن العرب لا يسمو إليه المولد
وأن تقتل الألفاظ فهماً وتنتقي … أحاسنها يوم الكتابة تقصد
فيا ليت شعري هل ملأتم وطابكم … من العلم حتى تكرموا وتمجدوا؟
هلموا نوادي العلم في كل بلدة … تقول لكم إن الطريق معبد
إلى حاملي الأقلام من كل ملة … إلى العرب في أي الأماكن توجد
стр. 7249
نظمت لكم مما أحس قوافيا … لعل أماني اليوم يأتي بها الغد
وهيهات يسمو للكرامة في الورى … أديب عن الإنتاج في الفن يقعد
فان تنصروا العرب الأكارم تنصروا … وإن تخذلوها فالبقية تفقد
أناس متى ما تطلب مشبهاً لهم … طلبت من الأشياء ما ليس يوجد
الخرطوم - سودان
عبد الله عبد الرحمن
стр. 7250
قصة أميرة مصرية
للأديب حسين شوقي
جلس الإله أوزيريس قاضي قضاة (الأمنتي) وهو الذي يحاسب الموتى في أعمالهم في الحياة الدنيا، إلى مكتبه يراجع ملفات بعض الموتى، وكانت نافذة المكتب تشرف على حدائق (الأورو) الغناء حيث حجم الزهور أضعاف حجم زهورنا الأرضية، ولكن أوزيريس لم يبال المنظر الجميل الذي أمامه، لأنه كان مشغولاً بمراجعة قضايا الموتى، وقد استلفت نظره على وجه خاص الملف الآتي، وهو لخادم شاب من أهالي منفيس. يقول صاحب الملف:
أنا (سبدو) بن (واخ) كنتُ خادماً في قصر الأميرة العظيمة تتا بمنفيس. . .
أي أوزيريس! سيد (الأمنتي) إني أنشر قصتي بين يديك: أنا (سبدو) بن (واخ) هربتُ من المدينة وذهبت إلى الصحراء، حيث قتلت نفسي بيدي لتأكل جسدي الوحوش حتى لا أبعث، لأني لا أرغب في هذا البعث، بل لا أستحقه. .
وكتبتُ هذه الوثيقة خشية أن أبعث على الرغم مني، وذلك بأن يعثر البدو على جسدي قبل أن تفترسه الوحوش فيحنطوه شفقة منهم. . . فإذا بُعثتُ أي أوزيريس! فعاقبني أشد العقاب. . .
إن أقاربي يستطيعون أن يقدموا إليك القرابين ابتغاء مرضاتك والتماس عفوك، ولكن لا تسمع إلى توسلاتهم، لأني مذنب شديد الذنب لا أستحق الشفقة. . .
كنتُ بستانياً لدى الأميرة تتا، وهي سيدة عظيمة تعيش بقصرها في عزلة عن العالم منذ أن فقدت زوجها في إحدى الحروب النوبية، ولم تكن لها تسلية غير ابنتها (شفيت)، وهي فتاة جذابة خلابة نضيرة، أشبه بزهرة اللوتس عندما تتفتح في الفجر. . . . .
لقد أحببتها لأول وهلة. . إن قلبي كاد يثب من صدري حينما دنوت منها يوماً في الحديقة، وقد نزلت الأميرة تقطف بعض الزهور التي تحبها، وليس غريباً أن تحب الأميرة الزهور، فهي شبيهة بها في نضارتها. . . ساعدتها في القطف حتى لا يدمي الشوك أناملها الطفلة. . . شكرتني الأميرة الصغيرة في ذلك اليوم بابتسامة ساحرة دون أن تنظر إلي، لأني حقير ممعن في الحقارة بالنسبة إليها، وكنتُ فوق ذلك دميماً بل دميماً جداً. . .
стр. 7251
أي أوزيريس! كم عذبني الحب! إن شياطينك القادرة لم يكن في استطاعتها أن تفعل بي مثل ما فعل الحب. . .
كنت أقضي الليل مؤرقاً، بل مختبئاً وراء الأشجار عند نافذة الأميرة، أتلمس رؤيتها. .
كم ليال لذعني فيها البرد القارس وأنا في مخبئي أشتهي ضم ذلك الإنسان الجميل، ولكن بلا أمل، كما يشتهي الهر ضوء القمر وهو منعكس على المستنقع، وقد حسبه لبناً في طبق. . .!
ولقد أصبت بغيرة شديدة من جراء هذا الحب. . بلغ من غيرتي على الأميرة أني كنت أغضب حينما تنظر هي من نافذتها إلى القمر، لأني تخيلت أن القمر يبتسم لها ويغازلها. . صعقت يوماً بنبأ خِطبة الأميرة إلى أحد أقارب فرعون. . . فكرت في أول الأمر أن أقتل نفسي، ولكن الغيرة التي أنشبت مخاليها في قلبي، أمرتني بقتل الأميرة قبل أن أقتل نفسي، حتى لا ينعم بها أحد. . .
وإليك أوزيريس كيف نفذت جريمتي:
نزلت الأميرة يوماً إلى الحديقة تقطف زهراً، فدنوت منها أساعدها وقلت:
اميرتي، إن عندي سراً عظيماً، هل تأذنين لي أن أفضي به إلي؟
قالت في شيء من الاهتمام: وما هذا السر؟
قلت: عثرت على كنز عظيم يحوي أساور من الذهب، وأقراطاً من الفضة، وخواتم من اللازورد. . . فقاطعتني قائلة في اهتمام شديد هذه المرة، لأن للنساء ضعفاً أمام الحلي كما تعلم
- وأين الكنز؟ إلي به!
قلت: إذا شئت يا أميرتي ذهبت بك إليه.
قالت: وهل مكانه بعيد؟
- قلت: كلا! إنه على مسافة قليلة من القصر
قالت: أين هو؟
قلت: في الصحراء
قالت: لنذهب على الفور، اذهب فناد وصيفتي لتصطحبنا. .
стр. 7252
قلت: أرجو أن تأتي وحدك يا سيدتي، إذ يجب أن يبقي أمر الكنز مكتوباً، لأن فرعون لو علم به استولى عليه؟؟
قالت: إذن هيا بنا. .
سرنا في الطريق، وكنت أثناء المسير أود أن أضمنها إلي، ولكن كان لجمالها روعة نهتني عن ذلك. .
ولما بلغنا مكاناً خالياً في الصحراء، أدخلت الأميرة في نفق حفرته بالأمس على سعة مقبرة في جانب الجبل، ثم قلت: إليك الكنز! ولما دخلت الأميرة متشوقة إلى رؤيته، أغلقت عليها النفق بحجر ضخم كنت أعددته بالأمس أيضاً لهذا الغرض، ثم غادرت المكان تواً حتى لا تضعف نفسي في آخر لحظة فأعود عليها. . هاهو ذا جرمي أي أوزيريس! ولكني تمكنت من أن أحرم أي إنسان مساسها والتمتع بها، حتى أنتم معشر الآلهة حلت بينكم وبين الوصول إليها، فقد حرمت الأميرة من التحنيط بهذه الطريقة التي ماتت عليها، فهي لن تبعث في العالم الآخر! وبينما كان أوزيريس منهمكاً في قراءة هذه الوثيقة الغريبة، إذا ولده هوروس الشاب يقبل عليه يطلب منه شيئاً فالتفت إليه أوزيريس وناوله الوثيقة وقال:
اقرأ: أي عقاب يستحقه هذا الرجل؟
فتناول هوروس الوثيقة في امتعاض لأنه لم يأت لهذا الغرض، ولنه ما كاد يبدأ في تلاوتها حتى أهتم اهتماماً عظيماً، وما كاد يتمها حتى ألقى بها جانباً على المكتب وخرج يعدو، ناسياً مطلبه من أبيه:
فتبعه أوزيريس وهو يصيح:
إلى أين؟ إلى أين؟
فقال هوروس: إلى النفق الذي فيه الفتاة فلعلعي أبعثها!
كرمة ابن هانئ
حسين شوقي
стр. 7253
البريد الأدبي
وصية بارتو الأدبية
نذكر أن مسيو لوي بارتو السياسي الفرنسي الكبير الذي قتل في أكتوبر الماضي في مرسيليا إلى جانب الملك اسكندر الربي، قد أوصى بمعظم تركته إلى الأكاديمية الفرنسية التي كان من أعضائها. وفي الأنباء الأخيرة أن الأكاديمية قد قررت بصفتها منفذة لوصية مسيو بارتو، أن تخصص من ريع التركة ثلاث جوائز أدبية كبرى الأولى باسم الفقيد نفسه، وتمنح لأعظم كاتب في العام، والثانية باسم مدام بارتو وتمنح لأعظم كاتبة، والثالثة باسم مكس بارتو ولد الفقيد الذي قتل في الحرب دون الثلاثين، وتمنح لأعظم كاتب من الشبان دون الثلاثين
هذا ومن جهة أخرى فقد تقرر أن تعرض المجموعات الأدبية والفنية التي تركها بارتو للبيع بالمزاد. وتحتوي هذه المجموعات التي أنفق بارتو في جمعها طول حياته على تحف نادرة من مخطوطة ومطبوعة وصور وتماثيل وغيرها
بين الخالدين
توفي أخيراً أحد (الخالدين) أعني عضواً من أعضاء الأكاديمية الفرنسية، وهو المؤرخ الكبير لينوتر توفي في التاسعة والسبعين من عمره بعد حياة حالفة بالبحث والتأليف والكتابة؛ وكان حتى آخر لحظة يقوم بتحرير فصله التاريخي الممتع في جريدة (الطان) تحت عنوان (التاريخ الصغير). وظهر فصله الأسبوعي كالعادة بعد يوم وفاته. ولينوتر اسم مستعار للمؤرخ، واسمه الأصلي هو لوزان تيودور جوسلان. وكان لينوتر من أعلام تلك المدرسة التاريخية الحديثة التي عنيت بالتحقيق والاستقصاء في الدقائق والتفاصيل الشخصية والاجتماعية لأنها ترى فيها أهم ما يلقي الضياء على طبيعة الحوادث والأشخاص، ومن زملائه في تلم المدرسة فونك برنتانو عضو المجمع العلمي، وبيير دي نولهاك عضو الأكاديمية. واشتهر لينوتر بالأخص بكتاباته عن الثورة الفرنسية وعن الشعب الفرنسي والحياة الفرنسية في ذاك العصر، وله في ذلك عدة مؤلفات ورسائل قيمة. منها (أسر ماري انتوانيت وموتها) (المقصلة ومنفذو الأحكام أيام الثورة) (الملك وثورة لافندي) (دي شاربت) وله مجموعة عنوانها (القصور القديمة والوثائق القديمة). وكان
стр. 7254
لينوتر أيضاً صحفياً بارعاً جم الإنتاج يكتب في اشهر الصحف والمجلات. ولبث أعواماً طويلة يكتب مباحثه في (الطان) بعنوان (التاريخ الصغير) وقد انتخب عضواً بالأكاديمية في ديسمبر سنة ١٩٣٢. واستقبلت الأكاديمية نبأ وفاته بالمراسيم المعتادة، وألقي مديرها العامل المسيو هنري بوردو خطاب التأبين للمؤرخ الرال؛ ومما قاله: (إن لينوتر قد تبوأ في عالم المباحث التاريخية مركزاً خاصاً، فهو يتعلق بالأشخاص، والنوادر، والحياة الخاصة، والتفاصيل المغرية أكثر ما يعني بالحوادث وملحقاتها؛ ولقد كان يتمتع بموهبة يحسده عليها كثير من القصصيين: هي موهبة الحياة)
جائزة جر نجوار
لمجلة جر نجوار الفرنسية جائزة سنوية قدرها خمسة آلاف فرنك تمنح كل عام لأحسن أثر (إخباري) (ريبورتاج) يصدر في العام. وقد منحت هذه الجائزة خلال مأدبة عشاء أقيمت جرياً على العادة السنوية لمسيو مارسل جريول عن كتابه الذي ظهر أخيراً عن الحبشة وعنوانه (حارقو الإنسان). ومسيو جريول من العلماء الشبان، تلقى دراسة علمية عالية، وتخصص في مباحث الأجناس البشرية، وساهم في عدة بعثات علمية رسمية أرسلت إلى السنغال والحبشة وغيرهما؛ وله أسلوب علمي جذاب بما يسبغه عليه من البساطة والطابع الصحفي
عيد الربيع القومي في سورية
عقد فريق كبير من طلبة الجامعة السورية والمدرسة التجارية والمدارس الثانوية العالية اجتماعاً بحثوا فيه مشروع إقامة عيد قومي في الربيع، وقد أطلقوا عليه اسم (عيد الربيع القومي)
وسيكون هذا اليوم من الأيام التاريخية، إذ يسير الشباب بشكل مواكب تمثل أزاهير دمشق، وبعض مواكب تمثل مجد العرب الغابر على شاكلة أعياد الربيع في فرنسا
وسيقوم الشاب الأديب السيد أحمد القباني الطالب في مدرسة التجارة العليا برحلة إلى المنطقة الشمالية للاجتماع بإخوانه الشباب والطلبة في الشهباء والبحث معهم في هذا الصدد لجعل هذا العيد عيداً قومياً شاملاً تشترك فيه سائر المناطق السورية في ربيع كل عام
стр. 7255
(عن الجزيرة)
بلاطة أثرية تكشفها السيول في نابلس
كان من جراء السيول التي اجتاحت نابلس أن شف التراب عن بلاطة تاريخية عظيمة الشأن
وقد اهتمت دائرة الآثار في فلسطين بها وأوفدت لجنة فنية فعاينتها وقررت نقلها إلى المتحف وتكليف رجال الفن بترجمة ما نقش عليها
وقد ظهر حتى الآن أن هذه البلاطة نقلت من مكانها الأصلي المجهول حتى الساعة لتبني في السور حيث وجدت، وقد صرح أحد السامريين أن الكتابة المنقوشة عليها هي الوصايا العشر، وقد كتبت بالغة الآرامية التي كتبت بها توراة السامريين
ولا يزال علماء الآثار يفدون المشاهدة هذه البلاطة التاريخية
التي ربما كشفت عن مدينة يهودية قديمة في شرقي نابلس
(عن الأرز)
هل للراغب الأصبهاني ترجمة وافية؟
احتجت إلى ترجمة الراغب الاصبهاني صاحب المفردات (وللمفردات شهرة ومكانة تداني شهرة القاموس ومكانته) و (الذريعة) و (تفصيل النشأتين) و (محاضرات الأدباء) وغيرها من المصنفات الجليلة، ففتشت فيما بين يدي من كتب التراجم، فلم أقف إلا على هذه النتف الصغيرة التي لا تروي غليلاً:
قال الزركلي في الأعلام:
هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل، أديب كبير من العلماء من أهل أصفهان (وتسمى أصبهان) مات سنة ٥٠٢. من كتبه محاضرات الأدباء الخ. .
وقال بغية الوعاة:
(هو المفضل بن محمد الأصبهاني الراغب المصنفات؛ كان في أوائل المائة الخامسة، له مفردات القرآن، وأفانين البلاغة، والمحاضرات وقد وقفت على الثلاثة، وقد كان في ظني
стр. 7256
أن الراغب معتزلي حتى رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي الخ ما نصه: ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تأسيس التقديس في الأصول، أن أبا القاسم الراغب من أئمة السنة وقرنه بالغزالي، قال: وهي فائدة حسنة فان كثيراً من الناس يظنون أنه معتزلي)
وأثبت مثل هذا في آخر الطبعة الميمنية للمفردات نقلاً عن كشف الظنون وغيره، وروي مثله السلطان محمد صديق خان في البلغة
ولم أجد أكثر من ذلك، فأرجو ممن وقف له على ترجمة وافية، أن يتفضل فيبعث بها إلى (الرسالة) أو يرشدنا اليها، ولست أظن أن مثل الراغب تنسى ترجمته أو تضيع!
دمشق
علي الطنطاوي
حول محطة الاذاعة اللاسلكية
. . . مدير مجلة (الرسالة) الغراء
. . . . . . . . . . . وبعد، لقد نشرتم تحت عنوان الإذاعة
اللاسلكية العربية بعدد ٧٥ من مجلتكم فقرة تهم عالم الراديو،
فإنني أشكركم على اعتناكئم هذا، حيث نهتم الرأي العام
المصري لمسألة جديرة بالاهتمام. حقيقة أن المحطة المصرية
لا تفي بالمقصود لأنها على ما أظن محطة إسلامية قبل كل
شيء. وبما أن مصر هي اليوم حاملة لواء الأدب العربي فان
أنظار المسلمين قاطبة متجهة نحو ذلك الوطن المحبوب.
ليست القاهرة قاعدة لمصر فحسب، بل هي عاصمة العالم
الشرقي الباسط جناحيه على أفريقية وآسيا
стр. 7257
إذن ليست المحطة المصرية محطة محلية، بل هي محطة واسعة النطاق، وجدير بمصر أن تكون لها محطة إذاعة تباهي بها أرقى الأمم. وبها تتغلب موجاتها الفائضة بالفصحى على الموجات الأعجمية كي تنال الحظ الوافر من الأثير. إلا يكفي العالم الغربي استعماره الأرض حتى يبغي الاستحواذ على الأثير؟
لهذا كله أرغب من ولاة الأمور بتلك الديار الشاسعة تحسين محطتنا العربية كي يعم نفعها، فاقترح عليهم واحداً من اثنين
١ - تغيير طول موجة المحطة المصرية لأنها تشاركها في طول الموجة محطة بروكسيل ول من المحطتين لها ٦٣٠ كيلو سيكلا، ويجب أن يكون بينهما تسعة ك. س على الأقل كيلا تمتزج الأصوات، فليختاروا لها مقياس محطة تكون أبعد من المحطة البلجيكية وأضعف منها قوة كمحطات النرويج مثلاً التي يوجد بينها من لا تزيد قوتها عن نصف كيلو وات كمحطة بودوي التي يبلغ طول موجتها ٢٣٥. ١
٢ - أو على المحطة المصرية إن أبت إلا طول موجتها أن تجاري محطة هويزه الهولندية التي تجعل قوتها ٧ كيلووات نهاراً و٥٠ كيلو وات ليلاً
هذا رأيي أبديته لعله يقع موقع استحسان لدى مصر الفتية وحكومتها النبيلة
بو سعادة - الجزائر
بسكر عيسى
стр. 7258
من روائع الشرق والغرب
محمد إقبال
من رباعياته المسماة (شقائق الطور)
ترجمة الدكتور عبد الوهاب عَزام
١ - يا قلبي إلام تجهل جهل الفراسة الرعناء؟ إلام تحيد عن سنن العظماء؟ احرق نفسك مرة بنارك. إلام تطوف بنار غيرك؟
٣ - يا رب أية لذة في الوجود؟ كل ذرة هائمة بهذا الشهود. تشق الوردة الفنن النضير، فتبسم فرحاً بهذا الظهور
٣ - سمعتُ الفراشةَ في العدمً تقول: هب لي من الحياة حرقة واضطرابا؛ أذرُ رمادي في السحر، ولكن متعني بالحياة ليلة
٤ - فتحت في ضمير النجوم سبيلاً، وظلت بنفسك جاهلاً، كن كالنواة وأبصر نفسك، لتخرج نخلة باسقة من تُربتك
٥ - ترنم الطائر الغرد على الأفنان، يقول في مطرب الألحان؛ أخرج كل ما في صدركُ صراخاً: آهة أو صرخة أو غناء أو نواحاً
٦ - يضيرك النظر في بستاني العجب، إن لم يكن روحك شهيد الطلب، إني أبينُ عما في ضمائر الأغصان، وليس ربيعي طلسماً من الروائح والألوان
٧ - أنا بين طير المروج غريب أظل وحدي على غصن العش في نحيب. إن تكن رقيق القلب فقف مني بعيداً، فإنما يرشح دمي في أنفاسي تغريداً
٨ - تصب الحياة ألواناً جديدة كل حين، ما الحياة صورة واحدة على مر السنين. فان يكن صورة الأمس يومك فقد حُرمت شرارة الحياة طينتك
٩ - ما علق قلبي بهذا البستان، فمضيت طليقاً من قيود الزمان والمكان. ولكن كريح الصبا سريت، فمنحت الورد اللون والنضرة ومضيت
١٠ - إن خمره جعلت خزفي كأس جم، واستسرت في قطرتي فصارت ليم. وضع العقل في رأسي صنماً، وجعل (خليل) العشق ديري حرما
стр. 7259
١١ - قل عني للشاعر المفلق، ما جدوى حرقتك إن احترقت كالشقائق؟ لا تصهر نفسك هذه النار، ولا تنير للبائسين الديار
١٢ - أنا لا أعرف حسنك وقبحك. فقد جعلت عيارهما خسارتك وربحك. ليس مثلي وحيداً بين بني آدم، إني أرى بعين أخرى هذا العالم
عبد الوهاب عزام
رثاء
للشاعر الإنجليزي اللورد بيرون
ترجمة الأستاذ محمود الخفيف
وهكذا تعدو عليك المنية، فتذهبين في غضارة إهابك وروعة جمالك، كما يذهب كل شيء كتب له الفناء؛ ويعود هذا الهيكل الرشيق وتلك المحاسن النادرة وشيكا إلى التراب!
لئن غيب اللحدُ هذا الجمال، وحللت من الأرض في بقعة يمر عليها الناس لاهين أو ضاحكين، فان هناك عيناً لا تطيق النظر لحظة إلى ذلك القبر الذي يحتويك
سوف لا أسأل بعد اليوم أين موضعك من جوف الأرض، لا ولن أمد عيني إلى تلك البقعة فوق ظهرها. ولْتَنْمُ هنالك الأزهار أو الأعشاب كيفما شاءت، فبذلك لن تقع عليها عيناي
حسبي ما لاقيت دليلاً على أن من أحببت، ومن سأحرص أبد الدهر على حبها، قد تطرق إليها البلى كما يتطرق إلى كل شيء خرج من الأرض؛ وما حاجتي بعد إلى حجر يقام أو علامة تنصب، وكل ما حولي ناطق بأن ما كان بالأمس موضع آمالي، قد أصبح اليوم. . . . لا شيء؟!
ومع ذلك قد أحببتك حتى النهاية في حماسة وقوة، كما أحببتني أنت، يا من ظللت على عهدك طوال تل الأيام السوالف ولا سبيل اليوم إلى تغيرك
إن الحب الذي طبعه الموت بطابعه لن يلحقه الفناء أبداً. فما تطاوُل الزمن بمذهبٍ من حرارته شيئاً، ولا المنافسة بقادرة على استلابه، ولا المين بواجد طريقاً إلى إفساده. وفضلاً عن ذلك فسوف لا ترين ما قد أرتكبه بعد اليوم من هفوة أو تحول أو خطأ
لقد تذوقنا معاً من أيام الحياة أحلاها، أما أمرها فسأتجرعه وحدي، إذن لن ترى عينك بعد
стр. 7260
الموت الشمس التي تبعث البهجة في الكون، ولا العاصفة التي تنذر بالظلام والهم
إنني لأحسدك على تلك الضجعة الهادئة، حيث لا تزعجك الأحلام، ولذلك يخيل إلي أن أترك البكاء على موتك. كذلك لن آسف على انقضاء تلك المحاسن الغر، فلم يكن مفر من أن أراها تذوي يوماً بعد يوم أمام ناظري!
إن أسرع الزهور إلى الذبول وأسبقها إلى الفناء، أعظمها تفتحاً وأشدها بهاء، وإن تلك الزهرة التي بذلت صويحباتها تفتقاً ونماء، لتسقط وريقاتها واحدة تلو الأخرى، وإن لم تمتد إليها الأيدي فتقطفها قبل أوانها
وإن رؤية تلك الزهرة وهي تموت ورقة فورقة، لأوجع للقلب، وآلم للنفس، وأدعى إلى الحسرة، من رؤيتها وهي تقتطف دفعة واحدة؛ ذلك لأن أعيننا، نحن بني الأرض، لا تستطيع أن تراقب خطى التحول من الجمال إلى القبح، دون أن يمضها ذلك ويحزنها
وليت شعي هل كنت أستطيع أن أرى جمالك وما حزت من معاني الحسن، يخبو ثم ينطفئ؛ ألا إن الليلة التي تتلو مثل هذا الصباح لأشد ما تكون الليالي حلكة وكدرة
لقد انقضى نهارُك ضاحياً لم تشب صفاءه غمامة، وبقيت حتى النهاية جميلة ناعمة، وكأني بك في موتك العاجل الشعلة تخمد في وهجها دون أن تخبو؛ كذلك الشهب التي تلفظها القبة الزرقاء، أعظم ما تكون التماعاً حين تسق من أعلى السماء
أه! لو أستطيع البكاء ما كنت أبكي من قبل. . . إذا لجرت دموعي غزيرة، على أني لم أكن قريباً منك يوم مت لأقوم إلى جانب سريرك ساعة احتضار، شاخصاً في وجهك في هيام وأي هيام!
هنالك كنت أتناول جسدك بين ذراعي فأضمك ضمة خفيفة رافعاً بيدي رأس المائل المحتضر، كي أشهدك ولو بغير جدوى، على ذلك الحب الذي لن يحسه كلانا بعد!
لقد تركتني اليوم حراً طليقاً، ومع ذلك لن يعدا كل ما يمكن أن تصل إليه يدي مما بقي في الوجود من حسن ذكرى إياك كما أفعل الآن
إن ذكراك وهي لي منك ذلك التراث الوحيد، الذي لن تصل إليه يد الفناء، تعاودني في هذا الوجود المظلم المخيف فتزيدني إعزازاً لذلك الحب الذي ضمه القبر، والذي لا أعدل به شيئاً في الحياة، ولن يفضله في نظري سوى أيامه التي قضيناها معاً قبل أن يعدو عليك
стр. 7261
الموت
الخفيف
стр. 7262
الكتب
الأطلال
رواية قصصية مصرية - تأليف الأستاذ محمود تيمور
عرض ونقد بقلم محمد أمين حسونه
ليست (الأطلال) التي أخرجها الأستاذ محمود تيمور أخيراً سوى ثغرة بين مرحلتين في حياة المؤلف القصصية، وأقصد بالمرحلة الأولى فنه الذي يمت إلى الواقعية، وبالمرحلة الثانية نزعته الجديدة إلى التحليلية (السيكولوجية)، هذا فضلاً عن خلوها من سيطرة أية نزعة أوربية
والناقد الحصيف يلمس بين سطور (الأطلال) من عصير الفكر ووضوح الوصف وخصوبة الخيال ما يكفل لها حياة نابضة. وقد عرف الأستاذ تيمور كيف يرتفع بموضوع روايته إلى أسمى من ذلك الفن الرخيص الذي يبدو في قصص غيره، واستطاع أن يضيف إلى جانب مهارته في رسم بيئته، تصويره لشعوره الخاص تحت نقاب شفاف من التورية الفنية، متخذاً شخصية (سامي) مرآة تحجب وراء زجاجها الصقيل الثورة الكامنة المتأججة في فجر حياة كل شاب، حتى تدفعه إلى الخروج من حالة القلق والحيرة إلى عالم الجسم وجحيم الشهوة
بسط المؤلف على لوحته أولاً رسم سامي، وهو من أبناء الذوات الذين يعيشون في القصور المحاطة بالأسوار العالية، تضم جدرانها العدد الوفير من الخدم والخصيان والأتباع، ويأوي إليهم بين يوم وآخر ضيوف تستغرق إقامتهم الأسابيع بل الشهور
وعندما يستطرد المؤلف في وصف نشأة الصبي سامي تتنبه فيه ملكة التصوير، فلا يفوته أن يسجل إعجاب ضابط المدرسة عندما يدعوه إلى داره ليلعب مع ابنته فتحية، وكيف يغرم الصبي بالفتاة وتستهويه رائحة الأنوثة المنبعثة من صورتها، حتى إذا ما شب كان عنفوان اليقظة الغامضة يدب في أوصاله، وتراه في ذات ليلة (أم خضير) - وهي خادمة حنكتها التجارب يستذكر دروسه وفتحية أمامه تخيط ملابسها فتسر إليه (لو كنت مكانك لما جلست هكذا أمام كتبي، بل كنت أجلس إلى جانبها أداعبها واختلس قبلة)
стр. 7263
كان في استطاعة سامي بحكم تربيته وبيئته أن ينهر الخادم، أو يزجرها، ولكن المؤلف يضعه في هذا الموقف على أبواب لغز، وكأن كلمات (أم خضير) جاءت إليه من عالم بعيد مجهول، فأيقظت العواطف الراكدة في أعماق نفسه، ودفعتها في طريق محفوفة بالآثام والمخازي
خطوات سامي في هذا الطريق الوعر قلقة مضطربة، فهو موزع الإحساس الجسدي بين فتحية وبين الغانيات وزوجة أخيه تهاني، وشخصيته في الرواية كخطواته غير مستقرة، يبدو أحياناً في هدوء عجيب، وأحياناً أخرى في عنف وشراسة. أما فتحية فيحوطها المؤلف بحالة غموض وإبهام وتجلد أمام الآلام، بحيث لا تتفق شخصيتها مع الواقع، وحالة تحفظ في التعبير بحيث يدفعها في الخفاء إلى كبت عواطفها كبتاً لا يمكنها معه أن تبوح بحب أو ترفع صوتها بشكوى برغم شعورها بالألم وإحساسها بأنها ليست مذنبة في نظر المجتمع. ولو أدرك المؤلف أن العواطف المكبوتة قد لا تخلو من الإحساس لاستكمل النضوج الفني للصورة
وعلى العكس يبدو فن المؤلف واضحاً وأفكاره مستوية وهو يعرض علينا عقب ذلك خيال فتحية غير المحدود، عندما يتراءى لسامي بين ظلال الوعي وساعة هدوء الروح وابتعادها عن إثم الجسد، فهي تتمثل له طهارة كل فكرة وصفاء كل هاجسة، حتى إن المؤلف ليكسو خيالها بإشعاع من روح العطف والحدب على مصيرها. أما تهاني - زوجة أخيه - فهي مثال الفتاة العابثة النزقة لتي لا تبالي بالتقاليد ولا بالأوضاع حتى إن صورتها كانت في عقله الباطن صورة امرأة غاوية قبل أن يفكر في ارتكاب الخطيئة معها، فهي تتمثل له في وجه كل غانية يلقاها، ونفس شخصيتها تتلاشى تماماً في الشهوة النجسة. ولما مات أخوه وأحس أمام جثمانه بالندم يفر وفر يطلب العزلة بعد ضجيج المأتم وانكفأ يستعرض حاله، فقاده حاضره إلى التفكير في فتحية فخرج من صمته هائماً لا يلوي على شيء، بعد أن أحس أن جدران القصر تنهار (كالأطلال)، وأن شبح تهاني يطارده حتى أدرك القرية، وهناك سأل عن فتحية فإذا بها قد ماتت، وإذا طفل يجري أمامه عليه ميسم اليتم ومسحة من جمال فتحية فيحتضنه بعد أن يعرف أنه ابنه ثم يبكي. . . . .
والأستاذ تيمور الذي يجسم يعيني الفنان كل صورة في عالم الأنوار والظلال ينجح نجاحاً
стр. 7264
باهراً في وضع شخصية مودة هانم بحيث تتراءى أمامنا بين السطور مثالاً للمرأة التي استسلمت للقدر، فهي لا تشكو ولا تحتج وإنما تترقب أن يلعب القدر دوره في الخفاء فينزع زوجها من أحضان (ضرتها) وأن يعيده إليها سالماً. وحبذا لو أتى المؤلف إلى جانب هذا على طرق (مودة هانم) في اجتذاب زوجها بوساطة السحر أو التنجيم ما دام ينزع في فنه الجديد إلى التحليلية
بين الشخصيات التي رسمها المؤلف شخصية تظهر ثم لا تلبث أن تختفي، هي (أم خضير)، والمؤلف إنما يحركها فقط في المواقف التي تدفع فيها سامي إلى مواطن الإثم، وتشابهها من هذه الناحية شخصية العيوطي - مساعد البستاني - فهي قوية برغم عدم وضوحها، خصوصاً عندما يلتقي به سامي ويطلعه على رغبته في الوصول إلى زوجة أخيه فيجهز له على عادة العشاق في الجيل الماضي زياً نسائياً يتمكن به الوصول إلى خدر الزوجة
ومما يجدر بنا تسجيله للمؤلف أن النزعة الإرشادية يختفي ظهورها تماماً في فنه
ولعل أبرز طابع فيها هو (الصراحة) التي تطبعها من أولها إلى آخرها، وفي الصراحة منجاة من الأدب الأناني الذي تغشاه دائماً سحابة مبهمة من نفس صاحبه فتدفعه إلى إخفاء المعنى جزيئاً، ولكن الصراحة في الأطلال شيء آخر، فهي تسهب في التحدث عن العلاقة الجسدية بحيث تصورنا ضعافاً تحكمنا غريزة الجنس وتطغى على ميولنا وعواطفنا
وتمتاز (الأطلال) بارتباط شخصية سامي بأبطالها ارتباطاً يجعلهم يعيشون في قراره الموضوع لا فوق سطحه
стр. 7265
العدد ٨٨ - بتاريخ: ١١ - ٠٣ - ١٩٣٥
стр. 7266
إلى أين يُساق الأتراك؟
مَنِ السائرون في شحوب الأصيل على حدود المغرب، يسرعون الخطى كأنهم هاربون من النهار، ولا يلتفتون إلى الخلف كأنهم ناجون من سَدُوم؟! مَنِ السائرون بين النور والظلام على الدرب الخادع المبهم، يخفقون كأطياف المساء على حواشي الطفل، ويمسون الطريق من الوراء حتى لا يرجعوا إلى الأهل؟! إنها أمة من صميم الشرق نشأت في نوره، وطبعت على شهوره، وتنفست في عطوره، ألقت زمامها الأقدار الغالبة في يد عصبة من أبنائها، رُبُّوا في غير أحضانها، فنشأوا على غير منشئها، وجروا على خلاف مبدئها، فقطعوها بالكره عن مشرق الشمس ومبعث الروح ومنبت العاطفة ومنشأ الدين، وخرجوا بها متعسفين إلى طريق مشتبهة، وغاية مريبة، ودنيا مجهولة؛ ثم قالوا لأنفسها انسلخي عن شرقيتك بأمر القانون، ولقلوبها اعتقدي غير عقيدتك بحكم القوة، ولألسنتها أنطقي غير لهجتك بإرادة الحاكم، ولحاضرها انقطع عن الماضي بسطوة الجمهورية، ولأرضها وبيئتها وطبيعتها انفصلن عن آسيا بإذن الحكومة! كأنما الأمم تصاغ بالقوانين، والطبائع تغير بـ (الأوامر!!)
مهلاً ساقةَ الظعن وهُداة القافلة!! سترحلون عن وطن إلى غربة، وعن ولاء إلى عداوة، وعن إخوة إلى سادة. ماذا نقمتم من الشرق مهد الإنسان ومهبط الأديان ومنبع الإلهام ومسرح الأحلام ومبدأ النشأة؟ ألم يخلق اليابان اليوم كما خلق الصين والهند وبابل والفرس والعبران والعرب بالأمس؟
إن شمس المدينة أرسلت علينا أول أشعتها في صبح الوجود، ثم متَعَ ضحاها فغمرتنا بالنور والشعور والقوة، ثم انحدر إلى المغيب في بلاد المغرب حتى بلغت خيوطها أطراف الشفق! إنها ستغرب لا محالة، وإنها ستشرق لا محالة، وإن غروبها لا يكون إلا هناك، وإن شروقها لا يكون إلا هنا. فلم لا تنتظرون معنا يا بني العم طلوعها الجيد القريب على موطنها الأول؟
لقد ذر منها كما ترون على اليابان أشعة، وبص منها الساعة على مهاد العروبة وبلاد الإسلام شعاع! وعما قليل يسطع في أقصى الشرق وفي أدناه وهجُها وسناها، فتهتز الأرض من جديد وتربو، ثم تتشقق عن العبقريات التي ارتجلت الحكمة، وإكتشفت المعرفة، وسنت الأخلاق، ودفعت مدينة الإنسان إلى مداها البعيد
стр. 7267
قالوا لتركي الأناضول: مالك وللشرق، ومالك وللعرب، ومالك وللإسلام؟ تعال نبحث عن أجدادك في الأولمب، وعن قومك في الفورم، وعن مدنيتك في اللوفر؛ ثم ألزموه أن يلبس القبعة، وأرغموه أن يكتب من الشمال، وفصلوا الدين عن الحكومة، وانتزعوا العربية من التركية، وحرموا الشعب المتدين تقاليد الإسلام، وحرموا عليه أخلاق الشرق، ثم ألغوا العيدين، واستبدلوا بعيد الجمعة عيد الأحد، ثم نقلوا الأمة المروعة المشدوهة على المدرعات إلى الشاطئ الأوربي، ثم أحرقوا من ورائها سفائن طارق!
على أن التركي الأصيل الذي استضاء بهدى الإسلام، وتثقف بعلم العرب، وساهم في مجد الفتوح، لم يَصْغَ قلبه لهذا التغير المفروض، فظل فؤاده حيث طبعه محمد الرسول، وجسمه حيث وضعه محمد الفاتح!
أما موضع الخطر فأولئك النشء الذين قست عليهم الحرب، وبغت عليهم السلم، فحصروا علل أخطائهم وأسباب أرزائهم في معنى الخلافة فنفوها من الأرض، ثم أفرط عليهم العداء فتحيفوا ما يلابسها من شرقية وعروبة ودين؛ أولئك سيزهقون في حاضرهم روح الماضي، ويقطعون عن ضمائرهم صوت التاريخ، ويبنون قوميتهم على أسس مستعارة، ويجددون شخصيتهم على تقليد طائش، ويخضعون عقليتهم لعبودية قاتلة، ثم يتنفخون بالصوت الرفيع المدل: أن تركية للترك! فيقول لهم الدهر الساخر: نعم، وإن الترك لأوربا!
فخامة الغازي العظيم أتاتُورك! لقد جبرت الجناح المهيض، وأحييت (الرجل المريض)، وأنقذت من براثن العوادي السود تركية الفتاة، ما في ذلك شك، فاسمك العزيز عنوان تاريخها الحديث، وعزمك الجبار قوام دستورها القائم، وروحك الوثاب سناد مستقبلها الطارف، ولكنك ظلمت تاريخك الخاص بمخالفة الطبيعة في التجديد، ومجانبة المنطق في الاصلاح. أخشى أن يسجل الرقيب الذي لا يغفل أنك أحييت دولة وأمت أمة، وبنيت دستوراُ وهدمت عقيدة، وبعثت لغة ودفنت ثقافة!
ما جريرة العرب على الترك وقد استخلفوهم على الدين واستأمنوهم على الرسالة؟ وما جريمة الإسلام على الترك وقد نعشهم من الخمول وأخرجهم من الجهالة؟ وماذا يبقى من الترك ولغة الترك وثقافة الترك إذا محوت أثر العروبة ودينها من كل ذلك؟
إن العرب ليسوا أقل شأناً من الطليان والجرمان، والإسلام ليس بأضعف في رفع الشعوب
стр. 7268
من وثنية اليابان، ولكنها موجة من المادية الطاغية غشت على الأبصار وطغت على البصائر، ستنحسر غمرتها عن مجالي الفضيلة والحق ولو بعد حين!
أحمد حسن الزيات
стр. 7269
الشيطان. . . .
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قال الشيخُ أبو الحسن بن الدقاق: كان شيخي أبو عبد الله محمد (الأزهري العجمي ﵁ رجلاً صاحب آياتٍ وخوارق مما فوق العقل، كأنما هو سرُ من الأسرار الجارية في هذا الكون، قد بلغ بنفسه رتبة النجم في أفقه البعيد؛ ففيه أهواءُ الإنسان وشهواته وطباعُه، إلا أنها كنوز النجم في تألقه ولألائه من إشراق روحه وصفاتها؟ وقد ارتفع بآدميته فوق نفسها؛ فأصبح في الناس ومعه سماؤه، يجعلها بين قلبه وبين الدنيا
والرجل إذا بلغ هذا المبلغ كان حياً كالميت ساعة احتضاره؛ ينظرُ إلى كل ما في الحياة نظرة من يترك لا من يأخذ، ومن يعتبرُ لا من يغتر، ومن يلفظ لا من يتذوق، ومن يُدرك السر لا من يتعلق بالظاهر. ويرى الشهوات كأنها من لغة لا يعرفها، فهي ألفاظ فيها معاني أهلها لا معانيه، وإنما تلبسُ كلماتُنا معانيها من أنفسنا. وفي النفوس مثلُ الهشيم؛ إذا وقعت فيه المعاني المشتعلةُ استطار حريقاً وتضرم، وفيها على المجاهدة مثل الماء؛ إذا خالطته تل المعاني انطفأت فيه وخمدت
وقد سألتُ الشيخ مرة: كيف تحدثُ الكراماتُ والخوارق للإنسان؟ فقال: يا ولدي، إن الإنسان من الناس المحجوبين يتصرف في جسمه ولا يكاد يملكُ لروحانيته شيئاً، فإذا أبلى في المجاهدة ووقع في قلبه النور، تصرف في روحانيته ولا يكاد يملكُ لجسمه شيئاً، فمن أطاق أن ينسلخ من بشريته، واتسعت ذاته في معاني السماء بمقدار ما ضاقت من معاني الأرض، وكان مُعداً لأن يتحقق في روحانيته، مُعاناً على ذلك بطيعيةٍ فوق الاعتدال - فقد شاع في الكون وأصاب له وجهاً ومذهباً إلى تلك القوة التي تهدم في العالم وتبنى، وتفرق وتجمع، تنقل الصور بعضها إلى بعض؛ فان الكون كله جوهرٌ واحد هو النور. حتى الجبلُ هو نورٌ صخري، وحتى البحر هو نور مائي، حتى الحديدُ والذهبُ والتراب، كل ذلك نور صرفته القدرة الآلهية تصريفها المعجز، فكان على ما نرى: ظاهرٌ مخيلٌ يلائم نقصنا وعجزنا، وحقيقةٌ قارةٌ على غير ما نرى. ومن ذا يعقل أن الصخر نورٌ متجمدٌ إذا لم يكن له إلا عقلُ عينه وحواسِّه، ومن ذا يُطيق أن يفهم بحواسه وعينه قولَ الله تعالى: (وترى الجبالَ تحسبها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السحاب صُنْعَ الله الذي أتْقَنَ كلَّ شيء)؟ فالجبال جامدةٌ
стр. 7270
ثابتة، غير أنها تمر بأرضها وتموج في نفسها؛ ومتى تأذَّنَ الله أن ينكشف نورُ كلامه لعقل الإنساني، فستكون هذه الآية علماً جديداً في الأرض يُثبت أن السحاب والجبلَ مادةٌ واحدة وصُنعٌ واحد
ويا لها سُخرية بالإنسان وجهله! فانه إذا كانت الحقيقةُ غير ما نرى، فكل شيء في الدنيا هو ردُ على النظر الإنساني، ويكاد الجبلُ العظيم يكون كلمةً عظيمةً تقول للإنسان: (كذبت!)
فالشأنُ في الخوارق والكرامات راجعٌ إلى القدرة أن يسلط الإنسان الروحاني ما فيه من سر النور على ما في بعض الأشياء من هذا السر، وتلك هي طاعةُ بعض الكون لمن ينصرف عن المادة ويتصل بخالقها
فإذا بقي في الرجل الروحاني شيءٌ من أمر جسمه يقول: (أنا. . .) لم يكن في الرجل من تلك القدرة ذرة؛ فان هو حاول أن يخرق العادة أبى الكون أن يعرفه إلا كما يعرف حجراً مُلقى يحاول أن يتصرف بالجبل الذي هو منه فينقله أو يزحزحه أو يزلزله
ولا خير على الأرض مطلقاً إلا وهو أخذٌ من حقوق هذه الـ (أنا. .) في إنسانها، ولا شر على الأرض مطلقاً إلا وهو إضافة حقوق اليها؛ فحين لا يبقى له حقٌ في شيء عند نفسها، يجب لها الحق على كل شيء. وهذه هي الكرامة؛ تُكرِمُ الخليقة من أكرمه الخالق
فمن أراد أن تتصل نفسه بالله فلا يكنْ في نفسه شيءٌ من حظ نفسه، ولا يؤمن إيمان هؤلاء العامة: يكون إيمانهم بالله فكرة تذكر وتُنسى، أما عملهم فهو إيمانهم الراسخُ بالجسم وشهواته يُذكر ولا يُنسى.
وأنت ترى رجالَ الروح يأكلون ويشربون ويلبسون، ولكن هذا كله ليس فيه ذرة من أرواحهم، على خلاف غيرهم من الناس؛ فهؤلاء كل أرواحهم في مطاعمهم ومناعمهم؛ ومن ثم لا يجري الشيطان من الأولين إلا في بحارٍ ضيقة أشد الضيق لا يكاد ينفذ منها إلى فكرة أو شهوة أو حُلُم من أحلام الدنيا، أما الآخرون فالشيطان فيهم هو تيار الدم يَعب عبابه في الأسفل والأعلى
قال أبو الحسن: وكنا يومئذ في دمشق، فنبهني كلامُ الشيخ عن الشيطان إلى ما قرأته عن كثيرين ممن رأوا الشيطان أو حاوروه أو صارعوه؛ فقلت للشيخ: إن من حقك عليَّ أن
стр. 7271
أسألك حقي عليك، وما في نفسي أحب إلي ولا أعجب من أن أرى الشيطان وأكلمه وأسمعه، وأنت قادرٌ أن تنقلني إليه كما نقلتني إلى ما دخلت بي عليه من عوالم الغيب
قال الشيخ: وماذا يردُ عليك أن ترى الشيطان وتكلمه؟
قلت: سبحان الله! لا يُجدي على شيئاً إلا أن أسخر منه
قال الشيخ: فإني أخشى - يا ولدي - أن يكون الشيطان هو الذي يريد أن تراه وتسمعه. . .!
قلت: فإني أريد أن أساله عن سره، فيكون علماً لا سخرية
قال: لو كشف لك عن سره لما كان شيطاناً، فإنما هو شيطان بسره لا بغيره
قلت: فأريد أن أرى الشيطان لأكون قد رأيت الشيطان!
قال الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! لو كنت يا أبا الحسن بأربع أرجلٍ لهربت من الشيطان بثلاثٍ منها وتركته يجرك من واحدة!
قلت: يا سيدي، فلو كنت حماراً لبطل عملُ الشيطان في أرجلي الأربع كلها، إذ لا حاجة به إلى إغواء حمار!
فتبسم الشيخ وقال: ولابد أن ترى الشيطان وتكلمه؟
قلت: لابد
قال: إنه هو يقولها، فقم!
قال أبو الحسن: وكان الشيخ إذا مشى إلى أمرٍ خارق بقيتُ معه غائباً عن الحس، كأنه يبطل مني ما أنا به أنا، فأصبحُ ظلاً آدمياً معلقاً به. ولا تقع الخوارق إلا لمن وجد القوة المُكملة لروحه، وهذه القوة تُستمد من الشيخ الواصل، فلا بد من إمام يأخذ عن إمام، كأنها سلسلة نفسيةُ متميزةٌ في الأرض، فتغير الواحدةُ منها بالواحدة إذ تقع في جوها فتورق وتثمر؛ كالشجرة جوٌ يكسوها وجوٌ يذبلها وجوٌ يسلبها سلباً، وكذلك تفعل النفس إذا كان لها جو
وخرجنا من دمشق وأنا خلف الشيخ كالمحمول، فرأيتُنا وقد أشرفنا على بناء عظيم، ورأيت أقواماً يتلقون الشيخ ويسلمون علي ويتبركون بمقدمه؟ فأنكرتهم نفسي وجدت منهم وحشة، فالتفت إلى الشيخ وقال: هؤلاء قوم من الجن، وما إليهم قصدنا فلا تشتغل بما ترى واشتغل
стр. 7272
بي
ثم ننتهي إلى البناء العظيم، فتستقبلُنا طائفةٌ أخرى، ويُدخلون الشيخ وأنا خلفهن ويمرون بنا على دنيا مخبوءةٍ تعجز الوصف مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت؛ فيقولون: هذه كنوزُ سليمان وذخائره، ويطوفون بالشيخ يعرضونها عليه كنزاُ كنزاً؛ فرأينا ثم نعيما ومُلكا كبيراً، ثم انتهينا أخيراً إلى مغارة خسيفة كأنها عرقٌ من عروق جسم الأرض، يتفجر منها دويٌ كالرعد القاصف إلا أنه في السمع كخوار الثور، إلا أنه ثورٌ خُيلَ إلى أن رأسه في قدر جبل عظيم، يتعلق به غبغب في قد جبلٍ آخر، على جسم يسدُ الخافقين، فخواره كأنه صراخ الأرض، وإذا أنا بأقبح مكان منظراً، وأنتنه ريحاً، كأنه سجنٌ بناؤه من الجِيَف
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا سجنُ إبليس، وهو هنا في هذه المغارة منذ زمن سليمان ﵇
قلت: أفمسجونٌ هو؟
قالوا: وإنه مع ذلك مُوقرٌ بأمثال الجبال حديداً يربُضُ به في محبسه، فلا يتزحزح ولا يتحلحل
قلت: وإنه مع ذلك قد ملأ الدنيا فساداً، فكيف به لو كان طليقاً؟
قالوا: فلو أنه كان طليقاً لاستحوذ على الناس كافة فيجتمع أهلً الأرض على شهوةٍ واحدة لا شيء غيرُها، فيبطلُ مع هذه الشهوة الواحدة كلّ تدبير بينهم، فلا تقومُ لهم سياسة ولا يكون بينهم وازع، فيرجعون كالكلاب أصابها الكَلَبُ وهاج بها، فأنيابها في لحمها، لا يزالَ يَعضُّ بعُضها بعضاً، فليس لجميعها إلا عملُ واحدٌ يسلمها إلى الهلاك، ويصبح ظهرُ الأرض أعْرى من سَراة أديم
وإنما يَلُحُ الناسُ باختلاف شهواتهم وتنافرها وتنازعها؛ فبعضها يحكم بعضاً، وشيء منها يَزَعُ شيئاً، ومن تخلص من نَزوَةٍ قمع بها نزوة أخرى، كالمتزوج المحْصَنِ، يحكم بالجلد والرجم على من ليست له امرأةٌ فزنا؛ وكالغني الواجد، يحكم على اللص الذي لم يجد فسرق، وهلم جراً. وما ينشأ الناسُ في ثلاثة أعمار فيشبون ويكتهلون ويهرمون، إلا لتختلف شهواتهم وتختلف مقادير الرغبة فيها، فتتحقق من ثم تلك الحكمة الإلهية في التدبير، ويجد الشرعُ محله بينهم، كما يجدُ العصيان بينهم محله
стр. 7273
ولو أن أمةً كلها أطفالٌ أو كهول أو شيوخ لبادت في جيل واحد، وإنه ليس أسمجَ من الرذيلة تكون وحدها في الأرض إلا الفضيلةُ تكون وحدها، فلا بد من شيء يظهرُ به شيء غيره، كالضد والضد. والمعركة إذا انتصر كل من فيها كانت هزلاً وكانت شيئاً غير المعركة
قال أبو الحسن: وقلت لهم: فإذا كان الشيطان سجيناً قد ربَضت به أثقاله حتى لهو في سجنٍ من سجنٍ مبالغةً في كفه والتضييق عليه - فكيف يَفتنُ الناسَ في أرجاء الأرض ويوسوسُ في قلوبهم، حتى لهو يد بينُ كل يدين، وحتى لَهو العين الثالثة لعيني كل إنسان؟
قالوا: إن في روحه النارية قوةً تَفْصِل منها وتنتشر في الأرض، كشعاع الشمس من الشمس، هذه كُرَةٌ ناريةٌ ميتة مطلقة على الأجسام مُرصدة لها، وتلك كرة نارية حية معلقة على النفوس مرصدة لها، وبهذه وتلك عَمارُ الدنيا وأهلِ الدنيا
قلت: لعلكم أردتم أن تقولوا: (خراب الدنيا وأهلِ الدنيا) فغلطتم فكان ينبغي أن يجيء بدل الغلط. . . .
فقال أحدهم: يا أبا الحسن، خَرَق الثوبُ المسمار. جاز هنا لأمن اللبْس أن يكون المفعول به وهو الثوب مرفوعاً وفاعله وهو المسمار منصوباً، هل جئت - ويحك - تطلبُ النحو وتطلب الشيطان. . . .؟
قال أبو الحسن: فقطعني الجني (والله) وأخجلني، ونظرت خلسة إلى الشيخ أراه كيف يسخر مني، فإذا الشيخ قد أملسَ فلا أراه، وإذا أنا وحدي بين الجن وبازاء هذا الساخر الذي وُضِعَت عينه في جبهته وشُق فمه في قفاه. . . . .! فَسُرِّيَ عني وزال ما أجده، وقلت في نفسي: الآن أبلغ أرَبي من الشيطان ويكون الأمر على ما أريد فلا أجد من أحتشم ولا تَقْطَعُني هيبة الشيخ. . . .!
وقع هذا الخاطر في نفسي، فاستعذت بالله ولعنت الشيطان وقلت هذا أول عبثه بي وجعله إياي من أهل الرياء، كأن لي شأناً في حضور الشيخ وشأناً في غيابه، وكأني منافق أعلن غير ما أسِر، وقلت: إنا لله! كدت يا أبا الحسن تتشيطن!
ثم هممتُ أن أنكص على عقبي، فقد أيقنتُ أن الشيخ إنما تخلى عني لأكون هنا بنفسي لا به، وما أنا هنا إلا به لا بنفسي، فيوشك إذا بقيتُ في موضعي أن أهلِك! بَيْد أن المغارة
стр. 7274
انكشفتْ لي فجأة، فما ملكتُ أن أنظر؛ ونظرتُ فما ملكت أن أقف، ووقفتُ أرى، فإذا دخانٌ قد هاج فارتفع يثور ثورانه حتى تملأ المكان به، ثم رق ولطُفَ
واستضرَمت منه نارُ عظيمة، لها وهَجانٌ شديدٌ يضطرم بعُضها في بعض، ويُسمَع من صوتها مَعمَعة قوية ثم خَمدَت وانفجرَ في موضعها كالسد المنبثق من ماءٍ كثيف أبيضَ أصفرَ أحمرَ، كأنه صديدٌ يَتَقيح في دمٍ ثم غاض
وتنبعتْ في مكانه حماةٌ منتنةٌ جعلتْ تربو وتعظمُ حتى خِفتُ أن تبتلعني وأذهبَ فيها، فسميتُ الله تعالى فغارت في الأرض
ثم نظرتُ فإذا كلبٌ أسودٌ محمر الحماليق هائلُ الخلقة مَستأسد؛ قد وقف على جيفةٍ قذرة غاب فيها خَطمهُ يعُبُّ مما تسيل به
فقلت: أيها الكلب، أأنت الشيطان؟
وأنظرُ فإذا هو مَسخٌ شائه كأنه إنسانُ في بهيمةٍ قد امتزجا وطغى منهما شيءٌ على شيء، أما وجهه، فأقبحُ شيءٍ منظراً، تحسبُه قد لَبِس صورةَ أعماله. . . ونطق فقال: أنا الشيطان!
قلت: فما تلك الجيفة؟
قال: تلك دنياكم في شهواتها، وأنا ألتقم قلب الفاسق أو الآثم منكم، كما ألتقم دودة من هذه الجيفة
قلت عليك لعنةُ الله وعلى الفاسقين والآثمين، فكيف كنتَ دخاناً، ثم انقلبت نارا، ثم رجعتَ قِيحاً، ثم صرتَ حمأة، ثم كنت كلباً على جيفة؟
قال: لا تلعن الفاسقين والآثمين؛ فانهم العباد الصالحون بأحد المعنيين، وأنت وأمثالك عباد صالحون بالمعنى الآخر، أليس في الدنيا حياءٌ ووقاحة؟ فأولئك - يا أبا الحسن - هم وقاحتي أنا على الله! أنا معكم في زهدكم حِرمانُ الحرْمان، وفقرُ الفقر، ولقد أهلكتموني بُؤساً؛ غير أني معهم لذة اللذة، وشهوةُ الشهوة، وغِنىَ الغنيَ، لا تتم لذة في الأرض ولا تحلو لذائقها وإن كانت حلالاً، إلا إذا وضعتُ أنا فيها معنى من معاني أو وقاحةً من وقاحتي! حتى لأجعل الزوجة لزوجها مثل الشعر البليغ إذا استعار لها معنى مني، وكل ما فسدت به المرأة فهو مجازي واستعارتي لها أجعلها به بليغة. . . .
وأنتم يا أبا الحسن تقطعون حياتكم كلها تجاهدون إثمَ ساعةٍ واحدة من حياة عبادي، فانظر
стр. 7275
- رحمك الله - لئن كانت ساعةٌ من حياتهم هي جهنمكم أنتم، فكيف تكون جهنم هؤلاء المساكين؟
إنك رأيتني دخاناً لأني كذلك انبعثُ في القلب الإنساني فمتى تحركتُ فيه حركة الشر كنت كالاحتيال لإضرام النار بالنفخ عليها. فمن ثم أكون دخاناً، فإذا غَفَل عني صاحبُ القلب تضرمتُ في قلبه ناراً تطلب ما يطفئها؛ ثم يُواقِع الإثم والمعصية نَهْمَته فأبَردُ عن قلبه، فيكون في قلبه مثل الحرق الذي بَردَ فتأكل موضعه فتقيح، ثم يختلط قيحُ أعماله بمادته الترابية الأرضية، فينقلب هذا المسكين حمأة إنسانية لا تزال تربو وتنتفخ كما رأيت
قلت: أعوذ بالله منك! أفلا تعرف شيئاً يردك عن القلب وأنت دخانٌ بَعْد؟
فقهقه اللعين وقال: ما أشد غفلتك يا أبا الحسن، إذ تسأل الشيطان أن يخترع التوبة! أما لو أن شيئاً يخترع التوبة في الأرض لاخترعها القبرُ الذي يدفن فه بعضُكم بعضا كل طرفة عين من الزمن فتُنزلون فيه الميتَ المسكين قد انقطع من كل شيء، وتتركونه لآثامه، وحساب آثامه، والهلاك الأبدي في آثامه؛ ثم تعودون أنتم لاقتراف هذه الآثام بعينها!
قلت: عليك وعليك أيها اللعين؛ ولكن ألا يتبدد هذا الدخان إذا ضربته الريح أو انطفأ ما تحته؟
قال: أوه! لقد أوجعتني كأنما ضربتني بجبل من نار، إن نبيكم عَرفها، ولكنكم أغبياء، تأخذون كلامَ نبيكم كأنما هو كلاٌم لا عًمل، وكأنه كلام إنسان في وقته لا كلامٌ النبوة للدهر كله وللحياة كلها. ولهذا غلبتُ أنا الأنبياء على الناس، فإني أضع المعاني التي تعمل، لا الحكمة المتروكة لمن يعمل بها ومن لا يعمل
أتدري يا أبا الحسن، لماذا أعجزني أسلافكم الأولون مثل: عُمر وأبي بكر؟ حتى كان إسلامهم من أكبر مصائبي، فتركوني زمناً - وأنا الشيطان - أرتابُ في أني أنا الشيطان. . . . . .؟
قلت: لماذا؟
قال: أراك الآن لم تَلعن، فلستُ قائلها إلا إذا تَرحمتَ علي
قلت: عليك وعليك من لًعنات الله! قل لماذا؟
قال: أسائلُ ويأمر؟ وطَفَيْلي ويَقْترح؟ لا بد أن تترحم!
стр. 7276
قلت: يرحمنا الله منك! قل لماذا؟
قال: وهذه لعنةٌ في لفظة رحمة. لا، إلا أن تترحم علي أنا إبليس الرجيم!
قلت: فيُغني الله عن علمك؟ لقد ألهمتنيها روحُ النبي ﷺ . إن النبوة كانت هي بأعمالها وصفاتها تفسير الألفاظ على أسمى الوجوه وأكملها، فكان روحُ النبي صلى عليه وسلم لتلك الأرواح كالأم لأبنائها. وقد رأوه لا يغضب لنفسه ولا لحظ لنفسه، وذلك لا يستقيم إلا بالقصد في أمر النفس، وجعلٍ ناحية الإسراف فيها إسرافاً في العمل لسعادة الناس. وكلما ارتد الإنسان لنفسه وحظوظها ارتد إليك - أيها اللعين - وأقبل على شقاء نفسه، وكلما عمل لسعادة غيره ابتعد عنك - أيها الرجيم - وأقبل على سعادة نفسه، وتركُ الغضب وحظوظِ النفس هو الصبر؛ وصبرُ الأنبياء والصديقين ليس صبراً على شيء بعينه في الحياة، بل هو الصبرُ على حوادث العمر كله؛ كصبر المسافر؛ إن كان عزيمةً مدةَ الطريق كلها، وإلا كان فساداً في القوة ووقع به الخذلان
فهذا الصبر المُعْتزٍمُ المصمم، الذي يُوطن به الرجلُ نفسه أن يكون رجلاً إلى الآخر - هو تعبُ الدنيا، ولكنه هو رَوْحُ الجنة مع الإنسان في الدنيا. والمؤمنُ الصابر رجل مَقْفَلٌ عليه بأقفال الملائكة التي لا يقتحمها الشيطانُ ولا تفتحها مصائب الدنيا. ولذلك قال النبي ﷺ : (إن المؤمنَ يُنْضِي شيطانه كما يًنضي أحدُكم بعيره في سفره.) كأنه يقول: لو لم يصبر المسافر دائماً معتزماً مدة سفرهِ كلها لما أنضى بعيره، ولو لم يصبر المؤمنُ دائباً معتزماً مدة حياته كلها لما أنضى شيطانه
فصاح الشيطان: أوه، أوه! ولكن قل لي يا أبا الحسن، ما صَبْرُ رجلٍ مؤمنٍ قوي الايمان، قد استطاع بقوة إيمانه أن يُفيقَ من سًكْر الغِني، فتخلص من نزوات الشياطين الذهبيةِ الصغيرة التي تسمونها الدنانير؛ وقد أردتُه على أن يكذب، فرأى الإيمان أن يَصدق، وجًهَدْتُ به أن يغضب، فرأى الحكمة أن يهدا؛ وحاولتُ منه أن يطمع، فرأى الراحةَ أن يرضي؛ وسَولتُ له أن يحسد، فرأى الفضيلة إلا يبالي. وأخذ لنفسه من كل شيء في الحياة بما يثق أنه الإيمان والصبرُ والهدوء والرضى والقناعة؛ وأحاط نفسه من هذه الأخلاق بالسعادة القلبية واجتزأ بها، وقصر نظره على الحقيقة، ووجد الجمالَ في نفسه الطيبة الصافية، وأجرى ما يؤلمه وما يسره مجرىً واحداً، ونظر إلى العمر كله كأنه يومٌ واحد
стр. 7277
يرقبُ مغرب شمسه، وأخذ من إرادته قوة أنسته ما لم تعطهِ الدنيا، فلم يَجفل بما أعطت الدنيا وما منعت؛ وعاش على فقره بكل ذلك كما يعيش المؤمن في الجنة: هذا في قصر من لؤلؤةٍ أو ياقوتةِ أو زبرجدة، وذاك في قصر من الحكمة أو من الإيمان أو من العقل
قال الشيطان: فلما أعجزني صلاحاً ورضى وصبراً وقناعةً وإيماناً واحتساباً، وكان رجلا عالماً فقيها - سولت له أن يخرج إلى المسجد ليعظ الناسَ فينتفعوا به، ويًبصرهم بدينهم، ويتكلم في نص كلام الله؛ فعقد المجلس ووعظ، وانصرفوا وبقي وحده؛ فجاءت امرأة تسأله عن بعض ما يحتاج إليه النساء في الدين من أمر طبيعتهم؛ وكانت امرأة جزلة غضة، يهتز أعلاها وأسفلها، وتمشي قصيرة الخط مثاقلة كالمتضايقة من حمل أسرار جمالها وأسرار بدنها الجميل، فبعض مشيتها يقظةٌ وبعضها نومٌ فاترٌ تخالطه اليقظة؛ ولا يراها الرجل الفحل التام الفحولة إلا رأى الهواءَ نفسه قد أصبح من حولها أنثى مما تعصف به ريحها العطرة عطر زينتها وجسمها. وكان الواعظ قد ترمل من أشهر، وكانت المرأة قد تأيمت من سنوات؛ فلما رآها غض طرفه عنها، ولكنها سألته بألفاظها العذبة عن أمور هي من أسرار طبيعتها، وسألته عن طبيعتها بألفاظها؛ فسمع منها مثل صوت البلور يتكسر بعضه على بعض وتحدثت له وكأنها تتحدث فيه؛ فسمع بأذنه ودمه؛ ثم كان غض عينه أقوى لرؤية قلبه وجمع خواطره ورأى صوتها يشتهي؛ وعانقته رائحتها العطرية النفاذة؛ وأحاطته بجو كجو الفِراش؛ وعادت أنفاسها كأنها وسوسة قُبل، وصارت زفراتها كالقدر إذا استجمعت غلياناً، وطلعت في خياله عريانة كما تطلع للسكران من كأس الخمر حورية عريانة، لها جسمٌ يبدو من اللين والبضاضة والنعمة كأنه من َزبَد البحر؟
قال أبو الحسن: وكنتُ كالنائم فما شعرتُ إلا بصوتٍ كصك الحجر بالحجر، لا كتكسر البلور بعضه على بعض، وسمعت شيخي يقول:
أفَسَقْتَ. . . . . .؟
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7278
صفحات من الدبلوماسية الأسلامية
السفارات الخلافية والسلطانية وعلائق الإسلام والنصرانية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
منذ نحو عام عرضت في الرسالة إلى موضوع السفارات النبوية؛ وتبادل السفارات بين الشرق والغرب في العثور الوسطى، سواء من الإسلام إلى الأمم النصرانية، أو من هذه إلى الدول الإسلامية، من الموضوعات الهامة التي تشوق بتفاصيلها وما تلقيه من ضوء على علائق الشرق والغرب في عصور لم يكن الإسلام فيها سيد المشرق فقط، بل كان يساهم أيضاً بنصيب قوي في سيادة الغرب ذاته. وقد كان لهذه السفارات رسوم وقواعد تتفق مع صولة الإسلام وتلائم روح العصر، وكان لها في بعض الأحيان أثر كبير في توجيه سياسة الإسلام نحو النصرانية، أو سياسة النصرانية نحو الإسلام. وقد كانت ريح هذه السفارات تتجه بالأخص من الغرب إلى الشرق في عصور القوة والمجد. ذلك لأنها كانت في الغالب ترمي إلى التماس السلام والمهادنة أو تحقيق بعض المنح والمغانم من الإسلام القوي الظافر، ولكنها كانت في عصور الضعف والاضمحلال تتجه بالأخص من أمم المشرق إلى أمم المغرب التي تتبوأ مقام الزعامة والنفوذ، وتعمل لتوطيد سيادتها بالضرب والتفريق بين الدول الإسلامية المتنازعة، كما كانت تفعل الدولة البيزنطية منذ انحلال الخلافة العباسية وتمزق سيادتها بين مختلف الدول والامارت التي قامت على أنقاضها، وكما كانت تفعل إسبانيا النصرانية منذ انهارت الخلافة الأموية القوية، وانقسمت الأندلس إلى إمارات الطوائف، على أن هذه القاعدة لم تكن عامة، وإنما كانت ظاهرة ملحوظة فقط، فكثيراً ما كانت تعقد المعاهدات وتتبادل السفارات بين الدول الإسلامية القوية والدول النصرانية القوية تنظيما للعلائق والمصالح المشتركة بينهما
وسنحاول أن نعرض في هذا الفصل إلى طائفة من هذه السفارات الشهيرة التي ترد أخبارها أشتاتاً في تواريخ الشرق والغرب، وسنرى فيها من أوجه التماثل أحياناً، ومن أوجه التباين أحياناً أخرى، ما يفسر لنا بعض العوامل التي كانت في تلك العصور محور العلائق الدبلوماسية بين أمم الإسلام وأمم النصرانية، ومبعث التجاذب السياسي بينهما
كانت الدولة الأموية دولة الفتح والانشاء، فلم يتسع وقتها لتنظيم العلائق الدبلوماسية
стр. 7279
السلمية؛ وكانت تقف طوال عهدها من جارتها الكبرى - الدولة الرومانية الشرقية - موقف الخصومة والتربص، فلا نقف في هذا العصر على كثير من أخبار السفارات المتبادلة بين الدولتين؛ ولكنا نجد بعد حوادث حصار قسطنطينية الأول وإخفاق الخلافة الأموية في مشروعها لاقتحام الدولة الشرقية (٥٨هـ - ٦٧٨م) سفراء الإمبراطور قسطنطين الرابع يستقبلون في دمشق بحفاوة ليعقدوا مع الخليفة الأموي (معاوية) معاهدة الصلح التي ارتضى بها معاوية أن يؤدي إلى الدولة الشرقية جزية سنوية متنوعة كانت على ضآلتها عنوان المهادنة والمسالمة من جانب الخلافة. وفي خلافة سليمان بن عبد الملك تردد على دمشق رسل الدولة الشرقية ليقفوا على أمر الأهبة الهائلة التي تتخذها الخلافة للسير إلى قسطنطينية ومحاولة اقتحامها كرة أخرى، وعاد سفير الدولة الشرقية إلى بلاك قسطنطينية يحمل عن أهبة الخلافة أروع الأخبار والروايات
ولما قامت الدولة العباسية وتوطدت أركانها، وقامت في نفس الوقت دولة أموية جديدة في الأندلس، كانت بغداد في المشرق، وقرطبة في المغرب، كلتاهما قطباً للتجاذب السياسي بين الإسلام والنصرانية. وكانت مملكة الفرنج القوية قد قامت يومئذ في الطرف الآخر من أوربا لتتزعم أمم الغرب إلى جانب الدولة الرومانية الشرقية؛ فكان ذلك عاملاً جديداً في إذكاء التجاذب السياسي بين الشرق والغرب؛ ومنذ خلافة المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية نرى مملكة الفرنج تحاول أن تأخذ بنصيبها في عقد الصلات السياسية مع زعيمة الإسلام في المشرق، وفي إقامة التوازن السياسي في العالم الجديد، ونرى ملك الفرنج ببين يبعث رسله إلى عاصمة الإسلام الجديدة (بغداد) في سفارة إلى المنصور. ويضع مؤرخو الفرنج تاريخ هذه السفارة في سنة ٧٦٥م (١٤٨هـ)، وتقول لنا الرواية إن السفراء الفرنجيين لبثوا مدى حين في بغداد وعادوا بعد ثلاثة أعوام إلى فرنسا يصحبهم رسل أو سفراء من قبل الخليفة إلى ملك الفرنج، ونزلوا بثغر مرسيليا؛ فاستقبل ملك الفرنج سفراء الخليفة أحسن استقبال، ودعاهم إلى تمضية الشتاء في مدينة متز التي كانت يومئذ منزل البلاط الفرنجي، ثم دعاهم للتنزه والإقامة مدى حين في قصر (سلس) على ضفاف اللوار؛ ثم عادوا بعد ذلك إلى بغداد بطريق مرسيليا أيضاً مثقلين بالتحف والهدايا. واستمرت هذه الصلاة السياسية بين الخلافة العباسية ومملكة الفرنج عصراً؛ وزادت أواصرها في عصر
стр. 7280
الرشيد قوة وتوثقاً. وهنا نعطف بإيجاز على ذكر تلك السفارات الشهيرة التي تبادلها الرشيد، وكارل الأكبر أو شارلمان إمبراطور الفرنج ولد ببين، والتي تنفرد بذكرها الروايات الفرنجية أيضاً؛ فإن هذه الروايات تقول لنا إن شارلمان جرياً على سياسة أبيه، أرسل إلى الرشيد سفارة على رأسها يهودي يدعى إسحاق ليؤكد بينهما الصلات الودية، وليسعى لدى الخليفة في نيل بعض الامتيازات الخاصة بالنصارى والأماكن النصرانية المقدسة، فأكرم الرشيد وفادة السفراء الفرنج وردهم إلى شارلمان بهدية فخمة منها فيل وخيمة عربية وساعة مائية وحرائر وعطور شرقية وغيرها، وبعث إلى ملك الفرنج سفراءه بتحياته وتأكيد صداقته. وقد سر شارلمان بنتائج سفارته الاولى، فأوفد إلى الرشيد سفارة أخرى على رأسها مبعوثه إسحاق أيضاً؛ وتبالغ الرواية الفرنجية في نتائج هذه المراسلات بين الرشيد وشارلمان، فتقول إن الرشيد أرسل إلى ملك الفرنج مفاتيح الأماكن النصرانية المقدسة، ومنحه حق رعايتها وحمايتها. وقد وقعت هذه السفارات على ما يظهر في أوائل عهد الرشيد بين سنتي ٧٨٦ و٧٩٠ (١٧١ - ١٧٦هـ)؛ ولكن الرواية الفرنجية تؤرخ سفارة الخليفة إلى شارلمان بسنة ٨٠٠هـ، ولعلها رد الرشيد على السفارة الفرنجية الثانية. ويختلف البحث الحديث في أمر هذه السفارات والمكاتبات بين الرشيد وشارلمان، فيؤيد البعض صحتها وينكرها البعض الآخر، أما نحن فنرجح صحتها
وتستطرد الرواية الفرنجية؛ فتذكر أن هذه العلاقات الودية بين بغداد ومملكة الفرنج، استمرت بعد وفاة الرشيد وشارلمان؛ وأن المأمون ولد الرشيد بعث إلى (لويس) ولد شارلمان وملك الفرنج من بعده سفارة أخرى لتأكيد المودة والصداقة بينهم؛ وتشير الرواية الفرنجية في ذلك الصدد إلى ما كان لنفوذ الرشيد قبل وفاته من التأثير في سياسة خوارج البحر المسلمين وإحجامهم عن مهاجمة الشواطئ الفرنجية والرومانية، وإلى ما كتبه الباباليون الثالث إلى شارلمان بعد وفاة الرشيد من أنه إذا كان خوارج البحر المسلمين لا يحترمون بعد شواطئ الإمبراطورية الفرنجية، فذلك لأن نفوذ الخليفة في نفوسهم قد ذهب بعد وفاته
ونستطيع أن نرجع هذا التقرب بين بغداد ومملكة الفرنج إلى بواعث سياسية لها قيمتها؛ ذلك أن الدولة العباسية الفتية ما كادت تقوم على أنقاض الدولة الأموية في المشرق، حتى
стр. 7281
بعثت الدولة الأموية في الأندلس من جديد على يد عبد الرحمن الأموي (الداخل)، وأخذت في الاستقرار والتوطد؛ وكان قيام هذه الدولة الجديدة في إسبانيا يثير في الخلافة العباسية ومملكة الفرنج معاً جزءاً ومخاوف جيدة؛ أما الخلافة العباسية فلأنها كانت تعتقد أنها قد سحقت الدولة الأموية نهائياً واجتثت أصولها وفروعها فلن تقوم لها قائمة بعد في المشرق أو المغرب؛ فلما استولى عبد الرحمن الأموي على الأندلس وأقام به ملك أسرته من جديد، أخذت الدولة العباسية تخشى بحق أن تنازعها هذه الدولة الخصيمة زعامة الإسلام، أو أن تبلغ من القوة مبلغاً يحملها على التفكير في مقارعتها ومناوأتها والإغارة على أملاكها الأفريقية؛ وأما مملكة الفرنج فقد كانت تخشى اجتماع كلمة الأندلس بعد تفرقها مدى حين، وهو تفرق مهد للفرنج استعادة الأراضي الإسلامية في غاليس وافتتاح ثغر أربونة آخر معقل للإسلام في فرنسا؛ وقيام الدولة الإسلامية الجديدة في الأندلس موحدة الكلمة موطدة الدعائم يعرض مملكة الفرنج إلى خطر الغزوات الإسلامية كرة أخرى؛ فكانت مملكة الفرنج ترقب قيام هذه الدولة يجزع، وتلتمس الوسائل لسحقها قبل أن تستفحل وتغدو خطراً داهماً عليها؛ ومن ثم كانت سياسة الفرنج في تشجيع جميع الزعماء الخوارج على عبد الرحمن الأموي، والعمل على إضرام نار الحرب الأهلية في الأندلس؛ وكان اقتحام شارلمان للبرنيه بتحريض الزعماء الخوارج ليحاول افتتاح شمال الأندلس؛ ومن ثم كانت هذه العلائق والمراسلات الدبلوماسية التي تبادلتها الخلافة العباسية مع مملكة الفرنج، ولم تكن بلا ريب بعيدة عن الفكرة المشتركة في التعاون على سحق الدولة الأموية الجديدة في الأندلس
وكانت ثمة فكرة مماثلة تحمل الدولة الأموية في الأندلس والدولة البيزنطية خصيمة الدولة العباسية ومناوأتها في المشرق على عقد التفاهم والصلات الودية؛ فكانت بين أمراء بني أمية وقياصرة قسطنطينية مراسلات وسفارات سياسية هامة. ففي سنة ٨٣٦م (٢٢٥هـ) بعث الإمبراطور تيوفيلوس إلى عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس سفراءه بهدية فخمة ورسالة يدعوه فيها إلى التحالف، ويرغبه في ملك أجداده بالمشرق؛ وكانت هذه المحاولة الدبلوماسية من جانب قيصر قسطنطينية على أثر اضطرام الخصومة والحرب بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية وبميث المأمون ثم المعتصم في أراضيها. فرد عبد الرحمن ابن
стр. 7282
الحكم على القيصر بهدية فخمة وبعث إليه سفيره يحيى بن الغزال، وهو من كبار الدولة وفحول الشعراء فاحكم بينهما الصلة والتحالف. على أن علاقة الإمبراطور بصاحب الأندلس لم تتعد المراسلة والمجاملة، لأن خلفاء عبد الرحمن الداخل حافظوا على سياسته التي رسمها من الامتناع بالجزيرة والاقتصار على توطيد ملك بني أمية فيها، حتى عمد الناصر إلى تغيير هذه السياسة والتدخل في شئون المغرب لظروف وحوادث عرضت يومئذ
ونعود إلى علائق الدولتين العباسية والبيزنطية، تاج العلائق بين الإسلام والنصرانية في تلك العصور؛ ففي أواخر القرن الثامن كان على عرش قسطنطينية امرأة وافرة الذكاء والعزم هي الإمبراطورة إيريني زوج الإمبراطور ليون الرابع، وكانت وصية على ولدها قسطنطين أثناء طفولته؛ ولكنه لما كبر وحاول أن يقبض على زمام السلطة، ناوأته وقاومته حتى ظفرت به، وزجته إلى ظلام السجن بعد أن سملت عيناه بأمرها؛ فانتهز المسلمون فرصة هذه الاضطرابات وغزوا آسيا الصغرى مراراً حتى اقتربوا من البوسفور، وقاد هارون (الرشيد) وهو يومئذ ولي عهد أبيه المهدي بنفسه معظم هذه الحملات، فاضطرت إيريني إلى التماس الصلح، وبعثت رسلها إلى هارون، وهو يعسكر بجيشه على مقربة من البوسفور، تطلب الصلح والهدنة؛ فاجابها الرشيد إلى ما طلبت وعقدت بين الفريقين معاهدة تعهدت إيريني بمقتضاها أن تدفع إلى الخلافة جزية سنوية مقدارها سبعون ألف دينار، وتبادل الرشيد والإمبراطورة بهذه المناسبة بعض الهدايا والتحف الملوكية (٧٨٢م - ١٦٦هـ)، ولما تولى الرشيد الخلافة بعد أبيه، كانت إيرني قد خلعت وجلس على عرش قسطنطنطية نيكيفروس (ويسميه العرب نيقفور) كبير الخزائن؛ فما كاد يجلس على العرش حتى بادر بإعلان الخصومة على الخلافة وبطلان معاهدة الصلح، ورفض أداء الجزية والمطالبة بما أدى منها؛ وتنقل إليناالرواية الغربية صورة الإنذار الذي وجهه نيكيفروس على يد سفرائه إلى الرشيد وفيه يخاطب الرشيد بما يأتي: (من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فان الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقياً بحمل أضعافه اليها، لكن ذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها وافتد نفسك بما تقع به
стр. 7283
المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا)؛ وألقى سفراء الروم أمام عرش الرشيد حزمة من السيوف إشارة بإعلان الحرب، فغضب الرشيد لهذه الجرأة أيما غضب؛ وكتب بنفسه على ظهر كتاب ملك الروم؛ أما بعد فقد فهمت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه والسلام)، وبادر الرشيد إلى غزوا آسيا الصغرى على رأس جيش ضخم، فاجتاحها حتى هرقلية (٨٠٦م) فاضطرب نيكيفروس إلى طلب الصلح، وأرسل إلى الرشيد سفارة على رأسها أسقف سينادا، وعقدت بين الفريقين معاهدة جديدة، يتعهد فيها القيصر باصطلاح الحصون المخربة، وبأن يدفع جزية سنوية قدرها ثلاثون ألف دينار، وأن يدفع عن نفسه ثلاث قطع ذهبية من نوع خاص وثلاث أخرى عن ولده عنواناً لخضوعهما لأمير المؤمنين
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 7284
منازل الفضل
١ - قصر الوالدة
للأستاذ محمد محمود جلال
يوم أراد الله أن أفرغ من الدراسة الابتدائية، وقد أتممتها في كنف الجمعية الخيرية الإسلامية في معهدها ببني مزار، اتجهت أنظارنا إلى القاهرة عاصمة البلاد تطلعاً لإكمال الدرس في معاهدها الثانوية
لم يكن من ذلك بد، وقد قضت سياسة دنلوب، بتركيز الدراسة الثانوية بالعاصمة، وحرمان مديريات القطر من الخطوة الثانية للتعليم فضلاً عما أفسد من برامجه وشوه من خططه
كثر التردد على القاهرة، بين تقديم الطلب، والاستعداد للكشف الطبي، والحرص على الظفر بمكان، إذ كان نطاق المدارس ضيقاً ومحاطاً بكثير من القيود تمشياً مع تلك السياسة
كان ذلك في أواخر سنة ١٩١١ أي من نحو ربع قرن
فإذا كان يوم الجمعة، ذهبنا إلى ملعب الكرة بالحلمية الجديدة مررنا بشارع البرموني. هناك يستوقف النظر تجمع كثير من النسوة والصغار يختلفن إلى دار في مواجهة (زقاق) صغير ينتهي بها فتغيره وتحيله ميداناً فسيحاً للرحمة والإحسان. . . . .
كانت تلك الدار (مبرة محمد علي) تجد فيها فقيرات الأمهات وفقراء الأولاد رعاية عالية، وعطفاً كريماً: يلقين فيها يد الطب تأسو، ويد البر تواسي، تستنفذ اليدان بفضل الله أناسي من خلقه من براثن الأمراض وآلام الحياة
فإذا سألت لمن هذا الَعلم؟ ومن يقوم على هذا البر؟ ومن يغذى تلك الشجرة المباركة! أجابك المغاثون الداعون هي: (الوالدة) أطال الله بقاءها
(الوالدة)!! وأي اسم في الوجود أولى بهذه المعاني من هذا الاسم الكريم؟ وهل في الدنيا أكثر عطفاً من الوالدة!!
أليس بين الاسم والفعل خير تناسق وأوثق صلة؟
إنا نرى اليوم في مصر كثيراً من مظاهر البر، وأماكن للعلاج وافية الأعداد، ولكنا حين نذكر ما كان، وحين أكتب اليوم، إنما ننظر واكتب عما كان منذ ربع قرن. كانت (مبرة محمد علي) لا تقل في عين الفقير عما يرى اليوم في عجيبة (الراديو) والطيران
стр. 7285
ولما أعلنت الحرب بين إيطاليا والدولة العلية، ونزلت جيوش الأولى شاطئ طرابلس، تحمس المصريون ذاكرين ما هم فيه وما بهم من ويلات الاحتلال الإنجليزي، يأسون جراح المجاهدين بفضل من المال وشيء من العون، رأينا (الوالدة) تتقدم الصفوف وخلفها الفضليات من نساء مصر يقمن بواجب الاغاثة، ويجمعن التبرعات، يوفين ما علبهن لله، وما في ذمتهن للحق والأخلاق
هذه (سوق الإحسان) نافقة ترأسها (الوالدة)، وتلك دعوة للتشاور بين سيدات مصر في (قصر الوالدة)، وفي الصباح تتحلى صحف مصر بفاتحة التبرعات مصدرة باسم (الوالدة)
وفي الحلمية الجديدة بناء جميل، تسمع به حركة ولا تسمع فيه لغواُ، يجمع كثيرين من أبناء البلاد، يتعلمون الصناعة، ينقل إليك الأثير نغمات آلاتهم توقع الأنشودة في تدعيم صناعة البلاد
فإذا خطوت إلى شارع سليمان باشا، راعك مخزن فاخو، فخاره وروعته قطع الأثاث المتقن برعت فيه أيدي المصريين والعبقرية الفنية الموروثة، فبينا نرى المخازن والمحال تطلى وتنسق إعلاناً عما بها إذا بذلك المعرض يحلي المكان ويعلن عنه
والعهد بذلك الحي أنه (إفرنجي) في مساكنه ومقاهيه ومخازنه، وإنك لمفترض إذن أن هذا المكان (لكريجر) أو (لجانسان)، أو غيرهما من تجار الأثاث الثمين. ولكنه قطعة من مدرسة الحلمية وقفت كالراووق لا تبقى للعرض إلا ماله قيمة حقيقية، تعلن في صدق عن حقيقة البلاد وأبناء البلاد ولإنتاج البلاد، في الحي الذي لا يقطنه إلا الأوربيون
وكذلك كانت (الوالدة) شغل السمع والبصر
التحقت بالمدرسة السعيدية، أجتاز من أجلها جسر قصر النيل في اليوم مرتين، فأمر بقصر (الوالدة) مرتين، ومن العجب أن يزداد المرء في كل نظرة شغفاُ بالقصر، وألا يكون لتكرار رؤيته إلا استزادة الإعجاب وامتلاء العين من محاسنه، على نقيض ما يعرو الإنسان عادة من ملل إذا تكرر المنظر، ولو في نزهة
كان (قصر الدوبارة) أحب أحياء القاهرة إلي. فإذا أردت ترويحاً عن نفسي سرت على شاطئالنيل حذاءه، وإذا شعرت بضيق طلبت تفريجه في سويعات المساء بين مغانيه، وإذا جلت بالجزيرة وقفت على النيل من الشاطئالغربي أنظر إليه، وكثيراً ما طالعت العسير من
следующие страницы →