← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

بعثت الدولة الأموية في الأندلس من جديد على يد عبد الرحمن الأموي (الداخل)، وأخذت في الاستقرار والتوطد؛ وكان قيام هذه الدولة الجديدة في إسبانيا يثير في الخلافة العباسية ومملكة الفرنج معاً جزءاً ومخاوف جيدة؛ أما الخلافة العباسية فلأنها كانت تعتقد أنها قد سحقت الدولة الأموية نهائياً واجتثت أصولها وفروعها فلن تقوم لها قائمة بعد في المشرق أو المغرب؛ فلما استولى عبد الرحمن الأموي على الأندلس وأقام به ملك أسرته من جديد، أخذت الدولة العباسية تخشى بحق أن تنازعها هذه الدولة الخصيمة زعامة الإسلام، أو أن تبلغ من القوة مبلغاً يحملها على التفكير في مقارعتها ومناوأتها والإغارة على أملاكها الأفريقية؛ وأما مملكة الفرنج فقد كانت تخشى اجتماع كلمة الأندلس بعد تفرقها مدى حين، وهو تفرق مهد للفرنج استعادة الأراضي الإسلامية في غاليس وافتتاح ثغر أربونة آخر معقل للإسلام في فرنسا؛ وقيام الدولة الإسلامية الجديدة في الأندلس موحدة الكلمة موطدة الدعائم يعرض مملكة الفرنج إلى خطر الغزوات الإسلامية كرة أخرى؛ فكانت مملكة الفرنج ترقب قيام هذه الدولة يجزع، وتلتمس الوسائل لسحقها قبل أن تستفحل وتغدو خطراً داهماً عليها؛ ومن ثم كانت سياسة الفرنج في تشجيع جميع الزعماء الخوارج على عبد الرحمن الأموي، والعمل على إضرام نار الحرب الأهلية في الأندلس؛ وكان اقتحام شارلمان للبرنيه بتحريض الزعماء الخوارج ليحاول افتتاح شمال الأندلس؛ ومن ثم كانت هذه العلائق والمراسلات الدبلوماسية التي تبادلتها الخلافة العباسية مع مملكة الفرنج، ولم تكن بلا ريب بعيدة عن الفكرة المشتركة في التعاون على سحق الدولة الأموية الجديدة في الأندلس وكانت ثمة فكرة مماثلة تحمل الدولة الأموية في الأندلس والدولة البيزنطية خصيمة الدولة العباسية ومناوأتها في المشرق على عقد التفاهم والصلات الودية؛ فكانت بين أمراء بني أمية وقياصرة قسطنطينية مراسلات وسفارات سياسية هامة. ففي سنة ٨٣٦م (٢٢٥هـ) بعث الإمبراطور تيوفيلوس إلى عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس سفراءه بهدية فخمة ورسالة يدعوه فيها إلى التحالف، ويرغبه في ملك أجداده بالمشرق؛ وكانت هذه المحاولة الدبلوماسية من جانب قيصر قسطنطينية على أثر اضطرام الخصومة والحرب بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية وبميث المأمون ثم المعتصم في أراضيها. فرد عبد الرحمن ابن

стр. 7282

الحكم على القيصر بهدية فخمة وبعث إليه سفيره يحيى بن الغزال، وهو من كبار الدولة وفحول الشعراء فاحكم بينهما الصلة والتحالف. على أن علاقة الإمبراطور بصاحب الأندلس لم تتعد المراسلة والمجاملة، لأن خلفاء عبد الرحمن الداخل حافظوا على سياسته التي رسمها من الامتناع بالجزيرة والاقتصار على توطيد ملك بني أمية فيها، حتى عمد الناصر إلى تغيير هذه السياسة والتدخل في شئون المغرب لظروف وحوادث عرضت يومئذ ونعود إلى علائق الدولتين العباسية والبيزنطية، تاج العلائق بين الإسلام والنصرانية في تلك العصور؛ ففي أواخر القرن الثامن كان على عرش قسطنطينية امرأة وافرة الذكاء والعزم هي الإمبراطورة إيريني زوج الإمبراطور ليون الرابع، وكانت وصية على ولدها قسطنطين أثناء طفولته؛ ولكنه لما كبر وحاول أن يقبض على زمام السلطة، ناوأته وقاومته حتى ظفرت به، وزجته إلى ظلام السجن بعد أن سملت عيناه بأمرها؛ فانتهز المسلمون فرصة هذه الاضطرابات وغزوا آسيا الصغرى مراراً حتى اقتربوا من البوسفور، وقاد هارون (الرشيد) وهو يومئذ ولي عهد أبيه المهدي بنفسه معظم هذه الحملات، فاضطرت إيريني إلى التماس الصلح، وبعثت رسلها إلى هارون، وهو يعسكر بجيشه على مقربة من البوسفور، تطلب الصلح والهدنة؛ فاجابها الرشيد إلى ما طلبت وعقدت بين الفريقين معاهدة تعهدت إيريني بمقتضاها أن تدفع إلى الخلافة جزية سنوية مقدارها سبعون ألف دينار، وتبادل الرشيد والإمبراطورة بهذه المناسبة بعض الهدايا والتحف الملوكية (٧٨٢م - ١٦٦هـ)، ولما تولى الرشيد الخلافة بعد أبيه، كانت إيرني قد خلعت وجلس على عرش قسطنطنطية نيكيفروس (ويسميه العرب نيقفور) كبير الخزائن؛ فما كاد يجلس على العرش حتى بادر بإعلان الخصومة على الخلافة وبطلان معاهدة الصلح، ورفض أداء الجزية والمطالبة بما أدى منها؛ وتنقل إليناالرواية الغربية صورة الإنذار الذي وجهه نيكيفروس على يد سفرائه إلى الرشيد وفيه يخاطب الرشيد بما يأتي: (من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فان الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقياً بحمل أضعافه اليها، لكن ذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها وافتد نفسك بما تقع به

стр. 7283

المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا)؛ وألقى سفراء الروم أمام عرش الرشيد حزمة من السيوف إشارة بإعلان الحرب، فغضب الرشيد لهذه الجرأة أيما غضب؛ وكتب بنفسه على ظهر كتاب ملك الروم؛ أما بعد فقد فهمت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه والسلام)، وبادر الرشيد إلى غزوا آسيا الصغرى على رأس جيش ضخم، فاجتاحها حتى هرقلية (٨٠٦م) فاضطرب نيكيفروس إلى طلب الصلح، وأرسل إلى الرشيد سفارة على رأسها أسقف سينادا، وعقدت بين الفريقين معاهدة جديدة، يتعهد فيها القيصر باصطلاح الحصون المخربة، وبأن يدفع جزية سنوية قدرها ثلاثون ألف دينار، وأن يدفع عن نفسه ثلاث قطع ذهبية من نوع خاص وثلاث أخرى عن ولده عنواناً لخضوعهما لأمير المؤمنين (للبحث بقية) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7284

منازل الفضل ١ - قصر الوالدة للأستاذ محمد محمود جلال يوم أراد الله أن أفرغ من الدراسة الابتدائية، وقد أتممتها في كنف الجمعية الخيرية الإسلامية في معهدها ببني مزار، اتجهت أنظارنا إلى القاهرة عاصمة البلاد تطلعاً لإكمال الدرس في معاهدها الثانوية لم يكن من ذلك بد، وقد قضت سياسة دنلوب، بتركيز الدراسة الثانوية بالعاصمة، وحرمان مديريات القطر من الخطوة الثانية للتعليم فضلاً عما أفسد من برامجه وشوه من خططه كثر التردد على القاهرة، بين تقديم الطلب، والاستعداد للكشف الطبي، والحرص على الظفر بمكان، إذ كان نطاق المدارس ضيقاً ومحاطاً بكثير من القيود تمشياً مع تلك السياسة كان ذلك في أواخر سنة ١٩١١ أي من نحو ربع قرن فإذا كان يوم الجمعة، ذهبنا إلى ملعب الكرة بالحلمية الجديدة مررنا بشارع البرموني. هناك يستوقف النظر تجمع كثير من النسوة والصغار يختلفن إلى دار في مواجهة (زقاق) صغير ينتهي بها فتغيره وتحيله ميداناً فسيحاً للرحمة والإحسان. . . . . كانت تلك الدار (مبرة محمد علي) تجد فيها فقيرات الأمهات وفقراء الأولاد رعاية عالية، وعطفاً كريماً: يلقين فيها يد الطب تأسو، ويد البر تواسي، تستنفذ اليدان بفضل الله أناسي من خلقه من براثن الأمراض وآلام الحياة فإذا سألت لمن هذا الَعلم؟ ومن يقوم على هذا البر؟ ومن يغذى تلك الشجرة المباركة! أجابك المغاثون الداعون هي: (الوالدة) أطال الله بقاءها (الوالدة)!! وأي اسم في الوجود أولى بهذه المعاني من هذا الاسم الكريم؟ وهل في الدنيا أكثر عطفاً من الوالدة!! أليس بين الاسم والفعل خير تناسق وأوثق صلة؟ إنا نرى اليوم في مصر كثيراً من مظاهر البر، وأماكن للعلاج وافية الأعداد، ولكنا حين نذكر ما كان، وحين أكتب اليوم، إنما ننظر واكتب عما كان منذ ربع قرن. كانت (مبرة محمد علي) لا تقل في عين الفقير عما يرى اليوم في عجيبة (الراديو) والطيران

стр. 7285

ولما أعلنت الحرب بين إيطاليا والدولة العلية، ونزلت جيوش الأولى شاطئ طرابلس، تحمس المصريون ذاكرين ما هم فيه وما بهم من ويلات الاحتلال الإنجليزي، يأسون جراح المجاهدين بفضل من المال وشيء من العون، رأينا (الوالدة) تتقدم الصفوف وخلفها الفضليات من نساء مصر يقمن بواجب الاغاثة، ويجمعن التبرعات، يوفين ما علبهن لله، وما في ذمتهن للحق والأخلاق هذه (سوق الإحسان) نافقة ترأسها (الوالدة)، وتلك دعوة للتشاور بين سيدات مصر في (قصر الوالدة)، وفي الصباح تتحلى صحف مصر بفاتحة التبرعات مصدرة باسم (الوالدة) وفي الحلمية الجديدة بناء جميل، تسمع به حركة ولا تسمع فيه لغواُ، يجمع كثيرين من أبناء البلاد، يتعلمون الصناعة، ينقل إليك الأثير نغمات آلاتهم توقع الأنشودة في تدعيم صناعة البلاد فإذا خطوت إلى شارع سليمان باشا، راعك مخزن فاخو، فخاره وروعته قطع الأثاث المتقن برعت فيه أيدي المصريين والعبقرية الفنية الموروثة، فبينا نرى المخازن والمحال تطلى وتنسق إعلاناً عما بها إذا بذلك المعرض يحلي المكان ويعلن عنه والعهد بذلك الحي أنه (إفرنجي) في مساكنه ومقاهيه ومخازنه، وإنك لمفترض إذن أن هذا المكان (لكريجر) أو (لجانسان)، أو غيرهما من تجار الأثاث الثمين. ولكنه قطعة من مدرسة الحلمية وقفت كالراووق لا تبقى للعرض إلا ماله قيمة حقيقية، تعلن في صدق عن حقيقة البلاد وأبناء البلاد ولإنتاج البلاد، في الحي الذي لا يقطنه إلا الأوربيون وكذلك كانت (الوالدة) شغل السمع والبصر التحقت بالمدرسة السعيدية، أجتاز من أجلها جسر قصر النيل في اليوم مرتين، فأمر بقصر (الوالدة) مرتين، ومن العجب أن يزداد المرء في كل نظرة شغفاُ بالقصر، وألا يكون لتكرار رؤيته إلا استزادة الإعجاب وامتلاء العين من محاسنه، على نقيض ما يعرو الإنسان عادة من ملل إذا تكرر المنظر، ولو في نزهة كان (قصر الدوبارة) أحب أحياء القاهرة إلي. فإذا أردت ترويحاً عن نفسي سرت على شاطئالنيل حذاءه، وإذا شعرت بضيق طلبت تفريجه في سويعات المساء بين مغانيه، وإذا جلت بالجزيرة وقفت على النيل من الشاطئالغربي أنظر إليه، وكثيراً ما طالعت العسير من

стр. 7286

دروسي في تلك الناحية فساغ فهمها وانجلى الكرب بلى إني تمنيت أن يكون لي فيه مسكن، وأن أصبح من قاطنيه، فلما استقر بنا المقام بشارع (الحوياتي) حمدت الله وقلت هذه خطوة في القرب منه، وقد أوشكت على الخروج من سلك الطلبة أدركنا من الحياة أكثر، وفهمنا بتقدم السن وتحول الأيام ما لم نكن ندرك من قبل، فإذا بي أبدأ اليوم متنزهاً في البكور بقصر الدوبارة، وأختم المساء بجولة في ربوعه، إذا أحسست القذى من قصر (العميد) لقيت الفرجة من (قصر الوالدة) كما يذهب عنك معرض الصنائع بشارع سليمان باشا، غصة التسلط الأجنبي في ميداني الصناعة والتجارة وفي سنة ١٩٣٢ أراد الله أن أظفر بشيء من الأماني، فسكنا داراً بالحي ذاته، وبلغ من عرفاني لجميل الله، وفيض السرور على قلبي أن قيدت في جريدتي الخاصة هذا الانتقال بما يستحقه فلما أن كان يوم جمعة، ومررت بالقصر في طريقي إلى مسجد (الشيخ بركات) هالني إعلانات تلصق على الجدار الأنيقة، يضعها صبيان دون إكتراث، فأخذت ووقفت أقرأ، الله أكبر، هذه إعلانات عن بيع أثاث القصر!!! لك الله يا دار! كنت مهبط رحمة، فرفعت بك (الوالدة) علم البر، وكنت منزل الفضل فدعوت للعلم، وقمت بإنشاء معاهدة وتمويلها، كنت آية الفن من الطلاء الخارجي والباب الكبير الجميل إلى الأثاث الداخلي الفاخر، وها أنت اليوم يعبث بجدرك صبية وقد كان يهاب المرور بها كبار! ويباع الأثاث، فتستباح من الشارين الدار. ولم ذلك؟ وفيم السخرية والتفريط فيك ووارثوك في نعمة وبسطة من العيش؟! وكيف هنت وأنت مصدر العزة لبيوتات طاهرة، وكنت الغوث والابقاء لدور وقصور وكذلك أصبح يوم الجمعة عندي - وهو يوم الجمع والرحمة - يوم العظة والاعتبار، يوم كشف لي فيه عن (مبرة محمد علي) سنة ١٩١١، ثم رأيت فيه ختام الآية، وكيف عبثت أطماع الدنيا بالتراث المجيد ومنذ حل الأجل، وبدأ المكلف بالبيع من الخبراء ينفذ إعلانه أقصرت عن الطريق وتخليت عن عادتي، وكرهت أن أرى كعبة العافين ومنار الفضل مزدحمة المسالك بالمتفرجين

стр. 7287

والعابثين علم أبي - عليه رحمة الله - بالبيع فطلب إليَّ أن أزور القصر واشترى أثاثاً ينقصنا لغرفة المائدة، وبقي بالقاهرة يومين ثم سافر إلى الريف لبعض شأنه وحين عودته سألني هل نفذت رغبته؟ وهل اقتنيت شيئاً؟ لقد كنت أهابه على رعايته لي، وما أظنني خالفت له مدى حياته رأياً، فلما سئلت لم أعدل بالحق شيئاً، قلت: لقد بر علي يا أبي - وقد أعجبت بالقصر فتى، وقدرت أثر صاحبته وأثره في عالم الخير والعلم لهذه البلاد شاباً - كبر علي أن تشترك قدماي في امتهانه فلئن لم يأبه منا ريحه ذوو الشأن، ولئن تدفقت الجموع تظفر بما يقتني، فإني سعيد بأن أقتني تذكاره، وأن أفي له بشيء من احترام الذكرى، ثم والأثاث موفور في مخازنه، وجيده اليوم معتدل الثمن سر أبي بنظرتي، وقال على الفور: (إنك أشبه بجدك، فقد ذهب مرة مع فريق من صحبه لزيارة الخديوي إسماعيل بالآستانة، وكانوا في جملة من كبراء البلاد يطالبون بتدخل الباب العالي لجلاء الاحتلال - والدولة في ذاك الوقت صاحبة السيادة - فلما جلسوا قدمت إليهم السجاير، وطاف الخدم يشعلونها للضيوف الكرام، أبى جدك أن يشعل سيجارته، وكان الخديوي إسماعيل قد كف بصره فلما سئل من بعض رفاقه بعد الانصراف من الزيارة، قال: (إني نقدت ظلمه، ومدحت إصلاحه - وهو خديوي - ولم أدخن أمامه بصيراً، وإني لأكره أن أدخن - وهو مكفوف البصر - احتراماً لعبرة مآله، وصوناً لذكرى عزته الأولى. قلت: الحمد لله، لقد أفدت وفاء وعلماً أين منه اقتناء حطام سريع البلى مهما دام، وقمت بما يرضي ضميري ولو في أضيق مجال واليوم أغلقت أبواب القصر؛ فلا حاجب ولا قاصد، واليوم تمر بقاعة (يورث) الأمريكي على قرب منه فترى رتل السيارات يزحم الطريق، جاءت بأصحابها يستمعون إلى ما يلقي في العلم والفن والأدب، بينا القصر العظيم، المقر السابق للسابقة بين المحسنين وأركان العلم يكاد يطمس سنا طلائه نسيج العناكب لا يرتفع فيه صوت بحديث ولا علم ولا فن أليس (قصر الوالدة) أولى مكان بنور العلم والأدب والفن؟ إنه أولاها، وإنه أرحب الأمكنة للفضل منذ نشأته

стр. 7288

فهل نرى في ورثته من الأمراء في القريب ما يعيده إلى مكانته ويعيد إليه روح الأنس بخير ما خلق الله للإنسان فيكون ذلك استمراراً لروحه، وأنساً لروح سكنت الخلد - هي روح (الوالدة). . . . . محمد محمود جلال المحامي

стр. 7289

(روز) للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني كان الظلام قد خيم بعد غيوب الشمس، وذهبت معارف الأرض، وانتقل كل مجسد إلى عالم الأشباح الغامضة، وتسربت الألوان المختلفة في السواد الذي غمرها، وتحول الجو من طلاقة الاعتدال وطيبه إلى البرد، كعادته في هذه المناطق الصحراوية، فتحول أهل البيت إلى الحجرات طلباً للدفء، أو اتقاء لما يجر إليه التعرض للقر، وكان البواب النوبي يتمشى في الحديقة بعد أن خلت من المتنزهين وفي يده مسبحته الطويلة التي لا تفارقه، فهي على عنقه كالعقد إذا لم تكن حباتها بين أصابعه، وكان قد وصل إلى آخر الممر، ودار ليعود، فقال له حوضُ الأذريون - أو هكذا خيل إليه -: (هشش!) فنظر مبهوتاً إلى هذا الزهر الأصفر ذي الخمل الأسود، وتعجب من نطقه، فلولا فرط الدهشة للاذ بالفرار، فقد كان من المؤمنين بالعفاريت وركوبها الناس واتخاذها أشكالاً وصوراً شتى، وتقمصها أجسام الحيوان، ولم يكن بعيداً في التصور عنده أن تطلع من أحواض الزهر ومنعته الدهشة أن يجيب بشي. وأي جواب لمثل هذا النداء سوى الالتفات إلى مصدر الصوت؟ ولا مصدر له يعلمه سوى هذا الحوض وعاد الصوت الخفي يقول: (هشش!) ولكنه لم يصدر في هذه المرة عن الحوض، بل انتقل إلى ما وراء الزرع المفرش على السور الحديدي، وكفى بهذا التحول سبباً للرعب، فما يمكن أن يجيء الصوت من الإمام مرة، ومن الخلف مرة إلا إذا كان صاحبه عفريتاً من الجن، فانطلق البواب يعدو كالنعامة إلى حيث يرجو أن يجد أنيساً يذهب عنه الخوف وسخط العفريت لما رأى فريسته تفلت من يده، وتخلص من ألفاف الشجر المتشجنة تخلصاً لا يعود بحسن السمعة وطيب الأحدوثة على الجن قومه، ولا يشهد لهم بالبراعة والحذق،

стр. 7290

فلما صار في الممر أخذ ينفخ من الجهد وينقض التراب عن ثيابه، ويلعن البرابرة وجبنهم. ولما أوسعهم لعناً، وشفى قلبه مما يجد عليهم تحول إلى نفسه، ولم يبخل عليها بحظ وافٍ من التعنيف والتقريع على ما كلفته سخافته من الزحف وراء الشجر الأشب من تلويث الثياب والتعرض للحشرات، وأحس - حين ذكر الحشرات - كأن بعضها - جيشاً كاملاً منها - يسير على ظهره تحت ثيابه وفي هذه اللحظة، وقبل أن يتم ما بدأه من إبداء الرأي في نفسه ويصارحها به على أكمل وجه، سمع من الشرفة صوتاً يناديه باسمه، فكان من أثر المفاجأة أن رد: (نعم) بصوت عال، ولم يكد ينطق بهذه الكلمة المفردة حتى أدركته. الندامة وعاد سخطه فعظم على نفسه، فلو استطاع أن يجردها أمامه شخصاً لقتله بلا تحرج، ولم يسعه بعد أن وشى بنفسه إلا أن يمشي إلى حيث دعُي فأجاب، وكان الله في عونه حين يدعو الفضول إلى السؤال! وفي هذه اللحظة كانت (روز) - كلبة البيت - قد شبعت من تفتيشه والإحاطة بمداخله وخارجه، واختبار الكراسي والبحث عما عسى أن يكون تحتها، وما لعلعه مخبأ وراء الستائر، وحدثتها نفسها بالخروج إلى الحديقة لعل فيها قطعة، أو عظمة تتسلى بها، فقد كانت (روز) طالبة لهو بريء، وسيان عندها أن يكون الملهو به حيواناً مثلها أو جماداً، ولكن الباب كان مغلقاً اتقاء لتيارات الهواء، ولو لم يكن في وسع (روز) أن تفتحه بغير معونةٍ من الإنسان، فوقفت أمامه - أو لصقه - وجعلت تحك أنفها فيه منتظرة أن يدخل داخل أو يخرج خارج وسرعان ما استجاب الله دعاءها وحقق رجاءها، فقد دفع صاحبنا الباب ودخل وهو ينفخ، ولم يكن يدري أن (روز) وراءه وأن أنفها أصابته منه ضربة قوية، أدرات رأسها وآلمتها وأخرجتها عن طورها. وكانت (روز) كلبة رقيقة الإحساس لينة العريكة، وقد ألفت أن يداعبها الناس - رجالاً ونساء وأطفالاً - واعتادت إذا مسها أذى غير مقصود، أن يسرع المسيء إلى ملاطفتها والاعتذار إليها، ولذلك أدهشها أن ترى صاحبنا يضربها بالباب ويكاد يبطط لها أنفها الجميل، ويمضي كأنما لم يحدث شيء على الرغم من الصرخة العالية التي أطلقتها من الألم، وهاجها هذا السلوك فانطلقت تجري حتى صارت أمامه ونبحته نبحتين كأنما تقول له:

стр. 7291

(لحظة من فضلك! لحظة واحدة، إذا سمحت!) فقال صاحبنا بجفوة: (اذهبي عني - فلست أحب الكلاب!) فقالت (روز): (صحيح؟ أهو ذاك؟ ومن تظن نفسك أيها الحلوف القذر حتى تضرب فتاة مثلي على أنفها؟) فبشور صاحبنا بيديه مرة أخرى ليصرفها، لكنها ألحت عليه بالنباح قائلة: (إن أمثالك في الدنيا هم الذين يحدثون الثورات والفتن والهزاهز. وما أظن بك إلا أنك من الملاّك الجشعين الذين يظلمون الفلاحين العاملين في أرضهم، ويلقون بهم في أحضان المهيجين والبلاشفة. . . .) فضاق صدر صاحبنا، ورفسها برجله، ولم يرفسها في الحقيقة وإنما حرك ساقه حركة الرفس، فلم تصبها رجله، فقد كان يريد المعنى لا الفعل؛ ولكن (روز) كانت كلبة حرة تكفيها الإشارة، فغضبت جداً لكرامتها، ووثبت وثبةً مكنت أسنانها الحادة من طرف السترة فغرزتها فيها وجذبتها بكل ما فيها من قوة، فانهارت الظهارة، وتكشفت عن البطانة، وكانت لا تزال فائرة النفس، فهمت بوثبة أخرى، ولكن فتاة من أهل البيت دخلت في هذه اللحظة، فصاحت بها: (روز. . . روز. . . .!) فالتفتت (روز) على الصوت، وأدركت بذكائها الكلبي أن لا رجاء بها بعد ذلك في مواصلة الكر والفر، فدست ذيلها بين فخذيها واختفت وقال الفتاة لصاحبنا: (آسفة جداً. . . . .) فنظر صاحبنا إليها مقطبا، ثم صوب عينه إلى سترته، وتناول الطرف المهلهل بيمينه، فغلا دمه، وشعر برغبة جامحة في أن ينقص تعداد القطر المصري واحدة، غير أنه استطاع بجهد أن يكبح نفسه، فما يليق أن يكون كالكلبة حماقة، ولا سيما في حضرة سيدة وقال: (لا بأس! لا بأس! أعني لا شيء. . . هي غلطتي، وإن كنت لا أعرف كيف أسأت إليها. . . هل اسمها روز؟)

стр. 7292

قالت الفتاة: (نعم. . . روز. . . . اسم جميل، أليس كذلك؟) قال: (ولكن الفعل غير جميل. . . والبذلة جديدة قبحها الله. . . أعني الكلبة لا البذلة. . . معذرة. . .! على كل حال يجب أن أرحل الآن، فما أستطيع البقاء بهذه الثياب الممزقة. . . استودعك الله. . .) وهكذا مزقت (روز) ثيابي. . . ومن أجل هذا صرتُ أكره الكلاب بأنواعها، من مجازية وحقيقية، ولا أطمئن إليها، ولا آمن من غدرها، ولي الحق. أليس كذلك؟ إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 7293

- قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور احمد زكي وكيل كلية العلوم اسبلنزاني ثاني غزاة المكروب (مات لوفن هوك وآ أسفاه! فمن بعده لدراسة تلك الحيوانات الصغيرة؟). هكذا تساءل رجال الجمعية الملكية بإنجلترا، وهكذا تساءل روُمور، ورجال الأكاديمية الفرنسية الألمعية في باريس. سؤال أجابته الأيام سريعاً، فان قماش (دلُفت)، لم يكد يُغمض عينته في عام ١٧٢٣ ليستريح تلك الراحة الطويلة الأبدية التي استحقها بعد طول جهد وعناء، حتى ولد في عام ١٧٢٩ صيادٌ للمكروب جديد، وذلك في بلدة (إسكانديانو) في شمال إيطاليا على بعد ألف ميل من مضجع (لوفن هوك). وكان اسم هذا المولود الجديد (لازارو اسبلنزاني) نشأ وترعرع فإذا به ولد يلثغ بالشعر بينا هو يلعب بالطين يصنع منه الكعك والفطير، ثم يعزُف عن طينه ويذهب في فطيره ليلهو بالخنافس والبق والذباب وأشتات الديدان يُجري عليها تجارب قاسية، هي عبث الصبي الذي لا يَحذق التجربة ولا يدر مبلغ الألم الذي تأتيه يداه. كان يُغرم بالطبيعة ويهوي الأشياء الحية، وبدلاً من أن يُبرم والديه بكثرة السؤال عنها، كان يمتحنها بنفسه، فينزع عن هذه رجليها، وعن هذه جناحيها، ثم يحاول أن يُثبتهما حيت كانا. كان يجب أن يعرف كيف تعمل الأشياء، ولم يكن يأبه كثيراً بأشكالها وظواهرها وخاصم أهله كما فعل (لوفن) في تقرير ما يدرس من العلوم، وجاهدهم كثيراً من أجل دراسة المكروب. وكان أبوه محامياً، فبذل مجهوداً كبيراً في أن يُحبب إلى ابنه وثائق من القانون طويلة، وصحائف من حجج الدفاع عريضة، ولكن الصبي كان يهرب من هذا وذاك، فيذهب إلى بعض الجداول فيقذف سطحها برقيق الحجر، ويعجب من أن الحجر يقشط الماء ولا يغطس فيه وكان يُغصب في الامساء على الجلوس إلى دروس لا لذة له فيها، فلا يكاد أبوه يوليه ظهر، حتى يقوم إلى الشباك ينظر إلى سماء إيطاليا وهي ناعمةٌ كالقطيفة السوداء قد تبعثرت عليها النجوم البيضاء، ثم يُصبح الصباح فيأتي رِفاقَه في اللعب يُلقى عليهم دروساً فيها حتى أسموه المنجم وتأتي الإجازات فيضرب بجسمه العظيم في الغابات؛ فذات مرة وقعت عينه فيها على

стр. 7294

نافورات طبيعية يخرج منها الماء راغياً مزبداً، فحملق فيها من الدهشة، وذهب عنه لعب الطفولة وعبثها، وعاد أدراجَه يفكر تفكير الرجال. ما سبب هذه العيون وكيف كانت؟ لم يُحر جواباً إلا حكاية حكاها له ذووه والقسيس: أن فتيات جميلات ذهبن في الغاب فَضلِلْنَ الطريق بين أحراجه، فأحَسن الوحشة، فبكين، فانقلبت دموعهن عيوناً تتفجر ما شاء الله وكان (لازارو) ابناً طيعاً، وان فيه خُلق الساسة، فلم يجادل أباه ولا القسيس، وإنما سخر من تعليلهم وأخفى سخريته في نفسه، واعتزم أن يكشف عن سر هذه النوافير يوماً وكان (اسبلنزاني) في صباه شغوفاً بالكشف عن أسرار الطبيعة شغف (لوفن هوك)، ولكنه خالفه في السبيل التي سلك ليكون عالماً باحثاُ. قال لنفسه: (والدي يصر على تعليمي القانون، وأنا أصر على غير القانون، إذن فسيعلمن مشيئة من تكون). وتظاهر أمام والده بحب القانون والإقبال على الوثائق الشرعية، ولكنه أقبل في كل أوقات فراغه إقبالاً مريعاً على دراسة الرياضة والمنطق واللغة الإغريقية والفرنسية، وفي عطلاته كان ينظر إلى الأحجار تطير فتكشط جلد الأنهار، وإلى الماء الفوار يتدفع من النبع الثرثار، ويحلم بالبراكين تقذف بالنيران مختلفة الألوان، ويحلم باليوم الذي يفقه فيه منشأها ومنتهاها واستيقظت في نفسه الحيلة، فذهب إلى العالم الطبيعي الشهير (فالسنيري) وأفضى إليه بمكنون علمه فأكبره الرجل العظيم وصاح به: (إنك يا بني خلقت للعلوم فما إضاعة وقتك في كتب القانون؟). فقال الماكر: (ولكن، سيدي، إن أبي يصر، وما للابن غير الطاعة!) فذهب فالسنيري إلى أبيه غاضباً حانقاً، فلما لقيه وبخه على العبث بمواهب إبنه وإضاعته في تعلم صناعة لا يعود عليه منها غير النفع والمال. (إن ولدك يا هذا يبشر أن يكون بحاثة كبيراً. إنه يشبه جاليليو. وسيشرف اسكانديانو ويرفع ذكرها في الوجود) ورضي الوالد وذهب الإبن إلى جامعة ريجيو ليحترف دراسة العلوم وكان الزمان قد استدار قليلاً، فأصبح طالب العلوم الطبيعية ذا حظ أوفر من احترام الناس، ونصيب أكبر من الأمن على نفسه وحياته عما كان الحال يوم بدأ (لوفن هوك) ينحت عدساته. فان محكمة التفتيش كانت قد بدأت تتخاذل قليلاً، وتستر أنياباً كشفت عنها طويلا، فأخذت تطلب الزندقة، لا عند المعروفين النابهين أمثال سرفيتوس وجاليلو، بل عند النكرات الخاملين، فعلى هؤلاء المستضعفين تجنت، وألسنتهم قطعت، وأبدانهم حرقت ولم

стр. 7295

تعد (المدرسة المتسترة) تتستر، فقد كانت خرجت عن أقبيتها السوداء وقيعانها الظلماء، إلى ظهر الأرض حيث الهواء والضياء. ونالت الجمعيات العلمية في كل مكان رعاية الملوك وحماية البرلمانات. وأصبح من المأذون به أن يتشكك الناس في الخرافات، وأن يتحدث الناس حديث الترهات الشاسعة، حتى لبدأ أن يكون ذلك سمة العصر، والطراز الجديد المختار لذلك الزمان. وأخذ الناس يطلبون الحقيقة وقاموا يبحثون عنها في الطبيعة. ولم يلبث البحث العلمي، بما يتضمنه من لذة وما بلغه من وقار، أن شق لنفسه طريقاً إلى حظائر الفلاسفة، فقطع عليهم عزلتهم وحركهم عن سكونهم. فقام فولتير إلى ريف فرنسا وأوحاشها، وقضى فيها السنين الطوال يتفقه فيما اكتشفه نيوتن، لينشره في قومه من بعد ذلك ويؤلفهم عليه. ودخل العلم حتى في دور الندوة، والصالونات الفخمة، فاختلط فيها بالسمر النادر، واختلط فيها أحياناً بالعهر الفاخر. وأكب ذوات العصر، وذوات المجتمع أمثال مدام بمبادور على دائرة المعارف المحرمة يطلبون عندها فن توريد الخدود وتزجيج الحواجب، وصناعة الجوارب، وإلى جانب ما أثاره العصر المجيد الذي عاش فيه اسبالنزاني من الاهتمام بكل شيء كبير وصغير، من ميكانيكا النجوم إلى رقصات الأحياء الصغيرة في الماء، أخذ يشيع في الناس احتقارا مسموعا للدين، ولكل رأي حمته سلطة من أي نوع كانت، حتى تلك الآراء التي بلغت من القدم والقداسة مبلغاً كبيراً. ففي القرن الأسبق كان الرجل يعرض نفسه للأذى وحياته للخطر إذا هو قرأ كتب أرسطو في الحيوان، وضحك على ما فيها من حيوانات معكوسة مقلوبة لا تمت إلى الممكنات بسبب قريب أو بعيد. أما في هذا القرن فالرجل كان يستطيع أن يكشف عن سنه في نور النهار باسماً ساخراً وأن يقول ولو في شيء من الخفوت: لأنه أرسطو لا بد من تصديقه ولو كذب. على أن الدنيا كان لا يزال بها جهل كثير، وعلم كاذب كثير، حتى في الجمعيات الملكية والأكاديميات. وما كاد (اسبالنزاني) أن يتخلص من دراسة القانون، ومما يتبعه من مستقبل مليء بالمحاكمات التي لا حصر لها، والمخاصمات التي لا نهاية لها، حتى قام يحصل بكل ما فيه من قوة كل ما يستطيع من معرفة، من أي نوع كانت، ويمتحن شتى النظريات من أي مصدر جاءت، وأن ينفض عن نفسه احترام المحجّات الثّقات مهما علا صيتهم وشاع ذكرهم، واختلط بكل الناس من الأساقفة السمان، إلى موظفي الحكومة، إلى

стр. 7296

أساتذة العلم، إلى ممثلي المسارح، إلى العازفين بالأشعار على القيثار كان في خلقه نقيضَ (لوفن هوك) أبعد النقض عاش (لوفن) عزوفاُ جلداً صبوراً، ونحت العدَس وحدق في الأشياء زُهاء عشرين عاماً قبل أن يسمع به أحد، أو يُحس وجوده العلماء. أما (أسبالنزاني) ففي سن الخامسة والعشرين ترجم عن القدماء من الشعراء، وانتقد الترجمة الإيطالية لهوميروس، وكانت لها في قلوب الناس منزلة مستقرة وتقدير مكين، ودرس الرياضيات مع ابنة خاله (لورا باسي) الأستاذة الشهيرة بجامعة ريجيو فبرع فيها، وعندئذ أخذ يكشط سطح المياه بالحجارة، لا اللهو واللعب كما كان يفعل صبياً، بل للجد والدراسة؛ وكتب بحثاً في الحجارة، وكشطها لسطح الماء، وترسم قسيساً في الكنيسة الكاثوليكية، وأخذ يرتزق بما يقيم من القداديس قلنا إنه يحتقر في الخفاء كل سلطة، ومع ذلك نجده تملق هذه السلطات نفسها وكسب عطفها، وعاش هادئاً في أكنافها يعمل في مأمن من كل تهويش وإزعاج، وترسم قساً حامياً للدين، مدافعاً دفاع الأعمى عن حوزة اليقين؛ فإذا به يطلق لنفسه العنان إطلاقاً يسومها على التشكك في كل شيء، وعلى رفض التسليم بأي شيء، إلا وجود الله، لا إله الكنيسة التي صورته، ولكن إله عظيم فخم يهيمن على تلك الخلائق أجمعين. وقبل أن يبلغ الثلاثين من عمره تعين أستاذاً بجامعة (ريجيو) فأنصت لدروسه الطلبة في حماس ظاهر وإعجاب ثائر. وهنا في تلك الجامعة بدأ تجاربيه على تلك الحيوانات الصغيرة الضئيلة العجيبة التي أغراها (لوفن هوك) بالصبر الطويل والحيلة الواسعة على البروز من ذلك الخضّم الشاسع المظلم الذي احتجبت فيه منذ الخليقة عن عين الإنسان، والتي أوشكت من بعد وفاته أن تنسل راجعة إلى ظلمة ذلك المجهول بالترك والإهمال والنسيان لقد كان من الجائز المقدور أن تُنسى تلك الخلائق الصغيرة، وإن عطف عليها القدر، فقد كان من الجائز الميسر أن تحظى بين الناس بنصيب من الذكر بقدر ما تحظى به الأعاجيب يتلاهى الناس بها ويتفاكهون عليها، ولكن نقاشاً قام بين أرباب الفكر بسببها ضمن لها الحياة كاملة، لأنه كان نقاشاً عنيفاً خاصم فيه الأصدقاء الأصدقاء، وود فيه العلماء الأساتذة أن يفلقوا جماجم الأحبار القساوسة. أما موضوع الخصام فهو ذاك: أيمكن من العدم أن تُخلق الأحياء، أم لا بد لها من آباء؟ أخلق الله الخلائق في ستة أيام، ثم

стр. 7297

نفض يديه من الخليقة واستوى على العرش يُهيمن ويَسوس، أو هو لا يزال يتسلى من آن لآن بخلق جديد؟ أما الرأي الشائع في ذلك الزمان، فكان أن الشيء قد يخرج من لا شيء، وأنه لا ضرورة للآباء في كل حالة لتكون الأبناء، وإن في الأقذار المركومة والأوساخ المهيلة تتولد المواليد من غير والد. وإليك وصفة من تلك الوصفات يضمن لك ذلك العصر أنك تحصل بها على ثول عظيم من النحل: خذ ثوراً صغيراً واقتله بضربة على رأسه، وادفنه واقفاً في الأرض حتى لا يظهر منه إلا قرناه، واتركه شهراً، ثم عد إليه فانشر قرنيه يخرج مهما النحل طائراً في كثرة وزحام أحمد زكي

стр. 7298

الليث بن سعد محدث مصر وفقيها ورئيسها للأستاذ علي الطنطاوي تتمة قال الإمام الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به وقال الإمام أحمد: ليس في أهل مصر أصح حديثاً من الليث وقال الإمام الشافعي: الليث أتبع للأثر من مالك وان ابن وهب يقرأ على الشافعي مسائل الليث فمرت به مسألة، فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكاً يجيب فيجيب هو، فقال ابن وهب لرجل: بل كأن مالكاً كان يسمع الليث يجيب فيجيب هو، والله الذي لا آله إلا هو ما رأينا أفقه من الليث وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضل الناس وقال الدراوردي: رأيت الليث عند يحيى بن سعيد وربيعة وانهما ليرجرجان له رجرجة ويعظمانه وقال الذهبي: وكان من بحور العلم له حشم وافر، وكان نظير مالك قال ابن عساكر: كان كبار العلماء يعرفون فضله ويشيرون إليه وهو شاب، وقيل له: أمتع الله بك، إنا نسمع منك الحديث ليس في كتبك؟ قال: أو كل ما في صدري في كتبي؟ لو كتبت ما في صدري ما وسعه هذا المركب! منزلته عند الخلفاء والولاة قال الليث: قال لي أبو جعفر: تلي لي مصر؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، إني أضعف عن ذلك، إني رجل من الموالي فقال: ما بك ضعف معي إلا ضعف بدنك، أتريد قوة أقوى مني؟ ولكن ضعفت نيتك في العمل عن ذلك، فأما إذ أبيت فدلني على رجل فقلت: عثمان بن الحكم الجذامي، رجل له صلاح وعشيرة فبلغ ذلك عثمان فحلف ألاّ يكلمني فلما أردت أن أودعه قال لي: قد رأيت ما سرني من سداد عقلك فاتق الله في الرعية أمثالك

стр. 7299

وقال يعقوب بن داود وزير المهدي: قال لي أمير المؤمنين لما قدم الليث بن سعد بغداد: إلزم هذا الشيخ، فقد ثبت عند أمير المؤمنين أنه لم يبق أحد أعلم بما حمل منه وقال لؤلؤ خادم الرشيد: جرى بين هرون الرشيد وبين بنت عمه زبيدة بنت جعفر كلام، فقال هرون: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة. ثم ندم فجمع الفقهاء فاختلفوا. ثم كتب إلى البلدان، فاستحضر علماءها إليه، فلما اجتمعوا جلس لهم فسألهم فاختلفوا، وبقي شيخ لم يتكلم، وكان في آخر المجلس وهو الليث بن سعد. فسأله فقال: إذا أخلى أمير المؤمنين مجلسه كلمته، فصرفهم. فقال: يدنيني أمير المؤمنين. فأدناه. فقال: أتكلم على الأمان؟ قال: نعم. فأمر بإحضار مصحف، فأحضر، فقال: تصفحه يا أمير المؤمنين حتى تصل إلى سورة الرحمن فاقرأها، ففعل، فلما انتهى إلى قوله تعالى (وَلَمِنْ خافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنتانِ) قال: أمسكْ يا أمير المؤمنين، قل: والله. . . فاشتد ذلك على هرون. فقال: يا أمير المؤمنين الشرط أملك فقال: والله (حتى فرغ اليمين). قال: قل، إني أخاف مقام ربي. فقال ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، فهما جنتان، وليست بجنة واحدة! (قال) فسمعنا التصفيق والفرح من وراء الستر، فقال الرشيد: أحسنت. وأمر له بالجوائز والخلع، أمر له بأقطاع الجيزة، ولا يتصرف أحد بمصر إلا بأمره، وصرفه مكرماً قال الليث: وسألني هرون الرشيد: ما صلاح بلدكم؟ قلت: يا أمير المؤمنين صلاح بلدنا إجراء النيل وصلاح أميرها. وإنه من رأس العين يأتي الكدر فإذا صفا رأس العين صفت العين قال: صدقت يا أبا الحارث وقال السيوطي: كان نائب مصر وقاضيها من تحت أوامر الليث، وكان إذا رابه من أحد شيء كاتب فيه فيعزله قال ابن أبي مريم: كان إسماعيل بن اليسع الكندي من خير قضاتنا، غير أنه كان يذهب مذهب أبي حنيفة في إبطال الحبس فأبغضوه، فجاء الليث فجلس بين يديه، فرفع إسماعيل مجلسه، فقال: إنما جئت إليك مخاصما، قال: في ماذا؟ قال: في أحباس المسلمين، قد حبس رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر

стр. 7300

وعثمان وعلي وطلحة والزبير فمن بقي بعد هؤلاء؟ وقام فكتب إلى المهدي، فورد الكتاب بعزله. فأتاه الليث فجلس إلى جنبه، وقال للقارئ: اقرأ كتاب أمير المؤمنين، فقال له إسماعيل: يا أبا الحارث، وما كنت تصنع بهذا؟ والله لو أمرتني بالخروج لخرجت؟ فقال له الليث: والله إنك لعفيف عن أموال الناس وكان في كتاب الليث إلى المهدي: أنا لم ننكر عليه شيئاً غير أنه أحدث أحكاماً لا نعرفها ولما أذن موسى بن عيسى للنصارى في بنيان الكنائس التي هدمها علي بن سليمان، بنيت كلها بمشورة الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة منزلته عند الناس كان له أربعة مجالس يجلس فيها كل يوم، فيجلس ليأتيه السلطان في نوائبه وحوائجه. وكان الليث يغشاه السلطان، فإذا أنكر من القاضي أمراً أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين فيأتيه العزل، ويجلس لأصحاب الحديث، وكان يقول نحو أصحاب الحوانيت فان قلوبهم متعلقة بأسواقهم، ويجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه، ويجلس لحوائج الناس فلا يسأله أحد من الناس حاجة فيرده، كبرت حاجته أم صغرت. . . وقال منصور بن عمار: كان الليث إذا تكلم رجل في المسجد الجامع أخرجه، فلما دخلت مصر تكلمت في جامع، فإذا رجلان قد دخلا فأخذاني، فقالا: أجب أبا الحارث، فذهبن وأنا أقول: واسوأتاه أخرج من البلد هكذا. . . فلما دخلت على الليث سلمت، فقال: أنت المتكلم في المسجد؟ قلت: نعم. قال: أعد علي ما قلت، فإعدته، فرق الشيخ وبكى، وقال: ما اسمك؟ قلت: منصور بن عمار. قال: أبو السري؟ قلت: نعم. فدفع إلى كيساً وقال: صُنْ هذا الكلام عن أبواب السلاطين، ولا تمدحن أحداً من المخلوقين، بعد مدحك لرب العالمين، ولك علي في كل سنة مثلها وكتب إليه مالك في رسالة: (. . . وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك وحاجة من قبلك إليه. . . الخ) وقال له يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد رآه يفعل شيئاً من المباحات: لا تفعل، فانك إمامُ

стр. 7301

منظور إليك سعة وكرمه قال شعيب بن الليث: كان أبي يستغل في السنة ما بين عشرين ألف دينار إلى خمسة وعشرين ألفاً، فتأتي عليه السنة وعليه خمسة آلاف دينار ديناً وقال محمد بن رمح: كان دخله ثمانين ألف دينار في العام وما أوجب الله عليه زكاة قط وخرج يوماً فقوموا ثيابه ودابته بثمانية عشر الف درهم إلى عشرين ألفاً، وخرج شعبة فقوموا حماره وسرجه ولجامه بثمانية عشر إلى عشرين درهما وقال أبو رجاء: قفلنا مع الليث من الإسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن: سفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه قال عبد الله بن صالح (كاتبه): صحبت الليث عشرين سنة لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس، وان لا يأكل إلا بلحم، إلا أن يمرض، وكان لا يتردد إليه أحد إلا أدخله من جملة عياله مادام يتردد عليه ويسمع منه، فإذا أراد الخروج زوده بالبلغة إلى وطنه وكان يتخذ لأصحابه الفالوذج، ويعمل فيه الدنانير، ليحصل لمن أكل كثيراً أكثر من صاحبه! وكان يطعم الناس الهرايس بعسل النحل وسمن البقر في الشتاء، وفي الصيف باللوز والسكر وكان يصل مالكاً كل سنة بمائة دينار، فكتب إليه مرة أن عليّ ديناً، فبعث اليه بخمسمائة دينار. وكتب إليه مالك مرة إني أريد أن أُدخل ابنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي بشيء من عصفر قال ابن وهب: فبعث إليه بثلاثين جملاً محملة عصفراً فصبغ منه لابنته، وباع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده فضلة قال أبو صالح (كاتبه): كنا على باب مالك بن أنس فامتنع علينا (أي احتجب) فقلنا: ليس يشبه هذا صاحبنا، فسمع مالك كلامنا فأمر بإدخالنا عليه، فقال لنا: من صاحبكم؟ قلنا: الليث بن سعد قال: تشبهوني برجل كتبت إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا، فأنفذ إلينامنه ما

стр. 7302

صبغنا به ثياب صبياننا وثياب جيراننا، وبعنا الفضل بألف دينار؟ ولما حج الليث أهدى إليه مالك طبقاً فيه رطب، فرد إليه على الطبق ألف دينار ولما احترقت دار ابن لهيعة وصله بألف دينار، وصل منصور بن عمار القاضي بألف دينار وكان يجيء إلى المسجد كل يوم على فرس، فيتصدق كل صلاة على ثلثمائة مسكين، ولم يكن يرد سائلاً: أتاه مرة سائل فأمر له بدينار، فأبطأ الغلام به فجاء سائل آخر فجعل يلح، فقال له الأول: اسكت. فسمعه الليث فقال: مالك وله؟ دعه يرزقه الله، وأمر له بدينارين قال منصور بن عمار: كنت عند الليث جالساً فأتته امرأة ومعها قدح، فقالت: يا أبا الحارث إن زوجي يشتكي وقد نُعت لنا العسل. فقال: اذهبي إلى الوكيل فقولي له يعطيك. فجاء الوكيل يسارّه بشيء. فقال له الليث: اذهب فأعطها مطراً، إنها سألت بقدرها فأعطيناها بقدرنا (قال: والمطر عشرون ومائة رطل) واشترى قوم من الليث ثمره بمال، ثم إنهم ندموا فاستقالوه فأقالهم، ثم استدعاهم فأعطاهم خمسين ديناراً وقال: إنهم كانوا أملوا أملاً فأحببت أن أعوضهم وقال أسد بن موسى: كان عبد الله بن علي يطلب بني أمية فيقتلهم، فرحلت إلى مصر فدخلتها في هيئة رثة، فزرت الليث، فلما خرجت من منزله تبعني خادم له في دهليزه، وقال: اجلس حتى أخرج اليك، فجلست، فلما خرج وأنا وحدي، دفع إليّ صرة فيها مائة دينار، وقال: يقول لك مولاي أصلح بهذه النفقة أمرك، ولم شعثك، وكان معي في حُجزتي ألف دينار، فقلت للخادم: أدخلني على الشيخ فإني في غنى عن هذه المائة، فاستأذن لي عليه، فأخبرته بنسبي، واعتذرت إليه عن رد المائة، أخبرته بما معي، فقال: هذه صلة وليست بصدقة، فقلت: أكره أن أعود نفسي هذه العادة، وأنا في غنى، قال: أدفعها إلى بع أصحاب الحديث ممن تراه مستحقا فلم يزل بي حتى أخذتها ففرقتها في جماعة وفاته

стр. 7303

توفي الليث يوم الجمعة ١٤ شعبان سنة ١٧٥ قال خالد بن عبد السلام الصدفي: جالست الليث بن سعد، وشهدت جنازته مع أبي، فما رأيت جنازة قط بعدها أعظم منها، ولا أكثر من أهلها، ورأيت الناس كلهم في جنازتهم عليهم الحزن، يعزى بعضهم بعضاً ويبكون، فقلت: يا أبت كأن كل واحد من هؤلاء صاحب الجنازة! فقال: يا بني، كان عالماً كريماً، حسن العقل، كثير الأفضال، يا بني لا ترى مثله أبداً. . . . قال بعض أصحابه: ولما دفناه سمعنا صوتاً وهو يقول: ذهب الليث فلا ليث لكم … ومضى العلم قريباً وقُبر فالتفتنا فلم نر أحداً وصلى عليه موسى بن عيسى الهاشمي، ودفن في القرافة الصغرى، رضى الله تعالى عنه وبوأه من الجنة غرفاً هذا ما بقي من هذه السيرة الجليلة، متفرقاً في شتى الكتب، ومختلف الأجزاء، وقد ضاع سائرها، كما ضاع هذا التراث العلمي الضخم، فرحمة الله على أولئك الأجداد الذين بنوا وشادوا، وألفوا وجمعوا، وعلموا وعملوا، ورزقنا التأسي بأعمالهم، والسير على سننهم. . . وألهمنا إحياء تاريخنا، ونشر ماضينا علي الطنطاوي

стр. 7304

١٦ - محاورات أفلاطون الحوار الثالث فيدون أو خلود الروح ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود - وإذن فلنعد الآن إلى حوارنا السابق - هل يتعرض ذلك المثال، أو الجوهر، الذي نعرفه في سياق الكلام، بأنه كنه الوجود الحقيقي - سواء في ذلك كنه المساواة، أو الجمال، أو أي شيءٍ آخر - أقول هل تتعرض هذه الجواهر، على مر الزمن، إلى شيء من التغير؟ أم كلاً منها يبقي هو ما هو دائماً، له نفس ما له من صور توجد بنفسها، لا تتغبر، ولا تقبل التحول بتاتاً، كيفما كان، أو في أي وقت كان؟ فأجاب سيبيس - إنها لابد أن تكون دائماً كما هي يا سقراط، - وماذا أنت قائل في تعدد الجميل - سواء أكان أناساً، أم لباساً، أم جياداً، أم أي شيء آخر يمكن أن يسمى متساوياً أو جميلاً - أهي كلها لا تخضع للتغير، وتبقى كما هي دائماً، أم أنها نقيض ذلك تماماً؟ أليس الأولى أن توصف بأنها متغيرة في الأغلب، وأنها لا تكاد تبقى أبداً كما هي، سواء مع أنفسها، أو بعضها مع بعض؟ فأجاب سيبيس: إنها الأخيرة. إنها دائماً في حالة من التغير - وأنت تستطيع أن تلمسها، وأن تراها، وان تدركها بالحواس، فأما الأشياء الثابتة، فلا يمكنك إدراكها إلا بالعقل - إنها تخفي على الأبصار فلا تُرى فقال هذا جد صحيح فأضاف - حسناً، لنفرض إذن أن ثمت ضربين من الوجود: وجوداً مرئياً، ووجوداً خفياً - لنفرضهما والمرئي هو المتغير، والخفي هو الثابت - يمكن فرض ذلك أيضاً - أليس الجسد، فضلاً عن ذلك، جزءاً منا، وما يبقى هو الروح؟ - ليس في ذلك شك

стр. 7305

- تُرى إلى أي نوع من هذين يكون الجسد والجلد أشبه؟ - ظاهر أنهما أشبه بالمرئي: إن أحداً لا يشك في ذلك - وهل الروح مرئية أم خفية؟ - لم يرها إنسان يا سقراط - وهل نقصد (بالمرئي) و (الخفي) ما تراه عين الإنسان وما لا تراه؟ - نعم، بالنسبة إلى عين الإنسان - وماذا تقول عن الروح؟ أهي مرئية أم خفية؟ - إنها لا تُرى - هي خفية إذن؟ - نعم وإذن فالروح أشبه بالخفي، والجسد أشبه بالمرئي؟ - إن ذلك مؤكد جداً يا سقراط - ألم نكن نزعم منذ عهد بعيد، أن الروح حين تتخذ من الجسد أداة للإدراك، أعني حين تستخدم حاسة الأبصار، وحاسة السمع، أو غيرهما من الحواس (لأن معنى الإدراك خلال الجسد، هو الإدراك بواسطة الحواس) - ألم نكن نزعم أن الجسد بذلك يجر الروح أيضا إلى منطقة المتغير، وأنها تضل وترتبك؟ فان الدنيا عندئذ تضرب حولها نسيجاً، فتكون الروح عند خضوعها لتأثير الحواس كمن أئملته الخمر؟ - جد صحيح - ولكنها إذا ما ثابت إلى نفسها، فأنها تفكر، وبعدئذ تدخل عالم النقاء، والأبدية، والخلود، والثبات. فهؤلاء عشيرتها وهي تعيش معها أبداً، إذا ما خلت إلى نفسها دون أن يعطلها معطل، أو يحول دونها حائل، وعندئذ لا تعود تسلك سبلها الخاطئة؛ فأنها إذا خالطت ما هو ثابت، كانت هي كذلك ثابتة، وتسمى هذه الحالة التي تكون فيها الروح بالحكمة أجاب: هذا صحيح، فحق ما قلت يا سقراط - وبأي نوع ترى الروح أشد شبهاً وقربى؟ آستنتاجاً من هذا التدليل ومن سابقه؟ - أني أظن يا سقراط أن كل من يتتبع هذا التدليل، يعتقد أن الروح ستكون قريبة الشبه

стр. 7306

بالثابت قرباً لا نهاية له - ولن ينكر هذا حتى أشد الناس غباء - والجسم أقرب شبهاً بالمتغير؟ - نعم - انظر بعد ذلك إلى الأمر مرة أخرى مستضيئاً بهذا: حينما تتحد الروح مع الجسد، تأمر الطبيعةُ الروح أن تحكم وأن تسيطر، والجسدَ أن يطيع وأن يعمل، فأي هذين العملين أدنى إلى الإلهي؟ وأيهما أقرب إلى الفاني؟ أليس يبدو لك الإلهي أنه ما يأمر وما يحكم بطبيعته، وأن الفاني هو الخادم الخاضع؟ - حقاً - وأيهما تشبه الروح؟ إن الروح تشبه الإلهي، أما الجسد فيشبه الفاني - ليس إلى الشك في ذلك سبيل يا سقراط - إذن فانظر يا سيبيس أليست هذه هي خلاصة الأمر كله؟ إن الروح على أشد ما يكون الشبه بالإلهي، وبالخالد، وبالمعقول، وبذي الصورة الواحدة، وبغير المتحلل، وبغير المتحول، وإن الجسد على أشد ما يكون الشبه بالإنساني، وبالفاني وبغير المعقول، وبذي الصور المتعددة، وبالمتحلل، وبالمتحول؟ هل من سبيل إلى إنكار ذلك، أي عزيزي سيبيس؟ لا ولا ريب - ولكن إن صح هذا، أفلا يكون الجسد عرضة للتحلل السريع؟ ألا تكون الروح غير قابلة للتحلل، في أغلب الحالات، بل فيها جميعاً؟ - يقيناً - وهل تلاحظ فوق هذا، أن الجسد بعد موت الأنسان، لا يتحلل أو يتفكك دفعة واحدة، بل قد يبقى أمداً طويلاً إذا كان قوى البنية عند الموت، ووقع الموت في فصل ملائم من فصول السنة، مع أن الجسد هو الجزء المرئي من الإنسان، وله مادة تراها العين، تسمى جثة، ستنتهي بطبيعتها إلى التحلل، فتتفرق أجزاؤها وتتبدد؟ لأن تقلص الجسد وتحنيطه، كما جرت بذلك العادة في مصر، يعملان في أغلب الأحيان على حفظه أبداً لا يبيد، وحتى إذا أصابه الفساد، فان بعض أجزائه تظل باقية، كالعظام وبعض الأعصاب التي تستعصي

стр. 7307

على التحلل بطبيعتها. هل تسلم بهذا؟ - نعم - وهل يجوز لنا أن نفرض أن الروح الخفية، عند انتقالها إلى عالم الأموات الحقيقي، وهو مثلها في خفائها، ونقائها، ونبلها وأنها إذ تكون في طريقها إلى الإله الخير الحكيم، الذي توشك روحي أن تنتقل إليه، إن شاء الله، بعد حين - أقول: هل يصح الفرض أن الروح، إن كانت هذه طبيعتها وذاك أصلها، تتبدد وتفنى عند فراق الجسد، كما تقول جمهرة الناس؟ يستحيل أن يكون ذلك، أي عزيزي سمياس وسيبيس وأولى أن تكون الحقيقة أن الروح، وهي نقية، لا تجر في ذيلها عند انتقالها أية صبغة جسدية، ما دامت لم تتصل قط بالجسد اختياراً، بل إنها لتتجنبه دائماً، وما دامت قد انحصرت في نفسها (فقد كان مثل هذا التجريد موضوع دراستها في الحياة). وماذا يعني هذا إلا أن الروح قد كانت تابعة مخلصة للفلسفة، وأنها قد مرنت على كيف تموت بغير عناء؟ أفليست الفلسفة هي مرانا على الموت؟ - يقيناً أقول إن تلك الروح في خفائها، تنتقل إلى العالم الخفي - إلى الإلهي، والخالد، والعاقل، فإذا ما بلغته، رفلت في نعيم، وتخلصت من أوزار الناس، وحمقهم، ومن مخاوفهم وعواطفهم الحوشية، ومن النقائص البشرية جميعاً، ورافقت الآلهة إلى الأبد، كما يروي عن العالمين بالسر. أليس ذلك صحيحاً يا سيبيس؟ - فقال سيبيس: نعم، وليس إلى الشك فيه من سبيل (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 7308

١٤ - بين القاهرة وطوس من بغداد إلى الإسكندرية للدكتور عبد الوهاب عزام أقمنا ببغداد أربعة أيام، فأحدثنا العهد ببعض مشاهدها، وزرنا مرقد الملك الشهيد فيصل. رأينا في العراء على مقربة من دار البرلمان مقصورة من الخشب ترتفع عن الأرض درجات، وعلى بابها جندي شاهر السلاح. ففتح لنا الباب إلى ضريح مغطى بالورد والزهر: هذا بقية الجهاد من النفس الطماحة، هذا ميراث الخلود من العزائم المريرة، هنا صفحة من مجد الإسلام والعرب، هنا حلقة يصلها النسب والمجد والتاريخ بسيد المرسلين وخاتم النبيين. غاية تتقطع دونها الأعناق، ويعيا بمرامها كل سباق. أترى هذا المصحف على حافة الضريح؟ هذا كتاب الله يشهد للسلف بما قدم، ويدعو الخلف إلى أن يمضي قدماً على سنة الآباء وسنن المجد وهدى الإسلام. فيا بني العرب والإسلام إحذروا غضب الله، وسخط الآباء، ولعنة التاريخ، وسيروا بالراية إلى الغاية، وتبوأوا مكانكم في جبهة الخطوب وصدر الأجيال فإنا أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر قرأنا صحائف المجد والعبر. ثم قرأنا الفاتحة وخرجنا نقول: رحم الله فيصلاً! وفي اليوم الثاني شرُفنا بين يدي جلالة الملك الشاب غازي بن فيصل! اقتربنا من الحجرة الملكية فرأينا جلالته وافقاً، فلما ولجنا الباب تقدم إلينافحيانا تحية العربي الكريم ضيفانه، وتلقانا كما يتلقى الأخ العظيم إخوانه. وجلسنا فسألنا كيف صحة جلالة مصر، وسألنا عما رأينا في سفرنا وما لقينا في حلنا وترحالنا، وكيف رأينا تقدم العراق بعد زورتنا الأولى، ثم تحدث أحاديث ملؤها الأمل والطموح في مستقبل العراق والعرب والإسلام. قلنا وإنا لندعو الله أن ييسر للملك الهاشمي العظيم السير على سنن آبائه، ويرعاه قرة عين للعرب والمسلمين. ثم خرجنا فرحين مغتبطين، فقلنا قد رأبنا في فيصل صفحات من مجد الأمس! وهذه صفحات من مجد الغد نبنى كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا فصدق اللهم آمالنا، ومهد لنا طريقنا، ويسر لنا غايتنا. وزرنا مسجد الإمام أبي حنيفة والمدرسة الأعظمية ودار الكتب. وزرنا في الفندق كثير من إخواننا البغداديين، وتنافسوا

стр. 7309

في دعوتنا إلى ضيافتهم، ولكن ضاق الوقت عن إجابة الدعوات، إلا دعوتين سبقتا قبل سفرنا إلى طهران من الأستاذ الفاضل أبي خلدون ساطع بك الحصري مدير كلية الحقوق، والأديب الهمام رفائيل بطي مدير جريدة البلاد، فذهبنا إلى حفلتين نعمنا فيهما بلقاء جمع من زعماء العراق وعلمائه وأدبائه، وسعدنا بأحاديث في الأخوة والمودة، والسياسة والعلم والأدب وفي اليوم الأخير كانت حفلة الوداع في دار المفوضية المصرية، إذ دعا الأستاذ حافظ بك عامر القائم بأعمال المفوضية جمعاً من أعيان بغداد، ومن المستشرقين الذين رافقونا في حفلات الفردوسي، وسفير إيران ببغداد وغيرهم إلى مأدبة شاي، ولم تكن هذه أول حفاوة حافظ بك والأخ حسين أفندي منصور سكرتير المفوضية وبرحنا بغداد بكرة يوم الاثنين في سيارة جديدة من سيارات شركة (نيرن) ذات عشر عجلات طولها ٢٥ متراً، وهي نمط جديد مركب من جزأين: القاطرة والعربة. وقد أريد بفصل المقدم من سائر العربة إضعاف الارتجاج، فالسيارة تسير رهواُ في الطريق غير المعبدة. وقفنا قليلاً في الرمادي، فرأينا سيارة كبيرة تقل نفراً من الإنكليز، فيهم أطفال ونساء، وقد كتب عليها ما يدل على أنها سائرة من الهند إلى لندرة، سألت بعضهم متى فصلتم من الهند؟ قال: منذ شهر. قلت: ومتى تبلغون لندرة؟ قال: بعد شهر ونصف، لأننا سنلبث في القسطنطينية وبعض البلاد. فهانت علينا الشقة بين طوس والقاهرة، وأكبرنا هذه العزائم السيارة بعيد مناط الهم فالغرب مشرق … إذا ما رمى عينيه والشرق مغرب وبلغنا الرطبة بعد الغروب فلبثنا ساعتين، جلسنا في فندق هناك نستمع إلي الغناء المصري، ونأكل ما تيسر من الزاد. ثم مشينا في أطراف الصحراء، فرأينا مجرى وادي حوران الذي يسيل من حوارن إلى وادي الفرات، ولم يكن به يومئذ ماء، ورأينا هناك آبارا يستقى منها الأعراب الضاربون في تلك النواحي وقد جاء إليناأطفال الأعراب، فسألهم أحد الرفاق عن أسمائهم فلم يجيبوا، فقلت إن ابن البادية يتحرز من ذكر اسمه واسم قبيلته حتى يأنس، فلما استأنسناهم بالحديث والعطاء صرحوا بالأسماء طلعت الشمس ونحن في أرباض دمشق، فدخلناها في نضرة الصباح، وأشعة الشمس تموج

стр. 7310

على ذوائب الغوطة الفيحاء، وما دخلت دمشق قط إلا خفق قلبي لها سروراً وحباً أوينا إلى فندق أمية يحببه إليناهذا الاسم العربي، ولبثنا به يومين، ووجدنا خدام المائدة هناك من النوبيين فرحبوا بنا وبالغوا في إكرامنا وهنا لطيفة أضن بها على الترك: جلست أنا ورفيقي الأستاذ العبادي للإفطار، فلما قدمت إليناألوان الطعام طاف بنا طائف من الشعر، فقال الأستاذ: وقوم في أمية نازلينا … من العسل المصفى يشربونا فقلت: ولو علموا مكانتهم لكانوا … بصحن بني أمية ينزلونا قال ما صحن بني امية؟ قلت صحن الجامع الأموي. قال إن النزول به شرف. قلت هذا أردت. والله أعلم بذات الصدور بادرنا بعد أن استرحنا إلى زيارة أستاذنا العلامة محمد كرد علي بك كما فعلنا حينما وردنا المدينة في طريقنا إلى طهران، ومن فاته مجلس الأستاذ كرد علي في داره المعمورة فقد فاته خير كثير. وكنا نعمنا المرة الأولى بليلة غوطية قمراء سمرنا بها مع الأستاذ والأمير مصطفى الشهابي والأستاذ خليل مردوم وهم كما قال الحريري (في رفقة غذوا بلبان البيان، وسحبوا على سحبان ذيل النسيان، ما فيهم إلا من يحفظ عنه ولا يتحفظ منه، ويميل الرفيق إليه ولا يميل عنه) ويوم الأربعاء زرنا الجامعة السورية، فإذا كلية الآداب قد ألغيت. ولقينا الأستاذ مدير الجامعة، فطاف بنا في حجرات الكيمياء والطب، ثم دعانا إلى غرفته فتحدثنا في الاصطلاحات العلمية وتوحيدها في البلاد العربية، ثم خرجنا شاكرين. وذهبنا إلى المتحف العربي لنرى الأمير جعفر الجزائري فإذا المتحف مغلق، وإذا المكتبة التي أمامه مغلقة وهنا أقول إن دار المتحف العربي هي دار المدرسة العادلية لا دار الحديث الأشرفية، كما ذكرت خطأ في حديثي عن الشيخ الخالدي، وأنا أعترف بأن الغلط كان مني لا من الشيخ، وأنه نبهني إليه حينما قرأ المقال وهو بمصر. (وهذا لا يٌقل من شكري للأديب برهان الدين محمد الداغستاني الذي نبه إلى هذا الغلط في مقال بمجلة الرسالة) وفي المساء ذهبنا إلى الصالحية فزرنا قبر الشيخ عبد الغني النابلسي ولم نكن زرناه،

стр. 7311

فوقفت بنا السيارة على حارة هناك فترجلنا ومشينا بجانب بناء قديم مهجور فقيل: هذه المدرسة العمرية التي بناها أبو عمر بن قدامة. وفي هذا الحي مدارس كثيرة كانت مباءة العلم والعلماء في العصور الخالية. وتقدمنا قليلاً ثم ملنا ذات اليسار، فهبطنا مسجداً صغيراً مشرفاً على دمشق. ثم ولجنا باباً إلى اليمين فإذا مصلى واسع، فلما اتجهنا شطر القبلة رأينا في الجدار الذي إلى اليسار مقصورتين عليهما شبابي الحديد إحداهما مرقد الشيخ الصوفي العالم المتفنن عبد الغني النابلسي، والأخرى قبر أحد أبنائه فيما أذكر وقد رأيت على باب المصلى الذي فيه الضريح هذين البيتين: زان سورية الوزير نظيف … بنظام يفوق عقداً نظيما لمقام الولي عبد الغني مذ … شاد أرخت (نال أجراً عظيما) ومعنى ذلك أن والي سورية نظيف باشا عمر هذا المكان سنة ١٣٠٦ ثم ذهبنا إلى دار العالم الفاضل الأمير مصطفى الشهابي إجابة لدعوته، وهي في أعلى الصالحية تشرف على دمشق كلها. فتعشينا وسمرنا مع جماعة من الفضلاء، ثم هبطنا بعد هدأة من الليل فمشينا إلى الفندق، وسار معنا الأخوان مودعين فختمت إقامتنا بدمشق على أحسن ذكرى وأصبحنا نتأهب للمسير إلى بيروت فبلغناها ظهراً. وذهبنا إلى دار القنصلية المصرية فلقينا حضرة القنصل صادق بك أبو خضرة فأبى إلا أن يدعونا للغداء، ثم ودعناه بعد الغداء شاكرين فسرنا في أرجاء المدينة، فلما أرست الباخرة الرومانية (شارل الأول) وضعنا أمتعتنا بها ثم نزلنا فجلنا جولة في المدينة ورجعنا إليها والساعة إحدى عشرة، وفي منتصف الليل سارت الباخرة، فلما أصبحنا بها رأينا أسباط بني إسرائيل مزدحمين في أرجائها، وقد راجت سوق الملابس بينهم، هذا يعرض وهذا يساوم، وهذا يشتري وهذا يأبى. فقلنا لله در القوم! وقفت الباخرة على حيفا صبحاً، وقد صارت حيفا ميناء كبيراً منذ العام الماضي، فنزلنا إلى المدينة صعدنا في جبل الكرمل وهو جبل عال مزدان بالدور والأشجار مشرف على البحر. ومررنا بقبر الباب صاحب الدعوة البابية، وقبر عبد البهاء عباس أفندي زعيم البهائيين السابق. وهما في بناء جميل تحيط به حديقة منضدة ينحدر الجبل عنها طبقة بعد

стр. 7312

أخرى حتى يفضي إلى شارع واسع يستقيم من سفح الجبل إلى البحر وسارت السفينة بالعشي فما زالت في بحر وهو حتى أقبلت على الإسكندرية المحبوبة قبيل الظهر يوم السبت ثالث نوفمبر. خفقت قلوبنا فرحاً بالأوبة إلى الوطن، وقذيت عيوننا بالمرائي الأجنبية المتزاحمة في الثغر، وزادها قذى منظر زورق الشرطة تعلوه راية كتب عليها من الجانبين كأن البلد لا يعرف اللغة العربية! وبينما تكفهر حولنا هذه المناظر المخزية وقع بصري على كلمة (زمزم) الكلمة العربية الوحيدة في مثلت الأسماء المحيطة بنا، وهذه زمزم إحدى بواخر بنك مصر! هذا كوكب يلوح في هذا الظلام الدامس! هذا برق من الرجاء يشق هذا الليل اليائس! هذه فاتحة المستقبل الوضاء! فاصبري أيتها النفس فان مع العسر يسرا خاتمة لم يتيسر لنا المقام في إيران حتى نعرف من أحوالها ودخائلها وسير العلم والأدب بها، وحتى نستقصي آثارها ومشاهدها، وإنما هو السفر العجلان الذي لا يقف ببلد إلا ليسير عنه. فهذه المقالات جهد النظرة العاجلة، ومبلغ الأيام القليلة التي قضيناها طائرين من مدينة إلى أخرى، ومقدار ما وعت الذاكرة دون الاستعانة بالمذكرات، وهو كما رأى القارئ كلام قريب الغور، قليل الجدوى، ولكنه لا يخلو من فائدة وبعد، فقد سرا من القاهرة إلى طوس فما أحسسنا إنا اغتربنا، بل رأينا أنفسنا بين وجوه معروفة، سنن مألوفة، وتاريخ معلوم، وفي مشاهد حدثتنا عنها كتبنا، وعهدها تاريخنا ونشأ فيها علماؤنا، فالعالم الاسلامي، على اختلاف الأمم، أمة واحدة ألفتها مئات السنين على معنى واحد، وأسلوب واحد، وأورثها التاريخ حضارة واحدة، وآداباً متقاربة، وهذا ذخر لعمر الحق جدير أن يصان على رغم الزمان، وائتلاف ينبغي أن يجنب الاختلاف، وتقارب هو أسعد ما تحظى به الأمم في هذه العصور القلقة المضطربة. فقل للذين يريدون أن يقطعوا الأوصال بما يثيرون من الجدال، وقل للذين يحقرون ماضينا، ويزدرون تاريخنا، ويحاولون أن يهدموا كل قديم ليشيدوا كل حديث، وقل للذين يصدون عن المشرق ليولوا وجوههم شطر المغرب: ألا ساء ما تعملون! لقد أعماكم التقليد عن الحق، وذهب بكم الضلال أبعد مذهب. فان تماديتم في الغواية فستندمون حين لا ينفع الندم والسلام

стр. 7313

عبد الوهاب عزام

стр. 7314

الله لشاعر الشباب السوري أنور العطار أنا في كوني الصغير صلاة … وسعت كونك العظيم المجود يا إلهي قلبي الرفيقُ تنهدْ … مُذْ صَداكَ الحبيبُ فيه ترددْ يا إلهي طيفُ العفاءِ يُناجي … كَ، ونجواه أنةٌ تتصعدْ غاب لما دعاك عن وَهْدةِ الإث … م وعن طينةٍ مِنَ الإثم أوْهَدْ يا إلهي أنا الفَنَاء أنادي … ك، وأنت البقاء تُرجي وتُقصد ضِعتُ عني لما دعوتكَ في الس … ر وظلتْ رُوحي المشوقة تُرعد أي ألطافِكَ العِذَابِ تجلى … أي آلائكَ العظام تعددْ حفل القلب بالتُقي فتصفى … وجلاه الهدَى فصلى وَوَحدْ وَلهِي بهجةٌ وحبي لحنٌ … وابتهالي الغالي نشيدٌ مُقصَّدْ فنيتْ مُهجتي بحبك يارب (م) … وغلغلت في الفناء لأشهدْ أجد الفرحة العظيمة في الذ … ل لربي، وفي انكساري سؤددْ شفني الحبُ فاستحلت نداءً … ومن الحب أن تذوب وتسْهدْ وأنا العبدُ هام وجداً بموْلا … هُ، وإن أفْنَ في المحبة أوجَدْ يا إلهي روحي تولَّهُ حيري … لا تعي أمهرها وثَغريَ يحَمد طَيْ جفني عالمٌ لك حُلوٌ … وبنفسي قصيدةٌ لكَ تُنشدْ أترعَتْها ملائكُ الحبِّ بالسح … ر فغنَّى بها الوجودُ وغرَّد ما جفت مُقلتاي هذا الكرى الها … نيء كفراً إلا ووجُهك أسْعد أنا في هيكلي اللَّهيف دعاءُ - فاض من سرِّك اللطيف المُمجَّد ساهد الجفن خاشع القلب باكٍ … ذاهل الروح مستهامُ مشرد أرقبُ الفجرَ في غلائله البِيت … ضِ وقد شف عن غُبار مُبدد جدولٌ رائعٌ يرفُ من النُّو … ر وأمواهُةٌ تكاد توَرَّد غرقٌ يغمر القلوبَ ابتهالاً … وسناً يملأ النواظرَ عَسْجَد وأطلتْ ذُكاءُ في الموكب السَّا … حر دُنيا من الرُّؤى تتوقَّدْ

стр. 7315

أنا آمنت يا إلهي بنُعما … ك يقيناً وما خُلقتُ لأجْحَدْ رُبَّ طاوٍ على الضَّغينةِ صدراً … عاش في زحمةِ البِلى يَتَمرَّد نسى الخالقَ اللطيف وجدْوا … هُ وعافَ التُقى وتاهَ وعرْبَد لا يُبالي أنامَ في حُفر الدي … دان أم بالدُّجى الرهيب توسَّد يَوْمُهُ آثمٌ وأمسِ مُجونٌ … والغدُ المُحتملُ حلمٌ منضَّد لا يحسُ الحياةَ إلا ضلالاً … من يجدها هدىً يُذمُّ ويُنقَد والإلهُ الرحيمُ يُوسعهُ الخي … رَ فلا يَرعِوى ولا هو يَرْشد يا إلهي جَداك غمرٌ وإحسا … نُكَ فيضٌ على المدى ليس يَنَفذ تنطوي الأرض في غياهِبها السُّح … م وينهار كلُّ برجٍ مشّيد ويُدوِّي الوجودُ بالعاب والُهو … نِ وينسى أخُو الهَوى من تودَّدْ يمَّحي الرِّفقُ من قلوب المحبيِّ … ن ولا يرحُم السعيد المُنكَّد وتموجُ الأكوان بالبُغضِ والشَّ … رِّ وتغلى فيها نفوسُ توَعَّد وًندَاكَ العميمُ ينهلْ سكَّا … باً وآلاؤهُ تظلُّ تجدَّدْ عزَّت البيدُ، إنَّها موطنُ البأْ … س ومجْلى عيشِ النَّعيمِ المُمَّهدْ تتثنَّى بكلِّ أروعَ سباَّ - قٍ وتُزهى بكلِّ أبلجَ أصْيَدْ وُلدَ الحُبُّ في رُباها نقياً … وعلى ساحِها العلاءُ توَطَّدْ يا إلهي حلَّيتَ بالنُّور مَغْنا … ها وأطلعْت من حِماها مُحمد أعشَب القفرُ حينَ لاحَ مُحيّا - هُ وسالَ النُّضارُ منْ كل فدْفدْ واستنارَتْ بهِ القوافلُ في اللَّيل وغنَّى الدليلُ أنساً وزغردْ وسرَت نفحةُ النبيِّ من الصَّح … راءِ أندى من الرَّبيع وأجوَدْ طفح القَفْرُ بالشَّذا وانتشى الكوْنُ … فلم يبقَ خافقٌ لم يُهدهدْ يا نبيِّ الهدَى سبيلُك رشدٌ … بيِّنٌ نهجهُ وشَرْعُكَ سَرْمدْ عمَّتِ الأرضَ والسمواتِ نُعما … كَ فيافوْزَ من جني وتزَوَّدْ لستُ أنسى صحابةً لك غرَّا (م) … نا زهاَ الحقُّ بإسْمهمْ وتأيَّدْ علّموا الناسَ كيف تُفْتَتَحُ الأر … ضُ وينقادُ للكريمِ المُسوَّدْ

стр. 7316

ملأُوا الكوْنَ رحمةً وسلاماً … وسماحاً صفا وحُبًّا تجرَّد فإذا العيشُ من شذا الزَّهر أزْكي … نفساً عابقاً وأحلى وأرْغدْ ومشى ديِنُكَ الحنيفُ على الغب … راءِ حتى أغارَ فيها وأنجَدْ فرَمى بالكتائبِ الغُرِّ كِسرى … وهرقلاً وكلَّ ملكِ مُقلّد وجرى الفتحُ زاهرَ اليُمنِ وَضَّا … ءً كما رفَّ في السمواتِ فرْقدْ قبسٌ من هدايةِ الحقِّ ضافٍ … ويدُ من رعايةِ اللهِ تمتدْ وازدهي الكونُ فرحةً وحبُوراً … حين طافتْ به رسالةُ أحمدْ يا إلهي عَنا لوَجهِكَ وَجهي … وفؤادي منْ طول حمدِكَ معبَدْ أنا في كوْني الصغيِرِ صلاةُ … وسِعتْ كونكَ العظيم المُجوَّدْ دمشق أنور العطار

стр. 7317

عصبة الأمم بين الحبشة وإيطاليا للأستاذ محمود غنيم ويحي على محكمة السلامِ … محكمة لكن بلا أحكام للهو لا للنقض والإبرام … سابحة في عالم الأحلام والسيف يبري الهام كالأقلام … ألم تر العصبة في المنام تحرش الذئاب بالأغنام؟ … (روما) تهز صفحة الحسام وشفتا (جنيف) في ابتسام! … إن رضى القاضي عن الإجرام فإنه أولى بالاتهام … ويل لحامٍ من أخيه سام! يا سودُ ما أنتم من الأنام يا جيرة الهضاب والآكام … وساكني الذِّروة من شمام لا فَصْل إلا بالحديد الدامي … فالحق في أسنَّة السهام لستم تنالون بالاحتكام … ما ناله (منليك) بالصمصام هم يخدعون الناس بالأوهام … متى استطاعوا الفصل في خصام أيوم فتك الترك بالأروام … أم يوم رُوُعت بلاد الشام أم يوم ديس الصين بالأقدام … وهددت (طوكيو) بالانقسام فآثروا الصمت على الكلام! … ما للضعيف في الورى من حام لولا نُيوب الأسد الضرغام … لكان من فصيلة النعام ولاستبيحت حرمة الآجام كوم حماده محمود غنيم

стр. 7318

الضحية للأستاذ محمد خورشيد يا زمان الأسى طرحتُ سلاحي … لم تعدْ بي بقيةٌ للكفاح صرعتني الهمومُ حتى كأني … لم أدع في دنانها إثرَ راحِ كلما رُضتها انبرت لي همومٌ … صلبةُ العود غاية في الجماح أخدعً الناس بالبشاشة والخفاق … في الجنب ممعنٌ في النواح حُلكةُ النفس لم ترِمْني ولما … يطلق الحظُ من حماها سراحي فمسائي هذي الحياةُ وما في … ظُلمةِ الرمسِ غيرُ نور صباحي سئمت روحي الإسارَ فودتْ … لو غدتْ حرةً مع الأرواح ما أراها غداة يدركني الأض … حى سوى مستريحةٍ كالأضاحي فيطيب النسيم منها أريجاً … مثلما طاب بالشذا الفوّاح وتُطيفُ ابتسامتي بثغور الزَّ … هر الغضِّ وردِه والأقاحي ويُغنى الهزارَ شعري شجياً … فاسمعوا في الربيع منه صُداحي لم يَعدْ لي غير الشَّغاف ضمادٌ … منذ أعيا الأُساةَ لَمُّ جراحي ما عسى يصنع الطبيبُ إذا ما … عاد صبًّا مثلي مَهيض الجناح هالهُ أن رأى شبابي يذوي … فتولَّى متمتما غير صاح في غدٍ تُغمضُ الذُّبالةُ جفني … ها ويسري الظلامُ في المصباح القدس محمد خورشيد

стр. 7319

منظر لا متاع للأستاذ فخري أبو السعود لا تبتغِ الدنيا متاعاً يُشترى … بل فاْبغها ما عِشتَ فيها منظرا وابغِ الجمالَ بها إذا ما رُمته … شكلاً بها للناظرين مصوَّرا لا تُلفينَّك إن عَدَتْك لبانةٌ … منها على آثارها متحسرا أنت المصيبُ لُبابها وخِيارها … ما دمتَ فيها المبصِر المتبصِّرا والمجد كلُّ المجد فيما نلته … متفكراً لا جامعاُ متكثِّرا إني أرى حُسنَ الطبيعة دائماً … في كل يومٍ زائداً متكررا ورأيت ما ملكتْ يمينٌ عالةً … للمالك العاني وعبثاً موقرا الكون مسرىً للعيون ومسرحٌ … لفؤاد مَن راد الحياة مفكرا أطلقْ به ما عشت فكرك رائداً … تملكْه طُرًّا زاهداً متطهِّرا واكْفُف يمينك عن أُمور تُقتَنى … فيه وأرْسِل فيه باصرةً تَرى وأقِمْ به حُرًّا وأطلِقْ ما به … يجري على سَنن الحياةِ مُحرَّرا واقنع بتبرٍ من ذُكاَء إذا جَرى … متحدِّراً في مائه متكسِّرا عن كل تبرٍ مالكٍ أربابهُ … لما غدَا في حرزِهم متحجِّرا حُسنُ الطبيعة خيرُ ما مُتِّعْتُه … في عالمٍ لمْ أته متخيِّرا وأجلُّ أجر في الخلودِ لمؤمنٍ … يَبني بتقواهُ النعيم الأنضرا الإسكندرية فخري أبو السعود

стр. 7320

فصول ملخصة من الفلسفة الألمانية ٨ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا للأستاذ خليل هنداوي آثرنا ترجمة بعض مقاطع لشوبنهاور ونيتشه، لأن أسلوبهما الفلسفي تغلب عليه الصبغة الأدبية والشعرية في كثير من خطراتهما ونظراتهما (خ. هـ) صفحة من آثار شوبنهاور (كيف تنعكس صورة العالم الخارجي في عقولنا) مقطوعة صغيرة وضعها الفيلسوف على لسان جني يميط لنا اللثام عن سر الأشياء أمامي شيئان، شيئان ثقيلان منتظمان، ما أجمل النظر إليهما! أحدهما إناء من حجر ثمين مُحلى بعروتين من ذهب، والآخر جسد تام الخلق والمفاصل، هو جسد إنسان، فبعد أن تأملت ظاهرهما كثيراً استأذنت من الجني أن يسمح لي بتأمل باطنهما، فأذن لي فدخلت في الإناء، فلا أدري أية ميول قائمة تتمشى في أجزائه تحت اسم الالتحام والالتئام أما الشيء الثاني ويا للغرابة! أني لي أن أحدث بما رأيت، فأساطير الجن يمسي كل ما فيها أخاً للحقيقة، ففي ذروته العليا ألفيتُ ما يُدعى (رأساً) مظهره الخارجي كمثل كل مظهر، وهو كغيره من الأشياء يسبح في الفضاء ثقيلاً. ماذا وجدت؟ وجدت الكون نفسه مع سعة الفضاء. وجدته يحتوي على كل شيء، فيه سعة الزمان، وفيه يتحرك كل شيء، وخلتُني مع هذا التحول العجيب للأشياء في الزمان والفضاء، إنني في ذهاب وإياب!. . . - ٢ - مقطوعة من كتابه (العالم هو إرادة وتمثيل) قد لا يدخل في دائرة الصدق قولنا: إن الحياة ظاهرها وباطنها صماء مظلمة، هكذا تجري حياة أكثر الناس، طافحة بالقلق والميول النافرة، تمشى في صدر الإنسان حائرة مترجرجة، وصاحبها مستسلم للأحلام بين جدرانها الأربعة حتى يقضي نحبه، ما أشبه الناس بالساعات التي رُبطت آلاتها فمشت لا تعلم سبب مشيتها وغابة دورتها، وفي كل مرة يولد إنسان
следующие страницы →