← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

ملأُوا الكوْنَ رحمةً وسلاماً … وسماحاً صفا وحُبًّا تجرَّد فإذا العيشُ من شذا الزَّهر أزْكي … نفساً عابقاً وأحلى وأرْغدْ ومشى ديِنُكَ الحنيفُ على الغب … راءِ حتى أغارَ فيها وأنجَدْ فرَمى بالكتائبِ الغُرِّ كِسرى … وهرقلاً وكلَّ ملكِ مُقلّد وجرى الفتحُ زاهرَ اليُمنِ وَضَّا … ءً كما رفَّ في السمواتِ فرْقدْ قبسٌ من هدايةِ الحقِّ ضافٍ … ويدُ من رعايةِ اللهِ تمتدْ وازدهي الكونُ فرحةً وحبُوراً … حين طافتْ به رسالةُ أحمدْ يا إلهي عَنا لوَجهِكَ وَجهي … وفؤادي منْ طول حمدِكَ معبَدْ أنا في كوْني الصغيِرِ صلاةُ … وسِعتْ كونكَ العظيم المُجوَّدْ دمشق أنور العطار

стр. 7317

عصبة الأمم بين الحبشة وإيطاليا للأستاذ محمود غنيم ويحي على محكمة السلامِ … محكمة لكن بلا أحكام للهو لا للنقض والإبرام … سابحة في عالم الأحلام والسيف يبري الهام كالأقلام … ألم تر العصبة في المنام تحرش الذئاب بالأغنام؟ … (روما) تهز صفحة الحسام وشفتا (جنيف) في ابتسام! … إن رضى القاضي عن الإجرام فإنه أولى بالاتهام … ويل لحامٍ من أخيه سام! يا سودُ ما أنتم من الأنام يا جيرة الهضاب والآكام … وساكني الذِّروة من شمام لا فَصْل إلا بالحديد الدامي … فالحق في أسنَّة السهام لستم تنالون بالاحتكام … ما ناله (منليك) بالصمصام هم يخدعون الناس بالأوهام … متى استطاعوا الفصل في خصام أيوم فتك الترك بالأروام … أم يوم رُوُعت بلاد الشام أم يوم ديس الصين بالأقدام … وهددت (طوكيو) بالانقسام فآثروا الصمت على الكلام! … ما للضعيف في الورى من حام لولا نُيوب الأسد الضرغام … لكان من فصيلة النعام ولاستبيحت حرمة الآجام كوم حماده محمود غنيم

стр. 7318

الضحية للأستاذ محمد خورشيد يا زمان الأسى طرحتُ سلاحي … لم تعدْ بي بقيةٌ للكفاح صرعتني الهمومُ حتى كأني … لم أدع في دنانها إثرَ راحِ كلما رُضتها انبرت لي همومٌ … صلبةُ العود غاية في الجماح أخدعً الناس بالبشاشة والخفاق … في الجنب ممعنٌ في النواح حُلكةُ النفس لم ترِمْني ولما … يطلق الحظُ من حماها سراحي فمسائي هذي الحياةُ وما في … ظُلمةِ الرمسِ غيرُ نور صباحي سئمت روحي الإسارَ فودتْ … لو غدتْ حرةً مع الأرواح ما أراها غداة يدركني الأض … حى سوى مستريحةٍ كالأضاحي فيطيب النسيم منها أريجاً … مثلما طاب بالشذا الفوّاح وتُطيفُ ابتسامتي بثغور الزَّ … هر الغضِّ وردِه والأقاحي ويُغنى الهزارَ شعري شجياً … فاسمعوا في الربيع منه صُداحي لم يَعدْ لي غير الشَّغاف ضمادٌ … منذ أعيا الأُساةَ لَمُّ جراحي ما عسى يصنع الطبيبُ إذا ما … عاد صبًّا مثلي مَهيض الجناح هالهُ أن رأى شبابي يذوي … فتولَّى متمتما غير صاح في غدٍ تُغمضُ الذُّبالةُ جفني … ها ويسري الظلامُ في المصباح القدس محمد خورشيد

стр. 7319

منظر لا متاع للأستاذ فخري أبو السعود لا تبتغِ الدنيا متاعاً يُشترى … بل فاْبغها ما عِشتَ فيها منظرا وابغِ الجمالَ بها إذا ما رُمته … شكلاً بها للناظرين مصوَّرا لا تُلفينَّك إن عَدَتْك لبانةٌ … منها على آثارها متحسرا أنت المصيبُ لُبابها وخِيارها … ما دمتَ فيها المبصِر المتبصِّرا والمجد كلُّ المجد فيما نلته … متفكراً لا جامعاُ متكثِّرا إني أرى حُسنَ الطبيعة دائماً … في كل يومٍ زائداً متكررا ورأيت ما ملكتْ يمينٌ عالةً … للمالك العاني وعبثاً موقرا الكون مسرىً للعيون ومسرحٌ … لفؤاد مَن راد الحياة مفكرا أطلقْ به ما عشت فكرك رائداً … تملكْه طُرًّا زاهداً متطهِّرا واكْفُف يمينك عن أُمور تُقتَنى … فيه وأرْسِل فيه باصرةً تَرى وأقِمْ به حُرًّا وأطلِقْ ما به … يجري على سَنن الحياةِ مُحرَّرا واقنع بتبرٍ من ذُكاَء إذا جَرى … متحدِّراً في مائه متكسِّرا عن كل تبرٍ مالكٍ أربابهُ … لما غدَا في حرزِهم متحجِّرا حُسنُ الطبيعة خيرُ ما مُتِّعْتُه … في عالمٍ لمْ أته متخيِّرا وأجلُّ أجر في الخلودِ لمؤمنٍ … يَبني بتقواهُ النعيم الأنضرا الإسكندرية فخري أبو السعود

стр. 7320

فصول ملخصة من الفلسفة الألمانية ٨ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا للأستاذ خليل هنداوي آثرنا ترجمة بعض مقاطع لشوبنهاور ونيتشه، لأن أسلوبهما الفلسفي تغلب عليه الصبغة الأدبية والشعرية في كثير من خطراتهما ونظراتهما (خ. هـ) صفحة من آثار شوبنهاور (كيف تنعكس صورة العالم الخارجي في عقولنا) مقطوعة صغيرة وضعها الفيلسوف على لسان جني يميط لنا اللثام عن سر الأشياء أمامي شيئان، شيئان ثقيلان منتظمان، ما أجمل النظر إليهما! أحدهما إناء من حجر ثمين مُحلى بعروتين من ذهب، والآخر جسد تام الخلق والمفاصل، هو جسد إنسان، فبعد أن تأملت ظاهرهما كثيراً استأذنت من الجني أن يسمح لي بتأمل باطنهما، فأذن لي فدخلت في الإناء، فلا أدري أية ميول قائمة تتمشى في أجزائه تحت اسم الالتحام والالتئام أما الشيء الثاني ويا للغرابة! أني لي أن أحدث بما رأيت، فأساطير الجن يمسي كل ما فيها أخاً للحقيقة، ففي ذروته العليا ألفيتُ ما يُدعى (رأساً) مظهره الخارجي كمثل كل مظهر، وهو كغيره من الأشياء يسبح في الفضاء ثقيلاً. ماذا وجدت؟ وجدت الكون نفسه مع سعة الفضاء. وجدته يحتوي على كل شيء، فيه سعة الزمان، وفيه يتحرك كل شيء، وخلتُني مع هذا التحول العجيب للأشياء في الزمان والفضاء، إنني في ذهاب وإياب!. . . - ٢ - مقطوعة من كتابه (العالم هو إرادة وتمثيل) قد لا يدخل في دائرة الصدق قولنا: إن الحياة ظاهرها وباطنها صماء مظلمة، هكذا تجري حياة أكثر الناس، طافحة بالقلق والميول النافرة، تمشى في صدر الإنسان حائرة مترجرجة، وصاحبها مستسلم للأحلام بين جدرانها الأربعة حتى يقضي نحبه، ما أشبه الناس بالساعات التي رُبطت آلاتها فمشت لا تعلم سبب مشيتها وغابة دورتها، وفي كل مرة يولد إنسان

стр. 7321

تدور الساعة لتعيد - كرة ثانية وثالثة - دورها القديم، مرددة نفس الجملة وذات المقطع بتبدل قليل لا يكاد يُحس كل وجه بشري، وكل حياة بشرية حلم فانٍ مستمد من روح الطبيعة التي لا نهاية لها، ومن إرادة الحياة العتيدة الثابتة , هي كالثورة أو الخيالة تمر سريعاً، لا ترسمها الحياة على الشاطئاللانهائي للزمان والفضاء، ولكن تتركها لحظة أو لحظتين تنعم بهذه الإقامة القصيرة، ثم تمحو رسومها، وتذهب بألوانها، مفسحة لغيرها مكانها؛ هذا هو الجانب الذي يبعث على التفكر والتأمل. . . يجب على إرداة الحياة القاسية أن تكافئ كل صورة من هذه الصور الصافية وكل أمنية من هذه الأماني الذاوية، جزاء ما تحملته من آلام عميقة وأوجاع مضنية، وذعر متكرر من الموت الذي تفر النفوس منه إليه إن ما يجعل النساء اكثر صبراً من الرجال على الاعتناء بشؤون أطفالنا، هو أنهن يظللن أطفالاً ضيقات العقول، ويلبثن - طيلة حياتهن - أطفالاً كباراً، لا هن إلى الأطفال، ولا هن إلى الرجال لنلاحظ فتاة غانية تلعب وتمرح - سحابة نهارها - مع طفل صغير، ترقص أمامه وتغني معه، ولنتمثل أي رجل شديد القسوة على إرادته يستطيع أن يضع صنعها، ويقوم بدورها في عصرنا هذا تقع عيوننا على كتاب يتخذون الكتابة مهنة، أما قبل هذا العصر فقد كان الكتاب من ذوي الالهام، ولم يكونوا تجاراً، فلبثوا خالدين، ولبثت مقالاتهم ومواعظهم خالدة كالدهر ادوارد هرتمان وجد (شوبنهاور) في (هارتمان) تلميذاً أميناً لتعاليمه، وإن اختلف مزاجهما بعض الاختلاف، فوجه (شوبنهاور) جامد عابس، نافر التقاطيع، تكاد تبرز من وجهه كل علائم التشاؤم متكلمة منتقمة، ووجه (هارتمان) هادئ تطفو عليه من التشاؤم سحابة رقيقة لا غليظة، فهو متشائم مقبول لا يضيق به الناس، ولا يضيق بالناس، ولعل تعريجه الكثير على نوادي النساء مما رقق حسه، ولطف شعوره، ومثل له الحياة العابسة تبسم له من وراء هذه الوجوه الناعمة، والثغور الباسمة مال في بدء نشأته إلى العلوم الطبيعية، وبعد تقلب طويل دخل في مدرسة (السلاح) في

стр. 7322

برلين، ثم وجد أن هذه الصناعة لم تكن لتلائم مزاجه ولا صحته فهجرها، وهو في إحدى رسالاته يقص علينا أن سبب تشاؤمه لا يرجع إلى ضعف في صحته أو اعتلال في مزاجه، بل يرى أن روحه في الحقيقة روح تفاؤل ورضا، ولكن زوجه كانت تطفو عليها سحابة من التشاؤم والكآبة الخرساء، والعناد في الرأي الذي تذهب إليه كان (هارتمان) في الثانية والعشرين من عمره حين أخذ يكتب كتابه (فلسفة اللاشعور) ' ولبث في تصنيفه خمس سنين. ما هو هذا اللاشعور؟ إنه الإرادة عند شوبنهاور تظهر كمادة شاملة عامة، أو هي ذات فكرة (هيجل) بعد خروجها من - مصنع شوبنهاور - مُهمة مغمضة لا تُدرك. ولا يرى القارئ في هذا الكتاب مذهباً جديداً لأنه تغير للمذاهب المتقدمة، ولا بحثاً ناضجاً لأنه عصارة شباب متوقد روحاً وعاطفة. وإنما هو شعلة أضرمتها فتوة تنطوي على علم غزير، فتهوى نفسك أن تتبع آثار المؤلف في ما يعطيك ويلهمك، ولا سيما في تحدثه عن (اللاشعور) في مقامات العقل الإنساني وحالاته النفسية، وفي غرائز الحيوان، في اللغات ومسائل الدين، وفي كل حنايا التاريخ وما احتواه، حتى يأتيك بالصورة الأخيرة التي يرى فيها الإنسانية وقد بلغت نهايتها متبعة من إرادتها، ومن تفكيرها، ومن حياتها، وهي تواقة مشتاقة إلى العدم؛ حيث كانت ثم انتشلت منه بغير إرادتها. وهذه صورة فيها شيء من السمو الشعري بشرط أن يتلقاها الناظر كحلم خالص قذفت به مخيلة خالية. . . وقد أحدث كتابه هذا دوياً بعيداً في العالم الفلسفي والعالم الأدبي، لا لأنه زاد - في ألمانيا - أنصار الفكرة التشاؤمية، بل لأن هارتمان وشوينهاور كانا أول من صرفا الذهن الألماني إلى مواجهة المسائل الفكرة بالفكر، وأعادا وصل الحلقتين اللتين قطع بينهما مذهب المثل الأعلى الذي سيطر على العقل الألماني طيلة عصر طويل إن في كل ألماني مثقف نزعة خاصة به تتمشى في ثنايا روحه، تريد أن تتحرك وأن تنمو بذاتها؛ ترى الفرنسي يجنح إلى الفلسفة لتساعده على تفهم الحياة، وبعبارة أجلى لتعلمه كيف يعيش! الألماني - على الأغلب يرى فلسفته حلماً، ولكنه يعتقد أن يفتح عينه. . . وكل ألماني يتردد في حلمه أو يقظته - الى المدينة الكاملة - التي تحدث عنها شوبنهاور، المدينة المشيدة على ذرى الغمام، لأن الألماني واسع الحلم خصب الخيال، وهناك يُغادر

стр. 7323

تصوفه الغريزي المبهم، ويؤوب من تلك المدينة إلى الحياة الحقيقية، وهو أشد حماسة وأكثر تأهباً للمعركة التي يشنها في سبيل الحياة على أن هذا المذهب، (مذهب التشاؤم) قد لقي خصوماً ألداء ممن قارعوه الحجة بالحجة، ونازلوه نزالاً عنيفاً؛ وحق للفلسفة كلها أن تجمع أحزابها وشيعها على محاربة (مبدأ خطر) إذا فشا هدم كل أمل في البشرية، وقضي على كل جهادها الطويل. وقد انضوى (الماديون) تحت لواء المعارضة، وكان أشهرهم (أوجين دوهريك) الذي وصل إلى هذه الفكرة السامية: (بأن الحياة بمجموعها جميلة، في أفراحها وفي أتراحها، على أن نتناولها كما هي بعُجرها وبجرها، لا نحاول تغيير سنتها، ولا تبديل طبيعتها، ولا نطلب إليها أن تمنحنا مالا تقدر على منحه، لأنها سائرة إلى غايتها التي لا تبالي بغايتنا، وأن في تمردنا على نُظمها شقاءنا، وفي رضانا عن مذهبها نعيمنا (يتبع) خليل هنداوي

стр. 7324

القصص من أساطير الأغريق أرفيوس الموسيقى أو رحلة إلى الدار الآخرة بقلم الأستاذ ديني خشبة أرفيوس! لسان الطبيعة، ونجيُّ الآلهة، ووحي السماء إلى جي، وصاحب القيثارة ذات الرنين. . . . والأنين كان يعزف، فتشيع الحياة في الصخر، ويقف أبوللو العظيم في مركبته الذهبية، مًطلا برأسه من عليين، يسمع ويطرب وكذلك كانت تصنع ديانا، فلطالما كانت تنزل من مركبتها الفضية في أعلى أجواز السماء، لتلبث هنيهة بباب أرفيوس، تتزود لرحلتها الليلية المرهقة، من مشرق الدنيا إلى مغربها والأشجار! إن لها لجذوراً متغلغلة في أطباق الأرض، ومع ذلك فقد كانت حين تسمع أرفيوس، تنزع اليه، وتسير وراءه خبباً! وكم شهد الناس حول بيته غاية من الدوح العظيم، والأيك الذاهب، سعت إليه تلتذ من موسيقاه، ثم هي تنصرف في المساء فتنغرس في أصولها، وقد ازدادت نضارة وازدهاراً! ومع ذاك، فقد كان ذا غُرَّة مشرقة، وابتسامة حلوة ما تكاد تفارق ثغره الصغير الجميل. وكان جم الحياء؛ لم ينهر مرة أحد رواده، أو المترددين عليه؛ بل كان يلقي الجميع ببشاشة الأخوة، وهشاشة الود وكانت له زوجة أجمل من روعة الفجر، وأفتن من وشي الأصيل، وأندى على قلبه من أنفاس الصباح اسمها يوريديس. . . مصدر إلهامه، ومعين عبقريته، وجمال لحنه، وأغنية حبه، وأنشودة هواه. سئل مرة: ماذا تملك من الدنيا يا أرفيوس؟ فأجاب: (قيثارتي. . ويوريديس!) وكانت يوريديس تجمع الأزهار البرية في ربرب من أترابها، لتصنع منها باقة مفوّفة تقدمها لأرفيوس، وكانت كلما راقتها سوسنة أو وقعت في نفسها زنبقة، طبعت عليها قبلة

стр. 7325

ندية وضمتها إلى الباقة، وهي تقول: وأنت أيضاً لحبيبي أرفيوس. . . وبينا هي كذلك إذا أفعى هائلة تنسل من بين الأشجار، فتلدغ قدمها الصغيرة المعبودة المطمئنة في الحشيش الأخضر؛ فتصرخ المسكينة صرخة داوية، ثم تنطرح إلى الأرض، وتتناثر الورود والرياحين التي جمعته حولها، كأنها تنضد سرير موتها وتجتمع صديقاتها مذعورات، فتعولن وتبكين، وتحملنها إلى أرفيوس الذي يستطار من هول الكارثة، وينخلع فؤاده من فداحة المصاب، ويحاول المستحيل لإنقاذ أعز الناس عليه؛ ولكن. . هيهات! لقد ماتت، واحتلكت الدنيا في عيني أرفيوس التعس، وأجدبت قيثارته من ألحان المرح، واستروحت إلى البكاء والأنين. فيا رحمتا لمن ينصت إليها ويصغي لها! زفرات حارة تصعدها أوتارها، وأنات مؤلمة ينبثق منها الدم تنبعث من أنغامها! وأرفيوس، مع ذلك منزوٍ عن العالم، عزوف عن الناس، مستغرق في وحدته القاسية، يفكر في يوريديس وصم ألا يفقدها كما يفقد الناس أحباءهم. بل لابد من رحلة طويلة إلى الدار الآخرة. . إلى هيدز. . حيث إله الموتى بلوتو، فيضرع إليه أن برد عليه زوجته التي لا حياة له إلا بها فكرة غريبة، وتصميم عجيب؛ رجل من دار الفناء، له جسم، وفيه نفس تتردد من أخمصيه إلى ذؤابة رأسه، كيف ينفذ إلى دار الموتى وعالم الأرواح، ومملكة الظلال والأشباح؟! لكنه أمل ملأ قلبه على كل حال، وهاهو ذا يحمل قيثارته، ويبدأ رحلته ولا يدري إلى أين؟ ضرب في الآفاق على غير هدى، وذرع الأرجاء في ضلال وحيرة، حتى رثت له الآلهة، فرشدته، وأنارت له سبيله؛ فاهتدى إلى ضفاف ستيكس ذي الزبد، حيث وقف شارون النوتي الجبار، الذي يحمل أرواح الموتى في زورقة، يعبر بها أنهار الجحيم للقاء بلوتو العظيم وصاح شارون صيحة راجفة حينما لمح أرفيوس، وزمجر قائلاً: (يا ابن العدم، يا سليل الفناء، يا من لم تفض روحه بعد، ما جاء بك إلى هنا، وما تزال تتعثر في برد حياتك الرث، وتتكفأ في قيد دنياك الوبيلة؟ عد من حيث أتيت، وإلا فوحق بلوتو المتعال لأسحقن عظامك، ولأقذفن بك إلى ستيكس، فيطويك اليم وتشويك الحمم. . . عد. . . عد. . . عد أقول لك. . . ويْ. . ويكأنك لا تسمع!!)

стр. 7326

ولكن أرفيوس يثبت غير هياب، ويتناول قيثارته غير وجل، ثم يعزف لحناُ من ألحانه الباكية فيزلزل به أركان شارون! شارون! هذا الفظ، غليظ القلب، أقسى حراس جهنم، يذوب رقة ويمتلئ حناناً ورحمة لما رأى وسمع، فيهرول إلى أرفيوس مستميحاً معتذراً عما بدر منه من سوء اللقاء، وعبارات البذاء، ويسأله في لين ورفق عن حاجته فيجيب: (لا شيء إلا لقاء بلوتو!) فيسأله شارون: (وكيف، وهذا بدنك لا يحتمل زفير الجحيم؟) فيجيب أرفيوس: (لا عليك، ما دامت هذه - ويشير إلى القيثارة - بيميني) فيقول شارون: (يا صاحبي أنت لا تعرف هول ما تريد أن تقتحم، وإني مخلص لك أمين؛ إنك غض الأهاب، موفور الشباب، وإن جهنم لا تبقى ولا تذر، وإنها أبداً ترمي بشرر كالقصر، وإني أمحضك نصحاً علمتني موسيقاك كيف أمحضك إياه، وأستنقذك به من عذاب مقيم. . . ألا فلتفكر فيما أقدمت عليه، فان من دونه مهالك، وإن من دونه نكالاً وأهوالاً. . .) وتبسم أرفيوس بسمة حزينة، كانت رداً صامتاً على ما حذر شارون، ثم أعد قيثارته وانطلق يتغنى: حملتُ جهنماً في بعضِ قلبي … وفي بعضٍ جراحاتٍ فنونا فان حذرتني نارا، فإني … أحذر نارك الدمع الهتونا سأطفئها به حتى تراها … تُذرف مثله صبباً سخيناً تخوفني لظاك وفي فؤادي … لظي من جُننت بها جنونا إذاً ما الحب إن لم يكتنفه … غرام لا يؤود العاشقينا؟ لقد ذُقْتُ البِلى في دار عيشي … أفي دار البِلى أخشى المنونا؟ وما يكاد يفرغ من هذه الزفرة الحارة، حتى تتحدر الدموع من عيني شارون، ويتقدم إليه معتذراً، فيحمله في الزورق، ويخوض به عباب تيكس، وما يكاد يفعل حتى يرى أرفيوس إلى تغيظ الموج وتلاطمه، فيسأل شارون عما يهيج النهر برغم سكون الريح، فيقول: (إنك، وأنت من أنت، من فوقه، سبب هياجه واصطخابه؛ ولو خُلي بينك وبينه لما أنجاك منه شيء حتى تكون في أعماقه!!) ولكن أرفيوس يبتسم ابتسامته الحزينة، ويتناول قيثارته

стр. 7327

فيوقع إحدى أناته المشجية، فيهدأ ستيكس الصاخب، وتصفو صفحته بين دهشة شارون وشدة تعجبه! وتطول الرحلة، ويعبران (أشيرون) نهر العدم؛ و (لِيث) نهر النسيان، و (كوكيتوس) نهر الآلام، و (فليجتون) نهر الحمم واللهب، ويصلان آخر الأمر إلى (هيدز) - دار الموتى - ومملكة بلوتو، بعد عقبات وأهوال تغلبت عليها جميعاً قيثارة أرفيوس، بألحانها الرقيقة، وأنغامها الباكية وتبدأ من هذا الشاطئالأخير رحلة شاقة في ظلام دامس وحلك شديد، في مسالك ملتوية، وشعاب متداخلة، لا تجدي معها موسيقى أرفيوس فتيلا؛ وهنا يبدو له أن يقصر هذا السفر الطويل بالسؤال عن يوريديس، كيف حملها شيرون في زورقه، وكيف عبر بها في هذه الفجاج إلى المقر الأخير، وهل كانت تبكي؟ أم كانت راضية بالقضاء الذي فصلها من أحب القلوب وأقصاها عن أعز الناس؟ وهل حدثته عن الشاب أرفيوس؟ أم كانت في شغل عن كل شيء بما هي فيه؟ وهل كل روح من أرواح الموتى تستغرق كل هذا الزمن في عبور أنهار هيدز وفيافيها؟ وهل تألمت يوريديس حين كانت تعبرها؟. . . وكان شارون يجيب عن هذه الأسئلة المتتابعة إجابة مستفيضة حتى وصلا إلى بوابة كبيرة الحجم، تصل إلى قصر بلوتو! ولكن كلباً ضارباً بادي النواجذ بارز الأنياب كان رابضاً عندها؛ فلما لمح أرفيوس، وهو من غير الأموات، هاج وماج، وتوثب يريد البطش بهذا اللاجئ الممنوع! وتنبه أرفيوس، فحرك أوتار القيثارة، وتغنى على أوتارها ألحانه وآلامه؛ فثاب الكلب وهدأ، وبعد أن أقعى قليلاً، تقدم إلى الضيف الحبيب يلحس قدميه، ويتمسح به. . . ويا للموسيقى! ثم هذا عرش بلوتو؛ وإلى جانبه زوجته الربيع، برسيفون كسيرة القلب مهيضة الجناح، تعلو أساريرها عبوسة قاتمة، وتجثم على قلبها لوعة دائمة. يا لبرسيفون! ويا لهذا المنفى السحيق! ولشد ما دهش بلوتو حين بصر بهذا المخلوق الذي استطاع أن ينفذ إلى هيدز، وفيه رمق من حياة؛ بقضه وقضيضه، وعجزه وبجره!!

стр. 7328

وقبل أن ينبس بلوتو، جثا أرفيوس لدى قاعدة العرش، وطبع على الأرض قبلة كلها احترام ووقار، ثم تناول قيثارته، وطفق يتغنى بقصته المشجية، يرسلها خلال أنغامه الحزينة، وملء ألحانه اليتيمة. . . حتى أتمها وكانت الموسيقى ممتزجة بالغناء الحلو والشعر السامي، قد تغلغلت في السويداء من قلبي الزوجين؛ وكانت الرنات، ممتزجة بالأنات؛ والهديل، ليس مثله هديل، قد أحدث أثره في نفسيهما، حتى أن دمعة مترقرقة شوهدت تنسكب على خد برسيفون! وفي الحق، لقد هاجت قصة يوريديس شجون برسيفون، لما لحظت فيها من الوشائج بينها وبين قصة حياتها التعسة، في هذا الملك البغيض! وانزعج بلوتو لمجرد وسواس لج في صدره، لما شاهد من تأثر زوجته، وانسكاب هذه العبرة الحزينة على خدها الشاحب؛ حتى لقد خيل إليه أن شياطين الحب قد قفزت من فم أرفيوس الخبيث، ومن موسيقاه الشاجنة، إلى قلبها الغض الصغير! وقال بلوتو: (إنهض أيها الشاب، فوحق أورينوس لقد كدت تكون من الهالكين، لولا قصتك الباكية، وموسيقاك المبللة بالدموع. والآن، ماذا جاء بك هنا؟ وما الذي تطلب أن ينتهي إليك من إحسان بلوتو؟) فركع أرفيوس ركعة التذلل والضراعة، ثم قال: (مولاي! يوريديس يا مولاي؟ تأمر فتعود أدراجها معي إلى الحياة الدنيا!) فأجاب بلوتو: (طلبت المحال أيها العبد؛ ولكن بلوتو الكريم، لن يرد رجية بائس مثلك. لك ما سألت، وستعود يوريديس معك، ولكن على شريطة واحدة! ألا تراها حتى تخرج من هيدز. إنها ستتبعك، فلا تلتفت وراءك أو تغادر دار الموتى!) وركع أرفيوس ركعة الشكر، ثم قال: (سأنفذ مشيئة مولاي.) وأمر بلوتو فأحضرت روح يوريديس، وبدأت الرحلة إلى الدار الأولى، في ظلمات بعضها فوق بعض، والحبيبان يدلجان خبباً وكان قلب أرفيوس يدق. . . . يدق وإنهما ليكادان يبلغان العُدوة الأخيرة من نهر ستيكس، حتى يوجس أرفيوس خفية، ويظن - وباشر ما يظن - أن يوريديس قد ضلت سبيلها من ورائه، فينسي شرط بلوتو، ويلتفت

стр. 7329

فجأة خلفه، ليرى أنها ما تنفك تتبعه. ولكن يا للهول! لقد رأى يوريديس باسطة ذراعيها إليه، كم يتلمس طريقه في الظلام؛ وحين تراه يلتفت إليها، فيخل بالشرط الذي عاهد ربها على تنفيذه، تنثني من لدنه راجعة أدراجها إلى هيدز. . . . متمتمة في صوت ضعيف خافت: (وداعاً يا أرفيوس)! يا حبيبي أرفيوس. . . وداعاً. . .) فيصرخ المسكين صرخة يكون معها في هذه الحياة الدنيا، حياة الشقاء والآلام!! ويظل على شاطئستيكس سبعة أيام مفجعاً محزوناً. . . يحاول عبثاً أن يعود إلى هيدز. . ولكن. . . هيهات! ويدخل الدنيا محطم القلب، خفق الأحشاء، موهون القوى. . لا يطيب له عيش، ولا يسيغ لذة من لذائذها. ويتخذ مأواه في شعاف جبل تزمزم الرياح في جنباته، وتزمجر الوحوش في غيرانه، وتدوي البواشق في قننه، ويكون كل أولئك خير صحابه، ويا ما أعز الرفاق! وتلقاه نسوة من اعتدن التخلف إليه في أيامه المواضي؛ فيحتلن عليه ليعزف لهن من ألحانه؛ ولكنه يعزف عنهم ويشيح؛ ثم يفر منهن، فيقتفين أثره؛ فيمعن في الفرار، فيتضايقن، ويصمينه بسهامهن؛ ثم يرجمنه بالحصى المسوّم؛ والحجارة الثقال؛ حتى يموت! ويسمعنه إذ هو يجود بروحه يقول: (يوريديس. . . يوريديس!) فتردد الأصداء نداءه الحزين: (يوريديس. . يوريديس!) وما تزال الأشجار والأطيار تهتف إلى اليوم هتاف موسيقارها المغبون: (يوريديس. . . يوريديس!) وانطلقت روحه البريئة تعبر بدورها ستيكس، وأشيرون، وليث، وكوكيتوس، وفليجتون. . . فيتلقاه شارون الجبار باسما هاشاً محيياً. . . ويجلسان معاً في الزروق، يقصان ذكريات الماضي. . . القريب! ويتلقاه الكلب عند البوابة، فيهرول إليه، ويتمسح به، وفاء وذكرى! ويتلقاه بلوتو كذلك، فيهنئه بالعود. . . إذا كان العود أحمد!! أما يوريديس. . . . .! دريني خشبة

стр. 7330

البريد الأدبي رسائل سفت بيف صدرت أخيراً مجموعة من رسائل سنت بيف العامة، وهي قسم من رسائله التي لم تنشر، والتي تملأ نحو عشرة مجلدات، وتولى إصدارها مسيو جان بونرو مقرونة بمختلف الشروح والبيانات. ومسيو بونرو هو اليوم أعرف الناس بسانت بيف وتراثه الأدبي. ويكفي أن نعرف سانت بيف بكلمة، هي أنه أستاذ النقد في الأدب الفرنسي، ويعتبره بعضهم إمام النقد في جميع الآداب والعصور وتشمل هذه المجموعة الأولى رسائله العامة بين سنتي ١٨١٨ و ١٨٣٥، وهو بالنسبة لسنت بيف عهد التكوين الأول منذ مقدمه إلى باريس صبياً في الخامسة عشرة حتى التحاقه بتحرير مجلة (العالمين) وتوليه باب النقد فيها. وفي هذه الفترة الحافلة درس سنت بيف الطب، وبرز في الصحافة، ونشر كتابه عن الشعر الفرنسي في القرن السادس عشر، وأنجز قسماً عظيماً من رسائله النقدية، وأخرج كتابه عن شعر يوسف ديلورم وروايته (الهيام)، ثم تطورت حياته الأدبية واستقرت حول النقد الأدبي. وفي هذا العهد أيضاً تعرف سنت بيف بأقطاب الأدب في عصره مثل دي فيني ولامرتين وهوجو وبيرانجيه وشاتو بريان، ولكن العلائق الودية لم تطل كثيراً بينه وبين أحد منهم، لأن مهمته كناقد أدبي، وتوغله في ذلك الميدان وصرامته وحدة قلمه، لم تفسح مجالاً لمثل هذه الصداقة الخاصة، وهنا تلقى رسائل سنت بيف أكبر ضوء على هذه العلائق والصداقات، وتبين لنا إلى أي حد كان النقادة الأشهر حريصاً على رأيه واستقلاله؛ بيد أنها تكشف عن ناحية أخرى من صفات سنت بيف، فهو لم يكن رقيق الطبع، ولم تكن روحه ترتفع إلى مستوى ذهنه من السمو والصقل؛ والواقع أن هذه الرسائل الخاصة ليست مما يؤيد عظمة سنت بيف، وإن كانت تفسر لنا كثيراً من خواص روحه المعقدة، ففيها يبدو لنا قليل اكرم، قليل الصراحة، مسرفاً في الحقد؛ ولعله لم يكن لينفذ إلى فكر الغير ومواهبه وأسراره إلا لأنه كان كثير الحقد والبغض ولئن كان سنت بيف بديعاً لا يجار في تصويره وتحليله للقدماء، فان أحكامه على معظم معاصريه كانت تتأثر في الغالب بعواطفه الشخصية، وليس أدل على ذلك من قسوته في الحكم على الفرد دي فيني، وبلزاك، وشاتوبريان، ولامرتين

стр. 7331

ذلك أن سنت بيف كان نكد الروح، وقد كان قبيح الهيئة، وكان في حاجة لأن يحب، وكان رقيق الحاسة، معقد العواطف، ولم يلق نجاحاً في الحب ولا في المكتبة كشاعر وكاتب وقصصي، هذا بينما كانت تحيط به عبقريات سعيدة، محققة الأماني والرغبات، تغنم كتبها تأييد الجمهور. ويروي أنه قال ذات يوم إذ يشاد أمامه بعبقرية دوموسيه: (لست أقل شعرية منه). ولم يكن سنت بيف يجهل معايبه، بل كان يفطن إليها ويشقي بها، بيد أنه يجب أن نعترف بأنه كان يسمو دائماً بمثله الأعلى كناقد ومؤرخ للآداب، وأنه لم يكن يدخر وسعاً في خدمة هذا المثل بإخلاص، وهذا هو السر في عظمة تراثه الخالد ولعل أهم ما تفصح عنه هذه الرسائل الجديدة لسنت بيف هو علاقته مع فكتور هوجو؛ وقد اتخذت تلك العلائق صورة مأساة حقيقية. والمأساة معروفة؛ ولكن الرسائل تلقي عليها ضوءاً جديداً. وخلاصته أن سنت بيف وهوجو جمعتهما منذ سنة ١٨٢٧ مدى ثلاثة أعوام صداقة خالصة لم تشبها شائبة، ولكن سنت بيف تغير فجأة. ذلك أنه شعر أنه يهوى امرأة صديقه؛ وهنالك رسالة عجيبة تفصح عن حالة سنت بيف النفسية في أوائل سنة ١٨٣٠، وهي رسالة عنيفة صارمة ينذر فيها سنت بيف بأنه لن يكتب عن رواية (هرناني) التي ستمثل يومئذ، (وهرناني من تأليف هوجو)، وأنه لم يعد يحتمل جو الصداقة والشاعرية الذي يعيش فيه مع أصدقائه مذ تظاهر هوجو بأنه زعيم مدرسة، وغص منزله بالمعجبين والأنصار حتى أصبح مكاناً عاماً، والظاهر أنه قد وقعت بين الصديقين على أثر ذلك محادثة اعترف فيها سنت بيف لصديقه بأنه يحب زوجه. وقد كان هوجو في تلك المسألة جواداً كريم النفس، فاستقبل هجر صديقه بأدب، مؤكداً له أنه سيلقي فيه دائماً أخاً وصديقاً. واعتكف سنت بيف مستسلماً إلى الحقد والأسف والغيرة، مصوباً سهمه لكل من لقيه في طريقه؛ وعكف هوجو على مكاتبته، يعزيه وبروح عنه؛ ومضت ثلاثة أعوام، وسنت بيف ماض في طريقه، وكلما التقى الرجلان آنسا تلك المرارة التي غشيت صداقتهما؛ وأخيراً ألقى سنت بيف قناعه، وأعلن الخصومة على صديقه، فإستسلم هوجو للقدر. ولكن الذي لم يكن يعلمه هو أن زوجته كانت تثابر خفية على رؤية سنت بيف في الأماكن المهجورة، كالكنائس وغيرها، وكانت تتنزه معه في عربة. وما يزال التاريخ يتساءل: هل كانت أديل هوجو زوجاً خائنة؟ والرأي المرجح هو أن أديل كانت تبادل سنت بيف حبه، ولا سيما منذ

стр. 7332

سنة ١٨٣٢، أي مذ غدا زوجها عاشقاً لجولييت درديه. وقد ضاعت رسائل أديل لسنت بيف، ولكن سنت بيف كان يحتفظ بصور بعضها؛ وفيها تتحدث أديل عن حبهما. ولقد أيد لوي بارتو في كتابه (غرام شاعر) زلة أديل ودلل عليها وإن في رسائل هوجو مع ذلك ما يدعو حقاً إلى التأثر، فقد لبث يجهل كل شيء مدى أعوام، وتطبع رسائله إلى سنت بيف بساطة وثقة ومودة مؤثرة، فلما ظهرت الحقيقة ووقعت الفضيحة كانت شديدة على نفسه، ومع ذلك فان أديل هوجو لبثت حيناً بعد ذلك ترى سنت بيف وتحاول أن توفق بين الصديقين القديمين، وذلك شاهد في رأى البعض على براءة أديل وطهرها. أكانت تسعى إلى مثل هذا الوفاق لو كانت امرأة خؤوناً؟ (ملخصة عن أميل هريو في الطان) للحقيقة والتاريخ قرأت في العدد ٨٤ من مجلة الرسالة الغراء مقالاً للكاتب العبقري الدكتور عبد الوهاب عزام سجل فيه مجلساً من مجالس العلامة الواعية الشيخ الخالدي يذكرنا بالأماني القيمة التي كان يلقيها فطاحل علماء الإسلام في عصور مدنيته الزاهرة وقد لاحظنا في هذا المقال ملاحظتين بسيطتين أجببنا ألا يفوت قراء الرسالة التنبه إليهما (١) لما عدد الشيخ دور العلم العظيمة بالمغرب وذكر جامع القرويين بفاس قال: (إن الذي أسسه هو مولاي إدريس الأصغر) والحقيقة أن بناء القرويين كان بعد وفاة المولى إدريس باثنين وثلاثين سنة إذ شرع في بنائه يوم السبت من شهر رمضان عام خمسة وأربعين ومائتين، والمولى إدريس الأصغر توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين وكان ذلك في عهد يحيى بن محمد بن إدريس والقائمة بتأسيسه هي السيدة (أم البنين) فاطمة بنت محمد بن أبي بكر الفهري قدم والدها من القيروان لفاس وتوفي بها وخلف ابنتين فاطمة هذه وأختها مريم، وأورثهما مالاً كثيراً صرفت فاطمة حظها منه في بناء القرويين، وفعلت مريم مثل ذلك فأسست مسجد الأندلس الذي يعتبر من المساجد العتيقة بفاس (٢) ذكر الشيخ حين نسب كتاب (جذوة الاقتباس) لأبن القاضي أنه فشتالي (من فشتالة على نهر ورغة) والمعروف أن مؤلف الجذوة (ابن القاضي) من أولاد ابن أبي العافية

стр. 7333

المكناسيين، نسبه لذلك جميع من ترجم له ممن وقفنا عليه، بل هو نفسه انتسب إليهم في كتابه لما ترجم لموسى بن أبي العافية أمير مكناسة بعد أن تبرأ من أفعاله مع الأشراف ونص الغرض من كلامه: (ونسبتنا نحن هي إلى هذا الرجل أعني موسى بن أبي العافية والله أعلم، لكن فعله الذي كان منه لأهل البيت لا أرضاه. . . . . الخ) أما كتاب الشريف الكتاني فلا يسمى بالجذوة بل هو (سلولة الأنفاس فيمن أقبر بفاس) وهو للسيد محمد بن جعفر الكتاني الشهير برحلته إلى الشام وإقامته بها والمتوفى بالمغرب منذ بضع سنين فاس محمد علال الفاسي مجلة الثقافة الإسلامية في إسبانيا قالت جريدة (المانشستر غارديان) أن المستر مارماديوك بكثول اعتزل خدمة نظام حيدر أباد وفي نيته أن يعيش في إسبانيا حيث يواصل تحرير مجلة تصدر كل ثلاثة أشهر تسمى (الثقافة الإسلامية) صدرت منذ عشر سنوات والمستر بكثول شاعر له مؤلفات كثيرة عن الشرق وكان يعمل في وزارة المعارف في حيدر أباد. وقد درس أخلاق الشعوب الشرقية فأقام عاماً في جبل الدروز وتعلم العربية. ومال إلى أفكار بعض الشرقيين ودرس عيشة الوطنيين في مصر وله فيها أعمال قام بها في مستهل هذا القرن لا تزال سراً من الأسرار مؤتمر نادي القلم الدولي من أنباء إسبانيا أن الاستعداد يجري في مدينة برشلونة عاصمة قطلونيا لعقد المؤتمر الثالث عشر لنادي القلم العالمي. وسيعقد هذا المؤتمر لمدة ستة أيام بين ٢٠ و٢٥ مايو القادم. وسيشهده مندوبون من مراكز القلم في أنحاء العالم. وقد أعد برنامج حافل للأعمال الداخلية، ومختلف الحفلات والاستقبالات والرحلات

стр. 7334

من هنا ومن هناك العلم والسياسة كثر حديث الصحف البلجيكية والفرنسية أخيراً عن نظريات العلامة الاقتصادي البلجيكي هنري دي مان؛ ويعتبر هذا العلامة من أقطاب الاقتصاد السياسي في العالم، وكان إلى ما قبل عامين يتولى تدريس الاقتصاد السياسي في بعض الجامعات الألمانية، ولكنه عزل منذ قيام الحكومة الهتلرية؛ فعاد إلى وطنه يبشر بنظرية جديدة في السياسة؛ خلاصة رأي دي مان أن السياسة الدولية الحاضرة تقوم على الاقتصاد، وأن الأزمة الاقتصادية هي في الواقع أساس كل الانقلابات السياسية العنيفة التي وقعت في العهد الأخير؛ ولم يكن قيام الفاشستية في إيطاليا، وقيام الهتلرية في ألمانيا إلا من أثر الأزمة الاقتصادية؛ وليس هناك وسيلة لحماية النظم الديموقراطية ومقاومة الطغيان أفضل من ترقية الاقتصاد القومي ومقاومة الأزمات الاقتصادية. ولنظريات هنري مان أثر كبير في بلجيكا، وله نفوذ عظيم في الأوساط الاشتراكية والديموقراطية جوكي يصبح شاعراً أزيح الستار في وستمنستر مؤخراً بحضور الدوق أوف يورك عن النصب التذكاري الذي أقيم تخليداً لذكرى لندساي جوردن شاعر استراليا القومي وقد أسهبت الصحف والمجلات بهذه المناسبة في الكلام عن حياة هذا الشاعر، الذي أسندت إليه أمارة الشعر في أوستراليا بعد موته وبعد حياة عجيبة حافلة بالمغامرات ولد لندساي في سنة ١٨٣٣ والتحق في شبابه بالمدرسة الحربية في (ودلريتش) وهناك عرف شارلوس غوردون الذي عرف فيما بعد باسم غوردون باشا وأغرم لندساي بالألعاب الرياضية، وامتاز في مباريات الملاكمة والسباق وركوب الخيل، وعندما بلغ التاسعة عشرة من عمره ركب أحد جياد السباق واشترك به في إحدى المباريات على الرغم من أنف صاحب الجواد، وفاز بالجائزة الأولى، ولكن صاحب الجواد كان قد أبلغ الشرطة فألقى البوليس القبض عليه وكانت المدرسة الحربية قد ردته، وضاق أبوه به ذراعاً، فرحل إلى أوستراليا؛ ومع أنه كان مزوداً بخطاب توصية إلى حاكم أوستراليا الجنوبية إلا أنه لم يستغل هذا الخطاب، وانضم إلى فرقة البوليس الراكب؛ ولكن

стр. 7335

حدث في أحد الأيام أن طلب إليه ضابطه أن ينظف حذاءه، فغضب لندساي واعتقد أنه أهين فترك خدمة البوليس واشتغل (جوكياً) واشترك في كثير من المباريات، وسقط عن ظهر جواده مراراً وأصيب برضوض أقعدته عن العمل مدة وفي سنة ١٨٦٤ توفي أبوه، فورث عنه بضعة آلاف من الجنيهات. وتزوج بابنة فندقي كانت قد عنيت به في مرضه وفي هذه الأثناء اشتغل لندساي بقرض الشعر، ونشر ديوانه في سنة ١٨٦٧، ولكن الديوان لم يلق رواجاً، ولم يبع منه أكثر من مائة نسخة، فغضب لندساي على الشعر كما غضب قبلاً على خدمة البوليس وفي سنة ١٨٧٠ كان لندساي يعاني أزمة شديدة، لأن المرض أقعده عن ركوب الجياد، وماتت ابنته الوحيدة وضاقت الدنيا في وجهه. فقصد إلى غاب قريب، وهناك أطلق الرصاص على نفسه فمات منتحراً وهو لا يزال في السابعة والثلاثين من عمره. ولم يشترك في تشيع جنازته غير بضعة أفراد ولم تكد جثته توارى في التراب حتى شرع بعض الأدباء في استعراض قصائده. وما لبثت أوستراليا أن وجدت فيه شاعرها القومي. ولا يوجد الآن تلميذ في مدارس أوستراليا لا يحفظ عن ظهر قلبه قصيدته المشهورة (الفارس المريض) (الجريدة السورية اللبنانية) ذكرى علامة ألماني احتفل المعهد العلمي الألماني أخيراً بذكرى العلامة المخترع فرتز هابر الذي توفي منذ نحو عام في برلين، ودفن في صمت مطبق. ولهذا الاحتفال الذي يقيمه اعظم معهد علمي في ألمانيا، يجمع أقطاب العلم الألماني كله، مغزى مدهش. ذلك أن فرتز هابر يهودي تنكره ألمانيا الهتلريه، وتنكر كل جنسه، ولكن فرتز هابر هو أيضا اعظم كيماوي ومخترع ألماني ظهر في العصر الأخير، وهو الذي اخترع (غاز) الحرب الخانق، أمد ألمانيا خلال الحرب بأعظم سلاح استطاعت أن تصمد به لخصومها أعواماً، وقد لبث هابر عميد المباحث الكيماوية الألمانية حتى قام الطغيان الهتلري في ألمانيا، ونظمت مطاردة اليهود المعروفة،

стр. 7336

فاعتكف العلامة الشيخ في شبه اعتقال، وتوفي بعيداً عن كل تكريم وضجة، ولكن ألمانيا الهتلرية تحاول اليوم أن تعيد صرح العسكرية البروسية القديمة، وهي لا ترى اليوم بأساً من أن تكرم ذكرى قطب من أقطاب الاختراعات الحربية، ولا بأس أن يجمتع أكابر العلماء الألمان برغم النظريات الجنسية لتكريم زميلهم وعميدهم الراحل الذي استطاع أن يستخرج (الآزوت) من الهواء، وأن يخترع (غاز) الحرب، وكذلك أقنعة النجاة الواقية من الغاز؛ وخطب عدة من أكابر العلماء بينهم بعض الرجال الرسميين في تمجيد ذكرى العلامة الراحل وذكرى وطنيته ونبوغه؛ وأكد العلامة بلانك والكولونل كيرث أن فرتز هابر يستحق لقب (العالم المجهول) وأنه لولا اختراعاته لما استطاعت ألمانيا أن تتابع الحرب منذ سنة ١٩١٥، وذكر الخطباء كيف وفق هابر إلى اختراع (الغاز) في أبريل سنة ١٩١٥ وأشرف بنفسه على أول هجوم استعمل فيه الغاز في منطقة (ايبر)؛ وأنه لو تقتصد ألمانيا في حرب (الغاز) لكان ظفرها في الحرب مرجحاً ومع أن السلطات الرسمية صرحت بإقامة هذا الاحتفال، فإنها حظرت على الصحف أن تنشر عنه شيئاً؛ ولم يعرف إلا مما نشرته الصحف الأجنبية لمراسليها وهكذا تعيش ألمانيا النازية في غمر من المتناقضات! بعثة أثرية في الهند تعثر على اكتشاف غريب عثرت بعثة أثرية إنجليزية في الهند على آثار قديمة يرجع عهدها إلى خمسة آلاف سنة. وقد تضاربت الآراء في هذه الاكتشافات الغربية التي وجدها هؤلاء إذ أنها تتألف من تماثيل متباينة الأشكال والأوصاف فقد وجد رجال البعثة فيما وجوده قاعتين كبيرتين تحت سطح الأرض امتلأت الأولى بهياكل شبان طوال القامة، والثانية بهياكل متلاصقة الأجسام من رجال ونساء. فحار المكتشفون في هذه الهياكل وظلوا ينقبون ويعلمون حتى عثروا على لوحات كتبها المؤرخون القدماء أماطت اللثام عن سر الغرفتين الذي يعد في التاريخ أبرز حادث للتبذل والقساوة وهذه اللوحات تشير إلى كاهنة شابة تدعى (لبيسوبامو) كانت تتمتع بنفوذ الملوك والملكات. وهذه الكاهنة كانت محبوبة من الشعب ومقدسة منه

стр. 7337

ولكن حدث لسوء الحظ أنها أحبت شاباً من عامة الشعب فحنق أخوها على هذا الشاب وقتله. وغضبت الكاهنة وتبدلت أخلاقها واستحالت من فتاة محتشمة إلى امرأة متبذلة؛ وصارحت أخاها الذي قتل عشيقها الأول دفاعاً عن عرضها بأنها ستقدم نفسها إلى كل عابر، وأنها ستحب الرجال جميعاً وتنتقم منهم جميعاً ومضت الكاهنة في حياة التبذل حتى أصبحت فضائحها حديث الناس. وعندئذ خطر لها أن تلتمس الحصانة بإيهام الناس أنها ارتفعت إلى مصاف الآلهة. ونجحت في ذلك، ولم تذكر لنا اللوحات كيف نجحت ضمت الكاهنة إليها عدداً كبيراً من أجمل البنات أطلقت عليهن اسم (حاشية العذارى) واشترطت عليهن أن يحذين حذوها في التغرير بالرجال والتنكيل بهم، وتوعدت بالموت كل فتاة تحب رجلاً وتخلص له وهكذا كانت الفتيات يرتدين الغلائل الرقيقة التي تكشف عن تقاطيعهن الجميلة وينطلقن في شوارع المدينة ليلاً لاصطياد الفتيان، ثم يعدن بهم إلى القصر حيث يقضي الجميع الليل كله في التبذل واحتساء الخمر وتعاطي الأفيون حتى إذا أقبل الفجر وضعت كل فتاة في كاس فتاها قطرة من سم عجيب لا تذكر بجانبه سموم يورجيا ودي مدسيس، وبعدئذ يأتي العبيد فيحملون الرجال إلى غرفة خاصة يقضون فيها نحبهم قبل أن يفيقوا من نشوة الخمر وكان يتفق في بعض الأحيان أن تحب الفتاة أحد أولئك الرجال فتؤثر أن تموت معه، وتضع السم في كأسها وكأسه، فيحمل العبيد الاثنين إلى الغرفة الثانية الخاصة بالعاشقين ولم تذكر اللوحات التي عثر عليها رجال البعثة كيف كانت خاتمة تلك الكاهنة المتألمة المبتذلة (الأرز)

стр. 7338

من روائع الشرق والغرب من (شقائق الطور) لشاعر الهند محمد إقبال ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام أيها الفاضل لا تخيم على الساحل. فهناك نغم الحياة واهنة. اقذف بنفسك في اليم وتقلب مع أمواجه، فالحياة الخالدة في هذا الجِلاد لا تحدث بالحياة وحقائقها، فليست بصيرا بطرائقها. لقد انتشيتُ من لذة الأسفار، حتى لا أرى المنزل على الطريق إلا كالمنار إن عالمنا الذي لا يُحد غريق في بحر الأيام، فانظر إلى القلب لترى الأيام غرقي في هذا الجام أنا نجى طير المروج الخضراء، وأنا لسان البراعيم الخرساء، فإذا مت فاذرُ ترابي في الصبا، فلستُ أعرف إلا الطواف حول الورد أُيظهر وادي الأزهار هذا كل كائن؟ فما الذي في ضمائر الشقائق المحترقة؟ نحن نرى المرج موجة من اللون والريح، فليت شعري ما المرج في نظر البلابل؟ أيها الغِر أنت ابن الإسلام، فاهجر الأنساب والألوان. إذا فخر العربي باللون والدم، والعصب والجلد، فليس منا ولسنا منه لسنا من الأفغان ولا الترك والتتار؛ نحن بنو هذا المرج، نمتنا دوحة واحدة. إن فُرقة اللون والريح علينا حرام فقد أنبتنا ربيع واحد لماذا تسألني ما أنا ومن أين أتيت؟ أنا ابن نفسي منذ حييت. أنا في هذا اليم موج لا يستقر، فإذا لم أتقلب على نفسي فنيت أنا في هذا اليم موج لا يستقر، فإذا لم أتقلب على نفسي فنيت إن عالمنا صورة ناقصة، يتقلب بها الصباح والمساء. أعني أن مبرد القضاء يسوي هذه الدمية التي لم تتم شق طريقك بفأسك، فالعذاب أن تسلك سبيل غيرك، إن أبدعت يدك عملا، فهو ثواب وإن

стр. 7339

كان إثما إن دليل القلب لا يطمئن إلى المنازل، ولا تأسره العناصر. لا تحسبنه مستريحاً في البدن، فهذا البحر لا يألف السواحل أخذت خلوتي بين الماء والطين، وفررت من الفارابي وأفلاطون. ما اجتديت من أحد عينا، وما رأيت العالم إلا بعيني أيها القلب خذ رمز الحياة عن البراعم، فالحقيقة في مجازها متجلية! إنها تنبت من التراب المظلم، ولكن نظراتها أشعة الشمس عبد الوهاب عزام

стр. 7340

الوحدة ' لشاعر الحب والجمال لامرتين مهداة إلى الأستاذ. . . أحمد حسن الزيات لدى سرْحة من فوق قلة شاهق … جلست شريد الفكر منشعب القلب يشيِّع طرفي الشمس عند دلوكها … ويرقب من تلك المشاهد ما يصبي إذِ النهر صخابٌ تلاطم موجه! … قد انساب في الوادي فأمعن في الشِّعب وإذْ طرفُ أمواج البحيرة راقدٌ … تراءى نجوم الليل في غمرها الرحب وما زال ذوبُ التبر بعد غروبها … يُنير أعالي الدوْح فوق ذرى الهضْبِ وراح مليك الليل يختال صاعداً … إلى عرشه العلوي في رفرفٍ رطب وفي جنبات الأرض تبر مشعشع … به ازدهر الأفق الجميل من السكب وقد رنَّ في الأجواء ناقوس معبدٍ … رنيناً يهز القلب في البعد والقرب فكف عن الأعمال فلاح قريةٍ. . .! … وقد وقف الغادون من خشية الرب قد اختلطت تلك الأرانين بالذي … تبقى من الضوضاء في يومنا المُصبي ولكن نفسي من مباهج ما رأتْ … من المنظر الفتان خلو من الحب!! أجل! كانت الدنيا بعيني كأنها … خيالٌ مطيفٌ لا يقر على هُدْب وهل تدفئ الموتى من الشمس شعلة … تشع على الأحياء في السهل والكُثب؟ اقلب طرفي في الجبال وفي الربى … وفي الشفق الباكي من الشرق للغرب!! وفي القفر، والمأهول، في غسق الدجا … لأنفض ما فيها؛ فابلغ من إربى عسى أن أرى لي في محلٍ سعادةً … ولست بلاق أو أغيب في الترب وما تصنع الوديان لي، وجواسق … على السفح بل تلك القصور التي تصبي إذا هي لا تبدو لعيني جميلة. . . . … ولا سحرها ينفي بفتنته كربى!!! ألا يا مغاني الأنس أنت عزيزة … على، ولكن قد خلوتن من حِبي لغيبة مخلوق مدى الدهر واحد … أراكن قفراً في عيوني، وفي قلبي سواء أتبدو الشمس أم هي تختفي … وتصحو سماء. . أم تلَفَّعٌ بالسحب ويظلم ليل. . أم ينير صباحه … ويسعد أو يشقي أنيس مع السرب

стр. 7341

فليس لنفسي في نهاري بغية … ولا في غدي مادمت أحيا بلالب ولست أرى إذا أتبع الشمس ناظري … تدور على الأكوان في أفقها الرحب أجل لا أرى إلا فراغاً وخلوةً … لنأى حبيب ليس يلفي لدى الترب وما حاجتي فيمن تظلله السما … ومن تحت نور الشمس يهتز كالقضْب وخلف مدار الشمس مدارها … على عالم أسمي تمنع بالحجب. .! فلو أن نفسي أطلقت من قيودها … لألفت حبيب القلب يحيا مع الشهب فأسعد باللقيا، وأنعم بالمنى … وأحسو رحيق الخلد من ريقها العذب لدى مُتع لم تهف يوماً بمسمع … ولا خطرت في فكر ذي شغف صب وأنّى لنفسي أن تطير فنلتقي. . . … وقد قُيدت من حمأة الطين بالجذب فياليت شعري لِمْ قضى الله أن أرى … شريداً، وخلى ليس ينعشه قربي إذا ما ذوت أوراق دوح بمرجها … وأسلمها قر الخريف إلى السَّلب وهبَّت من القطب الرياح زعازعاً … عليها فألقتها أباديد في الترب وحالي شبيه في حياتي بحالها … فياويح نفسي من زعازعها النكب إلا فانثريني يا أعاصير مثلما … نثرت من الأوراق في جوك الرحب فما بعد هذا الصبح إلا دجنَّة … وما بعد يأسي وانفرادي سوى خطبي دير الزور عبد الجبار الرجبي

стр. 7342

الكتب علم الدولة: تأليف الأستاذ احمد وفيق أبو تمام: تأليف عمر فروخ للأستاذ محمود الخفيف أما أولهما وهو علم الدولة، فهو الجزء الثاني من تلك الموسوعة الكبيرة التي اضطلع بتأليفها وإهدائها إلى لغة الضاد الأستاذ أحمد وفيق؛ ولعل القراء يذكرون أني حين قدمت إليهم الجزء الأول منها أشرت إلى خطر هذا المؤلف الجليل لمصر والعالم الشرقي، ولا سيما في هذا العصر الذي تشغل السياسة فيه عقول بني الشرق في توثبهم وتطلعهم إلى الحرية ومما نغتبط له بحق، وقد طال افتقارنا في نهضتنا العلمية إلى هذه الناحية من نواحي المعرفة، أن الأستاذ قد جرى في هذا المؤلف على طريقة البسط والعرض تعقبهما المناقشة والتحليل؛ فهو يستوعب هذا العلم ويلم بأطرافه، لا يغادر شيئاً مما قيل فيه، فضلاً عن أنه يسير في سرده مع التاريخ فينقلك من عصر إلى عصر ويريك مبلغ ما طرأ على نظريات هذا العلم من تطور حسبما مرت فيه من عصور. وهو إلى جانب هذا يقف عند كل نظرية مبنياً لك ما دار حولها من المناقشات ومقدار ما لاقت من تأييد أو تفنيد أقول إن هذه الطريقة التي سار عليها الأستاذ المؤلف هي ميزة الكتاب الأساسية، وإن كان في القراء سواي من قد يعيبها، إذ يستحضر في ذهنه تلك الكتب التي وضعت في هذا العلم في غير لغتنا وكان قوامها التخصص والاستقصاء والتعمق، فالعالم هناك يتناول ناحية خاصة من جزيئات العلم ويعرضها في تحليل ودقة وتقصّ، مما يفتق الذهن ويرهفه ويلذه، ولكننا الآن أو على الأقل كثرتنا، لم تتعد بعد مرحلة الإلمام والاستيعاب. وخير ما يعمله المؤلف في هذه الحالة أن يعرفك إلى العلم، حتى إذا تم لك ذلك أمكنك أن تتابع فيه من يتفلسف ويتقصى وقف الجزء الأول من هذا الكتاب عن عهد الإصلاح، فابتدأ به الجزء الثاني الذي أحدثك عنه، واختتم بالثورة الفرنسية، وهي فترة لذيذة ممتعة بما تخللها من مواقف وحوادث كان

стр. 7343

لها أعظم الأثر في تطور فكرة الدولة؛ وحسبك من تلك الحوادث الثورة الفرنسية الكبرى، وما مهد لها به كبار الفلاسفة من آراء في هذا الموضوع الخطير هذا ولقد ارتحت كثيراً إلى أسلوب الأستاذ وفيق لملاءمته لطريقته، فهو يتدفق من غير التواء ولا تعقيد، ويتبسط في غير حشو ولا إسفاف والكتاب الثاني عبارة عن رسالة صغيرة موضوعها أبو تمام، شاعر الخليفة محمد المعتصم بالله، ويقع في مائة صفحة من القطع الصغير، صدره مؤلفه الأديب عمر فروخ بصورة خيالية للشاعر بريشته، وهو على صغر حجمه، قد جمع كثيراً مما يهم كل أديب معرفته عن أبي تمام، ولقد كان صاحبه موفقاً في تقسيم موضوعه، فابتدأ بالترجمة مبيناً حياة الشاعر عهداً عهدا، ولا يخفى على القارئ أثر ذلك في المساعدة على تفهم شعره. بعد ذلك أخذ يشرح خصائص أبي تمام وما امتاز به من غيره، وعرض أقوال المخالفين له والمعجبين به، ثم ختم بحثه بنقد فنون الشاعر، جاريا في ذلك وفق ما اصطلح عليه النقاد، دون أن يحول ذلك بين إدلائه برأيه في دقة وإنصاف جديرين بالثناء، فأفاض في نقد مدح أبي تمام وموقفه من ممدوحيه، ثم بسط طريقته في الرثاء ومكانته في هذا الباب، وتعرض لمقدرته في الوصف مستشهدا في ذلك كله بأبياته المشهورة محللاً لها مبينا رأيه فيها مما يشهد للمؤلف بحسن الذوق، ويكسب رسالته على الرغم من صغرها كثيرا من الثناء والتقدير الخفيف

стр. 7344

العدد ٨٩ - بتاريخ: ١٨ - ٠٣ - ١٩٣٥

стр. 7345

بلاد الشكوى! للأستاذ عبد العزيز البشري لقد تحدثك نفسك يوماً بأن تتعرف الصفة التي تميّز مصر من بين بلاد العالم، والتي إذا أُطلقت انطلقت من فورها إليها دون أقطار الأرض جميعا. وإن مما لا يعتريه الشك أنه ما من أمة إلا ولها خاصية تستقل بها عن كل ما عداها من الأمم، لا يشركها فيها غيرها ولا يتصف بها سواها، وهذه الخاصية لقد تتصل بالأخلاق والعادات والتقاليد، ولقد تتصل بالتأريخ، ولقد تتعلق بالتصرف في سبب من أسباب الحياة، أو بالاستئثار والتبريز في فن من الفنون، أو بغير ذلك من وجوه الفروق المختلفة بين أصناف الناس فإذا قدر المستحيل، أو قدر النادر الذي يجاور المستحيل، ولم تتفرد إحدى الأمم بما يشخصها من تلك الأسباب الكثيرة، فلا أقل من أن تختص في طبيعة أرضها وسمائها، وجوهها ومناخها، بما يحقق لها هذا المعنى حتى يتسق لها هذا الوجود الخاص فلا تختلط بغيرها من العالمين. وتلك من سنن الكون التي لا ينشز عليها خلق من الكائنات أبدا! ونعود فنفرض أنه لقد تحدثك نفسك بتعرف هده الخاصية التي تتفرد بها مصر دون سائر أمم الأرض. ولعل أول ما ينحط عليه ظنك أنها بلاد زراعية طوعاً لسخاء أرضها بألوان الغلات، ومهارة سواد سكانها في فنون الزراعة وفلح الأرض وحسن تعهدها، واستنباتها على خير الوجوه. إلى أن أهلها، في الجملة، لا يتكئون على سبب من أسباب العيش التي يتكئ عليها كثير غيرهم، كالتجارة، والصناعة، وصيد البحر أو البر، فإذا هي عالجت شيئاً من هذا فإنما تعالجه بالقدر الذي ينتظمها في مؤخرات الصفوف! إذا ميزتها بأنها أمة زراعية، فالأمم الزراعية في العالم كثير! ثم إنها ليس لها حظ مذكور من علم، ولا من فن، ولا من قوة بدنية، ولا من امتياز في كفاية حربية، ولعل هذا يرجع إلى ظروفها التي لا خيار لها فيها لا إلى طبيعة أبنائها، فالمصريّ معروف بالشجاعة في الحرب، وطول الصبر فيها، وشدة الجلد عليها من قديم الزمان. ومهما يكن من شئ فليس لمصر الآن حظ مذكور في شيء من تلك الأشياء، فضلاً عن أن يكون لها به تفرّد واستئثار، بحيث إذا أطلقت صفته عرف الناس أن مصر هي المقصود به دون سائر البلاد.

стр. 7346

ولقد تطلب هذه المزية في تاريخ مصر القديم، وحضارتها التالدة، وما سلف لها من مجد ما برح يثقل مناكب التاريخ. ألا فاعلم أن مصر لا تستأثر بهذا ولا تستقل به، فهذه الصين لها حضارة لعلها اقدم من حضارة مصر، وهذه أمة اليونان وما أدراك ما حضارة اليونان، وعلومها، وفلسفتها، وفنونها، وعظمتها الحربية. ومجدها الذي طاول السماء. فانظر إلى ما صارت عليه الآن، وكيف تغّير لها وجه الزمان! وهذه أمم قد كانت لها حضارات فخمة، وكانت لها قوة لا تعد لها قوة، وسطوة في أمم الأرض دونها كل سطوة، فدارت عليها رحى الزمان حتى طحنتها طحناً، وأحالتها في الخلق عِهنا، ثم ذرتها في الهواء، ولم يصبح لها من الآثار، إلاّ ما قيدت الصحف من مأثور الأخبار. وأين منا الآن فينيقيا وأشور وبابل وغيرها من دول لم يدرك شأنها شان، ولم يدان سلطانها في الأرض سلطان!. ومهما يكن من شيء فالوصف بعظمة الماضي، وجلالة التاريخ، وفخامة المجد التليد، ليس مما يجدي المصريين في هذا الباب ولا يفيد! أرجوك يا سيدي الطلعة إلا تجهد بطول البحث والتحري، وشدة الفحص والتقري، فانك، في الغاية، لن تخرج بشيء من هذه المظان التي ترجو أن توافقك فيها طلبتك، ولن تصيب لمصر في هذه الأيام من الصفات ما يقع عليها على جهة التعيين، ولو فتشت نجوم السماء، ونقضت كل ما على ظهر الأرض من الحصباء! على أنني متبرع، لوجه الفضول وشهوة التطلع، بان أهديك إلى الخلة التي تختص بها مصر في هذا الزمان وتستأثر، بحيث لا يشاركها فيها مشارك، ولا ينازعها عليها منازع. وبحيث لو حشُرت الخلائق كلها في صعيد واحد؛ وبعث معهم كل من لحقهم الدثور، وجميع من غيبتهم القبور، ومن نهشتهم وحوش البر، وسباع الطير، والتقمتهم الحيتان في جوف البحر، من مهلك عاد وثمود؛ ومقتل أصحاب الخدود، وصحت فيهم أي الأمم ألان صفتها كيت؟ لأجابوك في نفس واحد: هي مصر! وهذه الخلة التي تمتاز بها مصر اليوم وتنفرد دون سائر أمم الأرض جميعا هي الشكوى! نعم هي الشكوى!. وإنني أتحدى من شاء، وأخاطر من شاء على ما شاء، إذا زعم أن هناك أمة

стр. 7347

أشكى من مصر، أو أن هناك خلقاً من خلق الله يشكون بنسبة ١٨٠٠٠٠٠٠ مما يشكو المصريون! كل هيأة في مصر تشكو، وكل طائفة فيها تشكو، وكل جماعة تشكو، وكل فرد يشكو. ما تنقطع لأحد من هؤلاء شكوى ما عاقب الليل النهار، حتى لو قيض لعالم مخترع مثل السنيور مركوني أن يحيل جميع المصريين إلى معنى من المعاني، لاستحالوا إلى شكوى يطن في الآفاق طنينها، ويئن في الأجواء أنينها، حتى لو كان ملائكة السماء خلفاً مثلنا، يجري عليهم ما يجري علينا من الضجر والقلق، ويدركهم ما يدركنا من السهر والأرق، لقضوا من شدة هتاف شكوانا آلاف الأعوام لا تذوق جفونهم الغمض ولا يزور عيونهم المنام!. ولكنهم، لحسن حظهم، أيقاظ على الدهر، ما يهفو بهم التعب إلى ضجعة، ولا يضطرهم النصب إلى هجعة! لا ترى أحداً في مصر إلا يشكو، ولا تنقطع له شكوى على الزمان: هؤلاء الموظفون! أرأيتهم قد انقطعوا يوماً واحداً عن شكواهم، وبث مظلمتهم وعظيم بلواهم؟. الدرجات الدرجات!. العلاوات العلاوات!. الترقيات الترقيات!. ارفعي يا حكومة ما حل بنا من حيف، فقد حبست عنا علاوات الشتاء! وأبطأت علينا في علاوات الصيف! وهؤلاء الحجاب والسعاة، لا تراهم يدعون كل يوم إلا بالويل والثبور، وعظائم الأمور، لأنهم أكثر خدام الحكومة تعباً، وأحقرهم مرتباً، وهيهات أن تفي بضعة الجنيهات، بما يزحمهم من وجوه المطالب في وجوه الحاجات، وقد أثقلتهم النفقة على الأهل والولد، بعد ما عم الغلاء هذا البلد، ولو كانت الحكومة على شيء من الإنصاف، لزادت مرتباتهم أضعافاً على أضعاف! وهؤلاء رجال البوليس لا يفتأون يشكون الظلم اللاحق، والجور الحائق، فأعمالهم ثقيلة، ومهماتهم جليلة، ومع هذا فمرتباتهم قليلة، وعلاواتهم ضئيلة، ودرجاتهم هزيلة. والترقية إلى الدرجات مما يحتاج إلى طي الأحقاب، ودون ذلك مشيب الرجل بل مشيب الغراب! وهذا والله ما لا ينبغي أن يعامل به حفظة النظام، ومن يضحون برحتهم وأرواحهم في إقرار الأمن والسلام:

стр. 7348

أما معاونو الإدارة، فلا تسكن لهم شكوى. تارة بتقديم (العرائض) وعلى ألسنة الصحف تارة! ورجال القضاء أهليه وشرعيه، لا يفترون عن المطالبة بتعديل (كادر) الدرجات، وتحسين نظام العلاوات، حتى يتسق ما يتقاضون من الرواتب، لما يتقلدون من رفيع المناصب، ولا شك أن من أشد الإجحاف، أن تسوم الظلم من تقتضيه القيام على العدل والإنصاف وهؤلاء حملة الشهادات ممن لم تستخدمهم الحكومة في مناصبها، هيهات أن تبطل لهم شكاية، أو تفتر لهم دعاية؛ فإذا استخدموا استأنفوا الشكوى من قلة الراتب، وسألوا الحكومة أن تمنحهم من الدرجات، ما يكافئ ما أحرزوا من عليا الشهادات! أما المعلمون في التعليم الأولي بجميع ضروبه وأشكاله وألوانه، فهؤلاء لا ينقطع لشكاياتهم مدد، ولا يحصيه عدد، فهم كل يوم يمطرون المعارف (بالعرائض) إمطاراً، ويرسلون منها على الصحف وابلاً مدراراً. حتى أضحى المرء لا يشق صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية، أو شهرية، إلا رأي الشكايات تنفذ إليها من أقطارها، وتجري في جميع أنهارها، وحتى اصبح خلو صحيفة واحدة من ذلك مما يثير الريب ويدعو إلى اعجب العجب! هذا بعض ما يكون من الموظفين، أما التلاميذ وأولياء التلاميذ، ففي كل يوم شكوى من ضيق المدارس بالوافدين، ومن المصروفات المدرسية، ومن رسوم الامتحانات العامة، ومن صعوبة أسئلة الامتحان، ومن الدرجات التي تشترط للدخول في امتحانات الملاحق، وهكذا مما لا يبرح يطن في الآذان ما تعاقب المَلَوان، وطويت صحائف الزمان! والأهلون الأهلون! لا ترى بلد في بلاد القطر كله إلا يشكو بعض أهله على الأقل، من عمدته، ويسرف في اتهامه بالظلم والجور، وإيثاره الهوى في معاملة الناس، وغفلته عن صيانة الأمن، ومصانعته لسراق الليل. وهكذا. فإذا لم تنفذ التهم إليه من أي باب، طلبوا إزالته لأنه (فقد النصاب)! وحسبك أن تزور يوماً وزارة الداخلية لترى من هذه العجب العجاب! وهذا النيل إذا أقبل، فهل تسمع من أي بلد إلا موجع الشكوى. من احتباس الماء عن الأرض حتى عم الشرق، أو أن الماء طغى على الزرع حتى غمر الساق والورق! وهؤلاء الأزواج يشكون الزوجات، وهؤلياء الزوجات لا ينين عن شكاية الأزواج، وهؤلاء

стр. 7349

أباء يقاضون الأبناء، وأبناء يستعدون للقضاء على الأباء!. وحسبك أن تطوف يوماً في بعض محاكم الشرع لتستيقن أن الحياة العائلية في هذه البلاد قد تصدعت أركانها، وتداعى بنيانها، وأنها عما قليل ستحور أطلالاً بالية، وأنقاضا من بنايات الأمم الخالية!. ولا تنس الأحزاب واتهامها حكومات بسوء الحكم وخلف الوعود، وشكوى الحكومات مما يقابل به ما تبذل من الجهود من نكران وشدة الجحود! ولو قد ذهبت أسرد لك جملة الشاكين والشاكيات، والباكين على سوء حالهم والباكيات، لما اتسعت صحائف (الرسالة)، لاستيعاب هذه المقالة. ومهما يكن من أمر، فلعلك قد اقتنعت الآن بأن اصدق وصف لمصر في هذا العصر، وان أدق تعريف ينطبق عليها دون سائر الأمم هي أنها بلاد الشكوى! ولعلنا نوفق قريباً إلى إتمام المقال، بالبحث عن علة هذه الحال.

стр. 7350

عروس تزف إلى قبرها للأستاذ مصطفى صادق الرافعي - ١ - كان عمرها طاقة أزهار تسمى أياماً كان عمرها طاقة أزهار ينتسق فيه اليوم بعد اليوم كما تنبت الورقة الناعمة في الزهرة إلى ورقة ناعمة مثلها أيام الصبى المرحة حتى في أحزانها وهمومها؛ إذ كان مجيئها من الزمن الذي خص بشباب القلب، تبدو الأشياء في مجاري أحكامها كالمسحورة؛ فان كانت مفرحةً جاءت حاملةً فرحين، وإن كانت محزنةً جاءت بنصف الحزن. تلك الأيام التي تعمل فيها الطبيعة لشباب الجسم بقوىً مختلفة، منها الشمس والهواء والحركة، ومنها الفرح والنسيان والأحلام! وشبت العذراء وأفرغت في قالب الأنوثة الشمسي القمري، واكتسى وجهها ديباجةً من الزهر الغض، أودعتها الطبيعة سرها النسائي الذي يجعل العذراء فن جمالٍ لأنها فن حياةٍ وجعلتها تمثالاً للظرف؛ وما اعجب سحر الطبيعة عندما تجمل العذراء بظرف كظرف الأطفال الذين ستلدهم من بعد! وأسبغت عليها معاني الرقة والحنان وجمال النفس؛ وما أكرم يد الطبيعة عندما تمهر العذراء من هذه الصفات مهرها الإنساني! وخطبت العذراء لزوجها، وعقد له عليها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر، وماتت عذراء بعد ثلاث سنين، وأنزلت إلى قبرها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر! وكانت السنوات الثلاث عمر قلبٍ يقطعه المرض، وينتظرون به العرس، وينتظر بنفسه الرمس! يا عجائب القدر! أذاك لحن موسيقي لأنينٍ استمر ثلاث سنواتٍ، فجاء آخره موزوناً بأوله في ضبطٍ ودقة؟ أكانت تلك العذراء تحمل سراً عظيماً سيغير الدنيا، فردت الدنيا عليها يوم التهنئة والابتسام والزينة - وهو يوم الولولة والدموع والكفن؟ - ٢ -

стр. 7351

واهاً لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟ واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعاً، وبهذا يعود لكل مخلوقٍ سر يومه، كما أن لكل مخلوقٍ سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يحصيه عقل الإنسان أربعا وعشرين ساعة؛ يا للغباوة. . .! وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع الذي يضيء المكان المظلم في قلبه. والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يضيئه إلا وجه محبوب وفي الحياة أشياء مكذوبة تكبر الدنيا وتصغر النفس، وفي الحياة أشياء حقيقية تعظم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذهب الأرض كله فقر مدقع حين تكون المعاملة مع القلب أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان! ويا عجبا لأهل السوء المغترين بحياة لابد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل اعجب واغمض من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكره في حقيقتها؟ فعندما تحين الدقائق المعدودة التي لا ترقمها الساعة ولكن يرقمها صدر المحتضر. . . عندما يكون ملك الملوك جميعاً كالتراب لا يشترى شيئاً البتة. . . . . . ماذا يكون أيها المجرم بعد ما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وأمامك الشريعة والعدل؟ أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا ولا حظوظنا. ولا قيمة المال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معاً - إذا سلب صاحبها الأمن والقرار! والآمن في الدنيا من لم تكن وراءه جريمة لا تزال تجري وراءه. والسعيد في الآخرة من لم تكن له جريمة تطارده وهو في السموات كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبها وفيها (العداد)، ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فعدها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسان ربه وفيه القلب؛ ما يعمل من عمل إلا أشعره فعده؟ - ٣ -

стр. 7352

ورأيت العروس قبل موتها بأيام أفرأيت أنت الغنى عندما يدبر عن إنسان ليترك له الحسرة والذكرى الأليمة! أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما اتعب الإنسان حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره! وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحياناً فينفض في بعض أيامه شيئاً من ترابه. . .! رأيت العروس قبل موتها بأيام، فيالله من أسرار الموت ورهبتها! فرغ جسمها كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح، تظهر لأهلها وتقف بينهم وقفة الوداع! وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكرٍ مضيء أو فكر مظلم! يا إلهي، ما هذا الجسم المهدم المقبل على الآخرة؛ أو تمثال بطل تعبيره، أم تمثال بدأ تعبيره؟ لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه العابد؛ عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا بالوجه ولها ابتسامة غريبة الجمال، إذ هي ابتسامة آلامٍ أيقنت أنها موشكة أن تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سجانه واقفاً في يده الساعة، يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: (انطلق!) ودخلت أعودها فرأت كأنني آتٍ من الدنيا. . .! وتنسمت مني هواء الحياة، كأنني حديقة لا شخص! ومن غير المريض المدنف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبداً إلا العافية؟ من غير المريض المشفى على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا بقلبه؟ تلك الحالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام جميعها للمريض أهله وأحباؤه! وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حربٍ اجلسوا تحت جدارٍ يريد أن ينقض!

стр. 7353

وكانت قلوبهم من فزعهاتنبض نبضاً مثل ضربات المعاول. وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهولٍ آخر فتختلط عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ليمنعه أن يذهب! وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمرٍ كاملٍ، تهيئ له جلال الحس الذي يشهد به جلال الموت! وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل الإنساني! فالتفت العروس لأبيها تقول: (لا تحزن يا أبي. . .) ولأمها تقول: (لا تحزني يا أمي. . .!) وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضاً؛ تقول لها: (لا تبكي. . .!) وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حياً من أجلهم بضع دقائق! وقالت: (سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكاري بينكم تذكار عروس!. . .) ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت: (أشهد أن لا إله إلا الله) وكررتها عشراً! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السموات والأرض، ونطقت من حقيقة قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات! وفي مثل إشارة وداع من مسافر انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها، وأسلمت الروح! - ٤ - يا لعجائب القدر! مشينا في جنازة العروس التي تزف إلى قبرها طاهرةً كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلاً حتى أبصرت على حائطٍ في الطريق، إعلاناً قديماً بالخط الكبير الذي يصيح للأعين؛ إعلاناً قديماً عن رواية هذا هو اسمها: (مبروك. . .!) واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أر هذا الإعلان مرة أخرى! واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر حائط عليه الإعلان: (مبروك. . .!) طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 7354

صفحات من الدبلماسية الإسلامية السفارات الخلافية والسلطانية وعلائق الإسلام والنصرانية للأستاذ محمد عبد الله عنان تتمة لما تولى المعتصم الخلافة عقب وفاة أخيه المأمون، حاول قيصر قسطنطينية الإمبراطور تيوفيلوس (توفيل) أن يعقد الهدنة والصلح مع المسلمين، فأوفد إلى المعتصم سفارة على رأسها يوحنا النحوي. وكان يوحنا من أعظم علماء عصره، يجيد العربية، فقصد إلى بغداد يحمل أنفس الهدايا والتحف، وأنزل بأحد قصور الخلافة؛ وأدهش البلاط برائع بذخه، وما نثر حوله من مظاهر الفخامة والترف. وتعرض لنا الرواية البيزنطية قصصاً عجيبة عن بذخ يوحنا وفخامته. وكان لهذه السفارة غاية مزدوجة: الأولى أن تعقد بين الخليفة والقيصر معاهدة سلام دائم؛ والثانية أن يعمل السفير على إقناع منويل، وهو قائد بيزنطي يلوذ ببلاط الخليفة، بالعودة إلى قسطنطينية. فأفلح السفير في تحقيق الثانية، ولم يفلح في تحقيق الأولى؛ ولكن المعتصم رأى أن يجامل القيصر بالإفراج عن مائة من الأسرى النصارى. وعلى أثر هذا الفشل في عقد الصلح، زحف الإمبراطور على أراضى المسلمين، وغزا زبطرة من معاقل الحدود الإسلامية، وكان الروم يزعمون أنها مسقط رأس المعتصم؛ فاستولى عليها واستباحها وأنزل بسكانها المسلمين رائع الإثم والسفك؛ وتروي التواريخ البيزنطية أن المعتصم لما علم بزحف الروم على زبطرة، أرسل إلى الإمبراطور سفارة يرجوه فيها أن يفر المدينة العيث والسفك فأبى تيوفيلوس وارتكب فيها ما ارتكب، وهدمها حتى صارت قاعا صفصفاً عندئذ قرر المعتصم الحرب وأقسم بالانتقام وسار إلى أراضي الروم في جيش ضخم، وقصد إلى عمورية (أموريوم) أجل وأمنع مدن الروم في آسيا الصغرى؛ فهاجمها مراراً، ولكن الروم دافعوا عنها دفاعاً شديداً، فضرب حولها الحصار، واعتزم ألا يغادرها حتى تسقط في يده. عندئذ اضطر الإمبراطور أن يسعى إلى طلب الصلح، وأرسل بدوره سفارة إلى المعتصم، على يد أسقف عمورية وكبرائها، فأعلن المعتصم أنه لن يعقد الصلح، ولن

стр. 7355

يمنح شروطاً للتسليم، وأن الانتقام هو غايته واعتقل السفراء، فاستمر الحصار خمسة وخمسين يوماً، ثم سقطت المدينة في يد المسلمين، وأبدى المعتصم، كما أبدى تيوفيلوس من قبل منتهى الشدة والقسوة ففتك بالنصارى فتكاً ذريعاً، واسترق الناجون من الموت، وأحرقت عمورية حتى غدت أطلالاً، وهدمت حصونها وأسوارها؛ ثم أطلق المعتصم سفراء الإمبراطور بعد أن احتجزهم ليشهدوا ظفره، وردهم إليه بهذا الجواب! (نبئوا سيدكم بأني أديت دين زبطرة) وكان ذلك سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٨م) واستمر الصراع وتبادل الغزو بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية مدى قرن آخر. وفي عهد الإمبراطور قسطنطين السابع الذي حكم طفلاً تحت وصاية أمه الإمبراطورة زوي كاربوبسينا، أرسل بلاط قسطنطينية إلى الخليفة المقتدر بالله سفارة في طلب المهادنة وتنظيم الفداء. وتصف لنا الرواية الإسلامية حوادث هذه السفارة، فتقول لنا إن سفيري ملك الروم وصلا إلى بغداد في المحرم سنة ٣٠٥هـ (٩١٧م)، فاستقبلا بترحاب وإكرام، ودخلا على الوزير في أفخم حفل ونظام، وقد اصطف حوله الجند في أتم سلاح وزينة، وأديا رسالة قيصر، ثم أخذا إلى الخليفة المقتدر فاستقبلهما ومن حوله الوزراء والقادة والجند في أروع زينة وأبهة وأديا رسالتهما، فأجابهما الخليفة إلى ما طلب قيصر من تنظيم الفداء، وسير خادمه مؤنساً ليحضر الفداء وعينه أميراً على كل بلد يدخله فيتصرف فيه على ما يريد حتى يغادره، وسير معه قوة من الجند، وزوده بمائة ألف وعشرين ألف دينار لافتداء الأسرى المسلمين، فقام مؤنس بالمهمة وافتدى آلافاً من الأسرى وكانت مسألة الفداء مبعث طائفة من السفرات التي تبودلت بين الدولتين خلال القرن الثالث الهجري، وطائفة من المعاهدات السلمية التي عقدت بينهما وفي عهد الإمبراطورة زوى أيضاً بعث حاكم كلابريا (قلوريه) البيزنطي رسله إلى خليفة أفريقية الفاطمي (عبيد الله الشيعي)؛ وعقدت بين الفريقين معاهدة تعهدت بها الحكومة البيزنطية أن تؤدي إلى الخليفة الفاطمي جزية سنوية كبيرة، نظير تعهده بحمل أمراء صقلية المسلمين على وقف الحرب والغزوات المستمرة في قلورية، واستمرت هذه المعاهدة مدى حين. وان كانت الجزية قد أنقصت خلال ذلك ولنترك الآن علائق الدولتين العباسية والبيزنطية لنتحدث عن نواح أخرى من علائق
следующие страницы →