Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.
стр. 7351
واهاً لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟ واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعاً، وبهذا يعود لكل مخلوقٍ سر يومه، كما أن لكل مخلوقٍ سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا
وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يحصيه عقل الإنسان أربعا وعشرين ساعة؛ يا للغباوة. . .!
وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع الذي يضيء المكان المظلم في قلبه. والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يضيئه إلا وجه محبوب
وفي الحياة أشياء مكذوبة تكبر الدنيا وتصغر النفس، وفي الحياة أشياء حقيقية تعظم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذهب الأرض كله فقر مدقع حين تكون المعاملة مع القلب
أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان!
ويا عجبا لأهل السوء المغترين بحياة لابد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل اعجب واغمض من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكره في حقيقتها؟
فعندما تحين الدقائق المعدودة التي لا ترقمها الساعة ولكن يرقمها صدر المحتضر. . . عندما يكون ملك الملوك جميعاً كالتراب لا يشترى شيئاً البتة. . .
. . . ماذا يكون أيها المجرم بعد ما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وأمامك الشريعة والعدل؟
أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا ولا حظوظنا. ولا قيمة المال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معاً - إذا سلب صاحبها الأمن والقرار! والآمن في الدنيا من لم تكن وراءه جريمة لا تزال تجري وراءه. والسعيد في الآخرة من لم تكن له جريمة تطارده وهو في السموات
كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبها وفيها (العداد)، ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فعدها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسان ربه وفيه القلب؛ ما يعمل من عمل إلا أشعره فعده؟
- ٣ -
стр. 7352
ورأيت العروس قبل موتها بأيام
أفرأيت أنت الغنى عندما يدبر عن إنسان ليترك له الحسرة والذكرى الأليمة! أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما اتعب الإنسان حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره!
وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحياناً فينفض في بعض أيامه شيئاً من ترابه. . .!
رأيت العروس قبل موتها بأيام، فيالله من أسرار الموت ورهبتها! فرغ جسمها كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح، تظهر لأهلها وتقف بينهم وقفة الوداع!
وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكرٍ مضيء أو فكر مظلم!
يا إلهي، ما هذا الجسم المهدم المقبل على الآخرة؛ أو تمثال بطل تعبيره، أم تمثال بدأ تعبيره؟
لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه العابد؛ عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا بالوجه
ولها ابتسامة غريبة الجمال، إذ هي ابتسامة آلامٍ أيقنت أنها موشكة أن تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سجانه واقفاً في يده الساعة، يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: (انطلق!)
ودخلت أعودها فرأت كأنني آتٍ من الدنيا. . .! وتنسمت مني هواء الحياة، كأنني حديقة لا شخص!
ومن غير المريض المدنف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبداً إلا العافية؟ من غير المريض المشفى على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا بقلبه؟
تلك الحالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام جميعها للمريض أهله وأحباؤه!
وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حربٍ اجلسوا تحت جدارٍ يريد أن ينقض!
стр. 7353
وكانت قلوبهم من فزعهاتنبض نبضاً مثل ضربات المعاول.
وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهولٍ آخر فتختلط عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ليمنعه أن يذهب! وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمرٍ كاملٍ، تهيئ له جلال الحس الذي يشهد به جلال الموت!
وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل الإنساني! فالتفت العروس لأبيها تقول: (لا تحزن يا أبي. . .) ولأمها تقول: (لا تحزني يا أمي. . .!)
وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضاً؛ تقول لها: (لا تبكي. . .!) وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حياً من أجلهم بضع دقائق! وقالت: (سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكاري بينكم تذكار عروس!. . .)
ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت: (أشهد أن لا إله إلا الله) وكررتها عشراً! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السموات والأرض، ونطقت من حقيقة قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها
ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات! وفي مثل إشارة وداع من مسافر انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها، وأسلمت الروح!
- ٤ -
يا لعجائب القدر! مشينا في جنازة العروس التي تزف إلى قبرها طاهرةً كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلاً حتى أبصرت على حائطٍ في الطريق، إعلاناً قديماً بالخط الكبير الذي يصيح للأعين؛ إعلاناً قديماً عن رواية هذا هو اسمها: (مبروك. . .!)
واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أر هذا الإعلان مرة أخرى! واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر حائط عليه الإعلان: (مبروك. . .!)
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7354
صفحات من الدبلماسية الإسلامية
السفارات الخلافية والسلطانية وعلائق الإسلام والنصرانية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمة
لما تولى المعتصم الخلافة عقب وفاة أخيه المأمون، حاول قيصر قسطنطينية الإمبراطور تيوفيلوس (توفيل) أن يعقد الهدنة والصلح مع المسلمين، فأوفد إلى المعتصم سفارة على رأسها يوحنا النحوي. وكان يوحنا من أعظم علماء عصره، يجيد العربية، فقصد إلى بغداد يحمل أنفس الهدايا والتحف، وأنزل بأحد قصور الخلافة؛ وأدهش البلاط برائع بذخه، وما نثر حوله من مظاهر الفخامة والترف. وتعرض لنا الرواية البيزنطية قصصاً عجيبة عن بذخ يوحنا وفخامته. وكان لهذه السفارة غاية مزدوجة: الأولى أن تعقد بين الخليفة والقيصر معاهدة سلام دائم؛ والثانية أن يعمل السفير على إقناع منويل، وهو قائد بيزنطي يلوذ ببلاط الخليفة، بالعودة إلى قسطنطينية. فأفلح السفير في تحقيق الثانية، ولم يفلح في تحقيق الأولى؛ ولكن المعتصم رأى أن يجامل القيصر بالإفراج عن مائة من الأسرى النصارى. وعلى أثر هذا الفشل في عقد الصلح، زحف الإمبراطور على أراضى المسلمين، وغزا زبطرة من معاقل الحدود الإسلامية، وكان الروم يزعمون أنها مسقط رأس المعتصم؛ فاستولى عليها واستباحها وأنزل بسكانها المسلمين رائع الإثم والسفك؛ وتروي التواريخ البيزنطية أن المعتصم لما علم بزحف الروم على زبطرة، أرسل إلى الإمبراطور سفارة يرجوه فيها أن يفر المدينة العيث والسفك فأبى تيوفيلوس وارتكب فيها ما ارتكب، وهدمها حتى صارت قاعا صفصفاً
عندئذ قرر المعتصم الحرب وأقسم بالانتقام وسار إلى أراضي الروم في جيش ضخم، وقصد إلى عمورية (أموريوم) أجل وأمنع مدن الروم في آسيا الصغرى؛ فهاجمها مراراً، ولكن الروم دافعوا عنها دفاعاً شديداً، فضرب حولها الحصار، واعتزم ألا يغادرها حتى تسقط في يده. عندئذ اضطر الإمبراطور أن يسعى إلى طلب الصلح، وأرسل بدوره سفارة إلى المعتصم، على يد أسقف عمورية وكبرائها، فأعلن المعتصم أنه لن يعقد الصلح، ولن
стр. 7355
يمنح شروطاً للتسليم، وأن الانتقام هو غايته واعتقل السفراء، فاستمر الحصار خمسة وخمسين يوماً، ثم سقطت المدينة في يد المسلمين، وأبدى المعتصم، كما أبدى تيوفيلوس من قبل منتهى الشدة والقسوة ففتك بالنصارى فتكاً ذريعاً، واسترق الناجون من الموت، وأحرقت عمورية حتى غدت أطلالاً، وهدمت حصونها وأسوارها؛ ثم أطلق المعتصم سفراء الإمبراطور بعد أن احتجزهم ليشهدوا ظفره، وردهم إليه بهذا الجواب! (نبئوا سيدكم بأني أديت دين زبطرة) وكان ذلك سنة ٢٢٣ هـ (٨٣٨م)
واستمر الصراع وتبادل الغزو بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية مدى قرن آخر. وفي عهد الإمبراطور قسطنطين السابع الذي حكم طفلاً تحت وصاية أمه الإمبراطورة زوي كاربوبسينا، أرسل بلاط قسطنطينية إلى الخليفة المقتدر بالله سفارة في طلب المهادنة وتنظيم الفداء. وتصف لنا الرواية الإسلامية حوادث هذه السفارة، فتقول لنا إن سفيري ملك الروم وصلا إلى بغداد في المحرم سنة ٣٠٥هـ (٩١٧م)، فاستقبلا بترحاب وإكرام، ودخلا على الوزير في أفخم حفل ونظام، وقد اصطف حوله الجند في أتم سلاح وزينة، وأديا رسالة قيصر، ثم أخذا إلى الخليفة المقتدر فاستقبلهما ومن حوله الوزراء والقادة والجند في أروع زينة وأبهة وأديا رسالتهما، فأجابهما الخليفة إلى ما طلب قيصر من تنظيم الفداء، وسير خادمه مؤنساً ليحضر الفداء وعينه أميراً على كل بلد يدخله فيتصرف فيه على ما يريد حتى يغادره، وسير معه قوة من الجند، وزوده بمائة ألف وعشرين ألف دينار لافتداء الأسرى المسلمين، فقام مؤنس بالمهمة وافتدى آلافاً من الأسرى وكانت مسألة الفداء مبعث طائفة من السفرات التي تبودلت بين الدولتين خلال القرن الثالث الهجري، وطائفة من المعاهدات السلمية التي عقدت بينهما
وفي عهد الإمبراطورة زوى أيضاً بعث حاكم كلابريا (قلوريه) البيزنطي رسله إلى خليفة أفريقية الفاطمي (عبيد الله الشيعي)؛ وعقدت بين الفريقين معاهدة تعهدت بها الحكومة البيزنطية أن تؤدي إلى الخليفة الفاطمي جزية سنوية كبيرة، نظير تعهده بحمل أمراء صقلية المسلمين على وقف الحرب والغزوات المستمرة في قلورية، واستمرت هذه المعاهدة مدى حين. وان كانت الجزية قد أنقصت خلال ذلك
ولنترك الآن علائق الدولتين العباسية والبيزنطية لنتحدث عن نواح أخرى من علائق
стр. 7356
الإسلام والنصرانية، والسفارات التي تبودلت بينهما
لما قامت الخلافة الفاطمية بمصر، غدت مصر منذ أواخر القرن الرابع، قوة إسلامية جديدة تشترك في قيادة الإسلام وتوجيهه في المشرق. ولم تكن مصر قبل ذلك مركزاً هاماً للتجاذب السياسي بين الإسلام والنصرانية، لأنها لم تكن أكثر من ولاية خلافية أو دولة ثانوية تظللها الخلافة العباسية بسلطانها الروحي. على أنه كانت ثمة علائق مستقلة في هذا العصر بينها وبين الدولة البيزنطية زعيمة النصرانية في المشرق. وأشهر ما انتهى إلينا من أخبار الحوادث الدبلوماسية بين الدولتين في تلك الفترة سفارة الإمبراطور رومانوس الأول (ارمانوس) قيصر قسطنطينية إلى محمد بن طغج الإخشيد صاحب مصر (٣٢٣ - ٣٣٤هـ)، ورد الإخشيد على هذه السفارة. وحمل كتاب الإمبراطور إلى الإخشيد رسولاه نقولا وإسحاق، وفيه يطلب الإمبراطور تنظيم مسألة الفداء، وتسهيل المعاملات التجارية لرسله في البيع والشراء، وعقد الصداقة المتبادلة بين الدولتين، غير أن الإمبراطور يمن في نفس الوقت على الإخشيد بأن تنازل لمكاتبته مباشرة، لأن مقامه كقيصر الدولة الشرقية يحتم عليه ألا يكاتب من هو دون الخليفة، ولكنه مع ذلك قد خص الإخشيد بالمكاتبة لما نمى إليه من رفيع مكانته وحميد سيرته وفيض عدالته ورحمته. وقد رد الإخشيد على رسالة الإمبراطور بكتاب شهير من إنشاء إبراهيم بن عبد الله النجيرمي، وانتهت إلينا صورته بأكملها. وفيه يرد الإخشيد على رومانوس بالشكر على ما أسبغ عليه من حمد ومديح، ويقول: إنه مهما تكن منزلة ملك الروم فانه لا يرى بأساً أن يكتب إليه، وقد كتب من قبل إلى أقرانه ممن لا يرتفع إلى منزلته، فقد كتب القياصرة من قبل إلى خمارويه أحمد بن طولون، والى تكين مولى الخليفة وحاكم مصر وحدها؛ وينوه الإخشيد بأهمية مكانته وضخامة ملكه وما لمصر من غابر الزمن من ملك باذخ، وأنه يحكم الشام وفلسطين إلى جانب مصر، ويشرف على مكة منبع الإسلام، ومدينة الرسول؛ وأنه لم يكن يحب أن يثير في ذلك جدلاً أو ملاحظة لولا ما تقدم به الإمبراطور. ثم يعبر الإخشيد عن حمده وثنائه للإمبراطور لما يبديه نحو الأسرى المسلمين من الرفق والرعاية، ويصرح بإجابته إلى ما طلبه من تنظيم الفداء ومبادلة الأسرى، ومن عقد الصداقة المتبادلة، ومن تسهيل المعاملات التجارية لرسله التجاريين، وقد صيغت هذه الرسالة الشهيرة في أسلوب سياسي
стр. 7357
بديع يجمع بين حزم المخاطبة، ورقة المجاملة. وفي صيغتها ومحتوياتها ما يلقي ضياء كبيراً على طبيعة العلائق بين مصر الإسلامية والدولة البيزنطية في أوائل القرن الرابع الهجري (أوائل القرن العاشر الميلادي)
وكانت الدولة الفاطمية خصيمة الدولة العباسية تنازعها زعامة الإسلام في المشرق؛ وكانت السياسة البيزنطية تتجه يومئذ إلى الضرب بين الدول الإسلامية المختلفة والاستفادة من تنازعها وتنافسها؛ فلما تضاءل سلطان الدولة العباسية، وبرز سلطان السلاجقة في المشرق، اهتمت الدولة البيزنطية بمقاومة هذا الخطر الجديد ومصانعته، وعملت على أن تكون محوراً للتجاذب السياسي بين هذه القوى الإسلامية المختلفة. وقد وقع بين مصر وقسطنطينية في منتصف القرن الخامس، حادث سياسي شهير يوضح لنا طبيعة هذا التجاذب، هو سفارة المستنصر بالله الفاطمي لبلاط قسطنطينية وما كان من أدوارها ونتائجها. ففي سنة ٤٤٦هـ (١٠٥٣م) أيام الخليفة المستنصر بالله نكبت مصر بوباء ذريع استطال مدى أعوام؛ واقترن الوباء بغلاء وقحط شديدين، وأصيبت مصر بصنوف مروعة من الدمار والفوضى. وتعرف هذه النكبة في تاريخ مصر (بالشدة العظمى). فأرسل المستنصر بالله (سنة ٤٤٦هـ) إلى قسطنطين إمبراطور قسطنطينية يطلب منه العون، وأن يمده بالغلال والأقوات، ورأت السياسة البيزنطية في ذلك فرصة سائحة لتحسين مركزها وعلائقها مع مصر، التي كانت تهددها من البر والبحر، فلبى الإمبراطور الدعوى، وتم الاتفاق على بذل العون المطلوب؛ ولكن قسطنطين توفي قبل تنفيذه، وخلفته على العرش الإمبرطورة تيودورا، واشترطت لمعونة مصر شروطاً أباها المستنصر، واشتبك الفريقان في معارك شديدة في البر والبحر. وفي سنة ٤٤٧هـ، أرسل المستنصر سفيراً إلى تيودورا هو القاضي أبو عبد الله القضاعي ليحاول تسوية الخلاف، فذهب إلى قسطنطينية ليحاول عقد الصلح مع بلاطها، ولكنه لم ينجح في مهمته، لأن السياسة البيزنطية آثرت عندئذ جانب السلاجقة الذين كثرت غزواتهم لأراضي الدولة، ورأت أن تصانعهم وأن تسعى إلى مهادنتهم، وسمح لرسول طغرل بك عاهل السلاجقة أن يخطب في جامع قسطنطينية باسم الخليفة العباسي القائم بأمر الله ولما وقف المستنصر بالله على ذلك رأى أن ينتقم بالقبض على أحبار القمامة (كنيسة قبر المسيح) في بيت المقدس ومصادرة
стр. 7358
تحفها وذخائرها؛ واستمرت الخصومة بعد ذلك عصراً بين مصر والدولة البيزنطية
وفي أيام الحروب الصليبية كثر تردد السفارات والمفاوضات بين مصر باعتبارها زعيمة الجبهة الإسلامية يومئذ، وبين قادة الحملات الصليبية، وكثر عقد العهود والهدن والمعاهدات. ولا يتسع المقام لاستعراض هذه المبادلات الدبلوماسية التي وصلت يومئذ إلى ذرى التشعب والاتساع، والتي تملأ فراغاً كبيراً في أخبار ذلك العصر؛ ولكنّا نمثل لها بحادثين: الأول سفارة لويس التاسع (القديس لويس) ملك فرنسا إلى سلطان مصر الملك الصالح حينما جاء إلى مصر على رأس حملته الصليبية (١٢٤٩م) وكتب إلى الملك الصالح باسم الأمم النصرانية يطالبه بتسليم مصر وينذره بالويل إذا أبى؛ وكان الملك الصالح يومئذ مريضاً في القاهرة، فتولى كاتبة بهاء الدين زهير الشاعر الأشهر كتابة الرد، وفيه يرد على الصلبيين وعيدهم وينذرهم بالانتقام؛ والثاني سفارة من ملك فرنسا أيضاً إلى سلطان مصر يطالبه بإعادة بيت المقدس إلى الفرنج، وان يفتح لهم ثغرا في الساحل وتكون البلاد وولايتها ة وإدارتها مناصفة بين المسلمين والنصارى على أن يؤدي الفرنج لمصر نظير ذلك جزية سنوية ضخمة. والظاهر أن مرسل هذه السفارة هو فيليب الجميل ملك فرنسا، وأن المرسل إليه هو السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وأنها وردت إلى مصر في أواخر القرن السابع الهجري أو أوائل القرن الثامن. وقد نقلت إلينا الرواية الإسلامية تفاصيل الحادث دون أن تعين تاريخه، وذكرت أن السلطان غضب لجرأة الفرنج حين أبلغ السفراء رسالتهم، وذكرهم بنكبة دمياط، وأنذرهم بالويل والثبور وردهم أقبح رد
وقد كانت مصر منذ الحروب الصليبية محور الدبلوماسية الإسلامية ومجمعا للعلائق بين الشرق والغرب؛ وكانت علائقها مع الأمم النصرانية متشعبة النواحي والأطراف، فمن بلاط قسطنطينية إلى الدول الإيطالية - البندقية وبيزا وجنوه ونابولي - إلى مملكة فرنسا، وإلى إسبانيا النصرانية؛ وتاريخ مصر في القرنين الثامن والتاسع الهجريين (الرابع عشر والخامس عشر) حافل بأخبار هذه العلائق الدبلوماسية. وقد أورد لنا القلقشندي في (صبح الأعشى) عشرات بل مئات من الوثائق والمكاتبات الدبلوماسية التي تلقي أعظم ضياء على طبيعة هذا العلائق ومداها ونكتفي في هذا المقام أيضا بالتمثيل ببعض السفارات النصرانية إلى بلاط القاهرة؛ فقد أرسل قيصر قسطنطينية مانويل باليولوج سنة ٨١٤هـ (١٤١١م)
стр. 7359
كتاباً إلى الملك الناصر فرج، على يد تاجر يوناني يدعى سورمش يؤكد ما كان بين والده (أي والد قيصر) وبين والد السلطان (الظاهر برقوق) من أواصر المودة والصداقة، وبعث معهم عدة من البزاة هدية للسلطان؛ ورجا السلطان في كتابه أن يعامل الأحبار النصارى بالرفق والرعاية.
ووردت على بلاط مصر سفارة أخرى في نفس هذا العام (سنة ٨١٤هـ) من (دوج) البندقية ميميكائيل، وقدم السفير (نقولا البندقي) إلى السلطان ناصر فرج كتاباً من الدوج يبلغه فيه تحياته وثناءه على ما كان يلقاه التجار البنادقة من الرعاية وكرم الوفادة، ولكنه يحتاج على حبس بعضهم في ثغر دمياط، ويحتج بالأخص على ما وقع بالإسكندرية من القبض على (قنصل) البنادقة وأكابر التجار البنادقة، وأخذهم إلى القاهرة مصفدين بالأغلال، وينوه بأن هذه الإهانة إنما هي إهانة له بالذات (أي للدوج) ويرجو السلطان أن يعدل عن هذه السياسة إلى الرفق بالقنصل والرعايا البنادقة، لتحصل الطمأنينة للتجار ويكثرون من التردد على مصر. وهذه الوقائع التي يشرحها الدوج في رسالته إنما هي حادث دبلوماسي محض؛ وقد صيغت في أسلوب رقيق ينم عما كان لمصر يومئذ من عظيم الهيبة في نفوس الدول النصرانية؛ وفيها يستعمل قلم الترجمة السلطاني كلمة (قنصل) ترجمة للكلمة الإفرنجية المماثلة، وهي كلمة ما نزال نطلقها اليوم في اصطلاحنا الحديث على ممثلي الدول الذين يختصون بأعمال هذا المنصب
تلك طائفة متناثرة من السفارات الخلافية والسلطانية، والموضوع مشعب الأطراف واسع المدى. بيد أن ما أوردناه من أحاديث هذه السفارات والرسالات المتبادلة يكفي لشرح كثير من خواص العلاقات الدبلوماسية في تلك العصور. وهناك بالأخص ناحية أخرى من علائق الشرق والغرب والإسلام والنصرانية لم يتسع المقام للتحدث عنها: تلك هي علائقإسبانيا المسلمة (الأندلس) بأسبانيا النصرانية وبالأمم الإفرنجية الأخرى؛ فهذا العلائق وحدها تملأ صحفاً فياضة من تاريخ الدبلوماسية الإسلامية؛ وقد كان عهد الخلافة الأموية بالأندلس عهداً زاهراً في تنظيم هذه العلائق ففي عصر الناصر دين الله، ثم ولده الحكم المستنصر، انهالت وفود الأمم النصرانية وسفاراتها على بلاط قرطبة؛ فكانت تستقبل في قرطبة في أيام مشهورة ومراسيم شائقة بهرت أمم العصر وقصوره؛ وكان تقاطرها على
стр. 7360
قرطبة في ذلك العصر الذي بلغت فيه الأندلس ذروة العظمة والسلطان، شاهدا بتطبيق هذه الخاصة التي أشرنا إليها في فاتحة هذا البحث، وهو أن اتجاه السفارات السياسية من الغرب إلى الشرق ومن الأمم النصرانية إلى الأمم الإسلامية كان في معظم الأحيان شاهدا بتفوق الشرق والإسلام في القوة والعظمة والسلطان
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 7361
الانتحار
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
(نعم، لابد مما ليس منه بد. وستنتهي الحياة على كل حال، طال العمر أم قصر، فلم لا أختمها بيدي وأستريح من هذا العذاب؟)
كذلك كان يحدث نفسه وهو جالس إلى مكتبه، وأمامه عدة رسائل كتبها ووضعها في ظروفها، وعنونها، ونشفها، والصق عليها طوابع البريد، ولو أنك في هذه الساعة سألته عن الباعث أو البواعث له على هذا العزم، لقال لك إنها ليست مسألة بواعث، وإنما هي مسألة آلام في معدته لم يبق له صبر عليها، وعجز طب الأطباء عن تخفيفها، وما بقي في البلد طبيب إلا استشاره، وما قرأ إعلاناً في صحيفة عن دواء يلطف هذه الأوجاع إلا اشتراه وجربه، فذهب كل ذلك مع الريح، وكانت معدته توسعه إيلامًكلما أوسعها تطبيباً، فكأنه لا يضع فيها أشفية، وإنما يضع فيها إبراً أو أظافر ومخالب وأنياباً! وما أكل شيئاً إلا نفخه وتخمر في جوفه وفارت منه غازات ترتقي إلى الصدر والقلب وتثقل عليهما وتخزه هنا وهناك فيروح يبلع الفحم قرصاً وراء قرص، والغازات كما هي، لا يمتصها أو يطلقها أو يخفف ضغطها وشكها شيء، فتلفت أعصابه ويئس من الشفاء، وعزم آخر الأمر على الانتحار
وكانت له زوجة وبنون، وبيت طويل عريض فيه خدم وحشم، ولكن آلامه سودت عيشه ونغصت حياته، وحرمته ما كان خليقاً أن يفوز به من المتع، فالموت لا يفقده لذة موجودة، ولعله يريح آله مما يحملهم معه من المتاعب والغصص، ويتيح لهم أن ينعموا بماله، وأن يخلو صفو حياتهم من كدر حياته
أما الرسائل التي أسلفنا الإشارة إليها فكتبها إلى الصحف ينعى نفسه فيها، ويحذر قراءها من الإعلانات المغرية وما تزعمه من قدرة الأدوية على الشفاء السريع، وأخرى كتبها إلى (النيابة) حتى لا تزعج أهل بيته بالسؤال والتحقيق، فان (للنيابة) ولعاً بتقصي أسباب الانتحار كأنما حياة المرء هبة من هذه (النيابة) أو عارية، فهو مسئول عنها قبلها! ولما صح عزمه على الانتحار قعد يفكر في وسائله، وأدواته، ولكنه استقبحها جميعاً، ولم يرض عن واحدة منها، وبدا له أن من السخافة وقلة العقل أن يلقي بنفسه من فوق السطح مثلاً،
стр. 7362
فقد يتحطم جسمه ولا يموت! أو أن يغرق نفسه في النيل، فقد يراه أحمق فيدركه وينقذه، أو قد تعلق جثته بشيء فتظل راسبة ولا يهتدي إليها أحد! ولم ير أنه يطيق أن يسدد إلى رأسه مسدساً، أو إلى قلبه، ولا أن يغمد في صدره سكيناً أو يبقر به بطنه، كلا! هذه الميتات جميعا قبيحة، وفي صورها هوان وحماقة؛ إنما الميتة الحسنة أن يستلقي على سريره، ويضع إلى جانبه طشتا على كرسي، ثم يقطع شريانا فيلح عليه النزف حتى يموت، في سكون وبلا ألم
واستغرب لما انتهى إلى هذا الرأي، أن يرى نفسه منشرح الصدر، وأنه لم يعد يشعر حتى بتلك الآلام التي أغرته بالتماس الموت وحرضته على نشدانه! فهز رأسه متعجباً وقال: إذا كانت هذه هي البداية فلا شك أن الخاتمة أحسن. وتمنى لو تيسر له أن يرى نفسه مسجى في أكفانه والناس حوله يبكون ويندبون، ويثنون عليه بالذي (كان) أهله! وتصور نفسه محمولاً على الأعناق وخلفه حشد عظيم من الأصدقاء والكبراء، وكبر الأمر في وهمه حتى لخيل إليه أنه الآن راقد في النعش، فتحرك حركة من يريد أن يطل على مشيعيه! ثم أفاق من هذا الحلم وابتسم! ولم تكن هذه ابتسامة السرور، وإنما كانت ابتسامة الأسف على أنه سيحرم لذة هذا المنظر
ودق الجرس فجاءت الخادمة، وكانت فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، ولم تكن جميلة ولكنها لم تكن دميمة، وكان يحنو عليها لأنها يتيمة لا أب لها ولا أم، ولا أهل فيما يعرف، فلما أقبلت عليه رق لها قلبه من العطف، وقال لها:
(اسمعي! خذي هذه الرسائل وضعيها في صندوق البريد. فاهمة؟ وخذي هذا لك.)
ونهض وهو يناولها ورقة بجنيه، فدهشت المسكينة، فما لها عهد بمثل هذا الجود، وما وهبها أحد أكثر من قرش وقالت: (لي أنا؟)
فوضع راحته على كتفها وقال: (نعم لك أنت. ولم لا؟ إنك فتاة طيبة، وأنا راض عنك)
فقالت المسكينة: (ولكن ماذا تقول ستي؟ إنها إذا رأته معي ستظنني سرقته)
فقال: (كلا. لا تخافي. اطمئني!)
وأدناها منه وقبلها على خد، ثم أدار وجهها ليقبل خدها الآخر، فلمحت الفتاة أوسط أبنائه، وخشيت أن يثرثر لأمه بما رأى، فارتدت عن سيدها محتجة وقالت بصوت عال:
стр. 7363
(عيب يا سيدي، عيب! أنا بنت يتيمة، وأنت رجل كبير. . . تؤ. . . تؤ. . . عيب!)
فبهت الرجل، فقد كانت قبلته من عطف أبوي، ومن كرم النفس ومروءة القلب، وساءه جحودها وسوء ظنها، وأغضبه هذا التأويل، فقال:
(ولكن يا ابنتي ماذا حصل؟ أي عيب؟)
فقالت بصوت أعلى (أقول لك عيب يا سيدي، لا لا لا. . . أنا في أمانتك. . حرام عليك يا سيدي! وأنت رجل كبير)
ولم يكن يرى ابنه فلم يفطن إلى الباعث لها على هذا الاستهجان؛ أما ابنه فرأى وسمع، وأسرع إلى أمه ينبئها ويقص عليها الحكاية فنهضت الأم كالمجنونة إلى هذا الزوج الذي يتغفلها ويزعم نفسه مريضاً مدنفاًٍ ويروح يقبل الخادمات! ومن يدري ماذا يصنع غير ذلك؟ ومن الذي يمكن أن يثق به أو يصدقه بعد هذا؟
وكان الرجل قد طرد الخادمة من حضرته. لما رآها تلج في الاستنكار وتأبى إلا أن تسيء تأويل الحادثة، فخرجت، ولم تكد تفعل حتى دخلت الزوجة كاللبوة الهائجة:
(معلوم! معلوم! تدعي المرض، وتقول أبعدوا عني وخلوني استريح، لتخلو بالخادمة فتقبلها وتحضنها! ما شاء الله! هل المريض يعانق الخادمة؟)
فطار عقل الرجل، وله العذر، وخطر له أن الخادمة هي التي ذهبت تشكو إلى زوجته، وتذكر في هذه اللحظة أنه أعطاها الرسائل، وأن فيها نعيه إلى الصحف والنيابة، ولكن الغضب صرفه عن الموت، وفتر الرغبة فيه، وأحس أنه لا يريد أن يموت، بل أن يميت - يقتل هذه الخادمة اللعينة التي يحسن إليها فتسيء إليه، وتشنع عليه، وتحيل البيت قطعة من جهنم، فترك زوجته تتكلم وخرج يقول:
(أين هي؟ أين هي؟)
وعرف أنها خرجت فانطلق وارءها، ليسترد الرسائل منها، ويرى له بعد ذلك رأياً فيها - نعني في الفتاة. وبصرت به الخادمة مقبلاً، ورأسه عار، ووجهه مضطرم، وكانت تحس في قرارة نفسها أنها ظلمته وتجنت عليه، فأيقنت أنه خرج وراءها هائجاً، وأنه يطلبها ليضربها، فراحت تعدو، فلم يسعه إلا أن يجري وراءها، ولكنها في الثامنة عشرة من عمرها، وهو في الخامسة والأربعين، فما عسى قدرة مثله على إدراك مثلها؟ فأخذ يصيح
стр. 7364
ويدعوها أن تقف ويناشد الناس أن يمنعوها، وهي كلما حاول أحد أن يصدها تتفلت منه، وتزعم له أن سيدها يهم بقتلها وتستحلفهم أن يردوه عنها. وتبعهما أطفال الحارة وأهل الفضول من الرجال والنساء، وأخيراً لحق بها الرجل، لأن الناس استوقفوها، فقبض على يدها وانتزع منها الرسائل وهو يلهث
وكان من السهل بعد ذلك أن يطلع زوجته على الرسائل، وأن يقنعها بان من يروم الانتحار لا يتبع الخادمة عينه
ونام صاحبنا في ليلته تلك نوماً عميقاً هادئاً لا حلم فيه، ولم يشعر بمعدته حتى ولا في الصباح، فتعجب وهو يتمطى ويتثاءب فما نام قط هذا النوم المريح في السنوات الأخيرة، وأقبل على الطعام فالتهم منه شيئاً غير قليل، ولم يكن يفطر قبل اليوم، وكان يدخن على ريق النفس، ويستغني بالقهوة عن الطعام، فقال لزوجته:
يظهر أن الجري نفعني أمس. . والغضب أيضاً! لقد حرك دمي في عروقي فزايلني الفتور، ونشطت. . . نعم إن حاجتي هي إلى ما ينشط جسمي، فليت لي كل يوم خادمة أقبلها فيسوء بي ظنك، فتثور نفسي!)
فضحكت الزوجة وقالت: (لقد كنت مجنوناً! وهل ينتحر إلا مجنون؟)
فقال: (نعم، ولكن الأطباء هم الذين أجنوني. والغريب أني لم أجد واحداً من بينهم يشير علي بالرياضة - ليس عندهم إلا وصفاتهم التي لا تنفع. . . أقول لك! سأطتب هذا إلى الصحف، وأفضح طب الأطباء)
ولكنه لم يكتب، لأنه شغل بالرياضة في ناد قريب من بيته، فتولينا نحن عنه ذلك، فهل بلغنا؟
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 7365
٥ - قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
اسبلنزاني
صلة حديثه
حتى العلماء كانوا في جانب انبعاث الأحياء من لا شيء. أعلن الطبيعي الإنجليزي (رس) بأسلوب توكيد تحس فيه يقين العالم وثقة العارف، قال: (إن من يتشكك في أن الخنافس والزنابير تكونت من روث البقر فإنما يتهم العقل والحس والتجربة). حتى الحيوانات التي هي أعقد من هذه وأكثر أعضاء كالفئران لا حاجة بها إلى الأمهات والآباء. ومن قال غير هذا فعليه أن يذهب إلى مصر ليعرف كيف تعج الحقول بالفئران التي تكونت من غرين النيل فآذت السكان إيذاء كبيراً
سمع اسبلنزاني كل هذه الأقاصيص التي اعتقد صدقها أناس كثيرون ذوو خطر وعلم، وقرأ قصصا أكثر من هذه عدداً وأبعد في الأغراب، ورأى الطلبة تتنافس فتتخاصم وتتلاكم لتثبت أن الفأر لا حاجة به إلى أب أو أم. ومع كل هذا لم يعتقد في شيء مما رأى أو سمع. كان في رأسه تحزب، وفي قلبه تغرض وتعصب، وكثيراً ما نجد العلم يتقدم بمثل هذا التعصب والتحزب، بفكرة ليست من العلم، وليست مما يقال عادة في العلم، ولكن فكرة تخلق في رأس الرجل العلمي خلقاً، مبناها كره لخز عبلة شائعة وخرافة سائدة. رأى اسبلنزاني أن الإنسان تكفيه النظرة الظاهرة إلى الأمور ليقتنع بان الحياة لا توجد من عدم، وبأن الأحياء لا تخلق اتفاقاً من الأوساخ والأقدار، وإنما هي تولد عن سبب، وحسب نظام وقانون. ولكن كيف السبيل إلى إثبات ذلك؟
وفي خلوة في ذات ليلة وقع على كتاب صغير بسيط ساذج قرأه فأفاد منه طريقة جديدة لو اتبعها لعرف بها كيف تنشأ الحياة. كتاب لم يحاجج بالكلام، ولم يتمنطق بالألفاظ، بل اكتفى بالتجربة. وأي تجربة؟ وأي حقائق تتضح منها وتبين في سهولة ويسر، وذهب عن صاحبنا النعاس، ونسى أن الفجر يقترب، وظل يقرأ ثم يقرأ. . .
قرأ في الكتاب أن تخلق الدود والذباب من اللحم الفاسد خرافة أي خرافة، وإن كثيراً من
стр. 7366
العقلاء الأذكياء يؤمنون بهذا الزعم على سخافته وبطلانه. وبينا هو يقرأ أتى على فقرات من الكتاب كادت تخرج لها عيناه من رأسه استغراباً لها وإعجاباً بها، على وصف تجربة بسيطة ذهبت بالخرافة من نفسه دفعة واحدة ولغير رجعة
وقال لنفسه وهو يتخفف من بعض ملابسه ويميل بعنقه الغليظ إلى ضوء الشمعة: (إن (ريدى) هذا الذي كتب الكتاب رجل لا شك عظيم. انظر كيف هو يحل المشاكل حلاً غاية في البساطة. أخذ قدرين ووضع بكل منهما قطعة لم، ثم غطى أحدهما بغطاء خفيف، وترك الآخر مكشوفاً. ثم أخذ ينظر، فوجد الذباب يدخل إلى اللحم في القدر المكشوفة، وبعد زمن قليل وجد بها الدود، وبعد زمن آخر وجد بها ذباباً جديداً، ثم نظر إلى القدر المغطاة فلم يجد بها دوداً ولا ذباباً. فالأمر بسيط جداً. فالمسألة مسألة الغطاء الذي يحول بين اللحم والذباب وتجربة بسيطة جداً، ولكنها تدل على ذكاء كبير، فان الناس تناقشوا وتجادلوا وبحت أصواتهم آلاف السنين، ولكنهم لم يهتدوا إلى هذه التجربة البسيطة)
وفي الصباح لم يستطع (لازارو) صبراً، فأسرع إلى العمل يطلب حل الأشكال، لا فيما يختص بالذباب ودوده، ولكن فيما يختص بالأحياء المكرسكوبية الصغيرة. فان الأساتذة العلماء كانوا قد بدأوا يقولون إنه قد يجوز أن الذباب يخرج من بيض، ولكن الأحياء التي تدق عن البصر تأتي من ذات نفسها
وأخذ اسبلنزاني يتعلم في عثار كثير كيف يربي تلك الأحياء، وكيف يستخدم المجهر. فجرح يديه وكسر قبابات كبيرة ثمينة؛ وكان ينسى أحياناً أن يمسح عدساته وينظفها، ثم ينظر من خلالها إلى تلك الحيوانات الصغيرة، فلا يراها إلا بمقدار ما يرى السمك الصغير في الماء بساحل البحر وقد عكره بتحريك قاعه؛ ولم يكن يبالي أن يتحدث عن أخطائه ويقصف بالضحك منها، فلم يكن في خلقه ذلك الجمود وتلك الشراسة التي اتصف بها (لوفن هوك). وكان مندفعاً متهوراً، ولكنه برغم اندفاعه وتهوره كان لحوحاً لجاجاً، لا ينعطف لخيبة ولا يثنيه يأس؛ قام ليفضح تلك الأكاذيب التي يحكونها عن تلك الحيوانات الصغيرة فلن يقعد حتى يبلغ ما أراد، ولكن مهلاً. (إذا أنا نصبت نفسي بغية الوصول إلى غاية معينة فلست والله بعالم، إن العالم يجب عليه أول شيء أن ينزع من قلبه التعصب والتغرض، وأن يتعلم أن ينقاد للحقائق التي تتكشف له إلى حيث تسوق. . .) وأخذ يدرس
стр. 7367
تلك الحيوانات بصبر طويل، وأخذ يسوم نفسه قصد السبيل، وينفي عنها الهوى بقدر الطاقة حتى علمها أن تنصاع للحق ولو كان مراً
واتفق في هذا الوقت أن قسيساً آخر اسمه (نيدم كان يسره أن يرى نفسه تحذق فن التجربة، وكان كاثوليكياً تقياً. وكان اسمه أخذ يذيع في إنجلترا وأيرلندا بأنه الرجل الذي يعرف كيف ينشئ تلك الأحياء الصغيرة في مرق الضأن من لاشيء. وأرسل إلى علماء الجمعية الملكية البريطانية يصف لهم تجاريبه، فتفضلوا بالإعجاب بها
قال لهم إنه أخذ من قدر وهي تغلي بمرق الضأن مقداراً ثخينا من هذا المرق، ووضعه في زجاجة سدها بفلينة فأحكم سدها فأصبحت بمعزل عن الهواء، فلا تدخلها تلك الأحياء أو ما يمكن أن يكون لها من بيض. ولم يكتف بذلك، بل ذهب فوضع الزجاجة في رماد ساخن زيادة في الحرص والتوكيد. قال الرجل الطيب: (وبهذا لاشك قد قتلت كل ما قد يكون بقي في الزجاجة من كائن حي أو بيض). واحتفظ بهذا المرق في الزجاجة أياماً، ثم نزع سدادها، وأتى بالعدسة فرأى - وما أخطر ما رأى - رأى المرق يعج بالأحياء عجيجاً
وصاح (نيدم) يقول للجمعية: (إن هذا كشف خطير أي خطير. إن هذه الأحياء لا يمكن أن يكون مأتاها إلا من المرق، فدونكم إذن تجربة تثبت أن الشيء الحي قد يخرج من الشيء الميت). وقال لهم فيما قال: إن الحساء يصنع من الحب أو اللوز يقوم مقام المرق سواء بسواء
وثارت الجمعية الملكية والعالم المثقف لما علموا بكشف (نيدم) كشف صدق لا أقصوصة كاذبة، وحقيقة تجريبية لا يأتيها الباطل من أمامها أو خلفها، واجتمع أعضاء الجمعية يفكرون في جزاء (نيدم) بتنصيبه عضواً فيها، وهي الجمعية الوقور المترفعة التي تمثل أرستقراطية العلم وتتضمن صفوة العلماء. ولكن في هذه الأثناء كان اسبلنزاني بعيداً في إيطاليا يقرأ خبر هذا الكشف المدهش، وبينما هو يقرأ تقارب ما بين حاجبيه، وضاق حدق عينيه، وأخيراً أبرق وأرعد وقال: (إن هذا الحيوانات لا تنشأ من لا شيء، لا في المرق، ولا في حساء اللوز، ولا في شيء كائناً ما كان؛ إن في هذا التجربة تدليسة أو خدعة، من الجائر أن (نيدم) لا يعرف ذلك، ولكن لابد أن هناك ثغرة أنا كاشفها لا محالة)
وبدأ شيطان التعرض يستيقظ في نفسه، وقام القسيس يشحذ سكينه لأخيه القسيس. وكان
стр. 7368
الإيطالي رجلاً شريراً سفاحاً يغرم بنحر الآراء التي يخاصمها، فمن أجل هذا قام يسن سلاحه للإنجليزي. وفي ذات ليلة، وهو قائم وحده في معمله، بعيداً عن جلبة الإعجاب التي تتحشى بها دروسه، بعيداً عن زئاط الصالونات البهيجة حيث تتظرف له السيدات وتتلطف معجبة بذكائه وسعة علمه، في تلك الليلة خال أنه وجد الثغرة التي طلبها في تجارب (نيدم). فمضع ريشته، وأمر أصابعه خلال شعره المشعث، ثم قال: (لماذا ظهرت تلك الأحياء في مرق اللحم وفي نقيع الحب؟ لأن (نيدم) بلا شك لم يسخن زجاجته تسخيناً كافيا، لأن (نيدم) لم يحكم سد زجاجته إحكاماً كافياً)
وبدأ شيطان البحث الصادق يستيقظ في نفسه. فلم يذهب إلى مكتبه ليكتب لنيدم بالذي ارتأى، وإنما فزع إلى معمله الترب قد تناثر في أرجائه الزجاج من كل صنف، فأخذ من هذا الركن قبابة، ومن هذا الدرج بذوراً، ونفض التراب عن مجهره، وبدأ يمتحن موقع ظنه من الحقيقة، فأما أن ينصره، وإما أن يقهره. إن (نيدم) لم يسخن حساءه تسخيناً كافياً - وقد يكون من بعض تلك الأحياء أو من بيضها ما يحتمل المقدار الكبير من الحرارة. من يدري؟ وتناول اسبلنزاني قبابات من الزجاج كبيرة، عظيمة البطن، مستدقة العنق، وأخذ يغسلها ويدلكها ويدعكها، ثم جففها وصففها فبرقت على النضد فكانت كالجند لبس السلاح في ضحوة الصباح. ثم جاء بأصناف مختلفة من البذور ووضع شيئاً من كل صنف في قبابه، ثم جاء بشيء من البسلة وشي من اللوز ووضع كلا في قبابه، ثم صب ماء في القبابات جميعا، ثم صاح: (ولآن لن أقع في الخطأ الذي وقع فيه (نيدم). فلن أغلي هذه الأحسية دقائق بل ساعة كاملة)، وأوقد ناره، فلما تجهزت تساءل: (ولكن ماذا أصنع لسد هذه القبابات؟ أسدها بالفلين؟ ولكن هذه مهما أحمت فلعلها لا تمنع أصغر الأحياء أن يتسرب إلى الإناء). وأخذ يفكر: (لا. لا. بل أسيح عنق القبابة في النار فألحمه لحماً، وأختم على الزجاجة ختماً، فلا تعود هنالك حاجة إلى الفلين، والزجاج لن يأذن لأصغر المكروب أن يتسرب خلاله).
وهكذا تناول قباباته البارقة قبابة قبابة، وأدار عنقها الدقيق في اللهب حتى ساح والحتم؛ وكانت تسخن بعض هذه القبابات سخونة شديدة وهي في يده فتحرقها، فتسقط القبابة فتنكسر فيسخط ويلعن، ثم يبدلها بغيرها. فلما أتم لحامها جميعاً صاح: (والآن فإلى نار
стр. 7369
شديدة). وظل ساعات يرقب القبابات ترقص في ماء الغلايات ولم يغلها كلها مدة واحدة، فمن القبابات ما أغلاه دقائق. ومنها ما أغلاه ساعة كاملة
فلما بلغ منه الجهد، وضاقت عيناه من التعب، قام إلى أخيرة القبابات يخرجها من الماء والبخار يرتفع منها كأنها قطع اللحم المسلوق. وجمع القبابات كلها واختزنها، واصطبر أياماً على أخر من الجمر يداور في رأسه ما عساه أن يحدث فيها، وقام بشيء آخر كدت أنساه، شيء بسيط جداً: قام يكرر ما صنع من جديد، فجهز عدداً من القبابات كالتي سلف ذكرها، ولكن بدل أن يلحم رقابها سدها بالفلين، ثم غلاها ساعة كاملة، ثم اختزنها
ثم غاب عنها أياماً أمضاها في قضاء ألف مشغلة من مشاعل الحياة التي لم تكن تكفي لاستنفاد نشاطه الجم الكثير. وكتب إلى العالم الطبيعي (بونت في سويسرا ينبئه بتجاربه، وقام إلى كرة القدم وأخذ نصيباً من اللعب، وضرب في الريف يطلب صيده، وذهب إلى البحر يتلهى بسمكة، وألقى دروساً في العلم، وحاضر طلبته في كل ما هب ودب، في كل ما ثقل من العلم وجف، وفي كل ما خف منه وطاب، ثم اختفى فجأة. وتساءل الطلبة والأساتذة: (أين الأب اسبلنزاني؟) وتساءلت الهوانم أيضاً: (أين الأب اسبلنزاني؟)
الأب اسبلنزاني ذهب إلى قباباته
- ٣ -
ذهب أول شيء إلى قباباته الملحومة، وكسر رقابها واحدة بعد أخرى، وغاص في مرقها بأنبوبة طويلة رفيعة لينال منه شيئاً، ثم لينظر هل تكونت فيه تلك الأحياء الضئيلة على الرغم من تسخينه إياه طويلاً، وعلى الرغم من عزله إياه هذا العزل المحكم عن الهواء وما قد يعلق بترابه من الأحياء. لم يكن اسبلنزاني في تلك الساعة اسبلنزاني المرح البشوش الضحوك. كان في حركته بطء وفي وجهه وجوم. كان يتحرك كرجل آلي صنعوه من الخشب، وأخذ ينقط من المرق القطرة بعد القطرة تحت عدسته
وكانت تلك القطرات من القبابات الملحومة التي أغلاها ساعة كاملة، وكان جزاؤه على كل متاعبه أنه رأى - لا شيء! وبسرعة البرق توجه إلى القبابات التي لم يكن أغلاها غير دقائق، وإذا به يكسر رقابها، وإذا بقطرات منها تحت عدساته، وإذا به يصيح: (ماذا أرى!) رأى في مجال البصر الأدكن حييوينات صغيرة منثورة هنا وهنا تسبح وتلعب شرقاً
стр. 7370
وغرباً. حقاً إنها لم تكن مكروبات كبيرة، ولكنها كانت مخلوقات صغيرة تجري فيها الحياة على كل حال. وتمتم اسبلنزاني لنفسه: (إنها تسبح كالسمك! إنها صغيرة كالنمل!). وغاب في التفكر ثم قال: (إن هذه القبابات الحمت الحاماً فما كان لشيء أن يستطيع دخولها من الهواء. ومع هذا أجد تلك المخلوقات الصغيرة فيها. لا شك أنها مخلوقات كانت موجودة في المرق، فلم يكف لقتلها اغلاء الماء دقائق قليل)
وذهب بأيدٍ راجفة إلى صف القبابات التي سدها بالفلين - كما فعل خصيمه (نيدم) - ونزع سدادها واحدة بعد أخرى. وما هي إلا ثوان حتى غاص بأنبوبته في مرقها، وما هي إلا ثوان أخرى حتى حدق بعدسته في قطرات منها. وإذا به يثور ويصخب ويقوم عن كرسيه فيمسك بكراسة قديمة، فيكتب فيها على عجل ملاحظات مختصرة بخط كنبش الدجاج، لو استطعت قراءته لوجدت معناه أن إحدى هذه القبابات ذات السداد كانت تتنغش وتموج بالأحياء! حتى القبابات التي أغليت ساعة كاملة كانت (كالبحيرة تعج بالسمك الصغير والحوت الكبير). وصاح يقول: (معنى كل هذا أن هذا (نيدم) جاء بتلك الأحياء التي طنطن بها من الهواء. وهذه نتيجة خطيرة في ذاتها ولكن أخطر منها هذه الأحياء يصمد بعضها للماء المغلي زمناً. فلا بد لقتله من إغلائه ساعة أو نحوها)
كان هذا اليوم لاسبلنزاني من الأيام الضخمة العظيمة، وللدنيا من الأيام المذكورة المشهورة، ولو اسبلنزاني لم يكن يدرك كبره وخطره حق الإدراك. إنه أثبت إثباتاً قاطعاً أن نظرية (نيدم) نظرية باطلة، وأن الحيوانات لا تنشأ في هذه الدنيا الجارية من العدم. وأثبت ذلك بنفس اليقين الذي أثبت به (ريدي) العظيم أن الزعم بأن الذباب ينشأ من ذات نفسه في اللحم زعم فاسد وحسبان خاطئ. وفعل اسبلنزاني فوق هذا، فقد خلص علم المكروب من ضياع محقق، وانتشله من خرافة كادت تؤدي به إلى النسيان فالعدم، فان العلميين كانوا قد بدأوا يعتبرون علم المكروب صنفاً من العرفان المدلس الذي لا يتقبل قواعد العلم الصحيحة وطرائقه المستقيمة
واستدعى اسبلنزاني في هياجه أخاه نقولا وأخته كذاك، ليخبرهما بتجربته الرائعة. وذهب بعيون واسعة إلى تلاميذه يخبرهما بأن الحياة لا تنتج إلا عن حياة، وأن كل حي لا بد له من أب، حتى تلك الأحياء الصغيرة الحقيرة! إلحم قبابتك بما فيها من المرق فلن يدخل إليها
стр. 7371
شيء. وسخنها تسخيناً طويلا تقتل ما بها من الأحياء، حتى تلك التي تستعصي على التسخين الهين القصير! افعل ذلك وأنا ضمين لك ألا تجد بها حياً واحداً، واختزنها وأنا ضمين لك أن تبقى خلواً من الأحياء إلى يوم يبعثون. ثم ترك تلاميذه وذهب فكتب مقالاً بارعاً لاذعاً توجه فيه إلى (نيدم) بالتقريع والسخرية. فمال عالم العلم واضطرب، وثار واصطخب. وتجمع المفكرون في الجمعيات العلمية بلندن وكوبنهاجن وباريس وبرلين، وتجمهروا في دورهم تحت أضواء المصابيح العالية وعلى أنوار الشموع الرفيعة، وأخذوا يتساءلون في لهفة: أيجوز حقاً أن يكون (نيدم) خاطئاً؟
ولم يقتصر الجدل الذي قام بين اسبلنزاني ونيدم على الأرستقراطية من العلماء، ولم يحتبس في قيعان الجمعيات العلمية النابهة، بل تسرب من خلال أبوابها الغليظة إلى الشوارع، وتحسس طريقه إلى الصالونات الفخمة، وودت الدنيا لو أن نيدم صادق، ومالت بقلبها إلى مؤازرته. ذلك لأن الناس في القرن الثامن عشر كانوا يميلون إلى اللهو والدعابة، والى التحرر من كل شيء، والتشكك في كل شيء، والضحك من كل فكرة تنتسب للدين، ورفض أي سلطان يهيمن على الكون. فلما جاءهم نيدم بأن الحياة تخرج اعتباطاً، وأن الشيء ينشأ من لا شيء. صادفت الفكرة هوى في قلوبهم، فسروا منها، وضحكوا وسخروا من هذا الإله المزعوم الذي لا يستطيع حتى تنظيم كونه، والسيطرة على خليقته. وساءهم أن تكون تجارب اسبلنزاني واضحة هذا الوضوح، ومقنعة هذا الإقناع، فلم يستطع دحضها حذاق الكلام، والبارعون في اللعب بالألفاظ
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 7372
من صور الحياة في دمشق
في صحن الجامع الأموي. . .
للأستاذ علي الطنطاوي
في أمسية طلقة (من صيف سنة ٤٨٩هـ) خرج الناس - على عادتهم - إلى صحن المسجد الأموي، فبسطوا فيه البسط، وأسرجوا السرج، حتى (كاد المسجد يقطر ذهباً، ويشتعل لهباً)، وأقبلوا عليه زرافات ووحداناً، يقضون بالصلاة حق الله عليهم، وبالاجتماع والتعاون حق بعضهم على بعض، ويعودون بثواب الله، واطمئنان النفس، وراحة البال
وليس أشهى إلى النفس، ولا أحلى في العين، من صحن الأموي في ليالي الصيف؛ وإن المرء ليطوف ما يطوف، وينشق عبير الأزهار، ويسمع تغريد الأطيار، ويصعد الجبال تتفجر منها العيون، ويدخل الجنان تجري من تحتها الأنهار، ثم يعود إلى الأموي فيراه أجمل من ذلك كله، ويجد في نفسه حين يجلس فيه هزة طرب، ونفحة أنس، لا يجدهما في شيء من ذاك. . .
وكانت عشية ريحة، تنسم نسماناً منعشاً، فامتلأ المسجد بالناس وهم بين متوضئ يخلع رداءه فيلقي به على بلاط المسجد الأبيض الناعم، ويسرع إلى قبة الماء، وهي (في وسط الصحن) وهي صغيرة مثمنة، من رخام عجيب، محكم الإلصاق، قائمة على أربع سوار من الرخام الناصع. وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاسي، يمج الماء إلى علو، فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب (لجين) وقد زينت جوانبها بالمصابيح ومصلٍ يبتغي جماعة فلا يلبث حتى يجدها فيقوم في الصف خاشعاً، يشغله جلال الله الذي يقف بين يديه، عن الدنيا التي خلفها وراء ظهره. . .
وجالس إلى حلقة من هذه الحلقات الكثيرة يستمع إلى محدث أو فقيه أو واعظ، أو ينصت لقارئ، أو يذكر الله مع الذاكرين، أو مستند إلى اسطوانة من الأساطين، أو محتب تحت رواق من الأروقة، يقرأ في مصحف، أو ينظر في كتاب، أو يسبح على أصابعه، أو يتفكر في شأن من الشئون، أو ينتظر الصلاة فينعم بجمال المسجد، ورقة النسيم، ويكون من انتظاره الصلاة كأنه في صلاة. . .
وكان حيال قبة زين العابدين (قبة الساعات) في شرقي المسجد، رجل رث الثياب، ما عليه
стр. 7373
إلا مزق مردمه، وخلقان بالية. يرنو بعينه إلى الناس تارة، وينظر إلى المسجد أخرى، فيقرأ فيه تاريخاً جليلاً، يقرؤه في هذه القبة الباذخة، قبة النسر، وهي (من أعجب مباني الدنيا، ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر، ذاهبة في الهواء، منيفة على جميع مباني البلد) (وليس في دمشق شيء أعلى ولا أبهى منظراً منها)
وهذه المنارة العالية التي يسميها الناس (منارة عيسى) لما جاء في الحديث أن عيسى ﵇ ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، ويعجب من سموقها وارتفاعها. وهذه المنارة العربية التي بناها المسلمون، فأجادوا بنيانها، ووضعوا فيها العجائب من براعة الزخرف، ودقة النحت، والضبط والأحكام. والمنارة الشمالية (منارة العروس) وقد ازينت وأوقدت فيها المصابيح، وقام في شرفتها المطلة على الصحن (المؤقت) ليعلن دخول العشاء ودخل المسجد قروي له مسألة. فسأل عن مجلس المفتين حتى دل عليه عند قبة عائشة فجاء فعرض عليهم مسألته، فلم يجد عند واحد منهم جوابها. فذهب يدور على الفقهاء والمحدثين يسألهم، فلم يفز منهم بطائل، فيئس منهم وهم بالخروج من المسجد. . . والفقير ينظر إليه، ويعجب من حاله وحالهم. وعز عليه أن ينصرف آيساً، فأشار إليه. فلما جاءه قال: اعرض علي مسألتك. . .
فضحك القروي، وصاح: انظروا يا قوم إلى هذا المجنون! أنه يجيبني عن مسألتي، وقد أعجزت المفتين والفقهاء وأصحاب الحديث! فأقبل الناس على الصوت، وطفقوا يتكلمون، فقال قائل: دعه فانه مجنون. . وقائل: لا عليك أن تسأله فلعل عنده علماً. . . وقائل: سله واحمل جوابه إلى المفتين، فانظر ما هم قائلون؟
ثم سكتوا، وسكت كل من في المسجد، وانقطعت أصوات القراء والمدرسين والذاكرين، ولم يبق فيهم متكلم، لأنها قد تكلمت فوق رؤوسهم النبوة، وسمعوا: (الله أكبر. .) تدوي في نواحي المسجد، تهبط عليهم من المآذن كأنما هي هابطة من السماء، فيها روعة الوحي، وجلال الدين، وجمال الإيمان. . . فتقوضت المجالس، ورصت الصفوف، وتحاذت المناكب، وقال الإمام: الله أكبر. . . فماتت الدنيا في نفوسهم وامحت منها الشهوات، وطمست فيها الميول؛ لأنه مهما يكن من كبير فـ. . . الله أكبر! ولا إله إلا الله! فلما قضيت الصلاة، عادوا إلى القروي، فقالوا له: اذهب فسل صاحبك. فذهب إليه، فقال:
стр. 7374
ياهذا، زعمت أنك قادر على الجواب، فهل أنت على قولك؟ قال: أستعين بالله قال: وقد أعجزت المفتين وحيرتهم، أفأنت تستطيع أن تجيب عليها؟
قال: أستعين بالله
قال: هي كذا وكذا. . . قال الجواب كيت وكيت. . .
وابتدر الفقير الباب!
وحف الناس بالقروي، فقالوا: هل أجابك؟ بم أجابك؟ قل لنا بماذا أجابك؟
فقال: وما أنا بقائل لكم حرفا حتى ألقى المفتين، وأسرع وأسرع معه الناس إلى المفتين، وقد عادوا إلى مجلسهم: فقال: أرأيتم ذلك الفقير؟ قالوا: نعم. قال: قد أجابني عن مسألتي فضحكوا من جفائه وجهالته، وقالوا: بم أجابك؟ قال: بكذا وكذا فلما سمعوه أخذ منهم الجد مأخذه، ونظر بعضهم إلى بعض وكلهم مشدوه حائر لا يدري مم يعجب: أمن كثرة علم الرجل مع رثاثة هيئته. أم من رثاثة هيئته مع كثرة علمه، ثم انتهوا، فقالوا: ويحكم، أدركوا الرجل، فان له لشاناً، وما نظنه إلا آية من آيات الله جاءت ترينا حقيقة العلم، وسمو الفقر، وجلال التواضع. . . أدركوا الرجل!
فقالوا: قد خرج
قالوا: أوليس فيكم من يعرفه؟
فقال رجل من القوم: والله ما رأيناه إلا في السميصاتية وقد نزلها منذ أيام، فكان ينظف كنفها ومراحيضها، ويتخذ مجلسه على الباب. حتى أذنوا له بالدخول. وما رأيناه إلا عاكفاً على صلاة أو مشتغلا بتسبيح، ولم يكلم أحداً!
قال المفتون: ويحكم، قوموا بنا إليه. . .
فلما دخلوا عليه، قالوا له: من أنت؟
قال: رجل من الناس
قالوا: قد سمعنا جوابك، وإنا نسألك بالله الذي لا إله إلا هو إلا ما أخبرتنا من أنت
قال: إنا لله وأنا إليه راجعون. . . أما وقد أقسمتم، فأنا أبو حامد الغزالي
فصاحوا: حجة الإسلام! وانكبوا على يديه يقبلونهما، ويسألونه أن يعقد لهم مجلساً في الغد. ثم انصرفوا
стр. 7375
فلما كان الغد نظروا فإذا. . الشيخ قد فارق دمشق!
دمشق
علي الطنطاوي
стр. 7376
الأوزاعي٨٨هـ - ١٥٧هـ أحد أصحاب المذاهب
المندرسة
بقلم عبد القادر علي الجاعوني
يؤخذ من المصادر التي بين أيدينا أن اسمه عبد الرحمن ابن عمرو بن يحمد وكنيته أبو عمرو، ولقبه الأوزاعي نسبة إلى أوزاع، ولقد اختلف في معنى هذه الكلمة، فمن قائل إنها بطن من ذي الكلاع من اليمن (وقيل بطن من همذان، وقيل إن الأوزاع قرية بدمشق خارج باب الفراديس. ومهما يكن من أمر، فان لقبه نسبة إلى هذه الكلمة، إذ أن جميع المصادر تتفق على هذا اللقب ولكنها تختلف في حقيقة أصله
ومن الثابت تاريخياً أن مهبط رأسه مدينة بعلبك، وتكاد المصادر تتفق على أنه ولد سنة ٨٨ هـ
أما نشأته وحياته فلا نعرف عنهما شيئاً، لأن المصادر التي بين أيدينا تكاد تكون صامتة كل الصمت، فهي تتخطى هذا الدور بسرعة هائلة وتبرزه لنا (إمام أهل الشام) في عصره، اللهم إلا ما ذكره ابن خلكان من أنه نشأ في البقاع
قلنا إن الأوزاعي ولد في بعلبك، ونشأ في البقاع، إلا أنه لم يقض حياته في مهبط رأسه، وسرعان ما انتقل إلى دمشق خارج باب الفراديس، ثم ارتحل إلى بيروت تلك المدينة التي قضى بها حياته حتى أدركته الوفاة
ولقد كان رحمة الله فوق الربعة، مائلاً إلى السمرة، خفيف اللحية، ويظهر أنه كان يميل إلى التزين، فقد (كان يخضب بالحناء)
ولقد أخذ العلم عن عطاء وابن سيرين ومكحول والثوري. ولقد زاد عليهم أبوز كريا النووي صاحب كتاب تهذيب الأسماء رجالاً من التابعين أهمهم قتادة، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، ومحمد بن المنكدر. وأهم تلاميذه: عبد الله ابن المبارك، وهقل وهذا الأخير أصدق الرواة وأثبتهم عن الأوزاعي، وروى عنه جماعة من الذين سمعهم كقتادة والزهري وغيرهم
كان الأوزاعي من تابعي التابعين، وقد قال الذهبي فيه: (هو إمام أهل الشام) وفي موضع آخر يقول: (كان ثقة مأموناً صدوقاً، فاضلاً حبراً، كثير الحديث والعلم والفقه)
стр. 7377
ويقول ابن خلكان: (هو إمام أهل الشام لم يكن بالشام أعلم منه). ويقول النووي: (كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة). ومما يدلك على عظم مركزه في الفقه أنه أجاب في سبعين ألف مسألة فقهية، وقيل ثمانين ألفاً ومما يدلك على علو مقامه وتقدير العلماء له ما ذكره ابن خلكان من أن (سفيان الثوري بلغه مقدم الاوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس بعيره من القطار ووضعه على رقبته فكان إذا مر بجماعة قال الطريق للشيخ)، وناهيك بمنزلة سفيان الثوري ورفيع مقامه في العالم الإسلامي. ولا يغيبن عن البال أنه كان فضلاً عن اشتهاره بالفقه إماماً في الحديث. ويقول كولد زهير: روى عبد الرحمن بن المهدي أن الأوزاعي ليس ثقة في الحديث، ولكنه يعلم كيف يطبق هذه الأحاديث للحصول على حلول المسائل الفقهية
ولم يكن الأوزاعي يتمتع بمركز ديني كفقيه ومحدث فحسب، بل يظهر أنه كان يتمتع بمركز دنيوي رفيع، فقد ذكروا أنه كان عظيم الشأن بالشام (وكان فيهم أعز من السلطان) ولعل القصة الآتية تلقى نوراً على ما ذهبت إليه: قال عبد الحميد ابن حبيب بن أبي العشرين: سمعت أميراً كان بالساحل، وقد دفنا الأوزاعي ونحن عند القبر يقول: رحمك الله أباعمرو! فقد كنت أخافك أكثر ممن ولاني). وبعد، فقد تبين لك من هذه الروايات الكثيرة المحفوظة في الأصول الأدبية والتاريخية ما كان عليه الأوزاعي من الشهرة، ولا نعرف، لاندثار مذهبه، واندفاع المؤرخين في منح المديح والألقاب، صحة هذه الأقوال، ولكنها على أية حال تحمل بين طياتها الشيء الكثير عن عظم الأوزاعي وشهرته
والروايات مجمعة على أن الأوزاعي كان إمام أهل الشام في عصره، وأنه كان على جانب عظيم من المقدرة في الحديث والفقه، وتطبيق الأول على الثاني للحصول على حلول للمسائل الفقهية المختلفة
مذهبالأوزاعي:
انتشر مذهب الأوزاعي، المسمى باسمه، مدة من الزمن في سورية، وبلاد المغرب؛ وذكر صالح بن يحيى أن مذهب الأوزاعي دام في الشام نحو مائتي سنة، وأن آخر من عمل بمذهبه قاضي الشام أحمد بن سليمان بن جند لم، وقد ظلت المغرب متبعة مذهبه مدة لا تقل عن أربعين سنة
стр. 7378
وسرعان ما انهزم مذهب الأوزاعي أمام غيره من المذاهب، والسبب في ذلك - كما يظهر - أن الأمراء وأصحاب السلطة ساعدوا غيره من المذاهب نصراً لسياسة أو تحقيقاً لغرض، كما كانت الحالة مع المذهب الحنفي، ويقول صالح بن يحيى (ثم تناقص بمذهب الأمام مالك على يد عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الأموي
ومن المعلوم، أن مذهب الأوزاعي هو أحد المذاهب المندرسة، ويا ليت التاريخ أبقى على هيكله في طواياه، فانه لم يسجل إلا نزراً يسيراً من فقهه لا يمكننا من الحكم عليه. إلا أن هذا النزر يلق نوراً على ماهيته، وقد دلتني قراءته إلى أن اهتمام الأوزاعي بالمسائل الفقهية كان من الوجهة العملية، ولم يكن كصنوه أبي حنيفة مشتغلاً بالفقه من وجهته النظرية. كذلك دلتني قراءة هذا النزر اليسير إلى أن الأوزاعي لم يكن يستعمل الرأي، بل إنه - كما فعل غيره - عدل إلى الكتاب والسنة ففي كلام الأوزاعي عن (سهم الفارس والراجل وتفضيل الخيل)
وعن (المرأة تسبى ثم يسبى زوجها) وعن (ما عجز الجيش عن حمله من الغنائم) وعن (قطع أشجار العدو) ففي كلامه عن أحكام هذه، وعن جميع ما ورد في كتاب (سير الأوزاعي) يستعمل الحديث والكتاب
وقد يطول بنا المقام إن ما شينا فهرس الفصل في سرده، فلا داعي للتكرار، ومن أراد التثبت فليرجع إلى هذه الأقوال في مظانها
ولقد ذهب بعض المؤرخين، أمثال كولد زهير، إلى أن الفقيه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني. وأنا أقول، إن كان هذا صحيحاً، فأحر بالأوزاعي أن يكون آخر المتأثرين به لأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي، ومن أقربهم إلى أتباع الكتاب والسنة. وبذلك قال أبو حاتم: (الأوزاعي إمام متبع لما سمع) والكتاب والسنة أبعد الأشياء عن التأثر بالفقه الروماني
وفاته:
كانت وفاة هذا الفقيه الكبير في سنة ١٥٧هـ، وقد ذكرها أبو الفداء في حوادث تلك السنة، وتوفي وهو في الحمام في بيروت، وقبره على ما ذكره أبو الفداء في قرية على باب بيروت يقال لها خنتوس، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون هاهنا رجل صالح. والسبب في وفاته على ما جاء في ابن خلكان، أنه دخل الحمام، واتفق أن صاحب الحمام كان
стр. 7379
مشغولاً فأقفل عليه الباب ومضى، فلما عاد فتح الباب فوجده قد فارق الحياة. ﵀ رحمةً واسعة، فقد كان إمام أهل الشام غير مدافع. هذا وإن ما ذهبت إليه في هذه الكلمة ليس إلا محاولة بسيطة أرجو إن لم أوفق في نتائجها، أن أكون قد وفقت في الطريق الذي سلكته. فالبحث في اعتقادي ناقص مبستر، لأني لم أطلع على كل ما كتب عن الأوزاعي فقد تكون هناك كتب كثيرة، لم تنشر أو لم أوفق إلى العثور عليها. وعسى أن تحفز هذه الكلمة بعض الباحثين من الفضلاء فيوفي هذه الترجمة ويحلل هذا المذهب إحياء لتراثنا العلمي الذي ذهبت به الأحداث والقرون.
القدس
عبد القادر علي الجاعوني بكلوريوس في العلوم
стр. 7380
١٧ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
ولكن الروح التي قد أصابها الدنس، والتي تكون كدرة عند انتقالها، والتي ترافق الجسد دائما، وتكون خادمته، والتي تغرم وتهيم بالجسد ورغبات الجسد ولذائذه حتى ينتهي بها الأمر إلى العقيدة بأن الحقيقة لا تكون إلا في صورة جسدية، يمكن الإنسان أن يلمسها، وأن يراها، وأن يذوقها، وأن يستخدمها لأغراض شهواته - أعني الروح التي اعتادت أن تنفر من المبدأ العقلي، وأن تخافه وتتحاشاه، ذلك المبدأ الذي هو للعين الجسمانية معتم تستحيل رؤيته، والذي لا يدرك إلا بالفلسفة وحدها - أفتحسب أن روحاً كهذه سترحل نقية طاهرة؟
فأجاب: يستحيل أن يكون هذا
- إنها قد استغرقت في الجسدي، وقد أصبح ذلك طبيعياً بالنسبة لها، لاتصالها المستمر بالجسد، وعنايتها الدائمة به
- جد صحيح
- ويحق لنا يا صديقي أن نتصور أن هذه هي تلك المادة الأرضية الثقيلة الكثيفة، التي يدركها البصر، والتي بفعلها تغشي الكآبة مثل هذه الروح، فتنجذب هبوطاً إلى العالم المرئي مرة أخرى، لأنها تخاف مما هو خفي، وتخاف من العالم السفلي فتظل محومة حول المقابر واللحود، إذ ترى بجوارها - كما يحدثوننا - أشباح طيفية بعينها، لأرواح لم تكن قد رحلت قية، ولكنها ارتحلت مليئة بالمادة المنظورة فأمكن رؤيتها
- يغلب جداً أن يكون ذلك يا سقراط
- نعم يا سيبيس، فأغلب الظن أن يكون ذلك، ولا بد أن تكون هاتيك أرواح الفجار لا أرواح الأبرار، هؤلاء الفجار الذين كتب عليهم أن يجوبوا في تلك المواضع جزاء وفاقا بما اقترفت سبيلهم في الحياة من إثم، فلا ينقطع تجوابهم، حتى تشبع الرغبة التي تملؤهم، ثم يسجنون في بدن آخر، وقد يظن أن تلازمهم نفس الطبائع التي كانت لهم في حياتهم الأولى
стр. 7381
- أي الطبائع تريد يا سقراط؟
- أريد أن أقول إن من اندفعوا وراء الشره والفجور والسكر، ولم تدر في خلدهم فكرة اجتنابها، سينقلبون حميراً وما إليها من صنوف الحيوان. فماذا ترى أنت؟
أرى أن ذلك جد محتمل
وهؤلاء الذين اختاروا جانب الظلم، والاستبداد والعنف، سينقلبون ذئاباً أو صقوراً أو حداً، وإلا فإلى أين تحسبهم ذاهبين؟ فقال سيبيس: نعم، إن ذلك، ولا ريب، هو مستقر تلك الطبائع التي تشبه طبائعهم
فقال: وليس من العسير أن نهيئ لهم جميعاً أمكنة تلأئم طبائعهم وميولهم المتعددة
فقال: ليس في ذلك عسر
- وحتى بين هؤلاء ترى فريقاً أسعد من فريق، فأولئك الذين اصطنعوا الفضائل المدنية والاجتماعية التي تسمى بالاعتدال والعدل، والتي تحصل بالعادة والانتباه، دون الفلسفة والعقل، أولئك هم أسعد نفسا ومقاماً. ولم كان أولئك هم الأسعد؟ لأنه قد يرجى لهم أن يتحولوا إلى طبيعة اجتماعية رقيقة تشبه طبيعتهم، مثل طبيعة النحل أو النمل، بل قد يعودون مرة ثانية إلى صورة البشر، وقد يخرج منهم أناس ذوو عدل واعتدال
- ليس ذلك محالاً
- أما الفيلسوف، أو محب التعلم، الذي يبلغ حد النقاء عند ارتحاله، فهو وحده الذي يؤذن له أن يصل إلى الآلهة، وهذا هو السبب، أي سمياس وسيبيس، في امتناع رسل الفلسفة الحق عن شهوات الجسد جميعاً، فهم يصبرون ويأبون أن يخضعوا أنفسهم لها - لا لأنهم يخشون إملاقاً، أو يخافون لأسرهم دماراً، كمحبي المال، ومحبي الدنيا بصفة عامة، ولا لأنهم يخشون العار والشين اللذين تجلبهما أعمال الشر كمحبي القوة والشرف. قال سيبيس: لا يا سقراط، إن ذلك لا يلائمهم فأجاب: حقاً إنه لا يلائمهم. وعلى ذلك فأولئك الذين يعنون بأرواحهم، ولا يقصرون حياتهم على أساليب الجسد، ينبذون كل هذا، فهم لن يسلكوا ما يسلك العمي من سبل، وعندما تعمل الفلسفة على تطهيرهم وفكاكهم من الشر، ويشعرون أنه لا ينبغي لهم أن يقاوموا فعلها، بل يميلوا نحوها، ويتبعوها إلى حيث تسوقهم
- ماذا تعني يا سقراط؟
стр. 7382
قال: سأحدثك. إن محي المعرفة ليدركون عندما تستقبلهم الفلسفة أن أرواحهم إنما شدت إلى أجسادهم وألصقت بها، ولا تستطيع الروح أن ترى الوجود إلا خلال قضبان سجنها، فلا تنظر إليه وهي في طبيعتها الخاصة، إنها تتمرغ في حماة الجهالة كلها، فإذا ما رأت الفلسفة ما قد ضرب حول الروح من قيد مخيف، وأن الأسيرة تنساق مدفوعة بالرغبة إلى المساهمة في أسر نفسها (لأن محبي المعرفة يعلمون أن هذه كانت الحالة البدائية للروح، وأنها حين كانت في تلك الحال، تسلمتها المعرفة، ونصحتها في رفق، وأرادت أن تحررها، مشيرة لها بأن العين مليئة بالخداع، وكذلك الأذن وسائر الحواس، لتحملها على التخلص منها تخلصاً تاماً، إلا حين تدعو الضرورة إلى استخدامها، وأن تتجمع وتتفرغ إلى نفسها، وألا تثق إلا بنفسها وما توحي به إليها بصيرتها عن الوجود المطلق، وأن تشك في ما يأتيها عن طريق سواها، ويكون خاضعاً للتغير)، فالفلسفة تبين لها أن هذا مرئي ملموس، أما ذلك الذي تراه بطبيعتها الخاصة فعقلي وخفي، وروح الفيلسوف الحق تظن أنه لا ينبغي لها أن تقاوم هذا الخلاص، ولذا فهي تمتنع عن اللذائذ والرغبات، ولآلام والمخاوف، جهد استطاعتها، مرتئية أن الإنسان حينما يجوز قدراً عظيما من المسرات أو الأحزان أو المخاوف أو الرغبات، فهو لا يعاني منها هذا الشر الذي تقره الظنون - كأن يفقد مثلاً صحته أو متاعه، مضحياً بها في سبيل شهواته - ولكن يعاني شراً أعظم من ذلك، هو أعظم الشرور جميعاً وأسوأها، هو شر لا يدور في خلده أبداً
قال سيبيس: وما هو ذلك يا سقراط؟
- هو هذا: حينما تحس الروح شعوراً شديد العنف، بالسرور أو بالألم، ظننا جميعا، بالطبع، أن ما يتعلق به هذا الشعور العنيف يكون عندئذ أوضح وأصدق ما يكون، ولكن الأمر ليس كذلك
- جد صحيح
وتلك هي الحال التي يكون فيها الجسد أشد ما يكون استعباداً للروح
- وكيف ذلك؟
- لأن كل سرور وكل ألم يكون كالمسمار الذي يسمر الروح في الجسد، ويربطها به، ويستغرقها، ويحملها على الإيمان بأن ما يؤكد عنه الجسد أنه حق فهو حق، ومن اتفاقها مع
стр. 7383
الجسد، وسرورها بمسراته ذاتها، تراها مجبرة على أن تتخذ عادات الجسد وطرائقه نفسها، ولا ينتظر ألبتة أن تكون الروح نقية عند رحيلها إلى العالم السفلي، فهي مشبعة بالجسد في كل آن، حتى أنها سرعانما تنصب في جسد آخر، حيث تنبت وتنمو، ولذا فهي لا تساهم بقسط في الإلهي، والنقي، والبسيط. فأجاب سيبيس: ذلك جد صحيح يا سقراط؟
وهذا يا سيبيس هو ما دفع محبي المعرفة الحق أن يكونوا ذوي اعتدال وشجاعة، فهم لم يكونوا كذلك، لما تقدمه الحياة الدنيا من أسباب
- لا، ولا ريب
- لا، ولا ريب! فليست تفكر روح الفيلسوف على هذا النحو، إنها لن تطلب إلى الفلسفة أن تحررها، لكي تستطيع، إذا ما تحررت، أن تلقي بنفسها مرة أخرى، في معترك اللذائذ والآلام، فتكون بذلك كأنها تعمل ما تعمل، لا لشيء إلا لكي تعود فتنقضه، وكأنها تنسج خيوطها - كما فعلت بنلوب. بدل أن تعمد إلى حلها، ولكنها ستتخذ من نفسها عاطفة راكدة ستتأثر خطو العقل، فتلازمه لتشاهد الحقيقي والإلهي (وهو ليس موضوعاً للرأي) ومن ثم تستمد غذاءها، وهي تحاول بذلك أن تحيا ما دامت في الحياة، وتأمل أن تلتمس ذوي قرباها بعد الموت، وأن تتحرر من النقائص البشرية، أي سمياس وسيبيس، أن تتبدد روح كان ذلك غذاءها، وكانت تلك آمالها المنشودة، عند انفصالها عن الجسد فتذروها الرياح، وتصبح عدما ليس له وجود
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 7384
أنشودة عبقر
لشاعر الشباب السوري أنور العطار
يا مزهري نغم أغاني الهوى … القلب يعطي والهوى يسأل
أَأَنتِ مِنْ عَبْقَر أُنْشُودَةٌ … أرْسَلَها منْ رُوحِهِ مُرْسَلُ
أمْ أنتِ دُنْيا حَفَلَتْ بالهوَى … ياَ طِيبَ ما جاَءتْ بهِ تَحْفِلُ
أَهمُ في حُسِنكِ لا أرْعَوِي … أنْقُلُ مِنْ نُعْمَاهُ ما أنقُلُ
أَغِيبُ في جَنَّاتِهِ ساَدِراً … كغَيبْةِ النَّحْلِ إذا يَنْهَلُ
أنتِ نِدَائي في سُجُونِ الدُّجى … ومَفْزَعِي في الرُّعْبِ وَالمَوْئِلُ
وَجْهُكِ هذا أمْ رُؤى حُلوَةٌ … وثَغْركِ اللمَّاحُ أمْ سَلسَل
يَفْتِنُني منكِ صِبىً ناضِرٌ … آذَارُ في أعطاَفِهِ يَرْفُلُ
مُزَوَّقُ الأَفْياءِ يَنْدَى مُنى … كأنَّهُ منْ ضِحكهِ جَدوَلُ
تَضيعُ في أَمْوَاهِهِ حَسْرَتي … وما يُعاني القَلْبُ أوْ يَحَمِلُ
تُلْهِمُني عَينَاكِ أنَّ الهوَى … إذا طغَتْ أوْهَامُهُ يَقْتُلُ
إذاَ احْتَوَاكِ القلْبُ في حُلْمِهِ … قُلْتُ أَقَلبي أَنْتَ أَمْ جُلْجُلُ
يَظَلُّ منْ لوْعَتِهِ رَاجِفاً … كما انثَنى واضطربَ السُّنْبُلُ
لوْلَاكِ لم يُسْكِرْ فُؤَادي الأَسى … ولم يُهَدْهِدْني الهوَى الأولُ
دُنْيايَ إِمَّا غِبْتِ عَنْ نَاظِرِي … فَوْضى فلَا سُؤالٌ ولا مَأْملُ
أُحِسُّها صحْرَاء عُرْياَنَةً … مُوحشةً تُجْوَى وَتُستثقَلُ
لا الانْسُ ضَحَّاكٌ بِساَحاَتِهاَ … وَليسَ فيها منْ حِمىً يَأهُلُ
أَرُدُّ عنها الطَّرْفَ مُغْرَوْرِقاً … غَيَّانَ في حَيْرَتِهِ يوُغِل
عِيشي بِقَلبي فرَحاً شاَمِلاً … وَأَلهِميني منْكِ ماَ يَجْمُلُ
وفَسَّرِي للرُّوحِ لغْزَ الهوَى … تَكَشِفْ فجَاجاً سُبلُها تُجْهَل
ماَ ضَرَّني إنْ كُنتِ لي أنني … يَكثُرُ حسَّادي والعُذَّلُ
إنْ جدَّ في شكوْىَ الهوىَ شاعرٌ … ظَنُّوهُ منْ ضَلَّتِهمْ يَهْزِلُ
يَهُدُّني شَجوِي لكنما … أظلُّ في غمرتهِ أجذلُ
стр. 7385
على فَمي قيثَارة تشتكي … وفي ضُلوعي زَهرةٌ تذْبُلُ
اقتَات بالأوهاَمِ في وَحدةٍ … الرُّعْبُ فيها شَبَحٌ يمثُلُ
تَطفَحُ بالأهوالِ أرجاؤها … والفكرُ تيَّاهٌ بها مُجفِلُ
إن خَلَصَت رُوحي مِنْ مَجْهَلٍ … هَبَّ يُعمَّي قصدَها مَجْهَلُ
تعْمُرُ بالجنَّةِ دَارَتُهُ … والرَّيْبُ يطغى والسَّنا يأفِلُ
أسيرُ فيه لا الهُدى رائِدي … وليس لي عنْ خوضِهِ مَزْحَل
أخبطُ في يَهْماَء منْ حَيرَتي … والليلُ مَرْهُوبُ السُرى ألْيَل
أسمعُ منهُ نغماً مُحزناً … تصرُّه في أذني الشّمْألُ
اَمامَ عيْنَيَّ دُجىً راعِب … يَلفّني مِطرَفُهُ المُسَبَل
وَمَنزِلي ناءٍ وَبي مِحنةٌ … فآه لوْ يَقترِبُ المَنزِلُ
ضججْتُ من مَحْبِسِ هذا الدُّجى … فَهل يَبينُ النُّور أو يُقبل
أوَّاهُ من مُضطَرَبٍ جاهدٍ … الغْيْبُ محجوبٌ بهِ مُقفَل
وَوَحشةٍ في القَلْبِ ماَ تمَّحي … وَظُلمةٍ في النفَّسِ ما تنْصُل
هذي حياتي مِلْؤهاَ حسرةٌ … وكاهِلي من عِبئها مُثقَل
كأنني في حقلها غَرْسَةٌ … ذاويةٌ أخطأها المنجلُ
أفردها المقدارُ في عالمٍ … نعيمهُ الخالِص مُستوْبَل
الرُّوحُ منَّي فقَدتْ تِرْبَها … فاندَفَعت من همَّها تعْولُ
آناً تَرَاها سَكَنت لا تَعي … كأنها في صَمتِهاَ الهْيكل
وتارةً كالنارِ جَياشةً … كأنما يَغلي بها مِرْجَل
كذاكَ أَحيا مُوجعاً ساهِماً … والموتُ من هذا الضَّنى أمثَل
ياَ طيفْها يرْهِقُ قلبي الأسى … وأنتَ عني ذاهِلٌ تَغفَل
أحببتها مُغريةً كالدّنا … لا سحرها يَفْنَى ولا يَبْطُل
تتركُ في النفْسِ أحاديثها … أعذب مما يترُكُ البُلبُل
أشمُّ منها عالماً عاطراً … يكادُ من فرْطِ الشَّذا يَثمَل
يا مِزْهَري نَغَّمْ أغاني الهوَى … القلْبُ يُعطِي والهوى يسَألُ
стр. 7386
وأنْسِني الدُنيا وأشْجانها … فمن عَناء العَيشْ ما يُذهِل
وأنت يا مَشْعَلي المُرتَجى … أضئ لي الآفاق يا مشعَلُ
هذا السّنا الرفّافُ من خاطِري … واللحْنُ من رُوحي مُسترسَل
دمشق
أنور العطار
стр. 7387
من أدب الهند
الأمير خسرو الشاعر الهندي الكبير
بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
ترجم صديقي الدكتور عبد الوهاب عزام بعض الأبيات الفارسية للشاعر الهندي العلامة الصوفي الكبير الأمير خسرو في (الرسالة)، فأثارت الترجمة في نفسي ذكرى ذلك العبقري العظيم أياما كنت أطالع بعض دواوينه وأحاول أن أقيس عظمة عبقريته في الصغر بفهم غير ناضج وإدراك غير كامل فكانت تفيض عن سعتهما، فكنت أستعين بمسامرات الإخوان ومحادثات الأقران. واليوم بعد نضوج الفهم حين أحاول قياسها أرى أن استقصاء جميع نواحيها لا يزال من غير المستطاع لي، وإن كانت لذلك أسباب إخرى، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. أحب أن أبلغ اليوم بقدر الإمكان رسالته إلى (الرسالة)، إذ حياة العظماء والأدباء رسالة وقدوة للأجيال في كل مكان وزمان، وأنثر أزهار الحديث عنه على مرقده الخالد الحي وهو ذكراه في القلوب
ولد الأمير خسرو في الهند في مدينة بطيالي بقرب دهلي في سنة ٦٥٢ هجرية من سلالة عريقة في الشرف من الأتراك المهاجرين إلى الهند من مظالم جنكيز خان في وسط آسيا. فكانت قبيلته المسماة (لاتشين) تسكن في بلدة تكش في ولاية ما وراء النهر، قد هاجرت إلى الهند عند هجوم جنكيز خان؛ وكان أبوه سيف الدين محمود رئيس تلك القبيلة. وكان في الهند حينئذ شمس الدين التمش ملكاً من ملوك المماليك، فرحب بجميع المهاجرين وأكرم وفادتهم. وأما أم خسرو فكانت بنت عماد الملك وزير الحربية للسلطان بلبن. وقد روى أمير خوند في كتابه سير الأولياء عن والده أن في جوار والدي الأمير خسرو كان يسكن صوفي كبير مسمى (أمير لا تشين) فلما ولد خسرو حمله والده ملفوفاً في القماش إليه، فقال الصوفي: (أنتم جئتم إلى بمن سيسبق خاقاني (الشاعر الفارسي الشهير) بدرجتين؟
مات أبو خسرو وهو في السابعة من سنة، ولكن أسرته كانت مثرية فلم تهمل تربيته وتعليمه، فتربى خسرو في دهلي، وكانت دهلي إذ ذاك حاضرة الحكومة منذ ثلاثة أرباع قرن، فكانت مركز العلوم والفنون، ومحور الحضارة والمدنية، ومأوى الفضلاء والعلماء، ومطمح أنظار أهل الفن والصناعة مما يجعلها ثانية في الأهمية لبغداد. في هذا الوسط
стр. 7388
الراقي تربى خسرو فنبغ في العلوم والفنون المختلفة، غير أن ميله الغريزي كان إلى ثلاثة: الشعر والموسيقى والتصوف، فأجادها في أقل وقت، وبلغ فيها درجة الإمامة
بداء خسرو يقول الشعر وهو في صباه حتى أصبح الشعر له مهنة معترفا بها من الجميع في نهاية العقد الثاني. ولكن تقاليد ذلك الزمان والظروف العائلية كانت تقتضي أن يكسب العيش بواسطة مهنته هذه، فلم يكن له بد من أن يتصل بأمراء وسلاطين ذلك الزمن من مقدري مهنته. فاتصل خسرو في سنة ٦٧٦ أول مرة بعلاء الدين كوشيل خان المعروف بين الناس باسم (ملك شجو)، وملك شجو كان ابن أخت الإمبراطور غياث الدين بلبن و (أمير حاجب) (أي رئيس الحجاب) في بلاطه. ولكنه كان فاضلاً يقدر العلم والفن، واسع الصدر كريماً. فقد قال المؤرخ الشهير ضياء الدين برنى، وهو من معاصري خسرو وأصدقائه في كتابة تاريخ فيزور شاهي: (أنا سمعت كثيراً ممن أعتمد عليهم، ومن الأمير خسرو أنه لم يوجد مثيل الملك علاء الدين كوشيل خان في سعة الصدر والكرم، وفي إطلاق الرصاص والصيد ولعب الكرة، وكان الملك علاء الدين قد نال شهرة واسعة وإن لم تدم، حتى أن هلا كوخان الشهير أرسل إليه خنجراً وعرض عليه أن يكون حاكما على نصف العراق لو أراد الذهاب هناك. ولكن خاله الإمبراطور بلبن استنكر حريته الخارجة عن العادة. ويذكر المؤرخ برني في محل آخر أن شجو كان أغزرهم جوداً وأعظمهم منحاً، وزع جميع أملاكه على الناس ولم يبق لنفسه إلا المعطف الذي ستر جسمه. ومن أمثال جوده وتقديره للشعر أنه أعطى جميع الخيل في اصطبله للشاعر خواجه شمس معين ووزع عشرة آلاف تنكه على المغنين عند تقديم قصيدته وإنشادها إياه. ولم يكن خسرو أقل حظاً من هؤلاء الشعراء لتفوقه عليهم وذكائه الخارق. فقد قال قصائد غير واحدة في مدح شجو، ونحن ننقل إلى العربية بعض أبيات من قصيدته البديعة التي تعد مثالاً للغلو الشرقي في المديح قال
(إن الأشعة البهيجة لنور الصبح الملون بلون العنبر قد بددت ظلام الليل، والهلال الأصفر كالمريوق بقرنيه المقوسين كاد أن يغيب عن النظر، فسألت الصبح: أين شمسك الموعود بها؟ فأراني وجه شجو المشرق بنوره البازغ! ثم توجهت إلى السماء المرصعة بالنجوم، فسألتها: من يساعد نجومك في سيرها؟ فضحكت من سؤالي العبث، وأرتني أيدي الملك
стр. 7389
التي جعلتها مستقيمة)
لم يدم اتصال خسرو مع ملك شجو أكثر من سنتين، فان قلب شجو تغير على الشاعر خسرو لحادثة حدثت، وهي أن نصير الدين بغراخان النجل الثاني الإمبراطور غياث الدين بلبن كان مرة على مأدبة شجو والشاعر كذلك، فلما سمع منه شعره استحسنه وسر كثيراً وقدم له طستاً مملوءاً بالنقود الفضية، فغضب شجو على خسرو لقبوله هذا الانعام وتغير؛ وعبثا حاول خسرو بعد ذلك إرضاءه
اتصل خسرو بعد ذلك بنصير الدين بغراخان حاكم سمانا لمدة قصيرة، ثم انقطع عنه واتصل بعده بسلطان محمد الشهير بخان شهيد، النجل الأكبر للإمبراطور غياث الدين بلبن؛ وكان خان شهيد حاكماً على إقليمي البنجاب والسند، وعندما حضر العاصمة دهلي مع ريع الإقليمين في سنة ٧٨٢ هجرية قابل الشاعر خسرو وأخذه إلى البنجاب. بقي خسرو مع خان شهيد خمس سنين، وكان دائماً موضع العطف الخاص والإجلال والتكريم، لأن خان شهيد كان أمثل الأمراء على حسب تقاليد الزمن في الأخلاق والشجاعة والعلم والأدب، ومن أكبر مقدري الفنون والشعر، فقد وجد في بياضه ثلاثون ألف بيت يعترف بها نقاد الفن على كمال الذوق وحسن الاختيار والعلم الواسع، وكان بيته ملجأ العلماء ومأوى الفضلاء، وكان يبذل قصارى جهده في جمع كبار العلماء والفضلاء والشعراء في مجلسه، فقد دعا الشيخ سعدي الشيرازي الشاعر الفارسي الشهير مرتين، وأرسل إليه نفقات السفر ووعد ببناء صومعة له في بلدة ملتان والأنعام الكثير، ولكن الشيخ اعتذر لكبر سنه، وبعث إليه بعض غزلياته مكتوبة بيده، ولفت نظره للشاعر الأمير خسرو مبالغاً في مدح ذكائه وفضله
في سنة ٧٨٧ هجرية هجم المغول على الهند؛ فقام خان شهيد للدفاع عن بلاده وقتل؛ ولم يكن الأمير خسرو جليس الأمراء فقط، بل كان قائداً عسكرياً أيضا، فقد اشترك في محاربة المغول مع سيده ووقع أسيراً في يدهم بعد أن قتل سيده فكابد ما كابد على أيديهم من الألم والأذى. ذكر ذلك بكلمات مؤثرة في رثائه الشهير لسيده ننقل بعض أبياته إلى العربية؛ قال: (ثم فاجأتنا نازلة من السماء الزرقاء، وقامت القيامة على الأرض، إذ فرقت جماعة أصدقائنا مثل تفريق أوراق زهرة الورد بريح الخريف المخربة للحديقة)
стр. 7390
ثم وصف آلام أسره فقال:
(إن شهداء المسلمين لونوا الصحراء بلون دمهم، بينما كانت أعناق الأسارى منظومة نظم الأزهار في الإكليل. وأنا أيضا كنت أسيراً خوفاً من أنهم يريقون دمي، لم تبق في عروقي قطرة من الدم. وكنت أجري كالماء هنا وهناك مع نفطات لا تعد على قدمي مثل الفقاقيع على سطح النهر. وكان لساني قد جف من العطش الشديد، ومعدتي التصقت (بظهري) من الجوع. وهم (أخذوا ثيابي) وتركوني عريان مثل الشجرة المجردة من الأوراق في زمن الشتاء، أو الزهرة المخموشة بالأشواك. والمغولي الذي أسرني كان جالساً على الحصان مثل الأسد، وكانت الرائحة الكريهة تسطع من فمه وإبطه، وكان على ذقنه خصلة من الشعر الوسخ مثل النبات. فان توانيت وراءه من الضعف كان يهددني تارة بمقلاته وتارة برمحه، فكنت أتنهد على تلك الحالة وأرى أن النجاة منها مستحيلة. ولكني أشكر الله على أني استعدت حريتي بغير أن يطعن صدري برمح، أو يقطع جسمي بسيف)
وحكاية استعادة حريته هي أن المغولي وحاشيته وخيله كلهم نزلوا في النهر عند غسق الليل لشرب الماء فانتهز خسرو الفرصة وهرب وبعد وصوله إلى دهلي كتب هذا الرثاء المؤثر الذي شاع وذاع حيث أصبح به خسرو معروفاً عند عامة الناس أيضاً بقي خسرو بعده في مسقط رأسه في خدمة أمه حتى تولى الأمر معز الدين كيقباد، وهو آخر ملوك المماليك، فاتصل به وصنف له كتابه الشهير (قِران السعدين) على طلبه، ولم تمض مدة قليلة حتى انتقل الحكم من المماليك إلى الأسرة الخلجية. فتولى الأمر أول ملوكهم السلطان جلال الدين خلجي الذي كان يعرف خسرو ويعترف بشعره وذكائه قبل اعتلائه العرش. فمنح خسرو لقب (الأمير)، وعينه في منصب أبيه بمرتب ألف ومائتي تنكة في السنة. ثم رفعه إلى منصب محافظ القرآن الملكي. فأصبح من أعضاء بلاط الملك ومن ندمائه. فكتب له خسرو كتابه (مفتاح الفتوح)، وهو تاريخ غزوات جلال الدين خلجي بالشعر. نشبت حرب أهلية بين العائلة الملكية فقتل فيها جلال الدين وتولى الأمر ركن الدين خلجي لمدة أقل من سنة، ثم تولى علاء الدين خلجي، فاتصل به الشاعر خسرو، وهو أطول اتصالاته بالأمراء، لأن حكومة علاء الدين دامت عشرين سنة، وهي أيضا مدة أكثر إنتاجا في حياة خسرو. فقد صنف في أقل من ثلاث السنين الأولى من تلك المدة خمس روايات قصصية
следующие страницы →