Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.
стр. 7386
وأنْسِني الدُنيا وأشْجانها … فمن عَناء العَيشْ ما يُذهِل
وأنت يا مَشْعَلي المُرتَجى … أضئ لي الآفاق يا مشعَلُ
هذا السّنا الرفّافُ من خاطِري … واللحْنُ من رُوحي مُسترسَل
دمشق
أنور العطار
стр. 7387
من أدب الهند
الأمير خسرو الشاعر الهندي الكبير
بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
ترجم صديقي الدكتور عبد الوهاب عزام بعض الأبيات الفارسية للشاعر الهندي العلامة الصوفي الكبير الأمير خسرو في (الرسالة)، فأثارت الترجمة في نفسي ذكرى ذلك العبقري العظيم أياما كنت أطالع بعض دواوينه وأحاول أن أقيس عظمة عبقريته في الصغر بفهم غير ناضج وإدراك غير كامل فكانت تفيض عن سعتهما، فكنت أستعين بمسامرات الإخوان ومحادثات الأقران. واليوم بعد نضوج الفهم حين أحاول قياسها أرى أن استقصاء جميع نواحيها لا يزال من غير المستطاع لي، وإن كانت لذلك أسباب إخرى، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. أحب أن أبلغ اليوم بقدر الإمكان رسالته إلى (الرسالة)، إذ حياة العظماء والأدباء رسالة وقدوة للأجيال في كل مكان وزمان، وأنثر أزهار الحديث عنه على مرقده الخالد الحي وهو ذكراه في القلوب
ولد الأمير خسرو في الهند في مدينة بطيالي بقرب دهلي في سنة ٦٥٢ هجرية من سلالة عريقة في الشرف من الأتراك المهاجرين إلى الهند من مظالم جنكيز خان في وسط آسيا. فكانت قبيلته المسماة (لاتشين) تسكن في بلدة تكش في ولاية ما وراء النهر، قد هاجرت إلى الهند عند هجوم جنكيز خان؛ وكان أبوه سيف الدين محمود رئيس تلك القبيلة. وكان في الهند حينئذ شمس الدين التمش ملكاً من ملوك المماليك، فرحب بجميع المهاجرين وأكرم وفادتهم. وأما أم خسرو فكانت بنت عماد الملك وزير الحربية للسلطان بلبن. وقد روى أمير خوند في كتابه سير الأولياء عن والده أن في جوار والدي الأمير خسرو كان يسكن صوفي كبير مسمى (أمير لا تشين) فلما ولد خسرو حمله والده ملفوفاً في القماش إليه، فقال الصوفي: (أنتم جئتم إلى بمن سيسبق خاقاني (الشاعر الفارسي الشهير) بدرجتين؟
مات أبو خسرو وهو في السابعة من سنة، ولكن أسرته كانت مثرية فلم تهمل تربيته وتعليمه، فتربى خسرو في دهلي، وكانت دهلي إذ ذاك حاضرة الحكومة منذ ثلاثة أرباع قرن، فكانت مركز العلوم والفنون، ومحور الحضارة والمدنية، ومأوى الفضلاء والعلماء، ومطمح أنظار أهل الفن والصناعة مما يجعلها ثانية في الأهمية لبغداد. في هذا الوسط
стр. 7388
الراقي تربى خسرو فنبغ في العلوم والفنون المختلفة، غير أن ميله الغريزي كان إلى ثلاثة: الشعر والموسيقى والتصوف، فأجادها في أقل وقت، وبلغ فيها درجة الإمامة
بداء خسرو يقول الشعر وهو في صباه حتى أصبح الشعر له مهنة معترفا بها من الجميع في نهاية العقد الثاني. ولكن تقاليد ذلك الزمان والظروف العائلية كانت تقتضي أن يكسب العيش بواسطة مهنته هذه، فلم يكن له بد من أن يتصل بأمراء وسلاطين ذلك الزمن من مقدري مهنته. فاتصل خسرو في سنة ٦٧٦ أول مرة بعلاء الدين كوشيل خان المعروف بين الناس باسم (ملك شجو)، وملك شجو كان ابن أخت الإمبراطور غياث الدين بلبن و (أمير حاجب) (أي رئيس الحجاب) في بلاطه. ولكنه كان فاضلاً يقدر العلم والفن، واسع الصدر كريماً. فقد قال المؤرخ الشهير ضياء الدين برنى، وهو من معاصري خسرو وأصدقائه في كتابة تاريخ فيزور شاهي: (أنا سمعت كثيراً ممن أعتمد عليهم، ومن الأمير خسرو أنه لم يوجد مثيل الملك علاء الدين كوشيل خان في سعة الصدر والكرم، وفي إطلاق الرصاص والصيد ولعب الكرة، وكان الملك علاء الدين قد نال شهرة واسعة وإن لم تدم، حتى أن هلا كوخان الشهير أرسل إليه خنجراً وعرض عليه أن يكون حاكما على نصف العراق لو أراد الذهاب هناك. ولكن خاله الإمبراطور بلبن استنكر حريته الخارجة عن العادة. ويذكر المؤرخ برني في محل آخر أن شجو كان أغزرهم جوداً وأعظمهم منحاً، وزع جميع أملاكه على الناس ولم يبق لنفسه إلا المعطف الذي ستر جسمه. ومن أمثال جوده وتقديره للشعر أنه أعطى جميع الخيل في اصطبله للشاعر خواجه شمس معين ووزع عشرة آلاف تنكه على المغنين عند تقديم قصيدته وإنشادها إياه. ولم يكن خسرو أقل حظاً من هؤلاء الشعراء لتفوقه عليهم وذكائه الخارق. فقد قال قصائد غير واحدة في مدح شجو، ونحن ننقل إلى العربية بعض أبيات من قصيدته البديعة التي تعد مثالاً للغلو الشرقي في المديح قال
(إن الأشعة البهيجة لنور الصبح الملون بلون العنبر قد بددت ظلام الليل، والهلال الأصفر كالمريوق بقرنيه المقوسين كاد أن يغيب عن النظر، فسألت الصبح: أين شمسك الموعود بها؟ فأراني وجه شجو المشرق بنوره البازغ! ثم توجهت إلى السماء المرصعة بالنجوم، فسألتها: من يساعد نجومك في سيرها؟ فضحكت من سؤالي العبث، وأرتني أيدي الملك
стр. 7389
التي جعلتها مستقيمة)
لم يدم اتصال خسرو مع ملك شجو أكثر من سنتين، فان قلب شجو تغير على الشاعر خسرو لحادثة حدثت، وهي أن نصير الدين بغراخان النجل الثاني الإمبراطور غياث الدين بلبن كان مرة على مأدبة شجو والشاعر كذلك، فلما سمع منه شعره استحسنه وسر كثيراً وقدم له طستاً مملوءاً بالنقود الفضية، فغضب شجو على خسرو لقبوله هذا الانعام وتغير؛ وعبثا حاول خسرو بعد ذلك إرضاءه
اتصل خسرو بعد ذلك بنصير الدين بغراخان حاكم سمانا لمدة قصيرة، ثم انقطع عنه واتصل بعده بسلطان محمد الشهير بخان شهيد، النجل الأكبر للإمبراطور غياث الدين بلبن؛ وكان خان شهيد حاكماً على إقليمي البنجاب والسند، وعندما حضر العاصمة دهلي مع ريع الإقليمين في سنة ٧٨٢ هجرية قابل الشاعر خسرو وأخذه إلى البنجاب. بقي خسرو مع خان شهيد خمس سنين، وكان دائماً موضع العطف الخاص والإجلال والتكريم، لأن خان شهيد كان أمثل الأمراء على حسب تقاليد الزمن في الأخلاق والشجاعة والعلم والأدب، ومن أكبر مقدري الفنون والشعر، فقد وجد في بياضه ثلاثون ألف بيت يعترف بها نقاد الفن على كمال الذوق وحسن الاختيار والعلم الواسع، وكان بيته ملجأ العلماء ومأوى الفضلاء، وكان يبذل قصارى جهده في جمع كبار العلماء والفضلاء والشعراء في مجلسه، فقد دعا الشيخ سعدي الشيرازي الشاعر الفارسي الشهير مرتين، وأرسل إليه نفقات السفر ووعد ببناء صومعة له في بلدة ملتان والأنعام الكثير، ولكن الشيخ اعتذر لكبر سنه، وبعث إليه بعض غزلياته مكتوبة بيده، ولفت نظره للشاعر الأمير خسرو مبالغاً في مدح ذكائه وفضله
في سنة ٧٨٧ هجرية هجم المغول على الهند؛ فقام خان شهيد للدفاع عن بلاده وقتل؛ ولم يكن الأمير خسرو جليس الأمراء فقط، بل كان قائداً عسكرياً أيضا، فقد اشترك في محاربة المغول مع سيده ووقع أسيراً في يدهم بعد أن قتل سيده فكابد ما كابد على أيديهم من الألم والأذى. ذكر ذلك بكلمات مؤثرة في رثائه الشهير لسيده ننقل بعض أبياته إلى العربية؛ قال: (ثم فاجأتنا نازلة من السماء الزرقاء، وقامت القيامة على الأرض، إذ فرقت جماعة أصدقائنا مثل تفريق أوراق زهرة الورد بريح الخريف المخربة للحديقة)
стр. 7390
ثم وصف آلام أسره فقال:
(إن شهداء المسلمين لونوا الصحراء بلون دمهم، بينما كانت أعناق الأسارى منظومة نظم الأزهار في الإكليل. وأنا أيضا كنت أسيراً خوفاً من أنهم يريقون دمي، لم تبق في عروقي قطرة من الدم. وكنت أجري كالماء هنا وهناك مع نفطات لا تعد على قدمي مثل الفقاقيع على سطح النهر. وكان لساني قد جف من العطش الشديد، ومعدتي التصقت (بظهري) من الجوع. وهم (أخذوا ثيابي) وتركوني عريان مثل الشجرة المجردة من الأوراق في زمن الشتاء، أو الزهرة المخموشة بالأشواك. والمغولي الذي أسرني كان جالساً على الحصان مثل الأسد، وكانت الرائحة الكريهة تسطع من فمه وإبطه، وكان على ذقنه خصلة من الشعر الوسخ مثل النبات. فان توانيت وراءه من الضعف كان يهددني تارة بمقلاته وتارة برمحه، فكنت أتنهد على تلك الحالة وأرى أن النجاة منها مستحيلة. ولكني أشكر الله على أني استعدت حريتي بغير أن يطعن صدري برمح، أو يقطع جسمي بسيف)
وحكاية استعادة حريته هي أن المغولي وحاشيته وخيله كلهم نزلوا في النهر عند غسق الليل لشرب الماء فانتهز خسرو الفرصة وهرب وبعد وصوله إلى دهلي كتب هذا الرثاء المؤثر الذي شاع وذاع حيث أصبح به خسرو معروفاً عند عامة الناس أيضاً بقي خسرو بعده في مسقط رأسه في خدمة أمه حتى تولى الأمر معز الدين كيقباد، وهو آخر ملوك المماليك، فاتصل به وصنف له كتابه الشهير (قِران السعدين) على طلبه، ولم تمض مدة قليلة حتى انتقل الحكم من المماليك إلى الأسرة الخلجية. فتولى الأمر أول ملوكهم السلطان جلال الدين خلجي الذي كان يعرف خسرو ويعترف بشعره وذكائه قبل اعتلائه العرش. فمنح خسرو لقب (الأمير)، وعينه في منصب أبيه بمرتب ألف ومائتي تنكة في السنة. ثم رفعه إلى منصب محافظ القرآن الملكي. فأصبح من أعضاء بلاط الملك ومن ندمائه. فكتب له خسرو كتابه (مفتاح الفتوح)، وهو تاريخ غزوات جلال الدين خلجي بالشعر. نشبت حرب أهلية بين العائلة الملكية فقتل فيها جلال الدين وتولى الأمر ركن الدين خلجي لمدة أقل من سنة، ثم تولى علاء الدين خلجي، فاتصل به الشاعر خسرو، وهو أطول اتصالاته بالأمراء، لأن حكومة علاء الدين دامت عشرين سنة، وهي أيضا مدة أكثر إنتاجا في حياة خسرو. فقد صنف في أقل من ثلاث السنين الأولى من تلك المدة خمس روايات قصصية
стр. 7391
منظومة وهي: (١) مطلع الأنوار، (٢) شيرين وخسرو، (٣) ليلى والمجنون، (٤) آئين سكندري (أي القانون الإسكندري)، (٥) هشت بهشت (أي الجنات الثمان)، وتسمى كلها أيضا (بنج كنج) أي (الخزائن الخمس). ودشنها لشيخه في الطريقة الصوفي الولي الكبير مولانا (نظام الدين أولياء) وأهداها إلى السلطان علاء الدين. وبينما كان مشغولاً بتصنيف ليلى والمجنون منها فقد أمه وأخاه في سنة ٦٩٧ فحزن، ورثاهما بكلمات تسيل الدموع في مصنفه، ننقل رثاءه لأمه إلى العربية قال: (وفي هذه السنة فقدت نورين من نجمتي وهما أمي وأخي، أسبوع واحد من سوء حظي فقدت فيه قمرين! إن حظي كبسني من جهتين، والفلك بددني بلطمتين، فأصبح نوحي مزدوجاً وغمي مضاعفاً، وا حسرتاه! أنوح على الاثنين وا أسفاه! ألمان لمثلى! إن شعلة واحدة كانت تكفي لزرعي إن صدرا واحدالا يتحمل ثقلين، ولا رأساً واحداً وجعين، إن أمي تحت التراب، فلا غرو أن ألوث رأسي بالتراب يا أمي! أين أنت؟ لم لا ترينني محياك)؟
اطلعي ضاحكة من قلب الأرض، وارحمي بكائي المر! إن في كل أثر من قدمك لي تذكاراً من الجنة، إن وجودك كان حافظاً لنفسي ومعيناً ومتكأ لي، يوم كنت تتكلمين بشفتيك كان نصحك صلاح أمري، واليوم ختم على (لساني) وسكوتك لا يزال ناصحاً
صنف خسرو في عهد علاء الدين ما عدا بنج كنج (أي الخزائن الخمس) ثلاثة أو أربعة كتب أخرى سنبينها عند كلامنا عن مصنفاته، وفي سنة ٧١٥ هجرية توفي علاء الدين فتولى الأمر قطب الدين خلجي فاتصل به خسرو وصنف في عهده (نه سبهر) أي (الأفلاك التسعة) وقدمه إليه فسر السلطان منه جداً وأنعم عليه بفضة تساوي وزن الفيل، وبعد وفاة قطب الدين تولى الأمر نصير الدين خلجي لمدة أقل من سنة، ثم انتقل الأمر من الأسرة الخلجية إلى الأسرة التغلقية، وكان أول ملوكها غياث الدين تغلق فاتصل به خسروا وصنف له (تغلق نامه) أي كتاب تغلق في سنة ٧٢٥ هجرية وهو آخر تصانيف خسرو لأنه مات في تلك السنة
عاش خسرو ٧٣ سنة وصنف ٩٩ كتاباً أكثرها في الشعر باللغة الفارسية والهندية ضاع جلها إلا القليل، وعاشر ملوك، وإن لم تجاوز مدة بعض منهم سنة، بينهم ملوك الأسرة الخلجية الكاملة؛ وكان خسرو عالماً فاضلاً وشاعراً مفلقاً، وموسيقياً بارعاً، وصوفياً كبيراً.
стр. 7392
وسنتكلم عن نبوغه في الشعر والموسيقى والتصوف في المقال الآتي إن شاء الله.
السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي
стр. 7393
ملخص محاضرة
الفن الفارسي
للشاعر الإنكليزي
(وفد على مصر في هذه الأيام الشاعر الإنكليزي المشهور مستر لورنس بنيون أمين القسم الشرقي بالمتحف البريطاني، وألقى أربع محاضرات تناول فيها أغراضاً مختلفة في الفن والأدب، وهذه أولى محاضراته عن الفن الفارسي)
إن الكلام عن الفن الفارسي يستوجب من المحاضر أن يلم في بادئ الأمر بالموقع الجغرافي الذي كان له أثر لا ينكر في توجيه الرسم الفارسي ناحية خاصة، يلاحظها كل من له اهتمام به وتعلق بدراسته، وإن وقوع فارس بالقرب من بلاد العرب وتوسطها بينها وبين بلدان الشرق الأقصى صبغ الفن الفارسي بصبغة خاصة وإن ظل مع ذلك محتفظاً بروحه القوية، وشخصيته البارزة التي تميزه تميزاً واضحاً جلياً من فنون الأمم الأخرى سواء أكانت غربية أم شرقية، فلهذا الفن مميزاته الخاصة وروحه المستمدة من صميم الواقع
وكما أن للظروف الجغرافية تأثيراً، كذلك للظروف السياسية أثراً لا يمكن للباحث أن يتجاهله أو ينكره، فقد تغلبت على هذه البلاد عدة دول حاكمة كالإغريق في القديم والساسان والمسلمين، وكانت الدولة الساسانية آخر الدول الفارسية التي حكمت إيران، والتي توطد لها العرش زهاء أربعة قرون منذ القرن الثالث حتى السابع الميلادي، إذ ظهر قبل ذلك بقليل دولة الإسلام الفتية، فاكتسحت ما في طريقها، وخفق علم الإسلام على كثير من ربوع العالم، ولما كانت فارس قريبة من بلاد العرب فقد اتجهت إليها أنظارهم بطبيعة الحال والموقع، ولم يلبث العرب أن خضدوا شوكة دولة بني ساسانواستتبت أقدامهم فيها، كما أخذ الدين ينتشر في ربوعها، ومن ثم أخذ الفن الفارسي من رسم إلى تصوير إلى شعر يتأثر بعض الشيء بهذه الظروف الجديدة التي أحاطت به، وربما كان ذلك أوضح في الشعر منه في الرسم والتصوير
وهنا نرى لزاماً علينا أن نشير إلى أن العرب حين غزوا هذه البلاد كانت هناك نهضة فنية، تدلنا على ذلك الآثار التي أماطت اللثام عنها بعثة ألمانية، إذ عثرت على كثير من
стр. 7394
هذه الرسوم في بلاد الأفغان، وأقدم هذه اللوحات بوذية، ولكنها على درجة عالية من الإتقان
وقد قامت في ذلك الحين مدرسة فنية في بغداد التي كانت مركزاً ثقافياً إسلامياً مهما، وإذ كان العرب قد نشروا سلطانهم على هذه الربوع، فقد أدوا للفن خدمة كبرى بأن كانوا وسيطاً قوياً في نقل الروح الغربية إلى الشرق، وتطعيم الفن الفارسي بالفن العربي، وذلك بأن العرب اتصلوا اتصالاً مباشراً بالأمم الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وتعاملوا معها في جميع مرافق الحياة. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فلابد لنا من أن نشير إلى أن أثر الفن الصيني كان أقوى من تأثير الفن الأوربي في التصوير الفارسي، وإن المقارنة بين الفنين الصيني والفارسي لتظهر لنا هذا أجلى من المقارنة بين الثاني والغربي؛ وكان الاختلاط في أول الأمر قليلاً، ولكن الظروف المحيطة غيرت الأمر الواقع، وزادت الصلات توثقاً، إذ ظهرت دولة المغول، وهم من الجنس الأصفر تحت زعامة القائد المعروف تيمورلنك، فاتصلت البلاد الصينية بربوع الشرق الأدنى، وأصبحت هذه البلاد جميعاً أكثر ارتباطاً من ذي قبل. وهنا كان عصر ازدهار وقوة للفن الفارسي!
ذلك بان الفنانين الفارسيين حين شاهدوا آثار المصورين الصينين أعجبهم هذه البراعة الفائقة والدقة المتناهية في إبراز العواطف والمناظر المختلفة في صور محسوسة تسترعي الانتباه، وتشهد لهم بالعبقرية والفن، إذ كانت هذه الرسوم تستلزم التفكير الدقيق في كيفية تهيئتها وإبرازها على هذا النحو العجيب، ومن ثم بدأوا يجارونهم وينهجون سبلهم، ويترسمون آثارهم وقواعدهم، ورأوا أن إبراز الإحساس بالواقع عند الصفر أكثر مما عندهم، كما شاهدوا الدقة العظيمة والقدرة الرائعة في تجسيم كل ما تقع عليه العين في صورة جذابة، كما أنهم لم ينسوا أن يستلهموا الطبيعة صوراً ويستمدوا منها فنا جعلنا نقف موقف الإجلال إزاء هذا الفن العالي المجسم، حتى إنهم صوروا تسلسل المياه مما لا ينقصه إلا الخرير حتى تكون طبيعة ثانية من عمل المرء بجانب الطبيعة التي أوجدها الله
وقد يظهر لنا من هذا الكلمة السالفة أن الفن الفارسي كان صورة ثانية للفن الصيني، أو هو فن صيني رسمته ريشة فارسية، ولكن الحقيقة هي أنه بالرغم من تأثره إلى حد ما بالرسم الصيني فقد ظل محتفظاً بشخصيته وروحه وطبيعته الفارسية، ولا يشين الفن الإيراني أن يكون قد أجل الفن الصيني؛ ومهما يكن الأمر فهناك فروق تظهر جلية للباحث المدقق، حين
стр. 7395
تعرض عليه صورتان لمنظر واحد أولاهما لمصور صيني والأخرى لفارسي؛ ونحن حين نستعرض صورتين لمنظر من مناظر الطبيعة مثلاً، تبارت في إحداهما ريشة صينية وفي الأخرى فارسية، فإننا نلاحظ في الأولى التحرر من القيود الطبيعية وعدم التزام وحدة معينة، بل نرى كيف يخضع الفنان الطبيعة لريشته، بينما نلمس تناسق الأجزاء وترتيب بعضها بالنسبة للبعض الآخر في صورة الفنان الفارسي، وربما سأل السامع نفسه إزاء هذا عن العلة أو العلل الحقيقية والمباشرة أو غير المباشرة التي أدت إلى افتراقهما بعضهما عن بعض بعد أن اتحدا في الفكرة، أهي الخيال؟ أم الإحساس؟ أم طبيعة كل منهما؟ وقد يكون ذلك أحد هذه الأسئلة، وقد تكون جميعاً متحدة، ولكن هناك أمراً لا بد منه، ولا بد أن نذكره إذا أردنا إجابة شافية توصلنا أو تقربنا إلى بغيتنا، ذلك أن استيعاب الفنان الإيراني للمسافات لم يكن كاستيعاب الصيني لها واهتمامه بها، فبينا نجد عند الأخير الطلاقة الفنية، والإحساس بالحرية، إذا بنا نجد الفنان الفارسي يحدد قبل البدء، ويرسم لريشته محيطاً لا تتعداه، ومجالا لا تخرج عنه بحال من الأحوال
وصفة ثانية كان يمتاز بها الفنان الفارسي على وجه العموم، تلك هي أنه لم يكن ليشرد بريشته كثيراً، وربما عد هذا في نظر بعض نقاد العصر الحاضر جموداً، وقد يخالفهم في نظرتهم هذه كثيرون، ولكل من الفريقين وجهة ورأي يباين رأي الفريق الآخر، وقد يتعصبون لهذه الأفكار والآراء، ولكنهم يتفقون في أنه عمل رائع جدير بالإعجاب، وسواء أكان الحق في جانب هذا أم ذاك، فذلك أمر مرجعه إلى الذوق الفني والشعور الرهف الذي يستشف الحقيقة خلال الطلاسم، ويتلمس الشعلة من بين أسداف الظلام، ويتعرف الصواب والحق مهما تكالبت أسباب الباطل، ويستخرجه كما يستخرج التبر من الثرى نقياً ولعل أقرب الأمثلة على هذه الصفة التي أشرنا إليها آنفاً: أعمال (بهزاد) وهو أكبر فنان فارسي تبوأ ذروة المجد من رسومه الفنية، وكان ممتازاً في إخراجها، قوي الإفصاح عن مقصوده، ولكنه بالرغم من هذا المجد التالد والفن الخالد، فإننا لا نجده قد قام بأية ثورة على هذه القيود - كما يسميها البعض - ولم يحاول أن ينتزع نفسه من ربقة التقاليد وترسم الآثار، ولم نشهد له محاولة ولو ساذجة تجعلنا نقول إن هناك تباشير تطور أو حركة تجديدية ضد ما تآلفوا عليه، بل رأيناه وخلفه يسيرون على منهج واحد، كأنما استسهلوا هذه الطريق
стр. 7396
المعبدة، ولكنهم على أي حال، وإن كانوا قد انصرفوا عن هذا الطريق، إلا أنهم جميعاً كرسوا جهودهم وصرفوا قواهم في إبداع آيات خالدات في الفن، تشهد لهم بالعبقرية، وحسبهم فخراً أن يهتم المتحف البريطاني في إنجلترا بلوحات الفنانين قاسم على والسعدي وغيرهما من أقطاب الفن الفارسي. وعلى العموم يمكننا أن نقول إن الفن الفارسي فن لا يكتفي بالنظرة الواحدة للحكم عليه ففي ذلك شيء كبير من الاستبداد، وهو فن عالمي يشهد للفرس بالدقة والبراعة
تلخيص وترجمة حسن محمد محمود
стр. 7397
القصص
من الفن القصصي الحديث
زوج آخر ساعة
للقصصي الإنجليزي ريس ديفز
ترجمة علي كامل
(ريس ديفز من أصغر القصصيين الإنجليز سناً. وهو كغيره من الكتاب الإنجليز المعاصرين شديد التأثر بالمذاهب الجديدة في علم النفس، فنراه في قصصه يعتمد إلى التحليل الدقيق لشتى العواطف والنزعات التي تعصف بكل نفس إنسانية. والقصة التي نترجمها له اليوم قد ترجمت إلى عدة لغات حية)
نزلت مارية من غرفة نوم والدها وقالت لعمتها في هدوء وحزن كعادتها دائما:
لقد مات!
فرفعت عمتها (آن) عينيها من فوق الإنجيل الذي كان بين يديها، وفتحت فاها حتى آخره وقد انتابها فزع عظيم، ثم بحثت عن منديلها ومسحت به عينيها العجوزين اللتين لا تتسرب إليهما الدموع، ثم بكت وهي تقول:
إنهم يذهبون جميعاً قبلي!
وفتح مارية الدولاب وتناولت منه (التريكو) وجلست أمام النار كعادتها كل مساء، وأخذت تشتغل باهتمام برغم ضجرها وتعبها من السهر الطويل وعنايتها بالميت
فنظرت إليها عمتها وهي تكاد تصعق من الدهشة، ودب في جسمها النشاط وصرخت في وجهها قائلة:
تحركي يا مارية، ليس هذا وقت (التريكو). اذهبي وابحثي عن الستائر لنغطي بها النوافذ. ويجب أيضاً أن نغير للميت ملابسه ونقوم له بكل ما يلزم
على أن ماريا لم تتحرك، وبرغم أنها كانت منهوكة القوى كان يظهر عليها دلائل فرح مرير، فقد كان يبدو لها أنها تحررت مرة واحدة من قيود عنيدة مؤلمة، كانت تقول بصوت منخفض مخاطبة عمتها (آن):
стр. 7398
- لقد كان والدي رجلاً قاسياً يا عمتي (آن)، وكان كل يوم عنده يوم أحد. لقد جعل من هذا المنزل (مدرسة يوم الأحد) وكم من مرات حقدت عليه وكرهته، وكانت والدتي تشبهه. وكنت أنا بين الاثنين كأنني في جحيم لا يطاق
في أثناء ذلك كانت عمتها (آن) تصعد تنهدات الحزن والألم. قالت الفتاة:
إنها الحقيقة المرة، والآن وقد مات الاثنان فإني أستطيع أن أحكم عليهما. لقد جعلا مني فتاة عجوزاً لم تر من متع الحياة شيئاً. فكنت لا أعرف غير الإنجيل من الصباح وعند الظهر وفي المساء
وكانت الفتاة تتكلم بصوت ملؤه الحقد والعداوة، وكانت ترتعش حسرة على نفسها. كانت تفكر في تلك الجثة الراقدة في الطابق الأعلى والسخط مستول عليها. كانت تريد البكاء ولكن دمعة واحدة لم تجد بها عيناها. وكان وجهها الغليظ الذي بدا عليه الغضب والكبرياء منكباً على (التريكو) الذي بيدها. قالت:
والآن وقد ضاعت خير أيام حياتي في العمل في سبيلهما، فسأبقى بقية حياتي وحيدة، ولو كانا تركاني أخرج من المنزل لاستطعت أن أجد الفرصة لأتزوج
قالت عمتها:
مهلاً. إنك لا زلت في الثلاثين من عمرك، وفي استطاعتك الآن أن تجتهدي في إيجاد زوج لك. إنك يا مارية فتاة قويمة الأخلاق تحسنين الطهي. إنك لست كفتيات اليوم الطائشات، وهناك كثير من الرجال الذين يبحثون عن فتاة مثلك ليتزوجوها
واستمرت مارية تشتغل في صمت. . . ثلاثة وثلاثين عاماً! قبيحة المنظر غليظة الجسم منكسرة القلب! أي رجل ذلك الذي يريد مثل هذه الفتاة في هذه الأيام؟
وتملكها خوف عظيم وهي تشتغل، كم من الأشياء فقدتها في الحياة! لقد أدركت تماماً أنها كانت تعيش بعيدة عن عالم المسرات واللذات، والآن فات الوقت التمتع. ولكن ألم يعد هناك أمل في شيء؟ قالت الفتاة:
إنني أظن يا عمتي (آن) انه يحسن أن أبيع هذا المنزل وأقيم على ساحل البحر
فأجابت المرأة العجوز على الفور في غضب:
لا تبادري ببعثرة المال الذي تركه لك أبوك. هلا فكرت في؟
стр. 7399
وأجهشت العمة بالبكاء:
ها هو ذا المال يا مارية قد ابتدأ يجعل منك فتاة منطفئة الآمال قاسية القلب. إنني أعرف نفسيتك الآن
وخرجت العمة لرؤية الميت. وابتدأت عينا ماريا الزرقاوان المنطفئتان تلمعان من جديد؛ إن التفكير في المال الذي ورثته وفيما يمنحه هذا المال من السلطان، قد جعل حرارة السعادة تدب في جسمها الغليظ. غير أنها كانت تود أن تكون أصغر سناً مما هي الآن. وكانت تعرف أيضاً أنها قبيحة المنظر
ودخلت العمة آن قادمة من غرفة النوم وهي تقول: لقد رحل إلى العالم الآخر. إن وجهه جميل وطاهر، والآن يا مارية أي مجنز نعهد إليه بالقيام بحفلة الجنازة؟
فأجابت مارية:
جون جونز. إنه أرخص من توماس إيفانز
ولكن إيفانز ممن ينتسبون إلى الكنيسة القديمة. إن الذين يحترمون أنفسهم لابد يفضلونه، وعرباته أيضاً أكثر جمالا. فقالت مارية بصوت الآمر:
ولكنني أفضل جون جونز. لقد كنت معه في المدرسة وكان دائماً معي رقيقاً
فأجابتها العمة آن وقد أخذها الغضب:
- إنه رجل أعزب طماع
وذهبت مارية وأحضرت الأقمشة البيضاء لتغطي بها النوافذ، وكان ذلك علامة على أن الموت قد عرف طريقه إلى المنزل. ولم تكد تمضي عشر دقائق على ذلك حتى كان سيل الجيران قد ابتدأ يتدفق ليروا الميت. وكانت العمة آن جالسة بجانب جثته. بينما كانت مارية في الطابق الأرضي تصغي بسخرية إلى كلمات المجاملة والعزاء التي يوجهها إليها الزائرون
قالت إحدى النساء:
ولكنك سوف تكونين في سعة من العيش، فلقد ترك أيضاً وراءه مقادير مخبأة من المال لا بأس بها. لقد كان دائماً متبصراً يا مارية. كان يشح من أجلك
فمطت مارية شفتيها بسخرية وابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
стр. 7400
إن كل ما هنا قد عاد إليَّ. ولكنك عديمة الفطنة يا مسز هاولز. إنك تفكرين دائماً في المال
آه! مثلك أنت. إنه يبدو عليك أنك فتاة غير طبيعية من كل الوجوه يا مارية، ألا تذرفين دمعة واحدة على أبيك المسكين؟ ها أنت جالسة ككتلة من الثلج، لا تعرفين الكلام إلا في كل ما لا يتفق مع الموقف الذي أنت الآن فيه!
وكان الجيران خارج الغرفة يتكلمون عن عدم تأثر الفتاة وجمود عينيها اللتين لم تعرف الدموع اليهما سبيلاً؛ ولكن مارية كانت جالسة في هدوء، مفعمة القلب بالاحتقار والعداوة للجميع، متمتعة في أعماق نفسها بأن تكون موضع أحاديث الناس، هانئة بذلك الدخل الذي سوف تناله عما قريب. وعندئذ شعرت أنها أصبحت مستقلة طليقة، وفي نفس تلك الليلة آوت إلى سريرها في فراشها الوثير باستسلام شهواني. وكأنما الموت الذي أقبل إلى المنزل قد فتح في أعماق نفسها منبعاً من السرور العجيب
وفي صباح اليوم التالي أرسلت مارية عمتها (آن) لتبحث عن المجنز، فحرجت آن وهي تتمتم بعبارات السخط والغضب، ولكنها كانت تتعزى كلما فكرت في أنها ستفوز بخمسة شلنات، لتشتري بها ثوباً أسود وقبعة. وكانت تقول لنفسها وهي تبكي:
وإن دفنه بيدي جون جونز سيقلقه في مقره الأخير. فعرباته القديمة فرشها حقير للغاية. إني أخجل منهم
وعاد المجنز معها واستصحبته إلى الدور الأعلى لكي يقيس جثة الميت، ثم نزل إلى الصالون حيث انتظر مارية
وجاءت مارية، فبادرها بقوله:
ما أكثر وقار وجهه يا مس مورجنز
فأجابته مارية في الحال بنظرة خبيثة قائلة:
إن وجهك أنت سيكون أكثر هدوءاً ووقاراً حين يتوفاك الله!
فسألها وهو يهز رأسه الصغير:
وكيف ذلك؟ لقد عشت حتى الآن عاقلاً رزيناً
فقالت بخبث وهي تبحث له عن كرسي:
لقد كنت في المدرسة صبياً ماجناً خداعاً، اجلس الآن ودعنا نتكلم في الموضوع
стр. 7401
كان جون جونز شابا نشيطاً عصبياً أشبه بعصفور. ألقى جون جونز قبعته بجانبه، وفرك يديه ثم وضعها على ركبتيه النحيلتين كركبتي مراهق، وكان يحاول عبثاً أن يتظاهر بالبرود الحزين الذي يتناسب مع مهنته، فقد كان خفيف الحركة، ويبدو كأنما يثقله العمل الكثير، وكانت لحيته كأنها محلوقة منذ برهة وجيزة، كما أنه لم يكن ناجحاً في عمله كمنافسه
قال جون جونز، وقد بدا على وجهه نوع من الاهتمام:
أي نوع من التوابيت تفضلين؟
وعندما نظرت إليه مارية نظرة باسمة احمرت وجنتاه وتولاه الاضطراب. سألته قائلة:
كم الثمن الذي تريده؟
كانت مارية جالسة أمامه وجهاً لوجه تناقش الأثمان بمكر ودهاء عجيبين، وقد لمعت شفتيها الغليظتين، وبدا عليها التفكير والانتباه، مما جعله يعجب بها برغم سخطه. وبعد حساب طويل، قال:
إن كل شيء سوف لا يتكلف أكثر من عشرين جنيهاً، فهزت مارية رأسها قائلة:
إن توماس إيفانز يأخذ أقل من هذا
فقفز جون جونز من على كرسيه، وقد تملكه الغضب وقال:
إنك يهودية إلى آخر حد يا مارية مورجنز، إنه لا يليق أن تكوني شحيحة هكذا فيما يتعلق بالمآتم
فتوقفت مارية أيضاً، وقد احمرت وجنتاها من الغضب وصرخت:
إنك تريد أن تسرق الأيتام الفقراء، تريد أن تربح من فتاة لم يعد لها أب!
فضحك جون جونز ساخراً:
أيتام فقراء! إنني متأكد أن والدك قد ترك مالاً وفيراً، ولكن ابنته تريد أن يدفن كما يدفن رجل معدم
وفرقع أصابعه بعصبية، ونظرت مارية إليه طويلاً، وقد انخفض جفناها وعاد إليها خبثها من جديد، ثم قالت:
إنني أحب أن أراك غاضباً مهتاجاً، إنك بهذا تكون أكثر رجولة، ولكنك الآن أكثر غضباً
стр. 7402
مما يجب أن يكون عليه (حانوتي)
كان جون جونز يسائل نفسه: كيف يترك هذا الرجل الموقر وراءه مثل هذه الفتاة الوقحة ذات اللسان البذيء! على أنه تذكر تجارته التي كانت آخذة في التدهور، فقال بهدوء:
دعينا من هذا يا مس مرجنز، كوني أكثر عدلاً، سوف أنظم جنازة فخمة بتسعة عشرة جنيها ونصف جنيه
وطلبت مارية من عمتها أن تحضر الشاي لجون جونز، وأخرجت هي خير ما عندها من الحلوى والفاكهة وأعطته منها كمية كبيرة
وفي يوم الدفن كان المطر يسقط مدراراً، والسماء مكفهرة، والجو رديئاً. وكانت مارية حزينة لأنها أنفقت كثيراً من النقود في شراء فستان أسود جميل وقبعة، كانت تقول لنفسها بعصبية متنقلة بين الحوانيت:
سوف يعرفون أنه حتى مس مورجنز الفقيرة الملبس تستطيع أن تبرهن على أنها سليمة الذوق
على أن المطر ضايقها كثيراً، فقالت لعمتها (آن) وهي ساخطة في صباح يوم الدفن:
سأضطر للذهاب لشراء معطف للمطر وشمسية جديدة، إنني دائماً سيئة الحظ، فسوف يكون هذا النهار رديئاً
كان المطر يسقط والرياح تصفر بقوة شديدة بالقرب من المقبرة، وكانت مارية واقفة بجانب القبر متكئة بجسمها الضخم على ذراع ابن عمتها تفكر في شمسيتها الحريرية الجديدة وتنعم النظر في الزهور التي تداعبها الرياح، وتفكر بحسرة مريرة في شبابها المنطفئ. آه! ولكن كم من الأوقات الطويلة السعيدة ستتمتع بها حين ينتهي كل ذلك! لا، إنها سوف لا تبيع منزلها وتعيش بعيداً، فستكون مجهولة لا يعرفها أحد إذا ذهبت إلى مكان آخر، وسوف تشتري كمية من الفساتين وتنشر (الموضة) في الحي الذي تعيش فيه، وتدهش صديقاتها. وسرعان ما رأت نفسها تنزل إلى الدور الأرضي من الكنيسة في روعة يحسدها عليها الجميع. ولكن عندما أخذ الجميع يرتلون الترتيلة المحزنة الأخيرة فكرت من جديد في ألوان السعادة التي حرمت منها؛ وأخيراً بكت، فخفف بكاؤها كثيراً مما يثقل قلب عمتها (آن)
стр. 7403
وعندما أخذت مكانها في العربة أقبل (الحانوتي) وفي يده غطاء غطى به ركبتيها وعلى وجهه إمارات التأثر، ثم قال:
إن داخل العربة بارد. إنك قادرة على كتم عواطفك بشجاعة يا عزيزتي مس مورجنز
فأجابته بشموخ:
أشكرك يا جون جونز، أظن أنه لابد لك من شلن من أجل هذا الغطاء!
وعندما دخل الجميع العربة اتجهت إليها عمتها (آن) وقد بدا عليها الغضب، وقالت:
إنك تتصرفين كما لو كنت قطعة من الخشب، لقد أفسدت علي عملية الدفن، وكنت خجلة منك إلى أقصى حد
فقال ابن عمة الفتاة في صوت متأثر:
يا عزيزتي، لقد بكت عندما كنا نرتل الترتيلة الأخيرة، فأجابت العمة:
آه، عندما كان كل شيء قد انتهى تقريباً. سوف يتكلم عنها كل من كانوا بالكنيسة
فقالت مارية بكبرياء:
إن كل ما يقولونه لا يهمني، وأنت يا عمتي (آن) عجوز مرائية، إنني أعرفك جيداً
ثم قالت ساخرة:
إن كل ما في المسألة أنك تحسدينني من أجل ثروتي لا غير!
وعندما وصلوا إلى المنزل صعدت مارية إلى الطابق الأعلى لكي تخلع حذاءها الضيق الذي جرح أصابع قدميها. وكانت جموع الناس قد اجتمعت منتظرة الطعام الذي يعد عادة بعد الجنازة. وكانوا يعلقون بأصوات خافتة من الجوع على كل ما حدث في الجنازة. أما مارية فقد فتحت صندوق مغلقاً بمفتاح، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة. وأخرجت منه علبة المسحوق الأبيض التي اشترتها بعد موت والدها، ودهنت أنفها اللامع وخديها النحاسيين، وهي في غبطة وسرور من هذا الإثم الجديد. وبعد ذلك لبست قرطها بهدوء. ثم اتجهت نحو السلم فرحة منتفخة كأنها ملكة مهيأة من جديد للنزول وعليها إمارات الأبهة والجلال. وفي أثناء نزولها سمعت أصوات بعض النسوة آلائي كن يتكلمن عند المدخل بصوت منخفض، فوقفت تنصت إليهن، فسمعتهن يذكرن اسمها. قالت إحداهن:
لقد كانت دائماً سخيفة غبية. ولكنها اليوم كانت حقاً وضيعة النفسية لا يحمل قلبها ذرة من
стр. 7404
النبل. لقد كانت معجبة بملابسها السخيفة كأنها في حفلة زواج
وقالت الأخرى:
ألم تكن تفكر أنه كان يجب عليها أن تبكي على الأقل اعترافاً بالجميل من أجل ذلك المال الكثير الذي تركه لها
لقد كانت كشخصية مضحكة في مأساة محزنة. ما هذه القبعة التي كانت تلبسها! أي مرض من الذوق ذلك الذي جعلها تلبس هذه القبعة في جنازة أبيها!
ونزلت مارية بهدوء. وعندما أحست النسوة بقدومها ابتدأن يتكلمن بأسى عن ساعة الدفن، ونظرن إليها بعيون كلها شفقة ورثاء. فنظرت إليهن مارية، وقد كشرت عن أنيابها وصاحت:
أخرجن من منزلي يا ذوات الألسنة البذيئة. أخرجن من هنا!
فجرى النسوة من وجهها الغاضب. ولكن إحداهن صاحت لدى الباب:
امسحي هذا المسحوق الأبيض الذي على وجهك أيتها الفتاة المفتونة!
وبعد أسبوع ذهب جون جونز إلى المنزل ومعه قائمة حسابه فأدخلته مارية إلى الصالون، ووضعت على الطاولة تسع عشرة ورقة من ذات الجنيه، فعد (الحانوتي) النقود بعناية. ثم التفت إليها وقد احمرت وجنتاه. ثم قال رافعاً صوته:
أرجو يا مس مرجنز أن تعطيني النصف جنيه الباقي. فأجابته
إذن قدم لي حساباً عن هذا المبلغ الضخم. لقد كانت الجنازة متواضعة
فصاح وهو يهز قبضته بانفعال شديد:
سوف اذكر ذلك أمام المحكمة. نعم سأقاضيك مطالباً بمبلغي أيتها المرابية الشحيحة!
كانت مارية متشحة برداء من القطيفة السوداء. لابسة عقدها وقرطها. معلقة ساعتها في ردائها الضيق الملتصق بجسمها المفصل على آخر طراز. قامت مارية من على كرسيها وقالت بطريقتها الإنجليزية الرشيقة:
لست ممن يتناقشن مع الحانوتي من أجل نصف جنيه. لقد كنت أظن أنك رجل مهذب ولكن يظهر أنني كنت مخدوعة
ظل جون جونز صامتاً وكأنه تذكر فجأة شيئاً. فنظر إليها بعينيه اللامعتين اللتين تشبهان
стр. 7405
عيني قرد، وقد بدا عليه الألم والحسرة، ولكن مارية خرجت من الغرفة ببرود وعادت وفي يدها كيس من التيل، وأخرجت منه حزمة منتفخة من أوراق البنكنوت. فنظر جون جونز إلى النقود. وقال بصوت تبلله الدموع
اغفري لي ثورتي يا مس مورجنز. لقد نسيت في فترة غضبي الخسارة المؤلمة التي انتابتك. يا إلهي! كم ستشعرين بالوحدة، إن عمتك ليست الرفيق اللازم لفتاة شابة. هلا وضعت بعد مشروعات تقومين بها في المستقبل؟
لقد كان قلبه الصغير الحساس يخفق حقيقة بحرارة رحمة بمارية التي لا أنيس لها. وابتسمت مارية ابتسامة خفيفة، وهي تعبث بيدها في أوراق البنكنوت، بينما جون جونز ينظر إليها وعليه إمارات التأثر
أجابت مارية:
إنني لست مستعجلة. فسوف أعيش بمالي في بسطة من العيش
فقال جون جونز:
حقاً. ويمكنك أن تحصلي على ثمن جيد لهذا المنزل وللأربعة منازل الأخرى التي تقع في طريق المناجم. إنهم خالون من حق الاتفاق. أليس كذلك؟
فقالت مارية ضاحكة
إنك تريد أن تعرف كل شيء؟
وخرجت ثانية حاملة معها الكيس، ثم عادت ومعها زجاجة من النبيذ الفاخر وطبقاً من البسكويت. صرخت مارية بنشوة وافتخار رافعة الزجاجة إلى أعلى:
إنها الأولى في هذا المنزل
فقال جون جونز ضاحكاً أيضاً
لقد كان والدك مدمناً على شرب الماء!
وبينما كانا يشربان كانت مارية تنظر من النافذة بنشوة كأنها في حلم. ولكنها لاحظت أن الحانوتي يرمقها بنظرات عصبية
قالت مارية:
لا، إني لم أضع بعد مشروعات. كنت أريد أن أنتقل من هذا المنزل. ولكن فتاة غير
стр. 7406
متزوجة لابد أن ستشعر بالوحدة المضنية في مكان غريب. أما إذا وجدت زوجا. . . ورفعت عينيها الذابلتين نحوه. وكان هو من ناحيته ينظر إليها بتحديق شديد
لقد كان ذلك أكثر مما كان يأمل، فشرب قدحه سريعا، ثم رفع كوبته بيد مرتعشة وانحنى على ركبتيه أمامها، وأمسك بيدها وهو يتكلم بعبارات سريعة مضطربة قائلاً:
خذي يا عزيزتي مس مورجنز. إنني أنا أيضاً أعزب وحيد. لقد أحببتك منذ أن رأيتك أثناء دفن والدك هادئة ووحيدة. حقاً إنني أحبك. إنني أشعر في أعماق نفسي بشيء غريب نحوك
فأخذت مارية تضحك ضحكاً طويلاً لا ينقطع ثم قالت: يا جون جونز إنك بخيل لدرجة أنك لا تستطيع أن تحب. هل تحبني من أجل ذاتي؟
فقال جون جونز بحزن:
إنك قاسية خبيثة
فأجابته في الحال بحدة:
أوه! إنني لا أشعر بالحب نحو أي رجل ما. إنني أريد أن أتزوجك ليكون لي اعتبار في أعين الناس. والآن كم يكون هذا مفاجأة عجيبة بالنسبة لأولئك النسوة جميعاً!
علي كامل
стр. 7407
من هنا وهناك
ضوء جديد على قضية دريفوس
نعرف ما لقضية دريفوس الشهيرة من أهمية وآثار بالغة في تاريخ فرنسا المعاصر السياسي والاجتماعي. وقد مضى اليوم زهاء ثلاثين عاماً على خاتمة تلك القضية الشهيرة التي حكم فيها على الضابط البريء الفريد دريفوس بالنفي والتجريد، واستمرت أدوارها بين إعادة نظر ونقض وأحكام مختلفة مدى عشرة أعوام، تأثرت خلالها الحياة الفرنسية العامة أيما تأثير؛ ثم حكم نهائياً بتبرئة الضابط المظلوم ورد إليه حقوقه واعتباره. ومع ذلك لم تقل بعد آخر كلمة في هذه القضية الشهيرة. فقد صدر أخيراً كتاب بالفرنسية بقلم هنري مازيل عنوانه (تاريخ قضية دريفوس ونفسيتها) يذهب في المؤلف إلى رأي جديد يرفق فيه بين رأي القائلين ببراءة دريفوس، ورأي خصومهم، وأنه لم يكن في المسألة كلها خائن ولا متهم؛ وأنه إذا كان ثمة متهم، فهو متهم من نوع خاص لأنه لم يكن سوى الكولونل شفارتز كوبن الملحق الحربي للسفارة الألمانية، فهو الذي دبر الدسيسة كلها، وعمل على تغرير أركان الحرب وخديعته
ذلك أن الكولونل لاحظ منذ مدة أن مدام بستيان خادمة السفارة تحمل دائماً قصاصات الورق التي يلقيها في سلة المهملات إلى قلم المخابرات الفرنسي؛ ففكر في أن يخترع حكاية (البردرو) وهي الوثيقة التي كانت أصل القضية كلها، فكتب عندئذ هذه الوثيقة بنفسه، مقلداً فيها خط الضابط استرهازي الذي كان لديه نماذج من خطه لأنه كان يكاتبه؛ ولما كتب الوثيقة مزقها بعد ذلك، وألقاها في سلة المهملات؛ فأخذت مدام بستيان القصاصات كالمعتاد إلى قلم المخابرات
ويؤيد مسيو مازيل رأيه بأدلة منها أن (البردرو) كان مكتوباً بفرنسية ركيكة لا يمكن أن تصدر من ضابط في أركان الحرب مثل دريفوس، ولا يمكن أيضاً أن تكون من كتابة استرهازي لأنه كان يكتب خطاباته دائماً في أسلوب مختار؛ وكل الدلائل تدل على أن (البردرو) إنما كتبه رجل بالفرنسية يفكر بلغة أخرى
وقد أثارت نظرية مسيو مازيل اهتماماً كبيراً في دوائر التاريخ والقضاء؛ ونالت تأييداً كبيراً
стр. 7408
آثار ملكة سبأ
ما زالت أساطير العصر القديم التي تجري مجرى التواريخ تثير طلعة الباحثين والمكتشفين؛ فهم يحاولون في فلسطين مثلاً أن يعثروا بآثار سليمان وداود، ويحاولون أن يكتشفوا بقايا (ارم ذات العماد) في بلاد العرب. وهنالك من يحاول أن يكتشف آثار ملكة سبأ في بلاد الحبشة، وذلك هو الكونت بيرون دي برورك العلامة الأثري البولوني، وهو ممن يعشقون الأساطير القديمة ويهيمون بتحقيقها، وقد اكتشف من قبل في ذلك المجاهل قبر (تيني هنان) الذي كان يعتبر من قبل خرافة، ومنذ أشهر عاد إلى الحبشة من طريق السودان المصري، ليحاول البحث عن مناجم سليمان الذهبية، وآثار ملكة سبأ الشهيرة؛ وعكف على البحث مدى حين في هضاب بلاد يامو؛ ولكنه لم يظفر بآثار حقيقية تكشف عن حقيقة تلك الأساطير الشهيرة؛ بيد أنه استطاع أن يجمع كثيراً من المعلومات الأثرية الهامة عن تلك المنطقة؛ وربما عاد في فرصة قريبة ليستأنف مباحثه
والواقع أن من الصعب أن نقتنع بصحة أمثال هذه الأساطير من الوجهة التاريخية. وقد يكون لبعضها أساس تاريخي، ولكن الأسطورة تحيط به وتجرده من حقيقته الأولى لتخرجه لنا في ثوب خرافي محض. ومن هذا القبيل أسطورة قبر (الإسكندر) المقدوني، وكونه قد دفن بالإسكندرية، فقد اهتم المستر هوارد كارتر مكتشف قبر توت عنخ آمون بهذه الرواية. وأخذ بالفعل يبحث عن تحقيقها تمهيداً لاكتشاف قبر الإسكندر. على أن لهذه الأسطورة مهاداً أخرى، إذا يروى أن الإسكندر دفن بالشام، أو ببلاد الفرس، وقد ذهبت جهود العلماء لتحقيقها سدى منذ نصف قرن
التنافس بين الفاشستية والهتلرية على استعباد الشعوب
كثر الجد أخيراً بين الصحف الألمانية والصحف الإيطالية، وانفردت الصحف الألمانية إلى جانب الصحف الروسية بالحملة على مشاريع إيطاليا وجهودها الاستعمارية، ولاسيما في بلاد الشرق الأدنى. وتنتهز الصحف الألمانية هذه المناسبة للحملة على (الفاشستية) والمقارنة بينها وبين (الاشتراكية الوطنية) (الهتلرية) الألمانية، وقد نشرت مجلة (فولك أوند رخت) (الشعب والحق) البرلينية أخيراً فصلاً تندد فيه بخطط إيطاليا وبالفاشستية الإيطالية، وتقول إن سلام شعوب الشرق الأدنى لا تحققه الفاشستية التي هي في الواقع
стр. 7409
عنوان عصر قد ختم؛ أما (الاشتراكية الوطنية) فهي بالعكس نظام جديد، قد خلق أسلوباً جديداً للتفكير يعارض كل ما ذهب إليه النظرية الغربية في شأن الدولة والرأسمالية، ولا سلام للشرق إلا باعتناق مبادئ الاشتراكية الوطنية. وقد ردت جريدة (جورنالي ديتاليا) الإيطالية على هذه الحملة، فقالت إنه يراد أن يخلق تعارض بين الفاشستية والاشتراكية الوطنية، وأن يتخذ من هذا التعارض أساساً لمنافسة سياسية تزمع ألمانيا أن تقوم بها ضد إيطاليا في الشرق الأدنى، وتسلم الصحيفة الإيطالية بوجود فروق جوهرية بين الفاشستية والاشتراكية الوطنية، ولكنها تنوه بما تقوم عليه النظرية الألمانية من التفاضل بين الأجناس، وأنها تطالب بوحدة الأمم من الوجهة الجنسية. والواقع أن أمم الشرق الأدنى تتكون اليوم من مزيج من الأجناس المختلفة، وتتكون كل منها حول الجنس الغالب؛ فإذا فكرت في ألا تطبق المبادئ الهتلرية فعليها أن تمزق نفسها مختارة، وأن تتنازل عن أجزاء من أراضيها تعمرها الأجناس الدخيلة أو المنحطة
وهكذا ينم هذا الجدل عن غايته، فأنصار الاشتراكية الوطنية يزعمون أنهم أحق باستعمار الأمم وبسط نفوذهم عليها؛ ويعارضهم أنصار الفاشستية في هذه الدعوة؛ وأمم الشرق تستهدف في الحالين إلى مطامع الاستعمار ودسائسه؛ ومن المفيد أحياناً أن تتبع الأمم الشرقية مثل هذا الجدل لتقف على ما تبطنه الفاشستية الإيطالية أو الهتلرية أو غيرها من الدعوات والمبادئ الخلابة نحوها من ضروب الغدر والعدوان
стр. 7410
المسرح والسينما
كتب كاتب في جريدة (الطان) نبذة شائقة عن المسرح والسينما وما يضطرم بينهما من منافسة ينوء بها المسرح. ومنذ حين يثور الجدل حول هذا الموضوع، وتتجه معظم الآراء إلى أن تقدم الفن السينمائي كان ضربة قاضية للمسرح، وأن المسرح يتدهور بل ينحدر إلى الفناء بسرعة، وأن السينما قد انتزعت منه معظم رواده ومحبيه. ويقول لنا كاتب (الطان) إن هذه الجلسات السينمائية الصغيرة، ومناظرها الشعرية الغريبة، قد خلبت حقاً ألباب الناس، غير أنه يذهب إلى رأي جديد فيما يتعلق بتقدم الفن السينمائي؛ فهو يرى أن السينما ليس لها من الوجهة الفنية عدو ألد من نفسه، وأخطر من نجاحه، فهو من جهة عبد القوة المالية يطيعها طاعة عمياء، ومن جهة أخرى عبد المخرجين (مخرجي المناظر). ولما كانت الأشرطة السينمائية لغة عالمية، فإن مخرجيها لا يفكرون إلا في إخراج أشرطة ومناظر تجتذب أعظم مجموعة من الرواد، ويمكن أن تعرض في نفس الوقت في يوكوهاما وبرلين وباريس ولندن ونيويورك وشنغهاي، والنجاح يغدق المال. على أن هذا النجاح نفسه يحمل المخرجين على أن يتحروا دائماً التأثير في العدد، نجاح الكمية لإنجاح النوع، ومن ثم كانت جمهرة (الأفلام) المتماثلة في المناظر والأذواق العامة، وهي مناظر أصبحت معروفة يتوقعها ويتنبأ بها الجمهور بلا مشقة، وهذا الاتجاه المادي المحض الذي يتخذه الفن السينمائي يثير اليوم بين الكثيرين ضجراً وخيبة أمل، وهؤلاء يرون أن الفلم لم يعد يرضي أذواقهم وأمانيهم الفنية، وأن المسرح هو الكفيل بتحقيق هذه الأذواق والأماني
ولهذا يتجه الكثيرون اليوم صوب المسرح، ويعود المسرح فيحرز بعض النجاح والانتعاش، ولكنه انتعاش بطيء يحتاج إلى وقت غير قصير، غير أنها على أي حال ظاهرة تدعو إلى التفاؤل. وفي وسع أنصار المسرح والفن المسرحي أن ينتهزوا هذه الفرصة فيضاعفوا جهودهم لتجديد المسرح من الناحية الفنية ويستطيع الكاتب المسرحي أن يؤدي في ذلك التجديد دوراً خطيراً، إذا استطاع أن يزود المسرح بطائفة من الآراء والمناظر المبتكرة.
البريد الأدبي
في نادي القلم العراقي
стр. 7411
عقد نادي القلم العراقي في بغداد جلسة في دار أحد الأعضاء، وقد ألقى في هذا الاجتماع رئيس النادي الأستاذ رضا الشبيبي محاضرة عن (المجريطي: فلسفته ومكتشفاته) وهي نتيجة دراسة كتاب من أهم كتب المجريطي، وهو من أنفس الآثار العربية النادر اسمه (غاية الحكيم وأحق النتيجتين بالتقديم)، وبعد أن ألم المحاضر بتاريخ المجريطي قائلاً في هذا الباب إنه صاحب رسائل (إخوان الصفا) الأندلسية التي ألفها على نمط (رسائل إخوان الصفا) العراقية فبذر فيما بذر التفكير العلمي في أذهان الأندلسيين، فلم تلبث الفلسفة أن ازدهرت في العصور التي تلي عصره في الأندلس، وجاء منها أمثال ابن رشد وابن الصائغ وابن طفيل وبني زهر وغيرهم من أعيان الفلاسفة والمفكرين. وذكر أيضاً أن المجريطي عالج عدة موضوعات تاريخية وفلسفية، وهو مؤلف كتاب (تاريخ فلاسفة العرب) ترجم فيه الكندي وغيره، وقد استظرف الكندي رسالة موضوعها (كمية بقاء دولة العرب) (؟)
وبعد ذلك شرع المحاضر يسرد نتيجة دراسته لهذا الأثر من آثار المجريطي وقال: يستفيد من هذا الكتاب، أي كتاب غاية الحكيم، من يعنى بدراسة تاريخ الحضارة البشرية في أقدم عصورها، ومستنبطات الأمم العريقة في القدم من أنباط وأقباط وسريان وهنود وغيرهم، ومكتشفاتهم وجهودهم في تقدم العمران؛ وبعد أن أورد هذا ونحوه قال: لا أستبعد أنا والحالة هذه أن يكون لآراء المجريطي ومكتشفاته أثر في عمران الأندلس وازدهارها خصوصاً فيما يتصل بالهندسة والكيمياء وعلم المواليد الطبيعية، وإن سكت المؤرخون عن ذلك كله. واستنتج من مواضع أخرى من الكتاب أن المجريطي فيلسوف يميل إلى الدراسة الشاملة، ولكنه يرجح العلوم الواقعية التي يؤيدها الحس والتجربة، ولا يذعن إلا لأحكام العدد والأرقام في تفكيره. وأنه مفكر من طراز أعظم مفكري العصر في الرياضيات والطبيعيات. وينحو من بعض الوجوه منحى الرياضيين الأوربيين في محاولة إخضاع قوى الطبيعة واستخدامها لرفاه الإنسان ورفع مستواه في سلم الحضارة، هذا ونحوه
(البلاد البغدادية)
للحق والتاريخ
стр. 7412
قرأت في الرسالة السابعة والثمانين نبأ (عيد الربيع القومي في سورية) وأن (فريقاً كبيراً من طلبة الجامعة السورية والمدرسة التجارية والمدارس الثانوية العالية عقدوا اجتماعاً بحثوا فيه مشروع إقامة عيد قومي في الربيع وأطلقوا عليه اسم عيد الربيع القومي). فعجبت من نفسي! كيف أكون في صلب دمشق، وأكون أشد الناس صلة بمثل هذه المشروعات، ثم لا أسمع بهذا الخبر إلا من مصر. . . وإني لأصفح (الجزيرة) كل يوم يتفضل منشئها الفاضل فيبعث بها إلى. ولكن من طبعي أني لا آكل الجوز بقشره. . . وأني أتخير اللباب من كل شيء، ولذلك لم أقرأ هذا الخبر في الجزيرة). أما وقد نشر في (الرسالة) والرسالة ديوان العرب، وكتاب الشرق، فلم يبق من قراءته والتعليق عليه بد، كيلا يعلق منه شيء في نفوس القراء، ويبقى مخزاة خالدة لدمشق
والحق أن شيئاً مما قالوا لم يكن، وأن هذا الاجتماع لم يعقد إلا في رأس كاتب هذا الخبر، وأن لطلبة الجامعة السورية لجنة تنطق بلسانهم، وتنوب عنهم، ولم يدع واحد من أفرادها إلى اجتماع، ولم تدع هي أحداً إلى اجتماع لمثل هذا. . . ولها مشاغل وأعمال هي خير لهذه الأمة وأجدى عليها من تأليف مواكب (تمثل أزاهير دمشق). . . ورئيسها الشاب العالم الفاضل الشيخ معروف الدوالي رجل مسلم يكره أن يدخل بإخوانه (جحر الضب)!
(أما المدرسة التجارية (العليا) (؟) التي يقوم أحد طلابها برحلة إلى شمال سورية من أجل هذا المشروع!). فجماع أمرها أنها دار في طريق الصالحية استأجرها قنصل إيطاليا منذ شهور، وكتب على بابها (المدرسة التجارية) واشترى لها مدرساً أديباً كبيراً معروفاً. . . وذهب هذا وذاك ومن والاهما، يخطبون في الناس بلغة (الذهب الإيطالي. . . وفي الناس أناس عقولهم في جيوبهم، وبطون أكفهم، فاستجابوا لهم، وبعثوا بأبنائهم إلى المدرسة، فكان فيها أربعون طالباً، من أصل أربعمائة ألف، هم سكان دمشق وضواحيها!
وأما المدارس الثانوية في دمشق، فإن كبراها المدرسة التجهيزية، وأنا أعلم علم اليقين أنه ليس بين الألف من طلابها، طالب واحد يعلم من أمر هذا المشروع أكثر مما يعلم أي قارئ من قراء الرسالة
ودمشق أعقل بحمد الله من أن تسفل في التقليد إلى هذه الدركة، وإن دمشق لتعلم - إذا لم يكن من التقليد بد - أن في باريس شيئاً غير مواكب الزهر، هو الجيش الذي تستعرض
стр. 7413
مواكبه يوم ١٤ يوليه. وأن فيها غير الشباب الذين يحملون الأزهار شباباً يحملون البنادق والسيوف. . .
وحسب دمشق عاراً المؤتمر النسائي! أفلا تمشي المصيبة إلا على ساقين؟
دمشق
علي الطنطاوي
مأدبة تكريمية
كان مطعم (سان جمس) في مساء الثلاثاء الماضي مجمعاً حافلاً بصدور العلماء وأعلام الأدب وأئمة وأعيان الصحافة؛ اجتمعوا لتكريم صديقنا الأستاذ أحمد أمين رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر، وصاحب فجر الإسلام وضحى الإسلام، وأستاذ الأدب العربي بكلية الآداب. وكانت هذه المأدبة منذ طويل حاجة ملحة في نفوس أصدقائه وزملائه الذين راقبوا عن كثب جهاده الدائب المضني في خدمة العلم والتأليف عشرين سنة، فلما تهيأت الفرصة بانقضاء عشرين عاماً على رياسته للجنة التأليف والترجمة والنشر، وإخراجه الجزء الثاني من ضحى الإسلام تلاقت رغبات الأعضاء والأصدقاء على إقامة هذه الحفلة، فأقيمت برياسة الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد بك زعيم النهضة الفكرية الحديثة، وساهم فيها أولياء الثقافة من رجالات وزارة المعارف والجامعة المصرية ومجمع اللغة العربية الملكي ولجنة التأليف والترجمة والنشر، فجلس المحتفلون عشرة عشرة إلى الموائد الفخمة يتبادلون شهى الأحاديث في وقار العلماء واحتشام السادة، حتى إذا فرغوا من الطعام نهض معالي رئيس المأدبة فافتتح الكلام بالثناء على جهود الدكتور طه حسين في تعرف الأديب العربي على ضوء المناهج العلمية، وذكر كيف تعاون (الثالوث الأدبي) طه حسين وأحمد أمين والعبادي على خدمة الثقافة العربية بتأليف فجر الإسلام وضحاه، ثم لمح بسبق الأستاذ صديقه إلى أداء نصيبه، ونوه بأثر كتبه في الحياة الأدبية الحديثة، وتساءل لماذا لا يتوج مجمع اللغة العربية الملكي هذه الكتب القيمة أسوة بالمجامع الأخرى. ثم قام من بعده صاحب الفضيلة الأستاذ المراغي فذكر في منطق عذب وبيان هادئ، أن الدراسة في الأزهر تروض العقل على مصابرة البحث ومتابعة الدرس ورغبة الاستقصاء، فإذا
стр. 7414
صادفت عقلاً خصيباً وخلقاً قويماً وطبعاً سليماً أنتجت أمثال (الشيخ أحمد أمين)؛ ثم تكلم الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم فبين فضل الأستاذ على لجنة التأليف والترجمة والنشر بقوة إرادته ودقة إداراته وكرم أخلاقه، وجودة تأليفه برياسته لها عشرين سنة متوالية. ثم تلاه الدكتور عبد الوهاب عزام فلخص الصفات الثلاث التي يمتاز بها الأستاذ أحمد أمين حب النظام والدأب والتثبت وجماعها صفة واحدة هي حب الحق
ثم قام على أثره الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني فافاض في وصف الجاذبية الروحية التي يؤثر بها الأستاذ أحمد أمين في مناظريه ومعارضيه فيبلغ بسحرها من نفوسهم ما يريد؛ ثم تكلم الأستاذ محمد كرد علي عن البلاد العربية، والأستاذ نللينو عنالمستشرقين فأجاد التعبير عما تشعر به النفوس الفاضلة من إجلال العلم وأهله. ثم كان خاتمة المتكلمين الدكتور طه حسين فأشاد بفضل الأستاذ الكبير نللينو على دراسة الأدب العربي في مصر، ثم وفى صديقه الأستاذ الأمين ما هو أهله من التقدير والحمد؛ ثم نهض الأستاذ المكرم فشكر الداعين والمدعوين في عبارة أخاذة الأسلوب شديدة الروعة
والرسالة ترجو أن تؤدي واجبها لصديقها الأستاذ في عدد مقبل
стр. 7415
الكتب
ترجمة نفسية تحليلية
هو ذا تاريخ إنسان. . .!
للأستاذ خليل هنداوي
وقلت للأستاذ النعيمي عقب وصوله إلى لبنان: هل أعددت وراءك غربالاً آخر؟ فأجاب: ذاك غربال انطوى، فتحت به طريقي إلى النور، والآن أراني سائراً إلى المحجة التي فرضتها على الحياة، أو فرضتها عليّ الحياة. . . .
فأعطانا (المراحل) وكتاب (جبران خليل جبران)
(خ. هـ)
- ١ -
وجه جبران خليل جبران
وما إن صدر كتاب (جبران خليل جبران) حتى تناولته الأكف، وتهافت عليه الناس. وما إن تلاه الناس حتى ضجوا به، وتفرقوا في شأنه شيعاً، شان العظيم لا يعرف أحداً معه معتدلاً: فمن ناقم على النعيمي لأنه فضح أسرار صديق كان يجب عليه أن يحفظ حرمته بعد الموت، ومن محبذ لأن الأدب لا يعرف تستراً! والحقيقة لا تعرف مواربة؛ وهكذا ذهب الناس في شأن الكتاب مذاهب مختلفة، وللناس مذاهبهم
أراد البعض أن يدرسه جملة، فخرج من درسه بما لا يرضاه، وشاء البعض أن يذهب في نقده ما يفرضه الناقدون على غيرهم من أساليب جافة، ومقاييس محدودة؛ ومتى كان الأدب - ابن الحياة - بقبل الحدود والقيود؟
الكتاب عظيم بنفسه، متفرد بروحه وبطريقته وبنقده، صارم ما شاءت الصرامة، وعادل ما شاء العدل. ولن نتبين هذه النقطة التي تمازج فيها العدل والصرامة في مواطن كثيرة، إلا إذا اطلعنا على المقياس الذي أعلن عنه نعيمة في مطلع الكتاب، وهو مقياسه الخاص في الأدب والفن والحياة، فإذا فهمنا هذا المقياس فهمنا الكتاب، وإذا أعرضنا عن هذا المقياس
стр. 7416
ضاع عنا جوهر الكتاب، والغاية التي ألف من أجلها
لا يريد نعيمة أن يعرض في كتابه تاريخاً له تفاصيله وله آفاقه، والبشرية - في اعتقاده - لم تكتب حتى الآن تاريخ إنسان، ولا تاريخ شيء على الإطلاق، وإنما أراد أن يجري في درسة لحياة جبران مع عقيدته الشائعة في نفسه (إن الفن مهما تسامى في نظر صاحبه ونظر الناس ليس من الأهمية على شيء ما لم يترجمه صاحبه والناس إلى قوة تنشط بهم من عقالات المعيشة المحدودة إلى حرية الحياة التي لا تحد - من الإنسان في الله إلى الله في الإنسان - والأدب مهما جمل لا معنى له إلا على قدر ما يكشف معنى الحياة الذي هو أثبت من الأرض وأبقى من السماء)
درس النعيمي جبران بهذا المقياس، ويدرس الأدب كله في جبران، والأدب عنده هو مثل أعلى إذا ربط الإنسان به حياته اللحمية والروحية، وهذا مقياس جاد صارم، لا يجعل من الأدب ملهاة، وإنما ينزله منزلة الحياة. . . وأنت واقع في الكتاب على فصول متنوعة، هي بجملتها حياة جبران، وهي بمجموعها تاريخ ذلك الصراع المادي لتذعن له المادة، وذلك الصراع الروحي المستمر لينقي روحه من أدرانها وشهواتها الأرضية. وفسادهما أن صاحبهما يحاول أن يفوز فيهما في وقت واحد
في الكتاب تاريخ جبران الإنسان، وجبران الفنان، وجبران الشاعر؛ تاريخ هؤلاء الأشخاص المفترقين تحت لواء عقل واحد. يمشي كل منهم في طريق؛ ولا يدري أين سلك رفيقه. وعقل جبران يظن أن نفسه هادئة مطمئنة - ونفسه منشقة على نفسها. جبران الإنسان لا يلتقي وجبران الشاعر الفنان إلا بالخيال؛ والخيال وحده لا يكفي إذا لم يقو على الإرادة، ويجنحها بجناحيه ويطير بها إلى حيث شاء
رسم النعيمي في كتابه لجبران وجوهاً كثيرة: منها وجه جبران الفنان، ووجه جبران الإنسان، ووجه جبران الطافح تمرداً، ووجه جبران الهادئ الذي جمدته السنون وارتسمت في غضونه الحكمة. أما جبران الفنان فأنت واجده في كل أدوار حياته التي أثرت فيه وأثر فيها، مهما كان من تباين بين شعره وفنه فالرجل استطاع أن يكون. . . برغم المصاعب التي اعترضته وبفضل المصادفات التي خلقت ذلك وفرضت ذلك. جبران الشاعر كغيره من الناس تسكره الشهرة وتستهويه لمعانها، وهو بعد جهاد عنيف استطاع أن يبلغ بخياله
стр. 7417
تلك القمة التي دعاها الناقد قمة (المصطفى) حيث أشرف جبران على الوجود، ونظر إليه بخياله الخالص من تأثير (نيتشه) وغيره، ووقف على معنى (الازدواج) فيه. ولكن جبران الإنسان لم يكن برغم سمو خياله - عاليا سامياً كما تصوره لنا ريشته وبراعته، فهو نسر نشيط كبلته قيود الأرض وشهوات المادة. لم يغنه الفن شيئاً، بل زاد عذابه عذاباً، لأنه كان يكشف لعينيه قباب ذلك الوجود الذهبي ويمنع قدميه الملوثتين من الدخول. . جبران الإنسان تغلي في صدره شهوات ابن المادة، وهو أناني ونصير حب يود أن يكون فيه محبوبه عبداً؛ وهو طالب شهرة لم يستطع فنه أن يحرره من شهرة الناس الذين يكرههم: لا يخرج من - صومعته إلا جبران الفنان، أما جبران الإنسان فهو راسٍ على صدره لا يفر منه إلا إليه. . .
هذا الاختلاف بين شخصين مندمجين في شخص واحد هو موضوع الكتاب
يتساهل النعيمي مع جبران الفنان وحق له أن يتساهل أمام فنه المرن ونزعته الشخصية مهما مازج فنه من عوامل غريبة عن فنه، أما جبران الإنسان فلم يرحم ضعفه ولم يستره بستار الرحمة، لأنه يرى أن رحمته تقوض معتقده الأدبي وتهدم نظرته الفلسفية، وإنما يعتقد أن العبقري الحقيقي لا يجعل من نفسه شخصين مختلفين، ويرى أن الفن الصحيح هو ما نقى النفس من أدرانها وأسوائها، فهل نقى جبرانالفنان جبران الإنسان؟
عمل جبران الفنان على تطهير جبران الإنسان، ورفعه من الهوة إلى القمة. ولكن قدمي جبران الإنسان كانتا من قصب، لا يكاد صاحبهما ينهض عليهما ويمشي قليلاً حتى تتحطما ويلبث مكانه. . . أليس في فرار ميشلين ابنة التراب! من وجه جبران الفنان ابن السماء: أكبر خزي لجبران؟ أليس في تألم الفتاة التي جاءت لتحيي (صاحب النبي) اعتقاداً منها أنه سيكون أسمى من النبي الذي خلقه أكبر هزيمة لجبران الفنان؟ وهكذا ظل جبران في نزاع مع نفسه حتى قضى ولم يقض لبانته
قد يكون في هذا التصريح بعض ما يجرح، ولكن الحقيقة. . . الحقيقة الإنسانية لا تعرف المراعاة، ولو كان جبران فناناً عادياً لما قاسه النعيمي بهذا المقياس الدقيق الذي لا ينطبق إلا على العباقرة المختارين والنوابغ الموهوبين.
ألم يكن (فيخت) يغلب فيه الإنسان الأخلاقي على الإنسان الفيلسوف؟ والإنسان الأخلاقي
стр. 7418
يغلب عليه الإنسان المجرد؛ وهو كلما تجرد ونزع عنه هذه الأقماط بدا أدنى إلى حقيقة السمو والكمال العاري كأنما كان يرتفع فنه معه متناسباً مع ارتفاع نفسه. وهذا هو المثل الأعلى الذي يطلب النعيمي إلى كل فنان يسمو إليه بعقله وجسده، وفنه؛ لا أن يقسم نفسه أقساماً، يضع كل قسم منه حيث يريد
(ولا يكفي الإنسان أن يبصر النور ليكون مستنيراً بل عليه أن يجعل ذلك النور هاديه الأوحد في حياته، وإن في ذلك وحده سراً لانعتاق الأيدي من جحيم المتناقضات، أما السبيل إلى ذلك ففي نبذ كل ما يحجب عنا النور من شهوات أرضية، ونزعات زمنية وشعور بالفردية التي لا تأتلف وروح الكلية الشاملة) وطبقاً لهذا الاعتقاد يبين النعيمي جانباً من حياة جبران - لا كل جوانبه - التي حالت دونه ودون الانعتاق، أو النكران المؤدي إلى الانعتاق.
وهكذا تطلع في هذا القسم على حياة مستقلة بذاتها عن الإنسانية، ومتصلة بذاتها مع الإنسانية؛ عارية كاسية، وإنما هي الحياة كلها بلحمها ودمها وروحها الذي لا يدرك
- ٢ -
جبران الثائر وجبران الهادئ
لا يقف الناقد على درسه على جبران الفنان وجبران الإنسان، وإنما هو يعالج - من ناحية ثانية - المؤثرات التي أثرت في جبران، والعوامل المقدرة وغير المقدرة، والمتصلة - كما يقول الناقد - بمكوك الحائك الأكبر وغير المتصلة. فهو يولد مع جبران ويدرج معه من سياحة إلى سياحة، ومن فشل إلى رجاء ومن رجاء إلى فشل. طوراً ينطق جبران بما نطق، وتارة ينطق عن جبران بما لم ينطق. وفي هذه المنطقة يلتقي النعيمي الناقد بجبران الفنان المجرد، لا النعيمي الحامل المثل الأعلى لجبران الضائع وراء نوازعه الأرضية. ولا يمكننا أن نقف على قيمة جبران الأدبية إلا إذا تعمقنا في أحناء حياته. فجبران - في كتاباته - ذو وجوه متعددة، منها وجه المحب المنهزم، وجه المتمرد الثائر، وجه الهادئ الساكن، ووجه المتصوف السامي، وصاحب هذه الوجوه رجل واحد هو جبران. والنعيمي يستعرض هذه الوجوه وجهاً وجهاً دارساً عوالمها محللاً ألوانها
стр. 7419
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 7420
العدد ٩٠ - بتاريخ: ٢٥ - ٠٣ - ١٩٣٥
стр. 7421
ورد الربيع!
للدكتور عبد الوهاب عزام
دار الفلك دورته، وعاد سيرته، فسرت في أعصاب الأرض هزة الحياة، وتفجرت عروقها بالمياه، وسالت قمم الجبال جداول وأنهاراً، واشتعلت الأرض أزهاراً وأشجاراً
تبرجت بعد حياء وخفر … تثنى على الله بآلاء المطر
صرحت الأرض بمكنونها، وأبانت الحياة عن ضميرها، فنبتت معاني الحياة والجمال، في ألفاظ من الأوراق والنوار
باح الربيع البساتين … وعطر النفس أنفاس الرياحين
ونفخت أنفاس الربيع الحرى الحياة في كل ذرة، فأخرجت قواها أعشاباً وأزهاراً، فرقتها ألوان، وألفَّتها معان
لم يبق للأرض من سر تكاتمه … إلا وقد أظهرته بعد إخفاء
أبدت طرائف شتى من زواهرها … حمراً وصفراً وكل نبت غبراء
أيُّ مسرح للفكر! وأي مجال للخيال! وأي مراد للطرف!
دنيا معاش للورى حتى إذا … جاء الربيع فإنما هي منظر!
وفي أرجواني من النور أحمر … يشاب يا فرند من الروض أخضر
إذا ما الندى وافاه صبحاً تمايلت … أعليه من در نثير وجوهر
إذا قابلته الشمس رد ضياءها … عليها صقال الأقحوان المنور
والطير مغردات كأن أصواتها ذوب هذه الألوان، وكأن ألوان الروض جمد هذه الألحان. يهتز الطائر الغريد على الغصن الأملود فيقرأ ما تحته من صفحات الجمال، كأنما الطير إبر الحاكيات تنطق بما تضمنت الصفحات من نغمات - والعصفور مرح تتداوله الأغصان، وتتهاداه الأفنان، تارة في انتزاء، بين الأرض والسماء، وتارة تغيبه الحديقة، كأنه في هذا الجمال فكرة دقيقة. صغير تملأ الهواء نغماته، وضئيل تشغل الجو خفقاته
والفراش قلق بين النوار، هائم بين الأزهار، لا يقر له قرار، كأن كل فراشة زهرة طائرة، أو قبلة بين الأزهار حائرة، أو نغمة في جمال الروض سائرة!
والشعراء ينافسون الطير على الأيك طرباً وتغريداً، وفي المرح تسبيحاً وتحميدا. تنبجس
стр. 7422
في جوانحهم ينابيع البيان، وتتفتح سرائرهم عن أزهار الشعر. ففي كل قلب ربيع، ومن كل قصيدة روض، وفي كل معنى وردة، وعلى كل قافية نغمة
هكذا تفيض الحياة على الجماد والنبات والحيوان، وينتظم الجمال الخليقة والإنسان، كأنما العالم كله فكرة واحدة، أو قصيدة خالدة!
ذلكم الربيع الذي فتن الناس فافتنوا في وصفه، والإبانة عن محاسنه، والإشادة بذكره، والاحتفال بمقدمه. فاتخذته الأمم على اختلاف المذاهب عيداً، ومجدته بشتى الوسائل تمجيداً، وأولع به الشعراء في كل قبيل، ولم يخل من المفتونين به جيل
والناس في مصر ربيع دائم، من أرضهم وسمائهم، وزرعهم ونيلهم. فهم لا يحسون مقدم الربيع إلا قليلاً. ولو أنهم عرفوا كلب الشتاء، وانجماد الهواء، وقشعريرة الأرض، وقسوة السماء، ورأوا كيف تموت الطبيعة في زمن، وتلتف من الثلج في كفن
وقد غاب في الثلج الربيع وحسنه … كما اكتن في بيض فراخ الطواوس
ثم شهدوا كيف يأتي الربيع فيكهرب كل ذرة، ويفيض كل عين ثرة، ويخلق كل نضرة، لاحتفوا بالربيع احتفاء غيرهم، وعرفوا فيه النشور بعد الموت.
على أن للربيع في مصر دقائق يسر لها الإنسان، وشيات أبصرها الشعراء في كل زمان
جاء الربيع فليت في كل قلب من صفائه قطرة، وفي كل نفس من جماله زهرة، وفي كل خلق من عبيره نفخة، لتعمر النفوس بمعاني الحياة، وتستنير بأشعة الجمال، ويسكن الناس إلى السعادة حيناً، وينسوا أساليب العداوة والبغضاء زمناً. وليت الناس جروا مع الحياة طلقها، ولم يفسدوا على الطبيعة خلقها، فأنبت الربيع في كل قسوة رحمة، وفي كل يأس أملاً، وفي كل حزن سروراً، وفي كل ظلام نوراً، ليتهم اجتمعوا على ورد الحياة متصافين، كما ترف على جداول الربيع الرياحين
(ولكن الإنسان قد حاول بادعائه وكبريائه أن يكون عالماً بذاته، فكان نشوزاً في نغم الكون ونفوراً في نظام العالم! فلو أنه اقتصد في تصنعه وائتلف كما كان بالطبيعة، لا تحد الآن مع الربيع فشعر بتدفق الحياة في جسمه، وإشراق الصفاء في نفسه، وانبثاق الحب في قلبه، وأحسن أنه هو في وقت واحد زهرة تفوح، وخضرة تروق، وطائر يشدو، وطلاقة تفيض على ما حولها البشر والبهجة!)
стр. 7423
(وبعد فان لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة رسالة بليغة تؤديها إلى النفوس الشاعرة والفطر السليمة، فليت شعري أية رسالة يحملها الربيع إلى ذوي القلوب الواعية منا؟
قابل أيها القارئ بين الشتاء والربيع، بين رقدة الطبيعة ونهضتها، وإن شئت فبين موتها ونشورها، فستجد هذه الدورة على قصر أمرها قد تضمنت حكمة الحياة كلها. والى هذه الحقيقة يشير الربيع في رسالته إلى الناس!
عبد الوهاب عزام
стр. 7424
بين خروفين
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
اجتمع ليلة الأضحى خروفان من أضاحي العيد، فتكلما؛ فماذا يقولان؟
هذا هو الموضوع الذي استخرجه لي أصغر أولادي (الأستاذ) عبد الرحمن، وسألني أن أكتب فيه للرسالة، وهو أصغر قرائها سنا ترف عليه النسمة الثالثة عشرة من ربيع حياته - بارك الله لها فيها حاضرة ومقبلة
ولأستاذنا هذا كلمة هي شعاره الخاص به في الحياة، يحفظها لتحفظه، فلا يميل عن مدرجتها، ولا يخرج من معناها؛ وهي هذه الكلمة العربية: (كالفرس الكريم في ميعة حضره، كلما ذهب منه شوط جاء شوط).
فهو يعلم من هذا أن كرم الأصل في كرم الفعل، ولا يغني شيء منهما عن شيء؛ وأن الدم الحر الكريم يكون مضاعف القوة بطبيعته، عظيم الأمل بهذه القوة المضاعفة، نزاعاً إلى السبق بمقدار أمله العظيم، مترفعاً عن الضعف والهوينا بهذا النزوع، متميزاً في نبوغ عمله وإبداعه باجتماع هذه الخصال فيه على أتمها وأحسنها. فمن ثم لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله، فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة ومبلغ القدرة، مستمداً قوة بعد قوة، محققاً السحر القادر الذي في نفسه، متلقياً منه وسائل الإعجاز في أعماله، مرسلا في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم، تثبت لكل ذي عينين أنه النجم لا شيء آخر
ولما قدم إلى (الأستاذ) موضوعه في هذا الوزن المدرسي
- وأظنه قد نزعته حاجته مدرسية إليه - قلت: حباً وكرامة. وهاأنذا أكتبه منبعثاً فيه (كالفرس الكريم في ميعة حضره). . . ولعل الأستاذ حين يقرؤه لا يثور فيه علامات كثيرة بقلمه الأحمر. . .!
اجتمع ليلة الأضحى خروفان من الأضاحي في دارنا: أما أحدهما فكبش أقرن، يحمل على رأسه من قرنيه العظيمين شجرة السنين، وقد انتهى سمنه حتى ضاق جلده بلحمه، وسح بدنه بالشحم سحاً، فإذا تحرك خلته سحابة يضطرب بعضها في بعض، ويهتز شيء منها في شيء؛ وله وافرة يجرها خلفه جراً، فإذا رأيتها من بعيد حسبتها حملا يتبع أباه؛ وهو
стр. 7425
أصوف، قد سبغ صوفه واستكثف وترا كم عليه؛ فإذا مشى تبختر فيه تبختر الغانية في حلتها، كأنما يشعر مثل شعورها أنه يلبس مسرات جسمه لا ثوب جسمه؛ وهو من اجتماع قوته وجبروته أشبه بالقلعة يعلوها من هامته كالبرج الحربي فيه مدفعان بارزان. وتراه أبدا مصعراً خده كأنه أمير من الأبطال، إذا جلس حيث كان شعر أنه جالس في أمره ونهيه، لا يخرج أحد من نهيه ولا أمره
وأما الآخر فهو جذع في رأس الحول الأول من مولده، لم يدرك بعد أن يضحى، ولكن جيء به للقرم إلى لحمه الغض؛ فالأول أضحية وهذا أكولة؛ وذاك يتصدق بلحمه كله على الفقراء، وهذا يتصدق بثلثيه ويبقى الثلث طعاماً لأهل الدار
وكان في لينه وترجرجه وظرف تكوينه ومرح طبعه، كأنما يصور المرأة آنسة رقيقة متوددة. أما ذاك الضخم العاتي المتجبر الشامخ، فهو صورة الرجل الوحشي أخرجته الغابة التي تخرج الأسد والحية وجذوع الدوحة الضخمة، وجعلت فيه من كل شيء منها شيئاً يخاف يتقي
وكان الجذع يثغو لا ينقطع ثغاؤه، فقد أخذ من قطيعه انتزاعاً فأحس الوحشة وتنبهت فيه غريزة الخوف من الذئب، فزادته إلى الوحشة قلقاً واضطراباً؛ وكان لا يستطيع أن ينفلت، فهو كأنما يهرب في الصوت ويعدو فيه عدوا
أما الكبش فيرى مثل هذا مسبة لقرنيه العظيمين، وهو إذا كان في القطيع كان كبشه وحاميه والمقدم فيه، فيكون القطيع معه وفي كنفه ولا يكون هو عند نفسه مع القطيع؛ فإذا فقد جماعته لم يكن في منزلة المنتظر أن يلحق بغيره ليحتمي به فيقلق ويضطرب، ولكنه في منزلة المرتقب أن يلحق به غيره طلباً لحمايته وذماره، فهو ساكن رابط الجأش مغتبط النفس، كأنما يتصدق بالانتظار. . .
فلما أدبر النهار وأقبل الليل، جيء للخروفين بالكلأ من هذا البرسيم يعتلفانه، فأحس الكبش أن في الكلأ شيئاً لم يدر ما هو، وانقبضت نفسه لما كانت تنبسط إليه من قبل، وعرته كآبة من روحه، كأنما أدركت هذه الروح أنه آخر رزقه على الأرض، فانكسر وظهر على وجهه معنى الذبح قبل أن يذبح، وعاف أن يطعم، ورجع كأول فطامه عن أمه لا يعرف كيف يأكل، ولا يتناول من أكله إلا أدنى تناول
следующие страницы →