Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
ورد الربيع!
للدكتور عبد الوهاب عزام
دار الفلك دورته، وعاد سيرته، فسرت في أعصاب الأرض هزة الحياة، وتفجرت عروقها بالمياه، وسالت قمم الجبال جداول وأنهاراً، واشتعلت الأرض أزهاراً وأشجاراً
تبرجت بعد حياء وخفر … تثنى على الله بآلاء المطر
صرحت الأرض بمكنونها، وأبانت الحياة عن ضميرها، فنبتت معاني الحياة والجمال، في ألفاظ من الأوراق والنوار
باح الربيع البساتين … وعطر النفس أنفاس الرياحين
ونفخت أنفاس الربيع الحرى الحياة في كل ذرة، فأخرجت قواها أعشاباً وأزهاراً، فرقتها ألوان، وألفَّتها معان
لم يبق للأرض من سر تكاتمه … إلا وقد أظهرته بعد إخفاء
أبدت طرائف شتى من زواهرها … حمراً وصفراً وكل نبت غبراء
أيُّ مسرح للفكر! وأي مجال للخيال! وأي مراد للطرف!
دنيا معاش للورى حتى إذا … جاء الربيع فإنما هي منظر!
وفي أرجواني من النور أحمر … يشاب يا فرند من الروض أخضر
إذا ما الندى وافاه صبحاً تمايلت … أعليه من در نثير وجوهر
إذا قابلته الشمس رد ضياءها … عليها صقال الأقحوان المنور
والطير مغردات كأن أصواتها ذوب هذه الألوان، وكأن ألوان الروض جمد هذه الألحان. يهتز الطائر الغريد على الغصن الأملود فيقرأ ما تحته من صفحات الجمال، كأنما الطير إبر الحاكيات تنطق بما تضمنت الصفحات من نغمات - والعصفور مرح تتداوله الأغصان، وتتهاداه الأفنان، تارة في انتزاء، بين الأرض والسماء، وتارة تغيبه الحديقة، كأنه في هذا الجمال فكرة دقيقة. صغير تملأ الهواء نغماته، وضئيل تشغل الجو خفقاته
والفراش قلق بين النوار، هائم بين الأزهار، لا يقر له قرار، كأن كل فراشة زهرة طائرة، أو قبلة بين الأزهار حائرة، أو نغمة في جمال الروض سائرة!
والشعراء ينافسون الطير على الأيك طرباً وتغريداً، وفي المرح تسبيحاً وتحميدا. تنبجس
стр. 7422
في جوانحهم ينابيع البيان، وتتفتح سرائرهم عن أزهار الشعر. ففي كل قلب ربيع، ومن كل قصيدة روض، وفي كل معنى وردة، وعلى كل قافية نغمة
هكذا تفيض الحياة على الجماد والنبات والحيوان، وينتظم الجمال الخليقة والإنسان، كأنما العالم كله فكرة واحدة، أو قصيدة خالدة!
ذلكم الربيع الذي فتن الناس فافتنوا في وصفه، والإبانة عن محاسنه، والإشادة بذكره، والاحتفال بمقدمه. فاتخذته الأمم على اختلاف المذاهب عيداً، ومجدته بشتى الوسائل تمجيداً، وأولع به الشعراء في كل قبيل، ولم يخل من المفتونين به جيل
والناس في مصر ربيع دائم، من أرضهم وسمائهم، وزرعهم ونيلهم. فهم لا يحسون مقدم الربيع إلا قليلاً. ولو أنهم عرفوا كلب الشتاء، وانجماد الهواء، وقشعريرة الأرض، وقسوة السماء، ورأوا كيف تموت الطبيعة في زمن، وتلتف من الثلج في كفن
وقد غاب في الثلج الربيع وحسنه … كما اكتن في بيض فراخ الطواوس
ثم شهدوا كيف يأتي الربيع فيكهرب كل ذرة، ويفيض كل عين ثرة، ويخلق كل نضرة، لاحتفوا بالربيع احتفاء غيرهم، وعرفوا فيه النشور بعد الموت.
على أن للربيع في مصر دقائق يسر لها الإنسان، وشيات أبصرها الشعراء في كل زمان
جاء الربيع فليت في كل قلب من صفائه قطرة، وفي كل نفس من جماله زهرة، وفي كل خلق من عبيره نفخة، لتعمر النفوس بمعاني الحياة، وتستنير بأشعة الجمال، ويسكن الناس إلى السعادة حيناً، وينسوا أساليب العداوة والبغضاء زمناً. وليت الناس جروا مع الحياة طلقها، ولم يفسدوا على الطبيعة خلقها، فأنبت الربيع في كل قسوة رحمة، وفي كل يأس أملاً، وفي كل حزن سروراً، وفي كل ظلام نوراً، ليتهم اجتمعوا على ورد الحياة متصافين، كما ترف على جداول الربيع الرياحين
(ولكن الإنسان قد حاول بادعائه وكبريائه أن يكون عالماً بذاته، فكان نشوزاً في نغم الكون ونفوراً في نظام العالم! فلو أنه اقتصد في تصنعه وائتلف كما كان بالطبيعة، لا تحد الآن مع الربيع فشعر بتدفق الحياة في جسمه، وإشراق الصفاء في نفسه، وانبثاق الحب في قلبه، وأحسن أنه هو في وقت واحد زهرة تفوح، وخضرة تروق، وطائر يشدو، وطلاقة تفيض على ما حولها البشر والبهجة!)
стр. 7423
(وبعد فان لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة رسالة بليغة تؤديها إلى النفوس الشاعرة والفطر السليمة، فليت شعري أية رسالة يحملها الربيع إلى ذوي القلوب الواعية منا؟
قابل أيها القارئ بين الشتاء والربيع، بين رقدة الطبيعة ونهضتها، وإن شئت فبين موتها ونشورها، فستجد هذه الدورة على قصر أمرها قد تضمنت حكمة الحياة كلها. والى هذه الحقيقة يشير الربيع في رسالته إلى الناس!
عبد الوهاب عزام
стр. 7424
بين خروفين
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
اجتمع ليلة الأضحى خروفان من أضاحي العيد، فتكلما؛ فماذا يقولان؟
هذا هو الموضوع الذي استخرجه لي أصغر أولادي (الأستاذ) عبد الرحمن، وسألني أن أكتب فيه للرسالة، وهو أصغر قرائها سنا ترف عليه النسمة الثالثة عشرة من ربيع حياته - بارك الله لها فيها حاضرة ومقبلة
ولأستاذنا هذا كلمة هي شعاره الخاص به في الحياة، يحفظها لتحفظه، فلا يميل عن مدرجتها، ولا يخرج من معناها؛ وهي هذه الكلمة العربية: (كالفرس الكريم في ميعة حضره، كلما ذهب منه شوط جاء شوط).
فهو يعلم من هذا أن كرم الأصل في كرم الفعل، ولا يغني شيء منهما عن شيء؛ وأن الدم الحر الكريم يكون مضاعف القوة بطبيعته، عظيم الأمل بهذه القوة المضاعفة، نزاعاً إلى السبق بمقدار أمله العظيم، مترفعاً عن الضعف والهوينا بهذا النزوع، متميزاً في نبوغ عمله وإبداعه باجتماع هذه الخصال فيه على أتمها وأحسنها. فمن ثم لا يرمي الحر الكريم إلا أن يبلغ الأمد الأبعد في كل ما يحاوله، فلا يألو أن يبذل جهده إلى غاية الطاقة ومبلغ القدرة، مستمداً قوة بعد قوة، محققاً السحر القادر الذي في نفسه، متلقياً منه وسائل الإعجاز في أعماله، مرسلا في نبوغه من توهج دمه أضواء كأضواء النجم، تثبت لكل ذي عينين أنه النجم لا شيء آخر
ولما قدم إلى (الأستاذ) موضوعه في هذا الوزن المدرسي
- وأظنه قد نزعته حاجته مدرسية إليه - قلت: حباً وكرامة. وهاأنذا أكتبه منبعثاً فيه (كالفرس الكريم في ميعة حضره). . . ولعل الأستاذ حين يقرؤه لا يثور فيه علامات كثيرة بقلمه الأحمر. . .!
اجتمع ليلة الأضحى خروفان من الأضاحي في دارنا: أما أحدهما فكبش أقرن، يحمل على رأسه من قرنيه العظيمين شجرة السنين، وقد انتهى سمنه حتى ضاق جلده بلحمه، وسح بدنه بالشحم سحاً، فإذا تحرك خلته سحابة يضطرب بعضها في بعض، ويهتز شيء منها في شيء؛ وله وافرة يجرها خلفه جراً، فإذا رأيتها من بعيد حسبتها حملا يتبع أباه؛ وهو
стр. 7425
أصوف، قد سبغ صوفه واستكثف وترا كم عليه؛ فإذا مشى تبختر فيه تبختر الغانية في حلتها، كأنما يشعر مثل شعورها أنه يلبس مسرات جسمه لا ثوب جسمه؛ وهو من اجتماع قوته وجبروته أشبه بالقلعة يعلوها من هامته كالبرج الحربي فيه مدفعان بارزان. وتراه أبدا مصعراً خده كأنه أمير من الأبطال، إذا جلس حيث كان شعر أنه جالس في أمره ونهيه، لا يخرج أحد من نهيه ولا أمره
وأما الآخر فهو جذع في رأس الحول الأول من مولده، لم يدرك بعد أن يضحى، ولكن جيء به للقرم إلى لحمه الغض؛ فالأول أضحية وهذا أكولة؛ وذاك يتصدق بلحمه كله على الفقراء، وهذا يتصدق بثلثيه ويبقى الثلث طعاماً لأهل الدار
وكان في لينه وترجرجه وظرف تكوينه ومرح طبعه، كأنما يصور المرأة آنسة رقيقة متوددة. أما ذاك الضخم العاتي المتجبر الشامخ، فهو صورة الرجل الوحشي أخرجته الغابة التي تخرج الأسد والحية وجذوع الدوحة الضخمة، وجعلت فيه من كل شيء منها شيئاً يخاف يتقي
وكان الجذع يثغو لا ينقطع ثغاؤه، فقد أخذ من قطيعه انتزاعاً فأحس الوحشة وتنبهت فيه غريزة الخوف من الذئب، فزادته إلى الوحشة قلقاً واضطراباً؛ وكان لا يستطيع أن ينفلت، فهو كأنما يهرب في الصوت ويعدو فيه عدوا
أما الكبش فيرى مثل هذا مسبة لقرنيه العظيمين، وهو إذا كان في القطيع كان كبشه وحاميه والمقدم فيه، فيكون القطيع معه وفي كنفه ولا يكون هو عند نفسه مع القطيع؛ فإذا فقد جماعته لم يكن في منزلة المنتظر أن يلحق بغيره ليحتمي به فيقلق ويضطرب، ولكنه في منزلة المرتقب أن يلحق به غيره طلباً لحمايته وذماره، فهو ساكن رابط الجأش مغتبط النفس، كأنما يتصدق بالانتظار. . .
فلما أدبر النهار وأقبل الليل، جيء للخروفين بالكلأ من هذا البرسيم يعتلفانه، فأحس الكبش أن في الكلأ شيئاً لم يدر ما هو، وانقبضت نفسه لما كانت تنبسط إليه من قبل، وعرته كآبة من روحه، كأنما أدركت هذه الروح أنه آخر رزقه على الأرض، فانكسر وظهر على وجهه معنى الذبح قبل أن يذبح، وعاف أن يطعم، ورجع كأول فطامه عن أمه لا يعرف كيف يأكل، ولا يتناول من أكله إلا أدنى تناول
стр. 7426
وكأنما جثم الظلام على شحمه ولحمه؛ فانه متى ثقل الهم على نفس من الأنفس ثقل على ساعتها التي تكون فيها، فتطول كآبتها ويطول وقتها جميعاً.
فأراد الكبش أن يتفرج مما به؛ وينفس عن صدره شيئاً، وكان الصغير قد أنس إلى المكان والظلمة، وأقبل يعتلف ويخضم الكلأ، فقال له الكبش: أراك فارهاً يا ابن أخي، كأنك لا تجد ما أجد؛ إني والله أعلم علماً لا تعلمه، وإني لأحس أن القدر طريقة علينا في هذه الليلة، فهو مصبحنا ما من ذلك بد
قال الصغير: أتعني الذئب؟
قال: ليته هو، فأنا لك به لو أنه الذئب؛ إن صوفي هذا درع من أظافره، وهو كالشبكة ينشب فيها الظفر ولا يتخلص، ومن قرني هذين ترس ورمح، فأنا واثق من إحراز نفسي في قتاله، ومن أحرز نفسه من عدوه فذاك قتل عدوه، فان لم يقتله فقد غاظه بالهزيمة، وذاك عند الأبطال فن من القتل.
وهذا القرن الملتف الأعقد المذرب كالسنان، لا يكاد يراه الذئب حتى يعلم أنه حاطمة عظامه، فيحدث له من الفزع ما تنحل به قوته، فما يواثبني إلا متخاذلاً، ولا يقدم على إلا توهم الذئبية للخروفية، فان أساس القوة والضعف كليهما في السوس والطبيعة، غبر أنه لا يعلم أني خرجت من الخروفية إلى الجاموسية. . .!
فما يعلمه ذلك إلا بقر بطنه أو التطويح به من فوق هذا القرن، أقذفه قذفه عالية تلقيه من حالق، فتدق عظامه وتحطم قوائمه!
قال الصغير: فماذا تخشى بعد الذئب؟ إن كانت العصا فهي إنما تضرب منك الصوف لا الظهر
قال الكبش: ويحك! وأي خروف يخشى العصا؟ وهي إنما تكون عصا من يعلفه ويرعاه، فهي تنزل عليه كما تنزل على ابن آدم أقدار ربه، لا حطماً ولكن تأديباً أو إرشاداً أو تهويلاً؛ ومن قبلها النعمة وتكون معها النعمة وتجيء بعدها النعمة؛ أفبلغ الكفر منا ما يبلغ كفر الإنسان بنعمة ربه؛ إذا أنعم عليه أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر انطلق ذا صراخ عريض؟
وكيف تراني (ويحك) أخشى الذئب أو العصا، وأنا من سلالة الكبش الأسدي؟
стр. 7427
قال الصغير: وما الكبش الأسدي، وكيف علمت أنك من نجله، ولا علم لي أنا إلا هذا الكلأ والعلف والماء، والمراح والمغدى؟
قال الكبش: لقد أدركت أمي وهي نعجة قحمة كبيرة، وأدركت معها جدتي وقد أفرط عليها الكبر حتى ذهب فمها، وأدركت معهما جدي وهو كبش هرم متقدد أعجف كأنه عظام مغطاة، فعن هؤلاء أخذت ورويت وحفظت
حدثتني أمي، عن أبيها، عن أبيه، قالت: إن فخر جنسنا من الغنم يرجع إلى كبش الفداء الذي فدى الله به إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وكان كبشاً أبيض أقرن أعين، اسمه حرير
(قال). واعلم يا ابن أخي أن مما انفردت أنا به من العلم فلم يدركه غيري، أن جدنا هذا كان مكسواً بالحرير لا بالصوف، فلذلك سمي حريراً. . . (قالت أمي): والمحفوظ عند علمائنا أن ذاك هو الكبش الذي قربه هابيل حين قتل أخاه لتم البلية على هذه الأرض بدم الإنسان والحيوان معاً (قالوا): فتقبل منه وأرسل الكبش إلى الجنة فبقي يرعى فيها حتى كان اليوم الذي هم فيه إبراهيم أن يذبح ابنه تحقيقاً لرؤيا النبوة، وطاعة لما ابتلى به من ذلك الامتحان، وليثبت أن المؤمن بالله إذا قوى إيمانه لم يجزع من أمر الله ولو جر السكين على عنق ابنه، وهو إنما يجرها على ابنه وعلى قلبه!
(قالت) فهذا هو فخر جنسنا كله
أما فخر سلالتي أنا، فذاك ما حدثتني به جدتي، ترويه عن أبيها عن جدها، وذاك حين توسمت في مخايل البطولة، ورجت أن أحفظ التاريخ. قالت: إن أصلنا من دمشق، وإنه كان في هذه المدينة رجل سباع، قد اتخذ شبل أسد فرباه وراضه حتى كبر، وصار يطلب الخيل، وتأذي به الناس، فقيل للأمير: هذا السبع قد آذى الناس، والخيل تنفر منه وتجد من ريحه ريح الموت، وهو ما يزال رابضاً ليله ونهاره على سدة بالقرب من دارك. فأمر فجاء به السباع وأدخله إلى القصر، ثم أمر بخروف مما اتخذ في مطبخه للذبح، وأدخلوه إلى قاعة، وجاء السباع فأطلق الأسد عليه، واجتمعوا يرون كيف يسطو به ويفترسه
قالت جدتي: فحدثني أبي، قال: حدثني جدك: أن السباع أطلق الأسد من ساجوره وأرسله، فكانت المعجزة التي لم يفز بها خروف ولم تؤثر قط إلا عن جدنا، فانه حسب الأسد خروفاً
стр. 7428
أجم لا قرون له، ورأى دقة خصره، وضمور جنبيه، ورأى له ذيلاً كالألية المفرغة الميتة، فظنه من مهازيل الغنم التي قتلها الجدب، وكان هو شبعان ريان، فما كذب أن حمل على الأسد ونطحه، فانهزم السبع مما أذهله من هذه المفاجأة، وحسب جدنا سبعاً قد زاده الله أسلحة من قرنيه، فاعتراه الخوف وأدبر لا يلوى. وطمع جدنا فيه فاتبعه، وما زال يطارده وينطحه، والأسد يفر من وجهه ويدور حول البركة، والقوم قد غلبهم الضحك، والأمير ما يملك نفسه إعجاباً وفخراً بجدنا فقال: هذا سبع لئيم، خذوه فأخرجوه، ثم اذبحوه، ثم اسلخوه. فأخذ الأسد وذبح، وأعتق جدنا من الذبح، وكان لنا في تاريخ الدنيا إنسانها وحيوانها أثران عظيمان، فجدنا الأول كان فداء لابن نبي، وجدنا الثاني كان الأسد فداءه!
قال الصغير للكبش: قلت: الذبح، والفداء من الذبح؛ فما الذبح؟
قال الكبش: هذه السنة الجارية بعد جدنا الأعظم، وهي الباقية آخر الدهر؛ فينبغي لكل منا أن يكون فداء لابن آدم! قال الصغير: أبن آدم هذا الذي يخدمنا ويحتز لنا الكلأ، ويقدم لنا العلف، ويمشي وراءنا فنسحبه إلى هنا وههنا. . .؟
تالله ما أظن الدنيا إلا قد انقلبت، أو لا، فأنت يا أخا جدي. . .
قد كبرت وخرفت!
قال الكبش: ويحك يا أبله! متى تتحلل هذه العقدة التي في عقلك؟ انك لو علمت ما أعلم لما اطمأنت بك الأرض، ولرجعت من القلق والاضطراب كحجة القمح في غربال يهتز وينتفض!
قال الصغير: أتعني ذلك الغربال وذلك القمح وما كان في القرية، إذ تناولت ربة الدار غربالها تنفض به قمحها، فغافلتها ونطحت الغربال فانقلب عن يدها وانتثر الحب، فأسرعت فيه التقاطاً حتى ملأت فمي قبل أن تزيحني المرأة عنه؟
فهز الكبش رأسه فعل من يريد الابتسام ولا يستطيعه، وقال: أرأيت حانوت القصاب ونحن نمر اليوم في السوق؟
قال: وما حانوت القصاب؟
قال: أرأيت ذلك السليخ من الغنم البيض المعلقة في تلك المعالق لا جلد عليها ولا صوف وليس لها أرؤس ولا قوائم؟
стр. 7429
قال الصغير وما ذاك السليخ؟ إنه إن صح ما حدثتني به عن أمك، فهذه غنم الجنة، تبيت ترعى هناك ثم تجيء إلى الأرض مع الصبح، وإني لمترقب شمس الغد، لأذهب فأراها وأملأ عيني منها
قال: اسمع أيها الأبله! إن شمس الغد ستشعر بها من تحتك لا من فوقك. . .! لقد رأيت أخي مذ كنت جذعاً مثلك؛ ورأيت صاحبنا الذي كان يعلفه ويسمنه، قد أخذه، فاضطجعه، فجثم على صدره شراً من الذئب، وجاء بشفرة بيضاء لامعة، فجرها على حلقه، فإذا دمه يشخب ويتفجر، وجعل المسكين ينتفض ويدحص برجله، ثم سكن وبرد؛
فقام الرجل ففصل عنقه، ثم نخس في جلده ونفخه حتى تطبل وذرجع كالقربة التي رأيتها في القرية مملوءة ماء فحبستها أمك؛ ثم شق فيه شقاً طويلاً. ثم أدخل يده بين الجلد والصفاق، ثم كشطه وسحف الشحم عن جنبيه، فعاد المسكين أبيض لا جلد له ولا صوف عليه، ثم بقر بطنه وأخرج ما فيها، ثم حطم قوائمه، ثم شده فعلقه فصار سليخاً كغنم الجنة التي زعمت! وهذا - أيها الأبله - هو الذبح والسلخ!
قال الصغير: وما الذي أحدث هذا كله؟
قال: الشفرة البيضاء التي يسمونها السكين!
قال الصغير: فقد كانت الشفرة عن حلقه حيال فمه؛ فلماذا لم ينتزعها فيأكلها؟
قال الكبش: أيها الأبله الذي لا يعلم شيئاً ولا يحفظ شيئاً، لو كانت خضراء لأكلها!
قال: وما خطب أن تجيء الشفرة على العنق، أفلم يكن الحبل في عنقك أنت فجعلت تجاذب فيه الرجل حتى أعييته، ولولا أني مشيت أمامك لما انقدت له؟
قال الكبش: ما أدري كيف أفهمك إن هذا كله سيجري عليك، فسترى أموراً تنكرها، فتعرف ما الذبح والسلخ، ثم تصير أشلاء في القدور تضرم عليها النار، فيأكلك ابن آدم كما تأكل أنت هذا الكلأ. . .!
قال الصغير: وماذا علي أن يأكلني ابن آدم، ألا تراني آكل العشب، فهل سمعت عوداً منه يقول: الرجل والسكين، والذبح والسلخ. . .؟
قال الكبش في نفسه: لعمري إن قوة الشباب في الشباب أقوى من حكمة الشيوخ في الشيوخ، وما نفع الحكمة إذا لم تكن إلا رأياً ليس له ما يمضيه، كرأي الشيخ الفاني؛ يرى
стр. 7430
بعقله الصواب حين يكون جسمه هو الخطأ مركباً في ضعفه غلطة على غلطة لا عضواً على عضو. .؟ وهل الرأي الصحيح للعالم الذي نعيش فيه إلا بالجسم الذي نعيش به؛ وما جدوى أن يعرف الكبير حكمة الموت، وهو من الضعف بحيث تنكسر نفسه للمرض الهين، فضلاً عن المرض المعضل، فضلاً عن المرض المزمن، فضلاً عن الموت نفسه؛ وما خطر أن يجهل الشباب تلك الحكمة، وهو من قوة النفس بحيث لا يبالي الموت، فضلاً عن المرض؟
لو أذن الشباب من الفتيان بيوم انقطاع أجله، وعلم أنه مصبحه أو ممسيه، لأمدته نفسه بأرواح السنين الطويلة حتى ليرى أن صبح الغد كأنما يأتي من وراء ثلاثين أو أربعين سنة، فما يتبينه إلا كالفكر المنسي مضى عليه ثلاثون سنة أو أربعون. ولو أذن الشيخ بيوم مصرعه، وأيقن أن له مهلة إلى تمام الحول، لطار به الذعر واستفرغهالوجل من ساعته ورأى يومه البعيد أقرب إليه من الصبح. وابتلته طبيعة جسمه المختل بالوساوس الكثيرة، تجتلبها له كما تجتلب الرياح صدوع المنزل الخرب. فذاك بالشباب يقبض على الزمن، فيعيش في اليوم القصير مثل العام رخياً ممدوداً، فهو رابط جلد؛ وهذا بالكبر يقبض الزمن عليه، فيعيش في العام الطويل مثل اليوم متلاحقاً آخره بأوله، فهو قلق طائر. ولا طبيعة للزمن إلا طبيعة الشعور به، ولا حقيقة للأيام إلا ما تضعه النفس في الأيام
ثم إن الكبش نظر فرأى الصغير قد أخذته عينه واستثقل نوماً، فقال هنيئاً لمن كان فيه سر الأيام الممدودة. إن هذا السر هو كسر النبات الأخضر، لا يقطع من ناحية إلا ظهر من غيرها ساخراً هازئاً، قائلاً على المصائب: هاأنذا. .
فهذا الصغير ينام ملء عينيه والشفرة محدودة له، والذبح بعد ساعات قليلة؛ كأنما هو في زمنين أحدهما من نفسه، فبه ينام، وبه يلهو، وبه يسخر من الزمن الآخر وما فيه وما يجلبه
إن الألم هو فهم الألم لا غير. فما أقبح علم العقل إذا لم يكن معه جهل النفس به وإنكارها إياه. حسب العلم والعلماء في السخرية بهم وبه هذه الحقيقة من النفس. أنا لو ناطحت كبشاً من قروم الكباش، ووقفت أفكر وأدبر وأتأمل، وأعتبر شيئاً بشيء - ذهب فكري بقوتي واسترخى عصبي وتحلل غضبي كله وكان العلم وبالاً علي؛ فإن حاجتي حينئذ إلى الروح وقواها وأسبابها أضعاف حاجتي إلى العلم. والروح لا تعرف شيئاً اسمه الموت، ولا شيئاً
стр. 7431
اسمه الوجع؛ وإنما تعرف حظها من اليقين، وهدوءها بهذا الحظ، واستقرارها مؤمنة ما دامت هادئة مستيقنة
وقد والله صدق هذا الجذع الصغير؛ فما على أحدنا أن يأكله الإنسان. وهل أكلناه نحن هذا العشب، وأكل الإنسان إيانا، وأكل الموت للإنسان - هل كل ذلك إلا وضع للخاتمة في شكل من أشكالها؟
يشبه والله إن أنا احتججت على الذبح واغتممت له أن أكون كخروف أحمق لا عقل له، فظن إطعام الإنسان إياه من باب إطعامه ابنه وابنته وامرأته ومن تجب عليه نفقته! وهل أوجب نفقتي على الإنسان إلا لحمي؟ فإذا استحق له فلعمري ما ينبغي لي أن أزعم أن ظلمني اللحم إلا إذا أقررت على نفسي بدياً أني أنا ظلمته العلف وسرقته منه
كل حي فإنما هو شيء للحياة أعطيها على شرطها، وشرطها أن تنتهي؛ فسعادته في أن يعرف هذا ويقرر نفسه عليه حتى يستيقنه كما يستيقن أن المطر أول فصل الكلأ الأخضر. فإذا فعل وأيقن واطمأن، جاءت النهاية متممة له لا ناقصة إياه، وجرت مع العمر مجرى واحداً وكان قد عرفها وأعد لها. أما إذا حسب الحي أنه شيء في الحياة، وقد أعطيها على شرطه هو، من توهم الطمع في البقاء والنعيم، فكل شقاء الحي في وهمه ذاك وفي عمله على هذا الوهم؛ إذ لا تكون النهاية حينئذ في مجيئها إلا كالعقوبة أنزلت بالعمر كله، وتجيء هادمة منغصة، ويبلغ من تنكيدها أن تسبقها آلامها؛ فتؤلم قبل أن تجيء، شراً مما تؤلم حين تجيء!
لقد كان جدي والله حكيماً يوم قال لي: إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش معداً لها؛ فإن كان معداً لها عاش راضياً بها، فإن عاش راضياً بها كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه مادام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل. قال لي جدي: والإنسان وحده هو التعس الذي يحاول طرد نهايته، فيشقى شقاء الكبش الأخرق الذي يريد أن يطرد الليل، فيبيت ينطح الظلمة المتدجية على الأرض، وهو لحمقه يظن أنه ينطح الليل بقرنيه ويزحزحه. . .!
وكم قال لي ذلك الجد الحكيم وهو يعظني: إن الحيوان منا إذا جمع على نفسه هماً واحداً
стр. 7432
صار بهذا الهم إنساناً تعساً شقياً، يعطي الحياة فيقلبها بنفسه على نفسه شيئاً كالموت، أو موتاً بلا شيء. . .!
وتحرك الصغير من نومه، فقال له الكبش: إنه ليقع في قلبي أن الساعة كنت في شأن عظيم، فما بالك منتفخاً وأنت ههنا في المنحر لا في المرعى!
قال الصغير: يا أخا جدي. . . لقد تحققت أنك هرمت وخرفت، وأصبحت تمج اللعاب والرأي. . .!
قال الكبش: فما ذاك ويلك؟
قال: إنك قلت: إن هذا الإنسان غاد علينا بالشفرة البيضاء، ووصفت الذبح والسلخ والأكل؛ وأنا الساعة قد نمت فرأيت فيما أرى، أنني نطحت ذلك الرجل الذي جاء بنا إلى هنا، وهجت به حتى صرعته، ثم إني أخذت الشفرة بأسناني، فثلمته في نحره حتى ذبحته، ثم افتلذت منه مضغة فلكتها في فمي؛ فما عرفت والله فيما عرفت لحناً ولا عفناً في الكلأ هو أقبح مذاقاً منها
إن الإنسان يستطيب لحمنا ويتغذى بنا ويعيش علينا؛ فما أسعدنا أن نكون لغيرنا فائدة وحياة، وإذا كان الفناء سعادة نعطيها من أنفسنا، فهذا الفناء هو سعادة نأخذها لأنفسنا. وما هلاك الحي لقاء منفعة له أو منفعة منه إلا انطلاق الحقيقة التي جعلته حياً، صارت حرة فانطلقت تعمل أفضل أعمالها
قال الكبير: لقد صدقت والله، ونحن بهذا أعقل وأشرف من الإنسان؛ فإنه يقضي العمر آخذاً لنفسه، متكالباً على حظها ولا يعطي منها إلا بالقهر والغلبة والخوف. تعال أيها الذابح، تعال خذ هذا اللحم وهذا الشحم؛ تعال أيها الإنسان لنعطيك، تعال أيها الشحاذ. . . . .
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7433
مصر بين ثقافتين
الصراع القديم بين الإنكليزية والفرنسية وموقف مصر من
ذلك الصراع
للأستاذ محمد عبد الله عنان
يعرف المتصلون بدوائر التعليم والثقافة في مصر أن صراعاً قوياً يجري بين الثقافتين الفرنسية والإنكليزية، تارة في الجهر وتارة في الخفاء. وقد كان تيار الثقافة الفرنسية هو الظافر حتى أواخر القرن الماضي، وكان يغمر المجتمع المصري المثقف، فلما رسمت سياسة الاحتلال الإنكليزية خطط الغزو المعنوي، اهتمت بنظم التعليم والتربية، وأخذت تعمل لتوجيهما بما يوطد نفوذ الثقافة الإنكليزية ويطبع الجيل الجديد بحبها والتعلق بها، فقلبت نظم التعليم، وحلت الإنكليزية مكان الفرنسية في معظم المواد، وتولى الأساتذة الإنكليز مقاليد الإدارة والتعليم في معظم المعاهد، وتحول سيل البعثات الحكومية من فرنسا إلى إنكلترا؛ ولم يمض ربع قرن حتى تم الانقلاب المنشود، وأسبغت على سياسة التربية والتعليم في مصر صبغتها الإنكليزية المحضة، وخرج الجيل الجديد من الشباب المتعلم يحمل تيار الثقافة الإنكليزية، وتضاءل نفوذ الثقافة الفرنسية وانحصر في بعض الجهات والمعاهد الأجنبية التي تعمل على نشرها
كان هذا الصراع بين الثقافتين الأجنبيتين على حساب لغتنا العربية وثقافتنا القومية، فلم تصب العربية خلاله حظاً يذكر من التقدم، وأغفلت كل المثل والاعتبارات القومية من برامج التعليم والتربية، وأوشك هذا الغزو الاستعماري المعنوي أن يقضي على أرواحنا وعقولنا، لولا أن وثبت البلاد وثبتها الوطنية في سنة ١٩١٩، وتذرعت للمقاومة بما بقى لها من العناصر الحيوية الكامنة، واستطاعت أن تحول السياسة الاستعمارية عما كانت تعتزمه من خطط الاستئثار الشنيع والقضاء على الحقوق والأماني الوطنية نهائياً، وأن تحرز بعض الغنم في ميادين السيادة القومية. وكان التعليم أحد هذه الميادين، فحررت نظمه وبرامجه من أغلالها القديمة نوعاً، وأنصفت اللغة العربية وأخذت تتبوأ مكانها اللائق كلفة أساسية لتدريس المواد في معظم المعاهد ومراحل التعليم، وكان ذلك ظفراً حقيقياً للغة البلاد
стр. 7434
ولكن هذا التطور في ميدان التعليم والثقافة لم يحل دون استمرار المعركة القديمة بين الثقافتين الإنكليزية والفرنسية؛ فقد بقيت الفرنسية لغة إضافية في التعليم الثانوي، وضعف تيار الإنكليزية بما أتيح للعربية من مجال قوى للعمل والمنافسة؛ وظهر الضعف في الإنكليزية بين الطلبة قوياً، وأخذ نفوذ الثقافة الإنكليزية الذي كان متمكناً منذ عشرة أعوام فقط، يتضاءل بسرعة؛ واهتم الإنكليز لهذه الظاهرة؛ وبحث ولاة الأمر في أسباب ضعف الطلبة في اللغة الأجنبية الأساسية أعني الإنكليزية، وتضاربت فيه الآراء الفنية والعملية؛ أما نحن فلنا فيه رأى لا نرى بأساً من إبدائه. وهو أن هذا الضعف لا يرجع فقط إلى قصور الجيل الجديد من الأساتذة الإنكليز، ولكنه يرجع بالأخص إلى عوامل قومية، خلاصتها أن الخصومة القائمة بين مصر وإنكلترا تحمل الطالب المصري الذي أشربت نفسه بمبادئ الوطنية على نوع من الأسف والغضاضة لتلقي لغة الأمة الخصيمة على يد بعض أبنائها، وأن الأساتذة الإنكليز لا يؤدون مهمتهم في المعاهد المصرية كأساتذة فقط، ولكنهم رسل استعمار وسيادة أجنبية، ينظرون إلى الطلبة نظرة السادة إلى الرعايا والمحكومين، وفي أقوالهم وإشاراتهم دائماً مل يجرح شعور العزة القومية في هذه النفوس الغضة ويزهدها في بضاعة هؤلاء الأساتذة المتكبرين، ولو قام بتدريس الإنكليزية أساتذة مصريون ممن تخصصوا في دراستها، لكان ذلك أجدى وأنفع، ولزال كثير من أسباب هذه الشكوى
ولسنا نقف طويلاً بهذه النقطة، وهي ثانوية في نظرنا؛ ولكنا نريد أن أن نعرض إلى ما هو أهم من أطوار هذه المعركة المستمرة بين الثقافتين الإنكليزية والفرنسية؛ فقد طلب ولاة الأمر في وزارة المعارف أخيراً إلى بعض الأساتذة الإنكليز أن يبدوا رأيهم في سبب ضعف الطلبة في اللغة الإنكليزية، فصرحوا في تقريرهم الذي رفعوه إلى وزير المعارف بأن من أهم أسباب هذا الضعف في نظرهم هو اشتغال الطلبة بدراسة لغة أجنبية إضافية هي الفرنسية إلى جانب اللغة الأجنبية الأصلية وهي الإنكليزية، وإنه يجب إلغاء تدريس اللغة الفرنسية من التعليم الثانوي إذا أريد أن يتفرع الطلبة لدراسة الإنكليزية وأن تقوي مادتهم فيها. وقد كان إبداء هذا الرأي مثاراً لكثير من الجدل، ولاسيما من جانب الأساتذة الفرنسيين ومحبي الثقافة الفرنسية وأنصارها، فأخذوا يفندون رأي أساتذة الإنكليز ويدللون
стр. 7435
على أهمية الثقافة الفرنسية بالنسبة لمصر ووجوب تفضيلها على أية ثقافة أجنبية أخرى
وموقف الأساتذة الإنكليز من اللغة الفرنسية طبيعي معقول، وسواء أكان رأيهم فنياً مجرداً عن كل اعتبار أدبي آخر، أم كان مغرضاً موحى به، فلا ريب أنه يمثل ناحية من نواحي هذه المعركة الخالدة بين الثقافتين الأجنبيتين اللتين تتنازعان النفوذ في مصر منذ نصف قرن. ويلوح لنا أنه من جهة أخرى رأي عملي سليم من الوجهة الفنية إذا جرد عما قد يكون وراءه من الاعتبارات والعوامل؛ فالطالب إذا تفرغ لدرس لغة أجنبية واحدة دون أن تزعجه لغة أجنبية إضافية أخرى، يستطيع أن يحرز في هذه اللغة شيئاً من التقدم. ومادام أن ظروفاً سياسية خاصة تقضي بأن تكون الإنكليزية هي اللغة الأجنبية الأساسية في مصر إلى جانب اللغة العربية، ومادام أن مصر لا تستطيع في الوقت الحاضر أن تقرر اختيارها حراً مطلقاً، فلا مناص من أن نصدع بالأمر الواقع، وأن نبحث المسألة على ضوء هذه الحقيقة
الإنكليزية هي اللغة الأجنبية الأساسية التي تقررت في نظام تعليمنا. ومن المسلم به أن تعليم اللغات الأجنبية الحية عنصر جوهري من عناصر الثقافة الناضجة، وفي جميع الأمم العظيمة التي تتمتع بحضارة رفيعة، تعلم لغة أجنبية أو أكثر إلى جانب اللغة القومية؛ وهذا ما تفعله مصر بتعليم الإنكليزية. ومن المحقق أن الإنكليزية في مقدمة لغات الأرض انتشاراً وأهمية، وأن الثقافة والآداب الإنكليزية في طليعة الثقافات والآداب العالية الرفيعة. ولكن من سوء الطالع، أن تكون الإنكليزية في مصر إلى جانب هذه الاعتبارات العلمية، أداة للنفوذ الاستعماري؛ ومن مصائب مصر أنها مازالت مسرحاً للمنافسات الأجنبية؛ الثقافة الفرنسية أو بعبارة أخرى الثقافة اللاتينية، والثقافة الأنجلوسكسونية، واللغة الألمانية، واللغة الإيطالية، كل تحتل مقامها في هذه البلاد، وكل تحاول أن تدعم نفوذها وأن تزيده بطريق المدارس والبعثات الدينية والمؤسسات الخيرية المقنعة، وكل تدعي لأبنائها بعض الإدارات والمناصب الفنية في الحكومة المصرية قياساً على الماضي كأن الزمن لم يتغير، ولم تحرز مصر تقدماً، ولم تجش بأمنية التحرر من هذه الوصايات الخطرة
ففي هذا المعترك تتخبط مصر؛ وإزاء هذه الجبهة المشتركة من الثقافات واللغات الأجنبية المتنافسة في غزو عقولنا وأرواحنا تقف اللغة العربية وحيدة في الميدان. وقد أنصفت اللغة
стр. 7436
العربية في العهد الأخير نوعاً كما قدمنا، ولكنها مازالت في حاجة إلى إنصاف أتم وأوفى؛ وهي اليوم بلا ريب أقوى وأشد كفاحاً ومقاومة، وقد أتيح لها أخيراً أن تدلل على حيويتها المدهشة باستعمالها في تدريس كثير من مواد الدراسات العالية التي كانت تغلق قبلاً دونها بحجة قدمها وقصورها. غير أن العربية مازالت في مهادها الرسمية عرضة لمنافسة قوية من اللغتين الإنكليزية والفرنسية، الأولى كلفة أجنبية أساسية، والثانية كلغة أجنبية إضافية. والواقع أن هذه الفرنسية الإضافية لم تبق لها أية قيمة عملية في الدراسة، وقلما ينتفع الطلبة بتعليمها، وإنما هي أثر من آثار الصراع القديم والعهد الماضي، ففيم بقاؤها اليوم عنصراً من عناصر الإرهاق والتعطيل؟ قد يكون في اقتراح الأساتذة الإنكليز ما يبعث على الشك في نزاهته وأنه يرمي قبل كل شيء إلى تخلص اللغة الإنكليزية من منافسة قديمة. فليكن؛ ولكنا نستطيع أيضاً أن نحول هذا الإلغاء لمصلحة اللغة العربية والثقافية القومية، ذلك أن اللغة العربية تتخلص أيضاً بإلغاء هذه الفرنسية الإضافية من منافسة لا مبرر لها وليست لها قيمة علمية تذكر؛ ويكفي أن تضطلع العربية بالدفاع عن نفسها أمام غزو لغة أجنبية رسمية واحدة، وأن تقف مع الإنكليزية وجهاً لوجه، وأن تكسب بذلك قوة جديدة وأن تغزو ميداناً جديداً للعمل والكفاح
في وسع مصر أن تلغي الفرنسية من معاهدها، ولكنها لا تستطيع لظروفها السياسية الخاصة أن تلغي الإنكليزية. وإذن فلا ضير أن تلغى الفرنسية؛ وفي الإنكليزية كلفة ثقافية عالمية ما يكفي لتزويد المتعلم بكل ما يطمح إليه من صنوف العلوم والمعارف الحديثة، وكفى ما تلقاه البلاد من غزو معنوي منظم على يد المعاهد الأجنبية فرنسية وغيرها، وكلها تقوم برسالة غير رسالة العلم الخالص
لسنا نجد موضعاً للمفاضلة بين الفرنسية والإنكليزية فكلتاهما من أعظم اللغات الحية سواء في العلوم أو الآداب أو الفنون، وكلتاهما من أهم اللغات الدولية في المعاملات التجارية. ولسنا من أنصار ثقافة أجنبية بعينها، وإنما نؤيد الأخذ والاقتباس من كل ثقافة رفيعة. ولكن الأساتذة الفرنسيين في وزارة المعارف وأنصار الثقافة الفرنسية في مصر يضجون لفكرة إلغاء اللغة الفرنسية من مواد الدراسة الرسمية، ويشفقون على مستقبل الثقافة الفرنسية في هذه البلاد، فلم هذه الضجة ولم هذا الإشفاق؟ يقولون إن الثقافة الفرنسية هي أصلح الثقافات
стр. 7437
الغربية لمصر. وإن النهضة المصرية الأخيرة بدأت على أساس الثقافة الفرنسية واستمرت كذلك طوال القرن الماضي، وإن قادة الحركة الفكرية الحديثة في مصر تلقوا العلم جميعاً في فرنسا، وإن الصلات التاريخية والاجتماعية القديمة بين مصر وفرنسا، وكون مصر اقتبست قوانينها الحديثة من القانون المدني الفرنسي، وكون اللغة الفرنسية ما تزال لغة المعاملات المختلفة في مصر، وأخيراً كون مصر أمة من أمم البحر الأبيض التي تغمرها الثقافات اللاتينية: كل هذه العوامل تحتم الإبقاء على اللغة الفرنسية في مصر، والمضي في الاقتباس من الثقافة الفرنسية وتوثيق هذه الروابط المعنوية بين البلدين
ونحن لا نود أن نجادل في هذه الوقائع من الناحية المادية، ولكنا نلاحظ فقط أن مصر الحديثة لم تتجه إلى اختيار الثقافة الفرنسية قصداً بمحض اختيارها؛ وإنما هو مجرى الحوادث القاهر الذي ساقها إلى هذا السبيل، فقد نظم الفرنسيون حينما غزوا مصر في خاتمة القرن الثامن عشر، غزوهم المعنوي إلى جانب الغزو السياسي، وعنوا ببث ثقافتهم في مصر عناية خاصة؛ ولما استخلص محمد على حكم البلاد لنفسه، ألفى أمامه بقية قائمة من هذه الثقافة، وألفى الفرنسيين على أهبة لمعاونته، وقضت ظروف سياسية معينة أن يقبل هذه المعاونة وأن ينتفع بها في تنظيم إدارته وإصلاح جيشه وماليته، وفي ظل هذه الظروف أرسلت البعثات المصرية الأولى إلى فرنسا، وقد كانت يومئذ أوثق الدول الغربية صلة بمصر، واستطاعت فرنسا أن تقوى نفوذها المعنوي والثقافي بمصر، وغدا هذا النفوذ بمرور الزمن ظاهرة قائمة في الحياة المصرية، واستمر ينتج أثره في طبع المجتمع المصري المثقف بالطابع الفرنسي حتى أواخر القرن الماضي. هذه هي قصة الثقافة الفرنسية بمصر، فلم تكن مصر عامدة أو حرة في اختيارها ولم تخترها وتؤثرها لأنها أصلح الثقافات لها، أو لأن ظروفها الجغرافية والاجتماعية كإحدى أمم البحر الأبيض تحتم عليها أن تسير وراء الثقافة اللاتينية، أو لغير ذلك مما ينتحله أنصار الثقافة الفرنسية في مصر؛ ولم يكن الأمر أكثر من حادث تاريخي عرضي زالت البواعث والظروف التي أدت إليه منذ بعيد
لسنا ننتقص من الثقافة الفرنسية أو غيرها من الثقافات الغربية الرفيعة، ولكنا سئمنا هذا التنافس على غزونا من طريق اللغات والثقافات، ولا نريد بعد أن نعتبر منطقة نفوذ لهذه
стр. 7438
الثقافة أو تلك، ونريد قبل كل شيء أن نوحد جهودنا المعنوية في مقاومة الغزو الذي لا مناص من قيامه في معاهدنا ومدارسنا؛ ذلك هو الغزو الإنكليزي؛ ولن يكون ذلك إلا بالعمل على تعزيز اللغة العربية وتقدمها، وتعزيز عناصر الثقافة القومية في صدور الشباب. ومن حسن الطالع أن هذا الغزو الإنكليزي المنظم لعقولنا لم يصادف كثيراً من النجاح رغم استئثاره في عصر ما بجميع المواد والدراسات؛ ذلك لأننا نشعر دائماً بما وراءه من الظروف والاعتبارات التي لا يرتاح إليها ضميرنا القومي، ولأننا نشعر دائماً أنه غزو مفروض علينا في معنى من المعاني. وليس معنى ذلك أننا لم نجن غنما علمياً من دراسة الإنكليزية، ومن التثقف بثقافتها، فقد جنينا بالعكس منها فوائد جليلة، ولكنا نعتقد أن هذا الغنم يكون مضاعفاً لو أن مصر استطاعت أن تتحرر من كل نفوذ معنوي، وأن تختار لنفسها ما شاءت من ألوان الثقافات المختلفة التي تحقق أمانيها الوثابة دون أن تجني على بنائها وتقاليدها القومية؛ ونحن على يقين من أنه يوم يتاح لنا مثل هذا الاختيار الحر، لا نستطيع أن نرى في الإنكليزية إلا أنها في مقدمة اللغات والثقافات، ولا نجد غضاضة في أن تكون هي اللغة الأجنبية الأساسية، وأن تكون أداة لسد كل نقص نشعر به في دراستنا
والخلاصة لا نجد غضاضة ولا ضرراً في إلغاء الفرنسية من برامجنا الدراسية والقضاء على هذا التنازع في النفوذ العقلي في معاهدنا، وتحرير اللغة العربية بذلك من أحد عناصر المنافسة التي لا مبرر لها، والتي ما زالت تشعر بوطأتها. بل نرى من الخير ومن الواجب معاً أن تقاوم البلاد كل ألوان هذا الغزو الثقافي الأجنبي ما استطاعت خصوصاً ما كان منه ستاراً لبث نفوذ معين يتخذ من آن لآخر وسيلة لتحقيق مختلف الغايات والمصالح؛ ولسنا نفرق في ذلك بين غزو وغزو ونفوذ ونفوذ؛ فالفرنسي والإيطالي والألماني كالإنجليزي يتخذون من بلادنا مسرحاً لهذه المنافسات الخطرة؛ وإنه لمن خير مصر وسلامها أن تقاوم هذا الغزو المعنوي دائماً وأن تعمل على تحطيم عناصره وأسلحته ما استطاعت
محمد عبد الله عنان
المحامي
стр. 7439
كيف نبعث الأدبوكيف نترواه؟
للأستاذ عبد العزيز البشري
عرض وجلاء تاريخ:
لاشك في أن من أهم نهضاتنا التي نتواثب فيها الآن ومن أبرزها نهضة الآداب: فلقد زاد عدد المقبلين على الأدب العربي والذين يعالجونه في هذا العصر بقدر عظيم، كما أعليت مكانته، وأبعدت أغراضه، وتلونت فنونه. وبعد أن كان يضطرب في أضيق مضطرب، ويتقلب في أفسل المعاني، ولا يستشرق إلا للضئيل التافه من الغايات من المديح الوضيع الذليل، ومن الغزل المصنوع المتكلف، ومن فخر مكذوب لا يمت إلى مفاخر العصر بسبب، ومن وصف مفترى على الطبيعة، فلا هو مما ينتظم الواقع، ولا هو مما يخلع عليه الخيال الصناع صورة الواقع، ومن هجو تتلقط فيه المعايب والمقاذير من هنا ومن هنا لتعفر بها وجوه الناس عفراً. ونحو ذلك مما كان يجول فيه الأدب في الجيل الماضي، على وجه عام، وتتجرد في طلبه والتشمير له جمرة المتأدبين. على أنه لم يكن له أي حظ من وجدان ولا من جيشان عاطفة، وكيف له بهذا وهو لم يذك له حس، ولم يخفق به قلب، وإنما أمره إلى حركة آلية لا تكاد تعدو في مذهبها تلك الحركة التي تنبعث بها الصناعات اليدوية. إلى أن تلك المعاني، إذا صدق أن مثل ذلك مما تطلق عليه كلمة المعاني، لقد كانت، في الكثير الغالب، تجلى في صور مترهلة متزايلة، لا يقوى بناءها أو يشد متنها شيء من جزالة اللفظ ومتانة الرصف، وتلاحم النسج، ولا يجتمع لتزيينها وتبهيجها شيء من حسن الصياغة وإشراف الديباجة وجمال النظام!
ولقد قيدت هذا (بالكثير الغالب) لأن ذلك الجيل الماضي لم يخل من كتاب ومن شعراء أغلوا حظ الأدب، ففسحوا في أغراضه، وأبعدوا في مطالبه، وحلقوا بمعانيه، وأبدعوا في البيان، فاتسق لجلالة المعاني شرف اللفظ، وبراعة النظم، وإحكام النسج، وكذلك استوى من المنظوم والمنثور كليهما كلام يترقرق ماؤه، ويتألق سناؤه. ورحم الله إبراهيم المويلحي وإبراهيم اللقاني وأضرابهما في الكتاب، ومحمود سامي البارودي وإسماعيل صبري في الشعراء، فقد هدوا إلى حسن البيان السبيل
وإذا كان الأدب يتمثل لأدباء هذا الجيل في صورة أبدع وأروع من الصورة التي كان
стр. 7440
يتمثل فيها لسلفهم القريب، كما أدركوا هم أن له مهمات أوسع أفقاً وأبعد مدى من تلك التي كان يدور فيها في ذلك العهد، حتى لقد أصبح يتقلب في جلى أسباب الحياة، بل لقد تجاوز أو كاد يتجاوز أفق الكماليات البحث إلى موطن الضرورات في الحياة - إذا كان المتأدبون قيد أصبحوا يحلون الأدب هذا الموضع، ويتمثلونه على هذه الصورة، فذلك لأنهم طالعوا أدب الغرب ورأوا ما يتصرف فيه من مختلف الفنون، وما يتجرد له من جسام المطالب
لقد أصبح الأدب وسيلة من وسائل تنعيم النفس وتلذيذها بما يجلو عليها من صور الجمال، وبما يرهف من الحس حتى يتفطن ألوان المعاني إلى كل دقيق وإلى كل بديع، كذلك لقد تبسط الأدب واسترسلت آثاره وإلى كثير من الأسباب العامة، على ما تقدمت الإشارة إليه، فعظم بذلك أمره، وجل في عيش الحضارة خطبه، وكذلك أضحى للبارعين من أهله في الغرب من الشأن ما لا يكاد يوصل شان
ولقد زعمت لك أن الذي بعث تقدير أبناء العربية للأدب هذا المبعث ما جلى عليهم من أدب الغرب وما طالعوا من بعيد آثاره في شتى الأسباب، فراح كثيرون منهم يتأثرونه، ويتصرفون بالبيان في مثل ما يتصرف فيه من مختلف الفنون. على أن كثيرين من هؤلاء الكثيرين قد انقطع جهدهم دون هذه الغاية فلم يظفروا من الأمر بجليل. ولاشك أن ذلك يرجع إلى أنهم، في غالب الأحيان، إنما ينقلون إلى العربية ما يتهيأ لهم نقله من آداب الغرب على الصورة التي يستوي فيها لأهله، لا يحاولون، أو لعلهم يعجزون إذا هم حاولوا، أن يطبعوه على ما يألفه الخيال الشرقي، ويستريح إليه الذوق العربي، وتسلس له بلاغات العرب!
ولقد يكون هذا من أثر الافتتان بأدب الغرب، والتجرد في محاكاته وتقليده من جهة، وقلة المحصول من فقه العربية ورقة الزاد من ألوان بلاغاتها من جهة أخرى
وبعد، فما نحسب أن هناك من ينكر على الأدب العربي جليل خطره في عهد الجاهلية وفي قيام الدولة العربية في الشرق والغرب، وأنه كان، في الجملة، يؤدي من مطالب الحياة ما يؤديه الأدب الغربي اليوم، وأقول (في الجملة) لأن الأدب قد تشعبت في هذا العصر فنونه، وتطاولت آثاره إلى كثير لم يلتفت إليه في الزمان القديم، ولعله لو ظلت دولة العرب قائمة، وظلت حضاراتهم في اطرادها، ما تقاصر اليوم عن شأو الأدب الغربي، بل لعله كان يسبقه
стр. 7441
إلى كثير!. ولو قد عنى النشء من متأدبينا بدراسة هذا الأدب، وخاضوا في أمهات كتبه، وأطالوا تسريح النظر فيما أثر من روائعه، لرجعوا إلى نفوسهم بأنه أدب عظيم كل عظيم، أدب يمتع حقاً وينعم الروح حقاً بما ينفض من عاطفة متعجلة، ويصور من دقيق حس، ويتدسس إلى ما استكن في مطاوي الضمير، إلى ما أصاب من المعاني البارعة، وما تعلق به من الأخيلة الرائعة، وما تصرف فيه من كل دقيق وجليل في جميع الأسباب الدائرة بين الناس. ما ترك جليلالاً من الأمر ولا دقيقاً إلا مسه وعرض له وعالجه بالتصوير والتلوين، وكل أولئك يصيبه في مصطفى لفظ، ومحكم نسج، وبارع نظم، ودقة أداء، وحلاوة تعبير!
على أن الأدب العربي، مع هذا لقد طالما جال في بعض الأسباب العامة وساهم في الأحداث السياسية والقومية والمذهبية بقدر غير يسير، ومهما يكن من شيء فهو أدب واسع الغنى، رفيع الدرجة؛ بل إنه لمن أغنى الآداب التي قامت في العالم ومن أعلاها مكاناً
والواقع أنه قد انقبض بانقباض الدول العربية وضعف بضعفها، فجعلت تضيق أغراضه، وتتواضع معانيه، ويجف ماؤه، ويتجلجل بناؤه، حتى صار ما صار إليه وظل عاكفاً عليه، إلى ما قبيل نصف قرن من الزمان
ولا يذهب عنك أنه في فترة انقباضه الطويلة قد انبعثت في الغرب حضارة جديدة جعلت، على الزمن، تنبسط وتتناول وسائل الحياة دراكاً حتى بلغت شأواً بعيداً. ومما ينبغي أن يلتفت إليه أشد الالتفات في هذا المقام، أن هذه الحضارة قد أولت أجل عنايتها للشئون المادية، فكان حظ العلوم الطبيعية والكيميائية منها عظيماً، فاستكشفت أشياء كثيرة، واخترعت أشياء كثيرة، حتى كاد الإنسان لا يتناول شأناً من شئون الحياة إلا بسبب طريف. وبذلك كثرت الآلات المادية كثرة تفوق حدود الوصف، وهي تطرد في الزيادة كل يوم، إذ اللغة العربية جاثمة في أفحوصها لا تمتد بالتعريف عن هذا، إذا هي امتدت، إلا إلى قليل، بل إلى أقل من القليل
ولقد كان من آثار فقر العربية في هذا الباب أنها حتى بعد نهضتها الأخيرة لزمت في بيانها دائرة الأدبيات لا تصيب من المحسسات المادية، إن هي أصابت، إلا في حرج وفي عسر شديد! وكيف لها بهذا وليس لها به عهد قريب ولا بعيد؟!
وإذا كانت الحاجة تفتق الحيلة كما يقولون، فقد بعثت النهضة العلمية في عهد محمد علي
стр. 7442
الكبير رفاعة وأصحابه إلى أن ينفضوا قديم العربية لعلهم يجدون بين مفرداتها وما أثر في كتبها من المصطلحات العلمية والفنية ما يدلون به على ما استوى لهم من جديد في العلوم والفنون، فإذا أصابوا هذا وإلا عمدوا إلى الوسائل الأخرى من النحت والاشتقاق والتعريب. وإذا كان قد اجتمع لهم فيما نقلوا إلى العربية من علوم الغرب وفنونه صدر محمود، فإن ذلك أصبح لا غناء فيه ولا سداد له؛ بعد إذ فترت تلك النهضة وخبت جذوتها بعد ذهاب مذكيها المرحوم محمد علي الكبير، بينا تطرد العلوم والفنون في تبسطها حتى لتخرج على العالم كل يوم بجديد. وهذه الحاجة الملحة، والتي يشتد إلحاحها ويتضاعف كلما تراخت الأيام، لقد كانت تبعث جماعات الفضلاء الفينة بعد الفينة إلى تأليف الجمعيات للبحث والنظر في تحريك لغة العرب حتى تستطيع أن تتوافى لمطالب الحضارة الحديثة. على أنه لم يقدر لها النجاح لأسباب لا محل لذكرها في هذا المقام. فلم يبق بد من أن تضطلع وزارة المعارف بالأمر، وبعد لأي قام (المجمع الملكي للغة العربية)، نسأل الله تعالى أن يمده بروحه، ويعينه على مهمة جليلة المشقة جليل الآثار، وأن يهديه إلى أقوم سبيل!
لقد استطرد القلم من حديث الأدب إلى حديث اللغة، وماله لا يفعل واللغة مادته وملاكه. وإذا كان أجل همه إلى المعنويات فليس له عن هذه المادة غناء، بل لقد تكون وسيلته وأداته حتى في التعبير عن أخفى العواطف وأدق خلجات النفوس. على أن أهم ما يعنينا من هذا البحث إنما هو حيرة الأدباء، أو على تعبير أضبط، خيرة بعض من يعانون الأدب في هذا العصر، وذلك أن في مأثور العربية أدباً غنياً سرياً واتى سلفنا العظيم بمطالب الشعور ومطالب الحضارة جميعاً. على أننا نعيش الآن في حضارة غير حضارتهم، ونعالج من وسائل الحياة غير ما عالجوا. ثم إنه مهما تطبعنا الوراثة على طبعهم، وتنضح علينا من أذواقهم وشعورهم وغير ذلك من خلالهم، فإن مما لاشك فيه أن لتطاول الزمن، وتغير البيئات، وتلون الحضارات، وما يجوز بالأقوام من عظيمات الأحداث أثراً لقد يكون بعيداً في كل أولئك. وأنت خبير بأن الأدب الحق إنما يتكيف بما هو كائن، ويترجم عما هو واقع. ومن هذا تجد كل أدب حي متحرك في تطور مستمر طوعاً لتطور العوامل والأسباب.
ولست تلتمس دليلاً على أن الأدب العربي إنما كان كذلك في حياته القوية بخير من أن
стр. 7443
تستعرض شأنه في الجاهلية، وتقلبه في جميع الدول العربية في العصور الإسلامية. فلن تخرج من هذا إلا بأنه قد تأثر في كل عصر وفي كل بيئة بقدر ما تغير على القوم من مظاهر الحياة
ومعنى هذا الكلام أن الأدب العربي، في أي عصر من عصوره الخالية، مهما يجل قدره وتعظم ثروته لا يمكن أم يغنينا الآن في كثير من مطالب الحياة إذا نحن اتخذناه على حاله، ولم نعد ما كان من صوره وأشكاله. وإلا فقد سألنا الطبيعة شططاً. فهيهات للساكن الجاثم أن يلحق المتحرك السائر
وهناك أدب غربي دارج الحضارة الحديثة وسايرها خطوة خطوة، واتسع لكل مطالبها، وواتاها بجميع حاجاتها في غير مشقة ولا عناء. ولا يذهب عنك أننا إنما نتأثر الغرب في ثقافته وعلومه وفنونه وسائر وسائله، وهذه سبيلنا إلى ما نستشرف له من التقدم ومشاكلة الأقوياء، ولكن هذا الأدب الغربي الذي نقبل على محاكاته فيما نقبل عليه من آثار القوم، لا يتسق في بعض صوره لشأننا، ولا تستريح إليه أذواقنا، بل أنه قد لا يستوي في تصوراتنا، ولا يجدي علينا في كثير، أضف إلى هذا عجز بعض نقلته سواء في شعره أو في نثره، وقلة محصولهم من العربية، واضطرارهم، بحكم ذلك، إلى إخراجه، مترجمين كانوا أم محاكين ومقلدين، في صور بيانية شائهة الخلق، ناشزة على الطبع، لا يحس إلا مليخة باردة في مذاق الكلام!
وبعد، فإن مما لا يتقبل النزاع أنه لابد لنا من أدب قوي سري يواتي جميع حاجاتنا، ويساير ثقافتنا القائمة، ويتوافى لهذه الحضارة التي نعيش فيها، بحيث تطمئن به طباعنا، وتستريح إليه أذواقنا، شأن كل أدب حي في هذا العالم، ولعل من أشد الفضول أن نقول إن هذا الأدب لا يمكن إلا أن يكون عربياً. ولكن كيف الحياة في ذلك؟
ذلك ما نعالجه في مقال آخر إن شاء الله تعالى، فلقد طال هذا الحديث.
عبد العزيز البشري
стр. 7444
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
أسبلنزاني
صلة حديثة
(القس الماكر الذي مالق الكنسية والسلطات وهو يحتقرها جميعاً لكي يعيش ولكي يعمل في سكون؛ الذي ناضل نضال الجند بغير أهبة الجند وعدة الجند؛ الذي أثبت من مرق اللحم أن المكروبات ككل الأحياء لابد لها من آباء؛ الذي أهدى للعلم مثانته الوبيئة، ذلك الأثر الوحيد الذي بقى للناس إلى اليوم من هذا الرجل الكبير الخالد)
ولم يكن (نيدم) في هذه الأثناء غافلاً نائما، بل كان يقظاً بكل ما جرى، محساً بخطره أيما إحساس؛ وكان حاذقاً في الدعاية ماهراً في النشر والإذاعة. فذهب إلى باريس وأخذ يحاضر فيها عن مرق لحمه؛ وفي باريس التقى بالكونت الشهير (بيفون) وكان الكونت ثرياً، وكان جميلاً، وكان يحب أن يكتب في العلم، ويعتقد أنه يستطيع تخريج الحقائق من رأسه أحسن تخريج، إلا أنه والحق يقال كان أنيق الثياب أناقة منعته من دخول المعامل وممارسة التجارب. وكان بحق يعرف شيئاً من الرياضيات، فترجم عن نيوتن إلى الفرنسية. فإذا أنت علمت فضلاً عن هذا أنه كان يستطيع أن يلعب على الورق بالأرقام الكبيرة المعقدة في سهولة لعب السحرة المهرة، وإذا أنت أضفت إلى أنه رجل أرستقراطي نبيل، وأنه فوق كل هذا رجل ذو مال كثير، استطعت أن تدرك في غير عناء كبير أنه رجل من الأفذاذ القلائل الذين يحق لهم أن يقضوا لنا في أمر تلك الأحياء الصغيرة قضاء صادقاً دون الرجوع إلى التجربة، وأن يقولوا لنا أتخرج تلك الأحياء عن آباء وأمهات، أم هي تخرج من ذات نفسها - أو على الأقل هكذا كان يتحدث عنه سخره باريس الكفرة الفجرة
стр. 7445
وعمل (بيفون) و (نيدم) سوياً بتوافق تام، وفي صفاء لا يشوبه كدر، واقتسما العمل: أما (بيفون) فكان يلبس الثياب البنفسجية البديعة، والأكمام ذات الدانتلة النادرة العزيزة، فلم يكن ينتظر منه أن يوسخها على نضد المعامل القذرة بما عليها من تراب وزجاج منثور، ومرق مراق من وعاء مكسور، لذلك اختص بالتفكير وبالكتابة، وقام (نيدم) بالتجريب. واعتزم الاثنان أن يخترعا نظرية ضخمة يفسران بها كيف تنشأ الحياة، وفلسفة رفيعة عميقة يفهمها مع ذلك كل إنسان، فلسفة يجتمع عليها المؤمنون البررة والملاحدة السخرة على السواء. وأخرجا نظرية أهملت الحقائق التي استخرجها (اسبلنزاني) كل الإهمال، وتعامت عنها كل التعامي! ولكن ما ضرر هذا؟ ألم تخرج هذه النظرية من رأس (بيفون) العظيم؟ أليس في عظم هذا الرأس ما يبرر نقض كل حقيقة مهما كان مكانها من اليقين؟
يقول نيدم للكونت النبيل: (سيدي اللورد الجليل! ما الأسباب التي تنشأ عنها تلك الحيوانات الصغيرة في مرق الضأن برغم غليانها؟)
فيحتدم عقل بيفون، ويدور في الطبقات العليا من الخيال الرفيع دوراناً رشيقاً بديعاً، ثم يهبط إلى الأرض ويجيب: (عزيزي الأب نيدم، لقد كشفت كشفاً خطيراً، لقد وضعت اصبعك على أصل الوجود، لقد رفعت الغطاء في مرق لحمك عن تلك القوة التي تخلق الحياة). نعم لابد أن تكون قوة، كل شيء قوة!
فيقول الأب نيدم: إذن فلنسمها: القوة النباتية، أي لوردي العظيم).
فيجيب بيفون: (اسم مناسب جميل، أيها الأب الجليل)
ثم يلبس الكونت أحسن ثيابه ويذهب إلى مكتبه، وقد تنضح جوه بأطيب العطور، ويبدأ يكتب عن عجائب القدرة النباتية التي تستطيع أن تخلق في مرق اللحم ونقيع الحب حيوانات صغيرة - يكتب هذا لا من ملاحظات دونها عن تجارب في المعمل شهد بها الزجاج والعدس واللهب، بل يكتبها من عقله الخصيب
وما هي إلا أيام معدودات حتى كنت تسمع (بالقوة النباتية) على كل لسان، يتحدث بها كل إنسان، وتتفسر بها كل الأمور، فالزنادقة أحلوها محل الله، ورجال الكنيسة قالوا إنها أمضى أسلحة الله. وشاعت في الناس كما تشيع الأغاني، وانتقلت بينهم انتقال الحكاية المليحة التي لا تتصل بالآداب اتصالاً وثيقاً، أو كما نتحدث اليوم عن النظرية النسبية
стр. 7446
وأسوأ من هذا وأنكى أن الجمعية الملكية جارت رجل الشارع، بل سارعته حتى كادت تتعثر في خطاها، فانتخبت (نيدم) عضواً بها، ونادت به أكاديمية العلوم بباريس زميلاً. وفي هذه الأثناء كان اسبلنزاني يسير في معمله رائحاً غادياً يتمتم ويدمدم: ذاك خطر على العلم كبير، ذاك تعام عن الحقائق المتجسدة المتجردة الصامتة التي بدونها لا يكون العلم علماً، هذان رجلان يتغاضيان عن تجاربه البديعة وما تتضمنه من حقائق جميلة!
وظل اسبلنزاني لا يدري كيف يصنع. وأنى له ما يصنع، وقد أغرق نيدم وبيفون العالم العلمي بطوفان من الكلم، ولم يجيبا بشيء عن حقائقه، ولم يريا الناس مواضع الخطأ من تجاربه؟ وكان الطلياني مقاتلاً شديد المراس، ولكنه كان يحب القتال بالحقيقة وبالتجربة، وقام خصماه فأثارا حوله غباراً كثيفاً من اللفظ الفارغ، ولفاه من فرعه إلى قدمه بقتام الكلم البائر، فلما امتشق سيفه أن يضرب لم يجد ما يضرب. صاح اسبلنزاني ما صاح، وغضب ما غضب، وسخر سخراً مريراً بتلك الدعابة الهائلة، تلك القوة التي أسموها القوة النباتية، ولكن من دون جدوى. قال نيدم إنها القوة التي أخرجت حواء من ضلع آدم، إنها القوة التي كونت شجرة الصين العجيبة التي تكون في الشتاء دودة، فإذا جاءها الصيف استحالت ويا للعحب إلى شجرة باسقة جميلة - إلى غير هذا من الخرف والكذب، حتى خال اسبلنزاني أن علم الحيوان كاد يضيع، كادت تضيعه القوة النباتية التي ابتدعها نيدم وأخذ يفسر بها كل شيء، فلم يبق له إلا أن يخرج بوساطتها من البقر رجالاً، ومن البراغيث أفيالاً!
ثم جاءت على حين غفلة تلك الفرصة التي أمكنته من القتال.
ذلك أن نيدم كتب إليه ينقد تجربة من تجاربه. كتب إليه يقول: (إن تجربتك يا هذا لا تصمد للنقد طويلاً. إنك سخنت قباباتك ساعة كاملة، فهذه الحرارة الشديدة أضعفت تلك القوة النباتية فأصبحت لا تستطيع خلق تلك الأحياء الصغيرة)
وكان هذا كل الذي طلبه اسبلنزاني واصطبر من أجله طويلاً فنسى لاهوته، ونسى تلاميذه العديدين الذين كانوا يتشوقون إلى دروسه، ونسى العقائل الحسان الائي كن يتراحمن حوله ليطوف بهن في متحفه، وطوى أردانه الواسعة فكشف عن سواعده. وأخذ يعمل، لا بقلمه في مكتبه، ولكن بزجاجه وبذوره ومجهره على نضد معمله
- ٤ -
стр. 7447
(نيدم يقول إن الحرارة تفسد في البذور تلك القوة التي أسماه النباتية. شيء جميل! هل كان جرب قبل أن ينطق؟ وكيف عرف تلك القوة؟ هل أحسها؟ هل رآها؟ هل وزنها؟ هل قاسها؟ لم يفعل شيئاً من هذا، ومع هذا يقول إنها موجودة في البذور! فليكن، وإذن فلنسخن هذه البذور ثم نر)
وأخرج اسبلنزاني قباباته مرة أخرى وأخذ في تنظيفها. ونقعفي الماء النقي أنواعاً عدة من البذور والحمص والفول وغير هذه حتى امتلأت الحجرة بالقبابات، فكنت تراها تشرف عليك من فوق الأرفف العالية، وكنت تراها جالسة على النضد والكراسي الواطئة، وكنت تراها أوطأ من ذلك - قد تربعت على أرض الغرفة حتى يتعذر عليك السير فيها
قال اسبلنزاني: (والآن فلأغل طائفة كبيرة من هذه القبابات أزماناً مختلفة ثم انظر أيها يخرج أكثر عدد من تلك الأحياء الصغيرة). وأخذ يغطس هذه القبابات في الماء الغالي خمس دقائق، ثم يغطس هذه فيه نصف ساعة، ثم هذه ساعة تامة، ثم أخرى ساعتين. وبدل أن يلحمها ويختمها في النار سدها بالفلين. ولم لا؟ ألم يقل نيدم إن هذا يكفي؟ ثم رتبها جميعاً ونحاها؟ وأخذ ينتظر. وذهب يصطاد وينسى أن يشد الخيط عندما تأكل السمكة الطعم، وذهب يجمع المعادن والأحجار لمتحفه وينسى بعد جمعها أن يحملها عند الرواح إلى بيته. وأعمل الحيلة لزيادة مرتبه، وأقام القداسات، ودرس كيف يتناسل الضفدع - ثم اختفى مرة أخرى إلى غرفته المعتمة بما فيها من زجاجات مصفوفة وأدوات غريبة
لو صح قول نيدم، إذن لوجدنا القبابات التي أغليت عشر دقائق تعج بالأحياء، ولم نجد شيئاً في الأخريات التي أغليت ساعة أو ساعتين. ونزع السدادات سدادة سدادة، ونظر في القطرات قطرة قطرة، وأخيراً أخذ يقصف بالضحك، فالزجاجات التي أغليت ساعتين كان بها من تلك الخلائق الحية المرحة أكثر من التي أغليت دقائق
(زعموها قوة نباتية! حديث خرافة وأضغاث أحلام. إنك مادمت تكتفي بسد القبابات فسوف تدخل إليها الأحياء غصباً عنك من الهواء. ولن يغني الغليان عن ذلك شيئاً ولو ظللت تغليها حتى يسود وجهك من سخام النار، فإن تلك الأحياء تدخل إلى المرق من السداد بعد أن يبرد)
انتصر اسبلنزاني بهذا، ثم إذا به يحاول أمراً لا يحاوله إلا العالم القح، العالم الذي أشرب
стр. 7448
الروح العلمية الحق، ذلك أنه قام يخاصم نظريته، ليرى أيستطيع أن يقهر فكرته، أن يقهر تلك النظرية العزيزة عليه، أن يقهر تلك الفكرة الحبيبة إليه. فرسم خطة الهجوم. وابتدع في أمانة وذكاء تجارب هي محك ما يقول، فأما له وإما عليه. هذا هو العلم، هذه هي روح العلماء التي وهبها الله قليلاً من الرجال أحبوا الحق حباً غلب على شهوات الأنفس وأماني القلوب. وأخذ اسبلنزاني يتمشى في غرفة عمله المظلمة وروحة وجيئة وكفاه خلف ظهره وهو يتفكر: ((. . . . ولكن مهلاً! أليس من الجائز أن نيدم خمن تخمينه وقعت في الصميم من الحقيقة وهو لا يدري؟! أليس من الجائز أن في هذه البذور قوة نباتية حقاً أعدمتها النار الشديدة؟!)
ثم قام فأتى بشيء من البذور، ثم قلاها في مقلاة كما يحمص اللبن، أعني حبه، حتى أرمدت واسودت، ثم وضعها في القوارير وصب عليها الماء، ثم هدر كالبعير يقول: (لو صح أن في هذه البذور قوة نباتية كما يزعمون إذن فقد أعدمها التحميص إعداماً)
وبعد أيام رجع إلى قارورته وما بها من الأحسية المطبوخة من البذور المحروقة، وأخذ ينظر إليها بعدسته فوجدها جميعاً مليئة بتلك الحيوانات الصغيرة يزحم بعضها بعضاً في مراحها ومغداها، تنعم بالحياة وتبتهج بالعيش في مرق الحب المحروق نفس الحياة الناعمة والعيش البهيج الذي كانت تجده في حساء الحب غير المحروق. وعلت وجهه ابتسامة ساخرة، كأنما كان ينظر في هذه الساعة إلى نيدم وإلى بيفون ويتصور ما قد نالهما من جراء ذلك من الحرج والضيق
حاول أن يقهر نفسه ويقهر نظريته، فإذا النتيجة تطلع بقهر نيدم رب التقوى، وبانحدار بيفون رب الظرافة. قالا إن النار تقتل القوة التي ابتدعاها فلا تتكون تلك الخلائق، وها هي ذي البذور تحرق حتى تتفحم وهي لا تزال ترفد تلك الأحياء بالغذاء الطيب المريء - (إذن فتلك القوة خرافة). وبهذا النداء صاح اسبلنزاني في أوربا يسمع دانيها وقاصيها فأخذت تنصت إليه
وأراد أن يستجم من عناء المخلوقات الضئيلة وما يتصل بها من أبحاث مجهدة، فحول إلى المعدة الإنسانية وأخذ يدرس الهضم كيف يحصل فيها، وأجرى في ذلك تجارب على نفسه كانت مؤذية قاسية. ولم يكفه فطلع إلى ذروة بيته، إلى تلك الحجرة الحارة المظلمة التي
стр. 7449
تلي سقيفة داره، وأخذ يدرس كيف أن الوطواط على عماه يستطيع أن يطير فيها ولا يصطدم بشيء مما بها. وفي ثنايا كل هذا استطاع أن يقتصد من وقته فيعين أولاد أخيه على التعلم، وأن يتكفل بحاجات أخته وأخيه، وما كانوا من ذكائه وعبقريته في شيء، ولكنهم كانوا من لحمه ومن دمه
ولم يلبث أن رجع القسيس يسأل نفسه ذلك السؤال القديم: كيف تنشأ الحياة؟ ذلك السؤال الذي منعه دينه من أن يجد له جواباً، وتلك الحياة العجيبة التي أوصاه دينه بأن يتقبلها بعين مغمضة وإيمان أعمى، وأن يتخذ من غرابتها آية من آيات الله العظيم، وأن يرى في غموضها لسراً من أسرار الحي القيوم. رجع يبحث في الحياة كيف تكون، وأخذ يجرب في الحيوانات الكبيرة بدل تلك الحيوانات المجهرية الصغيرة. وبدأ سلسلة من الأبحاث طويلة في سفاد الضفدع المسمى بأبي ذنيبة ساقته إلى فظائع كبيرة وتمثيل بالحيوان تقشعر منه الأبدان. . .
ولم يكن يأتي الفظاعة حباً لها، ولم يتعد حدود اللياقة ضيقاً بها، بل كان يتشمم حيثما قاده أنفه طلباً للمعرفة وتعشقاً لها. وقسا على نفسه كما قسا على الحيوان. ذلك أنه أراد أن يدرس كيف تهضم المعدة الطعام، فإذا يأتي بقطع صغيرة من الخشب يجعلها جوفاء ثم يملؤها باللحم ثم يبلعها، وبعد ذلك يضع إصبعه في حلقه فيقيئها، ثم يأخذ ينظر ما جرى للحم داخل الخشبات. وثابر كالمخبول على هذا العذاب حتى اعتراه غثيان دائم لم يجد معه إلا الإقرار بالضرر الحاصل فوقف التجارب
يتبع
أحمد زكي
стр. 7450
من الشعر المنثور
أيها الطفل الغرير!
للآنسة (فتاة الفرات)
- ١ -
رأيتك طفلاً كما يثب العصفور، فوق الأغصان،
وسمعتك تغرد كما يغرد البلبل، على الأفنان،
فاغتبطت بك اغتباطاً، طار بي من عالم الحقيقة إلى عالم الخيال،
وملأت بمنظرك الجميل عيني،
وشنفت بصوتك العذب سامعتي،
- ٢ -
ورأيتك يافعاً عائداً من المدرسة، تحمل أدواتك،
وجالساً إلى منضدتك تؤدي واجباتك،
على ثغرك ابتسامة الظفر، وعلى وجهك طمأنينة الأمل
فقلت: هلال سيكون بدراً تماماً،
وشبل سيكون أسداً ضرغاماً
- ٣ -
ثم رأيتك بعد أيام وقد برح بك الداء،
وأقر الطبيب بالعجز عن الدواء!
تنتزع نفسك من صدرك، وتقتلعه من بين أضلاعك،
ففر قلبي جزعاً عليك وطار،
وانهل الدمع في إثرك وسار!
- ٤ -
كنت جميلاً فزادك الموت جلالاً،
стр. 7451
وكنت جليلاً فزادتك المنية جلالا ً،
فأنت على سرير الموت ملء القلب وملء البصر،
نعم إن لك فوقه جمال العريس،
وجلال السيد الرئيس
- ٥ -
أيها الطفل الغرير!
أيها الغصن الغض النضير!
هذه قصيدة أنظمها فيك، بكاء لك وحزنا عليك،
كما تنظم يد الربيع لآلئ الأزهار
في أسلاك الأشجار،
- ٦ -
ما هي في الحقيقة عبارات،
إنما هي هي عبرات وحسرات،
نثرتها يد الحزن نثراً، فجاءت غير موزونة ولا مقفاة
إنها أنفس ما يملكه القلب الكسير
وأثمن ما يحرزه الطرف الحسير
- ٧ -
أنت للنفس سرورها!
وأنت للعين نورها!
لقد ذهب السرور وذهب النور، فلا نفس ولا عين،
كل شيء بعدك يسير،
وكل رزء غير رزئك حقير،
- ٨ -
الشمس مشرقة ولكن ليس لها ضياء!
стр. 7452
والقمر طالع ولكن فارقه البهاء!
والعنادل تغرد على الأغصان فلا تحرك ساكناً، ولا تثير كامناً،
فأنت مصدر كل نور
وأنت مبعث كل سرور
- ٩ -
لو استطعنا لغسلنكا بالدموع
ودفناك بين الحشا والضلوع
ضناً بك عن سكن الأجداث، ونزول الأرماس
فالرمائم للقبور
أما اللآلئ فإنها للصدور والنحور
- ١٠ -
رجعنا عنك وقد شققنا القلوب والأجفان،
لا الجيوب والأردان
ونفضنا أيدينا من أنفسنا، بعد أن نفضناها منك،
فلا كدر بعدك ولا صفاء
ولا سعادة ولا شقاء
- ١١ -
كل يوم للزمان فينا جولة
وله على صرح حياتنا صولة
ونحن إليه ساكنون مطمئنون، نرتع ونلعب،
فيا لله للإنسان ما أنساه!
وتباً للزمان ما أقساه!
- ١٢ -
نسر كاسر فوق حمام
стр. 7453
وذئب ضار بين أغنام
تسمع النبأة فتجزع وتطير، وتنقطع عنها فتسكن وتلهو،
فهل يلين الزمان بعد قسوته؟
وهل يصحو الإنسان من سكرته؟
- ١٣ -
سيبقى على قسوته الزمان
وسيظل على غفلته الإنسان
لتتم كلمة القضاء القاهر، في سكان الدور والقبور،
وليبتهج اللاعب بلعبته
وينعم بصولجانه وكرته
- ١٤ -
نبكي فتتزايل منا الأضالع،
ونضحك فتهل المدامع،
فبريق الابتسامة ينذر بالويل، كما ينذر وميض البرق بالصاعقة،
فمتى نكون إذن مسرورين؟
ومتى نكون هانئين وادعين؟
- ١٥ -
أيها الملك القاهر!
أيها الصانع الماهر!
صنعت الأقداح وملأتها، ثم عدت إليها فحطمتها وأرقتها!
فقطرات من دموع الفرح
إلى بحار من دموع الحزن والترح
- ١٦ -
ليتك ما أخذت ولا أعطيت
стр. 7454
وليتك ما أمت ولا أحييت
وليتنا بقينا بين طيات العدم وتحت أذيال الخفاء
فلم ننعم بنور الحياة
حتى لا نشقى بظلمة الممات
حلب
فتاة الفرات
стр. 7455
١٨ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
وما إن انتهى سقراط من هذا الحديث حتى ساد الصمت فترة طويلة، فبدأ هو نفسه، كما بدأ معظمنا، كأنما نفكر فيما قيل، إلا أن سيبيس وسمياس تهامسا بكلمات قليلة، فلما لحظ ذلك سقراط، استنبأهما عما ارتأيا فيما أقيم من دليل، وهل لم يزل يعوزه التدعيم، وقال: إن كثيراً منه لا يزال عرضة للشك والطعن، إذا ما صحت من أحد عزيمته أن يقلب النظر في جوانب الموضوع كلها، وإن كنتما تتحدثان عن شيء آخر، فخير ألا اعترضكما، أما إن كنتما لا تزالان تشكان في الدليل، فلا تترددا في أن تصرحا بكل ما تريانه، ولنأخذ بما قد تقترحانه، إن كان خيراً مما قلنا، واسمحا لي أن أعينكما إن كان يرجى لكما من نفع
قال سمياس: لابد من أن أعترف يا سقراط بأن الشكوك قد ثارت في عقولنا، وكان كل منا يحفز الآخر ويدفعه ليلقي السؤال الذي أراد أن يستجيب عنه والذي لم يرد أحد منا أن يلقيه، خشاة أن يكون إلحاحنا مضنياً لك في حالك الراهنة
فابتسم سقراط وقال: ألا ما أعجب ذلك يا سمياس! ما أحسبني في أرجح الظن مستطيعاً إقناع سائر الناس بأنني لا أجد رزءاً في موقفي هذا، ما دمت عاجزاً عن إقناعكم أنتم، وما دمتم على ظنكم أنني الآن أكثر مشغلة مني في أي وقت آخر. ألا تريان عندي من روح النبوة ما عند طيور التم؟ التي إذا أدركت أن الموت آت لا ريب فيه ازدادت تغريداً عنها في أي وقت آخر، مع أنها قد أنفقت في التغريد حياتها بأكملها، وذلك اغتباطاً منها بفكرة أنها وشيكة الانتقال إلى الله، الذي هي كهنته، ولما كان الناس يشفقون هم أنفسهم من الموت، تراهم يؤكدون افتراء أن طيور التم، إنما تنشد مرثية في ختام حياتها، ناسين أن ليس من الطيور ما يغرد من برد أو جوع أو ألم، حتى البلبل والسنونو، بل حتى الهدهد، الذي يقال عنه بحق إنه يغرد تغريدة الأسى، وأن كنت لا أومن أن ذلك يصدق عليه أكثر مما يصدق على طيور التم، فهي إنما أوتيت موهبة التنبؤ لقداستها عن أبولو، فاستطلعت ما
стр. 7456
في العالم الآخر من طيبات، فطفقت تغني لذلك وتمرح في ذاك اليوم أكثر مما فعلت في أي يوم سابق. كذلك أنا، فإني أعتقد في نفسي بأنني خادم قد اصطفاه الله نفسه، وإني رفيق لطيور التم فيما تعمل، فأنا أظن أن قد آتاني سيدي من التنبؤ موهبة ليست دون مواهبها مرتبة، فلن أغادر الحياة أقل مرحاً من التم. فلا تحفلا بعد هذا، وتكلما فيما تشاءان، وسلا عما تشاءان، في هذه الفترة التي يسمح فيها حكام أثينا الأحد عشر بالكلام
قال سمياس: حسناً يا سقراط، إذن فسأنفض إليك مسألتي، وسينبئك سيبس بمشكلته، فإني لأقول مجترئاً إنك تحس يا سقراط، كما أحس أنا، كم هو عسير أو يكاد يستحيل أن تبلغ في مثل هذه المسائل يقيناً، مادمت في هذه الحياة الحاضرة، ومع هذا، فإني لأتهم بالجبن كل من لا يدلل عليها ما وسعه الدليل، أو كل من خار به قلبه قبل أن يخبرها من كل جوانبها. فينبغي للمرء أن يثاير حتى ينتهي إلى أحد أمرين: إما أن يستكشف حقيقتها أو يعلمها، فإن استحال ذلك فإني أحب له أن يأخذ بأقوم الآراء البشرية وأبعدها عن التنفيذ، وليكن ذلك طوفه الذي يسبح به في الحياة - وأني مسلم بأنه لن يفعل ذلك دون أن يتعرض للخطر، إذا هو لم يستطع أن يجد من الله كلمة تسير به على هدى وطمأنينة
والآن فسأجسر، كما تريدني، على أن أستجيبك، لأني لا أحب أن آخذ على نفسي فيما بعد أنني لم أدل برأيي في حينه الملائم، فغني إذا ما قلبت النظر في الموضوع يا سقراط، سواء أكنت وحدي أم كنت مع سيبس، بدا لي أن التدليل لم يكن حاسماً
أجاب سقراط - إنني لأعترف يا صديقي أنك قد تكون مصيباً، ولكني أحب أن أعلم في أي ناحية لم يكن التدليل حاسماً
فأجاب سمياس - في هذه الناحية: ألا يجوز أن يستخدم أحد هذا الدليل بذاته في القيثارة والانسجام - ألا يحق له القول إن الانسجام شيء خفي، غير جثماني، لطيف إلهي، موجود في القيثارة المنسجمة، ولكن القيثارة والأوتار، مادة، وهي مادية متألفة من أجزاء أرضية، وتربطها القربى بالفناء؟ وأنه إذا تحطمت القيثارة أو تقطعت أوتارها وتمزقت، فإن من يأخذ بهذا الرأي يدلل كما تدلل أنت، وبالتشابه نفسه، على أن الانسجام يبقى حياً ولا يفنى، لأنك لا تستطيع أن تتصور، كما يجوز القول، أن تبقى القيثارة بغير أوتارها، بل وتبقى الأوتار الممزقة نفسها، على حين أن الانسجام الذي يمت بأسباب القربى إلى الطبيعة
стр. 7457
السماوية الخالدة يفنى - بل ويفنى قبل الذي هو فان. سيقول إن الانسجام لاشك موجود في مكان ما، وإن الفناء سيصيب الخشب والأوتار قبل أن يصيب ذلك الانسجام، وإني لأشك يا سقراط أنك ستأخذ، أنت أيضاً، في الروح بهذا الرأي الذي نميل جميعاً إلى الأخذ به، وستذهب كذلك إلى أن الجسد إنما أقيم وارتبطت أجزاؤه بفعل عناصر الحر والبرد والرطوبة والجفاف وما إليها، وأن الروح هي ما بين هاتيك العناصر من إنسجام، أو هي مزاجها المتزن المتناسب، فإن صح هذا نتج بداهة أن أوتار الجسد إذا ارتخت أو أجهدت بغير مبرر بسبب الفوضى أو أي فساد آخر فنيت لذلك الروح جملة واحدة، برغم ما بها من ألوهية غالبة، مثل سائر الانسجامات التي تكون في الموسيقى أو آيات الفن، ولو أن بقايا الجسد المادية ربما لبثت طويلاً حتى يدركها الفناء أو الاحتراق. والآن، إن زعم زاعم بأن الروح تفنى أولاً فيما يسمى بالموت، باعتبار أنها ما بين عناصر الجسد من انسجام، فبم نجيبه؟
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 7458
من أدب الهند
٢ - الأمير خسرو
الشاعر الهندي الكبير
بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني
الهندي
قبل أن نلقي نظرة في شعر خسرو يجدر بنا أن نبين معنى الشعر والغرض منه في صوره المختلفة عند كبار المفكرين حتى يتمكن القارئ من الحكم على شعره بما هو خليق به
قال جانسون: إن الشعر هو توحيد اللذة مع الحق، يدعى فيه الخيال لمساعدة العقل. وعند استيوارت مل: الشعر هو ما يتوقف على الفكر والكلمات التي تجتمع العاطفة فيها من تلقاء نفسها. وقال ميكاليه: إننا نعني بالشعر استعمال الكلمات بطريق أن يوجد الوهم على التخيل، وهو فن يعمل فيه الشاعر بالكلمات ما يعمله الرسام بالألوان. وقال الأستاذ كورتهوب: إنه فن إيجاد اللذة بالتعبير الصحيح عن الفكر الخيالي والعاطفة في كلام موزون. وقال الشاعر نظامي العروضي السمرقندي من المسلمين: إنه فن يرتب به الشاعر القضايا الخيالية ويخلطها بالتشبيهات المثمرة، ليستطيع أن يظهر الصغير كبيراً، والكبير صغيراً، أو يظهر الخير في لباس الشر والشر في لباس الخير
نستنبط من التعاريف المذكورة المختلفة للشعر، أن الشعر هو تعبير عاطفي خيالي عن الحياة كما تصوغ نفسها في فكر المعبر - هو معالجة الحقائق والتجارب والمسائل بطريق يسود فيه العنصر الخيالي. والشعر ينقسم إلى قسمين: داخلي أو شخصي، وخارجي أو غير شخصي. ففي الأول يوجه الشاعر جل عنايته إلى نفسه يستوحي ويستلهم عواطفه الخاصة وتجاربه الذاتية. وفي الثاني يتوجه إلى غيره يعامل العالم الخارج عن نفسه بغير الاستناد إلى ذاته وشخصه. والأول يشمل جميع أقسام الأناشيد والشعر الغنائي مثل الغزل والنسيب وأناشيد الوطنية والروحانية الخ، كما يشمل الشعر الفلسفي والفكري. وأما الثاني فينقسم إلى قسمين: قصصي وتمثيلي. فالشعر المختص بالملاحم والفروسية والأساطير من أهم أصناف الشعر القصصي. والتمثيلي هو ما يقدم لك صوراً واضحة لسجايا الأشخاص المختلفة،
стр. 7459
وأخلاقهم في حكاية تمثل
في ضوء هذه التعاريف للشعر وأصنافه ونواحيه المترامية الأطراف حين نلقي نظرة على شعر خسرو نجد أن عبقريته الشاملة لم تترك نوعاً من أنواعه ولا ناحية من نواحيه إلا باشرتها بالإجادة والإبداع. فهو قد أتقن جميع أنواع الشعر اتقاناً حقيقياً. وأنتجت قريحته في جميع نواحي الشعر إنتاجاً نال استحسان كبار الشعراء والنوابغ في زمنه وفيما بعد. وهذه مزية لم توجد في غيره. فإن غيره من شعراء اللغة الفارسية لم يقدر أحد منهم لا قبله ولا بعده، ولا في الهند ولا في بلاد فارس، أن يقول الشعر ويحاكي إلهامه الشعري في أكثر من صورة واحدة أو صورتين من أنواع الشعر
فملوك الشعر الفارسي يعدون ستة: فردوسي، وسعدي، وأنوري، وحافظ، وعرفي، ونظيري. ولكن مملكة كل منهم لم تتعد حدود نوع واحد من أنواع الشعر. فالفردوسي لم يقدر أن يتجاوز حدود المثنوي، وتصنيفه فيه هو الملحمة الكبيرة المسماة شاهنامه، وقد نشر ترجمتها بالعربية صديقنا الأستاذ عبد الوهاب عزام. وسعدي كان ملك الغزل، ولكنه لم يقدر أن يجيد القصيدة ولا المثنوي، كما أن براعة أنوري كانت محدودة في القصيدة، ولم تكن قادرة على الغزل المثنوي. كذلك حافظ ونظيري وعرفي كانوا نوابغ في الغزل، وغير قادرين على أنواع الشعر الأخرى. ولكن ذكاء خسروا الجامع المتسع لم يقتصر على واحد منها بل تناول (غزلاً) كما تناول (مثنوياً) وعالج (قصيدة) كما عالج (رباعياً) بغاية الإجادة والإتقان في جميع نواحيها، حتى لم يترك الأصناف الصغيرة الأخرى من الشعر الفارسي مثل (مستزاد) و (صنايع) و (بدايع)
هذا من حيث أنواع الشعر، وأما من حيث كمية الإنتاج، فنجد أنه لا يوجد له ند في ذلك أيضاً. فإن عدد الأبيات للفردوسي لم يزد على ثمانين ألفاً، كما أن عدد الأبيات للشاعر الفارسي صائب لم يزد على ألف، ولكن ما جادت به قريحة خسرو يبلغ بضع مائة ألف بيت. فقد ذكر غير واحد من المؤرخين في كتبهم أن عدد الأبيات الفارسية له يتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة ألف. وفي بعض الروايات ستمائة ألف
كان خسرو يجيد بضع لغات إجادة تامة. فكان يتقن التركية لأنه كان من أصل تركي. والفارسية لأنها كانت لغة دينه، والاردية لأنها كانت اللغة الشائعة بين الناس. ولم يكن
стр. 7460
خسرو جاهلاً السنسكريتية لغة جيرانه الوثنيين المقدسة. فقد اعترف في كتابه (نه سبهر) بكل تواضع حيث قال: (عندي إلمام بتلك اللغة أيضاً). وعلى ذلك لم يكن خسرو شاعراً بالفارسية فقط، بل باللغات الأخرى أيضاً. بيد أن أكثر آثاره قد ضاع ولم يبق إلا القليل الذي بالفارسية والاردية
يعد خسرو من مؤتنف شعراء اللغة الاردية، لأنها كانت حينئذ في دور التكوين. فقد غذاها بالأناشيد والنكت والطرائف والكتب الدراسية للأطفال شعراً، ولا تزال شائعة بين الهنود وإن مر عليها أكثر من ستة قرون. وقد ذكر المؤرخ أوحدي في كتابه (تذكره معرفت) أن إنتاج خسرو في اللغة الاردية يساوي إنتاجه في الفارسية. فإن صح ذلك فمن الأسف أن لم يبق من ذلك الأثر العظيم إلا نزر يسير
لم يكن خسرو شاعراً فقط، بل كان ناثراً كذلك وإن قل إنتاجه في النثر بالنظر إلى إنتاجه في الشعر، فله غير واحد من الكتب الضخمة نثراً. اعترف أهل الفن بطول باعه فيه أيضا. وجميع منظوماته باللغة الفارسية التي توجد في الهند هي كما يلي: -
١ - من نوع المثنوي
(١) مطلع الأنوار: نظمه في مدة أسبوعين في سنة ٦٩٨ هجرية وهو في التصوف، وقد نهج فيه منهج نظامي (الشاعر الفارسي الشهير) في كتابه (مخزن الأسرار) ويحتوي على ٣٣١٠ أبيات
(٢) شيرين وخسرو: نظمه في نفس سنة ٦٩٨ هجرية وهو يحتوي على حكاية عشق خسرو لشيرين وكلاهما من أبطال الحب في الأدب الفارسي مثل مجنون ليلى في الأدب العربي. وعدد الأبيات فيه ٤١٢٤ بيتاً
(٣) ليلى ومجنون: صنفه في نفس السنة المذكورة وهو يشتمل على ٢٦٦٠ بيتاً
(٤) آيثن اسكندري: صنفه في سنة ٦٩٩ هجرية ونهج فيه منهج (سكندرنامه) للنظامي وعدد أبياته ٤٤٥٠ بيتاً
(٥) هشت بهشت: أتمه في أوائل سنة ٧٠١ هجرية وقد نهج فيه منهج (هفت بيكر) للنظامي، وعدد الأبيات فيه ٣٣٨٢ بيتاً
وهذه الكتب الخمسة المذكورة يقال لها (بنج كنج) أو (خمسة خسرو) تدل على سرعة إنتاج
следующие страницы →