← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرءه في كل كتاب (استغفر الله) نكاد نقرءه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم بريء الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حيناً ويضاعفه أحيانا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى ينقذها من هذه الحياة. فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضا هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهاداً عنيفاً ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج

стр. 772

لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى انهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعاً شعراء. والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفاً وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها واستقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرة سمحة كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيراً من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيراً من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئاً من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظ عامية مبتذلة لا ينبغي ان توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة ٧٢ و١٤٠. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمة قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيراً كثيراً. أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطا به مبتهجا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فناً جديدا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابا جديدا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقاً، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب

стр. 773

الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرءونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرءوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناء عذبا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين. أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. . ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة. ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يتميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرءون، وحين يجدون ألفاظاً وجملا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلح في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف. كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحاً مصرياً ظريفاً وروحا أوربياً قوياً. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها. فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفاً في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا. ثم بعثهم الله فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه.

стр. 774

وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم إن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالا فنيا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعات للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير الموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثراً فنياً بديعاً كان خليقاً أن يهنأ بشجاعته وبراعته معا. فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحياناً في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحك حكاية ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جداً بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم الا شخص واحد، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقا جديدا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي اليها،

стр. 775

ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبا ولا متأثراً بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذاً بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وان تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وان ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟ كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وان تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فناً بديعاً نادرا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلما ولا أستاذاً ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبا عربياً كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقا وأرشدهم حقا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء. والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ إحداهما الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين. أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ والى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا

стр. 776

وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس! أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع. ولكن وكم أنا آسف للكن هذه. وكم كنت أحب ألا احتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحا جديداً لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيا عنيفا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وان يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس. أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدا، الطويلة جدا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس. هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه

стр. 777

القصة. أما بعد فأني أرجو مخلصا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وان تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.

стр. 778

القصَص في الأدب الإيطالي الحديث الرواية في بونتاسياف! للكاتب الإيطالي لوسيو دامبرا وفعلا، لم تمض ثمانية أيام حتى كانت الغرفة قد أعدت! وهذا الحادث العظيم، هذا الحادث الغريب، حادث إصرار (مارك سيريني) على أن تمثل روايته الحديثة ولأول مرة، في قرية حقيرة لا يتجاوز عدد سكانها الخمسة آلاف نسمة، هذا الحادث الذي لا يصدق، أثارت الصحافة حوله ضجة كبرى، اقتحمت حدود إيطاليا وأقلقت صحافة أوربا بأسرها. ولقد كانت هذه القضية رنانة كسائر قضايا (مارك سيريني) ورنانة أيضا كانت عودة رئيس الشركة الأمريكية من (بونتاسياف) إلى (الستيديو)، حيث كان المؤلف، وسيجارته في فمه، ممتداً على أريكة وثيرة، يفكر بسيدة النافذة الشهية!!! - كل شيء الا هذا!. . . لقد ذهبت أتعابنا أدراج الرياح: أني أعود من (بونتاسياف) إذ ليس فيها مسرح!!! - ليس فيها مسرح؟ هذا أمر عديم الأهمية: إن بناء مسرح لا يستغرق أكثر من شهر، وهو الوقت اللازم للحفظ والمراجعات. - ماذا؟؟. . . بناء مسرح جديد؟. . . وفي ظروف شهر واحد؟؟ لم يتحرك (سيريني)،. . نظر إلى طاولة عليها رزنامة من المعدن اللماع. وقال: - أجل، في شهر واحد!. . . نحن الآن في سبتمبر، ولن يزال البرد شديداً حتى في أكتوبر في هذه البلاد،. . . وبعد، فان بناء مسرح خشبي يتسع لألفين شخص، لا يمكن أن يستغرق أكثر من ثلاثة أسابيع. - وتزيينه؟. . . وتنميقه؟. . . في ثلاثة أسابيع؟ لن يكون هذا المسرح سوى براكة. . . . هنا انتفض (سيريني) وأجاب بلهجة قاسية: - لن يتسابق الناس لمشاهدة المسرح، بل لمشاهدة روايتي!!! - ٤ -

стр. 779

لنختصر: لم ينتجع وسيلة لحمله على تغيير رأيه، ولو كان رئيس الشركة التي تعاقد معه إيطالياً، لترك الأرباح التي قد تنجم عن هذا الاتفاق، ولترك المؤلف يسدر في عناده وجنونه، ولكنه كان أمريكياً، وللأمريكيين عقل خاص، وتفكير خاص يميزانهم عن غيرهم. ولم يمض شهر، حتى كان كل شيء قد تم: حفظت الرواية وروجعت وأقيم المسرح في بقعة جميلة. أما ما جرى في (بونتاسياف) في ذلك الوقت، فأمر لا يستطاع تصويره أو وصفه، ولا شك أن بينكم أناساً وجدوا فيها، في ذلك الحين، وهؤلاء وحدهم يستطيعون أن يذكروا كيف احتلت الغرف المعدة للإيجار احتلالا لا يفرق عن الاحتلال العسكري بشيء، وكيف أن الجموع الغفيرة تسابقت إلى فلورانسا وإلى (اريزو) لتبحث لها عن مبيت، وكيف أنها عادت إلى (بونتاسياف) لتحضر تمثيل الرواية، وتعود بعد منتصف الليل إلى إحدى المدينتين المذكورتين. . ولا شك انهم يذكرون أيضاً أنه كان بين المتفرجين أناس تقاطروا من أقصى البلاد، بينهم كثير من النقاد المسرحيين، ورؤساء شركات التمثيل الأجنبية. . . . وقد كان بينهم صحفيون اضطروا خدمة للفن أن يبيتوا ليلة كاملة في القطار، وان يضيعوا يوما كاملا في ساحة (بونتاسياف) وأن يمضوا ليلة ثانية متعبة، في دائرة البرق، حيث ظن عامل التلغراف المسكين، إن الساعة اقتربت، وإن القيامة قامت!!! وليست هذه بالمعركة الأولى التي استبسل فيها (مارك سيريني) بطبعه الهادئ الرزين، ولكنها كانت أشد المعارك كلها وأحماها وطيساً، لأن تلك الرغبة الشاذة، التي شاءت أن تضطر محبي الفن للمجيء إلى (بونتاسياف) تركت أسوأ الأثر في النفوس، حتى أن القادمين كانوا على أتم استعداد لأن يثأروا لأنفسهم! وهكذا فانه قبل أن يرفع الستار بساعتين، أسرع أصدقاء (سيريني) إليه، وأخبروه أن الجو مكهرب، وأن عواصف السخط والغضب لن تلبث أن تصدم الرواية صدمة عنيفة، ربما كانت لا تقوى على احتمالها، ولكن المؤلف أجابهم بلهجة حازمة: - إذا كانت لديهم سهام فليسددوها!. . وإذا كان لديهم قنابل فليقذفوها!. . أما أنا ففي غنى عن آرائهم: لا يهمني هذا المساء، غير رأي شخص واحد! - امرأة؟ - طبعاً!. . ومن تريدون أن يكون إذن؟. . وزير؟

стр. 780

ولم يزد على ذلك كلمة لأنه كان يحرص كل الحرص على أن يخلص بسره لنفسه. . . أما الناس فقد ذهبوا في الظن كل مذهب. . - ٥ - ومع ذلك، ورغم هذا الحرص فانه لم يضن على به. . من عادة (سيريني) أن يتخلف عن حضور رواياته، عند تمثيلها لأول مرة، ومن عادته أيضاً أن يدور حول المسرح كما تدور الفراشة حول الضوء، حتى إذا أخذ اللهيب بأحد أجنحتها لجأت إلى الهرب فإذا نسيت اللهيب وأثره في جسمها عادت تحوم حول الضوء وحول الخطر، و (سيريني) يحاول ان يتظاهر بالهدوء. وأن يتحدث عن أشياء لا مساس لها بالرواية حتى إذا أصابها الإخفاق فقد رزانته وشرع يصب جام غضبه طيلة الليلة بكاملها على تلك الجموع المأفونة التي لا تقدر الفن، ولا تفهمه، ولا تستحق أن تفهمه، ورماها بأقبح الوصمات وأشنعها. أخذنا نتنزه سوية، ذلك المساء في أزقة القرية التي استحالت في ساعة من الزمن إلى ميدان تتزاحم فيه السيارات، ويتكدس بعضها فوق البعض الآخر. . وكان الشاعر يبتسم، ويطلعني بهدوء على الأسباب التي حدت به لأن يثير عليه سخط تلك الجموع الغفيرة، وكان يقول لي وهو يضغط على يدي: - أفهمت؟. . أفهمت؟. . أني إذا كنت أصررت ألا تمثل روايتي لأول مرة إلا في (بونتاسياف) فلأني أريد أن استثير إعجابها!!. . تلك هي الغاية الوحيدة التي أرغب في إدراكها من غرامي الغريب! - آه!. . . لو انك رأيتها في ذلك اليوم، لصهرك حبها رغم ما أنت عليه من (برود)، وبعد، فأنا لست أعتقد إن بين الذكور، رجالا ينطبق عليهم هذا الوصف، وإنما هم جميعاً في نظري، براكين هادئة. تثيرها مشاهدة امرأة، وتجعلها أشد هياجاً من البراكين الدائمة الإستعار! آه. . لو رأيتها وهي تطل من فتحة النافذة!. . . ها. . . . ها هي. . . . نافذتها! - كانت نافذتها مغلقة، وهي ذات درفات خضر، وواجهة وردية. . . . كانت محكمة الغلق، لا يتسرب من خصاصها أقل بصيص نور، فسر (مارك) لذلك، وقال بلهجة المنتصر: - لم يبق أحد في داره!. . . لقد ذهبت (المدينة) بأسرها لمشاهدة روايتي!. . . وهي، هي. . . هي في هذه الساعة، هناك، مأخوذة بجمال روايتي وقوتها، تكتسحها موجة الإعجاب

стр. 781

التي أردت أن أتغلب عليها بها. . . . أني اقدم لها فخراً لا يعدله في العالم فخر. . . أقدم لها عيداً، بل مهرجاناً لا يحلم به أحد!. . . أي سحر؟. . . وأي عيون؟؟؟ آه!. . أني لا أتمنى إلا أن تبادلني الحب هذه الريفية الحسناء، أنا الشاعر المتعب. . أنا الشاعر الفتان، الذي تضايقه النساء، وتطارده. . تلك النساء اللواتي تجملهن المساحيق، وتزينهن (الكريمات) المختلفة. . . تلك النساء الكئيبات، اللواتي يلبسن جوارب بمائتين فرنك فقط. . . تلك النساء الفارغات القلوب، كبطونهن التي لا يملأنها خشية السمنة!!! إن سيدة النافذة، على نقيض هذا كله: هي بسيطة رشيقة حقيقية الجمال، لها نفس، ولها قلب، ولها مواهب، ولها نباهة ولقد قرأت في عينيها ذلك الإعجاب اللامتناهي الذي تخصني به وتسبغه عليّ! وأنا موقن أن هذه الحسناء قرأت رواياتي كلها، وأنها أصبحت تعرفها ولكن معرفتها بها لا يجوز أن تقارن بمعرفة صديقاتي المعجبات (باركهن الله) بما وضعت من روايات. . تلك الصديقات اللواتي يتسارعن لمشاهدة رواياتي عندما تعرض للتمثيل لأول مرة، وكأنهن يتسابقن (ليجبرن خاطري). . حتى إذا بدأ التمثيل أخذن في الثرثرة والمغازلة مع عشاقهن في زوايا المقصورات: إنهن لا يتقاطرن على المسرح من أجلي، أو من أجل رواياتي. . كلا!. . بل ليعرضن على الأنظار أثوابهن الحديثة!. وألقى نظرة أخيرة على درفات النافذة، ثم أخذ يتجه نحو المسرح، كما يتجه الفراش نحو الضوء. - أني أحبها. . أحبها حتى العبادة!. . ولأجلها وضعت هذه الرواية، وقد وضعتها بعاطفة لم اشعر بمثلها من قبل!. . أقسم لك على ذلك!. . . تصور. . . تصور انك ذات مساء، تبصر بين الحضور المرأة الوحيدة التي تحبك وتعجب بك إعجابا لا يحد بحدود، ولا يقاس بمقياس، تصور ذلك، وقل، ألا تدير (السانفوني) التاسعة إدارة لا تحسن مثلها في كل وقت؟ ألا تخرج منها ما لم يحلم (بتهوفن) نفسه أن يخرجه منها؟؟ إذن. . أنا اليوم أحارب هذه الجماهير كلها. من اجلها هي. أنا أحارب باسمها وبجمالها! إن رواياتي إنما هي معارك، وحروب، وسباقات، إذن فهي لا تبعث على التثاؤب والملل، وإذن فهي لا تدع المتفرجين هادئين ساكنين، بل تحرك ما في نفوسهم من عواطف وميول

стр. 782

وتحملهم على التفكير. ماذا؟. انتصار؟. لم نكد ندرك المسرح، حتى هرع إلينا بعض الأصدقاء. - انتهى الفصل الثاني منذ قليل: نجاح لا مثيل له!. . انتصار لا يعد له انتصار!. . ولكن أي جمهور في بدء التمثيل؟ جمهور عبوس حذر، إلا أنه لم يلبث أن خفف من حدته بالرغم منه حتى إذا كان التمثيل، لم يتمالك أيديه عن التصفيق وألسنته عن الهتاف: وهكذا، لم ينتهي الفصل الأول حتى ثارت عواطف التقدير، وانفجرت قنابل الإعجاب. أما الفصل الثاني، فهو الذي أتم الانتصار وجعل الستار ينزل بين رعود من التصفيق الحاد المتواصل، والهتاف العالي القاصف!!!. . . وقد اضطرت الممثلة (تيريز اندرياني) أكثر من عشر مرات متوالية أن تعود إلى المسرح، لتحية الجماهير المعجبة. أيزاك شموش. حلب

стр. 783

العدد ١٠ - بتاريخ: ٠١ - ٠٦ - ١٩٣٣

стр. 784

من بريد الرسالة بين الرسالة والمرأة في بريد الرسالة بالأمس كتاب بالفرنسية، أنيق الشكل، جيد الخط، رائق الأسلوب، في رأسه وفي ذيله قرأته فذكرت بأسلوبه وإمضائه تلك المقالات الرقيقة التي كانت تتألق بالذكاء النسوي المصري في صدر (الليبرتيه) أيام كان يصدرها الأستاذ (ليون كاسترو). وسواء أكانت (الحياتان) واحدة أم اثنتين، فأن الأدب الذي يصدر عن هذه النفس والثقافة التي تظهر في هذا الأدب، يحملاننا على أن نناقش الآنسة الفاضلة في هدوء المنطق، ونعاتبها في حدود الرفق، ولا أقول إني أصطنع القول اللين، والحجاج الهين، لأن ذلك واجب الرجل في خطاب المرأة، فأن الآنسة تقول: (وما اعترفت منذ عرفت الرجل وسبرت قواه في مطالعاتي واختباراتي أن له من المزايا الفطرة ما يجعله قيماً على المرأة، وأن من هوان نفسي عليّ أن أقبل منه العطف لأني ضعيفة، أو اللطف لأني امرأة. . .) شغلت الآنسة الصفحة الأولى من كتابها، بتقريظ الرسالة وكتابها ونحن مع الشكر لها نعتقد مخلصين أن مجهود الرسالة لا يزال لضآلته أبعد ما يكون عن تحقيق الأمل واستحقاق الحمد، ثم قالت: (ليس قصدي من هذه الكلمة أن أكون معك أو عليك فيما كتبته موفقاً عن المرأة، فأني أعتقد أن هذه المسألة لا تتعلق إلا بنا، ولا يكون الحكم فيها إلا لنا، وما دخول الرجل فيها إلا أثر من اعتقاده القديم أن في يده زمام هذا الجنس المنكوب يرخيه ويشده على هواه ` والأمر لا يخرج على كونه نظاماً طبيعياً يجري على سنة الحياة من هيمنة القوة على الضعف، وطغيان الأثرة الباغية على العدل الذليل. . . فحرية المرأة كحرية الأمة سبيلها الفعل وحجتهما القوة، أما الدفاع بالقول والإقناع بالحق فأصوات مبهمة كزفيف الريح المحبوسة في مخارم الجبل لا تدل على الطريق ولا تساعد على الفرج. لا أقصد كما قلت أن أناقش رجلاً في موضوع لا شأن له به، إنما أريد أن أقول لك إذا كان رأيك في المرأة هذا الرأي، وعطفك عليها هذا العطف، فلم حرمتها أن يكون لثقافتها مظهر في الرسالة بجانب ثقافة الرجل؟ فإن من يقرأ الرسالة في غير مصر يظنها تصدر عن بلاد كبلاد (الأسطورة الصينية) ليس فيها امرأة. . سأنزل في الجواب على إرادة الآنسة (حياة) فلا أخوض معها في حديث المرأة، ولا أعتب

стр. 785

عليها في انتقاص الرجل، مادام الفصل في خصومة الجنسين للطبيعة لا لأحدهما. سأقصره إذن على ما أخذته الآنسة على الرسالة من إغفالها ثقافة المرأة، ونحن في ذلك إنما نجري على مذهبها الذي ارتضته وأعلته فلم نرد أن يتحدث الرجال عن شؤون النساء الخاصة، وفتحنا الباب ومنعنا أن يدخل منه غير أهله، ثم انتظرنا أن يصل إليه شيء يدل بقيمته وقوته على النهضة النسائية المزعومة، فلم يأتنا بعد تسعة أعداد من الرسالة إلا كتابان: أحدهما منك والآخر من آنسة تسمى (عفيفة سيد، شارع الشيخة صباح، طنطا). فأما كتابك يا سيدتي فقد قبلته الرسالة (موضوعاً) ورفضته (شكلاً) لأن كتابك إياه بالفرنسية الخالصة تدل على تلك الثقافة الشوهاء التي لا ترضاها الرسالة للفتاة. فهل تظنين أن العربية تقل جمالاً في الفم الجميل والقلم المذهب عن الفرنسية؟ وهل تظنين أن جَرْس العربية يقل إمتاعاً في الصالون، وإيقاعا في (النجوى) عن جرس الفرنسية؟ وهل تعتقدين أن المصرية لا تكون حديثة لنشأة ولا عصرية الثقافة إلا إذا كتبت بالفرنسية، أو ارتضخت لكنة أجنبية؟ إن المصارف والمتاجر والشركات وأرباب الامتيازات يحتقرون العربية لأنهم (الانديجين) وأولئك الانديجين لا يزالون من خدر الذل في بلادة صماء يضيع فيها وخز الإهانة! ولكنك يا سيدتي تسمين حياة، وتشيرين في كتابك إلى حفظ القرآن وإقامة الصلاة. فكيف تسيئين بنفسك إلى كرامتك. وبيدك إلى لسانك!؟ هذا كتابك وهو في رأيي محتاج إلى عفو الوطن. أما كتاب الآنسة الأخرى فهو بالعربية، ولكنه عبث طفلي ترجين وأرجو أن يقف داؤه عند الآنسة (عفيفة) أتدرين علام لصقت غلافه؟ لصقته على رسالة ومقالة! فالرسالة تعتب علينا في إغفالنا باب المرأة. وترغب إلينا في نشر المقالة (وهي كما تقول قطعة بقلمها تشجيعاً لها ولزميلاتها على الكتابة. .) والمقالة عنوانها (قبلة حية في رسالة) وتقرئيها، ومعاذ الله إن تقرئيها، فإذا المتكلم عاشق داعر، وإذا المخاطب معشوقة هلوك!! فخبريني يا سيدتي هل استجملت الناقة، أم طبقت الآنسة مذهب (لاجارسون) حتى في هذه العلاقة؟ وهل يروقك بعد ذلك إن تكون لثقافة المصرية في الرسالة هذا المظهر الأجنبي، أو ذلك العبث الخلقي؟؟ بين النجف وبغداد روينا في هذا المكان من العدد الثامن إن وزارة المعارف العراقية، رغبت في تغيير

стр. 786

الأناشيد المدرسية، فقدمت إليها على الفور (جمعية الرابطة الأدبية في بغداد) ثلاثين نشيداً. . . ولكن كتاباً من النجف جاءنا اليوم يصحح الرواية ويقول: (إن الأناشيد نتاج قرائح الرابطة العلمية الأدبية بالنجف الأشرف مركز الثقافة العربية) ونحن نعلن هذا التصريح ونزيد عليه إن الشعر في العراق فراتي لا يستسيغ (كثيراً) ماء دجلة، ولنا على هذا الرأي تدليل سننشره في يوم قريب. ولئن عناك أن تسأل بعد ذاك عما صنعته (الرابطة الأدبية في بغداد) فأعلم إنها شربت الشاي مرة عند الرئيس، ومرة أخرى عند أحد الأعضاء، ثم أدركها الحر فرقدت بجانب (جمعية الثقافة العربية) في سرداب! ومن الذي تظنه يوقظها وقد هاجر البؤس بالرصافي إلى قرية الفلوجة، وظفر النعيم بالزهاوي إلى جوار الملك في شارع الأعظمية؟؟ أحمد حسن الزيات

стр. 787

إلى الدكتور طه حسين من الأستاذ توفيق الحكيم يا دكتور يعنيك طبعاً أن تعلم كيف يرى الجيل الجديد عملك وعمل أصحابك، إن رسالتي إليك ليست حكماً يصدره الجيل الجديد، إنما هي تفسير لذلك العمل، لك أن تقره ولك أن تنكره. لا ريب إن العقلية المصرية قد تغيرت اليوم تحت عصاك السحرية، كيف تغيرت؟ هذا هو موضوع الكلام، إن شئون الفكر في مصر حتى قبل ظهور جيلك كانت قاصرة على المحاكاة والتقليد، محاكاة التفكير العربي وتقليده، كنا في شبه إغماء، لا شعور لنا بالذات، لا نرى أنفسنا ولكن نرى العرب الغابرين، لا نحس بوجودناولكن نحس بوجودهم هم، لم تكن كلمة (أنا) معروفة للعقل المصري. لم تكن فكرة الشخصية المصرية قد ولدت بعد. رجل واحد لمعت في نفسه تلك الفكرة فأضاء لكم الطريق: (لطفي بك السيد)، وسرتم ركضاً حتى بلغتم اليوم هذه الغاية، وإذا الجيل الجديد أمام روح جديدة وأمام عمل جديد. لم يعد الأدب مجرد تقليد أو مجرد استمرار للأدب العربي القديم في روحه وشكله، وإنما هو إبداع وخلق لم يعرفهما العرب. وبدت الذاتية المصرية واضحة لا في روح الكتابة وحدها بل في الأسلوب واللغة أيضاً، من ذا يستطيع أن يرد أسلوب طه حسين إلى أصل عربي قديم؟ بون شاسع بين الأمس واليوم. حتى أمس القريب كانت مقامات الحريري ورسائل عبد الحميد وبديع الزمان مثلاً تحتذي في كتابات حفني ناصف والمويلحي وغيرهما ممن رسفوا في أغلال التقليد راضين أو مرغمين. لقد بدأنا نعي ونحس بوجودنا، وأول مظاهر الوعي شخصية الأسلوب واستقلال طريقة التعبير وما يتبعها من ألفاظ وأخيلة، بهذا يبشر صاحبكم احمد أمين اليوم، ويصيح في هذا الجيل كي ينظر فيما حوله ويعبر عما يراه بخياله هو لا بخيال العرب. كل هذا جلي معروف، ولم أبعث برسالتي من أجله، حاجة مصر إلى الاستقلال الفكري أمر لا نزاع اليوم فيه، وعملك أنت وأصحابك لهذا الاستقلال أمر لا نزاع فيه أيضاً. ولقد مضى كلامكم في هذا، إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات الفكر المصري. معرفة أنفسنا: حتى تتبين لجيلنا مهمته. هذه هي المسألة، لقد فهمنا عنكم مميزات الأسلوب والشكل، وما فهمنا بعد جيداً مميزات النفس والروح، ما هي مميزات العقلية المصرية في الماضي والحاضر والمستقبل؟ ما روح مصر؟

стр. 788

ما مصر؟ إن اختلاطنا بالروح العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا إن لنا روحاً خاصة تنبض نبضات ضعيفة تثقل تحت ثقل تلك الروح الأخرى الغالبة. وإن أول واجب عليكم لنا استخراج أحد العنصرين من الآخر. حتى إذا ما تم تمييز الروحين إحداهما من الأخرى كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، وكان لكم أن تقولوا لنا: (ها نحن أولاء أنرنا لكم الطريق إلى أنفسكم فسيروا) لا بد لنا إذن أن نعرف ما المصري وما العربي؟ هذا السؤال ألقيته على نفسي منذ ست سنوات إذ كنت ادرس الفنين المصري والإغريقي. وكانت المسالة عندي وقتئذ: ما المصري وما الإغريقي؟ وأذكر أني أثرت هذه المسألة أمام بعض أصدقائي في حي (مونبارناس)، أذكر أني لخصت لهم الفرق بين العقليتين بمثل واحد في فن النحت سائلاً: ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد وعند الإغريق عارية الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله، نعم كل شيء مستتر خفي عند المصريين، وعار جلي عند الإغريق، كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة. كل شيء عند المصريين مستتر كالنفس، وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق. في مصر الروح والنفس، وفي اليونان المادة والعقل. نظرةٌ أخرى في أسلوب النحت تدعم هذا الكلام. أن المثّال المصري لا يعنيه جمال الجسد ولا جمال الطبيعة من حيث هي شكل ظاهر، إنما تعنيه الفكرة، انه يستنطق الحجر كلاماً وأفكاراً وعقائد. على انه يشعر مع ذلك بالتناسق الداخلي، يشعر بالقوانين المستترة التي تسيطر على الأشكال، يشعر بالهندسة غير المنظورة التي تربط كل شيء بكل شيء، يشعر بالكل في الجزء، وبالجزء في الكل، وتلك أولى علامات الوعي في الخلق والبناء؛ هذا كله يحسه الفنان المصري لأن له بصيرة غريزية أو مدبرة تنفذ إلى ما وراء الأشكال الظاهرة لتحيط بقوانينها المستترة، فنان عجيب لا يصرفه الجمال الظاهر للأشياء عن الجمال الباطن. إنه يريد أن يصور روح الأشكال لا أجسامها، وما روح الشكل إلا القانون العام الأعلى المستتر خلفه؛ إن ولع المصريين بالقوانين الخفية لشيء يبلغ حد المرض، مرض إلهي، لو أن الآلهة تمرض لكان هذا مرضها: فرط البحث عن القانون! كل شئ في مصر إلهي، لأن مصر التي منحتها الطبيعة الخير واليسر وسهولة العيش وكفتها مشقة الإجهاد في سبيل المادة استلقت منذ الأزل تتأمل ما وراء المادة. . حظها في هذا حظ الهند: أمة

стр. 789

كثيرة الخير كذلك دانية القطوف لا حاجة بها إلى الكفاح ولا عمل لها إلا استمراء ترف الحكمة العليا، انقطعت هي أيضاً من قديم تحت أشجارها المقدسة تبحث عما وراء الحقيقة. مصر والهند حضارتان قامتا على الروح لأنهما قد شبعتا من المادة، الإغريق على النقيض، أمة لم تشبع من المادة، أمة نشأت في العسر والفاقة، أرضها لا تدر من الخير إلا قليلا، كان لزاماً عليها الكفاح في سبيل العيش، وكان حتماً عليها الجري وراء المادة، حرب تلو حرب، وفتح بعد فتح، وضرب في مشارق الأرض ومغاربها، على هذا النحو لم يكن للإغريق ذلك الضمير المطمئن ولا ذلك الشعور بالاستقرار، ولا ذلك الإيمان بالأرض الذي يوحي بالتفكير فيما وراء الأرض والحياة، إن عاطفة الاستقرار والإيمان ممزوجة بالدم عند المصريين، لأن المصريين نزلوا من بطن الأزل إلى أرض مصر، لا يعرف لهم نسب آخر على وجه التحقيق، واختلاف العلماء في أمر أصلهم لم ينته بعد، وفي كل يوم يبدو دليل على أن العمران والاستقرار وجدا في مصر قبل التاريخ المعروف، ولقد ظهرت الحضارة المصرية في التاريخ تامة كاملة دفعة واحدة، كما يظهر قرص الشمس في الأفق عند الشروق، ولقد قال سولون: إن الكهنة المصريين يعنون العناية كلها بذكريات تلك القارة العظيمة ذات المدنية الزاهرة التي أبتلعها المحيط قبل مبدأ التواريخ: (قارة الأتلانتيد). أترى كانت الحضارة المصرية استمراراً لتلك المدنية المندثرة؟. . . لم يقم دليل، على كل فرض. مصر أمة مستقرة مؤمنة زهدها عمرها الطويل وخيرها الكثير في مباذل الحياة، وهذا الزهد والتفكير فيما وراء الحياة ظهر أثرهما على وجه الفن المصري، ولا شيءيدل على عواطف أمة وعلى عقليتها مثل فنها. فلقد طالع العالم الحديث على وجه الفن المصري الصرامة والجد والعمق ولا أكاد أفتح كتاباً في الفن المصري حتى أجد كلمة (الصرامة) نعتاً من نعوت هذا الفن، ولا أفتح كتاباً في الفن الإغريقي إلا وجدت كلمة (الحياة) وكلمة (الإنسانية) من نعوت هذا الفن، نعم. الحياة هي كل شيء عند الإغريق، قد يدفعهما حب البحث إلى لمس حدود الحياة الأخرى فيلمسونها بالعقل والمنطق لا بالقلب والروح. فلسفتهم فلسفة العقل والمنطق والحياة، فلسفة الحركة لا فلسفة السكون، عند مصر والهند السكون، عند الإغريق الحركة، قرأت حديثاً (المقبرة البحرية) لـ (بول فاليري) وهو المتصل اتصالاً مباشراً بالفلسفة اليونانية. فإذا هو يشير في القصيدة إلى الحركة

стр. 790

والسكون، وإذا الحركة عنده من خصائص الكينونة الواعية الفانية، والسكون من خصائص العدم الخالد غير الواعي، وهو يعارض زينون الألياتي في إنكاره للحركة ويتغنى في آخر القصيدة بانتصار الحركة على قصرها وفنائها، فهو في ذلك لم يخرج عن يونانيته المكتسبة. ولم يفهم في رأيي روح مصر والهند، ولم يشرف على ذلك العالم الخالد غير الواعي، كان دون هذا الإشراف والاتصال والتجرد التام من كل عقل آدمي أو منطق بشري، هذه هي الصعوبة في فهم مصر والهند، وهذا ما جعل الفن المصري سراً مغلقاً حتى أوائل هذا القرن، وما صرف الناس إلى دراسة اليونان وحدها، فهي واضحة المعنى يسيرة المنال. لأنها لزمت شاطئ الحياة. حظ الإغريق في كل هذا حظ العرب. العرب أيضاً أمة نشأت في فقر لم تعرفه أمة غيرها، صحراء قفراء، قليل من الماء يثير الحرب والدماء، جهاد وكفاح لا ينقطعان في سبيل العيش والحياة، أمة لاقت الحرمان وجهاً لوجه، وما عرفت طيب الثمار وجري الأنهار ورغد العيش ومعنى اللذة إلا في السير والأخبار، كان حتماً عليها ألا تحس المثل الأعلى في غير الحياة الهنيئة، والجنات الخضراء، والماء الجاري، وألوان النعيم واللذائذ التي لا تنضب ولا تنتهي، أمة بأسرها حلمت بلذة الحياة ولذة الشبع، فأعطاها ربها اللذة ومنحها الشبع. كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة، لذة سريعة منهومة مختطفة اختطافاً، لأن كل شيْ عند العرب سرعة ونهب واختطاف، عند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة، أي اللذة، لم تفتح أمة العالم بأسرع من العرب، ومر العرب بحضارات مختلفة فاختطفوا من أطايبها اختطافاً ركضاً على ظهور الجياد، كل شيء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار. وكيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماضٍ ولا عمران! دولة أنشأتها الظروف ولم تنشئها الأرض، وحيث لا أرض فلا استقرار، وحيث لا أستقرار فلا تأمل، وحيث لا تأمل فلا ميثولوجيا ولا خيال واسع ولا تفكير عميق ولا إحساس بالبناء، لهذا السبب لم تعرف العرب البناء، سواء في العمارة أو الأدب أو النقد، الأسلوب العربي في العمارة من أوهى أساليب العمارة التي عرفها تاريخ الفن، وإذا عاش لليوم فإنما يعيش بالزخرف، فن الزخرف العربي أنقذ العمارة العربية، إن العمارة العربية ـ إلا في مصر ـ ما هي في رأيي سوى زخرف لا بناء، فلا أعمدة هائلة ولا جبهة

стр. 791

عريضة ولا وقفة قوية ولا بساطة عظيمة ولا روعة عميقة، إنما هي وشي كثير وجمال كجمال الحلي المرصع يهز البصر ولا فكر خلفه. أما فن الزخرف العربي فهو في الحق أجمل وأعجب فن للزخرف خلده التاريخ. والزخرف عند العرب وليد ذلك الحلم باللذة والترف، كل شيء عند العرب زخرف. الأدب نثر وشعر لا يقوم على البناء، فلا ملاحم ولا قصص ولا تمثيل، إنما هو وشي مرصع جميل يلذ الحس، فسيفساء اللفظ والمعنى، و (آرابسك) العبارات والجمل. كل مقامة للحريري كأنها باب جامع المؤيد، تقطيع هندسي بديع. وتطعيم بالذهب والفضة لا يكاد الإنسان يقف عليه حتى يترنح مأخوذاً بالبهرج الخلاب، كذلك الغناء العربي (آرابسك) صوتي، فلا مجموعة أصوات متسقة البناء كما في (الديتيرامب) أو (الأوركسترا) الإغريقية أو كما في (الكورس) الجنائزي المصري، ولا حتى مجرد صوت ينطلق حراً بسيطاً مستقيما. إنما هو صوت محمل بألوان المحسنات من تعاريج وانحناءات والتواءات وتقاسيم كأنها (ستالاكتيتات) غرناطية، لا يكاد يسمعه (القاضي الفاضل) حتى يستخفه الطرب ويضع نعله فوق رأسه؛ كان هذا في العهد الأول للموسيقى إذ كانت عند جميع الشعوب بسيطة عارية تخرج من القلب تعبيراً عما في القلب، أو رمزاً لفكرة من الأفكار. والموسيقى كالعمارة من الفنون الرمزية لا الشكلية، ولكن العرب لا يحبون الرموز، ولا طاقة لهم بالفن الرمزي، ولا يردون إلّا التعبير المباشر بغير رموز، وإلا الصلة المباشرة بالحس، فجعلوا من الموسيقى لذة للأذن لا أكثر ولا أقل، ولقد حاول الفارابي فيما أذكر التقريب بين الموسيقى العربية والموسيقى الإغريقية، وكان لا بد له من الإخفاق لأسباب قد أذكرها بعد، كذلك التصوير العربي على جماله ودقته ليس إلا مجرد تزيين وزخرف للكتب والمخطوطات لم يؤَدِ لغير تلك الغاية (المنياتور) الفارسي. قد يكون للدين دخل في تأخر النحت والتصوير عند العرب، غير أني أعتقد براءة الدين. أن العرب كانوا دائماً ضد الدين كلما وقف الدين دون رغبات طبائعهم، لقد حرم الدين الشراب، فأحلوا هم الشراب في قصور الخلفاء، وما وصفت الخمر ولا مجالس الخمر في أدب أمة بأحسن مما وصفت في الأدب العربي، لا شيء في الأرض ولا في السماء يستطيع أن يحول بينهم وبين اللذة، أما النحت أو التصوير الكبير فليس في طبيعتهم، لأن تلك فنون تتطلب فيمن يزاولها إحساساً عميقاً بالتناسق العام مبناه التأمل الطويل والوعي

стр. 792

الداخلي للكل في الجزء وللجزء في الكل، وليس هذا عند العرب، فهم لا يرون إلا الجزء المنفصل وهم يستمتعون بكل جزء على انفراد، لا حاجة لهم بالبناء الكامل المتسق في الأدب، لأنهم لا يحتاجون إلا للذة الجزء واللحظة، قليل من الكتب العربية في الأدب تقوم على موضوع واحد متصل، إنما أكثر الكتب كشاكيل في شتى الموضوعات تأخذ من كل شيء بطرف سريع: من حكمة وأخلاق ودين ولهو وشعر ونثر ومأكل ومشرب وفوائد طبية ولذة جسدية، وحتى إذ يترجمون عن غيرهم يسقطون كل أدب قائم على البناء، فلم ينقلوا ملحمة واحدة ولا تراجيديا واحدة ولا قصة واحدة، العقلية العربية لا تشعر بالوحدة الفنية في العمل الفني الكبير، لأنها تتعجل اللذة، يكفيها بيت شعر واحد أو حكمة واحدة أو نغم واحد أو زخرف واحد لتمتلئ طرباً وإعجاباً، لهذا كله قصر العرب وظيفة الفن على ما نرى من الترف الدنيوي وإشباع لذات الحس، حتى الحكمة، وشعراء الحكمة كانوا يؤدون عين الوظيفة: إشباع لذة المنطق، والمنطق جمال دنيوي ولا استغرب غضب نيتشه على إيروبيد لإسرافه في هذا المنطق على حساب الموسيقى، ومن المستحيل أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشؤون الروح والفكر بالمعنى الذي تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر. إن العرب أمة عجيبة، تحقق حلمها في هذه الحياة، فتتشبث به تشبث المحروم، وأبت إلا أن تروي ظمأها من الحياة وأن تعب من لذتها عباً قبل أن يزول الحلم وتعود إلى شقاوة الصحراء، وقد كان. إن موضع الحضارة العربية من (سانفونية) البشر كموضع الـ (سكِيْرتزو) من سانفونية بيتهوفن: نغم سريع مفرح لذيذ!! لا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض: مصر هي الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الظعن، هي الزخرف! مقابلة عجيبة: مصر والعرب وجها الدرهم، وعنصرا الوجود، أي أدب عظيم يخرج من هذا التلقيح! إني أؤمن بما أقول يا دكتور. وأتمنى للأدب المصري الحديث هذا المصير: زواج الروح بالمادة، والسكون بالحركة، والاستقرار بالقلق، والبناء بالزخرف! تلك ينابيع فكر كامل ومدنية متزنة لم تعرف البشرية لها من نظير، إن أكثر المدنيات تميل إما إلى ناحية الروح وإما إلى ناحية المادة. حضارة واحدة قيل أنها استطاعت في وقت ما هذا المزج بين الروح والمادة وهذا الاتزان

стр. 793

بين عنصري الوجود، تلك حضارة الإغريق. نعم أعود فأرد إلى أمة الإغريق اعتبارها، وأعترف أني عندما وضعتها في كفة المادة كنت متأثراً بكلام (تين) فضللت السبيل. (تين) عقل خلاب لكنه عقل. والعقل وحده بعيد عن فهم الجانب الروحي للمدنيات. ما هداني إلى الحق إلا القلب. . . ألا طول تأملي في جبهة (البارتينون). من دماغ ذلك الجواد الذي خلقته يد (فيدياس) فوق هذا المعبد خرجت أفكار توحي إلي بأن أولئك القوم كانوا أعمق مما نظن، وكانوا يشعرون بشيء آخر غير مجرد المادة الظاهرة، وما لبثت (ميلبومين) أن جاءتني ببينة أخرى، وتأملت قليلاً فرأيت القناع قد كشف. ذكرت أن أصل الإغريق جنسان مختلفان: اليونان القادمون من آسيا المعروفون عند الهنود باسم (اليافاناس) أي عباد (يونا) والدوريون الحربيون البرابرة الهابطون من الشمال، اله اليونانيين: (ديونيزوس) إله الدوريين (أبولون). وهاهنا تفسير الإغريق: في هذا الصراع بين ديونيزوس رمز الروح والقوى الشائعة والنشوة. . . وبين أبولون رمز الفردية والشخصية الفارزة والوعي، الصراع بين الروح والمادة، وبين القلب والعقل، وبين النشوة والوعي، ديونيزوس إله آسيوي فيما يخيل إلي، جلب من الهند بالأمراء. فغدا في اليونان ينبوع الموسيقى، لهذا السبب قدرت إخفاق الفارابي، أن الموسيقى العربية وليدة عقل واع، لأن العرب أمة الفردية والوعي والمنطق العقلي والظاهر المحسوس، إن العرب من عباد أبولون وهم لا يشعرون. إن العرب لا يمكن أن يفهموا ديونيزوس ولا نشوة ديونيزوس. تلك النشوة الدينية الجارفة التي تخرج صاحبها من سيطرة العقل والوعي كي تصله مباشرة بالطبيعة. إن أغاني عباد (باكوس) الحماسية في الغابات ومزامير الـ (ساتير) لشيء بعيد إدراكه على العقلية الفردية، شعور الإنسان في لحظة أنه انقلب مخلوقا له جسم جواد ورأس رجل أو أرجل ماعز. هذا الاتحاد بين الحيوان والإنسان إحساس ليس له مثيل إلا عند المصريين القدماء، وهذا التلاقي بين الأنواع وبين القوى في مخلوق واحد لهو عند الأولين بقية ذكرى تلك المحلوقات الإلهية البائدة التي كانت تحكم الأرض قبل ظهور الإنسان. . . مخلوقات لا هي من الإناث ولا هي من الذكور، ولا هي من الحيوان، ولا هي من الإنسان، لأن الأجناس والفصائل لم تكن قد فرزت. كذلك (الساتير) في الميثولوجيا الإغريقية رمز الإنسان الأول، ذلك الإنسان الداني من الحيوان القريب من

стр. 794

الآلهة، يدنو من الحيوان بغريزته الجنسية المتيقظة ينبوع القوة الخالقة عند الإغريق كما هي عند المصريين، ويقرب من الآلهة بغريزته الروحية المتصلة بقوى الطبيعة الإلهية، فهو ما زال يحتفظ بقبس من الحكمة العليا بدون أن يشعر، وببريق من ذلك النور الروحي والإلهام الذاتي يرى به كتلة الزمن من ماضي وحاضر ومستقبل في شبه لمحة واحدة. تلك القدرة الخفية هي حاسة بائدة كانت للإنسان الأول، وفقدناها اليوم، نعم فقدنا كل القوى الروحية التي منحتنا إياها الطبيعة يوم كنا نحبها ونتصل بها، ولم يبقى لنا اليوم إلا العقل المحدود والمنطق القاصر. وها نحن اليوم في هذا الكون الهائل مخلوقات منفردة منبوذة! أين ذهب ديونيزوس؟ وهل يبعث من جديد؟ وإذا بعث فهل يجد من يعرفه في هذا العصر ذي الحضارة المادية الفردية؟! رجل واحد ما زال يذكر هذا الإله ويستطيع أن يعرفه إذا ظهر كل عرف غالياس أصحاب الكهف!! وهو وحده كذلك الذي يستطيع أن يستقبله باسم هذا العصر، هذا الغالياس العصري هو: (تاجور) انه يتكلم كثيراً عن ذلك الاتحاد بين الإنسان والطبيعة. وعن ذلك الفاصل المرفوع بين الحياة الخاصة والحياة العظمى التي تخترق الكون. وعن ذلك الحب بين الإنسان والجماد. هذا كلام جميل. لكن هل تراه يشعر بحقيقته؟ يخيل إلي أن تلك الحقائق قد انطوت بانقضاء دولة الإغريق. بل لقد انقضت قبل أن تنقضي دولة الإغريق. انقضت بطغيان منطق سقراط على روح هوميروس. انقضت بطرد ديونيزوس من تراجيديات ايروبيد (غضبة نيتشه المعروفة) انقضت بظهور براكسيتيل على فيدياس، انقضت بغلبة الإحساس العقلي على الإحساس الروحي، انقضت بانتصار (أبولون) في النهاية على (ديونيزوس). وهكذا اختل التوازن، ورجحت كفة المادة، وانطفأت الحضارة الإغريقية إلى الأبد. ولم ترث أوربا منها غير كنوز العقل والمنطق، وبقيت في الظلام كنوز ديونيزوس الخفية. لم تنجح اليونان إذن النجاح المطلوب في تطعيم الروح بالمادة، فهل تأمل مصر بلوغ هذه الغاية يوماً؟ أرجو من الدكتور أن يجيب، أنت وأصحابك ومدرستك قد فرغتم من تصوير وجه الأدب المصري، ولم يبقى إلا صبغه باللون الخاص، وطبعه بالروح الخاصة، فما هو هذا اللون؟ وما هي هذه الروح؟ إن ردك على هذا السؤال نور يلقي على طريق الجيل

стр. 795

الجديد. (الرسالة): سيجيب الدكتور طه عن هذه الرسالة القيمة في العدد القادم

стр. 796

نظرة في نظام بيعة الخلفاء النمو الأول للأستاذ محمد فريد أبو حديد - ١ - جاء في صحيح البخاري إن النبي ﵊ عندما جاءه الموت قال (ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبداً) فقال بعض من حضر (أن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله) فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول (قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده) ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ (قوموا)، ولم يكتب لهم شيئاً. ولعل الذي كان النبي ﵊ يريده من ذلك أن يأمر بطريق الحكم بعده، ولكنه لم يكن ليفعل شيئاً عبثاً فلم يمض في ذلك وترك الأمر لأصحابه وأمته يختارون لأنفسهم ويجتهدون في أمثل الطرق لحكومتهم. ولم يكن من قبل ذلك نظام مقرر لاختيار الخلفاء فكان على المسلمين أن يبتكروا من الخطط أمثلها في نظرهم بحسب ما تقتضيه الظروف والأحوال. وقد كان في الإسلام دوائر متعددة عند موت النبي. فقد كان هناك الأنصار أهل المدينة، وبين ظهرانيهم المهاجرون من أهل مكة، وكان هناك أعيان مكة من القرشيين المقيمين في عاصمتهم القديمة. وخارج هاتين المدينتين كانت قبائل العرب، بعضهم من قبائل اليمن وبعضهم من قبائل مضر، وكان كل من هذه الدوائر يشعر بالغيرة والأنفة أن يكون تابعاً للدائرة الأخرى، إذ أن الإسلام وإن هذب عصبية العرب وصرفها نحو الخير، لم يقض عليها أو ينزعها من القلوب كلها. فرفع الأنصار صوتهم أول شيء فقالوا أنهم أحق بالأمر، وتنادوا باسم زعيمهم سعد بن عبادة، وهتف بعضهم هتافاً كأنما يدعو إلى تحكيم السيف بالأمر. ووقف المهاجرون إلى جانب إخوانهم الأنصار يجادلونهم بالحسنى، ويذكرونهم بما وجب عليهم من الحق في ذلك الوقت العصيب، وما كان الأنصار ليثبوا وراء داعي الشقاق من أجل الحكم، وهم الذين قنعوا من قبل بأن يتركوا غنائم النصر الذي أحرزوه في وقعة حنين للمؤلفة قلوبهم ورؤساء الأعراب الذين لم يكن لهم كبير أثر في نصرة الإسلام، وقنعوا بأن

стр. 797

يعودوا إلى بيوتهم ورسول الله في رحالهم راضين بأداء واجبهم ورضى ضمائرهم جزاء على أعمالهم. ما كان هؤلاء ليحرصوا على الحكم بل سمحت نفوسهم به، ورضوا بأن يكونوا الوزراء دون الأمراء بعد أن لم يرضى المهاجرون بان يجعلوا منهم أميراً مع أميرهم. في هذا الموقف تقررت أمور كثيرة ذات خطر عظيم في دستور دولة المسلمين. فتقرر أن يخرج الأنصار من الأمر فلا يكون الخليفة منهم بل يكون من إخوانهم المهاجرين من قريش. وتقرر كذلك أن تكون دولة الإسلام موحدة منذ أبي المهاجرون إلا أن يكون على المسلمين أمير واحد من المهاجرين، ولو قبل مبدأ أن يكون في المسلمين أميران أحدهما من أهل المدينة والآخر من المهاجرين من أهل مكة، لانقسمت دولة الإسلام إلى قسمين من أول أمرها ولسار تأريخها سيرة أخرى غير التي سار فيها. ولم يكن الأنصار وحدهم الذين رفعوا رؤوسهم يتساءلون عن الأمر لمن يكون، بل إن قبائل العرب جميعها اشرأبت أعناقها تتطلع إلى الحوادث الجارية. فخرج بعضها عن الإسلام جملة، وقال بعضها يجب أن يكون الإسلام ديناً لا حكماً فامتنعوا عن أداء الزكاة التي هي رمز الحكم وحق الدولة على رعيتها. غير أن ذلك الأمر لم يتعد الحد في خطورته فاستطاع المسلمون في المدينة أن يبسطوا سلطانهم على القبائل مرةً أخرى وأصبحت لهم بعد شهور قلائل دولة متحدة متماسكة. على أن طريقة اختيار أبي بكر نفسه، لم تكن طريقة اختيار بالمعنى الصحيح. ولم يكن الحال عند ذلك يسمح للناس أن يطيلوا التفكير في طريق الاختيار لعلمهم بما حولهم من المشكلات والأخطار. فبعد أن اتفق المهاجرون والأنصار على المبادئ العامة ورضي الأنصار بمكانة الوزراء دون مكانة الأمراء، ولم يبق موضع للتردد الكثير في قبول مرشح المهاجرين، ولو سمي رجل من أكابر الصحابة غير أبي بكر للقي قبولاً عند ذلك، ولكن المسلمين وفقوا أكبر توفيق في اختيارهم. وكان اختيارهم نتيجة شعور عميق وصراحة عقيلة نادرة، فلم يجاملوا ولم يحابوا، بل نطق عمر بما وافق هواهم، فسمى لهم أبى بكر فرضوا به ولم يتطلبوا أن يتبع اختيار خليفتهم رسم خاص ولا خطة تضمن صدق الاختيار. وأكبر الظن أنه لم يخطر ببالهم أن هناك طريقاً آخر غير أن يسمي أحدهم رجلاً

стр. 798

يرضونه فيبايعونه فلم يطل الأمر بعد المناقشة الأولى بل ازدحم الناس على أبي بكر يبايعونه وهم قانعون مما كان يعرفونه من وداعته وقوته وقدمه في الإسلام. ولم يخل الأمر مع هذا من وجود بعض الساخطين على هذا الاختيار مثل سعد بن عبادة من أهل المدينة ومثل أبي سفيان من أهل مكة، ولكن سيرة أبي بكر في مدة حكمه أرضت عنه من كان كارهاً لطريقة اختياره منتقداً لها لما رأى فيها من السرعة وعدم التمام. وكان أبا بكر نفسه يشعر بأن طريقة اختياره لم تكن معصومة من النقد فقد روي عنه أنه لما مرض مرضه الأخير دخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان بينهما حديث طويل جاء فيه أن أبا بكر كان يشعر بالندم الشديد على أنه لم يكن قد سأل النبي ﵊ عن هذا الأمر لمن هو حتى لا يختلف فيه الناس، وعما إذا كان للأنصار حق فيه أم هو وقف على قريش. ولم يرض أبو بكر أن يترك الناس للاختلاف مرة أخرى فقد كانوا في المرة الأولى حديثي عهد بالرسول، فكان أثر شخصه العظيم داعياً إلى زوال كثير من الحرص وتملك الزهد في النفوس وخشي أبو بكر أن يكون للناس عند موته فرصة للخلاف مع وجود جنود المسلمين في وجهين عظيمين تلقاء مملكتي الفرس والروم، فرأى أسلم طريق أن يعهد إلى صاحبه المجرب ووزيره القوي المؤتمن عمر بن الخطاب. غير أن طريقة استخلاف عمر كانت طريقة جديدة قابلها أهل المدينة بالرضى الصامت الذي لا يخلو من النقد الصامت، بل قد صعدت بعض أصوات النقد من بعض الزعماء، فأن طلحة مثلاً قيل أنه لام أبا بكر على اختيار عمر إذ كان يرى فيه شدة وصلابة، وقد روي أن عبد الرحمن بن عوف نفسه عندما دخل على أبي بكر في مرض موته استشاره أبو بكر في تولية عمر فأنكر عليه ذلك وقال إن فيه شدة وصلابة. وعلى كل حال قد مضى أبو بكر في عهده إلى عمر وسن بذلك سنة جديدة، وهي أن الخليفة له أن يفرض على المسلمين أن يتبعوا رأيه بعد موته في تولية من يختار لهم بغير أن يكون لهم الحق في أن يحيدوا عنه، أو يعدلوا من رأيه، فكان تلك سابقة للطريقة التي سيتبعها عمر في رسم خطة اختيار الخليفة بعده. غير أن أبا بكر وإن أبتدع سنة جديدة لم يخرج عن السنة التي رسمت في أول الأمر

стр. 799

فاختار الخليفة بعده من المهاجرين. ولما قتل عمر بن الخطاب كانت الدولة في حال غير حالها الأول فقد فتحت الفتوح وأستقر العرب في البلاد المفتوحة وأنشئوا فيها أمصاراً لهم وعظمت شوكتهم فلم يكن يخشى عند موته من خذلانهم إذا طالت مدة اختيار الخليفة بعض الطول. فلم يشأ عمر أن يترك الناس لطريقة اختيار أبي بكر خوفاً من كثرة التردد والاختلاف، وما قد ينجم عنه في بلاد مثل بلاد العرب يسهل أن يثور فيها تعصب القبائل والعشائر ولاسيما بعد أن صار في المسلمين زعماء كثيرون معروفون امتازوا في حوادث الفتح بحسن الفعال وأصالة الرأي ولو لم يكونوا من أصحاب السابقة في الإسلام الذين جرى المسلمون على تقديمهم في أول الأمر، وكذلك لم يشأ عمر أن يوصي إلى رجل واحد كما أوصى أبو بكر إليه فأنه رأى أن في ذلك الشيء الكثير من عبء المسؤولية والاستبداد بالرأي في وقت ليس فيه ما كان عند وفاة أبي بكر من الخطر على الدولة وجنودها في ميادين القتال. فابتكر عمر طريقته المعروفة وهي وسط بين فرض الرأي وبين ترك الاختيار، ففرض رأيه في ترشيح جماعة من الزعماء أولي القدم والسابقة في الإسلام، ولم يخرج عن السنة الأولى، فاختارهم جميعاً من المهاجرين وترك لهم بعد ذلك أن يختاروا واحداً منهم يرضونه في مدة ثلاثة أيام، وأمر زعيماً اسمه مسلمة بن مخلد ألا يدعهم إلا مدة تلك الأيام الثلاثة. وكان اجتماع هؤلاء المرشحين أهل الشورى وطريقهم في الاختيار خطوة واسعة في سبيل بناء دستور عربي متين لو بلغ مداه لكان من أتم نظم الحكومات. أخرج أحدهم نفسه من الأمر واجتهد اجتهاداً لا يصدر إلا عن قلب عامر بحب المصلحة العامة، وقضى الليالي الثلاث التي جعلت للاختيار وهو لا ينام ولا يستريح بل يقضي الوقت كله في سؤال الناس سراً وعلانية. فسأل الأنصار والمهاجرين وسأل زعماء المسلمين وسأل قواد الجنود الذين وجدهم في المدينة عند ذلك وهم يمثلون جنود العرب الذين بالامصار، فكان بذلك ساعياً إلى الاستنارة برأي مختلف الدوائر، واستشارة مختلف الطبقات، والنظر إلى الأمر من مختلف النواحي. فلم يكن بين هذا وبين الانتخاب العام إلا خطوة واحدة، وهي أن يحصر حق الانتخاب في جماعة تتوافر فيهم صفات معينة وان تؤخذ آراؤهم بطريقة منظمة.

стр. 800

وقد تبين لعبد الرحمن من وراء بحثه أن الناس لا يقدمون أحدا تقديمهم لزعيمين من الصحابة من أهل الشورى وهما علي وعثمان، فلما استقر رأيه على اختيار واحد منهما ثارت في وجهه مسائل جديدة أولها المنافسة القديمة بين بيتي قريش: وهما بيت هاشم، وبيت أمية، وثانيهما ما كان في بيت هاشم من الاعتقاد بأن لهم الحق في الأمر لقرابتهم من رسول الله ﵊ وخشي إذا هو اختار عليا أن يحمل ذلك على أنه إنما اختاره لقرابته من الرسول لا لفضله وصفاته السامية، فكان في أمره في حيرة شديدة، وخرج منها على أن يطرح على المرشحين سؤالاً يكون بمثابة استطلاع لبرنامج كل منهما إذا هو ولى الحكم. فجمع الناس في المسجد وعرض سؤاله فقال: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبى بكر وعمر؟) فرأى علي أن معنى ذلك تقييده فوق كتاب الله وسنه الرسول بفعل خليفتي المسلمين قبله. ورأى أنه لا يحسن به أن يقيد نفسه بغير الكتاب والسنة تاركاً لنفسه بعد ذلك الاجتهاد والنظر وإن خالف رأي صاحبيه. وكانت أجابته على ذلك أن قال: (اللهم لا ولكن على جهد من ذلك وطاقتي) وأما عثمان فانه قال: (اللهم نعم) وكان عبد الرحمن ممن يرون اتباع السلف فيما ساروا عليه منذ كانوا في ذلك مجتهدين، ومنذ دلت الحوادث على حسن سياستهم فيه وسلامة عاقبة حكمهم. فرأى اختيار عثمان ورفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ثم قال: (اللهم اسمع واشهد. اللهم أني جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان) وازدحم الناس بعد ذلك على الخليفة عثمان يبايعونه. فخرجت الأمة الإسلامية من ذلك الموقف بسابقة جديدة منظمة تنظيماً كبيراً صالحة لأن تكون أساسا لنظام وافٍ صالح لاختيار الخلفاء، ففيه نواة الانتخاب العام، وفيه نواة النظر والموازنة بين المرشحين، وفيه نواة إدخال جميع العرب حق الاختيار، سواءاً أكانوا من أهل المدينة أم من أهل جزيرة العرب أم من أمصار البلاد المفتوحة. وفيه فوق كل ذلك نواة لرسم خطة للحكم يسأل عنها الخليفة قبل توليته، ويكون اختياره بعد الإفصاح عنها والتصريح بها وبذلك يكون عليه الوفاء بما تعهد به من الشرط قبل استخلافه. ولم يبطئ العرب فيتلقف هذه الحقوق ولم يتهاونوا في المطالبة به في عهد عثمان ولم يترددوا في الثورة عندما رأوا أن خليفتهم لم يف بما تعهد به.

стр. 801

التجديد في الأدب حول مقال الأستاذ أحمد أمين للدكتور عبد الوهاب عزام قرأت المقال الثاني الذي تكلم فيه الأستاذ عن (التجديد في العبارة) فرضيت آراء وأنكرت أخرى. وأول ما آخذ على المقال أنه لم يحكم تحديده فالقارئ يحس أن كاتبه أراد أن يعالج التجديد في المعنى والعبارة معاً. يقول الأستاذ في مستهل مقاله (واليوم أعرض لضرب آخر من ضروب التجديد وهو التجديد في العبارة. وأعني بالعبارة الجملة التي يؤدى بها المعنى على اختلاف ألوانها من حقيقة ومجاز وتشبيه واستعارة وكناية.) ولست أدري كيف يكون التجديد في التعبير الحقيقي؟ الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له. فإذا أتفق معنى لشاعر في الجاهلية فأداه بألفاظ حقيقية ثم وقع المعنى بعينه لشاعر معاصر فأراد الإبانة عنه بلفظ حقيقي لم يمكن التجديد في الأداء إلا بالإسهاب أو الإيجاز وليس هذا ما يريده الأستاذ، أو بإيثار لفظ حقيقي على آخر مثله وهذا يرجع إلى بحث الألفاظ الذي فرغنا منه في مناقشة المقال الأول، إذا أراد شاعر معاصر أن يبين بألفاظ لا تجّوز فيه عن قول القتال الكلابي: ولما رأيت أنني قد قتلته … ندمت عليه أي ساعة مندم لم يستطع هذا تغييراً يلائم العصر الحاضر، ولم يواته إلا أن يضع أبصرت مكان رأيت أو أسفت موضع ندمت أو يقدم أو يؤخر في الكلمات. وليس هذا هو التجديد في العبارة الذي عناه الأستاذ. أي تجديد في العبارة يستطيعه قائل يريد أن يترجم عن هذا المعنى. يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم … وترمى النوى بالمقترين المراميا إنما يمكن التغيير في المجازات والكنايات والتشبيه والتمثيل مما يمكن فيه تأدية المعنى الواحد بطرق مختلفة، وتصوير الحقيقة الواحدة بصور شتى وألوان عدة تنجلي فيها أثر الخيال والمعايش المختلفة، والأزمان والبلدان المتباينة. وهو موضوع لا يغني فيه الإجمال ولا غنى به عن التفصيل: ١. بعض المجازات والكنايات جرت مجرى الحقائق حتى نسي أصلها أو كاد. ولا يدرك

стр. 802

فيها التجوز أو الكناية إلا بالبحث والرجوع بالكلمات إلى أقدم أصولها المعروفة. وذلك مثل أسبل المطر، فلان زميل فلان. وأرهقه العمل، وراض نفسه على الأمر، ودهماء الناس، وأمثال هذا مما شاع استعماله حتى ساوى مجازه الحقيقة أو غلب عليها فلم يبق المعنى الحقيقي شاهداً بأصل الاستعمال ودالاً على التجوز في غيره، كما يعرف التجوز في قولنا زلّ في رأيه، وزرع المودة في قلبه، وسمع زئير الحرب، ببقاء هذه الألفاظ معروفة ذائعة الاستعمال في معانيها المحسوسة. وحكم هذا المجاز حكم الحقيقة لا تجديد فيه ولا تغيير على الأسلوب الذي يريده الأستاذ أحمد أمين. ٢. وأما المجازات التي يظهر فيها التجوز، ويبين فيها التخيل فبعضها يخترعه الكاتب البليغ الذي يحس في نفسه المقدرة على تصريف الكلام وخلق العبارات. وهذا مأخوذ من عقل الكاتب، أو المتكلم وإحساسه وعلمه كما يسمي الجمل سفينة الصحراء ويسمي الرجل الجريء أسداً وذئباً الخ. وكما يسمى أحدنا الغواصة مثلاً نسر الماء، ومنطاد زبلين حوت الهواء، ويقول عن خبر فظيع جاءه بالتلغراف: هذه إحدى صواعق البرق، ويشبه الرجل العليم بأخبار العالم وأحواله بالراديو الخ. وينبغي ألا ننسى أن علم الإنسان وعقله ليسا مقصورين على البيئة التي يعيش فيها بل من هذه البيئة ومما رأى أو سمع عن بلادٍ غابرة أو حاضرة، وأمم ذاهبة أو قائمة. فقد يسوغ للكاتب المصري أن يستمد مثلاً أو تشبيهاً مما يعرف عن أمم الإسكيمو أو مما عرف عن الأمة المصرية القديمة أو الأمة العربية قبل الإسلام، أو من خرافات اليونان الأقدمين. فإذا قال عن رأي سيئ يظهر بمظاهر مختلفة أنه غول متلونة أو عن فكرة سخيفة في نفس باردة أنها كواحد من همج الإسكيمو يقطن بيتاً من الثلج لم يكن لأحد أن يقول له: أنك لم ترى الغول ولا عاشرت الإسكيمو فينبغي أن يكون بيانك خالياً من التشبيه بهما. وإنما شرط هذا أن يكون مصدر المجاز أو التمثيل معروفاً لا يقف بالقارئ عند غموض أو إغراب. وضرب من المجازات وما إليها ينشا هذه النشأة ثم يذيع وتتداوله الأجيال حتى يصير مظهراً لبيان الأمة وخيالها لا لخيال كاتب أو متكلم كالذي ورثناه في لغتنا عن بلغاء العربية في الجاهلية والإسلام. وهذا جدير بالاستعمال، فكل كاتب أو متكلم أن يتوسل به إلى البيان وإن كان مصدره

стр. 803

غريباً غير مألوف، بل ينبغي المحافظة عليه بما يبين عن تاريخ الأمة وحياتها في طور من أطوارها. فلا عيب أن يقول القائل: أخذه برّمته، وترك حبله على غاربه، وما له خف ولا حافر، ورموا عن قوس واحدة، وأعطى القوس باريها، وألقى عصاه، والقافلة تسير والكلاب تنبح، كالمستجير من الرمضاء بالنار، كمهدي التمر إلى هجر، أعقد من ذنب الضب، أعدى من الشنفري، مرق مروق السهم، أختلط الحابل بالنابل، أهدى من القطى، وهلم جرا. ولغات الأمم الأخرى حفظت كثيراً من عاداتها وتاريخها ولست أضرب مثلاً باللغة الفارسية أو التركية أو الأردية فهي لغات شرقية لا تصلح حجة في هذا العصر، ولكن أضرب مثلاً من اللغة الإنكليزية والفرنسية: يقال في الإنكليزية لمن يبالغ في كلامه: (ينزع في القوس الطويلة) ولمن يخير بين أمور عدة: (عنده أوتار لقوس واحدة) وهذه العبارة الأخيرة في اللغة الفرنسية أيضاً. ويقال في الإنكليزية في تقدير المسافة: (على رمية سهم) كما يقال في العربية (مقدار غلوة). ويقال في الفرنسية لمن يتوسل إلى غايته بكل وسيلة: (يبري سهاماً من كل خشب). وأمثال هذا كثير. فما منع الإنكليز والفرنسيين استبدالهم بالأقواس والسهام آلات الحرب الحديثة منذ مئات السنين، أن يبقوا على العبارات التي حدثت في عهد الأقواس والسهام. لست أقول ينبغي أن نلزم العبارات القديمة ونأبى كل عبارة حديثة فلا أحد يستطيع أن يحول بين الناس وبين الإبانة عما في أنفسهم بوسائل مشتقة من حياتهم ولكني أخشى أن تكون الدعوة إلى الجديد دعوة إلى هجر القديم، ونحن في هذا العصر، عصر الفتن أحوج ما نكون إلى التمسك بالقديم، والاستمساك دون التهافت في التقليد، والضلال بين القديم والجديد. ومن يمعن النظر في صحفنا ومنشآت طلبتنا يعرف كيف تركنا كثيراً من عباراتنا الجيدة الموروثة إلى عبارات غثة ضعيفة لا تكاد تبين عما وراءها. ثم يتكلم الأستاذ عن مسايرة الأدب الغربي للزمن ووقوف الأدب العربي، فيقول: (ذلك بأن الأدب الغربي ساير الزمان وأعترف بكل ما حدث فيه وأستمد منه، على حين أن الأدب العربي الحديث أغمض عينيه عن كل ما كان، ولم يعترف بوجوده الخ). ولو رددنا الأمور إلى نصابها وتجاوزنا ظواهر الأمور إلى بواطنها ما رأينا في هذا قصور

стр. 804

الأدب العربي، ولا عجز أدباء العربية بل عرفنا فيه قصورنا في العلوم والفنون الحديثة أو حداثة عهدنا بها. الأدب ترجمان الحياة العامة فهو لا يتناول مسائل علم واصطلاحاته حتى تشيع أوليات هذا العلم بين الأمة شيوعا يدخل مصطلحاته في لغةالتخاطب٠ ولا ينبغي للأديب أن يدخل في الأدب المسائل العلمية أو الأسماء التي لا تزال مقصورة على العلماء المختصين بها. فإذا جاوزتهم إلى جمهور الأمة ودخلت في لغة الكلام ساغ للأديب أن يتناولها. في الكيمياء، مثلاً، مسائل عويصة لا يعرفها إلا علماء الكيمياء فهذه المسائل ستبقى وقفاً على العلماء مخبوءة بين أجهزة الكيمياء، ولن تخرج إلى لغة الخطاب العامة فتدخل في الأدب إلا أن تصير الأمة أو جمهورها من علماء الكيمياء. وهناك مسائل من أوليات هذا العلم كصفات الأحماض وتأثير بعض العناصر في بعض. وهذه تدخل في اللغة العامة وتتهيأ للدخول في الأدب حين يشيع في الأمة علمها فلا يختص بها الكيميائيون. ومن أجل هذا تجد طلاب الفلسفة أو الطب أو النحو يتفكهون بتشبيهات من هذه العلوم لا يفقهها غيرهم إذ شاع علمها بينهم وصلحت للدخول في لغة تخاطبهم. وإذا رجعنا إلى تاريخ الأدب العربي عرفنا أن اصطلاحات الفلسفة والمنطق وغيرهما لم تدخل في الأدب أول عهد المسلمين بهذه العلوم. ثم شاعت بعض قضاياها واصطلاحاتها فساغ لأبي نؤاس وأمثاله أن ينظموها في شعرهم. كما قال أبو نؤاس: تأملُ العينُ منها … محاسناً ليس تنفد فبعضها (يتناهى) … وبعضها (يتولد) فالتناهي والتولد من اصطلاحات الفلاسفة، وكما قال البحتري: وكأن الزمان أصبح (محمولاً) … هواه مع الأخس الأخس فهو فيما أظن يشير إلى قول المنطقيين إن النتيجة تتبع أخس المقدمتين. وكقول المعري: طرق العلى مجهولة فكأنها … (صم العدائد) ما لها (أجذار) أدخل في شعره من أسماء الحساب العدد الأصم والجذر وكقول الفارابي في اصطلاحات الهندسة: وهل نحن إلا خطوط وقعن … على كرةٍ وقع مستوفز محيط السماوات أولى بنا … فماذا التنازع في المركز؟

стр. 805

وقد يكفي في هذا أن تشيع القضية العلمية بين المتأدبين من الأمة ولا ينتظر بها أن تشيع بين الجمهور. ولا يتسع المجال للإفاضة في البيان هنا. ومهما يكن الأمر فقد غلا الأستاذ إذ قال: (أما الأدب العربي فيحارب مترليوزا بقوس وسهم، ويضيء في أدبه سراجاً بزيت والناس قادمون على أن يغيروا المصباح الكهربائي بخير منه ويبكي الأطلال ولا أطلال، ويحن إلى سلع ولا سلع ويستطيب الخزامي والعرار ولا خزامي لدينا ولا عرار.) هل يستطيع أستاذنا أن يعرفنا بشاعر أو كاتب في مصر أو الشام والعراق يفعل هذا؟ ويقول الأستاذ: (وسبب آخر من أهم الأسباب في فقر الأدب العربي في التعبير. هو أن الأدب العربي الحديث أدب أرستقراطي لا أدب شعبي.) وأنا لا أخالف هذا الرأي في جملته ولكن لي فيه مآخذ. (١) ليس حقاً أن أحاديث الخاصة من متعلمينا وتنادرهم وفكاهاتهم باللغة العامية. فأحاديث الخاصة من المتعلمين أقرب إلى لغة الكتابة من اللغة العامية. ومراقبة مجلس الأدباء والعلماء تشهد بما أقول. وفي هذا نفسه بيان خير الوسائل إلى ما دعا إليه من (إزالة الحواجز القوية بين العامية والعربية على أي وجه يرضاه قادة الأمة.) وذلك أن قرب أحاديث الخاصة من لغة الكتابة يبين لنا الطريق التي ينبغي أن نسلكها لإزالة هذه الحواجز. فليس لنا من وسيلة إلا أن ترقى العامة حتى تستطيع أن تفهم عن الخاصة إذا حدثتها. فكلما شاع التعليم في الأمة ارتقت العامة إلى مستوى أقرب إلى لغة الأدب. ونحن اليوم سائرون في هذه السبيل وقد سمعت في السنين الأخيرة جماعة من العامة وأشباه العامة يخطبون ويتكلمون بلغة لا تخالف لغة الكتابة إلا قليلاً. وآلاف المتعلمين من طلاب مدارسنا وآلاف القارئين الذين يستطيعون مطالعة الصحف والكتب عاملون كل يوم للتقريب بين العامية والفصحى. (٢) ثم قد غلا الأستاذ حين قال: (وكل أمة قد كسبت من توحيد لغتها الكلامية والكتابية ما لا يقدر، فقد أصبح الشعب كله منتجاً أدباً وتعبيراً قوياً.) ليس في العالم شعب ينتج كله أدباً قوياً ولا يزال الخاصة من الأدباء هم منتجي الأدب وأئمته، بل أتفه الأدباء أقربهم إلى العامة. فلا يزال عند الأوربيين فوارق بين أدب العامة وأدب الخاصة وستبقى هذه الفوارق

стр. 806

ما دام اختلاف العلماء والجهال في عقولهم ومشاعرهم. وكل الذي نبغيه أن يلتقي العامة والخاصة في مقدار من الأدب مشترك هو أعلى ما تسمو إليه العامة وأدنى ما تنزل إليه الخاصة. ولن يزول الفارق بين الأدبين أبداً. وكيف يوفق الأستاذ بين دعوته إلى أن يساير الأدب العلم وتستحكم الصلة بين كلية الآداب وكلية العلوم وبين دعوته إلى توحيد الأدب والمساواة فيه بين الخاصة والعامة. أيمكن أن يكون جمهور الأمة آخذاً بحظه من كلية العلوم أيضاً. (٣) ثم الفكاهات والنوادر. يقول أستاذنا الفاضل. (حسبك دليلاً على ذلك أن النكت والنوادر، وهي من أهم أركان الأدب، لا تجد منها سائغاٍ في أدبنا العربي عشر معشار ما تجد في الأدب العامي. وإن النادرة تحكى بالعامية فنضحك إلى أقصى حد ثم تحكيها باللغة الفصحى فتخرج باردة تافهة) نظر الأستاذ إلى هذه القضية من جانب واحد. والحق أن النكتة تبلغ مبلغها فيما وقعت فيه من حال وعبارة. فالذين يشهدون الواقعة المضحكة أو يسمعون الكلمة المضحكة أكثر ضحكاً لها ممن رويت لهم في غير أحوالها أو بغير ألفاظها، بل ينطق الرجل بالكلمة فيضحك لها الناس فإذا رواها غيره بلفظها في مثل حالها لا تبلغ من النفوس ما بلغته أول مرة لما فاتها من أثر القائل الأول. فإذا اختلفت العبارة فأحرى أن يختلف التأثير. فإذا ترجمت الفكاهة من لغة إلى أخرى ضاع أثرها كله أو بعضه وإذا نقلتها من عبارة إلى أخرى في لغة واحدة لم تبق على حالها الأول. فإن تكن النكت العامية تبرد إذا نقلت إلى العربية الفصحى فكم من نادرة فصيحة تموت إذا نقلت إلى العامية. وكثير من فكاهات الجاحظ و (كتاب الحمقى والمغفلين) لأبن الجوزي لا يمكن نقلها إلى العامية؛ فالفكاهات المتعلقة بالنحو والعروض والفقه ونحوها وكثير منها يضعف أثره وإن أمكن نقله. وإلا فكيف تترجم إلى العامية هذه العبارات: قال رجل للحسن يا أبى سعيد. فقال كسب الدرانيق شغلك عن أن تقول يا أبا سعيد. وقدم رجل من النحويين رجلاً إلى السلطان في دين له عليه فقال أصلح الله الأمير لي عليه درهمان. قال خصمه: لا والله أيها الأمير إن هي إلا ثلاثة دراهم لكنه لظهور الإعراب ترك من حقه درهماً واعتبر كل ما في كتب الأدب من ملح تجد أكثرها يجري هذا

стр. 807

المجرى. ولا ريب أن لغة التخاطب ولغة الكتابة أو لسان العامة ولسان الخاصة كانا متقاربين في عهد الجاحظ ولم يكن بينهما ما بين الفصيحة والعامية اليوم. ولكن الفكاهات إذ ذاك كانت كما هي اليوم لا تصلح للنقل من لغة إلى أخرى. قال الجاحظ: (ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الإعراب فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها. فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب أو أن تتخير لها لفظاً حسناً الخ) وكذلك يقول قدامة بن جعفر في كتاب نقد النثر: (وللفظ السخيف موضع آخر لا يجوز أن يستعمل فيه غيره. وهو حكاية النوادر والمضاحك وألفاظ السخفاء فإنه متى حكاها الإنسان بغير ما قالوه خرجت عن معنى ما أريد بها وبردت عند مستمعها). (٤) وبعد فلا ينبغي أن تسف لغة الآداب العالية إلى مستوى العامة بل يجب أن ترقى العامة إلى مستوى لغة الآداب أو ما يقرب منه. على أن هذا التباعد بين ما يسميه الأستاذ (الأدب الأرستقراطي) وما نسميه (الأدب الشعبي) مظهر واحد من مظاهر الاختلاف بين عامتنا وخاصتنا، بين الفريقين تفاوت عظيم في العقل والمعرفة والأزياء والمساكن وطرائق المعيشة. ولا بد من تقريب المسافة بين العامة والخاصة في هذا كله قبل أن يشتركا في لغة واحدة ويستمتعا بأدب واحد فإن الأدب الصحيح ترجمان معيشة الأمة.

стр. 808

التجديد في الأدب للأستاذ أحمد أمين - ٣ - من أوضح الظواهر أن الجمهرة العظمى من المتعلمين الذين درسوا أدباً عربياً وأدباً أجنبياً يعكفون على الأدب الأجنبي يتذوقونه ويكثرون من مطالعته، في جدهم إن شاءوا الجد، وفي لهوهم إن شاءوا اللهو، وهم إن قرءوا في الأدب العربي ففي القليل النادر، وإن فعلوا لم يطيلوا ولم يتعمقوا، وقل أن يدرسوا كتاباً دراسة جيدة، إنما أكبر همهم أن يقلبوا صفحات الكتاب ليقع نظرهم على أبيات من الشعر يستملحونها، أو قصة طريفة يتفكهون بها. ومكتبتهم، على قلتها، تمثل ميلهم، فالكتب الإنجليزية أو الفرنسية فيها غالبة، والكتب العربية قليلة نادرة. ذلك ولا شك حال أغلب المثقفين ثقافة عصرية. ويذهب بعض الباحثين في تعليل هذه الظاهرة إلى أن السبب يرجع إلى فساد تعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس، فإن أساتذتها لا يحببون إلى الطلاب الأدب العربي، ولا يصلون به إلى نفوسهم، وإنما هي أمثلة محدودة تتكرر عاماً بعد عام، ونماذج من الشعر والنثر تعرض مرة بعد مرة، ولا غرض من دراستها إلا أن يذكرها الطلبة عند الامتحان فيؤدوها كما تليت عليهم، ثم تذهب بذهاب الامتحان، لأنهم قد تجرعوها على مضض، فهم يفرحون بنسيانها فرح المريض، وقد شفي، بالخلاص من دواءٍ مر المذاق. قد يكون هذا سبباً صحيحاً، ولكنه فيما أرى ليس بالسبب الجوهري، فإن بعض اللغات الأجنبية التي تدرس بيننا ليست دراستها بأحسن حالاً من دراسة اللغة العربية، ومع هذا فالطلبة يسيغون أدبها ويتذوقون كتبها بما لا يظفر ببعضه الأدب العربي. أهم سبب عندي يرجع إلى موقف الأدبين الأدب العربي والأدب الأوربي. ذلك أن كل أدب أوربي له قديم وحديث، والأدب الحديث هو الذي يناسب جمهور المتعلمين وعامة الشعب لأنه في الغالب يعرض لما يشعرون به فيعبر عنه التعبير الفني، فالأديب المحدث يرى ظاهرة اجتماعية فيضعها في قصة أو منظراً جميلاً فيضعه في قصيدة، أو معنى أثارته في نفوس قومه أحداث سياسية أو اقتصادية فيضعه في مقالة أو كتاب، فيقبل

стр. 809

الجمهور على قراءة ذلك ويعجبون به، وسبب الإعجاب أن الأديب شعر بما يشعر به الجمهور، واستطاع أن يعبر عنه التعبير الفني الذي لا يستطيعه الجمهور. أما الأدب الأوربي القديم فإنما يناسب خاصة المتعلمين لأنه يتطلب دراسة لغوية وأدبية عميقة كما يتطلب، لتطلبه، أن يلم المتعلم بشيء كثير من المسائل التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بالأديب وبالقطعة الفنية حتى يستطيع أن يفهمها فهماً صحيحاً، وليس ذلك في مكنة السواد الأعظم من الناس. فالذين يفهمون الإلياذة والأوديسة وخطب ديمستين قليل بالنسبة إلى الذين يقرأون الأدب الحديث ويفهمونه، وكذلك الذين يفهمون الأدب الإنجليزي أو الفرنسي في القرون الوسطى ويتذوقونه هم الخاصة من الأدباء، وإن قرأ الجمهور شيئاً من الأدب القديم فإنما يقرءوه مترجماً إلى اللغة الحديثة، أو معروضاً في شكل جديد قد ذللت فيه كل الصعوبات التي يحتمل أن يلقاها القارئ العادي. أما الأدب الإنجليزي أو الفرنسي الحديث فيكاد يكون حظ الإنجليز أو الفرنسيين جميعاً. وسبب ذلك أن الأدب هو نقد الحياة في أسلوب فني، وإذ كانت كل أمة تفهم حياتها الحاضرة فهماً ما، وإن اختلفوا في مقدار الفهم، كان الأدب الحديث أقرب إلى فهمهم وأيسر متناولا لجمهورهم، وإذ كان الأدب القديم وصفاً لحياة قديمة لا يستطيع فهمها فهماً صحيحاً إلا من عرف بيئتها وتاريخها، كان ذلك الأدب أدب الخاصة. وبعد فالأدب العربي أدب قديم لا حديث له، وإن شئت تعبيراً دقيقاً فقل إنه أدب قديم لم يستكمل حديثه، لذلك كان الأدب العربي أدب الخاصة لا أدب الجمهور. لا يستطيع القارئ أن يفهم الأدب العربي القديم إلا بفهم دقيق للتاريخ، وفهمٍ بالغ للظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الأدب ومعرفة واسعة بالجغرافيا، وعلم تام بقوانين الصرف المعقدة كأنها قوانين اللوغاريتمات ليعرف كيف يبحث في معاجم اللغة العربية عن كلمة غريبة، وليس يصبر على ذلك كله إلا المجاهدون الصابرون، وقليل ما هم. يريد سواد المتعلمين أن يغذوا مشاعرهم من حب يحلل تحليلاً دقيقاً، أو إعجاب بمنظر طبيعي ملك عليهم نفوسهم، فأرادوا أن يصور هذا الإعجاب في قطعة فنية، أو تبرم بأسر ورق فهم يريدون أدباً يتغنى بالحرية ويحفز النفوس إلى تحقيقها، أو ألم من سوء حالة اجتماعية فهم يبتغون قصة تمثلها أو قصيدة تصفها، أو كتاباً يحللها، أو نحو ذلك من

стр. 810

ضروب المشاعر فلا يجدها في الأدب العربي الحديث إلا قليلا نادراً فيضطر إلى الأدب الأجنبي يقرأه ويتغنى به ويستمرئه، وهو على الرغم من أن ذلك الأدب ليس بلغته، ولا يصف مشاعر تمثل بالدقة مشاعره، ولا يحلل حالات اجتماعية تشبه مشابهةٍ تامة حالاته، على الرغم من ذلك كله مضطر أن يقرأه، إذ ليس عنده من أدبه ما يكفي لغذائه، وفي الأدب الغربي كل صنوف الغذاء على اختلاف الأنواع وعلى اختلاف الأساليب؛ إن شاء سهلاً وجد السهل، أو صعباً وجد الصعب، أو بين ذلك وجد بين ذلك، وإذا غمض عليه لفظ استطاع أن يكشف عنه في المعاجم من أول درس تعلمه، فكيف لا يهمل بعد ذلك الأدب العربي ويعكف على الأدب الغربي؟ أن شئت فوازن بين ما يدرسه الطالب في المدارس الثانوية أو العالية في الأدبين، فهو في الأدب الغربي يدرس شكسبير وأمثاله فيجد موضوعاً شيقاً يمثل حالة من الحالات التي تتصل بنفسه، وتمس حياته الاجتماعية بقدر ما، قد صيغت في قالب فني رشيق، فخرج من الدرس يحبها ويحب موضوعها، أما في الأدب العربي فيدرس مختارات من جرير والفرزدق والأخطل، أو مختارات من مقامات البديع والحريري أو نحو ذلك، وهذه كلها لا تمثل ناحية اجتماعية يحياها أو ما يقرب منها، ولا فكرة عميقة حللت تحليلا واسعا، لذلك يخرج منها وهو لا يحبها، أو على الأقل يكون على الحياد منها. لست أنكر أن في جرير وأمثاله، والمقامات وأمثالها، وفي الأدب العربي على العموم جمالا وفناً وإبداعا، ولكن ذلك لا يدركه إلا الخاصة الذين مرنوا طويلاً على الدرس وبذلوا الجهد في تدريب أذواقهم على تقويمه واستساغته، وليس ذلك في استطاعة كل الطلبة ولا أكثرهم. فإن أنت نظرت إلى الأدب العربي الحديث فماذا ترى؟ ترى كثيراً من الأدب الغربي قد ترجم إلى العربية، وليس من الحق أن نعد هذا أدباً عربياً في جوهره وموضوعه، إذ ليس له من العربية إلا لغة ملتوية على النمط الغربي. وترى نتاجاً مبتكراً قليلاً، وأكثر هذا القليل مقالات وفصول جمعت بعد ذلك وسميت كتباً مجازاً، لا تربطها وحدة غالباً إلا بضرب من التمحل. والبقية الباقية من القليل هي التي يصح أن تسمى أدباً عربياً حديثاً لم يكتمل. ذلك في نظري أكبر سبب في انصراف جمهور المتعلمين عن الأدب العربي، فإن
следующие страницы →