Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.
стр. 7456
في العالم الآخر من طيبات، فطفقت تغني لذلك وتمرح في ذاك اليوم أكثر مما فعلت في أي يوم سابق. كذلك أنا، فإني أعتقد في نفسي بأنني خادم قد اصطفاه الله نفسه، وإني رفيق لطيور التم فيما تعمل، فأنا أظن أن قد آتاني سيدي من التنبؤ موهبة ليست دون مواهبها مرتبة، فلن أغادر الحياة أقل مرحاً من التم. فلا تحفلا بعد هذا، وتكلما فيما تشاءان، وسلا عما تشاءان، في هذه الفترة التي يسمح فيها حكام أثينا الأحد عشر بالكلام
قال سمياس: حسناً يا سقراط، إذن فسأنفض إليك مسألتي، وسينبئك سيبس بمشكلته، فإني لأقول مجترئاً إنك تحس يا سقراط، كما أحس أنا، كم هو عسير أو يكاد يستحيل أن تبلغ في مثل هذه المسائل يقيناً، مادمت في هذه الحياة الحاضرة، ومع هذا، فإني لأتهم بالجبن كل من لا يدلل عليها ما وسعه الدليل، أو كل من خار به قلبه قبل أن يخبرها من كل جوانبها. فينبغي للمرء أن يثاير حتى ينتهي إلى أحد أمرين: إما أن يستكشف حقيقتها أو يعلمها، فإن استحال ذلك فإني أحب له أن يأخذ بأقوم الآراء البشرية وأبعدها عن التنفيذ، وليكن ذلك طوفه الذي يسبح به في الحياة - وأني مسلم بأنه لن يفعل ذلك دون أن يتعرض للخطر، إذا هو لم يستطع أن يجد من الله كلمة تسير به على هدى وطمأنينة
والآن فسأجسر، كما تريدني، على أن أستجيبك، لأني لا أحب أن آخذ على نفسي فيما بعد أنني لم أدل برأيي في حينه الملائم، فغني إذا ما قلبت النظر في الموضوع يا سقراط، سواء أكنت وحدي أم كنت مع سيبس، بدا لي أن التدليل لم يكن حاسماً
أجاب سقراط - إنني لأعترف يا صديقي أنك قد تكون مصيباً، ولكني أحب أن أعلم في أي ناحية لم يكن التدليل حاسماً
فأجاب سمياس - في هذه الناحية: ألا يجوز أن يستخدم أحد هذا الدليل بذاته في القيثارة والانسجام - ألا يحق له القول إن الانسجام شيء خفي، غير جثماني، لطيف إلهي، موجود في القيثارة المنسجمة، ولكن القيثارة والأوتار، مادة، وهي مادية متألفة من أجزاء أرضية، وتربطها القربى بالفناء؟ وأنه إذا تحطمت القيثارة أو تقطعت أوتارها وتمزقت، فإن من يأخذ بهذا الرأي يدلل كما تدلل أنت، وبالتشابه نفسه، على أن الانسجام يبقى حياً ولا يفنى، لأنك لا تستطيع أن تتصور، كما يجوز القول، أن تبقى القيثارة بغير أوتارها، بل وتبقى الأوتار الممزقة نفسها، على حين أن الانسجام الذي يمت بأسباب القربى إلى الطبيعة
стр. 7457
السماوية الخالدة يفنى - بل ويفنى قبل الذي هو فان. سيقول إن الانسجام لاشك موجود في مكان ما، وإن الفناء سيصيب الخشب والأوتار قبل أن يصيب ذلك الانسجام، وإني لأشك يا سقراط أنك ستأخذ، أنت أيضاً، في الروح بهذا الرأي الذي نميل جميعاً إلى الأخذ به، وستذهب كذلك إلى أن الجسد إنما أقيم وارتبطت أجزاؤه بفعل عناصر الحر والبرد والرطوبة والجفاف وما إليها، وأن الروح هي ما بين هاتيك العناصر من إنسجام، أو هي مزاجها المتزن المتناسب، فإن صح هذا نتج بداهة أن أوتار الجسد إذا ارتخت أو أجهدت بغير مبرر بسبب الفوضى أو أي فساد آخر فنيت لذلك الروح جملة واحدة، برغم ما بها من ألوهية غالبة، مثل سائر الانسجامات التي تكون في الموسيقى أو آيات الفن، ولو أن بقايا الجسد المادية ربما لبثت طويلاً حتى يدركها الفناء أو الاحتراق. والآن، إن زعم زاعم بأن الروح تفنى أولاً فيما يسمى بالموت، باعتبار أنها ما بين عناصر الجسد من انسجام، فبم نجيبه؟
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 7458
من أدب الهند
٢ - الأمير خسرو
الشاعر الهندي الكبير
بقلم السيد أبو النصر أحمد الحسيني
الهندي
قبل أن نلقي نظرة في شعر خسرو يجدر بنا أن نبين معنى الشعر والغرض منه في صوره المختلفة عند كبار المفكرين حتى يتمكن القارئ من الحكم على شعره بما هو خليق به
قال جانسون: إن الشعر هو توحيد اللذة مع الحق، يدعى فيه الخيال لمساعدة العقل. وعند استيوارت مل: الشعر هو ما يتوقف على الفكر والكلمات التي تجتمع العاطفة فيها من تلقاء نفسها. وقال ميكاليه: إننا نعني بالشعر استعمال الكلمات بطريق أن يوجد الوهم على التخيل، وهو فن يعمل فيه الشاعر بالكلمات ما يعمله الرسام بالألوان. وقال الأستاذ كورتهوب: إنه فن إيجاد اللذة بالتعبير الصحيح عن الفكر الخيالي والعاطفة في كلام موزون. وقال الشاعر نظامي العروضي السمرقندي من المسلمين: إنه فن يرتب به الشاعر القضايا الخيالية ويخلطها بالتشبيهات المثمرة، ليستطيع أن يظهر الصغير كبيراً، والكبير صغيراً، أو يظهر الخير في لباس الشر والشر في لباس الخير
نستنبط من التعاريف المذكورة المختلفة للشعر، أن الشعر هو تعبير عاطفي خيالي عن الحياة كما تصوغ نفسها في فكر المعبر - هو معالجة الحقائق والتجارب والمسائل بطريق يسود فيه العنصر الخيالي. والشعر ينقسم إلى قسمين: داخلي أو شخصي، وخارجي أو غير شخصي. ففي الأول يوجه الشاعر جل عنايته إلى نفسه يستوحي ويستلهم عواطفه الخاصة وتجاربه الذاتية. وفي الثاني يتوجه إلى غيره يعامل العالم الخارج عن نفسه بغير الاستناد إلى ذاته وشخصه. والأول يشمل جميع أقسام الأناشيد والشعر الغنائي مثل الغزل والنسيب وأناشيد الوطنية والروحانية الخ، كما يشمل الشعر الفلسفي والفكري. وأما الثاني فينقسم إلى قسمين: قصصي وتمثيلي. فالشعر المختص بالملاحم والفروسية والأساطير من أهم أصناف الشعر القصصي. والتمثيلي هو ما يقدم لك صوراً واضحة لسجايا الأشخاص المختلفة،
стр. 7459
وأخلاقهم في حكاية تمثل
في ضوء هذه التعاريف للشعر وأصنافه ونواحيه المترامية الأطراف حين نلقي نظرة على شعر خسرو نجد أن عبقريته الشاملة لم تترك نوعاً من أنواعه ولا ناحية من نواحيه إلا باشرتها بالإجادة والإبداع. فهو قد أتقن جميع أنواع الشعر اتقاناً حقيقياً. وأنتجت قريحته في جميع نواحي الشعر إنتاجاً نال استحسان كبار الشعراء والنوابغ في زمنه وفيما بعد. وهذه مزية لم توجد في غيره. فإن غيره من شعراء اللغة الفارسية لم يقدر أحد منهم لا قبله ولا بعده، ولا في الهند ولا في بلاد فارس، أن يقول الشعر ويحاكي إلهامه الشعري في أكثر من صورة واحدة أو صورتين من أنواع الشعر
فملوك الشعر الفارسي يعدون ستة: فردوسي، وسعدي، وأنوري، وحافظ، وعرفي، ونظيري. ولكن مملكة كل منهم لم تتعد حدود نوع واحد من أنواع الشعر. فالفردوسي لم يقدر أن يتجاوز حدود المثنوي، وتصنيفه فيه هو الملحمة الكبيرة المسماة شاهنامه، وقد نشر ترجمتها بالعربية صديقنا الأستاذ عبد الوهاب عزام. وسعدي كان ملك الغزل، ولكنه لم يقدر أن يجيد القصيدة ولا المثنوي، كما أن براعة أنوري كانت محدودة في القصيدة، ولم تكن قادرة على الغزل المثنوي. كذلك حافظ ونظيري وعرفي كانوا نوابغ في الغزل، وغير قادرين على أنواع الشعر الأخرى. ولكن ذكاء خسروا الجامع المتسع لم يقتصر على واحد منها بل تناول (غزلاً) كما تناول (مثنوياً) وعالج (قصيدة) كما عالج (رباعياً) بغاية الإجادة والإتقان في جميع نواحيها، حتى لم يترك الأصناف الصغيرة الأخرى من الشعر الفارسي مثل (مستزاد) و (صنايع) و (بدايع)
هذا من حيث أنواع الشعر، وأما من حيث كمية الإنتاج، فنجد أنه لا يوجد له ند في ذلك أيضاً. فإن عدد الأبيات للفردوسي لم يزد على ثمانين ألفاً، كما أن عدد الأبيات للشاعر الفارسي صائب لم يزد على ألف، ولكن ما جادت به قريحة خسرو يبلغ بضع مائة ألف بيت. فقد ذكر غير واحد من المؤرخين في كتبهم أن عدد الأبيات الفارسية له يتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة ألف. وفي بعض الروايات ستمائة ألف
كان خسرو يجيد بضع لغات إجادة تامة. فكان يتقن التركية لأنه كان من أصل تركي. والفارسية لأنها كانت لغة دينه، والاردية لأنها كانت اللغة الشائعة بين الناس. ولم يكن
стр. 7460
خسرو جاهلاً السنسكريتية لغة جيرانه الوثنيين المقدسة. فقد اعترف في كتابه (نه سبهر) بكل تواضع حيث قال: (عندي إلمام بتلك اللغة أيضاً). وعلى ذلك لم يكن خسرو شاعراً بالفارسية فقط، بل باللغات الأخرى أيضاً. بيد أن أكثر آثاره قد ضاع ولم يبق إلا القليل الذي بالفارسية والاردية
يعد خسرو من مؤتنف شعراء اللغة الاردية، لأنها كانت حينئذ في دور التكوين. فقد غذاها بالأناشيد والنكت والطرائف والكتب الدراسية للأطفال شعراً، ولا تزال شائعة بين الهنود وإن مر عليها أكثر من ستة قرون. وقد ذكر المؤرخ أوحدي في كتابه (تذكره معرفت) أن إنتاج خسرو في اللغة الاردية يساوي إنتاجه في الفارسية. فإن صح ذلك فمن الأسف أن لم يبق من ذلك الأثر العظيم إلا نزر يسير
لم يكن خسرو شاعراً فقط، بل كان ناثراً كذلك وإن قل إنتاجه في النثر بالنظر إلى إنتاجه في الشعر، فله غير واحد من الكتب الضخمة نثراً. اعترف أهل الفن بطول باعه فيه أيضا. وجميع منظوماته باللغة الفارسية التي توجد في الهند هي كما يلي: -
١ - من نوع المثنوي
(١) مطلع الأنوار: نظمه في مدة أسبوعين في سنة ٦٩٨ هجرية وهو في التصوف، وقد نهج فيه منهج نظامي (الشاعر الفارسي الشهير) في كتابه (مخزن الأسرار) ويحتوي على ٣٣١٠ أبيات
(٢) شيرين وخسرو: نظمه في نفس سنة ٦٩٨ هجرية وهو يحتوي على حكاية عشق خسرو لشيرين وكلاهما من أبطال الحب في الأدب الفارسي مثل مجنون ليلى في الأدب العربي. وعدد الأبيات فيه ٤١٢٤ بيتاً
(٣) ليلى ومجنون: صنفه في نفس السنة المذكورة وهو يشتمل على ٢٦٦٠ بيتاً
(٤) آيثن اسكندري: صنفه في سنة ٦٩٩ هجرية ونهج فيه منهج (سكندرنامه) للنظامي وعدد أبياته ٤٤٥٠ بيتاً
(٥) هشت بهشت: أتمه في أوائل سنة ٧٠١ هجرية وقد نهج فيه منهج (هفت بيكر) للنظامي، وعدد الأبيات فيه ٣٣٨٢ بيتاً
وهذه الكتب الخمسة المذكورة يقال لها (بنج كنج) أو (خمسة خسرو) تدل على سرعة إنتاج
стр. 7461
المؤلف إذ هي تحتوي على ١٧٩٢٦ بيتاً وقد صنفها في سنتين ونصف سنة. وللنظامي أيضاً خمسة كتب في نفس الموضوع، ولكن أكثر الشعراء رجحوا (خمسة خسرو) على (خمسة نظامي). ومنهم عبد الرحمن جامي فإنه قد رجحه في كتابه (بهارستان)
(٦) قران السعدين: صنفه في سنة ٦٨٨ هجرية حينما كانت سنه ٣٦ سنة عن طلب السلطان معز الدين كيقباد، وهو يحتوي على حكاية مقابلة كيقباد لأبيه بغراخان مسالماً مع خروجه له محارباً
(٧) تاج الفتوح: ملحمة تحتوي على حكاية فتوحات السلطان جلال الدين خلجي صنفها في سنة ٩٠ - ٦٨٩ هجرية
(٨) نه سبهر (أي الأفلاك التسعة) صنفه في سنة ٧١٨ للسلطان قطب الدين خلجي، فسر به كثيراً وأنعم عليه بفضة تساوي وزن الفيل كما قيل
(٩) دول راني خضرخاني: وهو يحتوي على بيان حب خضر خان بن السلطان علاء الدين لدول راني بنت راجا كجرات وانتهائه بالزواج
٢ - من نوع الغزل
(١٠) تحفة الصغر: يحتوي على شعره الذي قاله بين ١٦ و١٩ من سنه، ويشمل الغزل والنسيب
(١١) وسط الحياة: يحتوي على شعره الذي قاله بين ٢٠ و٣٣ من سنه
(١٢) غرة الكمال: يحتوي على شعره الذي قاله بين ٣٤ و٤٤ من سنه، وقد كتب في مقدمته ترجمة حياته بالإيجاز
٣ - من نوع القصائد
(١٣) بقية نقية: يحتوي على شعره إلى سنة ٧١٥ هجرية وفيه رثاء السلطان علاء الدين خلجي أيضاً
(١٤) نهاية الكمال: يحتوي على شعره في آخر سنة، وفيه رثاء السلطان قطب الدين خلجي وقصيدة في مدح ولي عهده
(١٥) جواهر البحر: لم أره
стр. 7462
(١٦) خزائن الفتوح: صنفه للسلطان علاء الدين خلجي
(١٧) تغلق نامه: صنفه للسلطان محمد تغلق في ٧٢٥ هجرية، وهو آخر تصانيفه
٤ - من أنواع الشعر الأخرى
(١٩) رسالة نصر: لم أره
(٢٠) مقالة: احتوت على أحوال الخلفاء الراشدين مع رسالة في التصوف
(٢١) خالق باري: كتاب للتدريس يحتوي على مفردات اللغات المختلفة المنظومة
٥ - مصنفاته بالنثر
(٢٢) إعجاز خسرو: في علوم البلاغة في خمسة مجلدات
(٢٣) إنشائي أمير خسرو: في علم الإنشاء
стр. 7463
عظة البدر
للأستاذ (أبي أحمد)
البدر يرعاني وأرعاه … قد يمكر الجلاس إلاه
أبثه من زفراتي فما … لغيره يأمن أواه
يسري علي الليل رفيقَ الخُطا … يضيء أقصاه وأدناه
تلوح فيه الأرض موشية … من أقصر النبت وأسماه
لمثل ما أبصر من منظر تغفر للدهر خطاياه
وساحر الأجفان حلو اللمى … ضعيف كر الطرف تياه
حديثه مثل دبيب المنى … يبسم والدر ثناياه
حسبي من اللذة أنفاسه … ومن رضِىَّ العيش لقياه
قد تمت الغبطة في ليلة … قل لها في الدهر أشباه
ما العيش إلا ما يلد الفتى … قل لها في الدهر أشباه
سألت هذا البدر كم منظرا … رأى على الدهر بمسراه
قال ولم تَطْرِف له مقلة … ولم تحرك منه ذكراه:
(هاتيك مَنْفيس بها ما بها … من أرحب القصر وأعلاه
يلوح عن بعد بها موكب … أخراه لا تبدو لأولاه
حتى إذا أبصرت أعلامه … وخَرَّت الناس لمرآه
عرفت رب الملك في عرشه … حسبك منه خُبْر سيماه
وذاك في بغداد قصر سما … يضيء فيه العز والجاه
وربه في مجلس باهر … مؤتلق تبهر رؤياه
وحوله من كل حورية … هاروت في الأجفان مثواه
يأخذ عنها الطير ألحانه … ويأخذ النرجس رياه
واليوم لا ملك ولا موكب … إلا طلولاً من بقاياه
وهاهو العالم في سيره … كأنما لم يعف مغناه!)
стр. 7464
حياة قرجي ونترز
[عن الشاشة البيضاء]
للأستاذ فخري أبو السعود
بآمالها عاشت وفي ذِّكرياتها … تَخَيَّلُ أحباباً لها خَطَرَاتِها
تُؤانِس أَشتاَ الطُّيُوف وإنَّها … لآنَسُ ما تُبْفَى لَدَى خَلَوَاتها
تمُوج بجُلَّى الحادثات حياتُها … على ضيق مثواها ونَزرِ لِدَاتها
على حُبَّ من يَرْعى هواها مقيمة … وإن لَجَّتِ الأقدارُ في جَهَلاتها
تُصاحبُهُ في حِلَّهِ ورَحيلِهِ … وما جاوَزِتْ يوماً مَدَى حُجُرَاتها
وتَبْلُغُ وَهْماً ما اشْتَهَتْ مِنْ وصالهِ … إذا ضنتِ الدُّنيا بِمُشْتهَياتها
وتصبر عاماً كي تفوزَ بوصْلَةٍ … فيا شَدَّ ماَ تَلقْى وطُولَ أناتِها
وتمْشي خَيَالاً في مَوَاكب نَصْرِهِ … إذا أقْبَلَتْ تختالُ في خافِقاتِها
وَتَحْسَبُ مَجْداً نالَهُ مِن فَخَارها … تقاسِمه إياه في نَشَواتها
وما ساَءها وَهْوَ الوَفِيُّ أَنِ أُغْتَدَى … جميعُ الورى في حبًّه من عُدَاتها
وقالوا فلم تحفلْ بِقَوْلَةِ لائِم … وَبِنَّ فَلَمْ تطلُب رِضَى هاجراتها
وكان لها الدنيا وكان لها الوَرى … وكانت له في ليلها وَغَدَاتها
وزاد هواها رِقَةً ذِكْرُ طِفْلَةٍ … لها منه يزهو الحُسْن في قَسَماتِها
تُسامُ ابتعاداً عن فتاها وَبنْتِها … وإنها أدْنى لها من لَهاَتِها
وَتَرْصُدُ أَحيْاناً لِفِلْذَةِ قَلْبِها … لِتَرْوِىَِ منها الطَّرف في غدواتها
فيا طِيبَ ريَّاها وعذب ابتسامها … ولطف محياها وسحرَ الْتِفاتها
وطُوبى لها لو تستطيع احتضانها … وإطفاَء حَرَّ القلبِ من قبلاتها
وتقبيلَ كفَّيْها ولثم ثُغَيرها … ورشْف نَدِىَّ الحُسْنِ في وجناتها
وإذ كان ذاك الشملُ يَلتامُ بعد ما … تراَءى بياضُ الشَّيب في شَعَرَاتها
وبَشَّرها بالوصلِ صاحبُ وُدَّها … بِوَصْلٍ به لا تَتقَّي عاذلاتها
أبى الحَيْنُ ما راما وخَرَّ مُضَرَّجاً … عَلَى قَدَمَيْهاَ لا يَعي دَعَوَاتها
ودَانُوا بِهِ مِن شَيَّعتْ فيه رُوحها … ومَن لو أَطاقَتْ لافتدَتهُ بذاتها
стр. 7465
ومرَّ بها في السجن ماضي رُفاَتِهِ … إلى قبره يُذْكى شَبَا حَسَراتها
تَحِنُّ له في وَحْشَةِ السَّجْنِ لَهْفَةً … وتُذري عليهوحدها عَبَراتها
وَزَفُّوا إليها العفوَ منْ بَعدِ حِجَّةٍ … فلم يَلْقَ منها العفوُ غَيْرَ صُماتها
وما هَزَّ قلباً للحياة مُطامِناً … بأرْزَائِها تَعْتَامُ أو حسناتها
تَسَاوتْ لديها نضرةُ الروض في الضحى … وأحناءُ ذاك السجن في ظُلُماتها
وهيهات ما مِن صادعٍ لاسارها … سوى الموت أو من كاشفٍ غمراتها
وراحت تُقَضَّي العمر في فَيْءِ بنتها … - ولم يَبْقَ منها غيرُ طَيْفِ حياتها
حُطامُ أَمانٍ أَو بقيَّةُ مهجةٍ … قضت ليس يحيا ثَمَّ غيرُ رفاتها.
стр. 7466
فخري أبو السعود
الهر المرائي
هِرَّي أراك تَوَدُّني بتملق … لولا القِرى ما كان مثلك وَدّنى
مالي أراك تخصي بحفاوة … ويميل ذيلك في الهواء وينثني
إن الرياء لظاهر يا صاحبي … لولا اشتياقك للطعام هجرتني
فلعلة الطمع الوضيع ألفتني … ولغاية الشره الحسيس صحبتني
فاخلع رداء الذل والملق الذي … يقذي العيون بشكله القذر الدَّني
واقنع برزقك فالقناعة نعمة … إن القنوع مدى الحياة هو الغني
стр. 7467
محمد عشماوي صقر
ذكوان
للأستاذ زكي المحاسني
(مهداة إلى الصديق النابغة علي الطنطاوي)
ذَكْوَانُ أنشدني أرقَّ النشيدْ … أنتَ أغانيَّ وأنتَ القصيدَ
ناغِ ولا تَبْكِ فإنَّ البُكا … منكَ مُذيبٌ لفؤادي الوَدُودْ
عُمُركَ عشرونَ صباحاً وَليِ … عشرونَ عاماً في هَواكَ العميد
جئتَ إلى الدُّنيا برغْمٍ كما … جئْتُ أَنَا، لكننا لَا نُرِيد
غداً ستنمُو وتُحِبُّ الهوَى … مِثْلي ويُغريك العُلَى والجدُودْ
نَظَرْتُ في شِعْرِ المَعرَّى فما … أمالني نحوَ الرَّدَى واللُّحُود
يَوَدُّ أَنْ يَهدِمَ هَذي الدُنى … وأكرَهُ الخَلْقِِ إليهِ الوَلُودْ
سألتُهُ: لو كنتَ ذَا رؤيَةٍ … وَذُقْتَ تقبيلاً وَلمَسَ النهُّودْ
لطَوَّحَتْ عقلَكَ بَرَّاقَةُ الخم … رِ وأسقتك الهوَى كلُّ رُودْ
إرْضَعْ أيا طِفْلِيَ منْ دِرَّةٍ … واهْتَزَّ في مَهدِكَ حُلْوَ الرُّقُود
ماذا ترَى في طولِ هذا الفضاَ … تَعْي به إن شئت دَرْكَ الحدود
أَملِئ بكفَّيك مدى إصبعي … وانظُرْ إلى وَجهِي وَخَلَّ الكُمودْ
أُمكَ تفْديكَ بِوَقدِا الحشَا … فديتُها عَصمَاَء تَرعَى العُهُودْ
أدعو لِذَكوانَ مَديدَ البَقاَ … وَأرتجِي في قومهِ أنْ يسود
أتى وللعِيد تَباشيرُه … فكان لي في عُمُري خيْرَ عِيدْ
(دمشق)
زكي المحاسني
стр. 7468
في الأدب الإنجليزي الحديث
بيرون وشلي وكيتس
للأستاذ بشير الشريقي
بيرون وشلي هؤلاء الأقانيم الثلاثة أعظم شعراء الإنجليز وأشهرهم. عاشوا في القرن التاسع عشر الميلادي وامتازوا بشعرهم الوجداني وطريقتهم الخيالية الابتداعية، لم يتكلموا إلا عن مشاهدة وتصور واعتقاد، ولم يتقيدوا تقيد المدرسين بالصناعة اللفظية ولا بالحقائق العلمية
لقد خصت الآلهة الشعراء الثلاثة بأقل نصيب من العمر، فقد كان سن بيرون يوم ثكلته عرائس الشعر ستة وثلاثين عاماً فقط، وشلي ثلاثين، وكيتس ستة وعشرين؛ ولكنهم وإن لم ينسأ لهم في آجالهم استطاعوا أن يملأوا أرجاء هذا العمر بأوفر نصيب من الشعر القوي والاعتراف الشجي والنسيب الفتي، لقد هتكت عن أنظارهم مسدلات الحجب، فجرى عنهم غير ما في الكتب
اللورد بيرن
١٧٨٨ - ١٨٢٤
إذا كان رأي أدباء اليوم، أدباء القرن العشرين، في اللورد بيرون كرأي معاصريه فيه، وجب أن يعد هذا النبيل الجميل أنبغ شعراء الإنجليز من غير نزاع؛ لقد ظفر بشهرة لم يظفر بها أحد سواه، وعلى يديه انتظم الشعر الإنجليزي لأول مرة ساحة الشعر الأوربي
في عام ١٨٢٠ نظم لامرتين قصيدة غراء كلها إعجاب ببيرون؛ وكذلك تنبأ ماثيو أرنولد أن الأمة البريطانية يوم تحتفل في ختام عام ١٩٠٠ بذكرى شعرائها الأعلام، شعراء القرن التاسع عشر، سوف تضع اسم بيرون في طليعة عباقرة الشعر
لم يكن بيرون فناناً عظيماً ولا ثاقب النظر، ولم يجد فيه العالم إلا أنموذجاً في صناعة الشعر، ولكنه كان في ذاته صورة مغرية في الربع الأول من القرن التاسع عشر؛ اتحدت شخصيته بشعره لدرجة صعب معها التفريق بينها، وحتى قالوا: حياة بيرون هي أحسن شعر بيرون؛ وقد تحدر من عائلة توورث بين أفرادها على ما يظهر ضعف الأعصاب؛
стр. 7469
كان والده رجلاً شريراً فظاً، وكانت أمه متقلبة شديدة، وتوفي عمه وهو في سن العاشرة، فانتقل إليه لقب اللوردية، وهكذا لم يكن في ثقافة بيرون ما يعلمه ضبط النفس أو إنكار الذات في سبيل الصالح العام، فثار حين ألقى إلى تيار الزمن على مضايقات المجتمع ومضايقات القانون التي صدمته في رغباته الخاصة
لقد وجد - لا نقول ثقف - في مدرسة (هارو) ومن ثم في (كمبردج)، ثم قام بسياحة استغرقت عامين، واليونان هي التي صيرته شاعراً؛ وحين عاد وطنه، وكان قد نشر وقائع رحلته في الفصلين الأولين من كتابة (تشايلد هارولد) وجد نفسه شاعراً محبوباً مشهوراً
وأصبح بيرون الشاعر الجميل محور الحياة الماجنة في لندن، منغمساً في المعابثة واضعاً نفسه بين يدي هواه من النساء، ثم يتزوج في سنة ١٨١٥ بالآنسة ملبانك ولكن تهجره زوجه بعد أن تضع له طفلة وقبل أن يمضي على زواجهما عام واحد، والى الآن لم يقف أحد على السبب الحقيقي لهذا الهجران، غير أن الناس انتصروا يومذاك لللادي بيرون، وفي سنة ١٨١٦ ترك زوجها انجلترا إلى غير رجعة، فعاش في سوتيز رلاند (سويسرا) وإيطاليا ١٨١٦ - ١٨٢٤ ينظم أحسن شعره ويتسلى بصداقة شلي، وينعم منذ ذ١٨١٩ بأكثر من صداقة الكونتيس كويسيولي
وهنا لا يغرب عن البال أن هذا الشاعر بينما كان يطلب لنفسه لذاتها ولهوها ويرى في الأنانية دستور الحياة، نجده قد تأثر إلى أقصى حد بالروح الوطني العام الذي انبعث في أيامه في بلاد اليونان، إنها الرغبة في مساعدة الغير على نيل الحرية هي التي رمت به سنة ١٨٢٣ في القضية اليونانية وجعلته يطالب لليونانيين بالاستقلال عن الأتراك
ذهب اللورد بيرون إلى اليونان وساعد على إيقاظ شعور القوم الوطني وفي توحيد كلمتهم حتى جعلهم كرجل واحد في معركة الحرية والاستقلال، وفي (ميسولونيا) أصابته الحمى فهدت جسمه الذي أضنته حياة الفوضى التي غرق فيها هذا اللورد الشاب إن في موته وحيداً في بلاد الغربة ما يحز في القلب، لقد كان أشبه ما يكون يقبس لطيف من نور الشمس الذهبي ألقي وسط العالم في يوم مظلم عاصف
لشعر بيرون تأثير في القلب، وعلوق بالنفس، لأنه استطاع أن يصور به حياته وهي كما رأيت شائقة غاوية، حياة شباب جميل موسر انغمس في اللذات وانكب على الملاهي حتى
стр. 7470
مل وسئم، حياة لهو ومخاطرة، يتخللها شك مقلق وتبرم من الأقدار التي قضت على كل طيب وجميل بالانحلال البطيء والموت السريع وفي الحق كان كل ما أخرجه الشاعر للناس قوياً عجيباً فاتناً من باكورة شعر (ساعات البطالة إلى (عروس أبيدوس من الفصلين الأولين من (تشايلد هارولد) إلى الفصلين الأخيرين منه، من القصص الشرقية، إلى الأغاني العبرية، من (سجين تشيلون (بونيفار الذي صد هجوم دوق سافوي عن جنوه) إلى القصيدة الروائية (مانفرد إلى نظمها في إيطاليا على نسق رواية (فوست) وذكر فيها السحر والأرواح وخوارق الطبيعة، من (يوم الحساب) وهي من أقوى الهجاء الحديث إلى (الدون جوان) من رثاء تاسو (الذي اعتقل بتهمة الجنون لأنه أحب ليونورا ابنة الدوق) إلى (مارنيو فاليرو المأساة التاريخية - كان يرافق عبقرية بيرون سهولة تامة وقدرة عجيبة في التعبير عما يجيش به صدره
وهنا علينا أن نذكر أن في اللورد بيرون الفنان، عللاً كثيرة، فهو لا يكاد يحسن صناعة الشعر ولا ربط الفكر ولا اختيار العناوين، ذو أسلوب بسيط مضطرب، ولكن على الرغم من كل ذلك فان وليام فورس يقول عنه إنه أعظم ذخيرة أدبية في هذا القرن التاسع عشر
إنه شاعر الحرب، لهذا سوف لا نقدر على وفاء حقه في هذه الأيام التي يسود فيها السلام
برسي شلى
١٧٩٢ - ١٨٢٢
ولد شلي عبقرياً مفرداً فلم يكن له مثيل في بارونية من البارونيات الإنجليزية الفنية، لقد قاوم وهو يافع، ما كان يسود في طبقته من آراء وعقائد وتقاليد، وفي مدرسة (إيتون) وفي جامعة (أكسفورد) كان في تصادم دائم مع (المحافظين)
نشر عام ١٨١١ مقالاً بعنوان (حاجتنا إلى الجحود) طلب فيه من جميع مديري الكليات أن ينزلوا إلى مناقشة آرائه وتفنيد هرطقته مما أدى إلى طرده من الجامعة. وفي ذلك العام تزوج بهاريت ويستبرون، وهي فتاة في سن السادسة عشرة؛ ولدت له طفلين ثم هجرها عام ١٨١٤ من أجل ماري كودوين ابنة وليام كودوين الكاتب الروائي والسياسي؛ وبعد عامين، حين أغرقت هاريت نفسها في التيار، أصبحت ماري كودوين السيدة شلي ولكن محكمة تشانسري حرمت الشاعر حضانة ولديه
стр. 7471
وفي عام ١٨١٨ ترك شلي إنجلترا إلى إيطاليا حيث قضى بقية عمره وكان دائم الاتصال باللورد بيرون
أحسن شعر شيلي ظهر في السنوات الأربع الأخيرة من عمره، وبعبارة أخرى أن شعره لم ينضح حتى سنة ١٨١٨، ومن أقوى وأمتن قصائده الطويلة، الروايتان الغنائيتان (ميتوس الغير محدود) و (هيلاس). وتمثل هيلاس يقظة اليونان وتأييد العالم لهم في ثورتهم على الأتراك
ولكن إذا كانت إجادة شلي تامة في هذه القصائد الطويلة فان إبداعه كان عظيماً كذلك في مقطعاته الغنائية التي نذكر منها قصيدة (القبرة) و (الضباب) و (أدونيس) و (غناء كونستانيا) و (الريح الغربية) و (إلى الحرية) و (إلى المساء)
كان شلي من بين الشعراء أجمعين شاعر المثل الأعلى، استطاع أن يتصور في أخلاق الإنسان وحياته كمالاً هو أسمي بكثير مما عرف حتى الآن
لقد ثار على كل ما يحط من قدر الإنسان ويحول دون تطوره السامي مدفوعاً بحبه العظيم للإنسان وإيمانه بزمن آت هو خير من زمانه
وقد أدرك بواسع علمه وثاقب رأيه أن فكرة الإنسان عن الله تتناقض كثيراً وفكرة الحق والعدل والحقيقة، وهكذا يشوه التلوين الإنسان الصورة الإلهية كما يشوه زجاج نافذة مصبوغ جسماً تراه من خلاله، أو كما يوضح شلي ذلك في قوله: الحياة أشبه ما تكون بقبة من زجاج كثير الألوان
تلطخ أضواء الأبدية البيضاء
إلى أن يحطمها الموت
فان كنت تود أن تلتقي بهذا الذي تفتش عنه فمت إذن! تطلع شلي تطلع مشتاق إلى يوم قريب يتحقق فيه المثل الأعلى، وعلق آمالا كباراً على الثورة الفرنسية، ولكنه حين شاهد ما منيت به النظريات السياسية من فشل أحس بيأس مؤلم
لو طال عمر شلي عتنق مبادئ (وردزوس) الإصلاحية ولقال معه إن تقدم الجنس البشري يتوقف على رقى الفرد وتطوره، ولكنه عاش حياة قصيرة. ولد عام ١٧٩٢ وغرق عام ١٨٢٢ بانقلاب قاربه أثناء اجتيازه خليج اسبيزا، ولما أخرجت جثته من البحر أحرقت
стр. 7472
على الشاطئ بمحضر من اللورد بيرون وبعض الأصدقاء ودفن رمادها في مقبرة البروتستنت في روما وقد كتب على قبره هذه الكلمة (قلب القلوب)
جون كيتس
١٧٩٥ - ١٨٢١
يرقد كيتس حيث يرقد رماد شلي في مقبرة البروتستانت في روما، وقد نقش على قبره تنفيذاً لرغبته هذه الجملة (هنا يرقد من أشبهت ذكراه سفراً ألقى في الماء)
ولد من أبوين غير شاعرين، فكان والده يعمل في إسطبلات الخيل المعدة للإيجار في لندن، ولكن سرعان ما أصبح هذا الشاعر (اللندني) شاعر اليونان الحديث، سرعان ما أصبح هذا الطبيب (تحت التمرين) رسول الجمال، وموجد المدرسة المنسوبة خطا إلى تنسون
اهتم كيتس بدراساته الطبية، ولكنه لم يجد لها طعماً، فهجرها عام ١٨١٧ وهو العام الذي ظهرت فيه مجموعته الشعرية الأولى، وفي عام ١٨١٨ ظهرت له قصيدة (أنديميون فانتقدتها المجلة (الفصلية) ومجلة (الغابة السوداء) انتقاداً لاذعاً سفيها آلم الشاعر كثيراً، ولكن هذا الظلم الأدبي ليس هو الذي عجل بموت كيتس كما ظن شلي، وإنما داء السل هو الذي كان علة موته الباكر
ظهرت أجود شعره عام ١٨٢٠، وفي ختام هذا العام رحل إلى (نايلز يرافقه صديقه (سيفرن) الذي وقف على العناية به امرأة طيبة، ظلت مخلصة في خدمته إلى أن توفاه الله في روما في شهر شباط سنة ١٨٢١
لقد نضجت عبقرية كيتس بسرعة مدهشة كما نضجت عبقرية شلي، وعلى الأخص ذوقه الفني إذ سرعان ما صلح، وسرعان ما كمل
قد تكون قصيدة (أنديميون غنية في الكلمات وفي الصور، أما فيما عدا ذلك فلم تكن بذات خطر. إنها تظهر رغبة الشاعر في جمال الأسلوب فحسب. ولكن إن نحن انتقلنا إلى مقطوعاته اليونانية الأخيرة التي وصفها بيرون بأنها (سامية سمو ايشيلوس) أدركنا الفارق العظيم بين شعره الأول وشعره الآخر الذي منه (لميا وهي قصة شاب اقترن بأفعى متخذة صورة امرأة جميلة، و (ايزابيلا) التي تكشف لنا عن مقدرة كيتس التامة في تأليف القصص الشعرية، (والأناشيد الستة) الباقية على الزمن
стр. 7473
وما الذي كان ليعجز عبقرية كيتس لو قدر لها أن تعيش؟ إن موته المبكر كان أعظم نكبة حلت بالشعر الأنجليزي، لقد استطاع أن يتعلم من فنه ومرانه وجده خلال البرهة التي مرت بين نظمة (لأنديميون) ونظمه (الأشيد الستة) ما لم يتعلمه شاعر إنجليزي آخر في مثل هذه الفسحة من الزمن
لكي نتفهم نفسية هذا الشاعر ننقل هنا بعضاً من أقواله: (أنا رجل إحساس أكبر مني رجل تفكير)
(ليس في حس يمكن أن يخضع للجمهور أو لأي شيء في الوجود، إنما يأسرني الكائن الخالد، والجمال الخارق، وذكرى الرجال العظام)
(لم أستطع أن أعيش من غير حب أصدقائي، وإني لأقفز إلى أسفل جهنم من أجل الصالح العام، ولكني أكره الشهرة التي تقزز النفس)
(قد سبب لي نقدي لنفسي من الألم ما لم يسببه نقد المجلة (الفصلية) أو نقد مجلة (الغابة السوداء)
(حين أشعر بأني على حق أحس بنشوة طرب لا أحس بها حين يثنى على الناس)
(أرى أنه لا يوجد مطلب يستأهل الطلب، اللهم فكرة عمل الصالحات) (ليس أمامي سوى طريق واحدة)
(أحسن أنواع الشعر، هو ما أهتم له وما أعيش له) (سوف لا أخلف ورائي حين أموت عملاً خالداً، سوف لا أخلف ما يثير إعجاب الأصحاب عند ذكراى؛ ولكني همت بالجمال كما ينبغي)
الجمال الحقيقة، والحقيقة الجمال، هذا كل ما يجب أن تعرفه في الدنيا وكل ما تحتاج إلى معرفته
(شرق الأردن)
بشير الشريفي
стр. 7474
القصص
من أساطير الإغريق
بجماليون المثال
أسطورة الفنان الذي عشق أحد تماثيله
للأستاذ دريني خشبة
في مدينة أماذيس، الراقدة كالحمل بين مهاوي الجبال على شاطئ قبرص الجنوبي، كان يعيش المثال بجماليون عيشة كلها عزوف عن العالم، وانزواء عن مشاغل الحياة، وهرب من الناس. كان يأوى إلى ممثله إذا تنفس الصباح، ويكب على عمله حتى تواري الشمس بالحجاب، فيأوي إلى فراشه، سادر النفس، معمود القلب، مكتئباً حزيناً
ولم يكن حزنه من نوع هذه الأحزان التي تتعارفها قلوب أبناء آدم، بل كان حزناً فريداً في نوعه، غريباً في أسبابه، شاذاً في دواعيه، حتى لنحسب أن أحداً من الناس لم يشق بمثله من قبل. . . . ولا من بعد
كان في بجماليون صدود عن الناس شديد، لا يراهم جديرين بتودد، ولا حفيين بمؤاخاة. ومع أنه كان يضفي من عبقرية على تماثيل الآلهة التي طالما تفننت فيها يده الصناع، فكان يخرجها على نسق الفاتنات الحسان، وفي سمات الغيد القيان، فانه لم يصب مرة إلى امرأة، ولم ترتبط أسبابه بفتاة. فكأنه كان يسمو بحبه على النساء، وإن كن في الحقيقة صاحبات وحيه، وفيض نبوغه، والمع الخاطفة التي يتجه شطرها مثله الأعلى
ولم تكن هذه الحياة الصحراوية التي يحياها لترضيه، ولا تلك المعيشة الآلية التي أغطشت أيامه لتقنع خياله الخصب، وقلبه الرحب. لقد كان يقف منقبض الصدر، مغلول الروح، أمام هذه الدمى الصامتة، والتماثيل الخرساء، التي صنعها لأبوللو، ومينرفا، وديانا، وكيوبيد، وفلكان!
ولقد كانت المناحت والأزاميل، والمثاقب والمناشير، والمبارد والمناعم، وكل عدده تثير في نفسه السخط على الحياة، والبرم بالأيام، كلما فكر في حاله فعلم أنه يحيا بلا حب، ويعيش بلا أمل، ويعمل بلا غرض، ويسعى إلى غير مطمح!
стр. 7475
وبينما هو في يقظته النائمة هذه، إذا بحجارين يحملون رخامة كبيرة، على جرارة ضخمة من هذه الجرارات الثقال، التي ترى كثيراً في محاجر اليونان، يقفون أمام الممثل، ويطرقون باب بجماليون، فينقدهم ثمن الرخامة، وينصرفون كل إلى طيته
وكأنما كانت هذه الرخامة، على ثقلها الهائل، وحياً خفيفاً من السماء، أو آية من آيات الأولب، هبطت على هذا المثال المهموم، فبدلت يأسه أملاً، وقنوطه المظلم رجاء نير الآفاق!
فانه لينظر إليها نظرات تشف عن التمثال الرائع الذي سيولده منها، وإنه لينزع ملابسه، ويضفي عليه ملابس العمل، ثم يتناول إزمليه ومنحته، ويهوى على الرخامة مستلهماً الحول والقوة من: (فينوس!!)
(يا فينوس الجميلة، يا ربة الحسن والحب، يا من تسبح لك القلوب العاشقة، وتلهج باسمك النفوس الوامقة، يا سر الورد الجميل، وبسمة الفنن الضاحك! يا أم كيوبيد الحالم، وبنت ديون الباسمة، يا فينوس الجميلة، العون العونيا فينوس!)
وهكذا لبث هنيهة يصلي، ثم أخذ في عمله، وكأن فكرة علوية تنزلت على فؤاده، وامتزجت بشغاف قلبه، فراح يصورها ويمثلها، في هذه الرخامة النقية كالندف، البيضاء كالثلج. بل كأنما استجابت فينوس ربة الحب لصلاته، فأودعت في يده نفحاتها المباركة. فما دق دقة، أو نقر نقرة، إلا وتمثل فينوس الجميلة أمامه، ناذراً لها هذا التمثال، برغم التماثيل البارعة التي نحتها لها، والتي تملأ معابد اليونان وأقداسهم
وأقبل على عمله بروح جديدة، ويد لا تكل، فلم يكن يحول بينه وبينه إلا الليليرخي سدوله، وإلا سنة من النوم ترقص في جفنيه، فإذا نام تتابعت الرؤى، وتلاحقت الأحلام، كل منها بيدي له ناحية كان يجلهها من جمال فينوس!
ولقد بدا له، كفنان، أن يروح عن نفسه بيوم يقضيه في الأدغال، وبين مسارب المياه، لكي يجدد نشاطه، ويبتعث ما خمل من ذهنه، وخبا من خياله، لطول ما أكب على العمل؛ فانطلق ذات صباح إلى سيف البحر يناجي أبوللو، وهو يوقظ الشمس من خدرها، فتعلو به في مركبتها الذهبية فوق الأثباج! وظل يعلو ويهبط، ويروح من هنا غادياً إلى هناك، حتى شارف اليوم أن ينتهي، وعاوده هواه الملح، فندم على ما قتل من ساعات في هذه الراحة
стр. 7476
الخاملة، والفسحة الباطلة، فعاد أدراجه إلى الممثل، مستغفراً في طريقه الطويل فينوس!
ووصل ما انقطع من صنعته، فكان يستذكر أحلامه ليضفيها على التمثال، ويستوحي السماء فتلهمه من أديمها الصافي، وتشيع في يديه وقلبه بطهرها ونقائها، لتنتقل من ثمة سحراً وفتنة فوق تلك العضلة، وتحت ذياك الأبط، وبين انفراج هذين الثديين، وبالقرب من العكن، وحول الفخذين، وعند هذا الأنف الإغريقي الأشم، وملء ذاك الذقن الدقيق، والعنق الرقيق، ولفتة الحدقتين، وانفراجة الشفتين، وتبسيم الثغر، وتكويم الشعر، وتمليس الردف، وتدوير الكعبين. . . .
وتباركت يا فينوس!
لكأن بجماليون يحس الحياة تسيل من إزميله الحنون، فوق هذا الجوهر المكنون! وكان يتقدم فينظر، ويتأخر فيرى، ويميل من هنا، وينثني هناك، ثم يهطع إلى عل، وينحني إلى أسفل؛ ليتفقد التمثال من جميع نواحيه؛ فماذا رأى؟ لقد استطير من الفرح، ومادت أعطافه من الخيلاء! ولكنه سكن قليلاً، وانطلق يتحدث إلى نفسه: (ويحي! لم صنعتك أيها التمثال، مادمت قد بلغت هذا الجمال ولا تتكلم؟ أنا بجماليون التعس، الذي يعيش في هذا العالم القفر، وعلى هامش تلك الدنيا المجدبة، لا أنيس لي، ولا قلب ينبض بحبي، فينبض قلبي بحبه؛ ولا نفس تصلي لي، فاصلي من أجلها! تكلم أبها الرخام الصامت، وانفرجا بكلمة واحدة أيتها الشفتان الساحرتان! أنا بجماليون! أنا صانعك أيها الأنثى المتحجرة. . . تكلمي، ردي علي، فوحق فينوس المعبودة لقد أودعتك سر روحي، ولغز حياتي! أوه! ألا تردين على بجماليون المسكين؟ آه فينوس! النجدة يا فينوس! أنا لا أصلي إلا لك يا فينوس. . الغوث الغوث!. . .)
وظل المسكين مكباً على هذه الدمية التي صورها بقلبه كله، وروحه جميعها، يشكو إليها كأنها تسمعه، ويبثها كأنها تصغي إليه؛ ثم انتهى حاله إلى هيام شديد، وحب ودنف، ولوعة وصبابة؛ وانقلب عشقه المبرح إلى لون كاسف من الوجد، وضرب شديد من أمر ضروب الحزن؛ مصدره العقل الحائر والوجدان المضطرب. إذ كيف يعشق هذه الكتلة المجسمة من الرخام، وهي مما صنعت يداه؟ وأي أمل له في هذا العشق الشاذ؟ لا ريب أنه ضرب من الجنون، ما له من ضريب!
стр. 7477
ولج به هواه، فأحضر عصبة من الحمالين الأقوياء، نقلوا له تمثاله إلى ردهة الآلهة - كما كان يسميها - وهي صالة واسعة في الطابق الثاني من البناء الذي فيه ممثله؛ وقصد إلى أمهر الصاغة وتجار اللآلئ، فاشتري ما وسعه من الحلي البالغة والجواهر النفيسة؛ وعاد فقرط الأذن، وقلد الجيد، وتوج الرأس؛ ثم هام في المروج الخضر، والحدائق الغناء، يجمع الورود والرياحين، كيما ينثرها تحت قدمي التمثال!
وتحولت الردهة إلى معبد من معابد البوذية المقدسة، بما عكف يحرقه من مقتني الند، وفواح الرند، في مباخر المرمر الجميل المصففة حول قاعدة التمثال
وتلف تلفاً شديداً من هذا الغرام العجيب، فلم يكن يكتفي بالعبادة في الحب والخبوت بين يدي ذلك الصنم المنتصب للفتنة، بل كان يشركه في كل أمره، ويعرض عليه جميع شأنه، حتى القراءة! فطالما كان ينشده من دواوين الشعراء ما جادت به القرائح وشدت به الألسن، وتغنت بألحانه قلوب العاشقين!
معذور بجماليون! لقد تعب وراء الحب، ولكنه لم يلق هذه الغيداء الفاتنة، التي تستطيع التسلط على مشاعره، والهيمنة على فؤاده، وكان يتخيل روعة الجمال فلا يجدها مجتمعة إلا في هذا التمثال الذي نحته لهذه الأنثى، فعبده، وراح يتمنى على الآلهة الأماني، أن تنفخ فيه روحها، وأن تهبه الحياة ونعمة العيش
وبينما هو نائم في هدأة فجر اليوم التالي، إذا به يصحو فجأة على لغط شديد، وهرج عال في الشارع الذي يقع فيه بيته. فينهض إلى النافذة، ويرفع الستر، ويفتح أحد المصاريع قليلاً، ثم يحني رأسه ليرى. وإذا موكب زاخر من غوغاء المدينة يحمل تمثالاً كبيراً من تماثيل فينوس التي صنعها بجماليون؛ وإذا الدهماء ينشدون الأناشيد الشعبية، ويرسلون في غبشة الصبح أغانيهم (البرجوازية) الجميلة. . وكان من عادة سكان أماذيس أن يحتفلوا بالربة فينوس ثلاثة احتفالات يفاجئون بها النائمين ثلاث مرات كل سنة؛ فلما عرف بجماليون أن الحفل حفل فينوس، أسرع فارتدى أبهى ملابسه، وجمع بعض باقات الزهور المبعثرة تحت قدمي تمثاله، وهرول على الدرج، ثم انفتل في الشارع، واندمج في صميم الشعب الذي يلهج بالصلوات والأدعية باسم فينوس. ثم ما هي إلا هنيهة، حتى كان بجماليون يهتف كما يهتف الأطفال والسذج، ويرد من الصلوات ما يرددون
стр. 7478
ولم لا؟ هل لحظة من الزمان هي خير من هداة الفجر ترسل فيها الصلوات على أول آراد الصباح، إلى آلهة السماء، وأرباب الأولمب، فتسمع وتلبى؟
وكان كل همه أن ينتهي هذا الحشد الهائل إلى المعبد، حيث يستطيع أن يرتل دعاءه، ويتمتم بصلاته
وقد تنظر حتى فرغ الكهنة من جميع الطقوس التي اعتادوا أن يقوموا بها في مثل ذلك اليوم؛ وأخذت الجماهير تنصرف هاشة مستبشرة، كأنما غمرتهم نفحات خالدة من فينوس. ولما لم يبق في المعبد إلا كهنته، وأفراد من الأتقياء الصالحين، يصلون صلاتهم، ويغمغمون بأدعيتهم، تقدم بجماليون في روعة التقى وخشوع الورع، ووقف خافتاً أمام المذبح، حيث تصاعدت ألسنة البخور المعطر، حاملة الأرج الشذى من لهب المحرقة إلى سقف. . . والسجف، فتكسب الهيكل جوه القدسي البديع.
ثم ألقى في اللهب بحفنة من فتيت الكافور والمسك، وطفق يرتل هذا الدعاء الطويل: (فينوس الكريمة البارة، يا ربة الحب الطاهر، والهوى البريء، أيتها القديرة على كل شيء، المتصرفة في جدود العاشقين، وحظوظ المدنفين: أصغي إلي، ولا ترفضي دعائي: منذ اهتديت إليك، وأنا عبدك القانت لك، الهاتف باسمك في الغدو، المصلي لك في الأصال؛ لا أني عن ذكرك، ولا يفتر لساني عن التسبيح لك، والنسك من أجلك؛ باسمك أقبل على فني، ومنك استلهم وحي العبقرية فأنت لي كل شيء
ولقد أيقظتني صلوات الشعب لك من أحلامي الجميلة بك، فلم أطغ ولم أستكبر، بل هرعت إليك، أتوسل بك، وألتمس البركات منك، فحنانيك يا فينوس!
حنانيك يا ربة الحب، وجابرة القلوب الكسيرة، والنفوس الحائرة!
أنت، من غير ريب، تعلمين ما ألم بي من برح هذا الهوى الطارئ، وما تام قلبي من حب هذه الدمية التي صنعتها باسمك، ونذرتها لك، فدلهتني وشدهت روحي المبلبلة، وصارت لي أعذب الأماني وأعز الآمال. وهي بعد رخامة لا روح فيها ولا نأمة، أكلمها فما ترد، وأناجيها فما تجيب، وأغني لها فما تبتسم، أنت قديرة يا فينوس! فانفخي فيها من روحك، وانشري الحياة في أركانها، وامنحيها النبضات والأنفاس
حنانيك يا فينوس! وسلام لك من قلوب العاشقين)
стр. 7479
وما كادت صلاته تنتهي حتى انهمر الدمع من عينيه يروي قدمي التمثال المنتصب في المحراب فانبعث الشرر عالياً من المحرقة حتى أضاء قبة الهيكل، والتمع في جميع أرجائه وأقبل الكهنة والمصلون يباركون بجماليون ويهنئونه. لأن انبعاث الشرر هكذا، عقب الصلاة، وهو في اعتقادهم دليل رضى الربة، وأية تلبيتها واستجابتها.!!
ولكن مثالنا لم يشعر بقلبه يثلج، ولا بنفسه تهدأ، بل بالعكس، أحس كأنما الحياة تتدجى أكثر من قبل، ويحلو لك كل شيء في عينيه، وشعر كذلك بقنوط قاتل ينفذ إلى صميمه، فيطفئ فيه ما رجى من الآمال البيض، والأماني العذاب! فتعثر إلى الباب غير آبه لما حوله من الآس المنضود في أنحاء المعبد، والزهر المبثوث في صحنه الرحيب. وما برح بين وني وبطء، حتى بلغ باب منزله، فولج متساقطاً على نفسه، وانبطح على أول سلاليم الدرج لا يحس ولا يعي!
وغفا إغفاءة مريضة، فبدا له أن يحمل أرزبة هائلة، يهوي بها على رؤوس الدمى، ويحطم بها التماثيل المنتشرة في ردهة الآلهة. . . إلا تمثال فينوس الجديد، المرصع باللآلئ واليواقيت! ففزع فزعة مروعة، ونهض يعدو إلى الصالة، يتفقد التمثايل. . . فما راعه إلا أن يسمع صوتاً رقياقاً يناديه: (بجماليون. . . بجماليون. . . إرق إلى هنا. . . هلم إلى!!)
من؟ صوت من هذا؟ إنه صوت مرمري لا عهد لبجماليون به!!)
وقفز قفزات كان بها في الطابق الثاني؛ ونظر فلم يجد تمثاله الحبيب في المكان الذي غادره فيه. . . (. . . أين؟ ويحي! لصوص!)
ولكن الصوت الرقيق الرنان عاد يطن. . . ويرن (لا. . ولكنها فينوس!) والتفت بجماليون فرأى غادة هيفاء في طبق تمثاله ونسجه، متكئة على الأريكة التي طالما وضعها أمام التمثال وأنشد الأشعار؟!
(من أنت أيتها المعبودة؟)
(لست معبودة، ولكنني هبة فينوس لك! أنا جالاتيا. . تمثالك المكنون!)
(وكيف؟ أنا لا أصدق. هذه خديعة لاشك!)
(وكيف تخدعك السماء يا بجماليون؟ أتريد أن تكفر بآلاء فينوس؟)
(لا. . لا. . لا أريد أن أكفر: وحاشا. . كيف حرت أنسية، ومن وهبك الحياة)
стр. 7480
(هذا سر فينوس. وهذه قبلاتك وما تزال مطبوعة على قدمي!)
(يا للسعادة!)
(انظر إلى هاتين الشفتين القرمزيتين، وهذين الخدين الموردين، وتينك العينين الزرقاوين. هل استطعت أن تموه تماثيلك بهذه الصباغ الفينوسية؟)
(وانظر إلى الأنفاس الحارة التي تتردد في صدري، هل وسعك مرة أن تبعثها في إحدى دماك؟)
(حاشا. حاشا.)
(إذن فهلم إلي أحدثك حديثي)
(فدنا منها بجماليون المشدوه)
- (بجماليون! لقد استجابت فينوس دعائك، وقبلت صلاتك، وحضرت إلى هنا إذ كنت أنت في الهيكل تبكي وتنتحب، فمنحتني الحياة، وعلمتني من العلم ما لم أكن أعلم
- (ولكن كيف بحق فينوس عليك يا جالاتيا)
- (كنت منتصبة كما وضعتني على تلك القاعدة الناصعة، فاحسست حدقتي تتحركان وإذا بي أرى فينوس الجميلة أمامي، تأمرني أن أدلف نحوها، ففعلت، وكنت أحس كأن ثلجاً ينفذ من كياني، وأن حرارة تشيع في أركاني، وكانت فينوس تقول لي. . . (تعالي. . . تعالي، وكوني ربة هذا البيت، أحميه وأحرسيه، وانشري السعادة فيه!! هلمي إلي ألقنك دروس المحبة والحياة. . .) ثم إنها نفثت في أذني نفثات تعلمت بها هذه الكلمات، وأسبغت علي هذا الثوب الحريري الذي لابد قد رأيته على تمثالها في الهيكل. . . ليشهد لك أنها هي التي منحتني الحياة. . . ومنحتك الحب!)
- (وماذا؟ وماذا يا حبيبتي جالاتيا؟)
- (ثم تقدمت إلى فنولتني قبلة مشتهاة لن أنسى ما حييت أسرها. ودعت لي ولك بالوفاق الأبدي، والإخلاص السرمدي، لنكون أية السماء في هذه الأرجاء وابتسمت ابتسامة أرق من أطباقه أوراق الورد، ولم أعد أراها. . .)
وأتمت جالاتيا حديثها، فاستقر بجماليون في أحضانها!
دريني خشبة
стр. 7481
على ذكر الربيع
شجرة المشمش
بقلم الأديب حسين شوقي
عندما فتحت صباح اليوم نافذتي التي تطل على الحديقة، تولاني العجب حينما شاهدت شجرة المشمش في ثوب زاه قشيب، وكانت بالأمس عارية يابسة. . . . حقاً! ما أبهى شجرة المشمش في ثوبها الأبيض المزدهر، كأنها فتاة تتأهب لحفلة زفافها! من ذا الذي أتى بهذه المعجزة؟ من؟ هو أنت أيها الربيع، يا ألطف السحرة وأمهرهم؟
ولكن ظهور الربيع فجأة أعاد إلى قلبي ذكريات عزيزة، وإن تكن حزينة مؤلمة. .
إن قدوم هذا الربيع ذكرني بربيع آخر قضيته في باريس، حينما كنت طالباً بها. .
أذكر أنني ذهبت يوماً إلى حديقة (اللكسمبور) الغناء للمذاكرة في الهدوء والسكينة، قبل الامتحان بأسابيع، وبيدي كتاب (القانون المدني) للأستاذ (بلانيول) ولكن لم تكن عندي رغبة في المذاكرة هذا اليوم، لأن الطقس كان بديعاً؛ فالشمس أخذت تلمع في الأفق بعد احتجابها عنا طويلاً، والجو أخذ يعبق برائحة الربيع الزكية. . لشد ما كان جميلاً منظر جند الربيع، وهي تتسلق الأشجار في أثوابها الخضراء، وقد أخذت الطير تهتف وتصفق من فوق أغصانها لذلك الجيش الحليف الصديق، الذي أراجها من الشتاء البغيض. .
كنت أفتح كتابي لأقرأ فيه صفحة ثم أعود فأهمله لأتفرغ للنظر إلى التغييرات العجيبة التي تحدث في الطبيعة حولي. . . وكنت أغمض عيني، ثم استنشق - ملء الرئتين - عبق الربيع في نشوة عظيمة. . حقاً! لقد كانت بغيضة إلى نفسي تلك المذاكرة في هذا اليوم! مالي و (لبلانيول)؟ مالي وللعقود وتسجيلها؟ مالي وللحجز والاسترداد؟ والطبيعة تنجلي أمامي؟ وبينا أنا على هذه الحال، أفتح الكتاب لحظة لأهمله لحظات، إذ يرن من الخلف ضحك فتاة لم أنتبه إلى وجودها من قبل، وإذا هي تقبل فاسمعها تقول: إنك على حق! إنه لعذاب للنفس المذاكرة في مثل هذا الطقس البديع! أنا أيضاً لم أطق الذاكرة. . ثم أشارت إلى كتاب ألقته على الأرض. . وفي دقائق معدودة أصبحنا صديقين حميمين، وكأننا تعارفنا من زمان طويل، وكأن حديثنا هذا تتمة حديث قديم. . حقا! ما أمهرك أيها الحب في إحداث أمثال هذه المعجزات!
стр. 7482
تركنا مقاعدنا وأخذنا نطوف جوانب الحديقة لنعرف ما إذا كانت جنود الربيع قد احتلت أنحاءها الأخرى
ثم دعوتها إلى تناول العشاء معي، فقبلت الدعوة دون تردد. . والعجيب أني وجدت من الطبيعي أن أدعوها إلى تناول العشاء، كما كان عجيباً أن تجد هي أيضاً من الطبيعي أن تتقبل هذه الدعوة. . ما أعجب تصرفاتك أيها الحب! وفي أثناء العشاء التهمت صديقتي بالنظرات، معجباً كل الإعجاب بعيونها الكستنائية الصافية التي قامت على حراستها أهداب براقة فتية، وأعجبت بقوامها الرشيق، وثوبها البسيط الأنيق. . ثم صرنا تتلافى في كل يوم. . ولم يشأ أن يسأل أحدنا الآخر عن ماضيه. . ما شأن الماضي بنا؟ ما شأن الأشياء التي ماتت وانقرضت؟ لم نعذب أنفسنا بأوهام وأشباح؟ كذلك لم نشأ أن نفكر في المستقبل، لأن المستقبل لن يكون خالياً من الخطر والغموض. . أليس الفراق يراقبنا عن كثب؟ ألست طالباً أجنبياً تنتهي دراسته بعد أسابيع ثم يعود إلى وطنه؟ ما لنا وللمستقبل إذا كنا ننعم بالسعادة والحب في الحاضر؟
قضينا أياماً لذيذة سعيدة مرت كعادتها سراعاً. . . أي صديقتي العزيزة! إني لن أنسى وفاءك ما حييت! كم كنت تحثيني على المذاكرة عند اقتراب الامتحان، ونجاحي معناه الافتراق، معناه عودتي إلى الوطن. . ولو رسبت لطالت إقامتي معك. . ولكنك آثرت نفسي على نفسك، وقدمت مصلحتي على مصلحتك!
أي صديقتي المحبوبة! إن قلبي يتفطر حزناً كلما تذكرت يوم نجاحي، وقد جئت إلى الكلية أعرف النتيجة، فلما عرفت نجاحي طوقتني بذراعيك وقبلتني أمام الجميع بلا مبالاة من شدة الفرح، بينما لمحت دمعة تتحدر من عينك المحبوبة للفراق المرتقب!. .
أي صديقتي العزيزة! إني ما زلت أراك وأنت ترافقينني في مسيري لقضاء بعض حاجاتي قبل الرحيل، وقد تظاهرت بالغبطة والسرور كي لا تدخلي على الغم في الأيام القليلة التي سأقضيها معك في باريس! كنت فرحة وأنت تنتقين لي الهدايا التي سوف أقدمها لدى عودتي إلى أفراد أسرتي في مصر! أي صديقتيالعزيزة! إني ما زلت أراك تكفكفين دموعك خلسة حينما حجزنا تذكرة عودتي لدى إحدى شركات الملاحة! إني ما زلت أذكر عشاءنا منفردين في الفندق عشية الرحيل. . . لقد بدا عليك الحزن في أجلي مظاهره، لأنه لم يعد
стр. 7483
بعد في طاقة قلبك الرقيق الصغير أن يتحمل تلك (الكوميديا). . (كوميديا الفرح) والسرور التي كان يحياها في أيامنا الأخيرة. . أي صديقتي المحبوبة! كم كان مؤلماً يوم الفراق! لقد رجوتك ألا تذهبي إلى المحطة لأن الوداع في المحطات مؤثر من نفسه، ولكنك أصررت على الحضور زاعمة أنه في طاقتك أن تتجملي. . ثم حضرت. . وكنت فعلاً شجاعة في أول الأمر فقد أخذت تضحكين، كما جعلت توصيني بأن أبعث إليك رسالة من كل مكان أحله في طريقي. . ولكن عندما علا صفير القطر المزعج المؤذن بالرحيل، ضاعت شجاعتك فأخذت تبكين بكاء مراً، ولم يكن في طاقتي أن أخفف عنك لأني كنت في مثل حالك من التأثر. . . ما أطيب قلب تلك السيدة العجوز التي جلست أمامي في العربة، وقد أخذت تبكي لبكائنا وهي تتمتم: يا لله! ما أقسى الحياة!
أي صديقتي المحبوبة! إذا كان حبنا لم يعيش طويلاً فإن عزاءنا فيه أنه انقضى في أوج شبابه وريعانه!
وأنت يا شجرة المشمش! ذكريني في مثل هذا اليوم من كل عام بهذه الذكريات العزيزة، لأن القلب البشري ضعيف قد ينسى أحباءه يوما ما!
كرامة بن هانئ
حسين شوقي
стр. 7484
البريد الأدبي
هل لامرتين من اصل عربي؟
سيدي الأستاذ. . . . الزيات
كنت قد قرأت في العدد التاسع والسبعين من (الرسالة) الغراء كلمة عن اتصال نسب شاعر الحب والجمال (لامرتين) بالعرب، وحثكم الباحثين على التنقيب عن هذه الصلة، لعلهم يوفقون إلى إضافة هذه العبقرية الخالدة إلى عبقريات العرب.
وإذ كنت أقرأ في (حياة لامرتين الغرامية للكاتب المعروف (لوكادوبريتين - صفحة ١٢٨، عثرت على نبذة لها علاقة متينة بذلك الأصل الذي يعترف به (لامرتين) نفسه بصراحة وثقة. وهأنذا أرسلها إلى (الرسالة) لعل فيها شعاعاً يضيء طريق البحث عن ذلك النسب.
قال لوكا:
(لما نفض لامرتين يده من السياسة تسنى له سنة ١٨٣٢ أن يحقق أمنية طالما فكر فيها: وهي السفر إلى الشرق، لا حاملاً حقيبته وعصاه كما قد سبق له أن تخيل، بل على سفينة شراعية جميلة. . . هنالك نساء الشرق أرينه في عيونهن كما يقول: (أشعة من المخمل الرطب لم يكن قد رآها في عيني امرأة.) ففعلت بلبه تلك العيون ما تفعل الخمر. لذلك كان في قصصه التي عاد بها من سفره تلك اللجة الحادة، وذلك الخيال الذي تجده في قصائد (أريوست من هذا النوع قصيدته التي بارى بها شاعراً من الصحراء في الاشادة بمحاسن الآنسة الرائعة الجمال (مالاجمبا وأصدق هذه القصص على ما يظهر قصة زيارته (لادي استيراستهوب تلك الإنجليزية المحاطة بالأسرار التي كانت تعيش كسلطانة في قصرها القائم على أحد منحدرات لبنان، وقد تنبأت له بمكانة رفيعة وحظ عظيم؛ فسر بنبوءتها وارتاح إلى تصديقها. وأهم ما لفت نظر السلطانة في الشاعر تفاخره الساذج. وإليك حديثها عنه إلى زائر آخر هو الأمير (دي بويكليرموسكو -
قالت:
(بينما كان لامرتين يمد قدمه ليلفت نظري إلى جمال تقوسها، بينت له أن ذلك الشكل ينم عن أصل عربي، يدل عليه أيضاً بريق عينيه ورسم حاجبيه:
стр. 7485
' ' , , '
فاعجب بفراستي واستنتاجي؛ ثم روى لي كيف أن مائة وخمسين عربياً أسروا في غزة أيام الحرب الصليبية، فقيدوا إلى فرنسا واستوطنوا (ما كونيه) حيث أسسوا قريتين، وشادوا القصر الذي يسكنه لامرتين نفسه:
' ' -
ثم تابع قائلاً: - كان عليك أيضاً أن تلاحظي في خاصة وراثية شوهدت في الاسكندر، وهي ميل الرأس قليلا نحو الكتف. . أليس هذا طابع البلاد الجنوبية؟. . . . فأجبته بالتأكيد:
- ' ' ?. . .
وكأن هذا الانتساب لم يرق للكاتب الفرنسي (لوكا) فقال فيه:
(إن هذا الحديث ينم عن حقد (لادي استير) على الشاعر الذي أدرك ببصيرته الثاقبة (ما وراء تلك المظاهر الخلابة التي كانت لادي تحيط نفسها بها، من دسائس سياسية).
وليس في فراسة (لادي) ما ينم عن حقد أو تشف؛ وإنما هو استنتاج استنتجته من ملامح الشاعر وتكوين بعض أعضائه، وكانت فيه جد موفقة، لأنه صادف ارتياحاً من لامرتين، فقص عليها من نبأ الأسرى ما يؤيد فراستها ويدعم هذا الانتساب الذي يفتخر به، وبرهن لها أن القرية التي يسكنها والقصر القديم الذي توارثته أسرة لامرتين هما من بناء أولئك الأسرى العرب
ويروي أن لامرتين حاول مرة أن يبيع هذا القصر الأثري ليوفي ديونه، فأبت عليه ذلك ابنه أخته (فالنتين: وآثرت بيع معظم أملاكها حتى لا يفرط في هذا التراث الثمين، تراث أجداده العرب
بيروت (دار العلمين)
حسن باشو
ذكرى هاندل عميد الموسيقى الألمانية
احتفلت دوائر الفن والثقافة في ألمانية بمرور مائتين وخمسين عاماً على مولد الموسيقي
стр. 7486
الألماني الكبير جورج فريد ريش هاندل، عميد الموسيقى والأوبرا الكلاسيكية. وأقيم احتفال رسمي في (هاله) مسقط رأس الموسيقى، شهده مندوبون رسميون من انكلترا التي عاش فيها هاندل أربعين عاماً وأخرج معظم قطعه وأوبراته الخالدة. وقد ولد هاندل سنة ١٦٣٥، ودرس القانون أولاً، ولكن مواهبه اتجهت إلى الموسيقى فبرع في العزف على القيثارة والأرغن والهارب؛ وتلقى دراسته الموسيقية على العازف الشهير زوخاو؛ وعين عازفاً لكنيسة هاله. ولما ذاعت شهرته سافر إلى همبورج حيث تولي العزف في أشهر فرقها الموسيقية، وأخرج في ذلك الحين أولى أوبراته (الميرا) و (نيرون)؛ ثم سافر إلى إيطاليا وطاف بمدنها الكبيرة ونالت (أوبراته) هنالك نجاحاً عظيماً. وفي سنة ١٧١٠ سافر إلى إنكلترا وأخرج (رينالدو)، وذاعت شهرته هنالك؛ وبقي في إنكلترا زهاء أربعين عاماً حتى وفاته؛ وتعرف يومئذ بأقطاب العصر مثل بوب وفيدلنج وهو جارث؛ ولقى رعاية كبيرة من الملكة (آن) ملكة انكلترا؛ ورتبت له معاشاً حسنا. وفي تلك الفترة وضع هاندل سلسلة جديدة من الأوبرات الرائعة مثل (آسى وجلاتيا) و (استر) وهي بالنكليزية و (اتوني) و (تيمورلنك) و (سبيون) وغيرها؛ وأنشأ هاندل يومئذ فرقة أوبرا كبيرة؛ ولكنها فشلت من الوجهة المالية؛ فعاد إلى التأليف ووضع (آريان) و (أثاليا) و (السينا) وغيرها. وأصيب على أثر فشله في مشروعه بضربة من الشلل؛ فسافر إلى إكس لاشابيل يستشفى مدى حين؛ ثم عاد إلى إنكلترا، وترك التصنيف الأوبرا وأخذ يصنف القطع الكنيسة فوضع منها خمس عشرة؛ وأسبغ بمجهوده على الموسيقى الكنيسة بهاء وروعة لم تعرفهما من قبل، وأشهر هذه القطع الدينية (صالح) و (إسرائيل في مصر) وهما من أبدع قطعة. وفي سنة ١٧٤٢ أخرج أعظم قطعة وهي: (المسيح) ومثلت لأول مرة في دبلن، ويجمع النقدة على أنها أعظم قطعة دينية موسيقية، ثم أخرج بعد ذلك (شمشون) و (يهوذا) و (تيودورا). وتأثر هاندل أعظم تأثر بالمدرسة الإنكليزية وتقاليدها. ورز في فنه على جميع معاصريه ما عدا (باخ) وتطبع مؤلفاته كلها روعة وفصاحة بالغة؛ وموسيقاه عميقة مؤثرة خصبة في الإلهام. وقد أصيب الموسيقى الكبير قبل وفاته بأعوام بفقد بصره؛ فكان ذلك نذيراً بتحطيم حياته؛ وتوفي بإنكلترا سنة ١٧٥٩
وقد ألقى ممثل الحكومة الألمانية الدكتور روزنبرج في احتفال (هاله) الرسمي بهذه المناسبة
стр. 7487
خطاباً جامعاً عن هاندل وآثاره؛ ونوه في خطابه بوحدة الثقافتين الجرمانية والأنجلوسكسونية، وقال إن ألمانيا كانت تعتبر شكسبير دائماً واحداً من أبنائها، بينما تعتبر عظماء المؤلفين الإيطاليين والفرنسيين أجانب عنها وعن ثقافتها وإن كانت تقدرهم وتعجب بهم، وكذلك هاندل فانه طبع الموسيقى الإنكليزية بأثره وطابعه مدى قرنين، ثم قال إن (المسيح) وهي أعظم قطع هاندل لا علاقة لها بالمسيح ليهودي؛ وقد نعت المعاصرون هاندل بأنه وثني كبير، ولكن روعة هذه القطعة ونبراتها القوية إنما هي في الواقع نفحة انتصار تفهمها الروح الأوربية دائماً سواء في إنكلترا أو ألمانيا
اثر لشوبين
وضعت بلدية درسدن لوحة تذكارية على منزل في المدينة كان الموسيقي البولوني الأشهر شوبين يقيم فيه منذ قرن، وأقيمت بتلك المناسبة حفلة رسمية حضرتها السلطات السكسونية وسفير بولونيا في برلين. وألقيت بهذه المناسبة خطب من مندوب الحكومة الألمانية الدكتور فونك، والسفير البولوني حول حياة شوبين وذكرياته وأثره في تطور الموسيقى
стр. 7488
من هنا ومن هناك
خواطر عن الدستور الإنكليزي
ملخص محاضرة للسيد جون سيمون
قرأنا في (الطان) نص المحاضرة الممتعة التي ألقاها السير جون سيمون وزير الخارجية البريطانية، في باريس، وافتتحت بها سلسلة المحاضرات السياسية الكبرى التي نظمتها (الطان) وشهدها رئيس الوزارة الفرنسية وأعضاؤها وأكابر رجال الحكم والسياسة والأدب والفن المال
وكان موضوع محاضرة السيد سيمون طريفاً شائقاً وهو: (بعض خواطر عن النظام الدستوري في بريطانيا العظمى) وقدم السير سيمون إلى الحضور رئيس الوزارة الفرنسية مسيو فلاندان، في كلمة بليغة نوه فيها بالمركز الرفيع الذي يتبوأه المحاضر في عالم السياسة والقانون؛ فهو اليوم عميد السياسة البريطانية، يتناول أقدارها ومصايرها بين يديه، وهو مشترع كبير ومحام بارع يترك وراءه ماضياً حافلاً بأعظم الذكريات
وألقى السير سيمون محاضرته بفرنسية بديعة؛ ولم يلجأ إلى الشروح الفنية أو الفقهية في بسط آرائه، ولكنه عرضها بطريقة واضحة سهلة، محكمة في نفس الوقت؛ واستهلها ببيان حقيقة يجهلها الكثيرون، وهي أنه لا يوجد في الواقع دستور إنكليزي، أو بالحرى لا يوجد دستور إنكليزي مكتوب ومبوب في نصوص ومواد يرجع إليها في تطبيقه؛ ولكن الدستور الإنكليزي عبارة عن مجموعة من القواعد والتقاليد القومية، تكونت مدى القرون وأصبحت مراجع محترمة تتبع بأمانة وإخلاص. ولهذه الخاصة الغريبة مزية قيمة هي المرونة التي تمكن ولاة الأمر من التمشي مع ظروف العصر ومقتضياته بتعديل بعض القواعد والتقاليد بطريقة عملية؛ وضرب السير سيمون مثلا عملياً لتطبيق هذه الخاصة، هو أنك لا تجد مطلقاً في القوانين البريطانية ذكراً للوزارة أو مسئولياتها أو رئيس الوزارة واختصاصه؛ فالوزارة التي تمسك بيدها مصاير الحرب والسلام هي نتيجة تطور دستوري لا يعرف أصله، ومع ذلك فهي تقوم على أصول دستورية معروفة؛ فهي مسئولة أمام البرلمان، ويجب أن يكون أعضاؤها جميعاً من أعضاء البرلمان؛ وأما رئيس الوزارة فليس له ذكر أو مرجع في القوانين الإنكليزية؛ وإقامته لا تستند إلى غير العادة والتقاليد، والمعروف أن
стр. 7489
والبول هو أول وزير إنكليزي أطلق عليه هذا اللقب واعتبر رئيساً للحكومة؛ أما قبل ذلك فكان الملك يصطفي من بين وزرائه وزيراً أو أكثر يعهد إليهم بمهام الأمور
وللوزارة البريطانية خاصة أخرى هي أن يفرق دائمً بين ديوان الوزارة (كابنت) وبين مجلس الوزارة. فأما ديوان الوزارة فلا يشمل كل الوزراء، ويعقد فقط من الوزراء الذين يمثلون الوزارات الهامة وفي مقدمتهم الرئيس؛ وهؤلاء هم الوزراء اللذين يحملون لقب (سكرتير الدولة) وعددهم سبعة، ومستشار المالية، واللورد تشانسلور، ورئيس البحرية، ورئيس مجلس التجارة وغيرهم؛ وهؤلاء يحضرون دائماً جلسات (الديوان) أما غيرهم من الوزراء الثانويين مثل وزير البريد، فلا يحضرون هذه الجلسات إلا في أحوال معينة
وقد كان العرش فيما مضى يشرف على اجتماعات الوزارة، ويرأس الملك جلساتها عادة؛ وكانت الملكة (آن) هي آخر من رأس مجلس الوزراء؛ ولكن حدث في عهد جورج الأول (أوائل القرن الثامن عشر) أن غيرت هذه العادة، فعدل الملك عن رئاسة المجلس لا لسبب سوى أنه كان ألمانياً لا يعرف الإنكليزية ولكنها غدت من ذلك الحين سنة في الدستور الإنكليزي، فملك إنكلترا لا يرأس مجلس الوزراء منذ قرنين
ولم يكن لمجلس الوزراء سكرتارية، ولا يوضع لجلساته مجلس أعمال حتى الحرب الكبرى، فاستحدث مستر لويد جورج هذه القاعدة، وعين سكرتيراً للمجلس بداعي الحاجة وما تقتضيه الأمور من سرعة الفعل؛ فغدت سنة دستورية؛ وأضحى هذا السكرتير من أهم أعضاء (الديوان) وعليه مسئولية كبيرة، فهو الذي يضع جدول الأعمال بمصادقة الرئيس ويوزعه على الأعضاء مشفوعاً بجميع الوثائق اللازمة، وفي وسع الوزراء البريطانيين متى تركوا خدمة الحكومة أن يكتبوا مذكراتهم كما شاءوا، ولكن قاعدة حكيمة مرعية تحملهم دائماً على احترام أسرار الدولة الخطيرة، فلا يبوحون بها مطلقاً
وهناك خاصة أخرى للوزارات البريطانية هي استقرارها وطول بقائها في الحكم؛ وهذه الخاصة ترجع إلى عوامل ثلاثة: الأول أن الأحزاب السياسية في إنكلترا قليلة العدد، وليست موزعة القوى والفرق كما هو الشأن في بلاد أخرى. والثاني هو أن صدور تصويت ضد الوزارة لا ينتهي بإسقاطها حتما؛ والوزارة الإنكليزية لا تطرح مسألة الثقة؛ ولا تسقط الوزارة إلا إذا هزمت في مسألة خطيرة أو وجه أليها قرار لوم على أثر المناقشة
стр. 7490
في مسألة هامة. والثالث هو أن أعضاء الأغلبية يترددون غالباً في التصويت ضد الحكومة، لأنه يحتمل جداً أن رئيس الوزارة إذا هزمت الوزارة، يشير على الملك بحل البرلمان، وهو اعتبار له قيمته في اتزان النواب. والمفهوم دائماً أن الرئيس إذا أشار بحل المجلس، فإنما يرجع ذلك إلى أسباب جوهرية تقتضيه؛ ولم يحدث أن رئيساً أشار مرة بالحل ورفض طلبه
ولمجلس النواب البريطاني رئيس له تقاليد خاصة واحترام عميق في نفوس الأعضاء، وهو الذي يطلق عليه (مستر سبيكر) وهو يحمل مسئولية النظام في المجلس، ويؤديها بمقدرة عجيبة؛ وليس له جرس يقرعه، ولكنه إذا احتدم الجدل إلى حد كبير، يقوم من مجلسة فقط، فيضطر الأعضاء احتراماً لعادة قديمة أن يجلسوا جميعاً وبذلك تسود السكينة. ولم يحدث منذ ثلاثين عاماً أن أخرج عضو من المجلس أو اتخذت أي إجراءات غير عادية لتأييد النظام
الموسوعة الإيطالية
كان من مظاهر الأحياء الفاشستي في إيطاليا، أن عنيت إيطاليا الجديدة بالناحية الثقافية والعمل على ترقية العلوم والآداب؛ ومنذ سنة ١٩٢٥ تعنى جهات الثقافة الرسمية بإصدار موسوعة إيطالية كبرى (دائرة المعارف) لا تقل في حجمها وموادها عن الموسوعة الإنكليزية أو الأمريكية أو الروسية؛ ولم تكن إيطاليا قد عملت بعد لإخراجموسوعة من هذا النوع، وكان أول من فكر في تنفيذ المشروع السناتو تريكاني وهو من أقطاب الصناعة والمال، ورأى أن يستعين على تنفيذه بأقطاب العلم والأدب والفن في إيطاليا وفي خارجها؛ ولما رأت الحكومة خطر المشروع وأهميته تناولته بيدها، وأصدرت به قراراً رسمياً في يناير سنة ١٩٣٣؛ وتحولت الهيئة التي كانت قائمة به إلى هيئة رسمية، واشتركت معظم البنوك الإيطالية الكبرى في إنشاء الاعتماد اللازم؛ وتولى الإشراف على الناحية العلمية السنيور جنتيلي وزير المعارف السابق وهو علامة وفيلسوف كبير؛ فجمع حوله أقطاب العلم والأدب والفن؛ وقسمت أبواب الموسوعة إلى خمسين باباً وزعت على مختلف العلماء والاخصائيين؛ وروعي فيها أن تكون تامة التماسك والتناسق؛ فالمواد تفحص حين ورودها ويستبعد منها ما كان جدلياً أو مذهبياً أو متناقضاً مع غيره، وتصحح التجارب مراراً
стр. 7491
عديدة، وقد بدأ ظهور هذه الموسوعة منذ سنة ١٩٢٩ في ثوب أنيق رائع هو أبدع ما أخرجت المطابع الإيطالية وربما كان أبدع ما أخرجت مطابع العالم؛ ومن ذلك الحين يصدر مجلد واحد كل ثلاثة أشهر بانتظام تام؛ وسوف تظهر الأجزاء الأخيرة في سنة ١٩٣٧، وتكون الموسوعة في ستة وثلاثين مجلداً. وقد ظهر إلى اليوم المجلد الرابع والعشرون ووصلت المواد إلى حرف ويحتوي كل مجلد على نحو مائتي صورة؛ وهي تطبع في مطبعة أنشئت خصيصاً لها في ميلانو عاصمة الطباعة الإيطالية، وقد اشترك في موادها جميع العلماء على اختلاف نحلهم ومذاهبهم العلمية والسياسية، وبلغ عدد الذين يشتركون في كتابتها ٢٥٠٠ عالم منهم نحو العشرة فقط من الأجانب، وكتب السنيور موسوليني مادة (الفاشزم)، وكتب كثير من أقطاب الحركة الفاشستية عن مناحي الحركة وتطوراتها؛ وسوف تكون هذه الموسوعة بلا ريب من أحدث المجموعات العلمية والأدبية والفنية التي ظهرت حتى اليوم
стр. 7492
الكتب
ترجمة نفسية تحليلية
٢ - هو ذا تاريخ إنسان. . .!
للأستاذ خليل هنداوي
جبران (دمعة وابتسامة) كان رؤوفاً بالناس محباً للناس، راحماً ضعفهم، مشفقاً على بؤسهم، وهو - وإن يكن في نزعاته هذه مقلداً - فقد عبر عن عاطفة صحيحة صادقة لم تدنسها الأرض. فهو مؤمن بالعدل السماوي والرحمة المتغلغلة في كل جزء من أجزاء الكون، ولكن جبران الإنسان أفسد على جبران الهادئ هدوءه، وقلقه الحسي عمل قلقه الروحي. . . فالفقر والهجرة وموت الأعزاء والخيبة، كلها عوامل تألبت على جبران فخنقت فيه جبران الهادئ، ووترت أعصاب جبران القاسي، ومن يطفئ مثل هذه الثورة إلا خمرة (نيتشه) يتناولها بيد (زرادشت)؟
خلقت خمرة (نيتشه) عواصف جبران، وقد أثبت الناقد تأثير نيتشه في (العواصف) وهو تأثير لمن يرى؛ وعندي أن هذا التأثير مهما أحاطت به عوامل هذا الفيلسوف فهو لا يخلو من تأثير روح جبران الباطنية التي تمثلت أن الناس كانوا سبب خيبتها، فكرهتهم، لأن في كراهيتها انتقاماً لها منهم.
قد كان - في طوايا جبران - زرادشت راقداً، فأيقضه زرادشت نيتشه. . . وألهبه بروحه، وهتف به ليكون هداماً مثله، دافناً للأموات الأحياء!
لا يرضى النعيمي عن كل هذا التمرد ولا بعضه، لأنه لا يعرف للتمرد غاية. . . وإنما أظهر رضاه عنه في (غرباله) لأنه كان نفثة صادقة من فتى التفت إلى لباب الحياة، أو طفل صاح صيحة الحياة، برغم القابلة الواقفة على كل طفل يولد لتحول بينه وبين صيحته بالخنق أو بالسحق: هتف جبران برغم ذلك هتاف المرارة والحرقة، فوجد الناقد في هتافه تحرقاً للمجهول، فرضى عن هذا التحرق وإن لم يرض عن هذا التمرد. . . فنظر - كما قال جبران - إلى مستقبله لا إلى ماضيه، وأدرك الناقد أن هذه الثورة النفسية هي ثورة لم يخل منها فنان أو شاعر، وأي حجر ينزل في القاع بدون دوائر وأمواج. وهذه الثورة هي علامة الحياة. . .
стр. 7493
صدق النعيمي في نبوءته؛ فإن جبران لم يطل تمرده، ولو طال تمرده لما كان شريفاً كالذي قلده في تمرده؛ فإن تمرد نيتشه ناشئ عن المثل الأعلى الذي وجده واتبعه، لا يثنيه ثان عنه إلا رده، ولا يحول بينه وبين مثله حائل إلا صده. أما تمرد جبران فهو تمرد تقليدي - كمن يمد لمصافحة يداً شائكة إذا أنكره أو يداً ملساء إذا عرفه. تمرد نيتشه لا يقبل رحمة من يشتمهم، ولا يرضى بهبة من يدعوهم أمواتاً لأنه هو الحي العظيم! أما جبران فهو يعمل لهم ويقبل صداقتهم ويبني فنه على عطفهم ومعونتهم. ولو أن نيتشه حل محل جبران وعرضت عليه - ماري هاسكل - هذه الخمسة والسبعين دولاراً هبة، فماذا كان فاعلاً؟ لكن جبران علل نفسه بأنه اليوم مستسلماً وغداً يتمرد ثائراً. . وجاءت ساعة التمرد فأعلن العصيان، ثم فاء إلى منطقة السكينة الصامتة، والحياة كلها متوزعة في منطقة الصمت
ما هي العوامل التي دفعت جبران إلى السكينة بعد تلك العاصفة الهوجاء؟
ذلك ما حاول النعيمي أن يسدل عليه ستاراً فيأتي بالعوامل الخارجية التي لا يسكن إليها العقل. فجبران المتمرد قد يكون سبب سكونه أنه لم يكن داعياً بتمرده إلى مثل أعلى تؤمن به روحه كما يذيعهيراعه. ولكن (زرادشت) الثائر في قلب جبران هو ذات (زرادشت) الذي هدأ، والذي أسماه (المصطفى) وفيه لا يزال نتيشه عرقاً حياً ينبض في قلب جبران!
يرى (النعيمي) في المصطفى جبران الاسمي الذي بلغ بخياله ما لم يبلغه بإرادته. . . جبران الذي هو في القاع وهدأ في مكانه. جبران الساكن الذي دفن جبران المتمرد! جبران الذي رضى عن الحياة بكل ما انطوت عليه الحياة؛ وقبل الحياة المتصلة اتصال كل ذرة بذرة وكل قطرة بقطرة؛ الحياة التي لا ينفصل ألمها عن فرحها وجميلها عن قبيحها! هذه هي القمة التي بلغها جبران وأراد النعيمي من جبران أن يبلغها!
يقف النعيمي عند هذه النقطة ولا يتقدم، ويبقى القارئ مشوشاً لأنه لا يستطيع أن يصل بين حلقة التمرد وحلقة الكون؛ وقد تركهما الناقد مقطوعتين. عرف مولد التمرد ولم يعرف مولد السكينة، ولكن المحلل اليقظ يسهل عليه أن يدرك أن في (جبران المصطفى) أثراً من روح (نعيمة الهادئ)
أما جبران الثائر فقد علمنا أنه وليد نتيشه، أما جبران الهادئ فأي (نتيشه آخر) ذهب بروحه إلى هذا الأفق.، وهداه إلى هذه الغاية؟ إن الناقد الحقيقي قد يساعد الشاعر على
стр. 7494
خلق نفسه وتتميم رسالته، والتغلب على الصدمات التي تعترض سبيله إذا كان فناناً. . . والناقد لا يحيط بمعاني العبقري إلا إذا كان ممن أوتوا من هذه العبقرية شيئاً. . والنعيمي هو صاحب فلسفة ومذهب في الحياة شامل، تراه في كل آثاره. ألم يحمل إلى جبران الثائر من هذا الطعام شيئاً؟ ألم يكيفه بشيء؟
أنا أعتقد بأنه أثر فيه وإن أخفى النعيمي هذه الصفحة تواضعاً منه، فجبران يوم كان يبعث بعواصفه المدمرة كان النعيمي يبشر بهذه الحياة الهادئة الساكنة. .
هذا هو كتاب (المصطفى) الذي يمثل الروح الشاملة المطلقة التي يبشر بها النعيمي؛ هذه الروح التي تضم إلى صدرها كل شيء، وتجعل صاحبها في أمن من الألم، لأن الألم عندها مفقود، وكيف يتألم من يؤمن بأن الحياة في كل حركة من حركاتها وفي كل سكنة من سكناتها ساعية دائبة وراء غايتها التي لا تحد!
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 7495
العدد ٩١ - بتاريخ: ٠١ - ٠٤ - ١٩٣٥
следующие страницы →